Полный текст (10 899 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.
стр. 7771
ما اختلفت، وهو الأصح للشافعية، وذكره صاحب الفروع والاختيارات اختيار الشيخ تقي الدين، لكن نقل ابن القاسم في مجموع الفتاوى عن الشيخ (ص ٥٠١ ج ٥٢) : أنه متى شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد لزم الصوم. وفي (ص ٧٠١ من المجلد المذكور) : والضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله: «صوموا لرؤيته» ، فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وفي (ص ٩٠١ منه) : ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه. وفي (ص ١١١ منه) : فتلخص أن من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر، أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك. والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك، فهذا لا تأثير له، وأما إذا بلغه في أثناء المدة فهل يؤثر في وجوب القضاء، وفي بناء الفطر عليه، وبقية الأحكام والقضاء؟ يظهر لي أنه لا يجب، وفي بناء الفطر عليه نظر. اه كلام الشيخ ﵀.
وهذا القول أعني القول بأن الحكم يختلف باختلاف المطالع هو الراجح أثراً ونظراً.
القول الثالث: يشمل الحكم من دون المسافة، فإن كان بين البلدين مسافة قصر لم يثبت لأحدهما حكم الآخر. اختاره في
стр. 7772
الرعاية، وذكره في شرح مسلم أنه الأصح للشافعية.
القول الرابع: إن كان الإقليم واحداً شمل الحكم الجميع وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية.
القول الخامس: يشمل الحكم بلد الرؤية وما كان تابعاً له في العمل دون غيره، إلا أن يحمل الإمام الناس على ذلك.
القول السادس: يختص الحكم ببلد الرؤية فقط، حكاه النووي في المجموع نقلاً عن ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق بن راهويه.
القول السابع: إنه إذا كان البلدان يشتركان في جزء من الليل اشتركا في حكم الهلال وإلا فلا. قاله محمد إسماعيل إبراهيم، ويتفرع على ذلك: ما لو سافر من بلد إلى بلد خالفه في ثبوت الشهر، فالمشهور من مذهب أحمد أنه يبنى على أسبق البلدين، لأنه متى ثبت بمكان شمل الحكم جميع الناس، فإذا سافر من بلد ثبت فيه الشهر ليلة الجمعة إلى بلد ثبت فيه ليلة السبت وتم شهر ولم ير الهلال لزمه الفطر. وإن سافر من بلد ثبت فيه ليلة السبت إلى بلد ثبت فيه ليلة الجمعة فأفطروا أفطر معهم وقضى يوماً.
وأما الشافعية فعندهم في ذلك وجهان:
أحدهما: اعتبار البلد المنتقل إليه فيفطر معهم وإن لم يكمل، ويقضي يوماً، وكذلك إن أكمل الثلاثين ولم يفطروا فيصوم معهم.
والثاني: اعتبار البلد المنتقل منه، فيلزمه الصوم في المسألة الأولى وإن كانوا مفطرين، والفطر في الثانية وإن كانوا صائمين.
стр. 7773
المسألة الثالثة:
إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار فماذا يلزم؟ في هذا خلاف على أقوال:
القول الأول: يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
القول الثاني: يلزمه القضاء دون الإمساك، قاله عطاء، وحكاه أبو الخطاب رواية.
القول الثالث: يلزمه الإمساك دون القضاء، قاله الشيخ تقي الدين.
وهذا القول أرجح الأقوال، لأنه لا تكليف إلا بعد العلم، وقد أفطر الناس في عهد النبي ﷺ ظانين غروب الشمس، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء فإذا لم يؤمروا بالقضاء في هذه الحال التي الأصل فيها بقاء اليوم وعدم الغروب، فكذلك إذا أكلوا في يوم الأصل فيه بقاء شعبان بل هذا أولى.
المسألة الرابعة:
إذا طرأ شرط التكليف والصوم في أثناء اليوم كإسلام كافر وبلوغ صبي، وإفاقة مجنون، ففي حكم ذلك اليوم أقوال:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء وهو المشهور من مذهب أحمد.
القول الثاني: وجوب الإمساك دون القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة. قال الزركشي: وحكاه أبو العباس رواية فيما أظن،
стр. 7774
واختارها اه وهذا هو القول الوسط وأقرب إلى الصحة.
القول الثالث: لا يجب الإمساك ولا القضاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، ورواية عن أحمد.
المسألة الخامسة:
إذا زال مانع الوجوب في أثناء اليوم وهو مفطر: كقدوم المسافر وطهارة الحائض وبرء المريض، ففي حكم ذلك قولان:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء، وهو المشهور من المذهب ومذهب أبي حنيفة.
القول الثاني: وجوب القضاء دون الإمساك، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي، وهذا القول أصح، لأن الإمساك لا يستفيدون به شيئاً. ووقت الوجوب كانوا فيه غير أهل له، وعلى هذا فلو قدم المسافر مفطراً ووجد امرأته طاهراً من الحيض يوم قدومه فله وطؤها.
أما إذا زال مانع الوجوب وهو صائم كقدوم المسافر صائماً، وبرء المريض فيلزمهم الإتمام قولاً واحداً.
المسألة السادسة:
إذا طرأ مانع الوجوب أو الصحة في أثناء اليوم، وفي ذلك عدة مسائل:
١ إذا ارتد في أثناء اليوم بطل صومه ولزمه القضاء، وقال أبو حنيفة: لا يقضي، وقال صاحب المحرر: ينبني على الروايتين فيما إذا وجد الموجب في بعض اليوم، فإن قلنا: يجب وجب هنا، وإلا فلا اه. والأصح وجوب القضاء عليه، لأنه من أهل
стр. 7775
الوجوب حين تعين الإمساك.
٢ إذا حاضت المرأة في أثناء اليوم فقال الإمام أحمد: تمسك، قال في الفروع: وظاهر كلامهم لا إمساك مع المانع، وهو أظهر. قلت: وهذا هو المذهب وهو المقطوع به، ويلزمها القضاء.
٣ إذا جنّ في أثناء النهار فهل يلزمه القضاء؟ ينبني على الروايتين في إفاقته في أثناء النهار بجامع أنه أدرك جزءاً من الوقت، وسبق في المسألة الرابعة، والذي يظهر هنا أنه يقضي، لأنه كان حين تعين الإمساك من أهل الوجوب. هذا إذا قلنا بأن الجنون مبطل للصوم قليله وكثيره، كما هو اختيار المجد وابن البناء، ولكن قال في الفروع: الجنون كالإغماء، فعلى هذا القول لا يبطل الصوم بالجنون، وهو المذهب.
