Полный текст (10 899 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
بكبشين أحدهما عن نفسه والا?خر عن النبي ﷺ . وفي رواية أبي داود أنه قال: إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه، وقد ترجم لذلك الترمذي وأبو داود فقال الترمذي: باب ما جاء في الأضحية عن الميت، وقال أبو داود: باب الأضحية عن الميت. ثم ساقا الحديث، لكن الحديث سنده ضعيف عند أهل العلم، وعلى كل حال فالعمدة على آية الوصية.
القسم الثاني: أن يضحي عن الميت تبعاً، مثل أن يضحي الرجل عن نفسه وأهل بيته وفيهم من هو ميت، فهذا جائز ويحصل للميت به أجر، وقد جاءت بمثله السنة فقد ضحى النبي ﷺ بكبشين، أحدهما عنه وعن آله، والثاني عن أمته وهو شامل للحي والميت عن آله وأمته.
القسم الثالث: أن يضحي عن الميت وحده بدون وصية منه، مثل أن يضحي الإنسان عن أبيه وأمه، أو ابنه، أو أخيه، أو غيرهم من المسلمين فلا أعلم لذلك أصلاً من السنة إلا ما جاء في بعض روايات مسلم لحديث البراء بن عازب ﵁ في قصة أبي بردة بن نيار ﵁ أنه قال: "يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي". فإن صحت هذه الزيادة فقد يتمسك بها من يثبت جواز الأضحية عن الميت وحده حيث لم يسأله النبي ﷺ عن ابنه أحيّ أم ميت. ولو كان الحكم يختلف بين الحي والميت لاستفصل
стр. 6547
منه النبي ﷺ ، لكن في هذا نظر؛ لأن المعهود أن الأضحية كانت في عهد النبي ﷺ عن الأحياء، والأموات تبع لهم ولا نعلم أنه ضحى عن الميت وحده في عهد النبي ﷺ ولذلك اعتمد من يجيزون الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه على قياس الأضحية على الصدقة حيث إن الكل عبادة مالية، قال ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي (ص ٠٩٢ ج ٦) : اختلف أهل العلم هل يضحى عن الميت مع اتفاقهم على أنه يتصدق عنه، والضحية ضرب من الصدقة، لأنها عبادة مالية وليست كالصلاة والصيام. اه.
والخلاصة: أن الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه لا أعلم فيها نصًّا صريحاً بعينها، لكن إذا فعلت فأرجو أن لا يكون بها بأس، إلا أن الأفضل والأحسن أن يجعل المضحي الأضحية عنه وعنه أهل بيته الأحياء والأموات اقتداء بالنبي ﷺ ، وفضل الله واسع يكون الأجر بذلك للجميع إن شاء الله تعالى.
وأما قول بعض الذين ينتسبون للعلم عندكم "إن الصدقة لا تصح للموتى إلا أن تكون صدقة جارية". فهذا غير صحيح، فإن الصدقة للموتى تصح ويصل إليهم ثوابها إذا كانت خالصة لله تعالى ومن مال طيب، سواء كانت جارية أم منقطعة فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها (أي ماتت فجأة) وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم". وروى نحوه مسلم من
стр. 6548
حديث أبي هريرة ﵁. ففي هذا الحديث دليل على جواز الصدقة على الميت مطلقاً وأن له بذلك أجراً سواء كانت الصدقة جارية أم منقطعة.
ولعل الذين توهموا أن الميت لا ينفعه إلا الصدقة الجارية فهموا ذلك من قول النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم، وليس في هذا الحديث دلالة على ما توهموه فإن النبي ﷺ يقول: "انقطع عمله" ولم يقل: (انقطع العمل له) ، ثم إن هذا الحديث الذي استند إليه هؤلاء فيما فهموا منه ليس على عمومه بالنص والإجماع إذ لو كان على عمومه لكان الميت لا ينتفع بغير دعاء ولده له، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على انتفاع الميت بدعاء غير ولده له، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ والذين سبقوهم بالإيمان في هذه الآيات هم المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم شامل لمن بعدهم إلى يوم القيامة فهم يدعون بالمغفرة لهم وإن لم يكونوا من أولادهم وينفعهم ذلك، وثبت عن النبي ﷺ أنه أغمض أبا سلمة ﵁ حين مات وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له
стр. 6549
في قبره ونور له فيه". وكان ﷺ يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، وصح عنه أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه"، وصح عنه ﷺ أنه كان يزور المقابر ويدعو لأهلها ويأمر أصحابه بذلك.
فهذه دلالة الكتاب والسنة على انتفاع الإنسان بدعاء غير ولده له. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على ذلك إجماعاً قطعياً فما زالوا يصلون على موتاهم، ويدعون لهم وإن لم يكونوا من آبائهم.
وكذلك صح عن رسول الله ﷺ أن من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وليس ذلك من الصدقة الجارية، ولا من العلم، ولا من دعوة الولد.
وكذلك صح عنه ﷺ أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه. ووليه وارثه سواء كان ولداً أم غيره لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وقول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" متفق عليه. والصيام عبادة بدنية وقد أمر النبي ﷺ بصومه عن الميت وهو دليل
стр. 6550
على أنه ينتفع به وإلا لم يكن للأمر به فائدة.
والأمثلة أكثر من هذا ولا حاجة لاستيعابها إذ المؤمن يكفيه الدليل الواحد.
