Полный текст (10 899 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.
стр. 6826
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم لبس دبلة الزواج الفضية للرجال، أي لبسها في الأصبع ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس الدبلة للرجال أو النساء من الأمور المبتدعة، وربما تكون من الأمور المحرمة، ذلك لأن بعض الناس يعتقدون أن الدبلة سبب لبقاء المودة بين الزوج والزوجة، ولهذا يذكر لنا أن بعضهم يكتب على دبلته اسم زوجته، وتكتب على دبلتها اسم زوجها، وكأنهما بذلك يريدان دوام العلاقة بينهما، وهذا نوع من الشرك؛ لأنهما اعتقدا سبباً لم يجعله الله سبباً لا قدراً ولا شرعاً، فما علاقة هذه الدبلة بالمودة أو المحبة، وكم من زوجين بدون دبلة وهما على أقوى ما يكون من المودة والمحبة، وكم من زوجين بينهما دبلة وهما في شقاء وعناء وتعب.
فهي بهذه العقيدة الفاسدة نوع من الشرك، وبغير هذه العقيدة تشبه بغير المسلمين؛ لأن هذه الدبلة متلقاة من النصارى، وعلى هذا فالواجب على المؤمن أن يبتعد عن كل شيء يخل بدينه.
أما لبس خاتم الفضة للرجل من حيث هو خاتم لا باعتقاد أنه دبلة تربط بين الزوج وزوجته، فإن هذا لا بأس به، لأن الخاتم من الفضة للرجال جائز، والخاتم من الذهب محرم على الرجال، لأن النبي ﷺ رأى خاتماً في يد أحد الصحابة ﵃ فطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده» .
* * *
стр. 6827
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد شاهدت في بعض محلات الذهب في مدينة ... انتشار قطع ذهبية تحمل صوراً لعيسى ﵊ وأمه مريم كما يدعي النصارى، وأيضاً قطعاً ذهبية يوجد عليها رسوم للأبراج (العقرب، السنبلة، الثور ... ) وأخرى على شكل قارورة عليها كلمة إنجليزية تعني نوع من أنواع الخمور.
وعندما حاولتُ نصح أصحاب المحلات قال لي بعضهم: إنهم يبيعونها على النصارى فقط، والبعض الآخر ادعى أن الصور ليست لعيسى ﵊ ومريم، آملاً من فضيلتكم كتابة رأيكم في بيع هذه الأشياء وتوجيههم. وجزاكم الله خيراً ورفع درجاتكم في المهديين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
بيع القطع التي عليها صورة عيسى ابن مريم ﵊ أو أمه مريم (كما يزعمون) محرم، سواء بيعت على المسلمين أم على النصارى، أما بيعها على المسلمين فتحريمه ظاهر، وأما على النصارى فلأنه مداهنة لهم على الكفر، وإشارة إلى رضا ما هم عليه، ومداهنة النصارى وغيرهم بموافقتهم على ما يرونه
стр. 6828
شعاراً لدينهم محرمة بلا شك، فعلى المؤمن أن يكره ما يكرهه الله تعالى ورسوله ﷺ من أعمال وعقائد وغيرها، ليحقق موالاة الله ورسوله. فتحريم بيع القطع التي عليها صور عيسى بن مريم ﵊ أو صورة أمه مريم لوجهين:
الأول: أنه شعار ديني للنصارى.
والثاني: أنه صور مجسمة.
وإذا كانت الصور لغير عيسى ﵊ وأمه كانت محرمة لوجه واحد وهو أنها مجسمة.
وكذلك القطع التي عليها صور البروج؛ لأنهم يتفاءلون بها، أو يتشاءمون، وهذا من أعمال الجاهلية، وفيه نوع من الشرك.
وكذلك شكل القارورة التي كتب عليها اسم نوع من الخمر، لأن ذلك دعاية لهذا النوع من الخمر، ويستلزم التهاون بالخمر واستساغته فالله الهادي.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٩/٤/١٤١٩ هـ.
стр. 6829
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن الحكمة في تحريم لبس الذهب على الرجال ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أيها السائل، وليعلم كل من يطلع على هذا الجواب أن العلة في الأحكام الشرعية لكل مؤمن، هي قول الله تعالى ورسوله ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ . فأي واحد يسألنا عن إيجاب شيء، أو تحريم شيء دل على حُكمه الكتاب والسنة فإننا نقول: العلة في ذلك قول الله تعالى، أو قول رسوله ﷺ ، وهذه العلة كافية لكل مؤمن، ولهذا لما سُئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة» لأن النص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ علة موجبة لكل مؤمن، ولكن لا بأس أن يتطلب الإنسان العلة، وأن يلتمس الحكمة في أحكام الله تعالى، لأن ذلك يزيده طمأنينة، ولأنه يتبين به سمو الشريعة الإسلامية، حيث تقرن الأحكام بعللها، ولأنه يتمكن به من القياس إذا كانت علة هذا الحكم المنصوص عليه ثابتة في أمر آخر لم ينص عليه، فالعلم بالحكمة الشرعية له هذه الفوائد الثلاث.
ونقول - بعد ذلك - في الجواب على السؤال: إنه ثبت عن
стр. 6830
النبي ﷺ تحريم لبس الذهب على الذكور دون الإناث، ووجه ذلك أن الذهب من أغلى ما يتجمل به الإنسان ويتزين به فهو زينة وحلية، والرجل ليس مقصوداً لهذا الأمر، أي ليس إنساناً يتكمّل بغيره أو يكمل بغيره، بل الرجل كامل بنفسه لما فيه من الرجولة، ولأنه ليس بحاجة إلى أن يتزين لشخص آخر تتعلق به رغبته، بخلاف المرأة، فإن المرأة ناقصة تحتاج إلى تكميل بجمالها، ولأنها محتاجة إلى التجمل بأغلى أنواع الحلي، حتى يكون ذلك مدعاة للعشرة بينها وبين زوجها؛ فلهذا أبيح للمرأة أن تتحلى بالذهب دون الرجل، قال الله تعالى في وصف المرأة: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ . وبهذا يتبين حكمة الشرع في تحريم لباس الذهب على الرجال.
وبهذا المناسبة أوجه نصيحة إلى هؤلاء الذين ابتُلوا من الرجال بالتحلي بالذهب، فإنهم بذلك قد عصوا الله تعالى ورسوله ﷺ وألحقوا أنفسهم بمصاف الإناث، وصاروا يضعون في أيديهم جمرة من النار يتحلون بها، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، فعليهم أن يتوبوا إلى الله ، وإذا شاءوا أن يتحلوا بالفضة في الحدود الشرعية فلا حرج في ذلك، وكذلك بغير الذهب من المعادن لا حرج عليهم أن يلبسوا خواتم منه إذا لم يصل ذلك إلى حد السرف.
