من الضروريات أحياناً، ثم إن تيسر لك أن تحج عن أمك بعد ذلك فحج.
س ٣١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي توفي من مدة طويلة، وأعلم أنه كان لا يصلي، وقد حضرت إلى السعودية وقمت بأداء فريضة الحج ثلاث مرات، وقد نويت في المرة
الأخيرة أن تكون لوالدي المتوفى ولكنني سمعت منكم عن حكم من لم يصل أنه في حكم الشرع كافر، وقد حزنت كثيراً عندما فكرت في موقف والدي، وسؤالي: هل تجوز له هذه الحجة؟
وهل تكفر عنه هذا التقصير في الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن هذه السائلة ذكرت في سؤالها أنها قد أدت فريضة الحج ثلاث مرات، والصحيح أن فريضة الحج مرة واحدة في العمر، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (١) وكونها عبرت بهذا التعبير (ثلاث مرات) فهذا خطأ.
وأما كونك قد حججت لوالدك وهو لا يصلي، فالكفار لا ينتفعون بالأعمال الصالحة، ولا يجوز الاستغفار لهم، لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) (٢) ولكن نظراً لأن والدك قد يصلي في بعض الأحيان، أو يُشك في
стр. 8297
كفره، فإنه لا حرج أن تفعلي شيئاً وتقولي: اللهم اجعل أجر ذلك لوالدي إن كان مؤمناً، وتعلقي ذلك بكون أبيك مؤمنا، فمثل ذلك لا حرج فيه، فإن تعليق الأمر جائز في العبادات وفي الدعاء.
أما في العبادات فلقول النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير- ﵄، وقد أرادت أن تحج وهي مريضة قال لها ﷺ : "حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت " (١) ، وأما في الدعاء فلقوله تعالى في آية اللعان: (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)) (٢) وتقول المرأة: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)) (٣) والله الموفق.
س ٣١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ماتت أمه وأراد أن يحج عنها فتوفر ذلك فما الشروط التي لا بد أن تكون في الرجل الذي سوف يحج عنها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشروط أنه لابد أن يكون قد حج عن نفسه، الثاني أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع في أداء النسك على الوجه المطلوب.
س ٣٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مات في حريق منى هذه السنة وهذه حجة الإسلام فهل يحج عنه ؟
стр. 8298
فأجاب فضيلته بقوله: نعم من مات في الحريق بعد إحرامه فإنه لا يحج عنه، لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي مات يوم عرفة: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (١) وقال الله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (٢) وعلى هذا إذا كان قد أحرم فلا يحج عنه، وتكون ذمته قد
برئت ولا ينبغي أن يكمل عنه النسك، لأن النبي ﷺ لم يأمر أن يكمل عن الرجل الذي مات في عرفة نسكه، ولأنه إذا أتمه فمقتضى إتمام النسك عن الميت لو قيل بذلك لكان ذلك جناية على الميت في الواقع.
أما إذا كان احترق قبل أن يحرم فينظر إذا كان فيما مضى من السنوات قادرًا على الحج، ولكنه أخره لهذا العام فإنه يقضي عنه من تركته، وأما إذا كان لم يقدر على الحج إلا سنته هذه، فإنه لا
يقضي عنه لأنه لم يتمكن منه.
س ٣٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أكثر المسائل التي يسأل عنها مسألة الحج عن الميت، هل هناك فرق بين من أوصى أن يحج عنه، أو لم يوص، أرجو الجواب بالتفصيل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أوصى أن يحج عنه وكان المال
стр. 8299
وصية فإنه يحج عنه، لأن الحج بر، وقد قال الله ﵎: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)) (١) بعد قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)) (٢) فيجب أن تنفذ وصيته لأنه أوصى
بها، أما إذا لم يوص بها فلا بأس أن يحج عنه بعد موته، ولكن الدعاء له أفضل من الحج عنه، ولهذا نقول لمن أراد أن يحج عن أبيه نافلة، اجعلها عن نفسك، وادع لأبيك في الطواف والسعي وفي الوقوف بعرفة والوقوف في مزدلفة، فذلك خير لك، لأن نبيك محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له " (٣) ، لم يقل (يعمل له) ومعلوم أن سياق الحديث في العمل، فلما عدل ﷺ عن العمل إلى الدعاء علمنا أن الدعاء له أفضل.
