← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(٣١٢) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن حكم التبرك بالقبور والطواف حولها بقصد قضاء حاجة أو تقرب وعن حكم الحلف بغير الله ؟ فأجاب بقوله: التبرك بالقبور حرام ونوع من الشرك وذلك لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به سلطانًا ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوا مثل هذا التبرك فيكون من هذه الناحية بدعة أيضًا, وإذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر إذا دعاه لجلب المنفعة أو دفع المضرة. وكذلك يكون من الشرك الأكبر إذا تعبد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ , والمشرك شركًا أكبر كافر مخلد في النار والجنة عليه حرام لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . وأما الحلف بغير الله فإن كان الحالف يعتقد أن للمحلوف به منزلة مثل الله تعالى فهو مشرك شركًا أكبر وإن كان يعتقد ذلك ولكن كان في قلبه

стр. 527

من تعظيم المحلوف به ما حمله على أن يحلف به دون أن يعتقد أن له منزلة مثل منزلة الله فهو مشرك شركًا أصغر؛ لقول النبي ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . ويجب الإنكار على من تبرك بالقبور أو دعا المقبور أو حلف بغير الله, وأن يبين له أنه لن ينجيه من عذاب الله قوله: هذا شيء أخذنا عليه, فإن هذه الحجة هي حجة المشركين الذين كذبوا الرسل وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ فقال لهم الرسول: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ . ولا يحل لأحد أن يحتج لباطله بكونه وجد عليه آباءه أو بكونه عادة له ونحو ذلك ولو احتج بهذا فحجته داحضة عند الله تعالى لا تنفعه ولا تغني عنه شيئًا. وعلى الذين ابتلوا بمثل هذا أن يتوبوا إلى الله, وأن يتبعوا الحق أينما كان وممن كان ومتى كان, وأن لا يمنعهم من قبوله عادات قومهم أو لوم عوامهم, فإن المؤمن حقًا هو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يصده عن دين الله عائق. وفق الله الجميع لما فيه رضاه وحمانا عما فيه سخطه وعقوبته.

стр. 528

التصوير

стр. 529

(٣١٣) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير؟ وحكم اقتناء الصور؟ وحكم الصور التي تمثل الوجه وأعلى الجسم ؟ فأجاب-حفظه الله- بقوله: التصوير نوعان: أحدهما: تصوير باليد. والثاني: تصوير بالآلة. فأما التصوير باليد فحرام بل هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ ، لعن فاعله، ولا فرق بين أن يكون للصورة ظل أو تكون مجرد رسم على القول الراجح لعموم الحديث، وإذا كان التصوير هذا من الكبائر، فتمكين الإنسان غيره أن يصور نفسه إعانة على الإثم والعدوان فلا يحل. وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها فهذه موضع خلاف بين المتأخرين فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها, فمن نظر إلى لفظ الحديث منع؛ لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير, ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تلتقط الصورة، ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها؛ لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله, بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها فهو ناقل لخلق الله لا مضاه له، قالوا: ويوضح ذلك أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول

стр. 530

بل هي مشابهة لها ولو نقل كتابته بالصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة هي كتابة الأول وإن كان عمل نقلها من الثاني, فهكذا نقل الصورة بالآلة الفوتغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله نقل بواسطة آلة التصوير. والاحتياط الامتناع من ذلك؛ لأنه من المتشابهات ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به؛ لأن الحاجة ترفع الشبهة لأن المفسدة لم تتحقق في المشتبه فكانت الحاجة رافعة لها. وأما اقتناء الصور فعلى نوعين: النوع الأول: أن تكون الصورة مجسمة أي ذات جسم فاقتناؤها حرام, وقد نقل ابن العربي الإجماع عليه, نقله عنه في فتح الباري ص ٣٨٨ ج١٠ط. السلفية قال: "وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في باب من صور صورة" وقد أحال في الباب المذكور على كتاب الأدب, وذكره في كتاب الأدب في باب الانبساط إلى الناس ص ٥٢٧ من المجلد المذكور على حديث عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ ، إذا دخل يتقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي» . قال في شرحه: "واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ وخصه بعضهم بالصغار". وإن المؤسف أن بعض قومنا الآن، صاروا يقتنون هذه الصور

стр. 531

ويضعونها في مجالسهم أو مداخل بيوتهم، نزلوا بأنفسهم إلى رتبة الصبيان مع اكتساب الإثم والعصيان نسأل الله لنا ولهم الهداية. النوع الثاني: أن تكون الصورة غير مجسمة بأن تكون رقمًا على شيء فهذه أقسام: القسم الأول: أن تكون معلقة على سبيل التعظيم والإجلال مثل ما يعلق من صور الملوك، والرؤساء، والوزراء، والعلماء، والوجهاء، والآباء، وكبار الإخوة ونحوها، فهذا القسم حرام لما فيه من الغلو بالمخلوق والتشبه بعباد الأصنام والأوثان، مع أنه قد يجر إلى الشرك فيما إذا كان المعلق صورة عالم أو عابد ونحوه. القسم الثاني: أن تكون معلقة على سبيل الذكرى مثل من يعلقون صور أصحابهم وأصدقائهم في غرفهم الخاصة فهذه محرمة فيما يظهر لوجهين: الوجه الأول: أن ذلك يوجب تعلق القلب بهؤلاء الأصدقاء تعلقًا لا ينفك عنه, وهذا يؤثر تأثيرًا بالغًا على محبة الله ورسوله وشرعه ويوجب تشطير المحبة بين هؤلاء الأصدقاء وما تجب محبته شرعًا وكأن قارعًا يقرع قلبه كلما دخل غرفته. انتبه. انتبه. صديقك صديقك وقد قيل: أحبب حبيبك هونًا ما ... فعسى أن يكون بغيضك يومًا ما الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي طلحة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة» وهذه عقوبة ولا عقوبة إلا على فعل محرم. القسم الثالث: أن تكون معلقة على سبيل التجميل والزينة، فهذه

стр. 532

محرمة أيضًا لحديث عائشة ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ ، من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه, وقال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". قالت: فجعلته وسادة أو وسادتين» رواه البخاري. والقرام: خرقة تفرش في الهودج أو يغطى بها يكون فيها رقوم ونقوش. والسهوة بيت صغير في جانب الحجرة يجعل فيه المتاع. وعن عائشة ﵂ «أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها النبي ﷺ ، قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية, قالت: فقلت: أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: "ما هذه النمرقة؟ " قلت: لتجلس عليها وتوسدها فقال النبي ﷺ : "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم وإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصورة» . رواه البخاري. النمرقة: الوسادة العريضة تصلح للاتكاء والجلوس. القسم الرابع: أن تكون ممتهنة كالصورة التي تكون في البساط والوسادة، وعلى الأواني وسماط الطعام ونحوها، فنقل النووي عن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين جوازها، وقال: هو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، وهو كذلك مذهب الحنابلة. ونقل في فتح الباري - ص ٣٩١ج ١٠ط. السلفية- حاصل ما قيل في ذلك عن ابن العربي فقال: حاصل ما في اتخاذ الصور؛ أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر قوله في حديث الباب: "إلا رقمًا في