стр. 6831
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم لبس الرجل الذهب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس الذهب حرام على الرجال، سواء كان خاتماً، أو أزراراً، أو سلسلة يضعها في عنقه، أو غير ذلك، لأن مقتضى الرجولة أن يكون الرجل كاملاً برجولته، لا بما ينشأ به من الحلي ولباس الحرير ونحو ذلك مما لا يليق إلا بالنساء، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَانِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ . فالمرأة هي التي تحتاج إلى لبس الذهب والحرير ونحوهما، لأنها في حاجة إلى التجمل لزوجها، أما الرجل فهو في غنى عن ذلك برجولته، وبما ينبغي أن يكون عليه من البذاذة والاشتغال بشئون دينه ودنياه.
والدليل على تحريم الذهب على الرجال:
أولاً: ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» . فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، فقال: لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله ﷺ .
ثانياً: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا
стр. 6832
ذهباً» . رواه الإمام أحمد، ورواته ثقات.
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة» . رواه الطبراني ورواه الإمام أحمد ورواته ثقات.
رابعاً: عن أبي سعيد ﵁ أن رجلاً قدم من نجران إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار» . رواه النسائي.
خامساً: وعن البراء بن عازب ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ عن سبع: «نهى عن خاتم الذهب» . الحديث رواه البخاري.
سادساً: وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الذهب. رواه البخاري أيضاً.
سابعاً: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يلبس خاتماً من ذهب فنبذه، فقال: «لا ألبسه أبداً» فنبذ الناس خواتيمهم. رواه البخاري.
стр. 6833
ثامناً: ما نقله في فتح الباري شرح صحيح البخاري، قال: وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أخذ حريراً وذهباً فقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم» .
فهذه الأحاديث صريحة وظاهرة في تحريم خاتم الذهب على الذكور لمجرد اللبس، فإن اقترن بذلك اعتقاد فاسد كان أشد وأقبح، مثل الذين يلبسون ما يُسمى ب (الدبلة) ويكتبون عليه اسم الزوجة، وتلبس الزوجة مثله مكتوباً عليه اسم الزوج، يزعمون أنه سبب للارتباط بين الزوجين، وهذه بلا شك عقيدة فاسدة، وخيال لا حقيقة له؛ فأي ارتباط وأي صلة بين هذه الدبلة وبين بقاء الزوجية وحصول المودة بين الزوجين؟ وكم من شخص تبادل الدبلة بينه وبين زوجته، فانفصمت عرى الصلات بينهما، وكم من شخص لا يعرف الدبلة وكان بينه وبين زوجته أقوى الصلات والروابط.
فعلى المرء أن يُحكِّم عقله وألا يكون منجرفاً تحت وطأة التقليد الأعمى الضار في دينه وعقله وتصرفه، فإني أظن أن أصل هذه الدبلة مأخوذ من الكفار، فيكون فيه قبح ثالث، وهو قبح التشبه بالكافرين، وقد قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» أسأل
стр. 6834
الله أن يعصمنا وإياكم من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم لبس الساعة المطلية بالذهب الأبيض ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الساعة المطلية بالذهب للنساء لا بأس بها، وأما للرجال فحرام، لأن النبي ﷺ حرم الذهب على ذكور أمته.
وأما قول السائل الذهب الأبيض فلا نعلم أن هناك ذهباً أبيض، الذهب كله أحمر، لكن إن كان قصده بالذهب الأبيض الفضة، فإن الفضة ليست من الذهب، ويجوز منها ما لا يجوز من الذهب كالخاتم ونحوه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم تركيب الأسنان الذهبية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأسنان الذهبية لا يجوز تركيبها للرجال إلا لضرورة، لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب والتحلي به، وأما للمرأة فإذا جرت عادة النساء بأن تتحلى بأسنان الذهب فلا حرج عليها في ذلك، فلها أن تكسو أسنانها ذهباً إذا كان هذا مما جرت العادة بالتجمل به، ولم يكن إسرافاً، لقول النبي ﷺ : «أحل
стр. 6835
الذهب والحرير لإناث أمتي» . وإذا ماتت المرأة في هذه الحال أو مات الرجل وعليه سن ذهب قد لبسه للضرورة فإنه يخلع إلا إذا خُشي المثلة، يعني خشي أن تتمزق اللثة فإنه يبقى؛ وذلك أن الذهب يعتبر من المال، والمال يرثه الورثة من بعد الميت فإبقاؤه على الميت ودفنه إضاعة للمال.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم طلاء الأسنان بالذهب لإزالة التسوس؟ وعن حكم ملء الفراغ بأسنان الذهب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم يمكن إزالة السوس إلا بكسائها بالذهب فلا بأس بذلك، وإن كان يمكن بدون الذهب فلا يجوز.
وأما ملء الفراغ بأسنان الذهب فلا يجوز إلا بشرطين:
الأول: أن لا يمكن ملؤها بشيء غير الذهب.
الثاني: أن يكون في الفراغ تشويه للفم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل التختم للرجال سنة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التختم ليس بسنة مطلوبة بحيث يطلب من كل إنسان أن يتختم، ولكن إذا احتاج إليه، فإن الرسول ﷺ لما قيل له: إن الملوك الذين يريد أن يكتب إليهم لا يقبلون كتاباً
стр. 6836
إلا مختوماً اتخذ الخاتم من أجل أن تختم به الكتب التي يرسلها إليهم، فمن كان محتاجاً إلى ذلك كالأمير والقاضي ونحوهما كان اتخاذه اتباعاً لرسول الله ﷺ ، ومن لم يكن محتاجاً إلى ذلك لم يكن لبسه في حقه سنة، بل هو من الشيء المباح، فإن لم يكن في لبسه محذور فلا بأس به، وإن كان في لبسه محذور كان له حكم ذلك المحذور، وليعلم أنه لا يحل للذكور التختم بالذهب؛ لأنه ثبت النهي عنه عن رسول الله ﷺ .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا توفي إنسان وكان أحد أسنانه من ذهب هل يترك هذا السن أو يخلع؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم؟ وهل ورد نص في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة، اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزين بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس، أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلة خُلع، لأن ملكه انتقل إلى الورثة، وإن كان لا
стр. 6837
يمكن خلعه لا بمُثلة بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه. ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يتعرض له، وإلا فقد قال العلماء: إنه إذا ظن أن الميت بَلي حُفر القبر وأُخذ السن لأن بقاءه إضاعة مال. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل من السنة لبس الخاتم من الفضة في الخنصر أو البنصر أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الخنصر والبنصر سواء، ولا بأس أن يلبس في هذا أو ذاك، ولكن هل من السنة لبس الخاتم؟
في هذا خلاف بين العلماء، من العلماء من قال: إنه سنة لأن النبي ﷺ لبس الخاتم، ولبسه الصحابة ﵃ أيضاً، ولكن بشرط ألا يكون من الذهب إذا كان للرجال.
