← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فأجاب قائلًا: كلمة " فكر إسلامي " من الألفاظ التي يحذر عنها، إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر. أما " مفكر إسلامي " فلا أعلم فيه بأسًا لأنه وصف للرجل المسلم والرجل المسلم يكون مفكرًا. (٤٨٥) سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى رقم " ٤٨٤ " أن كلمة الفكر الإسلامي كلمة لا تجوز لأنها تعني أن الإسلام قد يكون عبارة عن أفكار قد تصح أو لا تصح وهكذا، بينما قلتم: إن إطلاق كلمة (المفكر الإسلامي) تجوز لأن فكر الشخص يتغير وقد يكون صحيحًا أو العكس، ولكن الأشخاص الذين يستخدمون مصطلح (الفكر الإسلامي) يقولون: إننا نقصد فكر الأشخاص ولا نتكلم عن الإسلام ككل أو عن الشريعة الإسلامية بالتحديد فهل هذا المصطلح (الفكر الإسلامي) جائز بهذا التفسير أم لا وما هو البديل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: " «إنما أقضي بنحو ما أسمع» ونحن لا نحكم على الأفراد إلا بما يظهر منهم فإذا قيل: (الفكر الإسلامي) فهذا يعني أن الإسلام فكر، وإذا كان القائل بهذا التعبير يريد فكر الرجل الإسلامي فليقل: (فكر الرجل الإسلامي) أو (المفكر الإسلامي) وبدلًا من أن نقول: (الفكر الإسلامي)

стр. 737

نقول: (الحكم الإسلامي) لأن الإسلام حكم والقرآن الكريم إما خبر وإما حكم كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . (٤٨٦) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إذا شاهد من أسرف على نفسه بالذنوب: " فلان بعيد عن الهداية، أو عن الجنة، أو عن مغفرة الله " فما حكم ذلك ؟ . فأجاب بقوله: هذا لا يجوز لأنه من باب التألي على الله وقد ثبت في الصحيح «أن رجلًا كان مسرفًا على نفسه، وكان يمر به رجل آخر فيقول: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : " من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان قد غفرت له، وأحبطت عملك» . ولا يجوز للإنسان أن يستبعد رحمة الله ، كم من إنسان قد بلغ في الكفر مبلغًا عظيمًا، ثم هداه الله فصار من الأئمة الذين يهدون بأمر الله ، والواجب على من قال ذلك أن يتوب إلى الله، حيث يندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود في المستقبل. (٤٨٧) وسئل فضيلته: عن قول الإنسان إذا سئل عن شخص قد توفاه الله قريبًا قال: " فلان ربنا افتكره "؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مراده بذلك أن الله تذكر ثم أماته

стр. 738

فهذه كلمة كفر؛ لأنه يقتضي أن الله ينسى، والله لا ينسى، كما قال موسى، ﵊، لما سأله فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ . فإذا كان هذا هو قصد المجيب وكان يعلم ويدري معنى ما يقول فهذا كفر. أما إذا كان جاهلًا ولا يدري ويريد بقوله: " أن الله افتكره " يعني أخذه فقط فهذا لا يكفر، لكن يجب أن يطهر لسانه عن هذا الكلام؛ لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين ويجيب بقوله: " توفاه الله أو نحو ذلك ". (٤٨٨) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التسمي بقاضي القضاة ؟ فأجاب قائلًا: قاضي القضاة بهذا المعنى الشامل العام لا يصلح إلا لله فمن تسمى بذلك فقد جعل نفسه شريكًا لله فيما لا يستحقه إلا الله ، وهو القاضي فوق كل قاضٍ. والحكم وإليه يرجع الحكم كله، وإن قيد بزمان أو مكان فهذا جائز، لكن الأفضل أن لا يفعل؛ لأنه قد يؤدي إلى الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وإنما جاز هذا لأن قضاء الله لا يتقيد، فلا يكون فيه مشاركة لله وذلك مثل قاضي قضاة العراق، أو قاضي قضاة الشام، أو قاضي قضاة عصره. وأما إن قيد بفن من الفنون فبمقتضى التقييد يكون جائزًا، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل: عالم العلماء في الفقه سواء قلنا بأن الفقه يشمل أصول

стр. 739

الدين وفروعه على حد قوله، ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» أو قلنا بأن الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية كما هو المعروف عند الأصوليين صار فيه عموم واسع مقتضاه أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه فأنا أشك في جوازه والأولى التنزه عنه. وكذلك إن قيد بقبيلة فهو جائز ولكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف حتى لا يغتر ويعجب بنفسه، ولهذا «قال النبي، ﷺ ، للمادح: " قطعت عنق صاحبك» . (٤٨٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية) ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ، وباطل، فالدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله وكله يثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المرء، بزيادة إيمانه وإخباته لربه حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات، وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقربًا إلى الله واتباعًا لرسوله، ﷺ ، فإنه يثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها، بل ترمى، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا أخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله، ﷺ ، وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في الأمر تفكيرًا جديًّا، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي

стр. 740

فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول، ﷺ ، بقوله: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام» . وفيه أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان، بل يرميها ويطرحها. وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة؛ لأن النبي، ﷺ ، أمر به، وكل ما أمر به النبي، ﷺ ، فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه، ﷺ ، بل إنها من هدي النبي، ﷺ ، وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله تعالى عن هارون: أنه قال لموسى: ﴿يَاابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ . وثبت عن النبي، ﷺ ، أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة، وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه. (٤٩٠) سئل فضيلة الشيخ: عن عبارة " كل عام وأنتم بخير "؟ فأجاب بقوله: قول: " كل عام وأنتم بخير " جائز إذا قصد به الدعاء بالخير. (٤٩١) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم لعن الشيطان ؟ فأجاب بقوله: الإنسان لم يؤمر بلعن الشيطان، وإنما أمر بالاستعاذة منه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

стр. 741

وقال تعالى في سورة فصلت: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . (٤٩٢) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان متسخطًا: " لو أني فعلت كذا لكان كذا "، أو يقول: " لعنة الله على المرض هو الذي أعاقني "؟ فأجاب بقوله: إذا قال: " لو فعلت كذا لكان كذا " ندمًا وسخطًا على القدر، فإن هذا محرم ولا يجوز للإنسان أن يقوله، لقول النبي، ﵊: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قد قدر الله وما شاء فعل» . وهذا هو الواجب على الإنسان أن يفعل المأمور وأن يستسلم للمقدور، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وأما من يلعن المرض وما أصابه من فعل الله فهذا من أعظم القبائح - والعياذ بالله - لأن لعنه للمرض الذي هو من تقدير الله تعالى بمنزلة سب الله فعلى من قال مثل هذه الكلمة أن يتوب إلى الله، وأن يرجع إلى دينه، وأن يعلم أن المرض بتقدير الله، وأن ما أصابه من مصيبة فهو بما كسبت يده، وما ظلمه الله، ولكن كان هو الظالم لنفسه.