٤ إذا سافر في أثناء النهار جاز له الفطر، والأفضل عدمه، وهذا هو المذهب، لكن لا يفطر قبل خروجه من البلد، خلافاً للحسن وإسحاق وعطاء، وعن أحمد رواية ثانية: لا يجوز له الفطر إذا سافر في أثناء النهار، فالأقوال ثلاثة.
٥ إذا مرض في أثناء النهار، أو خاف المرض بعطش ونحوه فله الفطر بالإجماع، قاله في الفروع ص ١٢ ج ٢.
المسألة السابعة في النية:
النية إما أن تكون في صوم واجب، أو في صوم تطوع.
فإن كانت في صوم واجب، ففيها أقوال:
الأول: أنها تجب من الليل، وفاقاً لمالك والشافعي.
стр. 7776
الثاني: إن كان الصوم في رمضان، أو نذر معين أجزأت قبل الزوال لا بعده. ومذهب أبي حنفية.
الثالث: أن النية تجزىء في كل صوم من الليل وفي النهار قبل الزوال أو بعده، قاله الأوزاعي، وحكي عن ابن المسيب.
ولا تصح نية صوم يوم قبل ليلته، فلا تصح في نهار يوم لصوم الغد وفاقاً للأئمة الثلاثة، وعن أحمد تصح. وعن أحمد أيضاً تصح في أول رمضان نية واحدة لجميعه، فإن أفطر منه يوماً لعذر أو غيره لم يصح صيام الباقي إلا بنية مجددة، وقيل: يصح.
وأما إن كانت النية في صوم تطوع فإنها تصح قبل الزوال وبعده، وعنه لا تصح بعده، ومذهب مالك وداود هو كالفرض تسوية بينهما.
واختلف القائلون بصحة النية في النهار هل يثاب على الصوم من النية، أو من أول النهار، على ثلاثة أقوال:
أحدها: من النية، اختاره الموفق وغيره، وهو أظهر.
الثاني: من أول النهار، اختاره صاحب المحرر.
الثالث: إن نوى قبل الزوال فالثواب من أول النهار، وإلا فمن النية.
المسألة الثامنة:
هل يشترط في النية التعيين، أو يكفي نية الصوم، في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: اشتراط التعيين، وفاقاً لمالك والشافعي، وهو المشهور من المذهب.
стр. 7777
الثاني: لا يشترط التعيين في رمضان خاصة وفاقاً لأبي حنيفة، وعلى هذا يصح بنية مطلقة ونية نفل ونحوه، وبنية فرض تردد فيها بأن نوى ليلة الشك إن كان من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، فيجزىء إن تبين منه، وهذه رواية عن أحمد، وعنه رواية ثالثة تصح نية فرض تردد فيها مع الغيم لا مع الصحو.
الثالث: لا يشترط التعيين إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً فهو شرط، اختاره الشيخ تقي الدين.
المسألة التاسعة: المفطرات:
المفطرات هي:
١ الأكل والشرب بالإجماع، أي ما وصل إلى الجوف من طريق الفم، سواء كان يغذي أو لا. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر فيما ليس بطعام ولا شراب مثل أن يستف تراباً. وقال بعض المالكية: لا يفطر فيما لا يغذي ولا يماع في الجوف كالحصاة ونحوها.
٢ الاستعاط بدهن أو غيره إن وصل إلى حلقه أو دماغه، وقال مالك: لا يفطر فيما وصل إلى الدماغ، وقال في الكافي: يفطر بما وصل من ذلك إلى خياشيمه. وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر بواصل من غير الفم؛ لأن النص إنما حرم الأكل والشرب والجماع. وقال الشيخ تقي الدين في رسالته «حقيقة الصيام» : ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطراً هو ما كان واصلاً إلى دماغ، أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف،
стр. 7778
ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله وعند رسوله اه.
٣ الاكتحال بكحل يعلم وصوله إلى حلقه، ومذهب مالك والشافعي: لا يفطر بذلك، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دماً. قيل: هذا كما يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دماً. وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دماً ويتوزع على البدن.
٤ التقطير في الأذن إن دخل دماغه، وقال مالك: إن دخل حلقه أفطر وإلا فلا، وقال الأوزاعي، والليث، والحسن بن صالح وداود: لا يفطر إن وصل إلى دماغه.
٥ الحقنة، وقاله الشافعي، وعن مالك خلاف، واختار الشيخ تقي الدين: أنه لا فطر بالحقنة، وقال به الحسن بن صالح وداود. قال الشيخ محمد رشيد رضا عن قول الشيخ تقي الدين: إن قوله حق، ولكن يوجد في هذا الزمان حقن أخر، وهو إيصال بعض المواد المغذية إلى الأمعاء، يقصد بها تغذية بعض المرضى، والأمعاء من الجهاز الهضمي كالمعدة، وقد تغني عنها، فهذا النوع من الحقن يفطر الصائم فهو لا يباح له إلا في المرض المبيح للفطر. اه
٦ وصول الدواء إلى جوفه، أو دماغه من دواء جرح، أو جائفة، أو مأمومة. ومذهب مالك: لا فطر بذلك، وهو قول
стр. 7779
أبي يوسف ومحمد، واختاره الشيخ تقي الدين.
ومثل ذلك لو طعنه أحد بأمره، أو طعن نفسه بما يعلم وصوله إلى جوفه أو دماغه، إلا أن مالكاً لم يذكر عنه أنه خالف في ذلك.
٧ الجماع بذكر أصلي في فرج أصلي.
٨ الحجامة إن ظهر دم فيفطر الحاجم والمحجوم، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا فطر بذلك، وقال الشيخ تقي الدين: لا يفطر الحاجم إلا أن يمص القارورة. وقال ابن عقيل: يحصل الفطر بالحجامة وإن لم يخرج دم، وجزم به في المستوعب والرعاية.
ولا فطر بخروج الدم في غير الحجامة، سواء خرج بنفسه، أو بمحاولة، وقال الشيخ تقي الدين: يفطر من أخرج دمه برعاف أو غيره، وقاله الأوزاعي في الرعاف، وذكر في التلخيص وجهين في الفطر بالفصد، وأن أصحهما عدم الفطر، وقال في الرعاية: يحتمل التشريط وجهين. وقال: الأولى إفطار المفصود والمشروط، دون الفاصد والشارط. اه.
