← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

أو مراهمها، أو الاكتحال، أو التقطير في العين، أو مسها كل ذلك لا تأثير لشيء منه على الصوم، فهو ليس بأكل لا في صورته ولا في معناه. اه كلامه. وقال شيخنا عبد الرحمن في كتابه الإرشاد بعد أن صحح كلام شيخ الإسلام في عدم الإفطار بالاكتحال والتداوي والاحتقان ومداواة الجروح إذا وصل إلى حلقه أو جوفه وذكر تعليله بأنه لم يرد فيه دليل صحيح، ولا هو في حكم الأكل والشرب. قال بعد ذلك: أما إيصال الأغذية بالإبرة إلى جوفه من طعام أو شراب فلا يشك في فطره به، لأنه في معنى الأكل والشرب من غير فرق. اه كلامه. هذا ما أمكن نقله وإنما أطلنا فيه لشدة الحاجة إليه وكثرة السؤال عنه ووقوع الإشكال فيه. وخلاصة رأينا فيه بعد البحث والتأمل هو أن الإبر نوعان: أحدهما: ما يقوم مقام الطعام والشراب ويغني عنهما فهذا مفطر، لأنه بمعنى الأكل والشرب. النوع الثاني: إبر لا تقوم مقام الطعام والشراب فهذا غير مفطر، سواء كان فيه تقوية للبدن أم لا، وسواء حقن في الأوردة، أو في العضلات، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للصائم أن يستعمل الإبر المغذية ؟ فأجاب فضيلته بقوله: استعمال الإبر المغذية للصائم محرم إذا كان صومه واجباً؛ لأن هذه الإبر تفطر الصائم، إذ هي بمعنى

стр. 7492

الأكل والشرب لقيامها مقامهما واستغناء المتناول لها عن الطعام والشراب. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم استعمال الصائم لإبر البنسلين التي ضد الحمى ؟ فأجاب فضيلته بقوله: استعمال إبر البنسلين التي ضد الحمى جائز للصائم، لأنها لا تفطر، إذ هي ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعناهما. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يفطر الصائم بأخذ الإبر المغذية في الوريد ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يفطر الصائم بأخذ الإبر في الوريد ولا في غيره، إلا أن تكون هذه الإبرة قائمة مقام الطعام بحيث يستغني بها الإنسان عن الأكل والشرب، فأما ما ليس كذلك فإنها لا تفطر مطلقاً، سواء أخذت من الوريد أو من غيره، وذلك لأن الأصل صحة الصوم حتى يقوم دليل على فساده، وهذه الإبر ليست أكلاً ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، وعلى هذا فينتفي عنها أن تكون في حكم الأكل والشرب. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم حقن الإبر في العضل أو الوريد أو الورك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: حقن الإبر في الوريد والعضل

стр. 7493

والورك ليس به بأس، ولا يفطر به الصائم؛ لأن هذا ليس من المفطرات، وليس بمعنى المفطرات، فهو ليس بأكل ولا شرب، ولا بمعنى الأكل والشرب، وقد سبق لنا بيان أن ذلك لا يؤثر، وإنما المؤثر حقن المريض بما يغني عن الأكل والشرب. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يفطر الصائم إذا استنشق البخور ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المفطرات التي تفطر الصائم لابد أن يكون عليها دليل من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، وإلا فالأصل أن الصوم صحيح غير باطل، والمفطرات معروفة في القرآن والسنة، والبخور إذا وصل إلى باطن الجوف بالاستنشاق فهو مفطر لمن كان يعلم أنه محرم، وأنه يفطر الصائم. وأما إن كان جاهلاً لا يدري فإنه لا يفطر بذلك، وهذه قاعدة في جميع المفطرات، كل المفطرات إذا فعلها الإنسان وهو لا يدري أنها مفطرة فإنه لا يفطر بها، لقوله : ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . ولأنه ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن الناس أفطروا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ،

стр. 7494

ثم طلعت الشمس ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به ونقل إلينا، لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يؤخر البلاغ عن وقت الحاجة إليه، وإذا بلغ لابد أن ينقل؛ لأنه إذا بلغ صار من شريعة الله، وشريعة الله محفوظة. فالصحابة ﵃ حين أفطروا في يوم الغيم في عهد الرسول ﷺ ثم طلعت الشمس، ولم ينقل أنهم أمروا بالقضاء، كان هذا دليلاً على أن من كان جاهلاً فإنه لا قضاء عليه. وأما النسيان فقد صح عنه ﷺ أنه قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . وعلى هذا فنقول لهذا السائل: لا تستنشق البخور وأنت صائم، ولكن تبخر ولا حرج، وإذا طار إلى أنفك شيء من الدخان من غير قصد فلا يضر، ونقول أيضاً: إذا كنت لا تدري أنه مفطر. وكنت تستعمله من قبل، أي تستنشق البخور حتى يصل إلى جوفك فلا شيء عليك، لأن جميع مفطرات الصوم لا تفطر إلا إذا كان الإنسان عالماً بها، وعالماً بتحريمها، ذاكراً لها. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل استنشاق الطيب كالبخور والعود يؤثر على الصائم يفسد صومه أم لا ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أما الأطياب التي ليس لها جرم يدخل إلى الأنف فهذه لا تفطر، وأما البخور الذي له دخان

стр. 7495

يتصاعد فإنه إذا استنشقه الإنسان حتى وصل إلى جوفه يفطر بذلك لأنه له جرماً يدخل إلى الجوف بخلاف الأطياب السائلة التي يشمها الإنسان فقط، فهذه ليس لها جرم يصل إلى الجوف، وأما مجرد التبخر بالعود فهذا لا بأس به. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم استعمال الصائم الروائح العطرية في نهار رمضان ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يستعملها في نهار رمضان، وأن يستنشقها، إلا البخور لا يستنشقه، لأن له جرماً يصل إلى المعدة وهو الدخان. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم شم الطيب للصائم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: شم الصائم للطيب لا بأس به، سواء كان دهناً أو بخوراً، لكن إذا كان بخوراً لا يستنشق دخانه، لأن الدخان له جرم ينفذ إلى الجوف، فهو جسم يدخل إلى الجوف، فيكون مفطراً كالماء وشبهه، وأما مجرد شمه بدون أن يستنشقه حتى يصل إلى جوفه فلا بأس به. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يفسد الصوم باستعمال الطيب والبخور ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يفسد الصوم بالتطيب والبخور،

