← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بأس بها؛ لأن قولهم: "المرحوم" من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء، فلا بأس به. وأما "انتقل إلى رحمة الله"، فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر؛ لأن مثل هذا من أمور الغيب، ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال: "انتقل إلى الرفيق الأعلى". (٤٤٠) سئل فضيلة الشيخ: عن عبارة "لكم تحياتنا"، وعبارة "أهدي لكم تحياتي "؟ فأجاب قائلا: عبارة "لكم تحياتنا، وأهدي لكم تحياتي" ونحوهما من العبارات، لا بأس بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ . فالتحية من شخص لآخر جائزة، وأما التحيات المطلقة العامة فهي لله، كما أن الحمد لله، والشكر لله، ومع هذا فيصح أن نقول: حمدت فلانا على كذا، وشكرته على كذا قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ . (٤٤١) وسئل فضيلة الشيخ: يقول بعض الناس: "أوجد الله كذا"، فما مدى صحتها؟ وما الفرق بينها وبين: "خلق الله كذا" أو "صور الله كذا "؟ فأجاب بقوله: أوجد وخلق ليس بينهما فرق، فلو قال: أوجد الله

стр. 702

كذا كانت بمعنى خلق الله كذا، وأما صور فتختلف؛ لأن التصوير عائد إلى الكيفية لا إلى الإيجاد. (٤٤٢) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التسمي بإيمان ؟ فأجاب بقوله: الذي أرى أن اسم إيمان فيه تزكية، وقد صح عن النبي ﷺ أنه غير اسم " برة " خوفا من التزكية ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ «أن زينب كان اسمها برة، فقيل: تزكي نفسها فسماها رسول الله ﷺ زينب» ١٠ \٥٧٥ فتح، وفي صحيح مسلم ٣ \١٦٨٧ عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت جويرية اسمها برة، فحول النبي ﷺ اسمها جويرية وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة،» وفيه أيضا ص١٦٨٨ «عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم وسميت برة، فقال النبي ﷺ : " لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم" فقالوا: بم نسميها؟ قال: "سموها زينب» فبين النبي ﷺ وجه الكراهة للاسم الذي فيه التزكية، وأنها من وجهين: الأول: أنه يقال: خرج من عند برة، وكذلك يقال: خرج من برة. الثاني: التزكية، والله أعلم منا بمن هو أهل للتزكية. وعلى هذا ينبغي تغيير اسم إيمان؛ لأن النبي ﷺ نهى عما فيه تزكية، ولا سيما إذا كان اسما لامرأة؛ لأنه للذكور أقرب منه للإناث؛ لأن كلمة (إيمان) مذكرة.

стр. 703

(٤٤٣) وسئل فضيلته: عن التسمي بإيمان ؟ فأجاب بقوله: اسم إيمان يحمل نوعا من التزكية، ولهذا لا تنبغي التسمية به؛ لأن النبي ﷺ غير اسم برة؛ لكونه دالا على التزكية، والمخاطب في ذلك هم الأولياء الذين يسمون أولادهم بمثل هذه الأسماء التي تحمل التزكية لمن تسمى بها، أما ما كان علما مجردا لا يفهم منه التزكية، فهذا لا بأس به، ولهذا نسمي بصالح وعلي وما أشبههما من الأعلام المجردة، التي لا تحمل معنى التزكية. (٤٤٤) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم هذه الألقاب "حجة الله"، "حجة الإسلام"، "آية الله "؟ فأجاب بقوله: هذه الألقاب "حجة الله"، "حجة الإسلام" ألقاب حادثة لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل. وأما "آية الله" فإن أريد المعنى الأعم، فهو يدخل فيه كل شيء: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وإن أريد أنه آية خارقة، فهذا لا يكون إلا على أيدي الرسل، لكن يقال: عالم، مفت، قاضي، حاكم، إمام لمن كان مستحقا لذلك. (٤٤٥) سئل الشيخ: عن هذه العبارات: "باسم الوطن، باسم الشعب، باسم العروبة "؟ فأجاب قائلا: هذه العبارات إذا كان الإنسان يقصد بذلك أنه يعبر عن العرب، أو يعبر عن أهل البلد، فهذا لا بأس به، وإن قصد التبرك والاستعانة

стр. 704

فهو نوع من الشرك، وقد يكون شركا أكبر، بحسب ما يقوم في قلب صاحبه من التعظيم بما استعان به. (٤٤٦) وسئل فضيلته: هل هذه العبارة صحيحة "بفضل فلان تغير هذا الأمر، أو بجهدي صار كذا "؟ فأجاب الشيخ بقوله: هذه العبارة صحيحة، إذا كان للمذكور أثر في حصوله، فإن الإنسان له فضل على أخيه إذا أحسن إليه، فإذا كان للإنسان في هذا الأمر أثر حقيقي، فلا بأس أن يقال: هذا بفضل فلان، أو بجهود فلان، أو ما أشبه ذلك؛ لأن إضافة الشيء إلى سببه المعلوم جائزة شرعا وحسا، ففي صحيح مسلم «أن رسول الله ﷺ قال في عمه أبي طالب: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» . وكان أبو طالب يعذب في نار جهنم في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذابا -والعياذ بالله- فقال النبي ﷺ : «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» . أما إذا أضاف الشيء إلى سبب وليس بصحيح، فإن هذا لا يجوز، وقد يكون شركا، كما لو أضاف حدوث أمر لا يحدثه إلا الله إلى أحد من المخلوقين، أو أضاف شيئا إلى أحد من الأموات أنه هو الذي جلبه له، فإن هذا من الشرك في الربوبية. (٤٤٧) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول: "البقية في حياتك"، عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم: "حياتك الباقية "؟

стр. 705

فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى فيها مانعا إذا قال الإنسان: "البقية في حياتك" لا أرى فيها مانعا، ولكن الأولى أن يقال: إن في الله خلفا من كل هالك، أحسن من أن يقال: "البقية في حياتك"، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي، هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد. (٤٤٨) وسئل حفظه الله تعالى: عن حكم ثناء الإنسان على الله تعالى بهذه العبارة "بيده الخير والشر "؟ فأجاب بقوله: أفضل ما يثني به العبد على ربه، هو ما أثنى به سبحانه على نفسه، أو أثنى به عليه أعلم الناس به نبيه محمد ﷺ والله لم يثن على نفسه، وهو يتحدث عن عموم ملكه، وتمام سلطانه وتصرفه أن بيده الشر كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، فأثنى سبحانه على نفسه بأن بيده الخير في هذا المقام الذي قد يكون شرا بالنسبة لمحله، وهو الإنسان المقدر عليه الذل، ولكنه خير بالنسبة إلى فعل الله لصدوره عن حكمة بالغة، ولذلك أعقبه بقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ، وهكذا كل ما يقدره الله من شرور في مخلوقاته هي شرور بالنسبة لمحالها، أما بالنسبة لفعل الله تعالى لها وإيجاده، فهي خير لصدورها عن حكمة بالغة، فهناك فرق بين فعل الله تعالى الذي هو فعله كله خير، وبين مفعولاته ومخلوقاته البائنة عنه، ففيها الخير والشر، ويزيد الأمر وضوحا أن النبي ﷺ أثنى على ربه ﵎ بأن الخير بيده، ونفى نسبة الشر إليه كما في حديث