стр. 742

(٤٩٣) وسئل: عن قول: " لك الله "؟ فأجاب بقوله: لفظ " لك الله " الظاهر أنه من جنس " لله درك " وإذا كان من جنس هذا فإن هذا اللفظ جائز، ومستعمل عند أهل العلم وغيرهم، والأصل في هذا وشبهه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه، والواجب التحرز عن التحريم فيما الأصل فيه الحل. (٤٩٤) سئل فضيلة الشيخ: عن عبارة لم تسمح لي الظروف؟ أو لم يسمح لي الوقت ؟ فأجاب قائلًا: إن كان القصد أنه لم يحصل وقت يتمكن فيه من المقصود فلا بأس به، وإن كان القصد أن للوقت تأثيرًا فلا يجوز. (٤٩٥) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم استعمال " لو "؟ فأجاب بقوله: استعمال " لو " فيه تفصيل على الوجوه التالية: الوجه الأول: أن يكون المراد بها مجرد الخبر فهذه لا بأس بها مثل أن يقول الإنسان لشخص: لو زرتني لأكرمتك، أو لو علمت بك لجئت إليك. الوجه الثاني: أن يقصد بها التمني فهذه على حسب ما تمناه إن تمنى بها خيرًا فهو مأجور بنيته، وإن تمنى بها سوى ذلك فهو بحسبه، ولهذا «قال النبي، ﷺ ، في الرجل الذي له مال ينفقه في سبيل الله وفي وجوه الخير ورجل آخر ليس عنده مال، قال: لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمل فلان فقال رسول الله، ﷺ ،: " هما»

стр. 743

«في الأجر سواء " والثاني رجل ذو مال لكنه ينفقه في غير وجوه الخير فقال رجل آخر: لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه مثل عمل فلان فقال رسول الله، ﷺ : " هما في الوزر سواء» فهي إذا جاءت للتمني تكون بحسب ما تمناه العبد إن تمنى خيرًا فهي خير، وإن تمنى سوى ذلك فله ما تمنى. الوجه الثالث: أن يراد بها التحسر على ما مضى فهذه منهي عنها، لأنها لا تفيد شيئًا وإنما تفتح الأحزان والندم وفي هذه يقول الرسول، ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان» . وحقيقة أنه لا فائدة منها في هذا المقام لأن الإنسان عمل ما هو مأمور به من السعي لما ينفعه ولكن القضاء والقدر كان بخلاف ما يريد فكلمة " لو " في هذا المقام إنما تفتح باب الندم والحزن، ولهذا نهى عنها رسول الله، ﷺ ؛ لأن الإسلام لا يريد من الإنسان أن يكون محزونًا ومهمومًا بل يريد منه أن يكون منشرح الصدر وأن يكون مسرورًا طليق الوجه، ونبه الله المؤمنين لهذه النقطة بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . وكذلك في الأحلام المكروهة التي يراها النائم في منامه فإن الرسول ﵊ أرشد المرء إلى أن يتفل عن يساره ثلاث مرات، وأن يستعيذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وأن ينقلب إلى الجنب الآخر،

стр. 744

وألا يحدث بها أحدًا لأجل أن ينساها ولا تطرأ على باله قال: «فإن ذلك لا يضره» . والمهم أن الشرع يحب من المرء أن يكون دائمًا في سرور، ودائمًا في فرح ليكون متقبلًا لما يأتيه من أوامر الشرع؛ لأن الرجل إذا كان في ندم وهم وفي غم وحزن لا شك أنه يضيق ذرعًا بما يلقى عليه من أمور الشرع وغيرها، ولهذا يقول الله تعالى لرسوله دائمًا: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه النقطة بالذات تجد بعض الغيورين على دينهم إذا رأوا من الناس ما يكرهون تجدهم يؤثر ذلك عليهم، حتى على عبادتهم الخاصة ولكن الذي ينبغي أن يتلقوا ذلك بحزم وقوة ونشاط فيقوموا بما أوجب الله عليهم من الدعوة إلى الله على بصيرة، ثم إنه لا يضرهم من خالفهم. (٤٩٦) سئل الشيخ حفظه الله تعالى: عن هذه العبارة " لولا الله وفلان "؟ فأجاب قائلًا: قرن غير الله بالله في الأمور القدرية بما يفيد الاشتراك وعدم الفرق أمر لا يجوز، ففي المشيئة مثلًا لا يجوز أن تقول: " ما شاء الله وشئت " لأن هذا قرن لمشيئة الله بمشيئة المخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو نوع من الشرك، لكن لا بد أن تأتي بـ " ثم " فتقول " ما شاء الله ثم شئت " كذلك أيضًا إضافة الشيء إلى سببه مقرون بالله بحرف يقتضي التسوية ممنوع فلا تقول: " لولا الله وفلان أنقذني لغرقت " فهذا حرام ولا يجوز

стр. 745

لأنك جعلت السبب المخلوق مساويًّا لخالق السبب، وهذا نوع من الشرك، ولكن يجوز أن تضيف الشيء إلى سببه بدون قرن مع الله فتقول: " لولا فلان لغرقت " إذا كان السبب صحيحًا وواقعًا ولهذا «قال الرسول، ﵊، في أبي طالب حين أخبر أن عليه نعلين يغلي منهما دماغه قال: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» فلم يقل: لولا الله ثم أنا مع أنه ما كان في هذه الحال من العذاب إلا بمشيئة الله، فإضافة الِشيء إلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائز وإن لم يذكر معه الله - جل وعلا - وإضافته إلى الله وإلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا جائز بشرط أن يكون بحرف لا يقتضي التسوية كـ " ثم " وإضافته إلى الله وإلى سببه المعلوم شرعًا أو حسًّا بحرف يقتضي التسوية كـ " الواو " حرام ونوع من الشرك، وإضافة الشيء إلى سبب موهوم غير معلوم حرام ولا يجوز وهو نوع من الشرك مثل العقد والتمائم وما أشبهها فإضافة الشيء إليها خطأ محض، ونوع من الشرك لأن إثبات سبب من الأسباب لم يجعله الله سببًا نوع من الإشراك به، فكأنك أنت جعلت هذا الشيء سببًا والله تعالى لم يجعله فلذلك صار نوعًا من الشرك بهذا الاعتبار. (٤٩٧) وسئل فضيلة الشيخ عن قولهم: " المادة لا تفنى ولا تزول ولم تخلق من عدم ". فأجاب قائلًا: القول بأن المادة لا تفنى وأنها لم تخلق من عدم كفر لا يمكن أن يقوله مؤمن، فكل شيء في السماوات والأرض سوى الله فهو مخلوق من عدم كما قال الله - تعالى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وليس