والمقصود أن قول النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله" إلى آخر الحديث إنما يعني به عمل نفسه لا عمل غيره له، ولهذا قيد الصدقة بالجارية لتكون مستمرة له بعد الموت. وأما عمل غيره له فقد عرفت الأمثلة والأدلة على انتفاعه به سواء من الولد أو غيره، ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يكثر من إهداء العمل الصالح لغيره؛ لأن ذلك لم يكن من عادة السلف وإنما يفعله أحياناً.
وأما قول بعض المنتسبين للعلم عندكم: "إنه ما يصح الحج للميت إلا إذا كان ما قضى فرضه فهو يحج عنه" فهذا موضع خلاف بين العلماء والمشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل، لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلاً قال: لبيك عن شبرمة، فقال النبي ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي، قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، قال في الفروع [ص ٥٦٢ ج ٣ ط آل ثاني] إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح، قال البيهقي: إسناده صحيح، ومن العلماء من أعله بالوقف لكن الرافع له ثقة، وهو يدل بعمومه على جواز حج النفل عن الميت، لأن النبي ﷺ لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل هو نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتاً؟
стр. 6551
قالوا: وإذا جاز أن يحج عنه الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل، فإن جواز حجه الفرض عنه دليل على أن الحج لا تمتنع فيه النيابة، وهذا لا فرق فيه بين الفرض والنفل إذا كان الذي يحج عنه ميتاً أوعاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، أما القادر أوالعاجز عجزاً يرجى زواله فلا يوكل من يحج عنه. هذا ما لزم والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٥١/١/١٤٠٠ هـ.
* * *
стр. 6552
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما أفضل الأعمال التي تقدم إلى الميت ؟ وما معنى قول الرسول ﷺ : الصلاة عليهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: أفضل ما يقدم إلى الميت الدعاء لقول النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فالدعاء للميت أفضل من كل شيء، أفضل من أن تصلي، أو تتصدق، أو تحج، أو تعتمر عن الميت، لأن النبي ﷺ ذكر هذا: "ولد صالح يدعو له". في سياق الأعمال، فلو كانت الأعمال مشروعة للميت لقال: أو ولد صالح يتصدق له، أو يصوم عنه أو ما أشبه هذا، فلما عدل عن ذلك إلى الدعاء علم أن الدعاء أفضل من إهداء الأعمال.
وأما قوله: "الصلاة عليهما" يعني الدعاء، لأن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم رجل يذبح عند القبر لله وهي صدقة عن الميت الذي في القبر ولكنه يعتقد أنه إذا ذبحت عند القبر يصل الأجر والثواب لصاحب القبر بسرعة هل هذا شرك؟
стр. 6553
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بشرك؛ لأنه لا يريد بذلك التقرب إلى صاحب القبر، إنما يريد التقرب إلى الله لكنه ظن جهلاً منه أن هذا أسرع في إيصال الثواب للميت فيُنبه على هذا، ويقال: هذا خطأ، والثواب يصل إلى الميت بإيصال الله سواء كنت بعيداً عن الميت أم لا. على أنه ليس بمشروع أن يذبح الإنسان للميت ذبيحة؛ لأن الذبائح الشرعية مخصوصة بالأضحية، والعقيقة، والهدي. ولا يشرع للإنسان أن يذبح ذبيحة يتقرب بها إلى الله في غير هذه المواضع الثلاثة، نعم لو كان يريد أن يذبح لكن يقول: أنا لا أريد أن أتقرب بالذبح، ولكن أريد أن أتصدق باللحم. فهذا لا بأس.
ثم إننا ننهى أن يذبح عند القبر، وإن لم يكن شركاً؛ لأنه قد يؤدي إلى الاقتداء به.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم صنع الطعام لأهل الميت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن أهل الميت إذا اشتغلوا بسبب المصيبة، وانشغلوا عن إصلاح الطعام لهم، فإنه يسن لمن علم بمصيبتهم أن يبعث إليهم بطعام لقول النبي ﷺ حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب ﵁: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم"، وفي قول النبي ﷺ : "فقد أتاهم ما يشغلهم" إشارة إلى أن ذلك ليس مستحباً على سبيل الإطلاق، ولكنه مستحب إذا كان أهل الميت قد انشغلوا عن إصلاح الطعام، أما إذا كان الأمر طبيعياً كما هو المعروف في عهدنا الا?ن فإنه لا يسن أن يبعث إليهم بطعام؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإن النبي ﷺ حينما قال "ابعثوا لا?ل جعفر طعام" لم يقل: (فإنه قد مات لهم ميت) ، وإنما قال: "فقد أتاهم ما
стр. 6554
يشغلهم". وعلى هذا فإذا لم يكن هناك إشغال فإنه ليس هناك طعام، وإذا صنع الطعام وبعث إليهم وعندهم أحد من أقاربهم فله أن يأكل معهم، وأما أن يدعو الناس إليه، فإن هذا نوع من النياحة، ولهذا يكره لأهل الميت أن يصنعوا طعاماً ويدعوا الناس إليه، وبهذا يعلم أن ما يصنعه بعض المسلمين من صنع الطعام والشاي ودعوة الناس إليه أن هذا من البدع.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مسألة العزاء توسع الناس فيها فإذا مات عند الناس ميت اجتمعوا ويصنع لهم طعام ويأتي بالذبائح وإذا قلنا في ذلك يقولون: أناس يزوروننا أفلا نغديهم!! وكذلك إذا كلمناهم في الجلوس للعزاء قالوا: أين نستقبل الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعزية ليست تهنئة كما يهنأ الإنسان القادم، التعزية يراد بها أننا إذا رأينا شخصاً مصاباً متأثراً نكلمه بما
стр. 6555
يهون عليه المصيبة، هذا هو المقصود منها، فنقول له مثلاً كما قال النبي ﷺ لإحدى بناته: "اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". ولا حاجة إلى الاجتماع في البيت فإن الاجتماع في البيت خلاف ما كان عليه السلف الصالح. حتى قالوا أي السلف الصالح كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. والنياحة من كبائر الذنوب، لأن النبي ﷺ لعن النائحة والمستمعة. ولكن إذا سمعنا أن شخصاً من الناس تأثر بموت قريبه أو صديقه أو ما أشبه ذلك فإننا نحرص على أن نصل إليه. ونقول: اصبر واحتسب. أما مجرد أن يموت القريب نجتمع ويجتمع الناس. وربما توقد الأنوار، وتصف الكراسي، ويؤتى بالقراء وما أشبه ذلك فهذا لا يجوز. وكان الناس إلى عهد قريب لا يفعلون هذا إطلاقاً يموت الميت للإنسان فإذا فرغوا من دفنه ورأوه متأثراً عزوه ورجعوا إلى أهلهم، ثم من وجده في السوق أو في المسجد عزاه. وأما الاجتماع فلا شك أنه بدعة، وأنه ينهى عنه، لاسيما إن صحبه ندب بأن تجتمع النساء تقول: والله هذا كان كذا وكذا، هذا أبو العائلة هذا صاحب البيت، مَن للعائلة؟ مَن للبيت؟ وما أشبه ذلك فإنه يكون من الندب المحرم. وعلى طلبة العلم أن يُبصِّروا الناس قبل أن يتسع الخرق على الراتق.