٩ القيء إذا استقاء فقاء أي شيء كان. وقال به مالك والشافعي وعن أحمد: يفطر بملء الفم، وقال به أبو حنيفة، واختاره ابن عقيل، وقال القاضي: إن فحش أفطر. قال في الفروع: ويتوجه احتمال لا يفطر القيء، وذكره البخاري عن أبي هريرة، ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة،
стр. 7780
وقاله بعض المالكية. وقال ابن عقيل في مفرداته: إنه إذا قاء بنظره إلى ما يغثيه يفطر كالنظر والفكر.
٠١ الإمناء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقال به أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقد نقض في الفروع ما احتج به على الفطر، ثم قال: ويتوجه احتمال لا يفطر بذلك. وقاله داود، وإن صح إجماع قبله كما قد ادعى تعين القول به. اه
١١ الإمذاء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقاله مالك، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا فطر به اختاره الا"جري، وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين. قال في الفروع: وهو أظهر.
٢١ الإمناء بتكرار النظر خلافاً لأبي حنيفة والشافعي والا"جري وإن أمذى بذلك لم يفطر خلافاً لمالك. وإن لم يكرر النظر لم يفطر وفاقاً لمالك والشافعي. وقيل: يفطر وفاقاً لمالك، ونص أحمد يفطر بالمني دون المذي.
٣١ الإمناء بالتفكير وظاهر كلامه: لا يفطر، خلافاً لمالك، وابن عقيل، وأبي حفص البرمكي، وهو أشهر، لأنه دون المباشرة وتكرار النظر.
٤١ الموت فيطعم من تركته في نذر وكفارة، كذا في الفروع ولم يذكر خلافاً، والصواب: أنه لا يجب الإطعام، لأن هذا قام بالواجب ما استطاع.
٥١ المباشرة بتقبيل، أو نحوه لمن تحرك شهوته، حكاه ابن
стр. 7781
المنذر عن ابن مسعود، وحكاه الخطابي عنه وعن المسيب، وجمهور العلماء: لا يفطر، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً.
شروط الفطر بما ذكر:
يشترط للفطر بهذه المفطرات شروط:
الأول: أن يكون ذاكراً، فلا يفطر الناسي، خلافاً لمالك، إلا في الجماع فيفطر، وعنه لا، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، اختاره الا"جرى وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين، وذكره في شرح مسلم قول جمهور العلماء، وقيل: يفطر الناسي بالوطء دون الفرج، والاستمناء ومقدمات الجماع، والحجامة.
الثاني: أن يكون مختاراً، فإن كان مكرهاً فلا فطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وسواء أكره على الفعل حتى فعل، أو فعل به بأن صب في حلقه الماء مكرهاً، وإن أوجر المغمى عليه معالجة لم يفطر، وقيل: يفطر لرضاه به ظاهراً، فكأنه قصده. وإن أكره الصائم على الوطء أفطر، فاعلاً كان أو مفعولاً به في ظاهر المذهب. وعن أحمد ما يدل على أنه لا فطر، حيث قال: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة، وقيل: يفطر من فعل، لا من فعل به.
ولا يشترط أن يكون عالماً فيفطر الجاهل بالتحريم وفاقاً للأئمة الثلاثة. وقيل: لا يفطر، لأنه لم يتعمد المفسد كالناسي، فلو أكل ناسياً فظن أنه أفطر بذلك فأكل عمداً، فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم فيها الخلاف، قاله في الفروع. وهذا هو الصواب.
стр. 7782
ويفطر الجاهل بالوقت فلو أكل يظن بقاء الليل، أو غروب الشمس، فتبين أنه في النهار لزمه القضاء وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل: لا يلزمه القضاء، قاله الحسن، وإسحاق، والظاهرية، واختاره الشيخ تقي الدين.
وقيل: يلزمه في الثانية، وهي إذا ظن الغروب دون الأولى، وهي إذا ظن بقاء الليل، قاله مجاهد، وعطاء، واختاره صاحب الرعاية، وبعض الشافعية.
الموجب للكفارة من هذه المفطرات:
الموجب للكفارة من هذه المفطرات هو الجماع إذا كان في نهار رمضان وأفطر به بدون عذر، والمرأة المطاوعة كالرجل، وعنه لا كفارة عليها وفاقاً للشافعي، وعنه يلزمه كفارة واحدة عنهما، وأما المكرهة فلا كفارة عليها، وذكر القاضي رواية: تكفر، وعنه ترجع بها على الزوج، وكذا المعذورة بجهل أو نسيان، وعنه يكفر الواطىء عن المعذورة بإكراه، أو جهل، أو نسيان.
وجماع البهيمة كالا"دمية، وقيل: لا فطر ولا كفارة، وفاقاً لأبي حنيفة، ولا كفارة بغير الجماع المذكور وفاقاً للشافعي، وعن أحمد: يكفر للفطر بالحقنة، وبالاحتجام إن بلغه الخبر، وقيل عنه: يكفر للفطر بأكل، وشرب، واستمناء. ومذهب مالك: يكفر من أكل وشرب، ومذهب أبي حنيفة يكفر منهما إن كان مما يتغذى به، أو يتداوى به.
стр. 7783
ذكر أشياء في الفطر بها خلاف:
١ إذا أصبح في فيه طعام يمكنه لفظه بأن يتميز عن ريقه، وهو أقل من الحمصة أفطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
٢ إذا زاد على الثلاث في مضمضة، أو استنشاق، أو بالغ فدخل الماء حلقه بلا قصد لم يفطر، وقيل: يفطر، واختار صاحب المحرر يفطر بالمبالغة للنهي الخاص وعدم ندرة الوصول فيها، بخلاف المجاوزة، وأنه ظاهر كلام أحمد في المجاوزة، يعني أنه يعيد.
٣ إذا جمع ريقه فابتلعه لم يفطر، وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل: يفطر.
٤ إذا مضغ علكاً لا يتحلل منه أجزاء كره، وفاقاً للأئمة الثلاثة ويتوجه احتمال لا، لأنه روي عن عائشة، وعطاء، وعلى الأول لو وجد طعمه في حلقه فهل يفطر أم لا؟ على وجهين، وعلة عدم الفطر أن مجرد الطعم لا يفطر، كمن لطخ باطن قدمه بحنظل إجماعاً، بخلاف الكحل فإنه تصل أجزاؤه إلى الحلق.
٥ الغيبة لا يفطر بها، قال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، قال في الفروع: وذكر شيخنا وجهاً في الفطر بغيبة ونميمة ونحوها، فيتوجه منه احتمال يفطر بكل محرم، ويتوجه احتمال تخريج من بطلان الأذان بكل محرم، واختار ابن حزم يفطر بكل معصية.