стр. 746

هناك شيء أزلي أبدي سوى الله. وأما كونها لا تفنى فإن عنى بذلك أن كل شيء لا يفنى لذاته فهذا أيضًا خطأ وليس بصواب؛ لأن كل شيء موجود فهو قابل للفناء، وإن أراد به أن من مخلوقات الله ما لا يفنى بإرادة الله فهذا حق، فالجنة لا تفنى وما فيها من نعيم لا يفنى، وأهل الجنة لا يفنون، وأهل النار لا يفنون. لكن هذه الكلمة المطلقة " المادة ليس لها أصل في الوجود وليس لها أصل في البقاء " هذه على إطلاقها كلمة إلحادية فتقول: المادة مخلوقة من عدم، فكل شيء سوى الله فالأصل فيه العدم. أما مسألة الفناء فقد تقدم التفصيل فيها، والله الموفق. (٤٩٨) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم قول: " شاءت قدرة الله "، وإذا كان الجواب بعدمه فلماذا؟ مع أن الصفة تتبع موصوفها، والصفة لا تنفك عن ذات الله ؟ فأجاب قائلًا: لا يصح أن نقول: " شاءت قدرة الله "؛ لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة للشائي ولكننا نقول: اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذه قدرة الله، كما نقول: هذا خلق الله، وأما إضافة أمر يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز. وأما قول السائل: " إن الصفة تتبع الموصوف " فنقول: نعم، وكونها تابعة للموصوف تدل على أنه لا يمكن أن نسند إليها شيئًا يستقل به الموصوف، وهي دارجة على لسان كثير من الناس، يقول: شاءت قدرة الله كذا وكذا، شاء القدر كذا وكذا، وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران

стр. 747

معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدر. (٤٩٩) سئل فضيلة الشيخ عن هذه العبارة: " ما صدقت على الله أن يكون كذا وكذا ". فأجاب قائلًا: يقول الناس: ما صدقت على الله أن يكون كذا وكذا، ويعنون ما توقعت وما ظننت أن يكون هكذا، وليس المعنى ما صدقت أن الله يفعل لعجزه عنه مثلًا، فالمعنى أنه ما كان يقع في ذهني هذا الأمر، هذا هو المراد بهذا التعبير، فالمعنى إذن صحيح لكن اللفظ فيه إيهام، وعلى هذا يكون تجنب هذا اللفظ أحسن لأنه موهم، ولكن التحريم صعب أن نقول: حرام مع وضوح المعنى وأنه لا يقصد به إلا ذلك. (٥٠٠) سئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان إذا شاهد جنازة: " من المتوفي " بالياء ؟ فأجاب بقوله: الأحسن أن يقال: من المتوفى؟ وإذا قال من المتوفي؟ فلها معنى في اللغة العربية؛ لأن هذا الرجل توفي حياته وأنهاها. (٥٠١) سئل فضيلة الشيخ: عن قول: " إن فلانًا له المثل الأعلى "، أو " فلان كان المثل الأعلى ". فأجاب بقوله: هذا لا يجوز على سبيل الإطلاق، إلا لله فهو الذي له المثل الأعلى، وأما إذا قال: " فلان كان المثل الأعلى في كذا كذا "، وقيده فهذا لا بأس به .

стр. 748

(٥٠٢) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم قولهم: " دفن في مثواه الأخير "؟ فأجاب قائلًا: قول القائل: " دفن في مثواه الأخير " حرام ولا يجوز لأنك إذا قلت: في مثواه الأخير فمقتضاه أن القبر آخر شيء له، وهذا يتضمن إنكار البعث، ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شيء، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، فالقبر آخر شيء عندهم، أما المسلم فليس آخر شيء عنده القبر وقد سمع أعرابي رجلًا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فقال: " والله ما الزائر بمقيم " لأن الذي يزور يمشي فلا بد من بعث وهذا صحيح. لهذا يجب تجنب هذه العبارة فلا يقال عن القبر: إنه المثوى الأخير؛ لأن المثوى الأخير إما الجنة، وإما النار في يوم القيامة. (٥٠٣) وسئل: عن قول: " مسيجيد، مصيحيف ". فأجاب قائلًا: الأولى أن يقال: المسجد والمصحف بلفظ التكبير لا بلفظ التصغير؛ لأنه قد يوهم الاستهانة به. (٥٠٤) سئل فضيلة الشيخ: عن إطلاق المسيحية على النصرانية، والمسيحي على النصراني . فأجاب بقوله: لا شك أن انتساب النصارى إلى المسيح بعد بعثة النبي، ﷺ ، انتساب غير صحيح لأنه لو كان صحيحًا

стр. 749

لآمنوا بمحمد، ﷺ ، فإن إيمانهم بمحمد، ﷺ ، إيمان بالمسيح عيسى ابن مريم ﵊؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يبشرهم المسيح عيسى ابن مريم بمحمد، ﷺ ، إلا من أجل أن يقبلوا ما جاء به لأن البشارة بما لا ينفع لغو من القول لا يمكن أن تأتي من أدنى الناس عقلًا، فضلًا عن أن تكون صدرت من عند أحد الرسل الكرام أولي العزم عيسى ابن مريم، ﵊، وهذا الذي بشر به عيسى ابن مريم بني إسرائيل هو محمد، ﷺ ، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . وهذا يدل على أن الرسول الذي بشر به قد جاء ولكنهم كفروا به وقالوا: هذا سحر مبين، فإذا كفروا بمحمد، ﷺ ، فإن هذا كفر بعيسى ابن مريم الذي بشرهم بمحمد، ﷺ ، وحينئذ لا يصح أن ينتسبوا إليه فيقولوا: إنهم مسيحيون، إذ لو كانوا حقيقة لآمنوا بما بشر به المسيح ابن مريم لأن عيسى ابن مريم وغيره من الرسل قد أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا بمحمد، ﷺ ، كما قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ . قال:

стр. 750

أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ والذي جاء مصدقا لما معهم هو محمد، ﷺ ، لقوله ـ تعالىـ: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ . وخلاصة القول أن نسبة النصارى إلى المسيح عيسى ابن مريم نسبة يكذبها الواقع، لأنهم كفروا ببشارة المسيح عيسى ابن مريم ﵊ وهو محمد، ﷺ ، وكفرهم به كفر بعيسى ابن مريم، ﵊. (٥٠٥) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول: "فلان المغفور له"، "فلان المرحوم "؟. فأجاب بقوله: بعض الناس ينكر قول القائل: "فلان المغفور له، فلان المرحوم" ويقولون: إننا لا نعلم هل هذا الميت من المرحومين المغفور لهم أو ليس منهم؟ وهذا الإنكار في محله إذا كان الإنسان يخبر خبراً أن هذا الميت قد رحم أو غفر له، لأنه لا يجوز أن نخبر أن هذا الميت قد رحم، أو غفر له بدون علم قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ لكن الناس لا يريدون بذلك الإخبار قطعاً، فالإنسان الذي يقول: المرحوم الوالد، المرحومة الوالدة ونحو ذلك لا يريد بهذا الجزم أو الإخبار بأنهم

стр. 751

مرحومون، وإنما يريدون بذلك الدعاء أن الله تعالى قد رحمهم والرجاء، وفرق بين الدعاء والخبر، ولهذا نحن نقول: فلان ﵀، فلان غفر الله له، فلان عفا الله عنه، ولا فرق من حيث اللغة العربية بين قولنا: " فلان المرحوم " و" فلان ﵀ " لأن جملة " ﵀ " جملة خبرية، والمرحوم بمعنى الذي رحم فهي أيضًا خبرية، فلا فرق بينهما أي بين مدلوليهما في اللغة العربية فمن منع " فلان المرحوم " يجب أن يمنع " فلان ﵀ ". على كل حال نقول " لا إنكار في هذه الجملة أي في قولنا: فلان المرحوم، فلان المغفور له " وما أشبه ذلك؛ لأننا لسنا نخبر بذلك خبرًا ونقول: إن الله قد رحمه، وإن الله قد غفر له، ولكننا نسأل الله ونرجوه فهو من باب الرجاء والدعاء وليس من باب الإخبار، وفرق بين هذا وهذا. (٥٠٦) وسئل فضيلة الشيخ: عن هذه العبارة: " المكتوب على الجبين لا بد أن تراه العين " فأجاب بقوله: هذا وردت فيه آثار أنه يكتب على الجبين ما يكون على الإنسان، لكن الآثار هذه ليست إلى ذاك في الصحة، بحيث يعتقد الإنسان مدلولها، فالأحاديث الصحيحة أن الإنسان يكتب عليه في بطن أمه أجله، وعمله، ورزقه، وشقي أم سعيد. (٥٠٧) سئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان إذا خاطب ملكًا: " يا مولاي " .

стр. 752

فأجاب بقوله: الولاية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ولاية مطلقة وهذه لله كالسيادة المطلقة، وولاية الله بالمعنى العام شاملة لكل أحد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ فجعل له سبحانه الولاية على هؤلاء المفترين، وهذه ولاية عامة، وأما بالمعنى الخاص فهي خاصة بالمؤمنين المتقين قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهذه ولاية خاصة. القسم الثاني: ولاية مقيدة مضافة، فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة منها الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال، ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» وقال، ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» . وعلى هذا فلا بأس أن يقول القائل للملك: مولاي بمعنى سيدي ما لم يخش من ذلك محذور.

стр. 753

(٥٠٨) وسئل فضيلة الشيخ: يحتج بعض الناس إذا نهي عن أمر مخالف للشريعة أو الآداب الإسلامية بقوله: " الناس يفعلون كذا ". فأجاب بقوله: هذا ليس بحجة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . ولقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . والحجة فيما قاله الله ورسوله، ﷺ ، أو كان عليه السلف الصالح. (٥٠٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان لضيفه: " وجه الله إلا أن تأكل "؟ فأجاب بقوله: لا يجوز لأحد أن يستشفع بالله إلى أحد من الخلق، فإن الله أعظم وأجل من أن يستشفع به إلى خلقه، وذلك لأن مرتبة المشفوع إليه أعلى من مرتبة الشافع والمشفوع له، فكيف يصح أن يجعل الله تعالى شافعًا عند أحد؟ ! (٥١٠) سئل الشيخ: عن قولهم: " هذا نوء محمود ". فأجاب بقوله: هذا لا يجوز وهو يشبه قول القائل: مطرنا بنوء كذا وكذا الذي «قال فيه النبي، ﷺ ، فيما يرويه عن الله : " من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» .

стр. 754

والأنواء ما هي إلا أوقات لا تحمد ولا تذم، وما يكون فيها من النعم والرخاء فهو من الله تعالى وهو الذي له الحمد أولًا وآخرًا، وله الحمد على كل حال. (٥١١) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن قول: " لا حول الله " فأجاب قائلًا: قول " لا حول الله "، ما سمعت أحدًا يقولها وكأنهم يريدون " لا حول ولا قوة إلا بالله "، فيكون الخطأ فيها في التعبير، والواجب أن تعدل على الوجه الذي يراد بها، فيقال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". (٥١٢) سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم في هذه العبارة " لا سمح الله ". فأجاب قائلًا: أكره أن يقول القائل: " لا سمح الله " لأن قوله: " لا سمح الله " ربما توهم أن أحدًا يجبر الله على شيء فيقول: " لا سمح الله " والله كما قال الرسول، ﷺ ، " لا مكره له ". قال الرسول، ﷺ : «لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة فإن الله لا مكره له، ولا يتعاظمه شيء أعطاه» والأولى أن يقول: " لا قدر الله " بدلًا من قوله: " لا سمح الله " لأنه أبعد عن توهم ما لا يجوز في حق الله تعالى.