* * *
стр. 6556
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: انتشرت وبشكل ملفت للنظر ومتزايد ظاهرة الولائم والبذخ بقصد طلب الأجر والمواساة إكراماً لذوي المتوفى، ما هي وجهة نظركم حول هذه الظاهرة وأسباب تزايدها؟ وما موقف الشريعة الإسلامية من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الظاهرة أعني صنع الطعام والولائم لأهل الميت أيام وفاته ظاهرة غير مشروعة، بل قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه الإمام أحمد. قال في شرح المنتقى: وإسناده صحيح، فبين جرير ﵁ أن ذلك نوع من النياحة. وثبت عن النبي ﷺ أنه لعن النائحة والمستمعة، وأما قوله ﷺ حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب ﵁: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، فقد أمر النبي ﷺ أن يصنع لا?ل جعفر طعاماً، وعلل ذلك بأنه أتاهم ما يشغلهم عن كلفة صنع الطعام، لا لأجل تسليتهم بإقامة الولائم عندهم، ثم إنه أمر أن يصنع لا?ل جعفر، وهذا يكون بقدر آل البيت، وهذا يدل على أنه إنما أمر بذلك للحاجة وبقدر الحاجة، لاعلى ما ذكر في السؤال، وغالب الناس اليوم لا
стр. 6557
يحتاجون لصنع الطعام لهم؛ لأن كثيراً من البيوت مملوءة من الأطعمة الجاهزة ولله الحمد. حرر في ١٦/٢/١٤١٨ هـ.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم صنع الطعام لأهل الميت ؟ بحيث يكون في كل يوم الطعام على أناس معينين يتبرعون بذلك؟ ويكون الطعام في العادة ذبائح مطبوخة مقدمة لأهل الميت، ويحتجون أنه قد جاء أهل البيت ما يشغلهم من عمل الطعام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ثبت في السنة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ لما استشهد قال النبي ﷺ لأهله: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، ولكن ليس على هذا الوجه الذي يفعله بعض الناس اليوم؛ حيث تكون الذبائح التي تهدى إلى أهل البيت ذبائح كثيرة، يجتمع عليها الناس كثيراً، فإن هذا خلاف المشروع؛ ثم إن الانشغال الذي كان في عهد الرسول ﷺ ليس موجوداً الا?ن ولله الحمد؛ هناك مطاعم كثيرة قريبة، خصوصاً في المدن، فهم ليسوا في حاجة إلى أن يُهدى لهم الطعام.
* * *
стр. 6558
الزيارة والتعزية
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة المقابر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور سنة أمر بها النبي ﷺ بعد أن نهى عنها كما ثبت ذلك عنه ﷺ في قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الا?خرة". رواه مسلم، فزيارة القبور للتذكر والاتعاظ سنة، فإن الإنسان إذا زار هؤلاء الموتى في قبورهم، وكان هؤلاء بالأمس معه على ظهر الأرض يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، ويتمتعون بدنياهم، وأصبحوا الا?ن رهناً لأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، فإنه لابد أن يتعظ ويلين قلبه ويتوجه إلى الله بالإقلاع عن معصيته إلى طاعته، وينبغي لمن زار المقبرة أن يدعو بما كان النبي ﷺ يدعو به وعلمه أمته "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية"، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، يقول هذا الدعاء ولم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة عند زيارة القبور، وعلى هذا فقراءة الفاتحة عند زيارة القبور خلاف المشروع عن النبي ﷺ .
