Полный текст (10 899 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.
стр. 7736
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يصح صوم من ينام عن الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيامه هذا اليوم صحيح، ولكن نومه عن الصلوات هو المحرم، لأنه لا يجوز للإنسان أن يتهاون بالصلاة إلى حد ينام عنها ولا يبالي بها، والواجب على الإنسان إذا نام ولم يكن عنده من يوقظه للصلاة أن يجعل عنده منبهاً ينبهه كالساعة إذا أذن ليقوم ويصلي ويرجع لينام إذا شاء، وإنني بهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين مما يفعله بعض الناس، يسهر الليل كله في رمضان بدون فائدة، وينام النهار كله، وهذا ليس شأن السلف في صيام شهر رمضان، بل كانوا ﵏ يحرصون على أن يستغلوا هذه الفرصة الثمينة بالتقرب إلى الله بأنواع الطاعات من الصلاة والذكر والصدقة والإحسان إلى الخلق. أما الذي لا يهمه في نهاره وليله إلا أن يقطع وقته بما لا فائدة فيه، فإن هذا ليس من شأن السلف الصالح.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم من يصوم ويصلي إذا جاء رمضان، فإذا انسلخ رمضان انسلخ من الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يتبين لي من الأدلة أن ترك الصلاة لا يكون كفراً إلا إذا تركها الإنسان تركاً مطلقاً، وأما من يصلي ويخلي فيصلي بعض الأحيان ويترك بعض الأحيان، فالذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يكفر بذلك، لقوله ﷺ : «العهد الذي
стр. 7737
بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» أي الصلاة، ولقوله ﷺ : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» ولكن هذا الرجل الذي لا يصلي إلا في رمضان ويصوم في رمضان أنا في شك من إيمانه، لأنه لو كان مؤمناً حقًّا لكان يصلي في رمضان وفي غيره، أما كونه لا يعرف ربه إلا في رمضان فأنا أشك في إيمانه، لكنني لا أحكم بكفره، بل أتوقف فيه وأمره إلى الله .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك من يصوم ولا يصلي فما نصيحتكم لهم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصيحتي لهؤلاء أن يفكروا ملياً في أمرهم، وأن يعلموا أن الصلاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأن من ترك الصلاة متهاوناً، فإنه على القول الراجح الذي تؤيده دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أنه يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة مرتدًّا عن الإسلام، فالأمر ليس بالهين، ومن كان كافراً مرتدًّا عن الإسلام لا يقبل منه لا صيام، ولا صدقة، ولا أي عمل، لقوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ" أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ
стр. 7738
كَارِهُونَ كَارِهُونَ﴾ فبين الله أن نفقاتهم مع أنها ذات نفع متعدد للغير لا تقبل منهم مع كفرهم، وقال : ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ وهؤلاء الذين يصومون ولا يصلون لا يقبل صيامهم، بل هو مردود عليهم، لأنهم كفار، فنصيحتي لهم أن يتقوا الله ، وأن يحافظوا على الصلاة، ويقوموا بها في أوقاتها ومع جماعة المسلمين، وأنا ضامن لهم بحول الله أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يجدون في قلوبهم الرغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين، لأن الإنسان إذا تاب إلى ربه وأقبل عليه وتاب إليه توبة نصوحاً، فإنه قد يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، كما ذكر الله عن آدم ﵊ أنه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشجرة قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الصوم مع ترك الصلاة في رمضان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الذي يصوم ولا يصلي لا ينفعه صيامه، ولا يقبل منه، ولا تبرأ به ذمته. بل إنه ليس مطالباً به مادام لا يصلي، لأن الذي لا يصلي مثل اليهودي والنصراني، فما رأيكم أن يهوديًّا أو نصرانيًّا صام وهو على دينه، فهل يقبل منه؟ لا. إذن نقول لهذا الشخص: تب إلى الله بالصلاة وصم، ومن تاب تاب الله عليه.
стр. 7739
٧٤٤ سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نلاحظ بعض المسلمين يتهاونون في أداء الصلاة خلال أشهر العام، فإذا جاء رمضان بادروا بالصلاة والصيام وقراءة القرآن، فكيف يكون صيام هؤلاء؟ وما نصيحتكم لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام هؤلاء صحيح، لأنه صيام صادر من أهله، ولم يقترن بمفسد فكان صحيحاً، ولكن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم، وأن يعبدوا الله بما أوجب عليهم في جميع الأزمنة وفي جميع الأمكنة، والإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فربما ينتظرون شهر رمضان ولا يدركونه، والله لم يجعل لعبادته أمداً إلا الموت، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ . أي حتى يأتيك الموت الذي هو اليقين.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: النظر إلى النساء والأولاد المُرد هل يؤثر على الصيام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم كل معصية فإنها تؤثر على الصيام، لأن الله تعالى إنما فرض علينا الصيام للتقوى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وقال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور، والجهل، والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» .