стр. 533

ثوب". الثاني: المنع مطلقًا حتى الرقم. الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز قال: وهذا هو الأصح. الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقًا لم يجز ا. هـ. والذي صححه هو ظاهر حديث النمرقة، والقول الرابع هو ظاهر حديث القرام ويمكن الجمع بينهما بأن النبي ﷺ لما هتك الستر تفرقت أجزاء الصورة فلم تبق كاملة بخلاف النمرقة فإن الصورة كانت فيها كاملة فحرم اتخاذها, وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج» ففعل رسول الله ﷺ , رواه أهل السنن. وفي رواية النسائي «إما أن تقطع رءوسها أو تجعل بسطًا توطأ» . ذكر هذا الحديث في فتح الباري ص ٣٩٢ من المجلد العاشر السابق, وزعم في ص٣٩٠ أنه مؤيد للجمع الذي ذكرناه, وعندي أن في ذلك نظرًا فإن هذا الحديث ولا سيما رواية النسائي تدل على أن الصورة إذا كانت في شيء يمتهن فلا بأس بها, وإن بقيت كاملة وهو رأي الجمهور كما سبق. القسم الخامس: أن تكون مما تعم به البلوى ويشق التحرز منه كالذي يوجد في المجلات والصحف وبعض الكتب, ولم تكن مقصودة لمقتنيها بوجه من الوجوه بل هي مما يكرهه ويبغضه ولكن لا بد له منها

стр. 534

والتخلص منها فيه عسر ومشقة وكذلك ما في النقود من صور الملوك والرؤساء والأمراء مما ابتليت به الأمة الإسلامية, فالذي يظهر لي أن هذا لا حرج فيه على من وقع في يده بغير قصد منه إلى اتخاذه من أجل صوره بل هو يكرهه أشد الكراهة, ويبغضه ويشق عليه التحرز منه فإن الله تعالى لم يجعل على عباده في دينهم من حرج ولا يكلفهم شيئًا لا يستطيعونه إلا بمشقة عظيمة أو فساد مال، ولا يصدق على مثل هذا أنه متخذ للصورة ومقتن لها. وأما سؤالكم عن الصورة التي تمثل الوجه وأعلى الجسم، فإن حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه يدل على أنه لا بد من قطع الرأس وفصله فصلًا تامًّا عن بقية الجسم، فأما إذا جمع إلى الصدر فما هو إلا رجل جالس, بخلاف ما إذا أبين الرأس إبانة كاملة عن الجسم، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: الصورة الرأس. وكان إذا أراد طمس الصورة حك رأسها, وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الصورة الرأس فإذا قطع الرأس فليس هو صورة. فتهاون بعض الناس في ذلك مما يجب الحذر منه. نسأل الله لنا ولكم ولإخواننا المسلمين السلامة والعافية مما لا تحمد عقباه إنه جواد كريم. (٣١٤) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير ؟ فأجاب بقوله: التصوير على أنواع: النوع الأول: أن يصور ما له ظل وجسم على هيئة إنسان أو حيوان، وهذا حرام ولو فعله عبثًاولو لم يقصد المضاهاة؛ لأن المضاها لا يشترط فيها القصد حتى لو وضع هذا التمثال لابنه لكي يهدئه به.

стр. 535

فإن قيل: أليس المحرم ما صور لتذكار قوم صالحين كما هو أصل الشرك في قوم نوح؟ أجيب: إن الحديث في لعن المصورين عام، لكن إذا انضاف إلى التصوير هذا القصد صار أشد تحريمًا. النوع الثاني: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم أيضًا لعموم الحديث، ويدل له حديث النمرقة حيث «أقبل النبي ﷺ إلى بيته, فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير فوقف وتأثر، وعرفت الكراهة في وجهه ﷺ فقالت عائشة ﵂: ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم على الصحيح، وقوله في صحيح البخاري: «إلا رقمًا في ثوب» إن صحت الرواية هذه فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها ليتفق مع الأحاديث الأخرى. النوع الثالث: أن تلتقط الصورة التقاطًا بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط, فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين على قولين: القول الأول: أنها صورة, وإذا كان كذلك فإن حركة هذا الفاعل تعتبر تصويرًا إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة, ونحن متفقون على أن هذه صورة فحركته تعتبر تصويرًا فيكون داخلًا في العموم. القول الثاني: أنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله،

стр. 536

ومثال ذلك: لو أدخلت كتابًا في آلة التصوير ثم خرج من هذه الآلة, فإن رسم الحروف من الكاتب الأول لا من المحرك بدليل أنه قد يحركها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقًا أو أعمى. وهذا القول أقرب؛ لأن المصور يعتبر مبدعًا، ومخططًا، ومضاهيًا لخلق الله تعالى وليس هذا كذلك. (٣١٥) سئل فضيلة الشيخ: هل يجب إتلاف الرأس في الصور لزوال التحريم؟ أو يكفي فصله عن الجسم؟ وما حكم الصور التي في العلب والمجلات والصحف ورخص القيادة والدراهم؟ وهل تمنع من دخول الملائكة ؟ فأجاب بقوله: إذا فصل الرأس عن الجسم فظاهر الحديث «مر برأس التمثال فليقطع» أنه لا يجب إتلاف الرأس؛ لأنه لم يذكر في الحديث إتلافه وإن كان في ذلك شيء من التردد. وأما الجسم بلا رأس فهو كالشجرة لا شك في جوازه. أما بالنسبة لما يوجد في العلب والمجلات والصحف من الصور: فما يمكن التحرز منه فالورع تركه، وأما ما لا يمكن التحرز منه، والصورة فيه غير مقصودة, فالظاهر أن التحريم يرتفع فيه بناء على القاعدة الشرعية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والمشقة تجلب التيسير والبعد عنه أولى.

стр. 537

وكذلك بالنسبة لما يوجد في رخص القيادة، وحفائظ النفوس، والشهادات والدراهم، فهو ضرورة لا إثم فيه، ولا يمنع ذلك من دخول الملائكة. وأما قوله ﷺ : «وأن لا تدع صورة إلا طمستها» ففيه احتمال قوي؛ أن المراد كل صورة مقصودة اتخذت لذاتها لا سيما في أوقاتهم، فلا تجد صورة في الغالب إلا مقصودة لذاتها. ولا ريب أن الصور المقصودة لا يجوز اقتناؤها كالصور التي تتخذ للذكرى أو للتمتع بالنظر إليها أو للتلذذ بها ونحو ذلك. (٣١٦) وسئل جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء: عن حكم صنع التماثيل ؟ فأجاب قائلًا: صنع التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح، فهي محرمة لا تجوز؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه لعن المصورين, وثبت أيضًا عنه أنه قال: «قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» وهذا محرم. أما إذا كانت التماثيل ليست من ذوات الأرواح, فإنه لا بأس به وكسبها حلال؛ لأنها من العمل المباح. والله الموفق. (٣١٧) وسئل: عن حكم رسم ذوات الأرواح وهل هو داخل في عموم الحديث القدسي «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» ؟