وأما زيارة القبور للنساء فإن ذلك محرَّم؛ لأن النبي ﷺ لعن
стр. 6559
زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة هذا إذا خرجت من بيتها لقصد الزيارة، أما إذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تسلم على أهل المقبرة بما علمه النبي ﷺ أمته، فيفرق بالنسبة للنساء بين من خرجت من بيتها لقصد الزيارة، ومن مرت بالمقبرة بدون قصد فوقفت وسلمت، فالأولى التي خرجت من بيتها للزيارة قد فعلت محرماً وعرضت نفسها للعنة الله ، وأما الثانية فلا حرج عليها.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا توفي أحد المشهود لهم بالصلاح والعلم يكثر زوار قبره زيارة شرعية ولكن بعض طلبة العلم ينهون عن ذلك سدًّا للذريعة وخوفاً من الشرك، ما قول فضيلتكم في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى ما ذهب إليه بعض طلبةالعلم وهو أن الإكثار من زيارة أهل العلم والعبادة ربما يؤدي في النهاية إلى الغلو الموقع في الشرك، ولهذا ينبغي أن يدعى لهم بدون أن تزار قبورهم على وجه كثير، والله إذا قبل الدعوة فهي نافعة للميت سواء حضر الإنسان عند قبره ودعا له عند قبره، أو دعا في بيته، أو في المسجد كل ذلك يصل إن شاءالله ، ولا حاجة إلى أن يتردد إلى قبره؛ لأن المحظور الذي حذره بعض طلبة العلم وارد، ولاسيما إذا تطاول الزمن.
стр. 6560
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تخصيص العيدين والجمعة لزيارة المقابر ؟ وهل الزيارة للأحياء أم للأموات فيهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لتخصيص الجمعة والعيدين أصل من السنة، فتخصيص زيارة المقابر في يوم العيد، واعتقاد أن ذلك مشروع يعتبر من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، ولا علمت أحداً من أهل العلم قال به.
أما يوم الجمعة فقد ذكر بعض العلماء أنه ينبغي أن تكون الزيارة في يوم الجمعة، ومع ذلك فلم يذكروا في هذا أثراً عن رسول الله ﷺ .
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: زيارة المقابر هل تختصُّ بيوم معين كالعيدين والجمعة أو في وقت معين من اليوم أم إنها عامة؟ وماذا يجاب عما ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب (الروح) من أنها تزار في يوم الجمعة؟ وهل يعلم الميت بزيارة الحي له؟ ثم أين يقف الزائر من القبر؟ وهل يشترط أن يكون عنده أم يجوز ولو كان بعيداً عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة المقابر سنة في حق الرجال، لأنها ثبتت بقول النبي ﷺ وفعله، فقال قال ﵊: "زوروا القبور فإنها تذكر بالموت"، وثبت عنه ﷺ أنه كان
стр. 6561
يزورها، ولا تتقيد الزيارة بيوم معين، بل تستحب ليلاً ونهاراً في كل أيام الأسبوع، ولقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ خرج إلى البقيع ليلاً فزارهم وسلم عليهم، والزيارة مسنونة في حق الرجال، أما النساء فلا يجوز لهن الخروج من بيوتهن لزيارة المقبرة، ولكن إذا مررن بها ووقفن وسلمن على الأموات بالسلام الوارد عن النبي ﷺ فإن هذا لا بأس به؛ لأن هذا ليس مقصوداً، وعليه يُحمل ما ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ وبه يجمع بين هذا الحديث الذي في صحيح مسلم، والحديث الذي في السنن أن الرسول ﵊ "لعن زائرات القبور".
وأما تخصيص الزيارة يوم الجمعة وأيام الأعياد فلا أصل له وليس في السنة عن النبي ﷺ ، ما يدل على ذلك.
وأما هل يعرف من يزوره فقد جاء في حديث أخرجه أهل السنن وصححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم في كتاب الروح "أن من سلَّم على ميت وهو يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه فرد ﵇".
وأما أين يقف الزائر فنقول: يقف عند رأس الميت مستقبلاً إياه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له
стр. 6562
وارحمه، وعافه واعف عنه، ويدعو له بما شاء ثم ينصرف، وهذا غير الدعاء العام الذي يكون لزيارة المقبرة عموماً. فإنه يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي أقسام زيارة المقابر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور نوعان:
النوع الأول: يقصد الإنسان شخصاً معيناً فهنا يقف عنده، ويدعو بما شاء الله ، كما فعل ﵊ حين استأذن الله أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، واستأذنه أن يزورها فأذن له، فزارها صلوات الله وسلامه عليه ومعه طائفة من أصحابه ﵃.
النوع الثاني: أن تكون زيارته لعموم المقبرة فهنا يقف أمام القبور ويسلم كما كان ﵊ يفعل ذلك إذا زار البقيع. يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية".
стр. 6563
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز زيارة قبر أمي حيث ماتت منذ أكثر من عشر سنوات ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور أمر بها النبي ﷺ ، وقال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الا?خرة"، فينبغي للإنسان أن يزور المقابر، ويعتبر ويتعظ، ويدعو لهم بما ورد مثل: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم".
وزيارة قبر أمك بخصوصه لا بأس به، لأن النبي ﷺ سأل الله أن يزور قبر أمه فأذن له ، واستأذن أن يستغفر لها فلم يأذن له، لأن أم النبي ﷺ ماتت على الكفر قبل أن يُبعث النبي ﵊. فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن يزور قبر أبيه، أو أمه، أو قريبه على وجه الخصوص.
إلا أن أهل العلم لا يجوزونه على القول الراجح، إذا احتاج إلى شد رحل وسفر، لكن إذا كانت أمك في بلدك جاز لك زيارة قبرها، كما علمت، أما في بلد آخر فادع الله لها وأنت في بلدك، والله قريب مجيب، ولا تسافر من أجل زيارة قبرها، والله الموفق.
* * *
стр. 6564
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم زيارة قبور الأقرباء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور عامة سُنة أمر بها رسول الله ﷺ ، وقال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكر الا?خرة"، والزائر للقبور يزورها لمصلحة أهل القبور، ولمصلحته هو بالأجر الذي يناله من زيارتها، وبالعبرة والعظة.