стр. 7740
وهذا الرجل الذي ابتلي هذه البلية نسأل الله أن يعافيه منها هذا لا شك أنه يفعل المحرم، فإن النظر سهم من سهام إبليس والعياذ بالله، وكم من نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلاء، فصار والعياذ بالله أسيراً لها، كم من نظرة أثرت على قلب الإنسان حتى أصبح أسيراً في عشق الصور، ولهذا يجب على الإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر أن يرجع إلى الله بالدعاء بأن يعافيه منه، وأن يعرض عن هذا، ولا يرفع بصره إلى أحد من النساء أو أحد من المرد، وهو مع الاستعانة بالله تعالى واللجوء إليه، وسؤال العافية من هذا الداء سوف يزول عنه إن شاءالله تعالى.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل للصوم فائدة اجتماعية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم له فوائد اجتماعية منها: شعور الناس بأنهم أمة واحدة، يأكلون في وقت واحد ويصومون في وقت واحد، ويشعر الغني بنعمة الله، ويعطف على الفقير، ويقلل مزالق الشيطان لابن آدم. وفيه تقوى الله، وتقوى الله تقوي الأواصر بين أفراد المجتمع.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الصدقة للأموات؟ وذبح الذبائح في رمضان وإهداء ثوابها للأموات ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة للوالدين والأموات جائزة
стр. 7741
ولا بأس بها إذا كانوا مسلمين، ولكن الدعاء أفضل من الصدقة لهما، لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ ووجه إليه في قوله: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ولم يقل: ولد صالح يتصدق عنه، أو يصلي له، ولكن مع ذلك لو تصدق عن الميت لأجزأه، لأن النبي ﷺ سأله رجل عن أب له مات ولم يوص، فهل ينفعه أن يتصدق عنه؟ قال: «نعم» ، لكن ما يفعله بعض الناس في ليالي رمضان من الذبائح والولائم الكثيرة، والتي لا يحضرها إلا الأغنياء، فإن هذا ليس بمشروع، وليس من عمل السلف الصالح، فينبغي تركه، لأنه في الحقيقة ليس إلا مجرد ولائم يحضرها الناس، ويجلسون إليها على أن البعض منهم يتقرب إلى الله تعالى بذبح هذه الذبيحة، ويرى أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وهذا يوجب أن يتقربوا إلى الله تعالى بنفس الذبح فيلحقها بالنسك في غير محله، لأن الذبائح التي يتقرب بها إلى الله هي الأضاحي، والهدايا، والعقائق، وهذه ليس منها، فلا يجوز إحداث شيء في دين الله تعالى.
* * *
стр. 7742
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحد إخوانكم من أهل ... يسأل عن الحكم الشرعي لما يسمى (عشوة رمضان) والمقصود بها عندنا أن يذبح ذبيحة أو ذبيحتان ثم يدعو لها أقارب الميت، علماً أن هذا شبه واجب عند أغلب الناس وفي نظرهم أنه لا يجزىء غيرها من الصدقات، علماً أن الغالب عدم الفائدة من أكل هذه العشوة، وأن الناس يأتون مجاملة للداعي، وقد يتكرر وليمة أو وليمتان في ليلة واحدة، بينوا حفظكم الله لنا هل هذا العمل مناسب أو أن هناك طرقاً أخرى يمكن الاستفادة منها بدل هذه (العشوة) والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذه الذبيحة التي يسمونها العشوة، أو عشاء الوالدين يذبحونها في رمضان ويدعون الناس إليها تكون على وجهين:
الأول: أن يعتقد الذابح التقرب إلى الله بالذبح، بمعنى أن يعتقد أن مجرد الذبح قربة، كما يكون في عيد الأضحى فهذا
стр. 7743
بدعة، لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بالذبح إلا في مواضعه: كالأضحية، والعقيقة، والهدي.
الثاني: أن يذبح الذبيحة لا للتقرب إلى الله بالذبح، ولكن من أجل اللحم أي أنه بدلاً من أن يشتري اللحم من السوق يذبح الذبيحة في بيته فهذا لا بأس به، لكن الإسراف في ذلك لا يجوز، لأن الله نهى عن الإسراف، وأخبر أنه لا يحب المسرفين، ومن ذلك أن يفعل كما يفعل بعض الناس من ذبح ما يزيد على الحاجة ودعوة الكثير من الناس، الذين لا يأتون إلا مجاملة لا رغبة، ويبقى الشيء الكثير من الطعام الذي يضيع بلا فائدة.
والذي أرى أن يصرف الإنسان ما ينفقه في ذلك إلى الفقراء دراهم، أو ملابس، أو أطعمة يعطونها للفقراء أو نحو ذلك، لأن في هذا فائدتين:
الأولى: أنه أنفع للفقراء.
والثانية: أنه أسلم من الوقوع في الإسراف والمشقة على الداعي والمدعو.
وقد كان الناس سابقاً في حاجة وإعواز، وكان صنع الطعام لهم له وقع كبير في نفوسهم، فكان الأغنياء يصنعونه ويدعون الناس إليه. أما اليوم فقد تغيرت الحال ولله الحمد. والله الموفق. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٥/٨/١٤٠١ هـ.
стр. 7744
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ورد في الحديث: «من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً» ؟ فهل يكفي في ذلك تقديم الماء والتمر فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء ﵏ في ذلك. فقيل: المراد من فطره على أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة.
وقال بعض العلماء: المراد أن يشبعه، لأن هذا هو الذي ينفع الصائم في ليلته، وربما يستغني به عن السحور.
ولكن ظاهر الحديث أنه إذا فطر صائماً ولو بتمرة واحدة فإن له مثل أجره، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على تفطير الصوام بقدر المستطاع، لاسيما مع حاجتهم وفقرهم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: حينما يقع الصائم في معصية من المعاصي وينهى عنها يقول: «رمضان كريم» فما حكم هذه الكلمة؟ وما حكم هذا التصرف؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم ذلك أن هذه الكلمة «رمضان كريم» غير صحيحة، وإنما يقال: «رمضان مبارك» وما أشبه ذلك، لأن رمضان ليس هو الذي يعطي حتى يكون كريماً، وإنما الله تعالى هو الذي وضع فيه الفضل، وجعله شهراً فاضلاً، ووقتاً
стр. 7745
لأداء ركن من أركان الإسلام، وكأن هذا القائل يظن أنه لشرف الزمان يجوز فيه فعل المعاصي، وهذا خلاف ما قاله أهل العلم بأن السيئات تعظم في الزمان والمكان الفاضل، عكس ما يتصوره هذا القائل، وقالوا: يجب على الإنسان أن يتقي الله في كل وقت وفي كل مكان، لاسيما في الأوقات الفاضلة والأماكن الفاضلة، وقد قال الله : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالحكمة من فرض الصوم تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فالصيام عبادة لله، وتربية للنفس وصيانة لها عن محارم الله، وليس كما قال هذا الجاهل: إن هذا الشهر لشرفه وبركته يسوغ فيه فعل المعاصي.
* * *
стр. 7746
نبذة في الصيام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فهذه نبذ في الصيام، وحكمه، وأقسام الناس فيه، والمفطرات، وفوائد أخرى على وجه الإيجاز.
١ الصيام: هو التعبد لله تعالى بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
٢ صيام رمضان أحد أركان الإسلام العظيمة لقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام» .
الناس في الصيام
١ الصوم واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، سالم من الموانع.