стр. 538

فأجاب قائلًا: نعم هو داخل في هذا الحديث، لكن الخلق خلقان خلق جسمي وصفي وهذا في الصور المجسمة، وخلق وصفي لا جسمي وهذا في الصور المرسومة. وكلاهما يدخل في الحديث المتقدم فإن خلق الصفة كخلق الجسم، وإن كان الجسم أعظم؛ لأنه جمع بين الأمرين الخلق الجسمي والخلق الوصفي، ويدل على ذلك -أي العموم- وأن التصوير محرم باليد سواء كان تجسيمًا أم كان تلوينًا عموم لعن النبي ﷺ للمصورين, فعموم لعن النبي ﷺ للمصورين يدل على أنه لا فرق بين الصور المجسمة والملونة التي لا يحصل التصوير فيها إلا بالتلوين فقط، ثم إن هذا هو الأحوط, والأولى بالمؤمن أن يكون بعيدًا عن الشبه. ولكن قد يقول قائل: أليس الأحوط في اتباع ما دل عليه النص لا في اتباع الأشد؟ فنقول: صحيح أن الأحوط اتباع ما دل عليه النص لا اتباع الأشد، لكن إذا وجد لفظ عام يمكن أن يتناول هذا وهذا فالأحوط الأخذ بعمومه، وهذا ينطبق تمامًا على حديث التصوير، فلا يجوز للإنسان أن يرسم صورة ما فيه روح من إنسان وغيره؛ لأنه داخل في لعن المصورين. والله الموفق. (٣١٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير الفوتوغرافي ؟ فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: الصور الفوتوغرافية الذي نرى فيها؛ أن هذه الآلة التي تخرج الصورة فورًا، وليس للإنسان في الصورة أي عمل، نرى أن هذا ليس من باب التصوير، وإنما هو من باب نقل صورة

стр. 539

صورها الله بواسطة هذه الآلة، فهي انطباع لا فعل للعبد فيه من حيث التصوير، والأحاديث الواردة إنما هي في التصوير الذي يكون بفعل العبد ويضاهي به خلق الله، ويتبين لك ذلك جيدًا بما لو كتب لك شخص رسالة فصورتها في الآلة الفوتوغرافية، فإن هذه الصورة التي تخرج ليست هي من فعل الذي أدار الآلة وحركها، فإن هذا الذي حرك الآلة ربما يكون لا يعرف الكتابة أصلًا، والناس يعرفون أن هذا كتابة الأول، والثاني ليس له أي فعل فيها، ولكن إذا صور هذا التصوير الفوتوغرافي لغرض محرم، فإنه يكون حرامًا تحريم الوسائل. (٣١٩) وسئل: أيضًا عن حكم التصوير؟ وكيف يفعل من طلب منه التصوير في الامتحان؟ وما حكم مشاهدة الصور التي في المجلات والتلفزيون ؟ فأجاب بقوله: سؤالكم عن التصوير فالتصوير نوعان: أحدهما: أن يكون تصوير غير ذوات الأرواح كالجبال والأنهار والشمس والقمر والأشجار فلا بأس به عند أكثر أهل العلم، وخالف بعضهم فمنع تصوير ما يثمر كالشجر والزروع ونحوها، والصواب قول الأكثر. الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح وهذا على قسمين: القسم الأول: أن يكون باليد فلا شك في تحريمه, وأنه من كبائر الذنوب؛ لما ورد فيه من الوعيد الشديد مثل حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كل مصور في النار يجعل له»

стр. 540

«بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم» . رواه مسلم. وحديث أبي جحيفة ﵁ أن النبي ﷺ : «لعن آكل الربا وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور» رواه البخاري. وحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» . رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: «الذين يشبهون بخلق الله» . وحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ، يقول:: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» . رواه البخاري ومسلم. والتصوير المذكور ينطبق على التصوير باليد بأن يخطط الإنسان الصورة بيده حتى يكملها فتكون مثل الصورة التي خلق الله تعالى؛ لأنه حاول أن يبدع كإبداع الله تعالى, ويخلق كخلقه وإن لم يقصد المشابهة لكن الحكم إذا علق على وصف تعلق به، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، والمصور إذا صنع الصورة تحققت المشابهة بصنعه, وإن لم ينوها, والمصور في الغالب لا يخلو من نية المضاهاة، ولذلك تجده يفخر بصنعه كلما كانت الصورة أجود وأتقن. وبهذا تعرف سقوط ما يموه به بعض من يستسيغ التصوير من أن المصور لا يريد مشابهة خلق الله؛ لأننا نقول له: المشابهة حصلت بمجرد صنعك شئت أم أبيت. ولهذا لو عمل شخص عملًا يشبه عمل شخص آخر لقلنا نحن وجميع الناس: إن عمل هذا يشبه عمل ذاك وإن كان هذا العامل لم يقصد المشابهة. القسم الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد، مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصورة التي خلقها الله تعالى على ما هي عليه،

стр. 541

من غير أن يكون للمصور عمل في تخطيطها سوى تحريك الآلة التي تنطبع بها الصورة على الورقة، فهذا محل نظر واجتهاد؛ لأنه لم يكن معروفًا على عهد النبي ﷺ ، وعهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح, ومن ثم اختلف فيه العلماء المتأخرون: فمنهم من منعه وجعله داخلًا فيما نهى عنه نظرًا لعموم اللفظ له عرفًا، ومنهم من أحله نظرًا للمعنى، فإن التصوير بالكاميرا لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى, وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها ونظير ذلك تصوير الصكوك والوثائق وغيرها بالفوتوغراف؛ فإنك إذا صورت الصك فخرجت الصورة لم تكن الصورة كتابتك, بل كتابة من كتب الصك انطبعت على الورقة بواسطة الآلة. فهذا الوجه أو الجسم المصور ليست هيئته وصورته وما خلق الله فيه من العينين والأنف والشفتين والصدر والقدمين وغيرها، ليست هذه الهيئة والصورة بتصويرك أو تخطيطك بل الآلة نقلتها على ما خلقها الله تعالى عليه وصورها. بل زعم أصحاب هذا القول أن التصوير بالكاميرا لا يتناوله لفظ الحديث كما لا يتناوله معناه, فقد قال في القاموس: الصورة الشكل قال: وصور الشيء قطعه وفصله. قالوا وليس في التصوير بالكاميرا تشكيل ولا تفصيل, وإنما هو نقل شكل وتفصيل شكله وفصله الله تعالى قالوا: والأصل في الأعمال غير التعبدية الحل إلا ما أتى الشرع بتحريمه كما قيل: والأصل في الأشياء حل وامنع ... عبادة إلا بإذن الشارع فإن يقع في الحكم شك فارجع ... للأصل في النوعين ثم اتبع والقول بتحريم التصوير بالكاميرا أحوط، والقول بحله أقعد لكن القول بالحل مشروط بأن لا يتضمن أمرًا محرمًا فإن تضمن أمرًا محرمًا