ومنهم من قال: إنه سنة لذي السلطان، كالحاكم، والقاضي والمفتي وما أشبه ذلك، وأما سائر الناس فليس لهم بسنة، ولكنه لا نهي فيه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم استعمال النظارات أو الأواني الملونة بلون الذهب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأواني المطلية بالذهب إن كان يجتمع
стр. 6838
من هذا الذهب شيء إذا عُرض على النار، يعني إذا قال الصائغ: هذا الذهب لو عرض على النار لاجتمع منه شيء فإن المطلي بها محرم؛ لأنه استعمال الذهب حقيقة، وأما إذا كان مجرد لون فإنه لا بأس به، أي لا بأس أن يأكل ويشرب بها، لكن الأفضل ترك ذلك؛ لأن من نظر إليه وهو يأكل فقد يسيء به الظن، ويقول: هذا الرجل يأكل بآنية الذهب. ومن نظر إليه فقد يظن ذلك ذهباً خالصاً فيقتدي به، وفي الأواني الكثيرة المنوعة ما يكفي عن استعمال مثل هذه الأواني، وكذلك يقال في النظارات.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل وضع الدبلة في الأصبع بدعة، حتى ولو كانت من الفضة وبخاصة في حالة الزواج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أراه أن وضع الدبلة أقل أحواله الكراهة؛ لأنها مأخوذة من غير المسلمين، وعلى كل حال الإنسان المسلم يجب أن يرفع بنفسه عن تقليد غيره في مثل هذه الأمور، وإن صحب ذلك اعتقاد كما يعتقده بعض الناس في الدبلة أنها سبب للارتباط بينه وبين زوجته كان ذلك أشد وأعظم، لأن هذا لا يؤثر في العلاقة بين الزوج وزوجته. وقد نرى من يلبس الدبلة للارتباط بينه وبين زوجته، ولكن بينهما من التفرق والشقاق ما لا يحصل ممن لم يلبس هذه الدبلة، فهناك كثير من الناس لا يلبسها ومع ذلك أحوالهم سائرة مع زوجاتهم.
* * *
стр. 6839
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لدي ساعة يدوية مطلية بماء الذهب ، فهل يجوز لي لبسها أو استعمالها؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن لبس الذهب حرام على الرجال، لأن النبي ﷺ رأى رجلاً وفي يده خاتم من ذهب فنزعه النبي ﷺ من يده وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار ويضعها في يده» . فلما انصرف النبي ﷺ قيل للرجل: خذ خاتمك وانتفع به، قال: والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي ﷺ ، وقال النبي ﵊ في الذهب والحرير: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها» . فلا يجوز للرجل أن يلبس أي شيء من الذهب لا خاتماً ولا زراراً ولا غيره، والساعة من هذا النوع إذا كانت ذهباً، أما إذا كانت طلاء أو كانت عقاربها من ذهب أو فيها حبات من ذهب يسيرة، فإن ذلك جائز لكن مع هذا لا نشير على الرجل أن يلبسها أعني الساعة المطلية بالذهب لأن الناس يجهلون أن هذا طلاء أو أن يكون خلطاً في مادة هذه الساعة، ويسيئون الظن بهذا الإنسان، وقد يقتدون به إذا كان من الناس الذين يقتدى بهم، فيلبسون الذهب الخالص أو المخالط. ونصيحتي ألا يلبس الرجال مثل هذا الساعات المطلية وإن كانت حلالاً، وفي الحلال الواضح الذي لا لبس فيه غنية عن هذا، فقد قال النبي ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» . ولكن إذا كان
стр. 6840
الطلاء خلطاً من الذهب لا مجرد لون فالأقرب التحريم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يوجد في الأسواق نوع من الساعات تحمل إشارة الصليب فهل استعمالها مباح أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي أن يعرف أن الصليب كان من هدي النبي ﷺ أنه يكسره ويزيله ﵊، فإذا كان الصليب مجسماً وجب كسره، وإذا كان بتلوين كما في بعض الساعات فإنه يطمس، بأن يوضع عليه لون يزيل صورته حتى لا يبقى في الساعات شيء منه، ولا ينبغي للإنسان أن يحمل في يده ما فيه شعار النصارى، ما هو ظاهر به التعظيم في وضعه مثل الساعة أو بعض الا"لات.
وأما ما هو شعار الشركة فنقول: إنه ظاهر الحديث الوارد عن النبي ﷺ أنه لا فرق بين أن يضع الصليب من أجل تعظيمه والإشارة إلى كونه شعار النصارى، وبين أن يكون لمجرد الدلالة لهذه الشركة أو هذا المصنع. والمسلم يجب عليه أن يبتعد كثيراً عما يكون في شعار غير المسلمين؛ لأن النبي ﷺ يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم» .
أما ما ظهر منه أنه لا يراد به الصليب لا تعظيماً ولا بكونه شعاراً مثل بعض العلامات الحسابية، أو بعض ما يظهر بالساعات
стр. 6841
الألكترونية من علامة زائد، فإن هذا لا بأس به، ولا يعد من الصلبان بشيء.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للنساء التحلي بالذهب المحلق ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أن حلي الذهب حلال للنساء ما لم يكن محرماً لعارض: كالإسراف، وكونه على صور حيوان ونحوه، وهو قول جمهور أهل العلم، وحكاه بعضهم إجماعاً.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم ثقب إذن البنت من أجل أن تتحلى بالذهب كالخرص؟ وهل في ذلك شيء من المثلة والتعذيب، كما قال بعض الفقهاء؟ وهل ينطبق ذلك على ثقب الأنف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا بأس به؛ لأن هذا من المقاصد التي يتوصل بها إلى التحلي المباح، وقد ثبت أن نساء الصحابة ﵁ كان لهن أقراط يلبسنها في آذانهن،
стр. 6842
وهذا التعذيب تعذيب يسير، وإذا ثقبت في حال الصغر صار برؤه سريعاً.
وينطبق ذلك على الأنف عند من يرى أنه مكان للزينة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بعض العلماء يقولون: إن الذهب الذي يستعمل للبس عليه زكاة، وبعضهم يقول عكس ذلك، فهل على الذهب المعد للبس زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما ذكرته أيها الأخ صحيح، فقد اختلف أهل العلم في الذهب المعد للبس أو العارية دون الاستغلال بالتأجير أو الاكتساب بالربح:
فمنهم من يرى أن الذهب تجب فيه الزكاة ولو كان معدًّا للبس، أو الاستعمال، أو العارية.
ومنهم من يرى أنه لا تجب فيه الزكاة.