٢ الكافر لا يصوم، ولا يجب عليه قضاء الصوم إذا أسلم.
٣ الصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه الصوم، لكن يؤمر به ليعتاده.
٤ المجنون لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام عنه وإن كان كبيراً ومثله المعتوه الذي لا تمييز له، والكبير المهذري الذي لا
стр. 7747
تمييز له.
٥ العاجز عن الصوم لسبب دائم كالكبير والمريض مرضاً لا يرجىء برؤه يطعم عن كل يوم مسكيناً.
٦ المريض مرضاً طارئاً ينتظر برؤه يفطر إن شق عليه الصوم ويقضي بعد برئه.
٧ الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصوم من أجل الحمل أو الرضاع أو خافتا على ولديهما تفطران وتقضيان الصوم إذا سهل عليهما وزال الخوف.
٨ الحائض والنفساء لا تصومان حال الحيض والنفاس وتقضيان ما فاتهما.
٩ المضطر للفطر لإنقاذ معصوم من غرق، أو حريق يفطر لينقذه ويقضي.
٠١ المسافر إن شاء صام وإن شاء أفطر وقضى ما أفطره، سواء كان سفره طارئاً كسفر العمرة، أم دائماً كأصحاب سيارات الأجرة (التكاسي والمرسدس) فيفطرون إن شاؤوا ماداموا في غير بلدهم
مفطرات الصائم
١ لا يفطر الصائم إذا تناول شيئاً من المفطرات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . فإذا نسي الصائم فأكل أو شرب لم
стр. 7748
يفسد صومه؛ لأنه ناسي، ولو أكل أو شرب يعتقد أن الشمس قد غربت، أو أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه؛ لأنه جاهل، ولو تمضمض فدخل الماء إلى حلقه بدون قصد لم يفسد صومه؛ لأنه غير متعمد، ولو احتلم في نومه لم يفسد صومه؛ لأنه غير مختار.
٢ المفطرات ثمانية وهي:
أالجماع: وإذا وقع في نهار رمضان من صائم يجب عليه الصوم، فعليه مع القضاء كفارة مغلظة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
ب إنزال المني يقظة باستمناء، أو مباشرة، أو تقبيل، أو ضم، أو نحو ذلك.
ج الأكل أو الشرب سواء كان نافعاً، أم ضارًّا كالدخان.
د حقن الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الطعام، لأنها بمعنى الأكل والشرب، فأما الإبر التي لا تغذي فلا تفطر، سواء استعملها في العضلات أم في الوريد، وسواء وجد طعهما في حلقه أم لم يجده.
هـ حقن الدم، مثل أن يحصل للصائم نزيف فيحقن به دم تعويضاً عما نزف منه.
وخروج دم الحيض والنفاس.
ز إخراج الدم بالحجامة ونحوها. فأما خروج الدم بنفسه كالرعاف، أو خروجه بقلع سن ونحوه فلا يفطر، لأنه ليس
стр. 7749
حجامة ولا بمعنى الحجامة.
ح القيء إن تقصده، فإن قاء من غير قصد لم يفطر.
فوائد
١ يجوز للصائم أن ينوي الصيام وهو جنب ثم يغتسل بعد طلوع الفجر.
٢ يجب على المرأة إذا طهرت في رمضان من الحيض أو النفاس قبل الفجر أن تصوم، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.
٣ يجوز للصائم قلع ضرسه، أو سنه ومداواة جرحه، والتقطير في عينيه، أو أذنيه، ولا يفطر بذلك ولو أحس بطعم القطور في حلقه.
٤ يجوز للصائم أن يتسوك في أول النهار وآخره، وهو سنة في حقه كالمفطرين.
٥ يجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه شدة الحر والعطش كالتبرد بالماء والمكيف.
٦ يجوز للصائم أن يبخ في فمه ما يخفف عنه ضيق التنفس الحاصل من الضغط أو غيره.
٧ يجوز للصائم أن يبل بالماء شفتيه إذا يبستا، وأن يتمضمض إذا نشف فمه من غير أن يتغرغر بالماء
٨ يسن للصائم تأخير السحور قبيل الفجر، وتعجيل الفطور بعد غروب الشمس، ويفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، فإن لم يجد فعلى أي طعام حلال،
стр. 7750
فإن لم يجد نوى الفطر بقلبه حتى يجد.
٩ يسن للصائم أن يكثر من الطاعات ويجتنب جميع المنهيات.
٠١ يجب على الصائم المحافظة على الطاعات والبعد عن المحرمات، فيصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويؤديها مع الجماعة إن كان من أهل الجماعة، ويترك الكذب والغيبة والغش، والمعاملات الربوية، وكل قول أو فعل محرم، قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد الصالح العثيمين في ١٦ شعبان سنة ١٤١٠ هـ.
стр. 7751
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هدي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد: فإنه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك فإننا نقدم إلى إخواننا المسلمين الفصول التالية سائلين الله تعالى أن يجعل عملنا خالصاً لله، موافقاً لشريعته، نافعاً لخلقه، إنه جواد كريم:
الفصل الأول: في حكم الصيام.
الفصل الثاني: في حكمه وفوائده.
الفصل الثالث: في حكم صيام المريض والمسافر.
الفصل الرابع: في مفسدات الصوم وهي المفطرات.
الفصل الخامس: في التراويح.
الفصل السادس: في الزكاة وفوائدها.
الفصل السابع: في أهل الزكاة.
الفصل الثامن: في زكاة الفطر.
стр. 7752
الفصل الأول: في حكم الصيام
صيام رمضان فريضة ثابتة في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
وقال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان» متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «وصوم رمضان وحج البيت» .
وأجمع المسلمون على فرضية صوم رمضان، فمن أنكر فرضية صوم رمضان فهو مرتد كافر، يستتاب فإن تاب وأقر بفرضيته فذاك وإلا قتل كافراً.
وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ تسع رمضانات، والصوم فريضة على كل مسلم بالغ عاقل.