стр. 542

كتصوير امرأة أجنبية، أو شخص ليعلقه في حجرته تذكارًا له، أو يحفظه فيما يسمونه (البوم) ؛ ليتمتع بالنظر إليه وذكراه، كان ذلك محرمًا؛ لأن اتخاذ الصور واقتناءها في غير ما يمتهن حرام عند أهل العلم أو أكثرهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة. ولا فرق في حكم التصوير بين ما له ظل وهو المجسم، وما لا ظل له لعموم الأدلة في ذلك وعدم المخصص. ولا فرق أيضًا في ذلك بين ما يصور لعبًا ولهوًا وما يصور على السبورة لترسيخ المعنى في أفهام الطلبة كما زعموا, وعلى هذا فلا يجوز للمدرس أن يرسم على السبورة صورة إنسان أو حيوان. وإن دعت الضرورة إلى رسم شيء من البدن فليصوره منفردًا، بأن يصور الرجل وحدها، ثم يشرح ما يحتاج إلى شرح منها ثم يمسحها ويصور اليد كذلك ثم يمسحها, ويصور الرأس وهكذا كل جزء وحده فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى. وأما من طلب منه التصوير في الامتحان فليصور شجرة أو جبلًا أو نهرًا؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع أني لا أظن ذلك يطلب منه إن شاء الله تعالى. وأما مشاهدة الصور في المجلات والصحف والتلفزيون فإن كانت صور غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها، لكن لا يقتنيها من أجل هذه الصور وإن كانت صور آدمي؛ فإن كان يشاهدها تلذذًا أو استمتاعًا بالنظر فهو حرام، وإن كان غير تلذذ ولا استمتاع, ولا يتحرك قلبه ولا شهوته بذلك، فإن كان ممن يحل النظر إليه كنظر الرجل إلى الرجل ونظر المرأة إلى المرأة أو

стр. 543

إلى الرجل أيضًا على القول الراجح فلا بأس به لكن لا يقتنيه من أجل هذه الصور، وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضع شك وتردد، والاحتياط أن لا ينظر خوفًا من الفتنة, وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» والنعت بالصورة أبلغ من النعت بالوصف إلا أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد من وجه آخر بلفظ: «لتنعتها لزوجها» وذكر في فتح الباري ص ٣٣٨ ج ٩ الطبعة السلفية أن النسائي زاد في روايته: «في الثوب الواحد» وهو مفهوم من قوله: "لا تباشر" ومجموع الروايات يقتضي أن الزوجة عمدت إلى مباشرة المرأة لتصف لزوجها ما تحت الثياب منها، ومن أجل هذا حصل عندنا الشك والتردد في جواز نظر الرجل إلى صورة المرأة في الصحف والمجلات والتلفزيون والبعد عن وسائل الفتن مطلوب والله المستعان. (٣٢٠) سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى السابقة رقم "٣١٩" فيما يتعلق بمشاهدة الصور ما نصه: "وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية, فهذا موضع شك وتردد, والاحتياط أن لا ينظر خوفًا من الفتنة" فهذا يفهم منه أن فضيلتكم لا يرى بأسًا في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة أجنبية فنرجو التوضيح ؟ فأجاب فضيلته بقوله: النقطة التي أشار إليها السائل وهي أنه يفهم من كلامنا أننا لا نرى بأسًا في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة

стр. 544

أجنبية فنقول هذه النقطة فيها تفصيل: فإن كانت امرأة معينة ونظر إليها نظر تلذذ وشهوة فهذا حرام؛ لأن نفسه حينئذ تتعلق بها وتتبعها وربما يحصل بذلك شر وفتنة، فإن لم ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة وإنما هي نظرة عابرة لم تحرك له ساكنًا، ولم توجب له تأملًا فتحريم هذا النظر، فيه نظر فإن إلحاق نظر الصورة بنظر الحقيقة غير صحيح، لما بينهما من الفرق العظيم في التأثير، لكن الأولى البعد عنه؛ لأنه قد يفضي إلى نظر التأمل ثم التلذذ والشهوة، ولهذا قال النبي ﷺ : «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» رواه البخاري، ورواه أحمد وأبو داود بلفظ: «لتنعتها لزوجها» . واللام للتعليل. وأما إن كانت الصورة لامرأة غير معينة فلا بأس بالنظر إليها إذا لم يُخْشَ من ذلك محذور شرعي. (٣٢١) وسئل فضيلة الشيخ: عن تهاون كثير من الناس في النظر إلى صور النساء الأجنبيات بحجة أنها صورة لا حقيقة لها ؟ فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: هذا تهاون خطير جدًّا وذلك أن الإنسان إذا نظر للمرأة سواء كان ذلك بواسطة وسائل الإعلام المرئية، أو بواسطة الصحف أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون من ذلك فتنة على قلب الرجل تجره إلى أن يتعمد النظر إلى المرأة مباشرة، وهذا شيء مشاهد. ولقد بلغنا أن من الشباب من يقتني صور النساء الجميلات ليتلذذ بالنظر إليهن، أو يتمتع بالنظر إليهن، وهذا يدل على عظم الفتنة في مشاهدة هذه

стр. 545

الصور، فلا يجوز للإنسان أن يشاهد هذه الصور، سواء كانت في مجلات أو في صحف أو غير ذلك، إن كان يرى من نفسه التلذذ والتمتع بالنظر إليهن؛ لأن ذلك فتنة تضره في دينه، وفي اتجاهاته، ويتعلق قلبه بالنظر إلى النساء فيبقى ينظر إليهن مباشرة. (٣٢٢) سئل فضيلة الشيخ: لقد كثر عرض الصور الكبيرة والصغيرة في المحلات التجارية وهي صور إما لممثلين عالميين أو أناس مشهورين. وذلك للتعريف بنوع أو أصناف من البضائع. وعند إنكار هذا المنكر يجيب أصحاب المحلات بأن هذه الصور غير مجسمة وهذا يعني أنها ليست محرمة, وهي ليست تقليدًا لخلق الله باعتبارها بدون ظل, ويقولون: إنهم قد اطلعوا على فتوى لفضيلتكم بجريدة "المسلمون" مفادها أن التصوير المجسم هو المحرم وغير ذلك فلا. فنرجو من فضيلتكم توضيح ذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: من نسب إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم, وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا، ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواء كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار، وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة. والله الموفق.

стр. 546

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد كثر السؤال حول ما نشر في المقابلة التي جرت بيني وبين مندوب جريدة "المسلمون" يوم الجمعة ٢٩\١١\١٤١٠هـ بالعدد ٢٨١ حول حكم التصوير "الفوتوغرافي" وذكرت في هذه المقابلة أني لا أرى أن التصوير "الفوتوغرافي" الفوري -الذي تخرج فيه الصورة فورًا دون تحميض- داخل في التصوير الذي نهى عنه الرسول صلى?الله?عليه?وسلم?، ولعن فاعله. وذكرت علة ذلك ثم قلت: ولكن ينبغي أن يقال: ما الغرض من هذا العمل؟ "إذا كان الغرض شيئًا مباحًا صار هذا العمل مباحًا بإباحة الغرض المقصود منه، وإذا كان الغرض غير مباح صار هذا العمل حرامًا لا لأنه من التصوير، ولكن لأنه قصد به شيء حرام". وحيث إن الذي يخاطبني رجل صحفي، ذكرت مثالًا من المحرم يتعلق بالصحافة، وهو تصوير النساء على صفحات الجرائد والمجلات، ولم أستطرد بذكر الأمثلة اكتفاء بالقاعدة الآنفة الذكر، وهي أنه متى كان الغرض مباحًا كان هذا العمل مباحًا، ومتى كان الغرض غير مباح كان هذا العمل حرامًا.