стр. 755

(٥١٣) سئل فضيلة الشيخ غفر الله له: ما حكم قول: " لا قدر الله "؟ فأجاب بقوله: " لا قدر الله " معناه الدعاء بأن الله لا يقدر ذلك، والدعاء بأن الله لا يقدر هذا جائز، وقول: " لا قدر الله " ليس معناه نفي أن يقدر الله ذلك، إذ إن الحكم لله يقدر ما يشاء، لكنه نفي بمعنى الطلب فهو خبر بمعنى الطلب بلا شك، فكأنه حين يقول: " لا قدر الله " أي أسأل الله أن لا يقدره، واستعمال النفي بمعنى الطلب شائع كثير في اللغة العربية وعلى هذا فلا بأس بهذه العبارة. (٥١٤) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إذا مات شخص: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ؟ فأجاب بقوله: هذا لا يجوز أن يطلق على شخص بعينه؛ لأن هذه شهادة بأنه من هذا الصنف. (٥١٥) سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم في قول بعض الناس: " يا هادي، يا دليل "؟ فأجاب بقوله: " يا هادي، يا دليل " لا أعلمها من أسماء الله، فإن قصد به الإنسان الصفة فلا بأس كما يقول: اللهم يا مجري السحاب، يا منزل الكتاب وما أشبه ذلك، فإن الله يهدي من يشاء و" الدليل " هنا بمعنى الهادي.

стр. 756

(٥١٦) وسئل غفر الله له: عن قول بعض الناس: " يعلم الله كذا وكذا "؟ فأجاب بقوله: قول: " يعلم الله " هذه مسألة خطيرة، حتى رأيت في كتب الحنفية أن من قال عن شيء: يعلم الله والأمر بخلافه صار كافرًا خارجًا عن الملة، فإذا قلت: " يعلم الله أني ما فعلت هذا " وأنت فاعله فمقتضى ذلك أن الله يجهل الأمر، " يعلم الله أني ما زرت فلانًا " وأنت زائره صار الله لا يعلم بما يقع، ومعلوم أن من نفى عن الله العلم فقد كفر، ولهذا قال الشافعي ﵀ في القدرية قال: " جادلوهم بالعلم فإن أنكروه كفروا، وإن أقروا به خصموا " ا. هـ. والحاصل أن قول القائل: " يعلم الله " إذا قالها والأمر على خلاف ما قال فإن ذلك خطير جدًا وهو حرام بلا شك. أما إذا كان مصيبًا، والأمر على وفق ما قال فلا بأس بذلك؛ لأنه صادق في قوله ولأن الله بكل شيء عليم كما قالت الرسل في سورة يس: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ .

стр. 757

شرح حديث جبريل ﵇

стр. 758

نص الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ -قال: «بينما نحن عند رسول الله، ﷺ ، ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي، ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله، ﷺ : " الإسلام، أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا ". قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ". قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: " يا عمر أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» . الشرح إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد

стр. 759

أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى، ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: [تعريف الإيمان] أيها الأخوة المؤمنون: «سأل جبريل النبي، ﷺ ، عن الإيمان بعد أن سأله عن الإسلام قال: فأخبرني عن الإيمان؟ فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . والإيمان هو: " الاعتراف المستلزم للقبول والإذعان " أما مجرد أن يؤمن الإنسان بالشيء بدون أن يكون لديه قبول وإذعان، فهذا ليس بإيمان، بدليل أن المشركين مؤمنون بوجود الله ومؤمنون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبر للأمور، وكذلك أيضًا فإن الواحد منهم قد يقر برسالة النبي، ﷺ ، ولا يكون مؤمنًا، فهذا أبو طالب عم النبي، ﷺ ، كان يقرُّ بأن النبي، ﷺ ، صادق وأن دينه حق يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل وهذا البيت من لاميته المشهورة الطويلة التي قال عنها ابن كثير: ينبغي أن تكون إحدى المعلقات في الكعبة، ويقول أيضًا: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحًا بذلك مبينا فهذا إقرار بأن دين الرسول، ﷺ ، حق، لكن لم ينفعه ذلك؛ لأنه لم يقبله ولم يذعن له فكان - والعياذ بالله - بعد شفاعة النبي، ﷺ ، في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه - نسأل الله تعالى أن يعافينا وإياكم من النار - وهو أهون الناس عذابًا لكنه يرى أنه أشدهم

стр. 760

عذابًا، وكونه يرى أنه أشدهم عذابًا، فهذا تعذيب نفسي قلبي؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره مثله في العذاب أو دونه يهون عليه ما هو فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ . وعلى هذا فنقول: إن الإيمان ليس مجرد الاعتراف، بل لا بد من الاعتراف المستلزم للقبول والإذعان، ولقد عجبت أيما عجب حينما صعد جاجارين الروسي إلى الفضاء، وقال بعد أن صعد الفضاء ورأى وشاهد الآيات العظيمة، قال: إن لهذا الكون مدبرًا، ومع ذلك فلم يؤمن. أركان الإيمان الركن الأول: الإيمان بالله قال رسول الله، ﷺ : «أن تؤمن بالله» . والإيمان بالله يتضمن الإيمان بأربعة أمور: الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبية الله، والإيمان بألوهية الله، والإيمان بأسمائه وصفاته. أولًا: الإيمان بوجود الله: وهو أن تؤمن بأن الله تعالى موجود، والدليل على وجوده العقل، والحس والفطرة، والشرع. أولًا: الدليل العقلي: فالدليل العقلي على وجود الله أن نقول: هذا الكون الذي أمامنا ونشاهده على هذا النظام البديع الذي لا يمكن أن يضطرب ولا يتصادم ولا يسقط بعضه بعضًا بل هو في غاية ما يكون من النظام ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾

стр. 761

فهل يعقل أن هذا الكون العظيم بهذا النظام البديع يكون خالقًا لنفسه؟ كلا لا يعقل؛ لأنه لا يمكن أن يكون خالقًا لنفسه إذ إن معنى ذلك أنه عدم أوجد موجودًا، ولا يمكن للعدم أن يوجد موجودًا، إذن فيستحيل أن يكون هذا الكون موجدًا لنفسه، ولا يمكن أيضًا أن يكون هذا الكون العظيم وجد صدفة؛ لأنه على نظام بديع مطرد، وما جاء صدفة فالغالب أنه لا يطرد ولا يمكن أن يأتي صدفة لكن على التنزل. ويذكر عن أبي حنيفة ﵀ وكان معروفًا بالذكاء أنه جاءه قوم دهريون يقولون له: أثبت لنا وجود الله فقال: دعوني أفكر، ثم قال لهم: إني أفكر في سفينة أرست في ميناء دجلة وعليها حمل فنزل الحمل بدون حمال، وانصرفت السفينة بدون قائد، فقالوا: كيف تقول مثل ذلك الكلام فإن ذلك لا يعقل ولا يمكن أن نصدقه؟ فقال: إذا كنتم لا تصدقون بها فكيف تصدقون بهذه الشمس، والقمر، والنجوم، والسماء، والأرض، كيف يمكن أن تصدقوا أنها وجدت بدون موجد؟ ! وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل العقلي بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ . وسئل أعرابي فقيل له: بم عرفت ربك؟ والأعرابي لا يعرف إلا ما كان أمامه فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ بلى. ثانيًا: الدليل الحسي: فهو ما نشاهده من إجابة الدعاء مثلًا فالإنسان يدعو الله ويقول: يا الله فيجيب الله دعاءه ويكشف سوءه ويحصل