فلا يجب الصوم على الكافر، ولا يقبل منه حتى يسلم، ولا يجب الصوم على الصغير حتى يبلغ، ويحصل بلوغه بتمام خمس
стр. 7753
عشرة سنة، أو نبات عانته، أو نزول المني منه باحتلام أو غيره، وتزيد الأنثى بالحيض، فمتى حصل للصغير أحد هذه الأشياء فقد بلغ، لكن يؤمر الصغير بالصوم إذا أطاق بلا ضرر عليه ليعتاده ويألفه.
ولا يجب الصوم على فاقد العقل بجنون، أو تغير دماغ أو نحوه، وعلى هذا فإذا كان الإنسان كبيراً يهذري ولا يميز فلا صيام عليه ولا إطعام.
الفصل الثاني: في حكم الصيام وفوائده
من أسماء الله تعالى (الحكيم) والحكيم من اتصف بالحكمة، والحكمة: إتقان الأمور ووضعها في مواضعها. ومقتضى هذا الاسم العظيم من أسمائه تعالى أن كل ما خلقه الله تعالى أو شرعه فهو لحكمة بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.
وللصيام الذي شرعه الله وفرضه على عباده حكم عظيمة وفوائد جمة:
فمن حكم الصيام: أنه عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه بترك محبوباته المجبول على محبتها من طعام وشراب ونكاح، لينال بذلك رضا ربه والفوز بدار كرامته، فيتبين بذلك إيثاره لمحبوبات ربه على محبوبات نفسه، وللدار الآخرة على الدار الدنيا.
ومن حكم الصيام: أنه سبب للتقوى إذا قام الصائم بواجب صيامه، قال الله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالصائم مأمور بتقوى الله ، وهي امتثال أمره واجتناب نهيه، وذلك هو المقصود الأعظم بالصيام، وليس المقصود تعذيب الصائم بترك الأكل
стр. 7754
والشرب والنكاح. قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري، وقول الزور: كل قول محرم من الكذب والغيبة والشتم وغيرها من الأقوال المحرمة. والعمل بالزور: العمل بكل فعل محرم من العدوان على الناس بخيانة، وغش، وضرب الأبدان، وأخذ الأموال ونحوها، ويدخل فيه الاستماع إلى ما يحرم الاستماع إليه من الأغاني والمعازف وهي آلات اللهو. والجهل: هو السفه، وهو مجانبة الرشد في القول والعمل، فإذا تمشى الصائم بمقتضى هذه الآية والحديث كان الصيام تربية نفسه، وتهذيب أخلاقه، واستقامة سلوكه، ولم يخرج شهر رمضان إلا وقد تأثر تأثراً بالغاً يظهر في نفسه وأخلاقه وسلوكه.
ومن حكم الصيام: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بالغنى حيث إن الله تعالى قد يسر له الحصول على ما يشتهي، من طعام، وشراب، ونكاح مما أباح الله شرعاً، ويسره له قدراً، فيشكر ربه على هذه النعمة، ويذكر أخاه الفقير الذي لا يتيسر له الحصول على ذلك، فيجود عليه بالصدقة والإحسان.
ومن حكم الصيام: التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها حتى يتمكن من قيادتها لما فيه خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة، ويبتعد عن أن يكون إنساناً بهيمياً لا يتمكن من منع نفسه عن لذتها وشهواتها، لما فيه مصلحتها.
ومن حكم الصيام: ما يحصل من الفوائد الصحية الناتجة عن تقليل الطعام وإراحة الجهاز الهضمي فترة معينة، وترسب بعض الفضلات والرطوبات الضارة بالجسم وغير ذلك.
стр. 7755
الفصل الثالث: في حكم صيام المريض والمسافر
قال الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
والمريض على قسمين:
أحدهما: من كان مرضه لازماً مستمراَ لا يرجى زواله كالسرطان فلا يلزمه الصوم؛ لأنه ليس له حال يرجى فيها أن يقدر عليه، ولكن يطعم عن صيام كل يوم مسكيناً، إما بأن يجمع مساكين بعدد الأيام فيعشيهم أو يغديهم كما كان أنس بن مالك ﵁ يفعله حين كبر، وإما بأن يفرق طعاماً على مساكين بعدد الأيام لكل مسكين ربع صاع نبوي، أي ما يزن نصف كيلو وعشرة غرامات من البر الجيد، ويحسن أن يجعل معه ما يأدمه من لحم أو دهن، ومثل ذلك الكبير العاجز عن الصوم، فيطعم عن كل يوم مسكيناً.
الثاني: من كان مرضه طارئاً غير ميؤوس من زواله كالحمى وشبهها وله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم؛ لأنه لا عذر له.
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم، ولا يضره، فيكره له الصوم لما فيه من العدول عن رخصة الله تعالى مع الإشقاق على نفسه.
الحال الثالثة: أن يضره الصوم، فيحرم عليه أن يصوم لما فيه من جلب الضرر على نفسه، وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُو"اْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ . وقال: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُو"اْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» . أخرجه ابن ماجه، والحاكم، قال
стр. 7756
النووي: وله طرق يقوي بعضها بعضاً، ويعرف ضرر الصوم على المريض إما بإحساسه بالضرر بنفسه، وإما بخبر طبيب موثوق به.
ومتى أفطر المريض في هذا القسم فإنه يقضي عدد الأيام التي أفطرها إذا عوفي، فإن مات قبل معافاته سقط عنه القضاء؛ لإن فرضه أن يصوم عدة من أيام أخر ولم يدركها.
والمسافر على قسمين:
أحدهما: من يقصد بسفره التحيل على الفطر، فلا يجوز له الفطر؛ لأن التحيل على فرائض الله لا يسقطها.
الثاني: من لا يقصد ذلك فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فيحرم عليه أن يصوم؛ لأن النبي ﷺ «كان في غزوة الفتح صائماً فبلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وأنهم ينظرون فيما فعل فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشربه، والناس ينظرون، فقيل له: إن بعض الناس قد صاموا، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» رواه مسلم.
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة، فيكره له الصوم لما فيه من العدول عن رخصة الله تعالى، مع الإشقاق على نفسه.
الحال الثالثة: أن لا يشق عليه الصوم فيفعل الأيسر عليه من الصوم والفطر، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ والإرادة هنا بمعنى المحبة، فإن تساويا فالصوم أفضل؛ لأنه فعل النبي ئصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كما في صحيح مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على
стр. 7757
رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة» .