стр. 706

علي ﵁ الذي رواه مسلم وغيره مطولا، وفيه «أنه ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض"، إلى أن قال: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» ، فنفى ﷺ أن يكون الشر إلى الله تعالى؛ لأن أفعاله وإن كانت شرا بالنسبة إلى محالها، ومن قامت به، فليست شرا بالنسبة إليه تعالى؛ لصدورها عن حكمة بالغة تتضمن الخير، وبهذا تبين أن الأولى بل الأوجب في الثناء على الله أن نقتصر على ما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه رسوله ﷺ لأنه تعالى أعلم بنفسه، ورسوله محمد ﷺ أعلم الخلق به؛ فنقول: بيده الخير، ونقتصر على ذلك كما هو في القرآن الكريم والسنة. (٤٤٩) سئل فضيلة الشيخ: عن قول العامة: "تباركت علينا؟ "، "زارتنا البركة ؟ ". فأجاب قائلا: قول العامة: "تباركت علينا" لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك، والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان، قال أسيد بن حضير لما نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها قال: " ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ". وطلب البركة لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يكون طلب البركة بأمر شرعي معلوم مثل القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فمن بركته أن

стр. 707

من أخذ به وجاهد به حصل له الفتح، فأنقذ الله به أمما كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذه توفر للإنسان الجهد والوقت. الأمر الثاني: أن يكون طلب البركة بأمر حسي معلوم، مثل العلم، فهذا الرجل يتبرك به بعلمه، ودعوته إلى الخير، قال أسيد بن حضير: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر "، فإن الله قد يجري على أيدي بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر. وهناك بركات موهومة باطلة مثل ما يزعمه الدجالون أن فلانا الميت الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته، وما أشبه ذلك، فهذه بركة باطلة لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر لكنها لا تعدو أن تكون آثارا حسية، بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ فيكون في ذلك فتنة. أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؟ فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة، فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره، أما إن كان مخالفا للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل، فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله. (٤٥٠) سئل فضيلة الشيخ: عن إطلاق عبارة: "كتب التراث" على كتب السلف ؟ فأجاب بقوله: الظاهر أنه صحيح؛ لأن معناه الكتب الموروثة عمن سبق، ولا أعلم في هذا مانعا.

стр. 708

(٤٥١) وسئل فضيلة الشيخ: هل في الإسلام تجديد تشريع ؟ فأجاب بقوله: من قال: إن في الإسلام تجديد تشريع، فالواقع خلافه؛ فالإسلام كمل بوفاة النبي ﷺ والتشريع انتهى بها، نعم الحوادث والوقائع تتجدد، ويحدث في كل عصر ومكان ما لا يحدث في غيره، ثم ينظر فيها بتشريع، ويحكم عليها على ضوء الكتاب والسنة، ويكون هذا الحكم من التشريع الإسلامي الأول، ولا ينبغي أن يسمى تشريعا جديدا؛ لأنه هضم للإسلام، ومخالف للواقع، ولا ينبغي أيضا أن يسمى تغييرا للتشريع؛ لما فيه من كسر سياج حرمة الشريعة، وهيبتها في النفوس، أو تعريضها لتغيير لا يسير على ضوء الكتاب والسنة، ولا يرضاه أحد من أهل العلم والإيمان. أما إذا كان الحكم على الحادثة ليس على ضوء الكتاب والسنة، فهو تشريع باطل، لا يدخل تحت التقسيم في التشريع الإسلامي. ولا يرد على ما قلت إمضاء عمر ﵁ للطلاق الثلاث، مع أنه كان واحدة لمدة سنتين من خلافته، ومدة عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر ﵁؛ لأن هذا من باب التعزير بإلزام المرء ما التزمه، ولذا قال عمر ﵁: " أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم "، فأمضاه عليهم، وباب التعزير واسع في الشريعة؛ لأن المقصود به التقويم والتأديب. (٤٥٢) وسئل عن حكم قولهم: تدخل القدر؟ وتدخلت عناية الله ؟ فأجاب قائلا: قولهم: "تدخل القدر" لا يصلح؛ لأنها تعني أن القدر

стр. 709

اعتدى بالتدخل، وأنه كالمتطفل على الأمر، مع أنه -أي القدر- هو الأصل، فكيف يقال: تدخل؟ والأصح أن يقال: ولكن نزل القضاء والقدر أو غلب القدر ونحو ذلك، ومثل ذلك "تدخلت عناية الله" الأولى إبدالها بكلمة حصلت عناية الله، أو اقتضت عناية الله. (٤٥٣) وسئل: عن حكم التسمي بأسماء الله مثل كريم، وعزيز ونحوهما ؟ فأجاب بقوله: التسمي بأسماء الله يكون على وجهين: الوجه الأول: وهو على قسمين: القسم الأول: أن يحلى بـ "ال" ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله (١) كما لو سميت أحدا بالعزيز، والسيد، والحكيم، وما أشبه ذلك، فإن هذا لا يسمى به غير الله؛ لأن "ال" هذه تدل على لمح الأصل، وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم. القسم الثاني: إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ "ال" فإنه لا يسمى به، ولهذا «غير النبي ﷺ كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه، فقال النبي ﵊: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم" ثم كناه بأكبر أولاده شريح،» فدل

стр. 710

ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظا بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم، فإنه يمنع؛ لأن هذه التسمية تكون مطابقة تماما لأسماء الله ، فإن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم. الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ "ال"، وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي ﵊: «لا تبع ما ليس عندك» ، وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة، فإنه لا بأس به. لكن في مثل "جبار" لا ينبغي أن يتسمى به، وإن كان لم يلاحظ الصفة، وذلك لأنه قد يؤثر في نفس المسمى، فيكون معه جبروت، وغلو واستكبار على الخلق فمثل هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها، ينبغي للإنسان أن يتجنبها، والله أعلم. (٤٥٤) وسئل: عن حكم التسمي بأسماء الله تعالى مثل الرحيم والحكيم ؟ فأجاب بقوله: يجوز أن يسمي الإنسان بهذه الأسماء بشرط ألا يلاحظ فيها المعنى الذي اشتقت منه، بأن تكون مجرد علم فقط، ومن أسماء الصحابة الحكم، وحكيم بن حزام، وكذلك اشتهر بين الناس اسم عادل وليس بمنكر، أما إذا لوحظ فيه المعنى الذي اشتقت منه هذه الأسماء، فإن