стр. 762

له المطلوب وهو إنما قال: يا الله إذن هناك رب سمع دعاءه، وأجابه، وما أكثر ما نقرأ نحن المسلمين في كتاب الله أنه استجاب لأنبياء الله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ ، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ . والآيات في هذه كثيرة والواقع يشهد بهذا. ثالثًا: الدليل الفطري: فإن الإنسان بطبيعته إذا أصابه الضر قال: (يا الله) حتى إننا حدثنا أن بعض الكفار الموجودين الملحدين إذا أصابه الشيء المهلك بغتة يقول على فلتات لسانه: (يا الله) من غير أن يشعر؛ لأن فطرة الإنسان تدله على وجود الرب ، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ . رابعًا: الدليل الشرعي: وأما الأدلة الشرعية فحدث ولا حرج، كل الشرع إذا تأمله الإنسان علم أن الذي أنزله وشرعه هو الرب قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فائتلاف القرآن وعدم تناقضه وتصديق بعضه بعضًا كل ذلك يدل على أن القرآن نزل من عند الله وكون هذا الدين بل كون جميع الأديان التي أنزلها الله موافقة تمامًا لمصالح العباد دليل أنها من عند الله . ولكن حصل على جميع الأديان تحريف وتبديل وتغيير من المخالفين

стр. 763

لشرائعه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ لكن الدين الذي نزل على الأنبياء كله يشهد بوجود الله وحكمته وعلمه. ثانيًا: الإيمان بربوبيته: ومعنى (الرب) : أي الخالق، والمالك، والمدبر، فهذا معنى ربوبية الله ، ولا يغني واحد من هذه الثلاثة عن الآخر، فهو الخالق الذي أوجد الأشياء من عدم ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالذي أوجد الكون من العدم هو الله الخالق، المالك أي خلق الخلق وانفرد بملكه له كما انفرد بخلقه له، وتأمل قول الله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وفي قراءة أخرى سبعية: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وهي قراءة سبعية متواترة، وإذا جمعت بين القراءتين ظهر معنى بديع، الملك أبلغ من المالك في السلطة والسيطرة، لكن الملك أحيانًا يكون ملكًا بالاسم لا بالتصرف، وحينئذ يكون ملكًا غير مالك، فإذا اجتمع أن الله تعالى: ملك ومالك تم بذلك الأمر: الملك، والتدبير. ولهذا نقول: إن الله منفرد بالملك، كما انفرد بالخلق، كذلك أيضًا منفرد بالتدبير، فهو المدبر لجميع الأمور وهذا بإقرار المشركين، فإنهم إذا سئلوا من يدبر الأمور؟ فسيقولون: الله. فهو المنفرد بالتدبير: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ .

стр. 764

سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم. فالإنسان يعزم أحيانًا على الشيء عزمًا وتصميمًا أكيدًا وفي لحظة يجد نفسه قد عزم على تركه ونقض العزم، وقد يهم الإنسان بالشيء متجهًا إليه ثم ينصرف بدون سبب، وهذا يدل على أن للأشياء مدبرًا فوق تدبيرك أنت، وهو الله . فإن قال قائل: كيف تقول: إن الله منفرد بالخلق، مع أنه أثبت الخلق للمخلوق وسمى المخلوق خالقًا. قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وفي الحديث عن النبي، ﷺ ، «يقال للمصورين: " أحيوا ما خلقتم» ؟ . فالجواب: أن خلق الإنسان ليس خلقًا في الحقيقة؛ لأن الخلق هو الإيجاد من العدم، والإنسان عندما يخلق لا يوجد من عدم، لكن يغير الشيء من صورة إلى صورة أخرى. وكذلك (الملك) فإن قال قائل: كيف تقول: إن الله منفرد بالملك مع أن الله سبحانه أثبت الملك لغيره فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ ؟ . فالجواب: أن يقال: إن ملك الإنسان ليس كملك الله؛ لأن ملك الله شامل لكل شيء، ولأن ملك الله تعالى ملك مطلق غير مقيد، أما ملك الإنسان للشيء فهو غير شامل، فمثلًا الساعة التي معي لا تملكها أنت\ والساعة التي معك لا أملكها أنا، فهو ملك محدود ليس

стр. 765

شاملًا، كذلك أيضًا ليس ملكًا مطلقًا فأنا لا يمكنني أن أتصرف في ساعتي كما أريد، لأنني مقيد بالشرع الذي هو المصلحة، فلو أراد إنسان تكسير ساعته مثلًا فإن ذلك لا يجوز ولا يملك شرعًا أن يفعل ذلك؛ لأن النبي، ﷺ ، نهى عن إضاعة المال فكيف بإتلافه؟ ولهذا قال العلماء: إن الرجل لو كان بالغًا عاقلًا له زوجة وأولاد، وهو سفيه في المال لا يتصرف فيه تصرف الرشيد فإنه يحجر على ماله. لكن الله يتصرف في ملكه كما يشاء، يحيي ويميت، ويمرض ويشفي، ويغني ويفقر، ويفعل ما يشاء على أننا نؤمن بأنه لا يفعل الشيء إلا لحكمة. إذن فهناك فارق بين ملك الخالق وملك المخلوق. وبهذا عرفنا أن قولنا: إن الله منفرد بالملك قول صحيح لا يستثنى منه شيء. وكذلك التدبير، فإنه قد يكون للإنسان، فإنه يدبر مثل أن يدبر خادمه أو مملوكه، أو سيارته، أو ماشيته فله تدبير، لكن هذا التدبير ليس كتدبير الله، فهو تدبير ناقص ومحدود. ناقص إذ لا يملك التدبير المطلق في ماله فأحيانًا يدبر البعير لكن البعير تعصيه، وأحيانًا يدبر الإنسان ابنه فيعصيه كذلك، وكذلك هو تدبير محدود فلا يمكن أن يدبر الإنسان إلا ما له السيطرة والسلطة عليه التي جعلها الشارع له وبهذا صح أن نقول: إن الله منفرد بالتدبير كما قلنا: إنه منفرد بالخلق، والملك. ثالثًا: الإيمان بألوهيته: وهو أن يؤمن الإنسان بأنه سبحانه هو الإله الحق، وأنه لا يشاركه أحد في هذا الحق لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هي الدعوة إلى قول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .

стр. 766

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . لو أن أحدًا آمن بوجود الله، وآمن بربوبية الله، ولكنه يعبد مع الله غيره فلا يكون مؤمنًا بالله حتى يفرده سبحانه بالألوهية. وقد يقول قائل: إن الله تعالى أثبت وصف الألوهية لغيره فقال تعالى عن إبراهيم: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات فكيف يصح أن تقول: إن الله متفرد بالألوهية؟ فالجواب: أن الألوهية المثبتة لغير الله ألوهية باطلة، ولهذا صح نفيها نفيًا مطلقًا في مثل قول الرسل عليهم الصلاة والسلام لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لأنها آلهة باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . رابعًا: الإيمان بأسمائه وصفاته: وهذا معترك الفرق المنتسبة للإسلام بالنسبة لإفراد الله تعالى بالأسماء والصفات، فقد انقسموا إلى فرق شتى أصولها ثلاثة: الأول: الإيمان بالأسماء دون الصفات.

стр. 767

الثاني: الإيمان بالأسماء والصفات. الثالث: الإيمان بالأسماء وبعض الصفات. وهناك غلاة ينكرون حتى الأسماء، فيقولون: " إن الله ليس له أسماء ولا صفات " لكننا تركناها لأنها متشعبة. السلف الصالح الذين كانوا على ما كان عليه النبي، ﷺ ، وأصحابه يقرون بالأسماء والصفات اتباعًا لما جاء في كلام الله قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وهذا دليل إثبات الأسماء لله تعالى، وأما الدليل على إثبات الصفات فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ومعنى ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي الوصف الأكمل، ففي الآيتين عمومان: أحدهما: في الأسماء. والآخر: في الصفات. أما التفاصيل فكثيرة في القرآن والسنة. وهناك من يثبت الأسماء دون الصفات فيقول: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهذا هو المشهور في مذهب المعتزلة. والفريق الثالث: يثبت الأسماء وبعض الصفات، فيثبت من الصفات سبعًا وينكر الباقي، والسبع هي: الحياة. والعلم. والقدرة. والسمع. والبصر.

стр. 768

الإرادة. الكلام. جمعها السفاريني في عقيدته بقوله: له الحياة والكلام والبصر ... سمع إرادة وعلم واقتدر بقدرة تعلقت بممكن ... كذا إرادة يقولون: إن هذه الصفات دل عليها العقل فنثبتها، وما عداها فالعقل لا يدل عليها فلا نثبتها. فيقولون: إن الموجودات دالة على إيجاد، والإيجاد يدل على القدرة، فلا يمكن إيجاد بلا قدرة وهذا دليل عقلي، ويقول إن التخصيص يدل على إرادة أي كون هذه شمسًا، وهذا قمرًا، وهذه سماء، وهذه أرضًا كل ذلك يدل على إرادة وأن الذي خلقها أراد أن تكون على هذا الوجه، وهذا دليل عقلي أيضًا. وإذا نظرنا في الخلق وجدناه خلقًا محكمًا متقنًا، والإحكام يدل على العلم؛ لأن الجاهل لا يتقن. فثبتت الآن ثلاث صفات: القدرة، والإرادة، والعلم. ثم قالوا: إن هذه الثلاث لا تقوم إلا بحي ومن ثم ثبت أنه حي، فالحي إما أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا، أو أعمى أصم أخرس، والصمم، والعمى، والخرس صفات نقص، والسمع، والبصر، والكلام صفات كمال، فوجب ثبوت الكمال للحي. فهذه أدلتهم وهي أدلة عقلية، فلذلك أثبتوا هذه الصفات السبع. فإذا قيل له: تثبت لله رحمة؟ قال: لا أثبت له الرحمة، لأني أفسرها بما أعتقد وأقول: الرحمة إرادة الإحسان، أو هي الإحسان نفسه، فلا يفسرها بصفة.

стр. 769

ولكن نقول: هذا خطأ بل نحن نستدل بالعقل على ثبوت الرحمة بما نشاهد من آثارها، فالنعم التي لا تعد، والنقم التي تدفع عنَّا هي بسبب الرحمة، ودلالة هذه النعم على صفة الرحمة أقوى من دلالة التخصيص على صفة الإرادة؛ لأن دلالة هذه النعم على الرحمة يعرفها العامي والخاص، ومع هذا فينكر هؤلاء صفة الرحمة ويثبتون صفة الإرادة. وبذلك تعرف أن كل من حاد عن طريق السلف فهو في تناقض مطرد؛ لأن الباطل لا يأتلف أبدًا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . وموقفنا نحن من الإيمان بأسماء الله وصفاته، أن نثبت ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وأن ننزه هذا الإثبات عن محظورين عظيمين وهما: التمثيل، والتكييف، ودليل ذلك السمع والعقل قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ . ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ والنصوص في هذا المعنى كثيرة. أما العقل، فإننا نقول: لا يعقل أبدًا أن يكون الخالق مماثلًا للمخلوق لما بينهما من التباين العظيم، فالخالق موجِد، والمخلوق موجَد، والخالق أزلي أبدي الوجود، والمخلوق جائز الوجود قابل للفناء بل هو فان قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .

стр. 770

قال بعض السلف ﵏: إذا قرأت هذه الآية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تقف عليها فصلها بما بعدها: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ليتميز الفرقان المبين بين الخالق والمخلوق، وليعرف كمال الله ونقص ما سواه. لكن لو قال لنا قائل: مما وصف الله به نفسه أن له وجهًا كما قال سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وأنا لا أعقل من الوجه إلا مثل وجه المخلوق فيلزم من إثبات الوجه لله التمثيل؛ لأن القرآن عربيٌّ، والوجه هو ما يتعارف بين الناس وأكمل الوجوه وجوه البشر، فوجه الله كوجه الإنسان مثلًا فماذا نقول له؟ نقول له: إن هذا الفهم فهم خاطئ؛ لأن الوجه مضاف إلى الله، والمضاف بحسب المضاف إليه، فوجه الله يليق بالله، ووجه الإنسان يليق بالإنسان، ونقول له أيضًا: أنت لك وجه، والأسد له وجه، والهر له وجه، فإذا قلنا: وجه الإنسان، ووجه الأسد، ووجه الهر، فهل يلزم من ذلك التماثل؟ ! فلا أحد يقول: إن وجهه يماثل وجه الهر، أو الأسد أبدًا. إذن نعرف من هذا أن الوجه بحسب ما يضاف إليه، فإثباتنا لصفات الله لا يستلزم أبدًا المماثلة بين الخالق والمخلوق بدليل السمع وبدليل العقل. الثاني: التكييف: أي إن صفات الله لا تكيف تقديرًا بالجنان ولا نطقًا باللسان، ودليل ذلك سمعي وعقليٌّ أيضًا.