والمسافر على سفر من حين يخرج من بلده حتى يرجع إليها، ولو أقام في البلد التي سافر إليها مدة فهو على سفر مادام على نية أنه لن يقيم فيها بعد انتهاء غرضه الذي سافر إليها من أجله، فيترخص برخص السفر، ولو طالت مدة إقامته لأنه لم يرد عن النبي ﷺ تحديد مدة ينقطع بها السفر، والأصل بقاء السفر وثبوت أحكامه حتى يقوم دليل على انقطاعه وانتفاء أحكامه.
ولا فرق في السفر الذي يترخص فيه بين السفر العارض كحج وعمرة وزيارة قريب وتجارة ونحوه، وبين السفر المستمر كسفر أصحاب سيارات الأجرة (التاكسي) أو غيرها من السيارات الكبيرة فإنهم متى خرجوا من بلدهم فهم مسافرون يجوز لهم ما يجوز للمسافرين الآخرين من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، والجمع عند الحاجة إليه بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، والفطر أفضل لهم من الصيام، إذا كان أسهل لهم ويقضونه في أيام الشتاء؛ لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها، فمتى كانوا في بلدهم فهم مقيمون، لهم ما للمقيمين وعليهم ما عليهم، ومتى سافروا فهم مسافرون، لهم ما للمسافرين وعليهم ما على المسافرين.
الفصل الرابع: مفسدات الصوم وهي المفطرات
مفسدات الصوم سبعة:
الأول: الجماع، وهو إيلاج الذكر في الفرج، فمتى جامع الصائم فسد صومه، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمته الكفارة المغلظة لفحش فعله، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن كان الصوم غير واجب
стр. 7758
عليه كالمسافر يجامع زوجته وهو صائم فعليه القضاء دون الكفارة.
الثاني: إنزال المني بمباشرة، أو تقبيل، أو ضم، أو نحوه، فإن قبل ولم ينزل فلا شيء عليه.
الثالث: الأكل والشرب وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف، سواء كان عن طريق الفم، أم عن طريق الأنف أيًّا كان نوع المطعوم أو المشروب، ولا يجوز للصائم أن يستنشق دخان البخور بحيث يصل إلى جوفه، لأن الدخان جرم، وأما شم الروائح الطيبة فلا بأس بها.
الرابع: ما كان بمعنى الأكل أو الشرب مثل الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب، فأما غير المغذية فلا تفطر؛ سواء كانت عن طريق العرق، أو العضل.
الخامس: إخراج الدم بالحجامة، وعلى قياسه إخراجه بالفصد ونحوه مما يؤثر على البدن كتأثير الحجامة، فأما إخراج الدم اليسير للفحص ونحوه فلا يفطر، لأنه لا يؤثر على البدن من الضعف تأثير الحجامة.
السادس: التقيؤ عمداً، وهو إخراج ما في المعدة من طعام، أو شراب.
السابع: خروج دم الحيض والنفاس.
وهذه المفسدات لا تفطر الصائم إلا بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون عالماً بالحكم، وعالماً بالوقت.
الثاني: أن يكون ذاكراً.
الثالث: أن يكون مختاراً، فلو احتجم يظن أن الحجامة لا تفطر فصومه صحيح، لأنه جاهل بالحكم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ، وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فقال الله: قد فعلت، وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم ﵁ أنه جعل عقالين أسود
стр. 7759
وأبيض تحت وسادته، فجعل يأكل وينظر إليهما، فلما تبين أحدهما من الآخر أمسك عن الأكل يظن أن ذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ثم أخبر النبي ﷺ فقال له ﷺ : «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» ولم يأمره بالإعادة، ولو أكل يظن أن الفجر لم يطلع أو أن الشمس قد غربت، ثم تبين خلاف ظنه فصومه صحيح، لأنه جاهل بالوقت. وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂
قالت: أفطرنا في عهد النبي ﷺ ، في يوم غيم ثم طلعت الشمس. ولو كان القضاء واجباً لبينه ﷺ ، لأن الله أكمل به الدين، ولو بينه ﷺ لنقله الصحابة، لأن الله تكفل بحفظ الدين، فلما لم ينقله الصحابة علمنا أنه ليس بواجب، ولأنه مما توفر الدواعي على نقله لأهميته، فلا يمكن إغفاله، ولو أكل ناسياً أنه صائم لم يفطر، لقول النبي ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» ، متفق عليه. ولو أكره على الأكل، أو تمضمض فتهرب الماء إلى بطنه أو قطر في عينه، فتهرب القطور إلى جوفه، أو احتلم فأنزل منياً فصومه صحيح في ذلك كله لأنه بغير اختياره.
ولا يفطر الصائم بالسواك بل هو سنة له ولغيره في كل وقت في أول النهار وآخره، ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه شدة الحر والعطش كالتبرد بالماء ونحوه، فإن النبي ﷺ «كان يصب الماء على رأسه وهو
стр. 7760
صائم من العطش» . وبلّ ابن عمر ﵄ ثوباً فألقاه على نفسه وهو صائم (١) ، وهذا من اليسر الذي كان الله يريده بنا ولله الحمد والمنة على نعمته وتيسيره.
الفصل الخامس: في التراويح
التراويح: قيام الليل جماعة في رمضان، ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقد رغب النبي ﷺ في قيام رمضان، حيث قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قام ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان» .
والسنة أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، لأن عائشة ﵂ سئلت: كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان؟ فقالت: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» . متفق عليه. وفي الموطأ عن محمد بن يوسف (وهو ثقة ثبت) عن السائب بن يزيد (وهو صحابي) أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر
стр. 7761
أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشر ركعة.
وإن زاد على إحدى عشرة ركعة فلا حرج، لأن النبي ﷺ سئل عن قيام الليل فقال: «مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى» أخرجاه في الصحيحين.
لكن المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل.
وأما ما يفعله بعض الناس من الإسراع المفرط فإنه خلاف المشروع، فإن أدى إلى الإخلال بواجب أو ركن كان مبطلاً للصلاة.