стр. 7496

ولكن البخور لا يستنشقه الإنسان بأنفه، لأن الدخان له أجزاء متصاعدة يخشى أن تصل إلى الجوف، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال للقيط بن صبرة ﵁: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» . وأما أن يتطيب به ويدنيه من غترته أو ما شابه ذلك فإنه لا بأس به. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الفرق بين البخور والقطرة التي تنزل إلى الحلق ويتطعم بها الصائم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الفرق بينهما أن الذي يستنشق البخور قد تعمد أن يدخله إلى جوفه من منفذ معتاد وهو الأنف، وأما القطرة في العين والأذن فهو لم يدخل المفطر من منفذ معتاد، فهو كما لو وطىء حنظلة فوجد مرارتها في حلقه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم استعمال الصائم مرهماً لإزالة الجفاف عن الشفتين ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يستعمل الإنسان ما يندي الشفتين والأنف من مرهم، أو يبله بالماء، أو بخرقة أو شبه ذلك، ولكن يحترز من أن يصل شيء إلى جوفه من هذا الذي أزال فيه الخشونة، وإذا وصل شيء من غير قصد فلا شيء عليه، كما لو تمضمض فوصل الماء إلى جوفه بلا قصد فإنه لا يفطر بهذا. * * *

стр. 7497

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجواب من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه ... حفظه الله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ج ١: شم الأدهان الطيبة كدهن العود ونحوه لا يفطر الصائم، لأنه ليس لها أجزاء تتصاعد فتدخل في الجوف، ومن باب أولى إذا تطيب به في ثوبه، أو بدنه بدون شم فإنه لا يفطر أيضاً، وهذا جواب السؤال الثاني. ج ٣: لا يفطر الصائم بأخذ الإبر المقوية في الصيام، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب.

стр. 7498

٩٧١ سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: في أحد شهور رمضان الماضية قمت بدهن شعري ولم أكن أعلم أن هذا يبطل الصوم ونبهتني إحدى الأخوات بأن صومي غير صحيح، وقمت بالإفطار في ذلك اليوم، علماً بأني قضيت ذلك اليوم بعد الانتهاء من رمضان، وكان ذلك الشهر أول صيام لي، فهل عليَّ إثم فيما فعلت؟ فأجاب فضيلته بقوله: الإجابة على هذا السؤال من وجهين: الوجه الأول: هذه المرأة التي أفتتها بلا علم، فإن ادهان المرأة وهي صائمة لا يبطل الصوم، وإذا كانت هذه الفتوى بلا علم فإني أوجه نصيحة لكل من يسمعني: أنه لا يحل للإنسان أن يُفتي بلا علم، لأن الفتوى معناها أن الإنسان يقول عن الله ، ويعبر عن الله في شرعه بين عباده، وهذا محرم ومن أعظم الإثم، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . إني أحذر كل إنسان يتكلم عن الشرع ويُفتي عباد الله، أحذره أن يتكلم بما لا يعلم، وأقول: إنه يجب على الإنسان أن يتأنى في الفتوى حتى يعلم إما بنفسه إن كان أهلاً للاجتهاد، وإما بسؤال أهل العلم عن حكم الله في هذه المسألة. أما الوجه الثاني: من جهة هذه المرأة التي أفتيت بغير علم

стр. 7499

فأفطرت ثم قضت بناء على هذه الفتوى فإنه لا شيء عليها الآن، لأنها أدت ما يجب عليها. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز وضع الحناء على الشعر أثناء الصيام والصلاة، لأني سمعت بأن الحناء تفطر الصيام؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا أيضاً لا صحة له، فإن وضع الحناء أثناء الصيام لا يفطر، ولا يؤثر على الصائم شيئاً: كالكحل وكقطرة الأذن، وكالقطرة في العين، فإن ذلك كله لا يضر الصائم ولا يفطره. وأما الحناء أثناء الصلاة فلا أدري كيف يكون هذا السؤال، إذ أن المرأة التي تصلي لا يمكن أن تتحنى. ولعلها تريد أن الحناء هل يمنع صحة الوضوء إذا تحنت المرأة؟ والجواب: أن ذلك لا يمنع صحة الوضوء، لأن الحناء ليس له جرم يمنع وصول الماء، وإنما هو لون فقط، والذي يؤثر على الوضوء هو ما كان له جسم يمنع وصول الماء، فإنه لابد من إزالته حتى يصح الوضوء. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا استعملت المرأة الدهون وهي صائمة فهل عليها شيء ؟ فأجاب فضيلته بقوله: ليس على المرأة شيء إذا استعملت الدهون في وجهها، أو غيره بما يجمله أو لا يجمله، المهم أن

стр. 7500

الدهون هذه بجميع أنواعها سواء في الوجه، أو في الظهر، أو في أي مكان لا تؤثر على الصائم ولا تفطره، والله أعلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم استخدام أدوات المكياج والكحل والطيب والسواك واستعمال الفرشاة والمعجون أثناء الصيام؟ فأجاب فضيلته بقوله: استخدام الكحل أثناء الصيام لا يفطر، وذلك لأنه لا دليل على أن الصائم إذا اكتحل يفطر، وكذلك استعمال المكياج وغيره مما تتجمل به المرأة، ولكن المكياج حسب ما أعلم يضر بالمرأة على المدى الطويل، وعلى هذا لا ينبغي أن تستعمله إلا بعد مراجعة الطبيب واستشارته، وكذلك لا حرج على المرأة أن تتطيب وهي صائمة، سواء كان ذلك بالبخور، أو بالدهون، إلا أن البخور لا يستنشقه الصائم، لأنه إذا استنشقه ربما يدخل الدخان إلى جوفه وقد قال النبي ﷺ : «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» . وأما التسوك فهو سنة للصائم كغيره في أول النهار وآخره، وكذلك استعمال الفرشاة، ولكن الفرشاة لا ينبغي استخدامها في حال الصوم، لأن لها نفوذاً قويًّا، فأخشى إذا استعملها الإنسان مع المعجون أن يتسرب شيء من هذا المعجون إلى جوفه، فيكون في ذلك خلل على صيامه.

стр. 7501

* * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن امرأة كان معها قطعة بلاستيكية صغيرة تنقش بها أسنانها فشرقت وبلعت هذه القطعة فهل تفطر بها؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا تفطر بها، وذلك لأن من شرط إفساد الصوم بتناول المفطرات أن يكون ذلك بعلم، وذكر، وإرادة، وضد العلم الجهل فلو أكل الصائم، أو شرب جاهلاً بأن الفجر لم يطلع، وتبين أن الفجر طلع فإن صومه صحيح، كذلك لو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت فأفطر بناء على غلبة ظنه ثم تبين أنها لم تغرب فإن صومه صحيح، وكذلك لو نسي الصائم فأكل أو شرب فإن صومه صحيح، ودليل هذا والذي قبله عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . وخصوص ما جاء في حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها قالت: «أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس» ، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً في هذه الحال لأمرهم به النبي ﷺ ولنقل إلينا، فإنه لو كان القضاء واجباً كان من شريعة الله، وشريعة الله محفوظة، ولابد أن تنقل إلى هذه الأمة حتى لا ينمحي شيء من هذه الشريعة، وكذلك ما جاء في حديث عدي بن حاتم ﵁ أنه كان يأكل ويشرب وتحت وسادته عقالان أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعل يأكل ويشرب حتى تبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم أخبر النبي ﷺ فقال ﷺ : «