والواجب في مثل هذه الحال الرجوع إلى ما دل عليه الكتاب والسنة، لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، وإذا رددنا الأمر إلى الله تعالى والرسول ﷺ وجدنا الصواب قول من يقول بوجوب الزكاة في الحلي من الذهب والفضة بشرط أن يبلغ النصاب، وهو عشرون مثقالاً من الذهب، ومائة وأربعون مثقالاً من الفضة، ووزن العشرين مثقالاً من الذهب أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه، فإذا كان عند المرأة ما يبلغ مجموعه هذا الوزن وجبت فيه
стр. 6843
الزكاة، وإن كان دون ذلك فلا زكاة عليها فيه.
ويدل لهذا القول الصحيح عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وكنزها منع زكاتها ولو كانت على ظهر الأرض، أما ما أديت زكاته فليس بكنز ولو كان مدفوناً بالأرض.
وقول النبي ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه، وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» ، فقوله: «لا يؤدي منها حقها» عام في جميع الحقوق ومنها الزكاة.
بل إنه ثبت في صحيح مسلم رواية أخرى: «لا يؤدي زكاته» ، وعلى هذا فيكون العموم شاملاً لهذه المسألة، فإن من عندها حلي من الذهب فهي صاحبة ذهب بلا شك، وكذلك من عندها حلي من الفضة فهي صاحبة فضة بلا شك.
ثم إن هناك أحاديث خاصة في الحلي، منها ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسوِّرك الله بهما سوارين من نار؟» فخلعتهما وألقتهما إلى رسول الله ﷺ وقالت: «هما
стр. 6844
لله ورسوله» . قال ابن حجر في بلوغ المرام: إن إسناده قوي، وكذلك صححه شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وله شاهد من حديث عائشة وأم سلمة ﵄.
وعلى هذا فيكون الصواب هو قول من يرى الزكاة في الحلي، ولو كان معدًّا للاستعمال أو العارية.
أما الذين قالوا: لا زكاة فيه فإنهم احتجوا بحديث لا يصح وهو ما يروى عن النبي ﷺ : «ليس في الحلي زكاة» ، وهذا الحديث لا يقولون به على سبيل الإطلاق، ولهذا تراهم إذا كان الحلي للنفقة أو الإجارة تراهم يوجبون فيه الزكاة، ولا يأخذون بعموم هذا الحديث، هذا لو صح، لكنه لا يصح.
ويستدلون أيضاً بقياس الحلي على الثياب وما يحتاجه الإنسان لنفسه من سيارة ونحوها، ولكن هذا القياس ليس بصحيح، وذلك لأن الذهب والفضة الأصل فيهما الزكاة، فمن ادعى خروج شيء منهما عن الزكاة فعليه الدليل. أما الثياب والسيارة، وما إلى ذلك مما يعده الإنسان لحاجته فالأصل عدم الزكاة فيها، ولهذا لا تجب فيها الزكاة إلا إذا أعدت للتجارة، حتى لو أعدت للتأجير فإنه لا زكاة فيها، أي لو كان عنده ثياب يؤجرها فلا زكاة فيها، وكذلك لو كان عنده سيارة يعدها للإجارة فلا زكاة عليه في هذه السيارة.
مع أن القائلين بعدم زكاة الحلي يقولون: إذا كان عنده حلي
стр. 6845
يعده للإجارة فالزكاة تجب فيه، وهذا مما لا شك فيه أنه ينتقض عليهم، إذ مقتضى القياس تساوي الأصل والفرع، ثم إن القائلين بعدم زكاة الحلي يقولون: لو كان عندها حلي للبس ثم نوتها للتجارة فإنه يكون للتجارة وتجب فيه الزكاة، ولو كان عندها ثياب للبس ثم نوتها للتجارة فإنها لا تكون للتجارة، وهذا أيضاً دليل على عدم صحة القياس، إذ مقتضى القياس تساوي الأصل والفرع، وأن الثياب المعدة للبس إذا نوتها للتجارة فيجب أن تكون فيها زكاة.
فالمهم أن القياس ليس بصحيح، والحديث الذي يستدل به على عدم وجوب الزكاة في الحلي ليس بصحيح أيضاً. حينئذ فيجب أن نأخذ بالأصل وهو عموم الأحاديث الدالة على وجوب زكاة الذهب والفضة، ثم بالأحاديث الخاصة الموجبة لزكاة الحلي.
ثم إن هناك أيضاً شيئاً ثالثاً وهو أنهم قالوا: إذا أعدت المرأة الحلي للنفقة وجبت فيه الزكاة، مع أنه لو كان عند الإنسان ثياب كثيرة يعدها للنفقة كلما احتاج باع وأنفق على نفسه فإنه لا زكاة فيها، فهذه ثلاثة أمثلة كلها تدل على أن قياس حلي الذهب على الثياب ونحوها غير صحيح، وإذا لم يصح القياس ولا الأثر لم يبق للقول بعدم وجوب الزكاة في الحلي دليل من أثر أو نظر.
ثم إن إخراج الزكاة لا شك أنه هو الأحوط والأبرأ للذمة، والإنسان مأمور باتباع الأحوط إذا كان الاحتياط مبنيًّا على أصل.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لقد علمنا من كتب الحنابلة أن الحلي عند استعمالها لا زكاة فيها، فما هي
стр. 6846
أدلتهم؟ وما هي أدلة القائلين بزكاة حلي الذهب المستعمل، وإذا ثبت أن فيها زكاة فما العمل في السنوات الماضية؟ وإذا كنت أملك حليًّا في الماضي ثم بعته فهل علّي أن أزكي عن تلك السنوات؟ وما حكم من لم يزكِّ عن الحلي بعد ثبوت الدين؟
فأجاب فضيلته بقوله: أهل العلم اختلفوا في زكاة الحلي: فمذهب أبي حنيفة ﵀ ورواية عن أحمد ﵀ أنه تجب فيها الزكاة، وهذا عند كثير من أهل العلم هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية، منها عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، فإنه لم يستثن منها شيء، ومن المعلوم أن من تحلت بالذهب والفضة فإنها تكون صاحبة ذهب وفضة، فمن قال: إنها خارجة من العموم فإن كل إنسان يقول: إن فرداً من أفراد العموم خارج من العموم. فإن عليه أن يأتي بالدليل وحينئذ يكون مقبولاً.