وكثير من الأئمة لا يتأنى في صلاة التراويح وهذا خطأ منهم، فإن الإمام لا يصلي لنفسه فقط، وإنما يصلي لنفسه ولغيره، فهو كالولي يجب عليه فعل الأصلح. وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، فكيف بمن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يجب.
وينبغي للناس أن يحرصوا على إقامة هذه التراويح، وأن لا يضيعوها بالذهاب من مسجد إلى مسجد، فإن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة وإن نام بعد على فراشه.
ولا بأس بحضور النساء صلاة التراويح إذا أمنت الفتنة بشرط أن يخرجن محتشمات غير متبرجات بزينة ولا متطيبات.
الفصل الثامن: زكاة الفطر
زكاة الفطر فريضة فرضها رسول الله ﷺ عند الفطر من رمضان. قال عبد الله بن عمر ﵄: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من
стр. 7762
رمضان على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين» . متفق عليه. وهي صاع من طعام مما يقتاته الا"دميون. قال أبو سعيد الخدري ﵁: «كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي ﷺ صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» ، رواه البخاري، فلا تجزىء من الدراهم والفرش واللباس، وأقوات البهائم والأمتعة وغيرها، لأن ذلك خلاف ما أمر به النبي ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود عليه.
ومقدار الصاع كيلوان وأربعون غراماً من البر الجيد، هذا هو مقدار الصاع النبوي الذي قدر به النبي ﷺ الفطرة.
ويجب إخراج الفطرة قبل صلاة العيد، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، وتجزىء قبله بيوم أو يومين فقط، ولا تجزىء بعد صلاة العيد لحديث ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» ، رواه أبو داود وابن ماجه، لكن لو لم يعلم بالعيد إلا بعد الصلاة، أو كان وقت إخراجها في بر، أو بلد ليس فيه مستحق أجزأ إخراجها بعد الصلاة عند تمكنه من إخراجها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 7763
فوائد تتعلق بالصيام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعريف الصيام:
هو التعبد لله بالإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن أشياء مخصوصة وهي المفطرات.
فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام النبي ﷺ تسع رمضانات بالإجماع، وكان أول ما فرض الصيام أن الإنسان مخير: إن شاء صام، وإن شاء افتدى، لقوله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
والشاهد على التخيير في بداية الأمر قوله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
والحكمة في ذلك التخيير: أنه لما كان الصيام قد يشق على النفس، لكونه يتضمن ترك المحبوبات، صار الناس فيه أول الأمر مخيرين بين الصيام والإطعام، وهذا من حكمة الله .
ثم وجب الصيام فيما بعد هذا التخيير في الآية التي تلت آية التخيير، وهي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
стр. 7764
شروط وجوب الصيام:
لا يجب أداء إلا على من جمع أوصافاً ستة هي:
١ الإسلام:
وضده الكفر، فلا يجب الصيام على الكافر، ولو صام فإنه لا يصح منه، ومعنى القول بعدم وجوب الصيام على الكافر هو أننا لا نلزمه بالصوم حال كفره، ولا نلزمه بقضائه بعد إسلامه، أما في الآخرة فيعذب على تركه الصيام وعلى جميع العبادات، حتى الأكل والشرب واللباس.
٢ البلوغ:
فالصغير لا يجب عليه الصوم، ولكن إن كان يطيقه فقد قال أهل العلم: إن وليه يأمره ليعتاد.
ويحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة وهي:
أتمام خمس عشرة سنة. ب إنزال المني. ج إنبات العانة.
وهذه الثلاثة تكون في الذكر والأنثى، وتزيد الأنثى بأمر رابع وهو الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت، ولو لم يكن لها إلا عشر سنوات.
٣ العقل:
ففاقد العقل لا صوم عليه، وليس عليه إطعام.
٤ القدرة:
وضد القدرة العجز، وقد ذكر العلماء أن العجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين:
١ عجز مستمر لا يرجى زواله، فهذا عليه الإطعام عن كل يوم مسكين، مثل الكبير الذي لا يستطيع الصوم.
стр. 7765
٢ عجز عارض يرجى زواله، فهذا لا يلزمه الصوم أداء، ولكن يلزمه الصوم قضاء، كالمريض مرضاً طارئاً لقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
٥ أن يكون مقيماً:
وضد المقيم المسافر، فالمسافر لا يلزمه أن يصوم، للدليل السابق.
٦ الخلو من الموانع:
وهذا الشرط يختص بالإناث، والذي يمنع الصوم هو الحيض والنفاس، فالحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم ولا يصح منهما، وهناك أسباب أخرى مبيحة للفطر غير هذه: كفطر المرأة الحامل خوفاً على حملها، والمرضع خوفاً على رضيعها، ومن أفطر لإنقاذ معصوم من الهلكة حتى ينقذه وما أشبه ذلك.
مفطرات الصوم: (مفسدات الصوم)
١ الأكل. ٢ الشرب. ٣ الجماع.
ودليلها قوله تعالى: ﴿فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
٤ التقيؤ عمداً: أي أن يقذف ما في بطنه عمداً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً
стр. 7766
فليقض» .
٥ الحجامة: إذا ظهر الدم، لقول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» .
٦ ما كان بمعنى الأكل والشرب: مثل الحقن التي يحقن بها المريض ويستغنى بها عن الأكل والشرب.
٧ إنزال المني بشهوة إلا أن يكون بغير فعل منه.
أما المذي فلا يفطر، لأن المذي دون المني، ولهذا لا يوجب الغسل، ولا يحرم به ما يحرم على الجنب.
٨ خروج دم الحيض والنفاس: وهذا خاص بالمرأة، فمتى خرج من المرأة حيض أو نفاس في أثناء الصوم فسد صومها، ولكن لابد من الخروج، أما إذا أحست به ولم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها صحيح. والدليل على أن الحيض والنفاس مفطر قول النبي ﷺ : «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» .
والمفطرات التي تكون باختيار المرء وهي السبعة الأولى لا يفطر بها الإنسان إلا بشروط ثلاثة هي:
الشرط الأول: أن يكون عالماً، وضد العالم الجاهل.