стр. 7502

إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود» ثم بين له ﷺ أن ذلك بياض النهار وسواد الليل، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصوم، لأنه كان جاهلاً حيث ظن أن هذا هو معنى الآية الكريمة. وأما الشرط الثالث: وهو أن يكون ذلك عن قصد وإرادة، فإن الإنسان إذا كان صائماً فنزل إلى جوفه شيء بغير قصد من مأكول، أو مشروب فصيامه صحيح، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . فبناء على هذا يكون صوم هذه المرأة التي بلعت البلاستيك بغير قصد منها صحيحاً ليس فيه نقص. وبقي هنا مسألة وهي هل الجهل بما يترتب على فعل المحرم عذر لفعل المحرم؟ والجواب على ذلك أن نقول: إن جهل ما يترتب على فعل المحرم ليس عذراً لفعل المحرم، وعلى هذا فلو أن شخصاً صائماً في نهار رمضان في بلده وجامع زوجته ويعلم أن الجماع حرام، لكنه لم يظن أن فيه كفارة، فإن عليه الكفارة حتى لو قال: لو علمت أن فيه هذه الكفارة المغلظة ما فعلت. فإن ذلك ليس بعذر، لأنه قد علم التحريم، وانتهك حرمة العبادة، فلزمه ما يترتب عليه، سواء علم بهذا الذي يترتب أو لم يعلم، ويدل على هذا ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ جاءه رجل فأخبره أنه هلك، لكونه جامع امرأته في رمضان

стр. 7503

وهو صائم، فألزمه النبي ﷺ بالكفارة مع أن هذا الرجل لم يكن يعلم أن فيه كفارة. والله ولي التوفيق. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن القيء في رمضان هل يفطر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا قاء الإنسان متعمداً فإنه يفطر، وإن قاء بغير عمد فإنه لا يفطر، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض» . فإن غلبك القيء فإنك لا تفطر، فلو أحس الإنسان بأن معدته تموج وأنها سيخرج ما فيها، فهل نقول: يجب عليك أن تمنعه؟ لا. أو تجذبه؟ لا. لكن نقول: قف موقفاً حياديًّا، لا تستقيء، ولا تمنع، لأنك إن استقيت أفطرت، وإن منعت تضررت. فدعه إذا خرج بغير فعل منك، فإنه لا يضرك ولا تفطر بذلك. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم من استقاء وهو صائم أو تقيأ بغير فعله ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا استقاء الإنسان وهو صائم أفطر،

стр. 7504

لأنه استدعى القيء باختياره، لقوله ﷺ : «من استقاء فليقض» رواه الترمذي وحسنه وقال: والعمل عليه عند أهل العلم، أما إذا غلبه القيء وخرج بغير اختياره فصيامه صحيح، لقوله ﷺ : «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» . رواه الخمسة إلا النسائي. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: في فجر رمضان في أثناء الصلاة مثلاً يكون الصائم ممتلىء البطن، وعندما يريد أن يخرج الهواء يخرج شيئاً من الطعام أو قليلاً من الماء لم يصل إلى الحلق وبلعه هل يفطر؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي سألت عنه يحدث كثيراً مع الناس إذا امتلأت المعدة بالطعام، فإن الإنسان إذا تجشأ وخرج الهواء من معدته قد يخرج شيء من الطعام أو من الماء، فإذا لم يصل إلى الفم وابتلعه فلا شيء عليه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: قرأنا فتوى لأحد المشائخ جاء فيها: أن من استقاء فقاء بطل صومه، فهل يدخل في حكم الاستقاءة من كان يلاعب طفلاً فأدخل يده في فمه فاستقاء من هذا العمل؟ وما المقصود بقوله: من استقاء فقاء؟

стр. 7505

فأجاب فضيلته بقوله: هذا حديث عن النبي ﷺ رواه أبو هريرة ﵁: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض» ومن استقاء أي طلب القيء متعمداً بأنه يدخل يده في فمه، أو يعصر بطنه، أو يشم شيئاً يوجب القيء أو ما أشبه ذلك، المهم أن من حاول أن يستقيء فقاء فسد صومه، ولهذا يحرم على من كان صومه واجباً أن يستقيء، وأما إذا أدخل الصبي إصبعه في فم الإنسان حتى قاء فإن كان باختياره فهو كما لو كان أدخل إصبعه بنفسه، وإن كان بغير اختياره، وهذا أقوله للتقسيم وإلا فلا أظنه يقع فإنه لا يفسد صومه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا استمنى الصائم فهل تجب عليه الكفارة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا استمنى الصائم فأنزل أفطر ووجب عليه قضاء اليوم الذي استمنى فيه، وليس عليه كفارة، لأن الكفارة لا تجب إلا بالجماع. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: شاب استمنى في رمضان جاهلاً بأنه يفطر وفي حالة غلبت عليه شهوته، فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الحكم أنه لا شيء عليه، لأننا قررنا

стр. 7506

فيما سبق أنه لا يفطر الصائم إلا بثلاثة شروط: العلم، والذكر، والإرادة. ولكني أقول: إنه يجب على الإنسان أن يصبر عن الاستمناء، لأنه حرام لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذالِكَ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ . ولأن النبي ﷺ قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم» . ولو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ ، لأنه أيسر على المكلف، ولأن الإنسان يجد فيه متعة، بخلاف الصوم ففيه مشقة، فلما عدل النبي ﷺ إلى الصوم، دل هذا على أن الاستمناء ليس بجائز. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك فتى كان يفعل العادة السرية فأتى عليه رمضان ولم يبلغ بعد، وصام ذلك الشهر، ثم أتت عليه سنة أخرى فبلغ، ومع ذلك كان يفعل العادة السرية في نهار رمضان، وهو لا يعلم بالحكم، كان في السنة السادسة أو أولى متوسط، ولا يعلم عن هذا

стр. 7507

شيئاً فما الحكم؟ ولا يعرف الآن عدد الأيام التي فعل فيها العادة السرية، فما هو ردكم على ذلك؟ فأجاب فضيلته بقوله: ذكرت أنه كان يفعل العادة السرية، ولم يبلغ، يعني أنه لا ينزل ولكن العادة جرت أن من عمل العادة السرية فإنه ينزل وبهذا يبلغ ولو لم يكن له إلا عشر سنوات هذا شيء. لكن إذا استمر في فعل العادة السرية وهو لا يعرف عن حكم هذا الشيء ويظن أن العادة السرية لا تفطر، فإنه لا قضاء عليه، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . قال الله: قد فعلت. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يقول السائل: في رمضان السابق وأنا صائم وقعت في العادة السرية فماذا يجب علي ؟ فأجاب فضيلته بقوله: عليك أن تتوب إلى الله من هذه العادة، لأنها محرمة على أصح القولين لأهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذالِكَ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ . ولقول النبي ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .

стр. 7508

فأرشد النبي ﷺ الشباب الذين لا يستطيعون الباءة إلى الصوم، والصوم فيه نوع من المشقة بلا شك، ولو كانت العادة السرية جائزة لأرشد النبي ﷺ إليها، لأنها أهون على الشباب، ولأن فيها شيئاً من المتعة، وما كان النبي ﷺ يعدل عن الأسهل إلى الأشق لو كان الأسهل جائزاً، لأنه كان من عادته ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً. فعدول النبي ﷺ عن الأيسر في هذه المسألة يدل على أنه ليس بجائز. أما بالنسبة لعمله إياها وهو صائم في رمضان فإنه يزداد إثماً، لأنه بذلك أفسد صومه، فعليه أن يتوب إلى الله توبتين، توبة من عمل العادة السرية، وتوبة لإفساد صومه، وعليه أن يقضي هذا اليوم الذي أفسده. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل داعب زوجته وهو صائم فخرج منه مذي فما حكم صومه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا داعب الرجل زوجته فخرج منه مذي فصومه صحيح، ولا شيء عليه على القول الراجح عندنا من أقوال أهل العلم، وذلك لعدم الدليل على أنه يفطر، ولا يصح قياسه على المني لأنه دونه، وهذا القول الذي رجحناه هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال في الفروع: هو أظهر، وقال في الإنصاف: هو الصواب. * * *

стр. 7509

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن رجل صائم داعب امرأته فخرج المذي فماذا عليه؟ هل يعيد الصيام أم يكمله أم ماذا؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا داعب الصائم امرأته في فريضة أو نافلة فنزل منه المذي فإن صومه لا يفسد، لا الفرض ولا النفل. فالصوم صحيح ولا حرج عليه. أما إذا نزل منه المني فإنه يفسد صومه، سواء كان ذلك في فريضة أم نافلة، ولا يحل لإنسان أن يداعب زوجته إذا عرف من نفسه أنه ينزل بهذه المداعبة، لأن بعض الناس يكون سريع الإنزال فبمجرد ما يداعب المرأة، أو يقبلها مثلاً أو ما أشبه ذلك ينزل. فنقول لهذا الرجل: لا يحل لك أن تداعب امرأتك مادمت تخشى أن تنزل. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صيام من أنزل المني في نهار رمضان بعد أن نظر إلى محاسن امرأة تثير الشهوة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: نحن ننصح جميع الصائمين إلى أن يتقوا الله ولا ينظروا النظر المحرم، والإنسان الذي يطلق نظره للنساء لابد أن يقع في البلاء، فإن النظر سهم مسموم من سهام إبليس والعياذ بالله فإذا كان الإنسان كلما مرت عليه امرأة جميلة جعل ينظر فيها فإنه لابد أن يتعب قلبه، وأن ينقص إيمانه، وأن يقع في أمور لا يستطيع الخلاص منها فيما

стр. 7510

بعد، ولكن إذا كانت النظرة خاطفة والإنسان قوي الشهوة وبمجرد ما نظر للمرأة أنزل فإن صيامه صحيح، لأن هذا في غير اختياره، أما إذا جعل ينظر ويتأمل في محاسن هذه المرأة حتى أنزل فإن صيامه يفسد بذلك، ويجب عليه أن يقضي يوماً مكانه بعد رمضان. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: رجل عنده سلس بول فأراد أن يجفف ذكره فخرج منه مني في نهار رمضان ماذا عليه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على هذا الصائم أن يمسك عن التجفيف إذا أحس بشهوة، لأن المعروف أنه إذا قويت الشهوة حصل الإنزال، فإن استمر على ذلك حتى أنزل بشهوة فإنه يأثم ويفسد صومه، ويلزمه إمساك بقية اليوم، والقضاء. أما إذا نزل المني بغير شهوة فصومه صحيح ولا قضاء عليه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ذكرتم أحسن الله إليكم حديث: «يدع شهوته وطعامه» دليلاً على إفطار من أنزل منياً بشهوة، فلماذا لم يأخذ المذي نفس الحكم؟ فأجاب فضيلته بقوله: لأن المذي ليس شهوة، توضع في الرحم، ولهذا يخرج من غير إحساس به، لولا أثره من الرطوبة ما علم به، فهو يحصل بدون شهوة عند خروجه. نعم قد ينتج المذي

стр. 7511

عن شهوة، كأن يقبل الرجل زوجته فيمذي، لكن هو نفسه ليس فيه شهوة، لا يجد لذة عند خروجه، اللذة منفصلة عنه، ولهذا يخرج بدون دفق، وبدون إحساس، لا يشعر الإنسان إلا برطوبته. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل المذي يوجب القضاء في شهر رمضان إذا كان بشهوة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: المذي لا يفسد الصوم، سواء كان الصوم في رمضان أو غير رمضان، وإذا قلنا لا يفسد الصوم فإنه لا يوجب القضاء، وهو غالباً لا ينزل إلا بشهوة، حتى لو كان بشهوة، حتى لو قبل امرأته أو باشرها، وأمذى فإن صومه صحيح ولا يلزم القضاء. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما هو ضابط الدم الخارج من الجسد المفسد للصوم؟ وكيف يفسد الصوم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الدم المفسد للصوم هو الدم الذي يخرج بالحجامة، لقول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» ويقاس على الحجامة ما كان بمعناها مما يفعله الإنسان باختياره، فيخرج منه دم كثير يؤثر على البدن ضعفاً، فإنه يفسد الصوم كالحجامة، لأن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين الشيئين

стр. 7512

المتماثلين، كما أنها لا تجمع بين الشيئين المفترقين. أما ما خرج من الإنسان بغير قصد كالرعاف، وكالجرح للبدن من السكين عند تقطيع اللحم، أو وطئه على زجاجة أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يفسد الصوم ولو خرج منه دم كثير، كذلك لو خرج دم يسير لا يؤثر كتأثير الحجامة: كالدم الذي يؤخذ للتحليل فلا يفسد الصوم أيضاً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: قوله ﵊: «أفطر الحاجم والمحجوم» هل هو حديث صحيح؟ وإذا كان صحيحاً فما هو تفسيره؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث صحيح صححه الإمام أحمد ﵀ وغيره، ومعناه أن الصائم إذا حجم غيره أفطر، وإذا حجمه غيره أفطر، وذلك أن الحجامة فيها حاجم ومحجوم. فالمحجوم الذي استخرج الدم منه، والحاجم الذي استخرج الدم، فإذا كان الصوم واجباً فإنه لا يجوز للصائم أن يحتجم، لأنه يستلزم الإفطار من صوم واجب عليه، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك بأن هاج به الدم وشق عليه، فإنه لا حرج أن يحتجم حينئذ، ويعتبر نفسه مفطراً يقضي هذا اليوم ويأكل ويشرب في بقيته، لأن كل من أفطر بعذر شرعي يبيح الفطر فإنه يجوز أن يأكل في بقية يومه، لأن هذا اليوم الذي أباح الشارع له الإفطار فيه ليس يوماً يجب عليه إمساكه بمقتضى أدلة الشرع، ثم إنه بهذه