стр. 7784
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الصيام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
صيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام، وفرض صيامه في السنة الثانية من الهجرة، وكان أول ما فرض على التخيير، يخير الإنسان فيه بين أن يصوم أو يفدي، أي يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم تعين الصيام ولم يرخص لأحد في تركه إلا من عذره الله ، فيكون للصوم مرحلتان:
* المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والفدية.
* المرحلة الثانية: تعيين الصيام.
قال تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
ثم إن الصيام ليس خاصًّا بهذه الأمة، بل هو عام لها
стр. 7785
ولغيرها، كما قال تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . وفي قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فائدتان:
الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، حيث لم يكلفهم الله هذا الصيام إلا لأن غيرهم كلفوا به.
الفائدة الثانية: بيان فضل هذه الأمة، حيث استكملت من الفضائل ما كمُل لغيرها.
ثم اعلم أن الصيام كف الإنسان عن المحبوب، والزكاة بذل الإنسان للمحبوب، والصلاة والحج تكليف بدني وعمل وجهد بدني.
فاستكملت هذه الأركان الخمسة جميع أنواع التكليف:
جهد بدني. وبذل للمحبوب. وكف عن المحبوب.
والحكمة من الصيام ليس أن يمنع الإنسان نفسه عن الطعام والشراب والنكاح، ولكن الحكمة منه ما أشار إلله إليه في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وما أشار النبي ﷺ في قوله: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . فمن لم يصنه صومه عن محارم الله فإن صومه ناقص، وقد فاته الحكمة منه.
قال: «من لم يدع قول الزور» فما هو قول الزور؟
كل قول محرم. «والعمل به» أي: بالزور يعني كل فعل محرم. والجهل يعني العدوان على الناس وعدم الحلم، كما قال الشاعر:
стр. 7786
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ثم اعلم أن صيام رمضان إنما يجب على الإنسان بشروط ستة:
١ الإسلام. ٢ العقل. ٣ البلوغ. ٤ القدرة. ٥ الإقامة.
٦ الخلو من الموانع.
أولاً: الإسلام وضده الكفر: فإذا كان الإنسان كافراً فلا يلزمه الصوم بمعنى أننا لا نلزمه أن يصوم، لأنه ليس أهلاً للعبادات، فلو صام لم يقبل منه صومه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ" أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ الآية.
ومن ذلك إذا كان الرجل لا يصلي فإن صومه لا يصح، وهو غير مقبول منه، لأن من لا يصلي كافر، والكافر لا يقبل الله منه العبادة.
ثانياً: العقل: وضده الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الصوم، لأن من شرط صحة الصوم النية، والمجنون ليس أهلاً للنية، لأنه لا يعقل، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق» .
ومما يلحق بالجنون فقد العقل لكبر، فإن الإنسان إذا كبر ربما يفقد عقله حتى لا يميز بين الليل والنهار، والقريب والبعيد،
стр. 7787
ويكون أدنى حالاً من الصبي، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحال فإنه لا يلزمه الصوم كما لا تلزمه الصلاة والطهارة.
الثالث: البلوغ: وضده الصغر: ويكون البلوغ بواحد من ثلاثة بالنسبة للذكر، وبواحد من أمور أربعة بالنسبة للأنثى:
الأول: تمام خمس عشرة سنة.
والثاني: إنبات شعر العانة.
والثالث: إنزال المني بشهوة باحتلام، أو يقظة.
فإذا وجد واحد من هذه الأمور الثلاثة صار الإنسان بالغاً، سواء كان ذكراً أم أنثى، وتزيد الأنثى أمراً رابعاً وهو الحيض، فإذا حاضت فهي بالغة حتى لو حاضت لعشر سنوات فإنها بالغة يلزمها الصوم.
وهنا أقف لأنبه على هذه المسألة التي تخفى على كثير من الناس. فإن بعض الناس إذا بلغت المرأة وهي صغيرة يظن أنها لا تلزمها العبادات، لأنها صغيرة السن، وهذا خطأ، فلو حاضت وعمرها عشر سنين لزمها ما يلزم المرأة التي لها ثلاثون سنة، وبعض النساء تبلغ وهي صغيرة وتخفي الأمر عن أهلها حياء أو خجلاً، وتدع الصوم، أو تصوم في أيام الحيض؟
فهذه المرأة يلزمها قضاء ما تركت من الصوم، وكذلك يلزمها إعادة ما صامته في أيام الحيض.
الرابع: القدرة: وضدها العجز، والعجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين:
١ عجز طارىء يرجى زواله كالمرض العادي.
٢ عجز دائم مستمر لا يرجى زواله: كالأمراض التي لا يرجى
стр. 7788
زوالها كالسرطان، والكبر لأن الكبر لا يرجى زواله، هذا النوع من العجز لا يلزم العاجز فيه الصوم، لأنه غير قادر عليه، ولكن يطعم عن كل يوم مسكينا بعدد الأيام، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين لزمه أن يطعم تسعة وعشرين مسكيناً، وإذا كان الشهر ثلاثين لزمه أن يطعم ثلاثين مسكيناً، وكيفية الإطعام على وجهين:
الوجه الأول: أن يدعو مساكين بعدد الأيام في آخر الشهر على الغداء إن كان بعد رمضان، أو على العشاء.
الوجه الثاني: أن يطعمهم حبًّا ولحماً يؤدم هذا الحب، ومقدار الحب الذي يجب أن يعطى كل مسكين ربع الصاع، لأن الصاع في عهد النبي ﷺ أربعة أمداد. وقد حررت الصاع فبلغ «كيلوين وأربعين غراماً» . والصاع لأربعة سيكون مقدار إطعام كل مسكين «نصف كيلو وعشرة جرامات» وإذا زاد الإنسان احتياطاً فلا حرج عليه، لكن هذا هو المقدار الواجب.
أما النوع الثاني من العجز: فهو العجز الطارىء الذي يرجى زواله: كالمرض الطارىء كالزكام والحمى وما أشبهها، فالواجب على هذا المريض أن يقضي إذا أفطر ما أفطره، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فهذا المريض الذي يرجى زواله نقول له: أفطر إذا كان الصوم يشق عليك واقض ما أفطرت.
الخامس: أن يكون مقيماً: وضد المقيم المسافر فلا يلزمه الصوم للدليل السابق.