فإذا أكل الإنسان وهو جاهل فإنه لا قضاء عليه، والجهل نوعان:
١ جهل بالحكم: مثل أن يتقيأ الإنسان متعمداً لكن لا
стр. 7767
يدري أن القيء مفسد للصوم، فهذا لا قضاء عليه لأنه جاهل، والدليل على أن الجاهل بالحكم لا يفطر ما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ﵁ أنه جعل تحت وسادته عقالين أحدهما أسود، والثاني أبيض، والعقالان هما الحبلان اللذان تعقل بهما الإبل، فجعل ينظر إليهما، فلما تبين له الأبيض من الأسود، أمسك عن الأكل والشرب، فلما غدا إلى النبي ﷺ أخبره بذلك فقال له النبي ﷺ : «إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» . ولم يأمره النبي ﷺ بالقضاء، لأنه كان جاهلاً بمعنى الآية الكريمة.
ب جهل بالوقت: مثل أن يأكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، فيتبين أنه قد طلع، فهذا لا قضاء عليه، ومثل أن يفطر في آخر النهار يظن أن الشمس قد غربت ثم يتبين أنها لم تغرب، وهذا أيضاً لا قضاء عليه، والدليل ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: «أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس» (١) .
ووجه الدلالة من هذا لو كان الصوم فاسداً لكان القضاء واجباً، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم بذلك النبي ﷺ ، ولو أمرهم بذلك لنقل إلينا، لأن ذلك من حفظ الشريعة، فلما لم ينقل علم أن الرسول ﵊ لم يأمرهم به، ولما لم يأمرهم به علم أن الصوم غير فاسد، فلا قضاء في هذه الحال، ولكن يجب على الإنسان متى علم أن يمسك عن الأكل والشرب، حتى لو كانت اللقمة في فمه وجب عليه لفظها.
стр. 7768
الشرط الثاني:
أن يكون ذاكراً، فإن كان ناسياً فلا قضاء عليه وصومه صحيح، لقول النبي ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» .
ولكن متى ذكر وجب عليه الكف، ومن رأى الصائم يأكل أو يشرب فليذكره، لأنه من التعاون على البر والتقوى ولقول النبي ﷺ : «فإذا نسيت فذكروني» حين نسي في صلاته.
الشرط الثالث:
أن يكون مختاراً، فإن كان غير مختار لذلك، مثل أن يكره على الأكل والشرب، أو أن يتمضمض فينزل شيء من الماء إلى جوفه، فإنه لا قضاء عليه، ومثل ذلك لو أن الرجل أكره امرأته وهي صائمة على الجماع فجامعها، وهي لا تستطيع مدافعته فإنه لا قضاء عليها، لأنها مكرهة بغير اختيارها.
قاعدة هامة:
كل من أفطر لعذر يبيح الفطر فله أن يستمر على فطره إلى الليل ولا حرج عليه، ولو كان ذلك في نهار رمضان.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 7769
مسائل من كتاب الفروع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وبعد، فهذه مسائل اخترناها من الفروع، وزدنا عليها ما شاء الله، وذلك أثناء قراءتنا كتاب الصيام في شعبان سنة ١٩٣١هـ نسأل الله التوفيق في الدنيا والآخرة.
المسألة الأولى:
إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ففي صيام يوم الإغماء أقوال:
القول الأول: وجوب صومه، اختاره الأصحاب وجعلوه المذهب عندهم، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، قال المؤلف: كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب، ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ثم رد جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب.
القول الثاني: أن صومه مباح، وأنه لا يجب صيام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه.
القول الثالث: يستحب صومه.
القول الرابع: يكره صومه، ذكره ابن عقيل رواية.
القول الخامس: يحرم صومه، ونقله حنبل عن أحمد، وهو مذهب مالك والشافعي.
стр. 7770
القول السادس: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإلا فلا، وهو رواية عن الإمام أحمد.
القول السابع: العمل بالعادة الغالبة: كمضي شهرين كاملين فيكون الثالث ناقصاً، عمل بذلك ابن عقيل في موضع من الفنون، وجعله معنى التقدير في قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له» .
وأصح الأقوال أن صومه محرم، لقول عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » . ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وهذا اختيار صاحب تصحيح الفروع، حيث قال: ظاهرالنهي التحريم، إلا أن يصرفه عن ذلك دليل اه.
المسألة الثانية:
إذا ثبت الهلال ببلد فهل يشمل الحكم جميع الناس في ذلك أقوال:
القول الأول: يشمل الحكم جميع الناس، فيلزمهم الصيام في هلال رمضان، والفطر في هلال شوال، وهو المشهور من المذهب، وكأن صاحب الفروع يميل إلى تضعيفه، حيث تعقب في معرض سياق أدلته جميع ما احتجوا به، وقال: دليل المسألة من العموم يقتضي التسوية. يعني بين اختلاف الأحكام بالغروب والطلوع والزوال، حيث كان لكل بلد حكمه وبين اختلافها في مطالع القمر.
القول الثاني: يشمل الحكم ما اتفقت مطالعه من البلاد دون
стр. 7771
ما اختلفت، وهو الأصح للشافعية، وذكره صاحب الفروع والاختيارات اختيار الشيخ تقي الدين، لكن نقل ابن القاسم في مجموع الفتاوى عن الشيخ (ص ٥٠١ ج ٥٢) : أنه متى شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد لزم الصوم. وفي (ص ٧٠١ من المجلد المذكور) : والضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله: «صوموا لرؤيته» ، فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وفي (ص ٩٠١ منه) : ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه. وفي (ص ١١١ منه) : فتلخص أن من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر، أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك. والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك، فهذا لا تأثير له، وأما إذا بلغه في أثناء المدة فهل يؤثر في وجوب القضاء، وفي بناء الفطر عليه، وبقية الأحكام والقضاء؟ يظهر لي أنه لا يجب، وفي بناء الفطر عليه نظر. اه كلام الشيخ ﵀.
وهذا القول أعني القول بأن الحكم يختلف باختلاف المطالع هو الراجح أثراً ونظراً.
القول الثالث: يشمل الحكم من دون المسافة، فإن كان بين البلدين مسافة قصر لم يثبت لأحدهما حكم الآخر. اختاره في
стр. 7772
الرعاية، وذكره في شرح مسلم أنه الأصح للشافعية.