وحجة القائلين بالوجوب أيضاً أنه قد وردت أدلة خاصة في وجوب زكاة الحلي، فضلاً عن الأدلة العامة، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة أتت النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب أي سواران فقال: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار» فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: «هما لله ورسوله» ، قال الحافظ ابن حجر وهو إمام وحجة في علم
стр. 6847
الحديث قال في بلوغ المرام: أخرجه الثلاثة وإسناده قوي، وذكر له شاهدين من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ قالوا: ولأن هذا هو الأحوط والإنسان مأمور بالاحتياط وإبراء الذمة، لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ولقوله ﷺ : «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» وبراءة الإنسان لدينه وعرضه أمر مطلوب، وأما الذين يقولون بعدم وجوب الزكاة فإنهم استدلوا بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس في الحلي زكاة» . ولكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، كما قرر ذلك أهل العلم، وهو أيضاً لا يصح من حيث المتن، فإن إطلاقه يقتضي ألا زكاة مطلقاً في الحلي، وليس الأمر كذلك، حتى عند القائلين بعدم وجوب الزكاة.
ومنها أنه مروي عن خمسة من الصحابة ﵃، وقول الصحابي حجة على القول الراجح، ولكن الحقيقة أن قول الصحابي حجة إذا لم يعارضه النص أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن عارضه النص وجب قبول النص، وإذا عارض قول الصحابي قول صحابي آخر وجب علينا أن نسلك طريق الترجيح، فمن ترجح
стр. 6848
قوله منهما بأي سبب من المرجحات المعلومة عند أهل العلم وجب اتباعه.
واستدلوا أيضاً بالقياس على الثياب والقياس على الأمتعة والقياس على المركوبات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» . قالوا: فلما قال النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» دل ذلك على أن ما اختص به الإنسان لنفسه ليس عليه فيه زكاة، فيدخل في ذلك الحلي، ولكننا نقول: إن الحديث «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» إنما نفى النبي ﷺ الصدقة عن شيء لا تجب الصدقة في جنسه، فإن العبد والفرس ليس فيهما زكاة أصلاً، ولا زكاة فيهما إلا إذا أعدا للتجارة وكانا من عروض التجارة، أما الذهب والفضة فإن الزكاة تجب في أعيانهما وفرق بين الأمرين، وقد ذكر أهل الأصول أنه لا يصح القياس، إلا إذا تساوى الأصل والفرع في العلة، قالوا أيضاً: ولأن الإنسان إذا أعد لنفسه ثياباً يلبسها أو شماغاً يلبسه أو مشلحاً يلبسه فإنه لا زكاة فيه، فهذا مثله. والجواب على ذلك ما سبق من أن هذا القياس لا يصح، ولذلك لو أن الإنسان أعد ثيابه وأمتعته للنفقة فقط كلما احتاج باع منها وأنفق فإن الزكاة لا تجب فيها، والذين يقولون لا تجب الزكاة في الحلي يقولون: إنه إذا أعد للنفقة، بحيث إذا احتاجت المرأة باعت وأنفقت على نفسها. قالوا: إن الزكاة تجب فيه، وحينئذ يعرف
стр. 6849
الفرق بين الأمرين، ولا يصح قياس أحدهما على الآخر، وبهذه الوجوه التي ذكرتها يتبين للإنسان الذي عنده علم أي القولين أولى بالترجيح والاتباع، ونسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا ممن يرى الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه.
وإني ضارب لكم مثلاً: امرأة عندها حلي تلبسه وتتجمل به وهي غنية جداً، لا تعد هذا الحلي للنفقة، وإنما تعده للتزين والتجمل، وامرأة أخرى فقيرة عندها حلي، ولكنها تحتاجها للنفقة كلما احتاجت أنفقت، الأخيرة، يقول هؤلاء: إن عليها الزكاة في حليها والأولى يقولون: أنه لا زكاة عليها في حليها، مع أن النظر يقتضي أن الأولى هي التي يجب عليها زكاة الحلي لأنها هي الغنية، والثانية هي التي لا يجب عليها الحلي؛ لأنها إنما اتخذت الحلي للحاجة لا للتزين، ومع ذلك الأدلة تدل على وجوب الزكاة على هذه وعلى هذه، كما تقرر، والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل الحلي من الذهب المعد للبس عليه زكاة؟ وما مقدارها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحلي المعد للبس فيه زكاة، والدليل من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَاذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ والمراد بكنز الذهب والفضة كما قال العلماء: أن لا يخرج ما يجب
стр. 6850
فيهما، حتى ولو كان على قمم الجبال، وعدم الكنز أن يخرج ما يجب فيهما وإن كان في باطن الأرض، وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» .
والمرأة التي لها حلي هي صاحبة ذلك بلا شك، بل في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟» فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: «هما لله ورسوله» ، وهذا نص صريح في وجوب الزكاة في الحلي، وهذا الحديث يقول فيه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: (إن إسناده قوي، وله شاهد من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ وإذا كان سنده قويًّا وله شواهد تعضده، وعمومات أخرى في الصحيحين بل في القرآن تعضده، لم يبق إشكال في وجوب زكاة الحلي.
فإن قلت: إن بعض العلماء يقول: إنه لا زكاة في الحلي، قلتُ لك: وبعض العلماء يقول: إن في الحلي زكاة، وإذا اختلف العلماء فالمرد إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، والرب يقول: ﴿
стр. 6851
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ولم يقل: (فيقول ماذا أجبتم فلاناً وفلاناً) والإنسان إذا تبين له الحق وجب عليه قبوله والعمل به، وإن خالف من خالف من الناس.
قد يقول قائل: مذهب الإمام أحمد ﵀ أن الزكاة في الحلي لا تجب إلا إذا أعد للأجرة، أو للنفقة، أو كان محرماً، فنقول: ومذهب أبي حنيفة ﵀ أن الزكاة واجبة في الحلي بكل حال، ونحن غير ملزمين باتباع الإمام أحمد ﵀ ولا باتباع أبي حنيفة ﵀ وإنما نحن ملزمون باتباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فإذا دل الكتاب والسنة على أن مذهب أبي حنيفة أصح من مذهب الإمام أحمد في هذا وجب علينا أن نأخذ بمذهب أبي حنيفة ﵀ ثم نقول: إن عن الإمام أحمد ﵀ رواية أخرى في وجوب زكاة الحلي توافق مذهب أبي حنيفة، وحينئذ لا يكون هذا متمحضاً مذهباً للإمام أحمد، بل هو نصف مذهب، لأن في ذلك روايتين عنه.
فإذا قال قائل: أليس الحلي ملبوساً تستعمله المرأة، كما تستعمل الثوب الملبوس؟
فالجواب: نعم هو كذلك، لكن أصل الذهب والفضة تجب فيها الزكاة، وأصل الثياب لا تجب فيها الزكاة، سواء مصنوعة من القطن، أو من البلاستيك، أو من أي شيء آخر.