стр. 711

الظاهر أنه لا يجوز؛ «لأن النبي ﷺ غير اسم أبي الحكم الذي تكنى به؛ لكون قومه يتحاكمون إليه وقال النبي ﷺ : "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم"، ثم كناه بأكبر أولاده شريح، وقال له: "أنت أبو شريح» ، وذلك أن هذه الكنية التي تكنى بها هذا الرجل لوحظ فيها معنى الاسم، فكان هذا مماثلا لأسماء الله ؛ لأن أسماء الله ، ليست مجرد أعلام، بل هي أعلام من حيث دلالتها على ذات الله ، وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى الذي تتضمنه، وأما أسماء غيره ، فإنها مجرد أعلام إلا أسماء النبي ﷺ ؛ فإنها أعلام وأوصاف، وكذلك أسماء كتب الله فهي أعلام وأوصاف أيضا. (٤٥٥) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم ثناء الإنسان على نفسه ؟ فأجاب قائلا: الثناء على النفس إن أراد به الإنسان التحدث بنعمة الله أو أن يتأسى به غيره من أقرانه ونظرائه، فهذا لا بأس به، وإن أراد به الإنسان تزكية نفسه وإدلاله بعمله على ربه فإن هذا فيه شيء من المنة، فلا يجوز، وقد قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .

стр. 712

وإن أراد به مجرد الخبر فلا بأس به لكن الأولى تركه. فالأحوال إذن في مثل هذا الكلام الذي فيه ثناء المرء على نفسه أربع: الحال الأولى: أن يريد بذلك التحدث بنعمة الله عليه فيما حباه به من الإيمان والثبات. الحال الثانية: أن يريد بذلك تنشيط أمثاله ونظرائه على مثل ما كان عليه. فهاتان الحالان محمودتان لما تشتملان عليه من هذه النية الطيبة. الحال الثالثة: أن يريد بذلك الفخر والتباهي والإدلال على الله بما هو عليه من الإيمان والثبات وهذا غير جائز لما ذكرنا من الآية. الحال الرابعة: أن يريد بذلك مجرد الخبر عن نفسه بما هو عليه من الإيمان والثبات فهذا جائز ولكن الأولى تركه. (٤٥٦) سئل فضيلة الشيخ: عن قول " يا حاج "، و" السيد فلان "؟ فأجاب بقوله: قول: " حاج " يعني أدى الحج لا شيء فيها. وأما السيد فينظر إن كان صحيحًا أنه ذو سيادة فيقال: هو سيد بدون أل فلا بأس به، بشرط ألا يكون فاسقًا ولا كافرًا، فإن كان فاسقًا أو كافرًا فإنه لا يجوز إطلاق لفظ سيد إلا مضافًا إلى قومه، مثل سيد بني فلان، أو سيد الشعب الفلاني ونحو ذلك .

стр. 713

(٤٥٧) وسئل أيضًا: عن حكم ما درج على ألسنة بعض الناس من قولهم: " حرام عليك أن تفعل كذا وكذا "؟ فأجاب بقوله: هذا الذي وصفوه بالتحريم إما أن يكون مما حرمه الله كما لو قالوا حرام أن يعتدي الرجل على أخيه وما أشبه ذلك فإن وصف هذا الشيء بالحرام صحيح مطابق لما جاء به الشرع. وأما إذا كان الشيء غير محرم فإنه لا يجوز أن يوصف بالتحريم ولو لفظًا؛ لأن ذلك قد يوهم تحريم ما أحل الله أو يوهم الحجر على الله في قضائه وقدره بحيث يقصدون بالتحريم التحريم القدري؛ لأن التحريم يكون قدريًّا ويكون شرعيًّا فما يتعلق بفعل الله فإنه يكون تحريمًا قدريًا، وما يتعلق بشرعه فإنه يكون تحريمًا شرعيًّا وعلى هذا فينهى هؤلاء عن إطلاق مثل هذه الكلمة ولو كانوا لا يريدون بها التحريم الشرعي؛ لأن التحريم القدري ليس إليهم أيضًا بل هو إلى الله هو الذي يفعل ما يشاء فيحدث ما شاء أن يحدث ويمنع ما شاء أن يمنعه، فالمهم أن الذي أرى أنهم يتنزهون عن هذه الكلمة وأن يبتعدوا عنها وإن كان قصدهم في ذلك شيئًا صحيحًا. والله الموفق. (٤٥٨) سئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى رقم " ٤٥٧ ": أن التحريم يكون قدريًّا ويكون شرعيًّا فنأمل من فضيلتكم التكرم ببيان بعض الأمثلة ؟ فأجاب بقوله: سؤالكم عما ورد في جوابنا رقم " ٤٥٧ " من أن

стр. 714

التحريم يكون قدريًّا ويكون شرعيًّا وطلبكم أمثلة لذلك فإليكم ما طلبتم: فمن التحريم القدري قوله تعالى في موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ . ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية. (٤٥٩) وسئل فضيلة الشيخ: نسمع ونقرأ كلمة، " حرية الفكر "، وهي دعوة إلى حرية الاعتقاد، فما تعليقكم على ذلك ؟ . فأجاب بقوله: تعليقنا على ذلك أن الذي يجيز أن يكون الإنسان حر الاعتقاد، يعتقد ما شاء من الأديان فإنه كافر؛ لأن كل من اعتقد أن أحدًا يسوغ له أن يتدين بغير دين محمد، ﷺ ، فإنه كافر بالله يستتاب، فإن تاب وإلا وجب قتله. والأديان ليست أفكارًا، ولكنها وحي من الله ينزله على رسله، ليسير عباده عليه، وهذه الكلمة - أعني كلمة فكر - التي يقصد بها الدين: يجب أن تحذف من قواميس الكتب الإسلامية؛ لأنها تؤدي إلى هذا

стр. 715

المعنى الفاسد، وهو أن يقال عن الإسلام: فكر، والنصرانية فكر، واليهودية فكر - وأعني بالنصرانية التي يسميها أهلها بالمسيحية - فيؤدي إلى أن تكون هذه الشرائع مجرد أفكار أرضية يعتنقها من شاء من الناس، والواقع أن الأديان السماوية أديان سماوية من عند الله يعتقدها الإنسان على أنها وحي من الله تعبد بها عباده، ولا يجوز أن يطلق عليها " فكر ". وخلاصة الجواب: أن من اعتقد أنه يجوز لأحد أن يتدين بما شاء وأنه حر فيما يتدين به فإنه كافر بالله لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن دينًا سوى الإسلام جائز يجوز للإنسان أن يتعبد به بل إذا اعتقد هذا فقد صرح أهل العلم بأنه كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. (٤٦٠) سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز أن يقول الإنسان للمفتي: ما حكم الإسلام في كذا وكذا؟ أو ما رأي الإسلام ؟ فأجاب بقوله: لا ينبغي أن يقال: " ما حكم الإسلام في كذا "، أو " ما رأي الإسلام في كذا " فإنه قد يخطئ فلا يكون ما قاله حكم الإسلام، لكن لو كان الحكم نصًّا صريحًا فلا بأس مثل أن يقول: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فنقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنها حرام.