стр. 547

ولكن بعض السائلين عن هذه المقابلة رغبوا في ذكر المزيد من الأمثلة للمباح والمحرم. وإجابة لرغبتهم أذكر الآن من الأمثلة المباحة: أن يقصد بهذا التصوير ما تدعو الحاجة إلى إثباته كإثبات الشخصية، والحادثة المرورية والجنائية، والتنفيذية, مثل أن يطلب منه تنفيذ شيء فيقوم بهذا التصوير لإثباته. ومن الأمثلة المحرمة: ١ - التصوير للذكرى، كتصوير الأصدقاء، وحفلات الزواج ونحوها؛ لأن ذلك يستلزم اقتناء الصور بلا حاجة وهو حرام؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة. ومن ذلك أن يحتفظ بصورة ميت حبيب إليه كأبيه وأمه وأخيه يطالعها بين الحين والآخر؛ لأن ذلك يجدد الأحزان عليه، ويوجب تعلق قلبه بالميت. ٢ - التصوير للتمتع النفسي أو التلذذ الجنسي برؤية الصورة؛ لأن ذلك يجر إلى الفاحشة. والواجب على من عنده شيء من هذه الصور لهذه الأغراض، أن يقوم بإتلافها لئلا يلحقه الإثم باقتنائها. هذه أمثلة للقاعدة الآنفة الذكر، ليست على سبيل الحصر، ولكن من أعطاه الله فهمًا فسوف يتمكن من تطبيق بقية الصور على هذه القاعدة. هذا وأسأل الله للجميع الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى. (٣٢٣) سئل فضيلة الشيخ: يحتاج بعض الطلبة إلى رسم بعض الحيوانات لغرض التعليم والدراسة فما حكم ذلك ؟

стр. 548

فأجاب بقوله: لا يجوز أن تصور هذه الحيوانات؛ لأن النبي ﷺ لعن المصورين وقال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» وهذا يدل على أن التصوير من كبائر الذنوب؛ لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة والوعيد بشدة العذاب لا يكون إلا على كبيرة، ولكن من الممكن أن تصور أجزاء من الجسم كاليد والرجل وما أشبه ذلك؛ لأن هذه الأجزاء لا تحلها الحياة، وظاهر النصوص أن الذي يحرم ما يمكن أن تحله الحياة لقوله في بعض الأحاديث: «كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» . (٣٢٤) سئل فضيلة الشيخ: يطلب من الطالب في بعض المدارس أن يرسم صورة لذات روح، أو يعطى مثلًا بعض دجاجة ويقال: أكمل الباقي، وأحيانًا يطلب منه أن يقص هذه الصورة, ويلزقها على الورق، أو يعطى صورة فيطلب منه تلوينها فما رأيكم في هذا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى في هذا أنه حرام يجب منعه، وأن المسئولين عن التعليم يلزمهم أداء الأمانة في هذا الباب، ومنع هذه الأشياء، وإذا كانوا يريدون أن يثبتوا ذكاء الطالب بإمكانهم أن يقولوا: اصنع صورة سيارة أو شجرة، أو ما أشبه ذلك مما يحيط به علمه، ويحصل بذلك معرفة مدى ذكائه وفطنته وتطبيقه للأمور، وهذا مما ابتلي به الناس بواسطة الشيطان، وإلا فلا فرق بلا شك في إجادة الرسم والتخطيط بين أن يخطط الإنسان صورة شجرة، أو سيارة، أو قصر، أو إنسان.

стр. 549

فالذي أرى أنه يجب على المسئولين منع هذه الأشياء، وإذا ابتلي الطالب ولا بد فليصور حيوانًا ليس له رأس. (٣٢٥) وسئل الشيخ: قلتم -حفظكم الله- في الفتوى السابقة: " إذا ابتلي الطالب ولا بد فليصور حيوانًا ليس له رأس" ولكن قد يرسب الطالب إذا لم يرسم الرأس فما العمل ؟ فأجاب قائلًا: إذا كان هذا فقد يكون الطالب مضطرًّا لهذا الشيء، ويكون الإثم على من أمره وكلفه بذلك، ولكني آمل من المسئولين ألا يصل بهم الأمر إلى هذا الحد، فيضطروا عباد الله إلى معصية الله. (٣٢٦) وسئل -حفظه الله تعالى-:عن حكم لبس الثياب التي فيها صورة حيوان أو إنسان ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يلبس ثيابًا فيها صورة حيوان أو إنسان، ولا يجوز أيضًا أن يلبس غترة أو شماغًا أو ما أشبه ذلك, وفيه صورة إنسان أو حيوان, وذلك لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» . ولهذا لا نرى لأحد أن يقتني الصور للذكرى كما يقولون، وأن من عنده صور للذكرى فإن الواجب عليه أن يتلفها؛ سواء كان قد وضعها على الجدار، أو وضعها في ألبوم، أو في غير ذلك؛ لأن بقاءها يقتضي حرمان أهل البيت من دخول الملائكة بيتهم. وهذا الحديث الذي أشرت إليه قد صح عن النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 550

(٣٢٧) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إلباس الصبي الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح ؟ فأجاب قائلًا: يقول أهل العلم: إنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم إلباسه الكبير، وما كان فيه صور فإلباسه الكبير حرام، فيكون إلباسه الصغير حرامًا أيضًا، وهو كذلك, والذي ينبغي للمسلمين أن يقاطعوا مثل هذه الثياب وهذه الأحذية حتى لا يدخل علينا أهل الشر والفساد من هذه النواحي، وهي إذا قوطعت فلن يجدوا سبيلًا إلى إيصالها إلى هذه البلاد وتهوين أمرها بينهم. (٣٢٨) سئل فضيلة الشيخ: هل استثناء بعض العلماء لعب الأطفال من التصويرصحيح؟ وهل قول الشيخ ... بجواز الصور التي ليس لها ظل , وإنما هي نقوش بالألوان قول صحيح ؟ فأجاب بقوله: استثناء لعب الأطفال صحيح، لكن ما هي اللعب المستثناة أهي اللعب التي كانت معهودة من قبل وليست على هذه الدقة في التصوير؛ فإن اللعب المعهودة من قبل ليس فيها تلك العيون والشفاه والأنوف كما هو المشاهد الآن في لعب الأطفال, أم أن الرخصة عامة فيما هو لعب أطفال ولو كان على الصور المشاهدة الآن؟ هذا محل تأمل والاحتياط تجنب هذه الصور الشائعة الآن والاقتصار على النوع المعهود من قبل. وأما الصور التي ليس لها ظل وإنما هي نقوش بالألوان فإن دعوى