стр. 7789
السادس: الخلو من الموانع: وهذا خاص بالأنثى بأن لا تكون حائضاً ولا نفساء، لأن الحيض والنفاس يمنع من صحة الصوم، قال النبي ﷺ في الحائض: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» ، وأجمع المسلمون على أن الصوم لا يصح من الحائض ولا يلزمها، بل يحرم عليها وكذلك النفساء.
ووقت الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أي من حين أن يتبين الفجر إلى غروب الشمس، لقوله تعالى: ﴿فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . ولقول النبي ﷺ : «كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» ،ولقوله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» . ففي هذه الآية وهذين الحديثين تحديد لوقت الصيام، وأنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
والمفطرات هي: ١ الأكل. ٢ الشرب. ٣ الجماع.
ودليل هذه الثلاثة في قوله تعالى: ﴿فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
стр. 7790
الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
والأكل والشرب لا فرق بين أن يكون المأكول نافعاً، أم غير نافع، حلالاً أم حراماً.
وعلى هذا فلو قدر أن رجلاً ابتلع خرزة عمداً فإنه يفطر، لأن هذا أكل، ولو أن أحداً شرب دخاناً فإنه يفطر لأن هذا شرب.
ولا فرق أيضاً أن يصل هذا الطعام عن طريق الفم، أو عن طريق الأنف، لقول النبي ﷺ في حديث لقيط بن صبرة ﵁: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» وهذا يدل على أن ما دخل من الأنف إلى الجوف كالذي دخل من الفم.
٤ ما كان بمعنى الأكل والشرب.
مثل: الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب، فهذه مفطرة.
لكن قد يقول قائل: ما هو الدليل على أنها مفطرة، لأن كل إنسان يدعي أن هذا الشيء مفطر فإنه يلزم بالدليل، فإن أتى بدليل وإلا فقوله غير مقبول، لأن الأصل في العبادات الصحة حتى يقوم دليل على إفساده، وهذه قاعدة.
وأيضاً: كل ما ثبت بدليل فإنه لا يرتفع إلا بدليل، فقد ثبت هذا الصوم بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن يرتفع ويفسد إلا بدليل شرعي.
стр. 7791
فبناءً على هذه القاعدة بل القاعدتين أين الدليل على أن الإبر التي يستغنى بها عن الأكل والشرب تكون مفطرة؟
ج: نقول: الدليل على ذلك أن الله تعالى قال في القرآن: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِى" أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والميزان هو الذي توزن به الأشياء ويقارن بينها، ونحن إذا وازنا بين هذه الإبر التي يستغنى بها عن الأكل والشرب والأكل والشرب. تكون سواءً في الحكم.
فيكون القول بأنها مفطرة مبنيًّا على القياس، أي قياسها على الأكل والشرب.
فإن قال: هذا القياس غير تام، لأن بينها وبين الأكل والشرب فرقاً عظيماً. وهذا الفرق أن الأكل والشرب يحصل بهما من المنفعة أكثر مما يحصل بهذه الإبر المغذية.
ثانياً: أن الأكل والشرب يحصل به من التلذذ ما لا يحصل بهذه الإبر المغذية، ولهذا تجد الإنسان الذي يتغذى بهذه الإبر في أعظم ما يكون شوقاً إلى الأكل والشرب، أي ينتظر سماح الأطباء له بالأكل والشرب بفارغ الصبر. فما هو الجواب على هذه الشبهة؟
الجواب: أن قول النبي ﷺ في حديث لقيط بن صبرة ﵁: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» يدل على أنه لا يشترط أن يتلذذ الإنسان بما يكون مفطراً، فإن ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف لا يحصل به من التلذذ ما يحصل بما
стр. 7792
إذا وصل عن طريق الفم، وبهذا نعرف أن القياس تام، وأن الإبر التي يستغنى بها عن الطعام والشراب مفطرة، ولأن هذا من باب الاحتياط، وقد قال النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
ولأن الغالب أن الإنسان لا يحتاج إلى هذه الإبر إلا وهو مريض مرضاً يبيح له الفطر.
٥ إنزال المني بشهوة بفعل من الصائم:
فإذا أنزل الصائم المني بشهوة بفعل منه فقد فسد صومه، والدليل أن النبي ﷺ حين قال: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟» قالوا: نعم، قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» . والذي يوضع من الشهوة هو المني، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» . هذا هو ما ظهر لي من الدليل على أن المني مفطر.
مسألة: لو أنزل الصائم مذي، كما لو قبَّل زوجته فأمذى فهل يفسد صومه؟
ج: لا يفسد صومه، لأن المذي لا يصح قياسه على المني، لأنه دونه، ولهذا المني يوجب الغسل، والمذي لا يوجب الغسل.
стр. 7793
وبناء على ذلك نقول: إن المذي لا يفطر ولو بتعمد من الصائم.
قلنا عن المني بشهوة. فإن نزل بغير شهوة مثل أن يكون بالإنسان مرض ينزل معه المني فإنه لا يفطر.
وقلنا: بفعلٍ من الصائم أي باختيار منه. فإن لم يكن بفعل منه فإنه لا يفطر، كما لو فكَّر في الجماع فأنزل، فهذا الذي أنزل بالتفكير لكن ما حرك أي شيء لم يعبث بذكره، ولم يتمرغ على الأرض فقط فكر فأنزل فلا يفسد صومه، لأن النبي ﷺ يقول: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم» . وهذا الرجل لم يعمل ولم يتكلم.
٦ القيء عمداً:
فإذا تقيأ الإنسان عمداً بأن أخرج الطعام من معدته فإنه يفطر، وإن غلبه القيء بدون قصد فإنه لا يفطر، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» .
«من ذرعه القيء» يعني غلبه، هذا هو الدليل الأثري، وهناك دليل نظري وهو أن التقيؤ يضعف البدن، لأنه يخرج الطعام والشراب الذي في المعدة، وإذا خلت المعدة من الطعام والشراب فإن البدن يضعف بالصوم، فكان من مقتضى حكمة الله أن يكون القيء مفطراً. فنقول للصائم: لا تتقيأ في صيام الفرض،
стр. 7794
فإن اضطررت إلى ذلك وصار لابد من التقيؤ فإنك في هذه الحال تفطر، ويجوز لك الأكل والشرب لتعيد للبدن ما فات من قوته.