стр. 716

(٤٦١) سئل فضيلة الشيخ: عن وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق ؟ فأجاب بقوله: الحيوان الناطق يطلق على الإنسان كما ذكره أهل المنطق، وليس فيه عندهم عيب؛ لأنه تعريف بحقيقة الإنسان، لكنه في العرف قول يعتبر قدحًا في الإنسان، ولهذا إذا خاطب الإنسان به عاميًّا فإن العامي سيعتقد أن هذا قدحٌ فيه، وحينئذ لا يجوز أن يخاطب به العامي؛ لأن كل شيء يسيء إلى المسلم فهو حرام، أما إذا خوطب به من يفهم الأمر على حسب اصطلاح المناطقة، فإن هذا لا حرج فيه؛ لأن الإنسان لا شك أنه حيوان باعتبار أنه فيه حياة، وأن الفصل الذي يميزه عن غيره من بقية الحيوانات هو النطق. ولهذا قالوا: إن كلمة " حيوان " جنس، وكلمة " ناطق " فصل، والجنس يعم المعرف وغيره، والفصل يميز المعرف عن غيره. (٤٦٢) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس: " خسرت في الحج كذا، وخسرت في العمرة كذا، وخسرت في الجهاد كذا، وكذا "؟ . فأجاب قائلًا: هذه العبارات غير صحيحة؛ لأن ما بذل في طاعة الله ليس بخسارة، بل هو الربح الحقيقي، وإنما الخسارة ما صرف في معصية، أو في ما لا فائدة فيه، وأما ما فيه فائدة دنيوية أو دينية فإنه ليس بخسارة.

стр. 717

(٤٦٣) سئل فضيلة الشيخ: عن قول الإنسان لرجل: " أنت يا فلان خليفة الله في أرضه "؟ فأجاب بقوله: إذا كان ذلك صدقًا بأن كان هذا الرجل خليفة يعني ذا سلطان تام على البلد، وهو ذو السلطة العليا على أهل هذا البلد، فإن هذا لا بأس به، ومعنى قولنا: " خليفة الله " أن الله استخلفه على العباد في تنفيذ شرعه؛ لأن الله - تعالى -استخلفه على الأرض، والله مستخلفنا في الأرض جميعًا وناظر ما كنا نعمل، وليس يراد بهذه الكلمة أن الله تعالى يحتاج إلى أحد يخلفه في خلقه، أو يعينه على تدبير شئونهم، ولكن الله جعله خليفة يخلف من سبقه، ويقوم بأعباء ما كلفه الله. (٤٦٤) وسئل فضيلته: يستخدم بعض الناس عبارة " راعني " ويقصدون بها انظرني، فما صحة هذه الكلمة ؟ فأجاب قائلًا: الذي أعرف أن كلمة: " راعني " يعني من المراعاة أي أنزل لنا في السعر مثلًا، وانظر إلى ما أريد، ووافقني عليه، وما أشبه ذلك، وهذه لا شيء فيها. وأما قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ . فهذا كان اليهود يقولون: " راعنا "، من الرعونة فينادون بذلك الرسول، ﵊، يريدون الدعاء عليه، فلهذا قال الله لهم: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ . وأما " راعني "، فليست مثل " راعنا "؛ لأن راعنا منصوبة بالألف وليست بالياء.

стр. 718

(٤٦٥) وسئل حفظه الله: ما حكم قول: " رب البيت "؟ " رب المنزل "؟ فأجاب: قولهم: رب البيت ونحوه ينقسم أقسامًا أربعة: القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب في معنى لا يليق بالله مثل أن يقول: " أطعم ربك " فهذا منهي عنه لوجهين: الوجه الأول: من جهة الصيغة؛ لأنه يوهم معنى فاسدًا بالنسبة لكلمة رب؛ لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يُطعِم ولا يطعَم، وإن كان لا شك أن الرب هنا غير الرب الذي يطعم ولا يطعم. الوجه الثاني: من جهة أنك تشعر العبد أو الأمة بالذل لأنه إذا كان السيد ربًّا كان العبد مربوبًا والأمة مربوبة. وأما إذا كان في معنى يليق بالله -تعالى- مثل أطع ربك كان النهي عنه من أجل الوجه الثاني. القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب مثل ربه، وربها، فإن كان في معنى لا يليق بالله كان من الأدب اجتنابه، مثل أطعم العبد ربه أو أطعمت الأمة ربها، لئلا يتبادر منه إلى الذهن معنى لا يليق بالله. وإن كان في معنى يليق بالله مثل أطاع العبد ربه وأطاعت الأمة ربها فلا بأس بذلك لانتفاء المحذور. ودليل ذلك قوله، ﷺ ، في حديث اللقطة في ضالة الإبل وهو حديث متفق عليه: «حتى يجدها ربها» ، وقال بعض أهل العلم: إن حديث اللقطة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل كالإنسان، والصحيح عدم الفارق لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة بها. قال تعالى:

стр. 719

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ وقال في العباد: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ . القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم فقد يقول قائل بالجواز لقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي سيدي، وإن المحذور هو الذي يقتضي الإذلال وهذا منتفٍ لأن هذا من العبد لسيده. القسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر فيقال: هذا رب الغلام فظاهر الحديث الجواز وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق لمملوكه. (٤٦٦) سئل فضيلة الشيخ: عن قول من يقول: إن الإنسان يتكون من عنصرين عنصر من التراب وهو الجسد، وعنصر من الله وهو الروح ؟ فأجاب بقوله: هذا الكلام يحتمل معنيين: أحدهما: أن الروح جزء من الله. والثاني: أن الروح من الله خلقًا. وأظهرهما أنه أراد أن الروح جزء من الله؛ لأنه لو أراد أن الروح من