стр. 551

الجواز فيها نظر حيث استند في ذلك إلى أنه كان ممنوعًا ثم أجيز؛ لأن من شروط النسخ تعذر إمكان الجمع بين النصين، والعلم بتأخر الناسخ، وأما مع إمكان الجمع فلا تقبل دعوى النسخ؛ لأن الجمع يكون فيه العمل بالدليلين, والنسخ يكون فيه إبطال أحد الدليلين, ثم إن طريق العلم بالمتأخر ليس الاستنتاج والتخمين، بل النقل المجرد هو الطريق إلى العلم بالمتأخر ثم إن قول النبي ﷺ : «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» خبر والخبر لا يدخله النسخ إلا إذا أريد به الإنشاء, وليس هذا مما أريد به الإنشاء. نعم الخبر يدخله التخصيص فينظر هل هذا الحديث مخصص بالصور التي ذكرها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن هذا الحديث مخصص بقوله: «إلا رقمًا في ثوب» وبحديث عائشة ﵂ في الستر الذي فيه تمثال طائر وقد ذكر الشيخ..... أن حديث " «إلا رقمًا في ثوب» رواه الخمسة, وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا ومن العلماء من يرى أن هذا الترخيص في الرقم في الثوب وتمثال الطائر كان في أول الأمر ثم نهي عنه على العكس من قول الشيخ ... والذي يظهر لي أن الجمع ممكن وهو أن يحمل قوله: «إلا رقمًا في ثوب» على ما ورد حله مما يتكأ عليه ويمتهن, فيكون الرقم في الثوب المراد به ما كان في مخدة ونحوها؛ لأنه الذي ورد حله, وأن زيد بن خالد ألحق به الستر ونحوه وهو إلحاق غير صحيح؛ لأن حديث عائشة ﵂ في السهوة صريح في المنع منه؛ حيث هتكه النبي ﷺ ، وتلون من أجله وجهه. وأما حديث مسلم في تمثال الطائر فيحمل على أنه تمثال لا رأس فيه وعلى أن النبي ﷺ كرهه لا من أجل أنه صورة ولكن

стр. 552

من أجل أنه من باب الترف الزائد ولهذا قال: «حوليه فإني كلما دخلت ورأيته ذكرت الدنيا» . ويؤيد هذا الحمل ما رواه مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «إن النبي ﷺ خرج في غزاته فأخذت نمطًا فسترته على الباب, فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبه حتى هتكه أو قطعه وقال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» . وعلى هذا فتكون النتيجة في هذا تحريم اقتناء الصور المجسمة والملونة والمنقورة والمزبورة إلا الملونة إذا كانت في شيء يمتهن كالفراش ونحوه, فلا تحرم لكن الأولى التنزه عنها أيضًا لما في الصحيحين من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة للنبي ﷺ فيها تصاوير ليقعد عليها ويتوسدها، فلما رآها قام على الباب ولم يدخل وعرفت الكراهية في وجهه ثم أخبر أن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال: أحيوا ما خلقتم ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» والله الموفق. (٣٢٩) سئل فضيلة الشيخ: هناك أنواع كثيرة من العرائس منها ما هو مصنوع من القطن، وهو عبارة عن كيس مفصل برأس ويدين ورجلين، ومنها ما يشبه الإنسان تمامًا، ومنها ما يتكلم أو يبكي أو يمشي، فما حكم صنع أو شراء مثل هذه الأنواع للبنات الصغار للتعليم والتسلية ؟ فأجاب بقوله: أما الذي لا يوجد فيه تخطيط كامل وإنما يوجد فيه شيء من الأعضاء والرأس, ولكن لم تتبين فيه الخلقة فهذا لا شك في جوازه وأنه من جنس البنات اللاتي كانت عائشة ﵂ تلعب بهن.

стр. 553

وأما إذا كان كامل الخلقة وكأنما تشاهد إنسانًا ولا سيما إن كان له حركة أو صوت فإن في نفسي من جواز هذه شيئًا؛ لأنه يضاهي خلق الله تمامًا، والظاهر أن اللعب التي كانت عائشة تلعب بها ليست على هذا الوصف، فاجتنابها أولى؛ ولكني لا أقطع بالتحريم نظرًا لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور، فإن الصغير مجبول على اللعب والتسلي، وليس مكلفًا بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهوًا وعبثًا، وإذا أراد الإنسان الاحتياط في مثل هذا فليقلع الرأس أو يحميه على النار حتى يلين ثم يضغطه حتى تزول معالمه. (٣٣٠) وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك فرق بين أن يصنع الأطفال تلك اللعب وبين أن نصنعها نحن لهم أو نشتريها لهم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أنا أرى أن صنعها على وجه يضاهي خلق الله حرام؛ لأن هذا من التصوير الذي لا شك في تحريمه، لكن إذا جاءتنا من النصارى أو غيرهم من غير المسلمين فإن اقتناءها كما قلت أولًا. لكن بالنسبة للشراء بدلًا من أن نشتريها ينبغي أن نشتري أشياء ليست فيها صور كالدراجات أو السيارات أو الرافعات وما أشبهها. أما مسألة القطن والذي ما تتبين له صورة على الرغم مما هناك من أنه أعضاء ورأس ورقبة, ولكن ليس فيه عيون ولا أنف فما فيه بأس؛ لأن هذا لا يضاهي خلق الله.

стр. 554

(٣٣١) وسئل فضيلته: عن حكم صنع ما يشبه هذه العرائس بمادة الصلصال ثم عجنها في الحال ؟ فأجاب بقوله: كل من صنع شيئًا يضاهي خلق الله فهو داخل في الحديث، وهو لعن النبي ﷺ المصورين. وقوله: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» لكن كما قلت: إنه إذا لم تكن الصورة واضحة أي ليس فيها عين أو أنف ولا فم ولا أصابع فهذه ليست صورة كاملة ولا مضاهية لخلق الله . (٣٣٢) سئل فضيلة الشيخ: كثير من الألعاب تحوي صورًا مرسومة باليد لذوات الأرواح والهدف منها غالبًا التعليم مثل هذه الموجودة في الكتاب الناطق فهل هي جائزة ؟ فأجاب بقوله: إذا كانت لتسلية الصغار فإن من أجاز اللعب للصغار يجيز مثل هذه الصور، وأما من منع هذه الصور على أن هذه الصور ليست أيضًا مطابقة للصورة التي خلق الله عليها هذه المخلوقات المصورة كما يتضح مما هو أمامي. والخطب في هذا سهل. (٣٣٣) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صور الكرتون التي تخرج في التلفزيون؟ وما قولكم في ظهور بعض المشايخ فيه؟ وما حكم استصحاب الدراهم التي فيها صور ؟ فأجاب قائلًا: أما صور الكرتون التي ذكرتم أنها تخرج في التلفزيون فإن كانت على شكل آدمي فحكم النظر فيها محل تردد، هل يلحق بالصور الحقيقية أو لا؟.