٧ الحجامة:
إذا احتجم الصائم وظهر منه الدم فإنه يفطر والدليل: حديث شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» . وهذا دليل أثري أي ثبت به الأثر عن النبي ﷺ ، وهناك أيضاً دليل نظري وهو ضعف المحجوم بالحجامة، لأن المحجوم يخرج منه الدم بكثرة، وإذا خرج منه الدم بكثرة فإن بدنه يضعف، ويكون الصوم مؤثراً في هذا البدن الذي أصابه الضعف في نزول الدم الكثير منه.
ولهذا نقول: من كان صومه واجباً فإنه لا يجوز أن يحتجم، فإن هاج به الدم واحتاج إلى الحجامة احتجم وأفطر، وله الأكل والشرب لأجل أن يعيد القوة لبدنه.
هل يقاس على الحجامة ما كان بمعناها؟
ج: نعم. يقاس عليها ما كان بمعناها، ومنه أن يسحب من الصائم دم كثير، وهذا يقع أحياناً إذا احتيج إلى دم الصائم ليحقن في إنسان آخر، فإنه يسحب منه دم كثير، ولهذا يضعف البدن، ويعطيه الأطباء شيئاً من السوائل ليرد عليه هذا الضعف الذي حصل بسحب الدم منه، أما ما كان دون الحجامة كسحب الدم للتحليل فهذا لا يضر أي لا يفطر حتى وإن كان عمداً، وكذلك لو رعف أنف الصائم فإنه لا يفطر ولو كثر الدم، لأنه بغير اختياره.
стр. 7795
٨ خروج دم الحيض:
فإذا حاضت المرأة وهي صائمة فسد صومها.
مسألة: لو حاضت المرأة ولم يبق من النهار إلا خمس دقائق فإنه يفسد صومها.
مسألة: لو حاضت بعد غروب الشمس بخمس دقائق فإنه لا يفسد صومها.
والمعروف عند النساء أن المرأة إذا حاضت بعد الغروب وقبل صلاة المغرب فإن صومها يفسد، وهذا غير صحيح، ولهذا أنا أرجو أن تنبهوا النساء على هذه المسألة، فإن هذا يقع عنه السؤال كثيراً.
وبعضهن تقول: إذا حاضت قبل صلاة العشاء فإن صومها ذلك اليوم يكون فاسداً، وهذا خطأ وأشد خطأ من الأول.
مسألة: إذا انتقل وأحست بانتقاله ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس فهل صومها صحيح؟
ج: الصحيح أن صومها صحيح، وأنه لا عبرة بانتقاله حتى يخرج، ودليل ذلك أن النبي ﷺ سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ فقال: «نعم إذا هي رأت الماء» .
وهذا يدل على أن الموجبات للغسل، أو المفسدات للصوم فيما يخرج لابد أن يخرج ويرى، وعليه: فلو أحست بانتقال
стр. 7796
الحيض قبل غروب الشمس بعشر دقائق، أو أقل ولكن لم يخرج الحيض إلا بعد غروب الشمس فإن صومها صحيح.
شروط المفطرات:
١ العلم. ٢ الذكر. ٣ الإرادة، أي الاختيار.
العلم ضده الجهل، فالجاهل لا يفطر ولو تناول هذه المفطرات، سواء كان جاهلاً بالحكم، أو جاهلاً بالحال.
الجاهل بالحكم أن يظن أن هذا الشيء لا يفطر، مثل أن يحتجم الصائم وهو لا يعلم أن الحجامة تفطر، فنقول: إن هذا الذي احتجم صيامه صحيح.
الجاهل بالحال أن يظن أن الوقت وقت أكل وشرب، فيأكل ويشرب ظانًّا أنه في وقت يباح له الأكل والشرب.
مثل أن يأكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع الفجر، فهذا جاهل بالحال «الوقت» .
وآخر سمع صوتاً في آخر النهار وهو لا يرى الشمس يقول: الله أكبر، فظنه المؤذن، فأفطر ظانًّا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن النهار باقٍ وأن الشمس لم تغرب فلا يفسد صومه.
الذكر ضده النسيان: فلو أن الإنسان أكل، أو شرب، أو جامع زوجته ناسياً أنه صائم فصومه صحيح، والدليل على اشتراط العلم والذكر، وأن من كان جاهلاً أو ناسياً لم يفسد صومه نوعان:
عام وخاص، فالعام كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ والخطأ هو الجهل. وهذه الآية عامة في الصوم
стр. 7797
وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ وهذه الآية عامة.
والخاص في النسيان قال ﷺ فيما صح عنه من حديث أبي هريرة ﵁: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» . متفق عليه. وهذا نص صريح بأن الصوم لا يفسد. وذَكر الأكل والشرب لا ينافي ما عداهما، لأنهما ذكرا على سبيل التمثيل.
ودليل الجهل بالحكم حديث عدي بن حاتم ﵁ حينما أراد أن يصوم، وكان في القرآن الكريم: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فأخذ عقالين: أحدهما أبيض والآخر أسود، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل ويشرب وينظر إلى العقالين حتى تبين الأبيض من الأسود فأمسك، فلما أصبح أخبر النبي ﷺ بذلك فقال النبي ﷺ : «إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود» ثم قال: «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» . ومعنى قوله وسادك لعريض: أي يسع الأفق، لأن الخيط الأبيض والأسود، يكون مائلاً للأفق، لأن الخيط الأبيض الذي يحرم به الأكل والشرب على الصائم هو الفجر الصادق الذي يكون مستطيلاً من الشمال إلى الجنوب، ولم يأمره النبي ﷺ بالقضاء، لأنه كان جاهلاً بالحكم، يظن أن هذا هو معنى الآية الكريمة وليس كذلك.
стр. 7798
وأما الجهل بالحال:
فالدليل الخاص فيه حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ الذي أخرجه البخاري، قالت: «أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس» ، فيكون الصحابة ﵃ أفطروا قبل غروب الشمس لقولها: «ثم طلعت الشمس» وهذا الجهل بالحال لأنهم لم يعلموا أن الشمس باقية، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، لأنه لو أمرهم بالقضاء لنقل إلينا، إذ أنه أي القضاء يكون من الشريعة، والشريعة لابد أن تنقل وتحفظ فلما لم ينقل أن الرسول ﷺ أمرهم بالقضاء علم أنه لم يأمرهم به، وإذا لم يأمرهم به فليس بواجب، لأنه لو وجب لأمرهم به.
إذا حصلت هذه المفطرات بغير اختيار من الإنسان فإن صومه صحيح، لو أنه احتلم وهو صائم ونزل منه المني فإن صومه صحيح، لأن ذلك بغير اختياره، ولو توضأ الإنسان وتمضمض ثم نزل شيء من الماء إلى جوفه فصومه صحيح، لأنه لم يتعمد ذلك، ولو مرَّ الصائم بشارع فيه غبار وتطاير شيء من الغبار إلى أنفه فصومه صحيح، لأنه بغير اختياره.