القول الرابع: إن كان الإقليم واحداً شمل الحكم الجميع وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية.
القول الخامس: يشمل الحكم بلد الرؤية وما كان تابعاً له في العمل دون غيره، إلا أن يحمل الإمام الناس على ذلك.
القول السادس: يختص الحكم ببلد الرؤية فقط، حكاه النووي في المجموع نقلاً عن ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق بن راهويه.
القول السابع: إنه إذا كان البلدان يشتركان في جزء من الليل اشتركا في حكم الهلال وإلا فلا. قاله محمد إسماعيل إبراهيم، ويتفرع على ذلك: ما لو سافر من بلد إلى بلد خالفه في ثبوت الشهر، فالمشهور من مذهب أحمد أنه يبنى على أسبق البلدين، لأنه متى ثبت بمكان شمل الحكم جميع الناس، فإذا سافر من بلد ثبت فيه الشهر ليلة الجمعة إلى بلد ثبت فيه ليلة السبت وتم شهر ولم ير الهلال لزمه الفطر. وإن سافر من بلد ثبت فيه ليلة السبت إلى بلد ثبت فيه ليلة الجمعة فأفطروا أفطر معهم وقضى يوماً.
وأما الشافعية فعندهم في ذلك وجهان:
أحدهما: اعتبار البلد المنتقل إليه فيفطر معهم وإن لم يكمل، ويقضي يوماً، وكذلك إن أكمل الثلاثين ولم يفطروا فيصوم معهم.
والثاني: اعتبار البلد المنتقل منه، فيلزمه الصوم في المسألة الأولى وإن كانوا مفطرين، والفطر في الثانية وإن كانوا صائمين.
стр. 7773
المسألة الثالثة:
إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار فماذا يلزم؟ في هذا خلاف على أقوال:
القول الأول: يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
القول الثاني: يلزمه القضاء دون الإمساك، قاله عطاء، وحكاه أبو الخطاب رواية.
القول الثالث: يلزمه الإمساك دون القضاء، قاله الشيخ تقي الدين.
وهذا القول أرجح الأقوال، لأنه لا تكليف إلا بعد العلم، وقد أفطر الناس في عهد النبي ﷺ ظانين غروب الشمس، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء فإذا لم يؤمروا بالقضاء في هذه الحال التي الأصل فيها بقاء اليوم وعدم الغروب، فكذلك إذا أكلوا في يوم الأصل فيه بقاء شعبان بل هذا أولى.
المسألة الرابعة:
إذا طرأ شرط التكليف والصوم في أثناء اليوم كإسلام كافر وبلوغ صبي، وإفاقة مجنون، ففي حكم ذلك اليوم أقوال:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء وهو المشهور من مذهب أحمد.
القول الثاني: وجوب الإمساك دون القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة. قال الزركشي: وحكاه أبو العباس رواية فيما أظن،
стр. 7774
واختارها اه وهذا هو القول الوسط وأقرب إلى الصحة.
القول الثالث: لا يجب الإمساك ولا القضاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، ورواية عن أحمد.
المسألة الخامسة:
إذا زال مانع الوجوب في أثناء اليوم وهو مفطر: كقدوم المسافر وطهارة الحائض وبرء المريض، ففي حكم ذلك قولان:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء، وهو المشهور من المذهب ومذهب أبي حنيفة.
القول الثاني: وجوب القضاء دون الإمساك، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي، وهذا القول أصح، لأن الإمساك لا يستفيدون به شيئاً. ووقت الوجوب كانوا فيه غير أهل له، وعلى هذا فلو قدم المسافر مفطراً ووجد امرأته طاهراً من الحيض يوم قدومه فله وطؤها.
أما إذا زال مانع الوجوب وهو صائم كقدوم المسافر صائماً، وبرء المريض فيلزمهم الإتمام قولاً واحداً.
المسألة السادسة:
إذا طرأ مانع الوجوب أو الصحة في أثناء اليوم، وفي ذلك عدة مسائل:
١ إذا ارتد في أثناء اليوم بطل صومه ولزمه القضاء، وقال أبو حنيفة: لا يقضي، وقال صاحب المحرر: ينبني على الروايتين فيما إذا وجد الموجب في بعض اليوم، فإن قلنا: يجب وجب هنا، وإلا فلا اه. والأصح وجوب القضاء عليه، لأنه من أهل
стр. 7775
الوجوب حين تعين الإمساك.
٢ إذا حاضت المرأة في أثناء اليوم فقال الإمام أحمد: تمسك، قال في الفروع: وظاهر كلامهم لا إمساك مع المانع، وهو أظهر. قلت: وهذا هو المذهب وهو المقطوع به، ويلزمها القضاء.
٣ إذا جنّ في أثناء النهار فهل يلزمه القضاء؟ ينبني على الروايتين في إفاقته في أثناء النهار بجامع أنه أدرك جزءاً من الوقت، وسبق في المسألة الرابعة، والذي يظهر هنا أنه يقضي، لأنه كان حين تعين الإمساك من أهل الوجوب. هذا إذا قلنا بأن الجنون مبطل للصوم قليله وكثيره، كما هو اختيار المجد وابن البناء، ولكن قال في الفروع: الجنون كالإغماء، فعلى هذا القول لا يبطل الصوم بالجنون، وهو المذهب.
٤ إذا سافر في أثناء النهار جاز له الفطر، والأفضل عدمه، وهذا هو المذهب، لكن لا يفطر قبل خروجه من البلد، خلافاً للحسن وإسحاق وعطاء، وعن أحمد رواية ثانية: لا يجوز له الفطر إذا سافر في أثناء النهار، فالأقوال ثلاثة.
٥ إذا مرض في أثناء النهار، أو خاف المرض بعطش ونحوه فله الفطر بالإجماع، قاله في الفروع ص ١٢ ج ٢.
المسألة السابعة في النية:
النية إما أن تكون في صوم واجب، أو في صوم تطوع.
فإن كانت في صوم واجب، ففيها أقوال:
الأول: أنها تجب من الليل، وفاقاً لمالك والشافعي.
следующие страницы →