стр. 555

والأقرب أنه لا يلحق بها. وإن كانت على شكل غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها إذا لم يصحبها أمر منكر من موسيقى أو نحوها ولم تله عن واجب. وأما ظهور بعض المشايخ في التفزيون فهو محل اجتهاد إن أصاب الإنسان فيه فله أجران, وإن أخطأ فله أجر واحد، ولا شك أن المحب للخير منهم قصد نشر العلم وأحكام الشريعة؛ لأن التلفزيون أبلغ وسائل الإعلام وضوحًا، وأعمها شمولًا، وأشدها من الناس تعلقًا فهم يقولون: إن تكلمنا في التفزيون وإلا تكلم غيرنا, وربما كان كلام غيرنا بعيدًا من الصواب، فننصح الناس ونوصد الباب ونسد الطريق أمام من يتكلم بغير علم فيضل ويضل. وأما استصحاب الرجل ما ابتلي به المسلمون اليوم من الدراهم التي عليها صور الملوك والرؤساء فهذا أمر قديم، وقد تكلم عليه أهل العلم، ولقد كان الناس هنا يحملون الجنيه الفرنجي وفيه صورة فرس وفارس، ويحملون الريال الفرنسي وفيه صورة رأس ورقبة وطير. والذي نرى في هذا أنه لا إثم على من استصحبه لدعاء الحاجة إلى حمله؛ إذ الإنسان لا بد له من حمل شيء من الدراهم في جيبه ومنع الناس من ذلك فيه حرج وتعسير, وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا» . رواه البخاري. «وقال لمعاذ بن جبل وأبي موسى»

стр. 556

«عند بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا» وقال للناس حين زجروا الأعرابي الذي بال في المسجد: «دعوه فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» رواهما البخاري أيضًا. فإذا حمل الرجل الدراهم التي فيها صورة، أو التابعية، أو الرخصة وهو محتاج إليهما أو يخشى الحاجة فلا حرج في ذلك ولا إثم إن شاء الله تعالى إذا كان الله تعالى يعلم أنه كاره لهذا التصوير, وإقراره وأنه لولا الحاجة إليه ما حمله. والله أسأل أن يعصمنا جميعًا والمسلمين من أن تحيط بنا خطايانا وأن يرزقنا الثبات والاستقامة على دينه إنه جواد كريم. (٣٣٤) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة مجسم لقلب إنسان لأجل التذكير بقدرة الله وعظمته ؟ . فأجاب فضيلته: صورة القلب أو غيره من الأجزاء ليس من الصور المحرمة؛ لأنه بعض صورة, وعلى هذا فيجوز رسم القلب، أو اليد، أو الرجل أو الرأس كل واحد على حدة، ولكن المشكل في السؤال صرف الأموال في مثل هذا؛ لأن النفع الحاصل به لا يساوي الأموال المصروفة فيه ولا يقرب منها, فجواز صرف الأموال في هذا محل نظر والسلامة أسلم. والله تعالى الموفق. (٣٣٥) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين»

стр. 557

«يضاهون بخلق الله» وبين كون المشرك أشد الناس عذابًا يوم القيامة؟ فأجاب -حفظه الله- بقوله: ذكر في الجمع بينهما وجوه: الوجه الأول: أن الحديث على تقدير "مِنْ" أي إن من أشد الناس عذابًا بدليل أنه قد جاء بلفظ "إن من أشد الناس عذابًا" فيحمل ما حذفت منه على ما ثبتت فيه. الوجه الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم بل يشاركهم غيرهم قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فيكون الجميع مشتركين في الأشد. ولكن يرد على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط فكيف يسوى بمن هو كافر مستكبر؟ الوجه الثالث: أن الأشدية نسبية يعني أن المصورين أشد الناس عذابًا بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر لا بالنسبة لجميع الناس. وهذا أقرب الوجوه والله أعلم. (٣٣٦) وسئل: عن حكم تعليق الصور على الجدران ؟ فأجاب بقوله: تعليق الصور على الجدران ولا سيما الكبيرة منها حرام حتى وإن لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر, وأصل الشرك هو هذا الغلو كما جاء ذلك عن ابن عباس ﵁ أنه قال في أصنام قوم نوح التي يعبدونها: إنها كانت أسماء رجال صالحين صوروا صورهم ليتذكروا العبادة، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.

стр. 558

(٣٣٧) وسئل أيضًا: عن حكم إقتناء الصور للذكرى ؟ . فأجاب الشيخ بقوله: اقتناء الصور للذكرى محرم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت. والله المستعان. (٣٣٨) سئل فضيلة الشيخ: هل يلزم الإنسان طمس الصورة التي في الكتب؟ وهل وضع خط بين الرقبة والجسم يزيل الحرمة ؟ فأجاب -حفظه الله تعالى- بقوله: لا أرى أنه يلزم طمسها؛ لأن في ذلك مشقة كبيرة، ولأنها أي هذه الكتب ما قصد بها هذه الصورة إنما قصد ما فيها من العلم. ووضع خط بين الرقبة والجسم هذا لا يغير الصورة عما هي عليه. ٣٣٩ - سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تصوير المحاضرات والندوات بأجهزة الفيديو؟ فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا بأس بتصوير المحاضرات والندوات بأجهزة الفيديو التلفزيونية إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو اقتضته المصلحة لأمور: أولًا: أن التصوير الفوتوغرافي الفوري لا يدخل في مضاهاة خلق الله كما يظهر للمتأمل.

стр. 559

ثانيًا: أن الصورة لا تظهر على الشريط فلا يكون فيه اقتناء للصورة. ثالثًا: أن الخلاف في دخول التصوير الفوتوغرافي الفوري في مضاهاة خلق الله -وإن كان يورث شبهة- فإن الحاجة أو المصلحة المحققة لا تترك لخلاف لم يتبين فيه وجه المنع. هذا ما أراه في هذه المسألة. والله الموفق. (٣٤٠) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن معنى جملة: "إلا رقمًا في ثوب " التي وردت في الحديث هل تدل على حل الصور التي في الثوب ؟ فأجاب -حفظه الله- بقوله: إن رأينا في الحديث: «إلا رقمًا في ثوب» من النصوص المتشابهة والقاعدة السليمة: يُردُّ إلى المحكم. ولقوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ . ويُردُّ المتشابه إلى المحكم ولا يبقى فيه اشتباه. فهذا الحديث: «إلا رقمًا في ثوب» يحتمل أنه عام، رقمًا: يشمل صورة الحيوان وصورة الأشجار وغير ذلك، فإنه كان محتملًا لهذا فإنه يُحمل على النصوص المحكمة التي تُبين أن المراد برقم الثوب ما ليس بصورة حيوان أو إنسان حتى تبقى النصوص متطابقة مُتَّفقة. ونحن لا نرى ذلك والتفصيل فيما له ظل وما ليس له ظل؛ لأن حديث علي بن أبي طالب ﵁ في صحيح مسلم أنه قال: «يا أبا»