ثم نقول: قياسكم هذا متناقض، بل هو قياس فاسد في الواقع، وكونه فاسداً لأنه مخالف للنص، والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار، كما نص على ذلك أهل الأصول، وكذلك فهو
стр. 6852
قياس متناقض كيف ذلك؟
نقول لهم: ما تقولون فيما لو أعدت المرأة ثياباً للأجرة هل فيها زكاة أم لا؟ سيقولون: ليس فيها زكاة، وإذا أعدت المرأة حليًّا للأجرة هل فيه زكاة أو لا؟ سيقولون: فيه الزكاة، إذن أين القياس؟ لو كان القياس صحيحاً لقلنا إذا وجبت الزكاة في الحلي المعد للأجرة فلتجب في الثياب المعدة للأجرة، وإذا لم تجب في الثياب المعدة للأجرة فلتكن غير واجبة في الحلي المعد للأجرة.
فإن قلتم: تجب في الحلي المعد للأجرة، ولا تجب في الثياب المعدة للأجرة، وقعتم في التناقض، والتناقض دليل البطلان.
ثانياً: نقول لهم: ماذا تقولون في امرأة عندها ثياب أعدتها للبس، ثم بعد ذلك أعدتها للتجارة؟ هل تنقلب للتجارة؟ سيقولون: لا.
ماذا تقولون في امرأة عندها حلي أعدته للبس ثم بعد ذلك أعدته للتجارة؟ هل يكون للتجارة؟ سيقولون: نعم. إذن هذا تناقض آخر.
ثالثاً: نقول لهم: ما تقولون في امرأة عندها ثياب محرمة تستعملها، مثل ثياب فيها صور تلبسها، وعندها حلي محرم تستعمله، كالحلي الذي على صورة الثعبان مثلاً، هل في الحلي الذي على صورة الثعبان زكاة؟ سيقولون: نعم، وهل في الثياب المحرمة التي فيها الصورة زكاة؟ سيقولون: لا. إذن هذا تناقض، فأين القياس بين شيئين متناقضين في الأحكام.
رابعاً: ثم نقول لهم أيضاً: ما تقولون في امرأة عندها مئة ثوب كل ثوب يساوي مئة
стр. 6853
ريال، فإذا قيل لها لماذا يوجد عندك المئة ثوب وكل ثوب يساوي مائة ريال؟ قالت: أريد أن تكون هذه الثياب للنفقة، كلما احتجت بعت ثوباً وأنفقت، هل في هذه الثياب زكاة أم لا؟ سيقولون: ليس فيها زكاة.
وماذا تقولون في امرأة عندها حلي مئة قطعة، كل قطعة بمئة ريال، وإذا قيل لها لماذا هكذا؟ قالت: أعددتها للنفقة، كلما احتجت دراهم بعت قطعة من الذهب، وأنفقتها، نقول لهم: هل في هذه الحلي زكاة أم لا؟ سيقولون: نعم. والثياب ليس فيها زكاة فهذا تناقض.
خامساً: ثم نقول: المرأة التي أعدت الحلي للبس هل اللبس كمالي، أو ضروري؟ الزائد على ما يلبسه مثلها كمالي، والنفقة ضرورية، فكيف تقولون: الحلي إذا كان يلبس على سبيل التجمل والزينة ليس فيه زكاة، وإذا كان معدًّا للنفقة ففيه الزكاة؟ أليس الأولى أن يكون المعد للبس هو الذي فيه الزكاة، والمعد للنفقة هو الذي ليس فيه الزكاة؛ لأنه ضروري. وهم لا يقولون بذلك.
وبهذا تبين أن القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي قول متناقض، مع أن النصوص ترده، والواجب على الإنسان أن يقول فيما يبلغه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : سمعنا وأطعنا، وألا يبخل فيما آتاه الله تعالى من فضله بحجة أن فلاناً يقول بعدم وجوب الزكاة مثلاً.
يقول بعض الناس: عندنا حديث يهدم كل ما قلت، فأقول: إذا جئت بحديث صحيح عن الرسول ﷺ تقول أنت بموجبه، أو لا
стр. 6854
تقول بموجبه فعلى العين والرأس، فأنا مستسلم لما دل عليه الكتاب والسنة، قال: يروى عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» ، فنقول:
أولاً: هذا الحديث لا يصح، وإذا لم يصح فلا يمكن أن يعارض الأحاديث الصحيحة.
ثانياً: على تقدير صحته هل أنت تقول بعمومه؟ أي أن جميع الحلي ليس فيها زكاة؟ إن قال: نعم. قلنا هذا غير صحيح، وإن قال: لا. قلنا له: لم تأخذ بدلالة الحديث، لأنه يقول: الحلي إذا أعد للكراء أو النفقة أو كان محرماً ففيه الزكاة، فلم يأخذ بدلالة الحديث، والحديث عام «ليس في الحلي زكاة» وإن كنت لا تقول بموجبه، فكيف تجعله حجة لك فيما تذهب إليه، ولا تجعله لك حجة في الأمر الآخر المخالف لك؟
ثم نقول: لو صح هذا الحديث، فإنه يمكن أن يجمع بينه وبين الأحاديث الموجبة للزكاة، بأن يقال ليس في الحلي الذي لا يبلغ النصاب زكاة، وهذا صحيح، فالحلي الذي لا يبلغ النصاب ليس فيه زكاة.
والنصاب خمسة وثمانون غراماً، فما دون ذلك ليس فيه زكاة، وما بلغ خمسة وثمانين غراماً ففيه الزكاة، ولكن كيف نزكيه؟ نقدر قيمته ونأخذ ربع عشر القيمة، وكيفية ذلك أن نقسم القيمة على أربعين، فما خرج بالقسمة فهو الزكاة، فإذا كان الحلي يساوي
стр. 6855
أربعين ألفاً، ففيه ألف ريال، وإذا كان الحلي يساوي أربعمائة ألف ريال، ففيه عشرة آلاف ريال، وعلى هذا فقس.
مسألة مهمة لتجار الذهب:
وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي خاصة بتجار الذهب الذين يذهب الناس بحليهم إليهم ليقدروا زكاتها، فبعض التجار يقدرون قيمة الذهب، ثم يقولون الزكاة فيها كذا وكذا، ولا ينظرون إلى زنة الذهب، لأنه يجب أولاً أن تزن الذهب، وننظر هل يبلغ النصاب أو لا؟ فإذا كان لا يبلغ النصاب فليس عليه زكاة، فهم يعتبرون القيمة على حسب ما بلغني من بعض الناس فيقولون قيمته كذا وزكاته كذا.
ولنضرب لذلك مثالاً: امرأة عندها حلي يبلغ ثمانين غراماً ولكون الذهب غالياً قيمته تبلغ أربعين ألفاً مثلاً، ففي هذه الحالة فإنه ليس فيه زكاة، لأنه لا يبلغ النصاب. يقول لي بعض الناس: إن التجار إذا كان يبلغ أربعين ألفاً ولو كان دون النصاب قالوا فيه الزكاة.