стр. 7513

المناسبة أود أن أذكر أن بعض الناس يغالي في هذا الأمر، حتى إن بعضهم يحصل به خدش يسير ويخرج منه الدم اليسير، فيظن أن صومه بطل بهذا، ولكن هذا الظن ليس بصحيح. بل نقول: إن خروج الدم إذا خرج بغير فعلك لا يؤثر عليك، سواء كان كثيراً أو قليلاً، فلو فرض أن إنساناً رعف أنفه فخرج منه دم كثير فإنه لا يضر ولا يفطر به، لأنه خرج بغير اختياره. أما إذا أخرج الدم هو باختياره فإن كان هذا الدم يستلزم ما تستلزمه الحجامة من ضعف البدن وانحطاط القوة فإنه يكون مفطراً، إذ أنه لا فرق بينه وبين الحجامة في المعنى، وإن كان الدم يسيراً لا يتأثر به الجسم فإنه لا يضر ولا يفطر، مثل أن يخرج منه الدم من أجل التحليل أو نحوه، فإنه لا يضره ولا يفطر به، وعلى كل إنسان أن يكون عارفاً بحدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ليعبد الله على بصيرة، والله الموفق. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما صحة حديث أفطر الحاجم والمحجوم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث صححه الإمام أحمد ﵀ وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله وغيرهم من المحققين، وهو صحيح، وهو أيضاً مناسب من الناحية النظرية، لأن المحجوم يخرج منه دم كثير يضعف البدن، وإذا ضعف البدن احتاج إلى الغذاء، فإذا كان الصائم محتاجاً إلى الحجامة وحجم، قلنا: أفطرت فكل واشرب من أجل أن تعود قوة البدن، أما إذا كان غير محتاج نقول له: لا

стр. 7514

تحتجم إذا كان الصيام فرضاً، وحينئذ نحفظ عليه قوته حتى يفطر. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كيف نوفق بين حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» وبين حديث أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم؟ فأجاب فضيلته بقوله: نوفق بينهما: أولاً: أن احتجام النبي ﷺ لا يدرى هل هو قبل الحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» أو بعده؟ وإذا كان لا يدرى أهو قبله أو بعده فيؤخذ بالنص الناقل عن الأصل وهو الفطر بالحجامة، لأن النص الموافق للأصل ليس فيه دلالة، إذ أنه مبقي على الأصل، والأصل أن الحجامة لا تفطر، فاحتجم النبي ﷺ قبل أن يثبت حكم التفطير بالحجامة. ثانياً: هل كان صيام النبي ﷺ حين احتجم صياماً واجباً، أو صيام تطوع؟ فقد يكون صياماً واجباً، وقد يكون صيام تطوع، فإن كان صيام تطوع فلمن صام صوم تطوع أن يقطعه، وليس في هذا دليل على أن الحجامة لا تفطر، لاحتمال أن يكون النبي ﷺ نوى الفطر قبل أن يحتجم، بل حتى لو كانت تفطر فإن النبي ﷺ إذا كان صومه تطوعاً، فإن صوم التطوع يجوز قطعه، ولا يمكن أن ندعي أن حديث ابن عباس «احتجم وهو صائم» ناسخ لأن شرط النسخ العلم بتأخر الناسخ عن المنسوخ، فإذا لم نعلم لم يجز أن

стр. 7515

نقول بالنسخ، لأن النسخ ليس بالأمر الهين، فهو إبطال نص من الشرع بنص آخر، وإبطال النص ليس بالأمر الهين، بل لابد أن نتحقق أن هذا النص قد نسخ بالنص المتأخر. إذن لا معارضة بين حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وبين قول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» ويكون العمل على ما يدل عليه حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته (حقيقة الصيام) وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الجمع بين هذين الحديثين: ١ عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم متفق عليه. ٢ عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى رجلاً بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» . رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي. فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء في الجمع بينهما، فمنهم من قال: إن حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» لم يثبت،

стр. 7516

فقد نقل عن الشافعي أنه علق القول به على صحته، وقال ذلك أيضاً بعض المالكية، ومنهم من قال: إنه منسوخ بالأحاديث الدالة على عدم الفطر بالحجامة، وكلا الجوابين غير صحيح، فالحديث صحيح صححه أحمد والبخاري وابن المديني ﵏ والقول بنسخه يتوقف على أمرين: أحدهما: العلم بأنه سابق على فعل النبي ﷺ ، ولا دليل على ذلك. الثاني: أن لا يمكن الجمع بينه وبين فعل النبي ﷺ ، وهنا يمكن الجمع بحمل احتجام النبي ﷺ على الخصوصية أي أن عدم الإفطار بالحجامة خاص به، كما اختص بكثير من الأحكام ﷺ ، وعليه فيعمل بحديث شداد بن أوس ﵁ ويحمل حديث ابن عباس ﵄ على الخصوصية أو أنه منسوخ، وأيضاً فالعمل بحديث شداد بن أوس أحوط، وما كان أحوط فهو أولى عند الاشتباه، لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ولأن الوقوع في المشتبه إن كان الإنسان ورعاً أوجب له القلق وتشويش الفكر، وإن كان غير ورع أوجب له التهاون حتى يقع في الحرام الصريح، قال النبي ﷺ : «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام: كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . ومن القواعد المقررة أن الفعل لا يعارض القول، فإذا تعارضا ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع السليمة