والدليل على هذا الشرط الثالث قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ، وهذا لم يتعمد، وقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ووجه الدلالة من هذه الآية أنه إذا عذر الإنسان بالإكراه في الكفر فما دونه من باب أولى.
стр. 7799
هذه المفطرات إذا فعلها الإنسان وقد تمت الشروط الثلاثة، كما لو أكل عالماً، ذاكراً، مختاراً ترتب عليه:
أولاً: الإثم إذا كان الصوم واجباً.
ثانياً: فساد الصوم.
ثالثاً: وجوب الإمساك إن كان في رمضان.
رابعاً: القضاء، هذا إذا كان صومه واجباً.
أما إذا كان الصوم تطوعاً وأفسده فإنه لا يترتب عليه إلا شيء واحد وهو فساد الصوم، وليس عليه إثم ولا قضاء، لأنه تطوع.
ينفرد الجماع بأمر خامس وهو الكفارة، وعلى هذا فمن جامع في نهار رمضان والصوم واجب عليه ترتب على جماعه خمسة أمور:
١ الإثم. ٢ فساد الصوم. ٣ لزوم الإمساك. ٤ وجوب القضاء. ٥ وجوب الكفارة.
والكفارة: كفارة مغلظة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
الأدلة على ذلك:
أولاً: الإثم. الدليل فيه ظاهر، لأن هذا صوم واجب أفسده، وكل إنسان يفسد ما وجب فهو آثم.
ثانياً: لزوم الإمساك عقوبة له، لأن نهار رمضان لا يستباح فيه المفطرات إلا بعذر شرعي.
ثالثاً: أما القضاء فواضح، لأنه واجب، والواجب يجب قضاؤه.
стр. 7800
رابعاً: أما الكفارة بالنسبة لمن جامع في نهار رمضان والصوم واجب عليه فدليله حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، فقال: «ما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا. فكل خصاص الكفارة تعذرت في حقه، ثم جلس الرجل فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال ﷺ : «تصدق بهذا» فقال: أعلى أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» .
مسألة: لو جامع الإنسان أهله في غير رمضان ولو في قضاء رمضان فهل عليه كفارة؟
ج: لا، ليس عليه كفارة.
مسألة: لو جامعها في نهار رمضان والصوم غير واجب عليه، مثل أن يكون هو وزوجته مسافرين وصائمين في السفر ثم جامعها في رمضان فليس عليه كفارة، لماذا؟
ج: لأنه يباح له الفطر.
مسألة: هل الكحل يفطر؟
ج: لا، لأنه ليس من المفطرات فالمفطرات، محصورة.
مسألة: هل التقطير في الأذن يفطر؟
стр. 7801
ج: لا، لأنه ليس من المفطرات.
مسألة: هل استنشاق الفيكس يفطر؟
ج: لا يفطر، لأن ليس فيه أجزاء تتصاعد حتى تنزل إلى الجوف، لكن فيه رائحة قوية لا تضر.
قطرة العين كذلك لا تفطر، استنشقاق البخور يفطر إذا وصل إلى الجوف، أما إذا لم يصل إلى الجوف، فإنه لا يفطر، لكن لا شك أن البُعد عنه أولى، لأن الإنسان لا يأمن أن يصل إلى جوفه، ولهذا قال الرسول ﷺ : «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» .
مسألة: هل السعوط يفطر أم لا؟
ج: نعم، يفطر إذا وصل إلى الجوف، لأن النبي ﷺ قال للقيط بن صبرة: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» .
واعلم يا أخي أنك إذا قلت هذا مفطر، والله لم يجعله مفطراً فكما لو قلت عن الشيء الذي جعله الله مفطراً: إن هذا غير مفطر؛ لأن تحليل الحرام كتحريم الحلال، وإيجاب ما لم يجب كإسقاط ما وجب، فالحكم واحد، لأن الشريعة إنما تتلقى من الكتاب والسنة، فالواجب أن نقتصر على ما دل عليه الكتاب والسنة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 7802
باب الاعتكاف
* حكم الاعتكاف.
* حكم الاعتكاف بلا صوم.
* اعتكاف المرأة.
* تضعيف الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.
* حكم خروج المعتكف.
* مستحبات الاعتكاف.
стр. 7803
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن الاعتكاف وحكمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف هو لزوم الإنسان مسجداً لطاعة الله ، لينفرد به عن الناس، ويشتغل بطاعة الله، ويتفرغ لذلك، وهو في كل مسجد، سواء كان في مسجد تقام فيه الجمعة، أو في مسجد لا تقام فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجد تقام فيه، حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل للاعتكاف أقسام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف ليس إلا قسماً واحداً، وهو كما أسلفنا لزوم مسجد لطاعة الله ، لكن قد يكون أحياناً بصوم، وقد لا يكون بصوم، وقد اختلف أهل العلم: هل يصح الاعتكاف بدون صوم، أو لا يصح إلا بصوم، ولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان في ليالي العشر عشر من رمضان، لأن رسول الله ﷺ كان يعتكف هذه العشر رجاءً لليلة القدر، ولم يعتكف في غيرها إلا سنة لم يعتكف في رمضان، فقضاه في شوال.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الاعتكاف ؟ وهل يجوز للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة
стр. 7804
والأكل وكذلك الخروج للتداوي؟ وما هي سنن الاعتكاف؟ وكيفية الاعتكاف الصحيح عن النبي ﷺ ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف لزوم المساجد للتخلي لطاعة الله ، وهو مسنون لتحري ليلة القدر، وقد أشار الله تعالى إليه في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ اعتكف، واعتكف أصحابه معه، وبقي الاعتكاف مشروعاً لم ينسخ، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده» . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: «إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة (يعني ليلة القدر) ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» . فاعتكف الناس معه. وقال الإمام أحمد ﵀: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أن الاعتكاف مسنون.
стр. 7805
وعلى هذا يكون الاعتكاف مسنوناً بالنص والإجماع.
ومحله المساجد التي تقام فيها الجماعة في أي بلد كان لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . والأفضل أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، لئلا يحتاج إلى الخروج إليها، فإن اعتكف في غيره فلا بأس أن يبكر إلى صلاة الجمعة.