وليس يقصدهم من أجل الدعاء عند قبورهم لنفسه أو لغيره، وليس يقصدهم من أجل أن يتبرك بهم، وليس يقصدهم من أجل أن يدعوهم من دون الله، أو يدعوهم ليكونوا له وسطاء بينه وبين الله فكل هذا من الزيارات البدعية، وقد تكون زيارات شركية مخرجة عن الإسلام حسب ما تقتضيه نصوص الشريعة.
وإنما يزور الإنسان المقبرة للسلام عليهم، كما ورد عن النبي ﵊ بقوله: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم".
ولا بأس أن يزور أحد قبر أمه، أو أبيه، أو أحد من أصحابه، فيسلم عليه ويدعو له بما يتيسر، سواء طال عهد موته أم قصر، ولكن إذا رأى أن زيارته لأبيه، أو أمه، أو أحد من أقربائه أنها تبعث الأحزان في نفسه والهم والغم، أو ما هو أشد من ذلك من النياحة،
стр. 6565
فإنه حتى في مثل هذه الحالة يتجنب الزيارة، ويدعو لهم بما يستطيع ولو كان في بيته. والله الموفق.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل لزيارة القبور وقت محدد بالنسبة للرجال وهل هناك وقت نهي لزيارة القبور ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور ليس لها وقت محدد أي ساعة من الليل أو النهار، تزورها فلا بأس، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه زارها ليلاً.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندنا في القرية وفي ليلة عيد الفطر ، أو ليلة عيد الأضحى المبارك عندما يعرف الناس أن غداً عيد يخرجون إلى القبور في الليل ويضيئون الشموع على قبور موتاهم ويدعون الشيوخ ليقرأوا على القبور، ما صحة هذا الفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا فعل باطل محرم، وهو سبب للعنة الله ، فإن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، والخروج إلى المقابر في ليلة العيد ولو لزيارتها بدعة فإن النبي ﷺ لم يرد عنه أنه كان يخصص ليلة العيد، ولا يوم العيد لزيارة المقبرة وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إياكم
стр. 6566
ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، فعلى المرء أن يتحرى في عباداته، وكل ما يفعله مما يتقرب به إلى الله أن يتحرى في ذلك شريعة الله ﵎؛ لأن الأصل في العبادات المنع والحظر، إلا ما قام الدليل على مشروعيته، وما ذكره السائل من إسراج القبور ليلة العيد، قد دل الدليل على منعه، وعلى أنه من كبائر الذنوب كما أشرت إليه قبل قليل من أن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من يشد الرحال إلى قبر النبي ﷺ يفعل ذلك من أجل السلام عليه، ونقول: إن الله قد كفاك، فأي إنسان يسلم على الرسول ﵊ في أي مكان فإن تسليمه يبلغه، فلا يجوز أن يشد الرحال من أجل زيارة قبر النبي ﷺ لأن ذلك أقل ما فيه إضاعة مال، وإضاعة المال محرمة.
لكن لو شد الرحل للمسجد النبوي فهذا جائز، لأن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، وإذا وصلت إلى المسجد
стр. 6567
فصل تحية المسجد وقم بزيارة قبر الرسول ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ وقم بزيارة قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ بالبقيع، وقم بزيارة أهل البقيع كلهم، لأن النبي ﷺ كان يزور البقيع.
والحكمة من زيارة البقيع وسائر القبور من أجل تذكر الا?خرة والدعاء لهم، لا من أجل الدعاء عند القبر أو الاستغاثة بأهل القبور. قال ﵇ وهو المشرع للأمة المبين لحكم الشريعة قال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الموت"، وفي لفظ: "تذكركم الا?خرة" هذا المقصود، فهؤلاء القوم هم الا?ن في باطن الأرض لا يملكون زيادة حسنة ولا نقص سيئة من أعمالهم، وأنت الا?ن على ظهر الأرض تستطيع أن تزيد حسنة في حسناتك، أو أن تستغفر من سيئة. فتذكر الموت، وتذكر الا?خرة، وهي دار الجزاء فإن هذا هو المقصود. والعبد ليس له عهد من الله أنه سيبقى مدة بعد هذه الزيارة، وأنت يا أخي لا تدري لعلك تزور هؤلاء الموتى صباحاً، ويزورك أقاربك في هذه القبور مساء، فاستعد للموت، تب إلى الله مما فرطت في حق الله، وفرطت في حق عباد الله. فهذا هو المقصود من زيارة القبور.
أما إذا أردت أن تدعو الله، فادع الله في بيوته وهي المساجد.
وأقبح من الدعاء عند القبور! دعاء أهل القبور، فيقول: يا
стр. 6568
ربي الله، يا سيدي، يا فلان، افعل كذا وكذا، ارزقني مثلاً وهذا شرك أكبر يستحق فعله ما ذكره الله في قوله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ . نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالتوحيد والإخلاص والسنة إنه على كل شيء قدير.
стр. 6569
فصل في زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄
بعد أن يُصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يُصلي، يذهب للسلام على النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄.
١ فيقف أمام قبر النبي ﷺ مستقبلاً للقبر مستدبراً للقبلة، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن زاد شيئاً مناسباً فلا بأس مثل أن يقول: السلام عليك يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
وإن اقتصر على الأول فحسنٌ.