стр. 720

الله خلقًا لم يكن بينها وبين الجسد فرق إذ الكل من الله تعالى خلقًا وإيجادًا. والجواب على قوله: أن نقول: لا شك أن الله أضاف روح آدم إليه في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ . وأضاف روح عيسى إليه فقال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ . وأضاف بعض مخلوقات أخرى إليه كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ . وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ . وقوله عن رسوله صالح: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ولكن المضاف إلى الله نوعان: أحدهما: ما يكون منفصلًا بائنًا عنه، قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره، فإضافته إلى الله تعالى إضافة خلق وتكوين، ولا يكون ذلك إلا فيما يقصد به تشريف المضاف أو بيان عظمة الله تعالى، لعظم المضاف، فهذا النوع لا يمكن أن يكون من ذات الله، ولا من صفاته، أما كونه لا يمكن أن يكون من ذات الله تعالى، فلأن ذات الله تعالى واحدة لا يمكن أن تتجزأ أو تتفرق، وأما كونه لا يمكن أن يكون من صفات الله فلأن الصفة معنى في الموصوف لا يمكن أن تنفصل عنه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والسمع، والبصر وغيرها. فإن هذه الصفات صفات لا تباين

стр. 721

موصوفها، ومن هذا النوع إضافة الله تعالى روح آدم وعيسى إليه، وإضافة البيت وما في السماوات والأرض إليه، وإضافة الناقة إليه، فروح آدم، وعيسى قائمة بهما، وليست من ذات الله تعالى، ولا من صفاته قطعًا، والبيت وما في السماوات والأرض، والناقة أعيان قائمة بنفسها، وليست من ذات الله ولا من صفاته، وإذا كان لا يمكن لأحد أن يقول: إن بيت الله، وناقة الله من ذاته ولا من صفاته فكذلك الروح التي أضافها إليه ليست من ذاته ولا من صفاته، ولا فرق بينهما إذ الكل بائن منفصل عن الله وكما أن البيت والناقة من الأجسام فكذلك الروح جسم تحل بدن الحي بإذن الله، يتوفاها الله حين موتها، ويمسك التي قضى عليها الموت، ويتبعها بصر الميت حين تقبض، لكنها جسم من جنس آخر. النوع الثاني: من المضاف إلى الله: ما لا يكون منفصلًا عن الله بل هو من صفاته الذاتية أو الفعلية، كوجهه، ويده، وسمعه، وبصره، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك، فإضافته إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وليس من باب إضافة المخلوق والمملوك إلى مالكه وخالقه. وقول المتكلم: " إن الروح من الله " يحتمل معنى آخر غير ما قلنا: إنه الأظهر، وهو أن البدن مادته معلومة، وهي التراب، أما الروح فمادتها غير معلومة، وهذا المعنى صحيح. كما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وهذه - والله أعلم - من الحكمة في إضافتها إليه أنها أمر لا يمكن أن يصل إليه علم

стр. 722

البشر بل هي مما استأثر الله بعلمه كسائر العلوم العظيمة الكثيرة التي لم نؤت منها إلا القليل، ولا نحيط بشيء من هذا القليل إلا بما شاء الله ﵎. فنسأل الله تعالى، أن يفتح علينا من رحمته وعلمه ما به صلاحنا، وفلاحنا في الدنيا والآخرة. (٤٦٧) سئل فضيلة الشيخ: عن المراد بالروح والنفس؟ والفرق بينهما ؟ فأجاب قائلًا: الروح في الغالب تطلق على ما به الحياة سواء كان ذلك حسًّا أو معنى، فالقرآن يسمى روحًا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ لأن به حياة القلوب بالعلم والإيمان، والروح التي يحيا بها البدن تسمى روحًا كما قال الله - تعالى -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . أما النفس فتطلق على ما تطلق عليه الروح كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ . وقد تطلق النفس على الإنسان نفسه، فيقال: جاء فلان نفسه، فتكون بمعنى الذات، فهما يفترقان أحيانًا، ويتفقان أحيانًا، بحسب السياق.

стр. 723

وينبغي بهذه المناسبة أن يعلم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها فقد تكون الكلمة الواحدة لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق، فالقرية مثلًا تطلق أحيانًا على نفس المساكن، وتطلق أحيانًا على الساكن نفسه ففي قوله تعالى عن الملائكة الذين جاءوا إبراهيم: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بالقرية هنا المساكن، وفي قوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ المراد بها الساكن، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ المراد بها المساكن، وفي قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ المراد بها الساكن، فالمهم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها وبحسب ما تضاف إليه، وبهذه القاعدة المفيدة المهمة يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه كثير من أهل العلم من أن القرآن الكريم ليس فيه مجاز، وأن جميع الكلمات التي في القرآن كلها حقيقة؛ لأن الحقيقة هي ما يدل عليه سياق الكلام بأي صيغة كان، فإذا كان الأمر كذلك تبين لنا بطلان قول من يقول: إن في القرآن مجازًا، وقد كتب في هذا أهل العلم وبينوه، ومن أبين ما يجعل هذا القول صوابًا أن من علامات المجاز صحة نفيه بمعنى أنه يصح أن تنفيه فإذا قال: فلان أسد، صح لك نفيه، وهذا لا يمكن أن يكون في القرآن، فلا يمكن لأحد أن ينفي شيئًا مما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم.

стр. 724

(٤٦٨) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إطلاق لفظ " السيد " على غير الله تعالى ؟ فأجاب بقوله: إطلاق السيد على غير الله تعالى إن كان يقصد معناه وهي السيادة المطلقة فهذا لا يجوز، وإن كان يقصد به مجرد الإكرام فإن كان المخاطب به أهلًا للإكرام فلا بأس به. ولكن لا يقول: السيد بل يقول يا سيد، أو نحو ذلك، وإن كان لا يقصد به السيادة والإكرام وإنما هو مجرد اسم فهذا لا بأس به. (٤٦٩) سئل فضيلة الشيخ: من الذي يستحق أن يوصف بالسيادة ؟ فأجاب بقوله: لا يستحق أحد أن يوصف بالسيادة المطلقة إلا الله فالله تعالى هو السيد الكامل السؤدد، أما غيره فيوصف بسيادة مقيدة مثل سيد ولد آدم، لرسول الله، ﷺ ، والسيادة قد تكون بالنسب، وقد تكون بالعلم، وقد تكون بالكرم، وقد تكون بالشجاعة، وقد تكون بالملك، كسيد المملوك، وقد تكون بغير ذلك من الأمور التي يكون بها الإنسان سيدًا، وقد يقال للزوج: سيد بالنسبة لزوجته، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ . فأما السيد في النسب فالظاهر أن المراد به من كان من نسل رسول الله، ﷺ ، وهم أولاد فاطمة ﵂ أي ذريتها من بنين وبنات، وكذلك الشريف، وربما يراد بالشريف من كان هاشميًا