стр. 560

«الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها» . (٣٤١) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله-: عن التصوير باليد ؟ . فأجاب -حفظه الله- بقوله: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، التصوير باليد حرام بل هو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن المصورين, واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب, وسواء رسم الصورة يختبر إبداعه أو رسمها للتوضيح للطلاب أو لغير ذلك فإنه حرام، لكن لو رسم أجزاء من البدن كاليد وحدها أو الرأس وحده فهذا لا بأس به. (٣٤٢) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن التصوير بالآلة الفوتوغرافية الفورية ؟ فأجاب -حفظه الله- بقوله: التقاط الصورة بالآلة الفوتوغرافية الفورية التي لا تحتاج إلى عمل بيد, فإن هذا لا بأس به؛ لأنه لا يدخل في التصوير، ولكن يبقى النظر، ما هو الغرض من هذا الالتقاط: إذا كان الغرض من هذا الالتقاط هو أن يقتنيها الإنسان ولو للذكرى صار ذلك الالتقاط حرامًا؛ وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، واقتناء الصور للذكرى محرم لأن النبي ﷺ أخبر أن «الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة» وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت، وأما تعليق الصور على الجدران فإنه محرم, ولا يجوز والملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة.

стр. 561

(٣٤٣) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عما ابتلي به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية ؟ فأجاب -حفظه الله- بقوله: ما ابتلي به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية، فأرى أنه إذا أمكن مدافعتها فذاك، وإن لم يكن فإن فيها من الحرج والمشقة والعسر مما ارتفع عن هذه الأمة، بمعنى أنه يوجد في بعض المجلات وفي بعض الصحف التي يقتنيها الإنسان لما فيها من المنافع والإرشاد والتوجيه, فأرى أن مثل هذا ما دام لم يقصد الصورة نفسها فلا بأس أن يقتنيها لا سيما إذا كانت الصورة مغلقة لا تبرز ولا تبين. (٣٤٤) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله- عن نشر صور المشوهين الأفغان ؟ فأجاب -حفظه الله- بقوله: نشر صور المشوهين الأفغان مصلحة في الحقيقة وهي أنها توجب اندفاع الناس بالتبرع لهم، لكن أقول: إن هذا قد يحصل بدون نشر هذه الأشياء أو ربما يمكن أن نضع شيئًا على الوجه بحيث لا يتبين الرأس؛ لأن الرأس إذا قطع لا تبقى صورة كما جاء في الحديث «ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا إلا سويته» وهذا ظاهره أن المراد بالصورة حتى صورة التلوين وإن لم يكن لها ظل؛ لأنه لم يقل: إلا كسرتها، والطمس إنما يكون لما كان ملونًا. وكذلك أيضًا حديث عائشة في البخاري حينما «دخل ﵊ فوجد نمرقة فيها صورة فوق على الباب, وعرفت في وجهه الكراهية، وقال ﵊: "إن أصحاب هؤلاء الصور يعذبون» ، فهذا دليل على أنه يشمل الصورة التي لها ظل والتي ليس لها ظل وهذا هو الصحيح.

стр. 562

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ..... حفظه الله -تعالى-، وجعله من عباده الصالحين، وأوليائه المؤمنين المتقين، وحزبه المفلحين، آمين. وبعد فقد وصلني كتابكم الذي تضمن السلام والنصيحة، فعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله عني على نصيحتكم البالغة التي أسأل الله -تعالى- أن ينفعني بها. ولا ريب أن الطريقة التي سلكتموها في النصيحة هي الطريقة المثلى للتناصح بين الإخوان، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، والمؤمن مرآة أخيه، ولا يؤمن أحد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولقد بلغت نصيحتكم مني مبلغًا كبيرًا بما تضمنته من العبارات الواعظة والدعوات الصادقة، أسأل الله أن يتقبلها، وأن يكتب لكم مثلها. وما أشرتم إليه -حفظكم الله- من تكرر جوابي على إباحة الصورة المأخوذة بالآلة: فإني أفيد أخي أنني لم أبح اتخاذ الصورة -والمراد صورة ما فيه روح من إنسان أو غيره- إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه، كالتابعية، والرخصة، وإثبات الحقائق ونحوها. وأما اتخاذ الصورة للتعظيم، أو للذكرى، أو للتمتع بالنظر إليها، أو التلذذ بها فإني لا أبيح ذلك، سواء كان تمثالًا أو رقمًا وسواء كان مرقومًا

стр. 563

باليد أو بالآلة، لعموم قول النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة» . وما زلت أفتي بذلك وآمر من عنده صور للذكرى بإتلافها، وأشدد كثيرًا إذا كانت الصورة صورة ميت. وأما تصوير ذوات الأرواح من إنسان أو غيره فلا ريب في تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب، لثبوت لعن فاعله على لسان رسول الله ﷺ وهذا ظاهر فيما إذا كان تمثالًا -أي مجسمًا- أو كان باليد. أما إذا كان بالآلة الفورية التي تلتقط الصورة ولا يكون فيها أي عمل من الملتقط من تخطيط الوجه وتفصيل الجسم ونحوه، فإن التقطت الصورة لأجل الذكرى ونحوها من الأغراض التي لا تبيح اتخاذ الصورة فإن التقاطها بالآلة محرم تحريم الوسائل، وإن التقطت الصورة للضرورة أو الحاجة فلا بأس بذلك. هذا خلاصة رأيي في هذه المسألة، فإن كان صوابًا فمن الله وهو المانّ به، وإن كان خطأ فمن قصوري أو تقصيري، وأسأل الله أن يعفو عني منه، وأن يهديني إلى الصواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 564

البدعة

стр. 565

(٣٤٥) سئل فضيلة الشيخ -حفظه الله تعالى-: عن البدعة ؟ فأجاب قائلًا: البدعة قال فيها رسول الله ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» . وإذا كان كذلك فإن البدع سواء كانت ابتدائية أم استمرارية يأثم من تلبس بها لأنها كما قال الرسول ﵊: «في النار» ؛ أعني أن الضلالة هذه تكون سببًا للتعذيب في النار، وإذا كان الرسول ﵊ حذر أمته من البدع؛ فمقتضى ذلك أنها مفسدة محضة لأن الرسول ﷺ عمم ولم يخص قال: «كل بدعة ضلالة» . ثم إن البدع في الحقيقة هي انتقاد غير مباشر للشريعة الإسلامية؛ لأن معناها أو مقتضاها أن الشريعة لم تتم، وأن هذا المبتدع أتمها بما أحدث من العبادة التي يتقرب بها إلى الله كما زعم. فعليه نقول: كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والواجب الحذر من البدع كلها وألا يتعبد الإنسان إلا بما شرعه الله ورسوله ﷺ ، ليكون إمامه حقيقة؛ لأن من سلك سبيل بدعة فقد جعل المبتدع إمامًا له في هذه البدعة دون رسول الله ﷺ . (٣٤٦) وسئل: عن معنى البدعة وعن ضابطها؟ وهل هناك بدعة حسنة؟ وما معنى قول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة» ؟
следующие страницы →