وكان ابن عمر ﵄ إذا سلم يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
٢ ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام أبي بكر ﵁ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله ﷺ في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
стр. 6570
٣ ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام عمر ﵁ فيقول: السلام عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وليكن سلامه على النبي ﷺ وصاحبيه بأدب، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، لاسيما في مسجد رسول الله ﷺ ، وعند قبره.
وفي "صحيح البخاري" عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً أو نائماً في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما فقال: مَن أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما جلداً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ .
ولا ينبغي إطالة الوقوف والدعاء عند قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه، فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل.
стр. 6571
قال: وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلم الأمة بسنته، وأطوع الأمة لأمره.
قلت: وأقواهم في تعظيمه ومحبته، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يُدخَلُ إليها من الباب إلى أن بُني الحائط الا?خر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام، ولا لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم!
ولم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه ويسأله عن بعض ما تنازعوا فيه، كما أنهم أيضاً لم يطمع الشيطان فيهم فيقولُ: اطلبوا منه أن يأتي لكم بالمطر، ولا أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستنصر لهم.
قال: وكان الصحابة إذا أراد أحدٌ أن يدعو لنفسه، استقبل القبلة ودعا في مسجده كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة، ولا يدخل أحدهم إلى القبر.
قال: وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك، فيصلون في مسجده، ويسلمون عليه في الصلاة، وعند دخولهم المسجد والخروج منه، ولا يأتون القبر؛ إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به. ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضاً، ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر
стр. 6572
رضي الله عنهما.
ولا يتمسَّح بجدار الحجرة، ولا يقبله، فإن ذلك إن فعله عبادة لله وتعظيماً لرسول الله ﷺ فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد أنكر ابن عباس ﵄ على مُعاوية ﵁ مسح الركنين الشامي والغربي من الكعبة، مع أن جنس ذلك مشروع في الركنين اليمانيين. وليس تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته بمسح جدران حجرة لم تبن إلا بعد عهده بقرون، وإنما محبته وتعظيمه باتباعه ظاهراً وباطناً، وعدم الابتداع في دينه ما لم يشرعه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وأما إن كان مسح جدار الحجرة وتقبيله مجرد عاطفة أو عبث فهو سفه وضلال لا فائدة فيه، بل فيه ضرر وتغرير للجهال.
ولا يدعو رسول الله ﷺ بجلب منفعة له، أو دفع مضرة، فإن ذلك من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى? أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ ، وأمر الله نبيه ﷺ أن يعلن لأمته بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فقال تعالى: ﴿قُل لاّ? أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّو?ءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، وإذا كان لا يملك ذلك لنفسه، فلا يمكن أن يملكه
стр. 6573
لغيره.
وأمره سبحانه أن يعلن لأمته أنه لا يملك مثل ذلك لهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً﴾ .
وعن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملكُ لكم من الله شيئاً، سَلُوني من مالي ما شئتم"، رواه مسلم.
ولا يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له، أو يستغفر له، فإن ذلك قد انقطع بموته ﷺ ، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدمَ انقطع عمله".
فأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُو?اْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ فهذا في حياته، فليس فيها دليل على طلب الاستغفار منه بعد موته؛ فإن الله قال: ﴿إذ ظلموا﴾ ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم، (وإذ) ظرف للماضي لا للمستقبل، فهي في قوم كانوا في عهد النبي ﷺ ، فلا تكون لمن بعده.
فهذا ما ينبغي في زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبري صاحبيه
стр. 6574
والسلام عليهم.
وينبغي أن يزور مقبرة البقيع، فيسلم على من فيها من الصحابة والتابعين، مثل عثمان بن عفان ﵁، فيقف أمامه ويسلم عليه فيقول: السلام عليك يا عثمان بن عفان، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وإذا دخل المقبرة فليقل ما علمه رسول الله ﷺ أمته كما في "صحيح مسلم" عن بُريدة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
وفيه أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
وإنْ أحبَّ أن يخرج إلى (أُحد) ويزور الشهداء هناك فيسلم عليهم ويدعو لهم ويتذكر ما حصل في تلك الغزوة من الحكم والأسرار فحسن.
* * *
стр. 6575
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى بعض الناس في المسجد النبوي يقف مستقبلاً قبر النبي ﷺ من أي مكان في المسجد فهل هذه الصفة مشروعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يريد بذلك أن يسلم على النبي ﷺ فنقول له: أدن من القبر، فإن زيارة القبر لابد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعوه فهو شرك أكبر يخرجك من ملة الرسول ﵊، أو أن تدعو الله متوجهاً إلى القبر فهذا بدعة ووسيلة للشرك، وليس من المعقول أن تنصرف من بيت الله إلى قبر الرسول ﷺ ، فإن بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أفضل من قبر الرسول ﷺ فأفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله الكعبة فلا يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول ﵊ دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من تسفيه ومن إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدليل الشرعي يعلم أن هذا ضلال وسفه، حينئذ نقول للواقف على هذا الوجه يريد التسليم على رسول الله ﷺ نقول له: ادن من القبر. والذي يدعو الله متوجهاً إلى القبر، نقول: هذا بدعة ووسيلة للشرك وضلال في الدين وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول ﷺ .
وإذا كان يتوجه هذا التوجه يدعو الرسول ﷺ فهو مشرك شركاً أكبر يخرجه عن ملة رسول الله ﵊.