стр. 725

وأيًّا كان الرجل أو المرأة سيدًا أو شريفًا فإنه لا يمتنع شرعًا أن يتزوج من غير السيد والشريف، فهذا سيد بني آدم وأشرفهم، محمد رسول الله، ﷺ ، قد زوج ابنتيه رقية وأم كلثوم عثمان بن عفان، وليس هاشميًّا، وزوج ابنته زينب أبا العاص بن الربيع وليس هاشميًّا. (٤٧٠) وسئل فضيلته عن الجمع بين حديث عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله، ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا فقال: (السيد الله ﵎ » . وما جاء في التشهد " اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ". وحديث «أنا سيد ولد آدم» ؟ فأجاب قائلًا: لا يرتاب عاقل أن محمدًا، ﷺ ، سيد ولد آدم فإن كل عاقل مؤمن يؤمن بذلك، والسيد هو ذو الشرف والطاعة والإمرة، وطاعة النبي، ﷺ ، من طاعة الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ونحن وغيرنا من المؤمنين لا نشك أن نبينا، ﷺ ، سيدنا، وخيرنا، وأفضلنا عند الله وأنه المطاع فيما يأمر به، صلوات الله وسلامه عليه، ومن مقتضى اعتقادنا أنه السيد المطاع، ﵊، أن لا نتجاوز ما شرع لنا من قول أو فعل أو عقيدة ومما شرعه لنا في كيفية الصلاة عليه في التشهد: " أن نقول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " أو

стр. 726

نحوها من الصفات الواردة في كيفية الصلاة عليه، ﷺ ، ولا أعلم أن صفة وردت بالصيغة التي ذكرها السائل وهي: " اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد " وإذا لم ترد هذه الصيغة عن النبي، ﵊، فإن الأفضل ألا نصلي على النبي، ﷺ ، بها، وإنما نصلي عليه بالصيغة التي علمنا إياها. وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أن كل إنسان يؤمن بأن محمدًا، ﷺ ، سيدنا فإن مقتضى هذا الإيمان أن لا يتجاوز الإنسان ما شرعه، وأن لا ينقص عنه، فلا يبتدع في دين الله ما ليس منه، ولا ينقص من دين الله ما هو منه، فإن هذا هو حقيقة السيادة التي هي من حق النبي، ﷺ ، علينا. وعلى هذا فإن أولئكم المبتدعين لأذكار أو صلوات على النبي، ﷺ ، لم يأت بها شرع الله على لسان رسوله محمد، ﷺ ، تنافي دعوى أن هذا الذي ابتدع يعتقد أن محمدًا، ﷺ ، سيد؛ لأن مقتضى هذه العقيدة أن لا يتجاوز ما شرع وأن لا ينقص منه، فليتأمل الإنسان وليتدبر ما يعنيه بقوله حتى يتضح له الأمر ويعرف أنه تابع لا مشرع. وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «أنا سيد ولد آدم» والجمع بينه وبين قوله: " السيد الله " أن السيادة المطلقة لا تكون إلا لله وحده فإنه تعالى هو الذي له الأمر كله فهو الآمر وغيره مأمور، وهو الحاكم وغيره محكوم، وأما غيره فسيادته نسبية إضافية تكون في شيء محدود، وفي زمن محدود، ومكان محدود، وعلى قوم دون قوم، أو نوع من الخلائق دون نوع.

стр. 727

(٤٧١) وسئل فضيلته: عن هذه العبارة " السيدة عائشة ﵂ "؟ . فأجاب قائلًا: لا شك أن عائشة ﵂ من سيدات نساء الأمة، ولكن إطلاق " السيدة " على المرأة و" السيدات " على النساء هذه الكلمة متلقاة فيما أظن من الغرب حيث يسمون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضع النساء، لأنهم يسودون النساء أي يجعلونهن سيدات مطلقًا، والحقيقة أن المرأة امرأة، وأن الرجل رجل، وتسمية المرأة بالسيدة على الإطلاق ليس بصحيح، نعم من كانت منهن سيدة لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك أننا نسمي كل امرأة سيدة. كما أن التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة وما أشبه ذلك لم يكن معروفًا عند السلف بل كانوا يقولون: أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ونحو ذلك. (٤٧٢) سئل فضيلة الشيخ: عن الجمع بين قول النبي، ﷺ : «السيد الله ﵎» وقوله، ﷺ : «أنا سيد ولد آدم» وقوله: «قوموا إلى سيدكم» وقوله في الرقيق: «وليقل: سيدي» ؟ فأجاب بقوله: اختلف في ذلك على أقوال: القول الأول: أن النهي على سبيل الأدب، والإباحة على سبيل

стр. 728

الجواز، فالنهي ليس للتحريم حتى يعارض الجواز. القول الثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة وهي التدرج إلى الغلو، والإباحة إذا لم يكن هناك محذور. القول الثالث: إن النهي بالخطاب أي أن تخاطب الغير بقولك: " سيدي أو سيدنا " لأنه ربما يكون في نفسه عجب وغلو إذا دعي بذلك، ولأن فيه شيئًا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له، بخلاف إذا جاء على غير هذا الوجه مثل «قوموا إلى سيدكم» و «أنا سيد ولد آدم» . لكن هذا يرد عليه إباحته ﷺ ، للرقيق أن يقول لمالكه: " سيدي "؟ لكن يجاب عن هذا بأن قول الرقيق لمالكه: " سيدي " أمر معلوم لا غضاضة فيه، ولهذا يحرم عليه أن يمتنع مما يجب عليه نحو سيده والذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا جائز لكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلًا لذلك، وأن لا يخشى محذور من إعجاب المخاطب وخنوع المتكلم، أما إذا لم يكن أهلًا، كما لو كان فاسقًا أو زنديقًا فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاهًا، وقد جاء في الحديث: «لا تقولوا للمنافق: سيد فإنكم إذا قلتم ذلك أغضبتم الله» وكذلك لا يقال إذا خشي محذور من إعجاب المخاطب أو خنوع المتكلم. (٤٧٣) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول: " شاءت الظروف أن يحصل كذا وكذا "، " وشاءت الأقدار كذا وكذا "؟ . فأجاب قائلًا: قول: " شاءت الأقدار "، و" شاءت الظروف " ألفاظ منكرة؛ لأن الظروف جمع ظرف وهو الزمن، والزمن لا مشيئة له،

стр. 729

وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له، وإنما الذي يشاء هو الله نعم لو قال الإنسان: " اقتضى قدر الله كذا وكذا ". فلا بأس به. أما المشيئة فلا يجوز أن تضاف للأقدار لأن المشيئة هي الإرادة، ولا إرادة للوصف، إنما الإرادة للموصوف. (٤٧٤) وسئل فضيلته: عن حكم قول: " وشاءت قدرة الله " و" شاء القدر "؟ فأجاب بقوله: لا يصح أن نقول: " شاءت قدرة الله " لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول: اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذه قدرة الله أي مقدوره كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه. وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز. ومثل ذلك قولهم: " شاء القدر كذا وكذا " وهذا لا يجوز لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدّر. والله أعلم. (٤٧٥) وسئل فضيلته: هل يجوز إطلاق " شهيد " على شخص بعينه فيقال: الشهيد فلان ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى، لو قتل مظلومًا، أو قتل وهو يدافع عن الحق، فإنه لا يجوز أن نقول: فلان شهيد وهذا خلاف لما عليه الناس اليوم حيث رخصوا هذه الشهادة وجعلوا