وينبغي للمعتكف أن يشتغل بطاعة الله من صلاة وقراءة قرآن، وذكر الله ، لأن هذا هو المقصود من الاعتكاف، ولا بأس أن يتحدث إلى أصحابه قليلاً، لاسيما إذا كان في ذلك فائدة.
ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته.
وأما خروجه من المسجد فقد قسمه الفقهاء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جائز، وهو الخروج لأمر لابد منه شرعاً، أو طبعاً، كالخروج لصلاة الجمعة، والأكل، والشرب إن لم يكن له من يأتيه بهما، والخروج للوضوء، والغسل الواجبين، ولقضاء حاجة البول والغائط.
القسم الثاني: الخروج لطاعة لا تجب عليه كعيادة المريض، وشهود الجنازة، فإن اشترطه في ابتداء اعتكافه جاز، وإلا فلا.
القسم الثالث: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء، وجماع أهله ونحو ذلك فهذا لا يجوز لا بشرط، ولا بغير شرط.
стр. 7806
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الاعتكاف في شهر رمضان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف في رمضان سنة فعله النبي ﷺ في حياته، واعتكف أزواجه من بعده، وحكى أهل العلم إجماع العلماء على أنه مسنون، ولكن الاعتكاف ينبغي أن يكون على الوجه الذي من أجله شرع وهو أن يلزم الإنسان مسجداً لطاعة الله ، بحيث يتفرغ من أعمال الدنيا إلى طاعة الله، بعيداً عن شؤون دنياه، ويقوم بأنواع الطاعة من صلاة وقرآن وذكر وغير ذلك، وكان رسول الله ﷺ يعتكف ترقباً لليلة القدر، والمعتكف يبعد عن أعمال الدنيا فلا يبيع ولا يشتري، ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد منه، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضاً، وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم يعتكفون ثم يأتي إليهم الزوار أثناء الليل وأطراف النهار، ويضيعون أوقاتهم بما لا فائدة فيه، وقد يتخلل ذلك أحاديث محرمة، فذلك مناف لمقصود الاعتكاف، ولكن إذا زاره أحد من أهله وتحدث عنده فذلك لا بأس به، فقد ورد عن النبي ﵊ أن زوجته صفية ﵂ زارته وهو معتكف فتحدث معها، المهم أن يجعل الإنسان اعتكافه تقرباً إلى الله وينتهز فرصة خلوته في طاعة الله .
стр. 7807
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الحكم إذا لم يسمح الوالد لولده بالاعتكاف وبأسباب غير مقنعة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف سنة، وبر الوالدين واجب، والسنة لا يسقط بها الواجب، ولا تعارض الواجب أصلاً، لأن الواجب مقدم عليها، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه» فإذا كان أبوك يأمرك بترك الاعتكاف ويذكر أشياء تقتضي أن لا تعتكف، لأنه محتاج إليك فيها، فإن ميزان ذلك عنده وليس عندك، لأنه قد يكون الميزان عندك غير مستقيم وغير عدل، لأنك تهوى الاعتكاف، فتظن أن هذه المبررات ليست مبرراً، وأبوك يرى أنها مبرر، فالذي أنصحك به أن لا تعتكف، لكن لو لم يذكر مبررات لذلك، فإنه لا يلزمك طاعته في هذه الحال؛ لأنه لا يلزمك أن تطيعه في أمر ليس فيه منفعة له، وفيه تفويت منفعة لك.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يشرع الاعتكاف في غير رمضان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع أن يكون في رمضان فقط، لأن النبي ﷺ لم يعتكف في غير رمضان إلا ما كان منه في شوال حين ترك الاعتكاف عاماً في رمضان فاعتكف في شوال، ولكن
стр. 7808
لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائزاً، لأن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ فقال: «إني نذرت أن أعتكف ليلة، أو يوماً في المسجد الحرام» فقال رسول الله ﵊: «أوف بنذرك» لكن لا يؤمر الإنسان ولا يطلب منه أن يعتكف في غير رمضان.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، والمساجد الثلاثة هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، ودليل ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فإن هذه الآية خطاب لجميع المسلمين، ولو قلنا: إن المراد بها المساجد الثلاثة لكان أكثر المسلمين لا يخاطبون بهذه الآية، لأن أكثر المسلمين خارج مكة والمدينة والقدس، وعلى هذا فنقول: إن الاعتكاف جائز في جميع المساجد، وإذا صح الحديث أنه: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فإن المراد الاعتكاف الأكمل والأفضل، ولا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيره، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل من غيرها، فالصلاة في المسجد
стр. 7809
الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجد النبي ﷺ خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الاعتكاف في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى مشروع في وقته، ولا يختص بالمساجد الثلاثة، بل يكون فيها وفي غيرها من المساجد، هذا قول أئمة المسلمين أصحاب المذاهب المتبوعة كالإمام أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم ﵏ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ولفظ المساجد عام لجميع المساجد في أقطار الأرض، وقد جاءت هذه الجملة في آخر آيات الصيام الشامل حكمها لجميع الأمة في جميع الأقطار، فهي خطاب لكل من خوطبوا بالصوم، ولهذا ختمت هذه الأحكام المتحدة في السياق والخطاب بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ . ومن البعيد جداً أن يخاطب الله الأمة بخطاب لا يشمل إلا أقل القليل منهم، أما حديث حذيفة بن اليمان ﵁: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فهذا إن سلم من القوادح فهو نفي للكمال،
стр. 7810
يعني أن الاعتكاف الأكمل ما كان في هذه المساجد الثلاثة، وذلك لشرفها وفضلها على غيرها. ومثل هذا التركيب كثير، أعني أن النفي قد يراد به نفي الكمال، لا نفي الحقيقة والصحة مثل قوله ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام» وغيره. ولا شك أن الأصل في النفي أنه نفي للحقيقة الشرعية أو الحسية، لكن إذا وجد دليل يمنع ذلك تعين الأخذ به، كما في حديث حذيفة. هذا على تقدير سلامته من القوادح، والله أعلم.
كتبه الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين في ١١/٩/ ١٤٠٩ هـ.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن أركان الاعتكاف وشروطه، وهل يصح بلا صوم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف ركنه كما أسلفت لزوم المسجد لطاعة الله تعبداً له، وتقرباً إليه، وتفرغاً لعبادته، وأما شروطه فهي شروط بقية العبادات فمنها: الإسلام، والعقل، ويصح من غير البالغ، ويصح من الذكر، ومن الأثنى، ويصح بلا صوم، ويصح في كل مسجد.
следующие страницы →