стр. 7517

وجب تقديم القول، لأن الفعل يحتمل أن يكون لسبب يعارض عموم القول لم نعلم به، لاسيما الفعل عن النبي ﷺ فإنه قد يكون خاصًّا به، والحجامة للصائم قد يكون جوازها وعدم الفطر بها خاصًّا بالنبي ﷺ ، لأن علة الإفطار بها الضعف الحاصل بخروج الدم من البدن، فيحتاج البدن إلى التعويض عنه بالأكل، وهذه العلة قد تكون منتفية في حق النبي ﷺ كما انتفت في حقه علة النهي عن الوصال في الصوم، فإن استقام هذا التخصيص صارت الحجامة مفطرة في حق غير النبي ﷺ غير مفطرة في حقه وزال الإشكال. وإن لم يستقم ذلك فجمهور العلماء على أن الحجامة لا تفطر احتجاجاً بحديث ابن عباس ﵄ الذي في صحيح البخاري أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، لأنه أقوى من حديث شداد: أفطر الحاجم والمحجوم، قال الشافعي: (حديث ابن عباس أمثلهما إسناداً، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إليَّ احتياطاً، والقياس مع حديث ابن عباس، والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة) ذكره في مختلف الحديث، نقله عنه في فتح الباري (ص ٧٧١ ج ٤) المطبعة السلفية، وذكر في مختصر المزني (ص ٠٣٥) المطبوع في آخر كتاب الأم: والذي أحفظ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وعامة المدنيين أنه لا يفطر أحد بالحجامة. اه وأجابوا عن حديث شداد على تقدير صحته بأن معناه: أن الحاجم والمحجوم متعرضان للفطر، لما يلحق

стр. 7518

الحاجم من احتمال دخول الدم إلى جوفه عند مص القارورة، وما يلحق للمحجوم من احتمال الضعف الذي لا يتمكن معه من إتمام الصوم، وإما بأنه منسوخ ولكن كل ما ذكروا قد أجاب عنه ابن القيم في تهذيب السنن (ص ٣٤٢ ٨٥٢) فأجاد وأفاد، وصحح أن الحجامة تفطر الصائم الحاجم والمحجوم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن ابن حزم أنه قال: صح حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد «أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم» وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً. انتهى. وذكر الحافظ أيضاً حديثاً عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: «نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمها إبقاءً على أصحابه» . وقال الحافظ: إسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر. فكيف نوفق بين هذه الأدلة وبين ما ذهبتم إليه حفظكم الله، من إفطار الصائم بالحجامة؟ فأجاب فضيلته بقوله: نجيب على هذا بما رد به الإمام أحمد ﵀ أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «أفطر

стр. 7519

الحاجم والمحجوم» وحديث أبي سعيد الذي أشرت إليه فيه ضعف: هذه واحدة. الشيء الثاني: أن قولنا بالإفطار هو من مصلحة الصائم في الواقع، لأنه من المعروف أن الإنسان إذا سحب منه الدم، فسوف يلحقه هبوط ومشقة وتعب، فإذا قلنا: إنه يفطر بالحجامة، معناه: أنك لا تحتجم إلا للضرورة، فإذا كنت صائماً صيام فرض، واحتجمت للضرورة، فكل واشرب واقض ذلك اليوم. والآخرون يقولون: إذا احتجمت للضرورة فلابد أن تبقى على صومك ولو كنت في غاية ما يكون من الضعف، فصار القول بأنه يفطر هو الأيسر الذي تقتضيه مصلحة الصائم، وتدل عليه الأدلة الشرعية، لأننا نقول: إن كنت لا تحتاج إلى الحجامة فلا تحتجم إلا في الليل، وإن كنت تحتاج إليها ولابد، كما لو هاج عليك الدم، فنقول: احتجم، ونرخص له أن يأكل ويشرب حتى يستعيد قوته. فتبين بهذا: أن القول بأنها تفطر هو القول الموافق للحكمة، وقد حقق شيخ الإسلام ﵀ ذلك في رسالة له صغيرة تسمى «حقيقة الصيام» ، ومن أحب أن يتوسع في الجواب فليرجع إليها فإنها مفيدة. والتبرع بالدم مثل الحجامة، لأنه كثير، فيحصل به من الضعف ما يحصل بالحجامة، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يتبرع بالدم وهو صائم صيام الفرض إلا للضرورة، فإذا كانت ضرورة تبرع بدمه وأفطر ذلك اليوم. * * *

стр. 7520

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا جرح الصائم ونزف دمه فهل يفطر بذلك ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يؤثر ذلك على الصيام شيئاً، فإذا جرح الصائم وخرج دم كثير فإنه لا يؤثر شيئاً، ذلك لأن هذا الجرح بغير اختياره ومن شروط كون المفطر مفطراً أن يكون باختيار الفاعل، أما ما وقع بغير اختياره فإنه لا يضره ولا ينقض صيامه ولا يفطره، ولذلك لو احتلم الرجل في صيامه وخرج منه الماء فإنه لا يفطر بذلك، لأنه بغير اختياره. أما إذا كان هذا الجرح باختياره بأن فصد أو حجم فإن ذلك مفطر على القول الراجح من أقوال أهل العلم، لأنه كما جاء في السنن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» . فالمحجوم يفطر لأنه ينزف منه دم كثير يؤدي إلى ضعف بدنه، وحينئذ يحتاج إلى أكل وشرب لأجل سد هذا الضعف، فإذا اضطر الإنسان إلى الحجامة وهو صائم فاحتجم فإنه يفطر، ونأمره بأن يتناول الأكل والشرب، لأجل أن يعود نشاطه إليه، وهذا هو الوجه في كون المحجوم يفطر، لأنه يشق عليه أن يبقى بدنه ضعيفاً بعد الحجامة فمن رحمة الله به أن جعل ذلك سبباً للفطر حتى يتناول الأكل والشرب، ولهذا لو اضطر إلى سحب الدم من رجل لينقل إلى مريض مثلاً فإنه يجوز سحبه في هذه الحال إذا قال الأطباء: إنه لابد من سحب الدم من هذا لنقله إلى المريض فيسحب منه، وفي هذه الحال نقول لهذا الذي سحب منه الدم: قد

стр. 7521

أفطرت، لأن هذا الدم الكثير بمنزلة الحجامة، ويتناول ما يريد من الطعام والشراب في بقية يومه حتى تعود إليه القوة ويقضي يوماً مكانه. أما الشيء اليسير من الدم الذي يخرج ولو باختيار الإنسان فهذا لا بأس به مثل أن يسحب منه دم يسير لفحصه وتحليله فإن ذلك لا بأس به؛ لأن هذا ليس حجامة ولا بمعنى الحجامة، ولا يؤثر على البدن تأثير الحجامة، ومثل هذا لو قلع الصائم ضرسه فخرج منه دم فإن هذا الدم لا يفطره، لكن عليه أن يحول دون ابتلاع الدم حتى لا يصل إلى معدته، ولكن مع هذا لو تهرب شيء من هذا الدم بغير اختياره فإنه لا يفطر بذلك، والله الموفق. سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يبطل الصوم بالرعاف؟ وكذلك خروج الدم بخلع الضرس ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يبطل الصوم خروج ذلك لأنه بغير قصد منه، فلو أرعف أنفه وخرج منه دم كثير فإن صومه صحيح، ولا حرج عليه أيضاً في خلع الضرس، لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه للتأذي منه، فهو إنما يريد إزالة هذا الضرس، ثم إن الغالب أن الدم الذي يخرج من الضرس أنه دم يسير فلا يكون له معنى الحجامة. * * * ٦٠٢ سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: التبرع بالدم هل يفطر الصائم، وإذا أخذ شيء من الدم لغرض التشخيص؟