стр. 730

كل من قتل حتى ولو كان مقتولًا في عصبية جاهلية يسمونه شهيدًا، وهذا حرام لأن قولك عن شخص قتل: هو شهيد يعتبر شهادة سوف تسأل عنها يوم القيامة، سوف يقال لك: هل عندك علم أنه قتل شهيدًا؟ ولهذا لما قال النبي، ﷺ : «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» فتأمل قول النبي، ﷺ : «والله أعلم بمن يكلم في سبيله» - يكلم: يعني يجرح - فإن بعض الناس قد يكون ظاهره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولكن الله يعلم ما في قلبه، وأنه خلاف ما يظهر من فعله، ولهذا بوب البخاري ﵀ على هذه المسألة في صحيحه فقال: " باب لا يقال: فلان شهيد " لأن مدار الشهادة على القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله فأمر النية أمر عظيم، وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون بينهما كما بين السماء والأرض وذلك من أجل النية فقد قال النبي، ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» والله أعلم. (٤٧٦) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول: فلان شهيد ؟ . فأجاب بقوله: الجواب على ذلك أن الشهادة لأحد بأنه شهيد تكون على وجهين: أحدهما: أن تقيد بوصف مثل أن يقال: كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد،

стр. 731

ونحو ذلك، فهذا جائز كما جاءت به النصوص، لأنك تشهد بما أخبر به رسول الله، ﷺ ، ونعني بقولنا: - جائز - أنه غير ممنوع وإن كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقًا لخبر رسول الله، ﷺ . الثاني: أن تقيد الشهادة بشخص معين مثل أن تقول لشخص بعينه: إنه شهيد، فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي، ﷺ ، أو اتفقت الأمة على الشهادة له بذلك وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا بقوله: " باب لا يقال: فلان شهيد " قال في الفتح ٩٠\٦: " أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي " وكأنه أشار إلى «حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم ولكن قولوا كما قال رسول الله، ﷺ : من مات في سبيل الله، أو قُتل فهو شهيد» وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي العجفاء عن عمر " ا. هـ. كلامه. ولأن الشهادة بالشيء لا تكون إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدًا أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وهي نية باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي، ﷺ ، مشيرًا إلى ذلك: «مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله» . وقال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك» . رواهما البخاري من حديث أبي هريرة، ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به ولا نسيء به الظن. والرجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نعامله في الدنيا بأحكام الشهداء فإذا كان مقتولًا في

стр. 732

الجهاد في سبيل الله دفن بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. ولأننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي، ﷺ ، بالوصف أو بالشخص، وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -. وبهذا تبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد إلا بنص أو اتفاق، لكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك كما سبق، وهذا كاف في منقبته، وعلمه عند خالقه . (٤٧٧) سئل فضيلة الشيخ: عن لقب " شيخ الإسلام " هل يجوز ؟ فأجاب بقوله: لقب شيخ الإسلام عند الإطلاق لا يجوز، أي إن الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام لا يجوز أن يوصف به شخص؛ لأنه لا يعصم أحد من الخطأ فيما يقول في الإسلام إلا الرسل. أما إذا قصد بشيخ الإسلام أنه شيخ كبير له قدم صدق في الإسلام فإنه لا بأس بوصف الشيخ به وتلقيبه به. (٤٧٨) وسئل: ما رأي فضيلتكم في استعمال كلمة " صدفة "؟ . فأجاب بقوله: رأينا في هذا القول أنه لا بأس به وهذا أمر متعارف

стр. 733

وأظن أن فيه أحاديث بهذا التعبير صادفْنا رسول الله صادفَنا رسول الله " لكن لا يحضرني الآن حديث معين في هذا الخصوص ". والمصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع؛ لأن الإنسان لا يعلم الغيب فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، ولكن بالنسبة لفعل الله لا يقع هذا، فإن كل شيء عند الله معلوم وكل شيء عنده بمقدار وهو لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبدًا، لكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له: صدفة، ولا حرج فيه، وأما بالنسبة لفعل الله فهذا أمر ممتنع ولا يجوز. (٤٧٩) سئل فضيلة الشيخ: عن تسمية بعض الزهور بـ " عباد الشمس " لأنه يستقبل الشمس عند الشروق والغروب ؟ . فأجاب بقوله: هذا لا يجوز لأن الأشجار لا تعبد الشمس، إنما تعبد الله كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ . وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمراقبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات. (٤٨٠) وسئل فضيلة الشيخ: لماذا كان التسمي بعبد الحارث من الشرك مع أن الله هو الحارث ؟

стр. 734

فأجاب قائلًا: التسمي بعبد الحارث فيه نسبة العبودية لغير الله فإن الحارث هو الإنسان كما قال النبي، ﷺ : «كلكم حارث وكلكم همام» فإذا أضاف الإنسان العبودية إلى المخلوق كان هذا نوعًا من الشرك، لكنه لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر، ولهذا لو سمي رجل بهذا الاسم لوجب أن يغيره فيضاف إلى اسم الله أو يسمى باسم آخر غير مضاف وقد ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» وما اشتهر عند العامة من قولهم: خير الأسماء ما حمد وعبد ونسبتهم ذلك إلى رسول الله، ﷺ ، فليس ذلك بصحيح أي ليس نسبته إلى النبي، ﷺ ، صحيحة فإنه لم يرد عن النبي، ﷺ ، بهذا اللفظ وإنما ورد «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» . أما قول السائل في سؤاله: " مع أن الله هو الحارث " فلا أعلم اسمًا لله تعالى بهذا اللفظ، وإنما يوصف بأنه الزارع ولا يسمى به كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . (٤٨١) سئل فضيلة الشيخ عن هذه العبارة: " العصمة لله وحده "، مع أن العصمة لا بد فيها من عاصم ؟ . فأجاب قائلًا: هذه العبارة قد يقولها من يقولها يريد بذلك أن كلام الله وحكمه كله صواب، وليس فيه خطأ وهي بهذا المعنى