* * *
стр. 6576
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما بالنا نتخذ من قبر الرسول ﵊ مسجداً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا سؤال تلبيس وتشبيه على الناس يريد هؤلاء القوم الذين يبنون المساجد على قبورهم، أو يدفنون موتاهم في مساجدهم يريدون أن يلبسوا على العامة أن قبر الرسول ﵊ بني عليه المسجد، مع أن القبر منفرد في حجرة منفصلة، فالمسجد لم يبن على قبر الرسول ﷺ لا شك في هذا؛ لأن المسجد سابق على القبر، فالرسول ﷺ لم يدفن في المسجد. إذن انتفت الشبهة، والمسجد لم يبن على القبر وإنما دفن ﵊ في حجرة عائشة ﵂ ثم لما زيد في المسجد في عام (أربعة وتسعين) هجرية أدخلوا الحجرة، ولعل هذا من نعمة الله ؛ لأن وجودها في المسجد على فرض أنها في المسجد أحمى لها مما لو كانت خارج المسجد، وأحمى للأمة من الشرك مما لو كانت خارج المسجد، ولهذا تقول عائشة ﵂ لما ذكرت بناء الأمم السابقة على قبور أنبيائهم قالت: "ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" وعلى هذا فلا شبهة في هذا إطلاقاً والأمر ولله الحمد واضح.
стр. 6577
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف نجيب عبَّاد القبور الذين يحتجون بدفن النبي ﷺ في المسجد النبوي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي ﷺ .
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يدفن في المسجد حتى يقال إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن ﷺ في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول ﷺ ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام (أربعة وتسعين) هجرية تقريباً، فليس مما أجازه الصحابة؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك وممن خالف أيضاً سعيد بن المسيب.
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله، لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظاً ومحوطاً بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة.
س ٠٧٢ سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندما
стр. 6578
يدفن الميت يتركه أهله أربعون يوماً لا يزورونه وبعد ذلك يذهبون لزيارته بحجة أنه لا يجوز زيارة الميت قبل أربعين يوماً فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نبين أن زيارة القبور سنة في حق الرجال أمر بها النبي ﷺ بعد أن نهى عنها، فقال ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالا?خرة". والزائر الذي يزور القبور يزورها.
أولاً: امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ .
ثانياً: اعتباراً بحال هؤلاء الأموات الذين كانوا بالأمس معه على ظهر الأرض، يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، ويلبسون كما يلبس، ويتنعمون في الدنيا كما يتنعم، فأصبحوا الا?ن مرتهنين في قبورهم بأعمالهم، ليس عندهم صديق ولا حميم، وإنما جليسهم عملهم كما قال النبي ﵊: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" فيعتبر الزائر بحال هؤلاء.
والفائدة الثالثة: أنه يتذكر الا?خرة، وأنها المقر والمرجع، وأن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، ومع ذلك فليست القبور هي المثوى الأخير فبعدها ما بعدها من اليوم الا?خر، وأما البقاء في
стр. 6579
القبور فهو زيارة كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ .
وقد ذُكِر أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ هذه الا?ية ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فقال: والله ما الزائر بمقيم وإن وراء هذه الزيارة لأمر إقامة.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى كلمة يقولها بعض الناس من غير روية وتدبر لمعناها وهو أنهم إذا تحدثوا عن الميت قالوا: "ثم آووه إلى مثواه الأخير". "أو دفن في مثواه الأخير"، وكلمة (مثواه الأخير) لو دُقق في معناها لكانت كفراً؛ لأنه إذا كان القبر هو المثوى الأخير فمعناه (أنه لا بعد ذلك من مقر) ، وهذا أمر خطير لأن الإيمان بالله واليوم الا?خر من أركان الإيمان، لكن الذي يظهر لي أن العامة يقولونها من غير تدبر لمعناها، لكن يجب التنبه لذلك لخطورة ذلك، فمن اعتقد أن القبر هو المثوى الأخير وأنه ليس بعده شيء فقد أخطأ.
الفائدة الرابعة من زيارة القبور: أن الزائر يسلِّم على أهل القبور ويدعو لهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.
وأما من يزور القبور للدعاء عندها فإن ذلك من البدع فالمقبرة ليست مكاناً للدعاء حتى يذهب ليدعو الله عندها، كالدعاء عند قبر رجال صالح أو ما أشبه ذلك، وأشد من ذلك من يذهب إلى
стр. 6580
المقبرة ليدعو أصحاب القبور ليستغيث بهم ويستعين بهم فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله. قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى? أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال الله : ﴿فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ . فمن دعا غير الله لقضاء حاجته من هؤلاء الأموات فقد أشرك بالله شركاً أكبر.
وليعلم أن زيارة القبور لا تختص بوقت معين، ولا بليلة معينة بل يزورها الإنسان ليتذكر، ولقد زار النبي ﷺ البقيع ذات مرة في الليل وهو دليل على أن الزيارة لا يشترط لها يوم معين.
أما فيما يتعلق بسؤال السائل وهو أن أهله لا يزورونه إلا إذا تم له أربعون يوماً، فهذا لا أصل له، بل للإنسان أن يزور قبر قريبه من ثاني يوم دفن، ولكن لا ينبغي للإنسان إذا مات له الميت أن يعلق قلبه به وأن يكثر التردد إلى قبره؛ لأن هذا يجدد له الأحزان، وينسيه ذكر الله ، ويجعل أكبر همه أن يكون عند هذا القبر، وربما يبتلى بالوساوس والخرافات والأفكار السيئة بسبب هذا.