فأرجو أن تنبهوا الصاغة أو التجار لهذه المسألة.
فلو قال قائل: امرأة عندها نصف نصاب من الذهب، وعندها دراهم تبلغ نصف نصاب، فهل يضاف بعضه إلى بعض ليكمل النصاب؟
الصحيح أنه لا يكمل نصاب الذهب من الفضة ولا نصاب الفضة من الذهب؛ لاختلاف الجنسين، والنصوص وردت مقدرة نصاب كل واحد على حدة، وكما أننا لا نضم البر إلى الشعير في
стр. 6856
تكميل النصاب، فكذلك لا نضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، فإذا كان عند المرأة حلي يبلغ نصف نصاب وعندها دراهم تبلغ نصف نصاب، فليس عليها زكاة لا في الدراهم، ولا في الحلي، لعدم استكمال النصاب فيهما.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما هو حد النصاب الواجب دفع الزكاة عنه بالنسبة للذهب؟ وهل كل الذهب واجبة فيه الزكاة، سواء كان للزينة أو توفيراً للمال؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً، أي ما يعادل أحد عشر جنيهاً سعوديًّا وثلاثة أسباع الجنيه، هكذا حررناه، وعلى هذا فإذا كان عند الإنسان ما يبلغ هذا من الذهب وجبت عليه الزكاة، وإذا كان عنده دون ذلك فإنه لا زكاة عليه، إلا إذا كان قد أعده للتجارة والتكسب فإنه يُقوَّم بالدراهم، فإذا بلغ نصاباً بالدراهم وجبت زكاته، وإن لم يبلغ هذا المقدار من الذهب.
أما حلي المرأة الذي تعده للاستعمال أو للعارية أو للحاجة بعد سنة أو سنتين، فإنه تجب فيه الزكاة على القول الراجح، وذلك لعموم الأدلة التي توجب الزكاة على من عنده ذهب أو فضة كما في صحيح مسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها وفي لفظ: لا يؤدي زكاتها، إلا إذا كان يوم القيامة أحمي عليها في نار جهنم» . إلى آخر الحديث، فإن قوله: «ما من صاحب ذهب ولا فضة» شامل.
стр. 6857
ووردت أحاديث خاصة في الحلي، كالحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال رسول الله ﷺ لها: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسوِّرك الله بهما سوارين من نار؟» فخلعتهما وألقتهما إليه ﷺ ، وله شاهد من حديث عائشة وأم سلمة ﵄.
وقد قال ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام عن الحديث الأول: إن إسناده قوي، فإذا كان قويًّا وله شواهد وعمومات تعضده تعين القول به.
وأما قياس حلي المرأة مع اللباس فهو قياس مع الفارق؛ لأن اللباس الأصل فيه عدم الزكاة، فإذا لم يتخذ عروض تجارة فلا زكاة فيه، وأما الذهب والفضة فإن الأصل فيهما الزكاة فمن أخرج منها شيئاً عن الزكاة فعليه الدليل، ولا نعلم دليلاً مستقيماً للذين أسقطوا زكاة الحلي.
والواجب على المرء أن يحتاط لدينه، ويحمد الله الذي مَنّ عليه بنعم قد حُرمها كثير من الناس، وإذا كان الذين لا يوجبون الزكاة في الحلي يوجبونها إذا أعد للنفقة ولو كانت النفقة لقمة العيش، مع أن لقمة العيش من باب الضرورات، فلماذا لا يوجبونها فيه إذا أعد للتجمل والكماليات؟ ولهذا كان القياس المستقيم مع الأثر الصحيح يدل على وجوب الزكاة ولو كانت تلبسه
стр. 6858
النساء، وهذا القول هو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ ورواية عن الإمام أحمد ﵀ وقول كثير من أهل العلم من السلف والخلف.
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل زكاة الحلي تكون بسعر الشراء أم بسعره كل عام وقت إخراج زكاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: زكاة الحلي تجب كل سنة ولا تكون بسعر الشراء، وإنما تكون بسعره عند تمام الحول، فإذا قدر أن المرأة اشترت ذهباً بعشرة آلاف ريال، ولما دار عليه الحول صار لا يساوي إلا خمسة آلاف ريال، فإنها لا تزكي إلا خمسة آلاف ريال فقط، والعكس بالعكس، فإذا اشترت ذهباً بخمسة آلاف ريال، وصار عند تمام الحول يساوي عشرة آلاف ريال فإنها تزكي عشرة آلاف ريال، لأن ذلك هو وقت الوجوب. والله الموفق.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كيف نرد على من لا يرى زكاة الذهب ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نرد عليه بالأحاديث الواردة في هذا، وقد بيَّنَّاها في رسالة صغيرة، وهي كبيرة في الواقع، لأن جميع الأدلة التي استدلوا بها قد أجابنا عليها ضمناً في هذه الرسالة الصغيرة واسمها «وجوب الزكاة في الحلي» .
стр. 6859
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: سمعت أن الزكاة تجب في الذهب ولو كان للتجمل. فما حد النصاب للزكاة؟ وما مقدارها؟
فأجاب فضيلته بقوله: سبق الكلام في هذه المسألة، وبيَّنَّا أن القول الراجح: وجوب الزكاة في الحلي إذا بلغ نصاباً، ونصابه خمسة وثمانون جراماً، وتعادل أحد عشر جنيهاً سعوديًّا وثلاثة أسباع الجنيه.
فإذا كان عند المرأة ما يبلغ هذا وجب عليها أن تؤدي زكاته، وهو ربع العشر، تقومه كل سنة وتخرج ربع عشر قيمته، ولا تعتبر ما اشترته به، لأنه قد يزيد، وقد ينقص، والله الموفق.
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجزىء عن المرأة إذا أدى زوجها عنها زكاة ذهبها من ماله الخاص، لاسيما وأن المرأة ليس لها دخل وطابت نفس زوجها بدفعه من ماله؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وجبت الزكاة والمرأة ليس لها دخل وطابت نفس الرجل بالزكاة عنها فهذا مجزىء، وله أجر في ذلك، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: اشتريت ذهباً بمبلغ من المال فهل علّي زكاته ؟
стр. 6860
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الذهب الذي عندك يعادل خمسة وثمانين جراماً، أي: إحدى عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه، فإنه يجب عليك أن تزكيها، وذلك لأن الأحاديث الواردة في وجوب زكاة الذهب والفضة عامة، كما في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه، أن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد فيُرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» ، ومن كان عندها حلي من ذهب فهي صاحبة ذهب، وكذلك من كان عندها حلي من الفضة. فمن ادعى خروج حلي الذهب والفضة عن هذا الحديث فليأتِ بالدليل.