стр. 735

صحيحة، لكن لفظها مستنكر ومستكره؛ لأنه كما قال السائل قد يوحي بأن هناك عاصمًا عصم الله والله هو الخالق، وما سواه مخلوق، فالأولى أن لا يعبر الإنسان بمثل هذا التعبير، بل يقول: الصواب في كلام الله، وكلام رسوله، ﷺ . (٤٨٢) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول: " على هواك " وقول بعض الناس في مثل مشهور: " العين وماترى والنفس وما تشتهي "؟ فأجاب بقوله: هذه الألفاظ ليس فيها بأس إلا أنها تقيد بما يكون غير مخالف للشرع، فليس الإنسان على هواه في كل شيء، وليست العين في كل شيء تراه، المهم أن هذه العبارة من حيث هي لا بأس بها لكنها مقيدة بما لا يخالف الشرع. (٤٨٣) وسئل فضيلة الشيخ: عن عبارة: " فال الله ولا فالك "؟ فأجاب قائلًا: هذا التعبير صحيح؛ لأن المراد الفأل الذي هو من الله، وهو أني أتفاءل بالخير دونما أتفاءل بما قلت، هذا هو معنى العبارة، وهو معنى صحيح أن الإنسان يتمنى الفأل الكلمة الطيبة من الله دون أن يتفاءل بما سمعه من هذا الشخص الذي تشاءم من كلامه. (٤٨٤) سئل فضيلة الشيخ: عن مصطلح " فكر إسلامي " و" مفكر إسلامي "؟

стр. 736

فأجاب قائلًا: كلمة " فكر إسلامي " من الألفاظ التي يحذر عنها، إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر. أما " مفكر إسلامي " فلا أعلم فيه بأسًا لأنه وصف للرجل المسلم والرجل المسلم يكون مفكرًا. (٤٨٥) سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى رقم " ٤٨٤ " أن كلمة الفكر الإسلامي كلمة لا تجوز لأنها تعني أن الإسلام قد يكون عبارة عن أفكار قد تصح أو لا تصح وهكذا، بينما قلتم: إن إطلاق كلمة (المفكر الإسلامي) تجوز لأن فكر الشخص يتغير وقد يكون صحيحًا أو العكس، ولكن الأشخاص الذين يستخدمون مصطلح (الفكر الإسلامي) يقولون: إننا نقصد فكر الأشخاص ولا نتكلم عن الإسلام ككل أو عن الشريعة الإسلامية بالتحديد فهل هذا المصطلح (الفكر الإسلامي) جائز بهذا التفسير أم لا وما هو البديل ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ثبت عن النبي، ﷺ ، أنه قال: " «إنما أقضي بنحو ما أسمع» ونحن لا نحكم على الأفراد إلا بما يظهر منهم فإذا قيل: (الفكر الإسلامي) فهذا يعني أن الإسلام فكر، وإذا كان القائل بهذا التعبير يريد فكر الرجل الإسلامي فليقل: (فكر الرجل الإسلامي) أو (المفكر الإسلامي) وبدلًا من أن نقول: (الفكر الإسلامي)

стр. 737

نقول: (الحكم الإسلامي) لأن الإسلام حكم والقرآن الكريم إما خبر وإما حكم كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . (٤٨٦) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إذا شاهد من أسرف على نفسه بالذنوب: " فلان بعيد عن الهداية، أو عن الجنة، أو عن مغفرة الله " فما حكم ذلك ؟ . فأجاب بقوله: هذا لا يجوز لأنه من باب التألي على الله وقد ثبت في الصحيح «أن رجلًا كان مسرفًا على نفسه، وكان يمر به رجل آخر فيقول: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : " من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان قد غفرت له، وأحبطت عملك» . ولا يجوز للإنسان أن يستبعد رحمة الله ، كم من إنسان قد بلغ في الكفر مبلغًا عظيمًا، ثم هداه الله فصار من الأئمة الذين يهدون بأمر الله ، والواجب على من قال ذلك أن يتوب إلى الله، حيث يندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود في المستقبل. (٤٨٧) وسئل فضيلته: عن قول الإنسان إذا سئل عن شخص قد توفاه الله قريبًا قال: " فلان ربنا افتكره "؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مراده بذلك أن الله تذكر ثم أماته

стр. 738

فهذه كلمة كفر؛ لأنه يقتضي أن الله ينسى، والله لا ينسى، كما قال موسى، ﵊، لما سأله فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ . فإذا كان هذا هو قصد المجيب وكان يعلم ويدري معنى ما يقول فهذا كفر. أما إذا كان جاهلًا ولا يدري ويريد بقوله: " أن الله افتكره " يعني أخذه فقط فهذا لا يكفر، لكن يجب أن يطهر لسانه عن هذا الكلام؛ لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين ويجيب بقوله: " توفاه الله أو نحو ذلك ". (٤٨٨) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التسمي بقاضي القضاة ؟ فأجاب قائلًا: قاضي القضاة بهذا المعنى الشامل العام لا يصلح إلا لله فمن تسمى بذلك فقد جعل نفسه شريكًا لله فيما لا يستحقه إلا الله ، وهو القاضي فوق كل قاضٍ. والحكم وإليه يرجع الحكم كله، وإن قيد بزمان أو مكان فهذا جائز، لكن الأفضل أن لا يفعل؛ لأنه قد يؤدي إلى الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وإنما جاز هذا لأن قضاء الله لا يتقيد، فلا يكون فيه مشاركة لله وذلك مثل قاضي قضاة العراق، أو قاضي قضاة الشام، أو قاضي قضاة عصره. وأما إن قيد بفن من الفنون فبمقتضى التقييد يكون جائزًا، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل: عالم العلماء في الفقه سواء قلنا بأن الفقه يشمل أصول

стр. 739

الدين وفروعه على حد قوله، ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» أو قلنا بأن الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية كما هو المعروف عند الأصوليين صار فيه عموم واسع مقتضاه أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه فأنا أشك في جوازه والأولى التنزه عنه. وكذلك إن قيد بقبيلة فهو جائز ولكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف حتى لا يغتر ويعجب بنفسه، ولهذا «قال النبي، ﷺ ، للمادح: " قطعت عنق صاحبك» . (٤٨٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية) ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ، وباطل، فالدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله وكله يثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المرء، بزيادة إيمانه وإخباته لربه حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات، وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقربًا إلى الله واتباعًا لرسوله، ﷺ ، فإنه يثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها، بل ترمى، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا أخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله، ﷺ ، وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في الأمر تفكيرًا جديًّا، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي

стр. 740

فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول، ﷺ ، بقوله: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام» . وفيه أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان، بل يرميها ويطرحها. وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة؛ لأن النبي، ﷺ ، أمر به، وكل ما أمر به النبي، ﷺ ، فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه، ﷺ ، بل إنها من هدي النبي، ﷺ ، وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله تعالى عن هارون: أنه قال لموسى: ﴿يَاابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ . وثبت عن النبي، ﷺ ، أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة، وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه. (٤٩٠) سئل فضيلة الشيخ: عن عبارة " كل عام وأنتم بخير "؟ فأجاب بقوله: قول: " كل عام وأنتم بخير " جائز إذا قصد به الدعاء بالخير. (٤٩١) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم لعن الشيطان ؟ فأجاب بقوله: الإنسان لم يؤمر بلعن الشيطان، وإنما أمر بالاستعاذة منه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
следующие страницы →