стр. 6581
* * *
رسالة
سماحة الشيخ الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
بعض الناس يذهب لزيارة مكان في الأبواء يزعمون أنه مكان قبر أم النبي ﷺ ، ويتوسلون بها، وبعضهم يطلب منها كشف الكربات وتنفيس الشدائد وإجابة الدعوات، وربما اقترن بعملهم ذلك اعتقاد بأن أم النبي ﷺ قد أحياها الله فآمنت به ثم ماتت. والسؤال: ما حكم زيارة قبرها إن صح معرفة مكانه؟ وهل ما ذكر من إحيائها وإيمانها صحيح؟
وما حكم دعاء المخلوق وسؤاله كشف الكربة وإجابة الدعاء؟
وهل كون الميت من الأنبياء أو الصالحين يبيح للإنسان دعائه وسؤاله، نرجو بسط الجواب لمسيس الحاجة إلى ذلك، نفع الله بكم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
إن هذا المكان الذي يدعى أنه قبر أم رسول الله ﷺ غير مشهور في السابقين، وإذا كان غير مشهور في السابقين كان تعيينه دعوى من المتأخرين لا دليل عليها، فيكون تعيينه من اتباع الظن، والظن
стр. 6582
لا يغني من الحق شيئاً، ويكون الزائرون له على الوجه المذكور في السؤال مخطئين من وجوه:
الأول: أنه لم يثبت أن هذا قبرها فيكونون اتبعوا ما ليس لهم به علم.
الثاني: أن زيارته ليست مستحبة، ولهذا لم يفعلها الصحابة ﵃ وهم أشد حباً منا لرسول الله ﷺ وأقوى اتباعاً لسنته، وإنما كانت زيارة النبي ﷺ من باب شفقة الولد لأمه، ومع ذلك لم يؤذن له أن يستغفر لها، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
الثالث: أن التوسل بها من باب التوسل الممنوع، فإن التوسل بأموات المسلمين من باب الشرك، فكيف التوسل بمن مات قبل البعثة، وبمن مُنع النبي ﷺ أن يستغفر له.
الرابع: أن طلب كشف الكربات من الأموات شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام، وهو سفه وضلال، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ
стр. 6583
وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الأَْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ .
وأما اعتقاد أن أم النبي ﷺ أحياها الله تعالى فآمنت به ثم ماتت، فاعتقاد باطل لا أساس له، والحديث المروي في ذلك موضوع.
وكون الإنسان من الأنبياء، أو الصالحين لا يبيح دعاء الناس، والنبي ﷺ والصالح لا يرضى بذلك.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٤/٢/١٤١٩ هـ.
* * *
стр. 6584
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة المرأة للقبور؟ وما الحكمة من منع النساء من زيارة القبور ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة ليس لها زيارة القبور، بل القول الراجح من أقوال أهل العلم أن زيارتها للقبور محرمة، بل هي من الكبائر، لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، ولا يكون اللعن إلا على إثم كبير، ولهذا جعل أهل العلم من علامات الكبيرة أن يترتب عليها اللعن، لأنه عقوبة عظيمة، والعقوبة العظيمة لا تكون إلا على ذنب عظيم.
ولكن إذا مرت المرأة على المقابر فلا حرج عليها أن تقف وتدعو لأصحاب القبور، أما أن تخرج من بيتها قاصدة الزيارة فهذا هو المحرم.
والحكمة من ذلك أن في زيارة النساء للقبور مفاسد، منها أن المرأة ضعيفة الإرادة، قوية العاطفة، وربما لا تتحمل إذا وقفت على قبر قريبها كأمها، أو أبيها، فيحدث منها البكاء والنواح والعويل مما يكون له ضرر عليها في دينها وبدنها.
ومن الحكمة أيضاً: أن المرأة إذا مكنت من زيارة القبور التي غالباً ما تكون خالية من الناس فإنها قد يتعرض لها الفساق، وأهل الفجور في هذا المكان الخالي فيحصل لها ما لا تحمد عقباه.
ومن الحكمة أيضاً: أن المرأة وهي الضعيفة العزيمة، القوية العاطفة قد تتخذ من زيارة القبور ديدناً لها فتضيع بذلك مصالح
стр. 6585
دينها ودنياها، وتبقى نفسها معلقة بهذه الزيارة.
ولو لم يكن من الحكمة في منع زيارة النساء للقبور إلا أن الرسول ﷺ لعن زائرات القبور لكان هذا كافياً في الحذر منها، وفي البعد عنها؛ لأن الله تعالى إذا قضى أمراً في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ فإنه لا خيرة لنا. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ .
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أرجو من سماحتكم التفصيل في مسألة زيارة المرأة للمقابر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة المرأة للمقابر محرمة، بل من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﵇ لعن زائرات القبور، ولكن إذا مرت المرأة بالمقبرة من غير أن تخرج من أجل الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وتدعو لهم، كما يفيده ظهر حديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: روى مسلم من حديث محمد بن قيس قال: قالت عائشة ﵂: يا رسول الله كيف أقول لهم؟ قال ﵊: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاءالله بكم للاحقون"، ألا يدل هذا الحديث مع حديث أم عطية ﵂ "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا"، وغيرها من الأحاديث دلالة واضحة على جواز زيارة النساء للمقابر إذا كن لا يفعلن ما حرم الله، وإذا لم يكن كذلك كيف توجهون حديث محمد بن قيس؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكرنا في ما سبق جواباً يدل على حكم هذه المسألة وأشرنا إلى حديث عائشة هذا، وقلنا: إن السنة تدل على أن المرأة إذا خرجت تريد زيارة القبور فإن هذا من كبائر الذنوب، وأما إذا مرت بها بدون قصد ووقفت وسلمت فإن هذا لا بأس به وعلى هذا ينزل حديث عائشة رضي
следующие страницы →