стр. 7522

فأجاب فضيلته بقوله: إذا أخذ الإنسان شيئاً من الدم قليلاً لا يؤثر في بدنه ضعفاً فإنه لا يفطر بذلك، سواء أخذه للتحليل، أو لتشخيص المرض، أو أخذه للتبرع به لشخص يحتاج إليه. أما إذا أخذ من الدم كمية كبيرة يلحق البدن بها ضعف فإنه يفطر بذلك، قياساً على الحجامة التي ثبتت السنة بأنها مفطرة للصائم. وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بهذه الكمية من الدم وهو صائم صوماً واجباً، إلا أن يكون هناك ضرورة فإنه في هذا الحال يتبرع به لدفع الضرورة، ويكون مفطراً يأكل ويشرب بقية يومه، ويقضي بدل هذا اليوم. وذكرت هذا التفصيل وإن كان السؤال يختص بنهار رمضان، وبناء على ذلك فإنه إذا كان صائماً في نهار رمضان فإنه لا يجوز أن يتبرع بدم كميته كثيرة، بحيث يلحق بدنه منها ضعف إلا عند الضرورة فإنه يتبرع بذلك. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل سحب الدم بكثرة يؤدي إلى إفطار الصائم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: سحب الدم بكثرة إذا كان يؤدي إلى ما تؤدي إليه الحجامة من ضعف البدن واحتياجه للغذاء حكمه كحكم الحجامة، وأما ما يخرج بغير اختيار الإنسان مثل أن تجرح الرجل فتنزف دماً كثيراً فإن هذا لا يضر، لأنه ليس بإرادة الإنسان. * * *

стр. 7523

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم التحليل والتبرع بالدم للصائم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: تحليل الصائم يعني أخذ عينة من دمه لأجل الكشف عنها والاختبار لها جائز ولا بأس به، وأما التبرع بالدم فالذي يظهر أن التبرع بالدم يكون كثيراً فيعطى حكم الحجامة ويقال للصائم صوماً واجباً لا تتبرع بدمك إلا إذا دعت الضرورة لذلك فلا بأس بهذا، مثل لو قال الأطباء: إن هذا الرجل الذي أصابه النزيف إن لم نحقنه بالدم مات ووجدوا صائماً يتبرع بدمه، وقال الأطباء: لابد من التبرع له الآن. فحينئذ لا بأس للصائم أن يتبرع بدمه، ويفطر بعد هذا ويأكل ويشرب بقية يومه لأنه أفطر للضرورة كإنقاذ الحريق والغريق. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للصائم أن يسحب دمه في المستشفى أو في غير المستشفى ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا يُنظر، إذا كان الدم المسحوب قليلاً مثل الذي يُسحب للاختبار للتحليل فهذا لا بأس به ولا حرج فيه، أما إذا كان كثيراً يؤثر كما تؤثر الحجامة فالصحيح أنه لا يحل له ذلك إذا كان صومه واجباً لأن هذا يفطر، وإن كان تطوعاً فلا حرج في هذا، لأن التطوع يجوز للإنسان أن يقطعه.

стр. 7524

* * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم من سحب منه دم وهو صائم في رمضان وذلك بغرض التحليل من يده اليمنى ومقداره (برواز) متوسط؟ فأجاب فضيلته بقوله: مثل هذا التحليل لا يفسد الصوم بل يعفى عنه، لأنه مما تدعو الحاجة إليه، وليس من جنس المفطرات المعلومة من الشرع المطهر. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا قلع الصائم ضرسه فهل يفطر بسبب الدم الخارج منه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يفطر ولكن لا يبلع الدم الخارج من الضرس. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا جرح الصائم أو قلع ضرسه وخرج منه دم فما حكم صومه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا جرح الصائم أو قلع ضرسه وخرج منه دم فصومه صحيح، سواء كان الدم الذي خرج قليلاً أم كثيراً، لأن ذلك ليس بحجامة ولا بمعناها، لكن إن لحقه ضعف بسبب خروج الدم الكثير، فله أن يفطر فيأكل ويشرب ويقضي ذلك اليوم.

стр. 7525

* * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يفطر الإنسان بخروج الدم عند قلع الضرس ؟ فأجاب فضيلته بقوله: خروج الدم من قلع الضرس لا يؤثر ولا يضر الصائم شيئاً، ولكن يجب على الصائم أن يتحرز من ابتلاع الدم، لأن الدم خارج طارىء غير معتاد، يكون ابتلاعه مفطراً، بخلاف ابتلاع الريق فإنه لا يفطر. فعلى الصائم الذي خلع ضرسه أن يحتاط وأن يحترز من أن يصل الدم إلى معدته؛ لأنه يفطر، لكن لو أن الدم تسرب بغير اختياره فإنه لا يضره، لأنه غير متعمد لهذا الأمر، وأصل الاشتباه عند الناس في هذه المسألة وهي قلع الضرس، أو السن، أو الجروح أصل الاشتباه عند هؤلاء هو الإفطار بالحجامة، فإن النبي ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم» فيظن بعض العامة أن الدم الذي يخرج من قلع الضرس، أو السن، أو الجرح، أو ما أشبهه يظنون أنه يفطر كالحجامة، والأمر ليس كذلك، فإن الحجامة يخرج منها دم كثير يؤثر على الصائم فيجد في نفسه كسلاً وضعفاً، يحتاج معه إلى أن يتناول شيئاً يرد إليه قوته، ويزيل عنه الضعف الذي حصل بسبب الحجامة، وأما الدم الخارج بقلع الضرس ونحوه فإنه لا يؤثر تأثير الحجامة فلا يفطر به أبداً، وكذلك أيضاً لا يفطر الصائم بإخراج الدم لأجل التحليل، فإن الطبيب قد يحتاج إلى أخذ دم من المريض ليختبره، فهذا لا يفطر، لأنه دم يسير، لا يؤثر على البدن تأثير الحجامة، فلا يكون مفطراً، والأصل بقاء الصيام، فلا يمكن