ثم إن هناك أدلة خاصة في الحلي مثل ما رواه الثلاثة بإسناد قوي كما في بلوغ المرام، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ أتت إليه امرأة وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، قال: «أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟» فخلعتهما وقالت: «هما لله ورسوله» ، وله شواهد.
وعلى هذا فتقدر المرأة قيمة الذهب الذي عندها، سواء بقدر ما اشترته به، أو أقل، أو أكثر، فتقدر قيمته مستعملاً ثم تخرج منها
стр. 6861
ربع العشر، أي: واحد من أربعين، ففي المائة ريالان ونصف، وفي الألف خمسة وعشرون ريالاً وهكذا، وطريقة ذلك أن تقسم قيمته على أربعين، وناتج القسمة هو الزكاة، وبهذا تبرىء ذمتها، ويحصل لها الفكاك من عذاب النار ولا يضرها شيئاً.
وإذا كان لها زوج وأراد زوجها أن يؤدي الزكاة عنها فلا حرج عليها في ذلك، وإن لم يؤدّ عنها فإنها تؤدي من مالها، وإذا لم يكن عندها مال فإنها تبيع من الذهب الذي عندها وتخرج الزكاة، وأما ما عدا الذهب والفضة من الحلي كالماس واللؤلؤ، فإنه لا زكاة فيه ولو كان معدًّا للبس، وذلك لأنه لا زكاة في أصله، فإنه من جنس الثياب، فإن نواه للبس فلا زكاة وإن نواه للتجارة ففيه الزكاة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما رأي فضيلتكم في الذهب المستخدم هل فيه زكاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذهب المستعمل أو الذي يستعمل ويعار، أو الذي يُحفظ لا يستعمل إلا عند المناسبات، كله فيه زكاة على القول الراجح الصحيح، وبعض العلماء يقول: المستعمل ليست فيه زكاة، لكن الصحيح أن فيه الزكاة إذا بلغ النصاب وهو خمسة وثمانون جراماً، وما دون ذلك فليس فيه زكاة، والدليل على وجوب الزكاة فيه ما رواه مسلم، في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من
стр. 6862
نار، وأحمي عليها في نار جهنم، ويكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» . والحديث عام فيمن عنده ذهب وفضة.
ونسأل الآن: المرأة التي عندها حلي هل هي صاحبة ذهب أو لا؟ كلنا يقول: هي صاحبة ذهب، ويدل على العموم ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان (يعني سوارين غليظين) فقال لها: «أتؤدين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟» ، فخلعتهما وأعطتهما النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله.
وهذا وعيد، ولا وعيد إلا على ترك واجب. كذلك سألت إحدى أمهات المؤمنين رسول الله ﷺ عن حلي عندها أهو كنز؟ قال: «إذا بلغ أن تؤدى زكاته ثم زكي فليس بكنز» .
قد يقول قائل: نحن عرفنا الآن أن الحلي من الذهب إذا بلغ النصاب ففيه زكاة فما مقدارها؟
نقول: مقدارها ربع العشر يعني اثنين ونصف في المئة، وفي الألف خمسة وعشرون،وفي عشرة آلاف مائتان وخمسون، وهي جزء
стр. 6863
يسير والحمد لله ربما يكون هذا من بركته، وهو من بركته بلا شك؛ لأن الزكاة فيها أجر عظيم ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . وفيها أيضاً بركة للمال، ربما يبارك بهذا الحلي ويوقى الا"فات بسبب إخراج الزكاة منه، هذا فضلاً على الأجر الذي يكتسبه الإنسان، إذا أعطيت الآن من الحلي زكاته خمسة وعشرون في الألف، أتظن أن هذا غُرم وخسارة؟ لا بل هو ربح الخمسة وعشرين ريالاً، في يوم القيامة الريال بسبعة ريالات، ومع كل ريال مائة ريال فتحصّل يوم القيامة أجر سبعمائة ريال في كل ريال، بينما أنت في الدنيا توفر إن وفرت خمسة وعشرون ريالاً في الألف ربما يكون عدم إخراجك لها سبباً لضياع هذا الحلي، أو لتلفه، أو لكسره، أو لسرقته، أو لاستعارة أحد إياه ثم يجحده، أو ما أشبه ذلك.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما القول الفصل في زكاة الحلي الملبوس من الذهب والفضة؟ وقول الفقهاء الزكاة هي النماء والزيادة وما مقدار النصاب؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الفصل في الحلي الملبوس من الذهب والفضة وجوب الزكاة فيه؛ لعموم الأدلة في وجوب زكاة الذهب والفضة من غير تفصيل، ولأحاديث خاصة في وجوب الزكاة في الحلي، ذكر طرفاً منها في بلوغ المرام.
وأما قولهم الزكاة هي النماء والزيادة فهذا تعريفها في اللغة، ولا يشترط في المال الزكوي أن يكون نامياً زائداً، ولهذا لو ادخر
стр. 6864
الإنسان دراهم تبلغ النصاب أعدها لشراء بيت، أو نفقة وجبت فيها الزكاة، وإن لم يكن فيها نماء ولا زيادة.
وإذا لم يكن عند صاحبة الحلي دراهم تخرج منها الزكاة باعت منه بقدرها، أو أخرجت من نفس الحلي بقدر زكاته، فإذا نقص عن النصاب فلا زكاة.
ولا فرق بين كون الحلي يلبس دائماً أو لا يلبس إلا عند المناسبات.
وأما مقدار النصاب ففي الذهب خمسة وثمانون جراماً (٥٨) . وفي الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً (٥٩٥) ويساوي ستة وخمسين ريالاً من الفضة، وفي الأوراق النقدية ما قيمته كذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ١٢/٦/١٤٢٠ هـ.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل في الذهب المعد للزينة زكاة ، وإن كانت المرأة لا تجد إلا أن تبيع بعضه لكي تؤدي الزكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح من أقوال العلماء والراجح عندي أن الزكاة واجبة في الحلي إذا بلغ النصاب وهو خمسة وثمانون جراماً، فإذا بلغ هذا وجبت زكاته، فإن كان لديها مال فأدت منه فلا بأس، وإن أدى عنها زوجها أو أحد من أقاربها فلا بأس، فإن لم يكن هذا ولا هذا فإنها تبيع منه بقدر الزكاة وتخرج الزكاة.
стр. 6865
قد يقول بعض الناس: لو عملنا بهذا لانتهى حليُّها ولم يبق عندها شيء.
فنقول: هذا غير صحيح، لأنه إذا نقص عن النصاب ولو شيئاً يسيراً لم تجب الزكاة فيه، وحينئذ لابد أن يكون عندها شيء تتحلى به، فالقول الراجح في هذه المسألة أن الزكاة واجبة في كل حلي من ذهب أو فضة، سواء كان يلبس أو يعار أو يؤجر، وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك.
следующие страницы →