стр. 771

الدليل السمعي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ، وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ على أحد التفسيرين وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فمن كيف صفة الله فقد قال على الله ما لا يعلم. أما الدليل العقلي لامتناع التكييف فإننا نقول: لا يمكن لأي إنسان أن يعرف كيفية الشيء إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه. مثل: لو أني شاهدت مسجلًا بعينه فإني أعرف كيفيته لأنني شاهدته بعيني أو مشاهدة نظيره مثل أن يأتيني رجل ويقول: عندي سيارة واشتريتها موديل ٨٨ مثلًا، وصفتها كذا، ولونها كذا، فإنه يمكنني معرفة هذه السيارة، مع أني لم أشاهدها، لأني أعرف نظيرها وأشاهده. ومثال الخبر الصادق عندي مثل: أن يأتيني رجل ويقول: عندي بعير صفته كذا وكذا، وعليه الوسم الفلاني، فهذا عرفت كيفيته بالخبر الصادق. إذا طبقنا هذه القاعدة العقلية على صفات الله ، فإنه لا يمكن أن نعرف صفات الله بهذه الوسائل الثلاث، لأننا لم

стр. 772

نشاهد ولم نشاهد نظيرًا ولم نخبر عنه. ولهذا قال بعض العلماء: إذا قال لك الجهمي: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل ولم يخبرنا كيف ينزل، فعلينا أن نؤمن بما بلغنا وأن نمسك عمَّا لم يبلغنا. ونظير ذلك قول مالك ﵀ حين سأله سائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك برأسه تعظيمًا لهذا السؤال وتحملًا وتحسبًا له حتى علاه الرحضاء - أي العرق - ثم رفع رأسه وقال قولته الشهيرة التي تعتبر ميزانًا لجميع الصفات قال له: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ". فكل من سأل عن كيفية صفة من صفات الله قلنا له: أنت مبتدع فوظيفتك أن تؤمن بما بلغك وتسكت عمَّا لم يبلغك. الركن الثاني: الإيمان بالملائكة الملائكة: جمع ملك وأصل (ملك) كما يقول النحويون الذين يحللون ألفاظ اللغة العربية يقولون: أصله (مألك) ، ثم زحزت الهمزة إلى مكان اللام وقدمت اللام فصار (ملأك) ، ثم حذفت الهمزة للتخفيف فصار (ملك) لماذا؟ قالوا: لأن ملائكة مأخوذة من (ألالوكة) وهي الرسالة والهمزة في (ألالوكة) مقدمة على اللام.

стр. 773

فالملائكة إذن هم الرسل كما قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ . وإذا أردنا أن نعرفهم نقول: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ يقومون بأمر الله، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ . والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة، فهذا مرتبته في الدين، ومن أنكر الملائكة فهو كافر؛ لأنه مكذب لله، ورسوله، وإجماع المسلمين. كيف نؤمن بالملائكة؟ نؤمن بهم أولًا: بأسماء من علمنا اسمه منهم، ثانيًا: بأوصاف من علمنا وصفه، ثالثًا: بأعمال من علمنا عملهم. أولًا: نؤمن بأسماء من علمنا اسمه: كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، ورضوان، وملك الموت، ومنكر، ونكير، فجبريل، وميكائيل، وإسرافيل كل منهم موكل بما فيه الحياة: فجبريل: موكل بما فيه حياة القلوب وهو الوحي؛ لأن جبريل هو الذي جعله الله تعالى وكيلًا في نزول الوحي على الرسل، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . وإسرافيل: موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الأجساد عند البعث.

стр. 774

وأما: ميكائيل: فهو موكل بالقطر، والنبات، وبالقطر والنبات تكون حياة الأرض. ولهذا جمع النبي، ﷺ ، بين هؤلاء الملائكة في حديث استفتاح صلاة الليل، فكان يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جبرائيل، وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» . وأما (مالك) : فهو موكل بالنار لقوله تعالى عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ . وأما (رضوان) : فموكل بالجنة واسمه هذا ليس ثابتًا ثبوتًا واضحًا كثبوت مالك لكنه مشهور عند أهل العلم بهذا الاسم، والله أعلم. وأما السادس (ملك الموت) : وقد اشتهر أن اسمه (عزرائيل) ، لكنه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمي من وكل بالموت بـ (ملك الموت) كما سماه الله في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ . والسابع والثامن وهما (منكر ونكير) : وهما الملكان اللذان يسألان الميت في قبره، وقد ورد في ذلك حديث في الترمذي ضعفه بعض العلماء وقال: إنه لا يمكن أن يطلق اسم (منكر ونكير) على الملائكة الذين: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .

стр. 775

على كل حال فهما الملكان اللذان يسألان الميت عن ربه، ودينه، ونبيه. ثانيًا: الإيمان بأوصاف من علمنا وصفه: علمنا بما صح عن النبي، ﵊، أنه رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح قد سدَّ الأفق، وهذا يدل على عظمته، ومع ذلك فإنه من الممكن أن يأتي على غير هذه الصفة، كما أتى على صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، كما في الحديث الذي نحن بصدد شرحه، وجاء مرة على صورة دحية الكلبي، ولكن هذا التحول من الصورة التي عليها إلى صورة البشر إنما كان بأمر الله، وقد تمثل جبريل بشرًا لمريم بنت عمران كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ . ومن أهم ما يجب الإيمان به أن نؤمن بأن كل شخص معه ملكان يكتبان عمله كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ رقيب حاضر من هؤلاء الملائكة. فإياك أيها المسلم أن يكتب هذان الملكان عنك ما يسوؤك يوم القيامة فكل شيء تقوله وتلفظ به فإنه مكتوب عليك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ سواء كان لك، أو عليك، أو لغوًا لا لك ولا عليك، فاحرص يا أخي على ضبط اللسان حتى لا يكتب عليك كلمات تسوؤك يوم القيامة. ولما دخلوا على الإمام أحمد ﵀ وكان مريضًا فإذا هو يئن أنين المريض فقيل له: يا أبا
следующие страницы →