стр. 7526

أن نفسده إلا بدليل شرعي، وهنا لا دليل على أن الصائم يفطر بخروج هذا الدم اليسير، وأما أخذ الدم الكثير الذي يفعل بالبدن مثل فعل الحجامة من الصائم من أجل حقنه في رجل محتاج إليه فإنه يفطر بذلك، وعلى هذا فإن كان الصوم واجباً فإنه لا يجوز لأحد أن يتبرع بهذا الدم الكثير لأحد، إلا أن يكون المتبرع له في حالة خطرة لا يمكن أن يصبر إلى ما بعد الغروب، وقرر الأطباء بأن دم هذا الصائم ينفعه ويزيل ضرورته، فإنه في هذه الحال لا بأس أن يتبرع بدمه ويفطر فيأكل ويشرب حتى تعود إليه قوته ويقضي هذا اليوم الذي أفطره، والله أعلم. سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: خروج الدم من أسنان الصائم هل يفطر ؟ فأجاب فضيلته بقوله: النزيف الذي يحصل في الأسنان لا يؤثر على الصوم مادام يحترز من ابتلاعه ما أمكن، لأن خروج الدم بغير إرادة الإنسان لا يعد مفطراً، ولا يلزم من أصابه ذلك أن يقضي، وكذلك لو رعف أنفه، فإنه ليس عليه في ذلك شيء ولا يلزمه قضاء. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم خروج الدم من الصائم من أنفه أو فمه أو بقية جسمه بغير اختياره ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا يضره خروج ذلك؛ لأنه بغير قصد

стр. 7527

منه فلو أرعف أنفه وخرج منه دم كثير، فإن صومه صحيح. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: لو تسبب في خروج الدم كأن يخلع ضرسه ؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج عليه أيضاً، لأنه لم يخلع ضرسه ليخرج الدم، وإنما خلع ضرسه لأذى فيه، فهو إنما يريد إزالة هذا الضرس لأذاه، ثم إن الغالب أن الدم الذي يخرج بخلع الضرس أنه دم يسير، لا يكون له معنى الحجامة. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: خروج الدم من الأنف أو من أحد أعضاء الجسم وضرب الإبر في الوريد أو في الورك والقطرة والكحل والمرهم والتغرغر بعلاج في الفم هل تفطر؟ وهل هناك دليل أو قاعدة يقاس عليها؟ فأجاب فضيلته بقوله: كل هذه الأشياء لا تفطر الصائم، لأن القاعدة الشرعية أن من تلبس بالطاعة على وجه شرعي فإنه لا يمكن إفسادها إلا بدليل شرعي من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين، أو القياس الصحيح الذي يتساوى فيه المقيس والمقيس عليه في علة الحكم. وإذا نظرنا إلى هذه الأشياء لم نجد دليلاً شرعيًّا يدل على فساد الصوم بها، وبناء على ذلك لا يحل لنا أن نفسد عبادة عباد الله تعالى إلا بدليل نبرأ به حين لقاء الله. لكن التغرغر مكروه إلا لحاجة، لقول النبي ﷺ للقيط بن

стр. 7528

صبرة ﵁: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» فإذا احتاج إلى التغرغر ولم يتمكن من تأخيره إلى الفطر فلا حرج عليه فيه، لكن عليه أن يحترز غاية الاحتراز من نزول ذلك إلى جوفه. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة حامل ونزل منها دم في نهار رمضان فما الحكم ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت المرأة حاملاً ونزل منها الدم ولم يكن منتظماً انتظامه السابق على الحمل فإن هذا الدم ليس بشيء، سواء كان نقطة أو نقطتين أو دماً كثيراً؛ لأن ما تراه الحامل من الدم يعتبر دم فساد، إلا إذا كانت حيضتها منتظمة على ما هي عليه قبل الحمل فإنه يكون حيضاً، وأما إذا توقف الدم ثم طرأ فإن المرأة تصوم وتصلي وصومها صحيح وصلاتها كذلك ولا شيء عليها، لأن هذا الدم ليس بحيض. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن امرأة كانت من عادتها أن تحيض خمسة أيام، ولما كبرت أصبحت العادة تتأخر عليها، وإذا نزلت استمرت أربعة عشر يوماً فما الحكم في هذه الأيام الزائدة وهل تصوم؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة التي كبرت وصار الحيض

стр. 7529

يتأخر عنها كثيراً ثم يأتيها أربعة عشر يوماً نقول لها: إن هذه الأيام تكون كلها حيضاً. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة أصيبت في حادثة وكانت في بداية الحمل فأسقطت الجنين إثر نزيف حاد، فهل يجوز لها أن تفطر أم تواصل الصيام؟ وإذا أفطرت فهل عليها إثم؟ فأجاب فضيلته بقوله: نقول: إن الحامل لا تحيض، كما قال الإمام: أحمد إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض. والحيض كما قال أهل العلم: خلقه الله ﵎ لحكمة غذاء الجنين في بطن أمه، فإذا نشأ الحمل انقطع الحيض، لكن بعض النساء قد يستمر بها الحيض على عادته كما كان قبل الحمل، فهذه يحكم بأن حيضها حيض صحيح، لأنه استمر بها الحيض، ولم يتأثر بالحمل، فيكون هذا الحيض مانعاً لكل ما يمنعه حيض غير الحامل، وموجباً لما يوجبه، ومسقطاً لما يسقطه، والحاصل أن الدم الذي يخرج من الحامل على نوعين: نوع يُحكم بأنه حيض وهو الذي استمر بها، كما كان قبل الحمل؛ لأن استمراره يدل على أن الحمل لم يؤثر عليه فيكون حيضاً. والنوع الثاني: دم طرأ على الحامل طروءاً إما بسبب حادث، أو حمل شيء، أو سقوط من شيء ونحوه، فهذه دمها ليس بحيض، وإنما هو دم عِرق، وعلى هذا فلا يمنعها من الصلاة، ولا من الصيام، بل هي في حكم الطاهرات، ولكن إذا

стр. 7530

لزم من الحادث أن ينزل الولد، أو الحمل الذي في بطنها، فإنه على ما قال أهل العلم: إن خرج وقد تبين فيه خلق إنسان فإن دمها بعد خروجه يعد نفاساً، تترك فيه الصلاة والصوم، ويتجنبها زوجها حتى تطهر، وإن خرج الجنين وهو غير مُخلَّق فإنه لا يعتبر دم نفاس، بل هو دم فساد لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما، قال أهل العلم: وأقل زمن يتبين فيه التخليق واحد وثمانون يوماً؛ لأن الجنين في بطن أمه كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق فقال: «إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أم سعيد» ولا يمكن أن يُخلق قبل ذلك، والغالب أن التخليق لا يتبين قبل تسعين يوماً، كما قاله بعض أهل العلم. * * * سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة في الشهر الثامن حملها ، ووافق ذلك أن يكون شهر رمضان، وقد نزل منها الدم قبل أن تضع جنينها، ثم وضعت الجنين بعد أربعة عشر يوماً من شهر رمضان، وذلك عن طريق عملية قيصرية، فهل تقضي الأيام التي نزل معها الدم أم لا،
следующие страницы →