س ٣٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفيت زوجته ولم تحج وزوجها الآن قادر على الحج ويريد دفع قيمة الحج، لمن يقوم بأداء الحج عنها، فهل يؤجر على ذلك، وهل الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها أم يوكل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها من
стр. 8300
أجل أن يأتي بالنسك على الوجه الأكمل الذي يحبه، ولكن إذا كان لا يرغب في ذلك، ووكل من يحج عنها فهو على خير، فقد أحسن إليها، وليس بغريب أن يحسن الإنسان إلى زوجته التي كانت قرينته في الحياة، وشريكته في الأولاد، أما الوجوب فلا يجب عليه.
س ٣٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا ولي على أيتامٍ قصر ولهم مال عندي، فهل يحق لي أن أحج لأبيهم من ماله، علماً أنهم يرغبون في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل أن يحج من مال الأيتام لأبيهم تطوعًا لأنه لا يجوز أن يبذل مال الأيتام إلا في شيء واحد وهو الأضحية إذا كان ترك الأضحية يكسر قلوبهم، فهذا لا بأس أن يشتري لهم أضحية ويضحي لهم.
أما إذا كان لم يحج الفرض فليس لهم ولا لغيرهم من الميراث شيء حتى تؤدى عنه الفريضة، لأن الفريضة دين، والدين مقدم على الميراث.
س ٣٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مات شخص تارك الصلاة ورأى ابنه في المنام أنه يحج عنه فهل يحج عنه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحج عنه، ولا يحل أن يحج عنه، ولا أن يقول: اللهم اغفر لأبي وارحمه، لأن من مات وهو لا يصلي مات كافرًا والعياذ بالله، ويحشر يوم القيامة مع فرعون،
стр. 8301
وهامان، وقارون، وأبي بن خلف، وإذا مات على الكفر فقد قال الله : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) (١) إذا لا يحج عنه، ولا يتصدق عنه، ولا يعتمر عنه، ولا يدعو له بالمغفرة، ولا بالرحمة، لأنه مات كافراً والعياذ بالله..
س ٣٢٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما الأفضل الحج للميت، أو صدقة بتكاليف الحج على المحتاجين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الميت لم يؤد الفريضة فلا شك أنه إذا وكل من يحج عنه أفضل، لأنه يؤدي فريضة، أما إذا كانت نافلة فهنا ينظر للمصالح، إذا كان الناس في حاجة شديدة ومسغبة فالصدقة أفضل، وإلا فالحج عنه أفضل.
س ٣٢٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل وصل الميقات يريد الحج فسأل المشايخ في الميقات وقال: إن أمي تستطيع الحج ولكن أريد أن أقضي عنها فرضها فقالوا له: لا يصح الحج عنها ما دامت قادرة، فنوى الحج عن أبيه المتوفى نافلة حيث أدى الحج فهل هذا جائز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما قيل لك: من أن المرأة المستطيعة لا يصح الحج عنها فصواب: وحجك نافلة عن أبيك جائز، ولكن
стр. 8302
لو جعلت الحج لك ودعوت لأبيك وأمك ولمن شئت لكان الدعاء أفضل، لأن النبي ﷺ أرشد إليه، فقال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) فقال: (أو ولد صالح يدعو له) ولم يقل: أو ولد صالح يعمل له. مع أن السياق في سياق العمل، فعدل النبي ﷺ إلى الدعاء.
س ٣٢٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج عن آخر بمبلغ وقدره خمسة آلاف ريال وهو ما حج إلا من أجل هذا المال، فهل هذا المال حلال له؟ وهل الحج يصل للمحجوج عنه
وهو ميت إذا كانت هذه نية الحاج، نأمل الإجابة على هذا السؤال بالتفصيل، وذلك لشدة الحاجة إلى هذه الإجابة، لأن أحد الخطباء في إحدى المدن خطب حول هذا الموضوع وعارضه بعض العوام
بعد الصلاة، فكتبت هذا السؤال لفضيلتكم لتجيبوا عنه بالتفصيل لأرسله إليه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يذكر السائل ماذا قال هذا الخطيب، وعلى كل حال لنفرض أن الخطيب قال: لا يجوز، وأن الذي عارضه قال: هذا يجوز: لنفرض هذا، ونحن لا ندري ماذا قال كل واحد، يقول العلماء ﵏: من حج ليأخذ المال فليس له نصيب في الآخرة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ فمن حج ليأخذ المال فليس له نصيب في الآخرة لقول الله
стр. 8303
تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)) (١) .
وأما من أخذ ليحج ويقضي حاجة أخيه، وينتفع هو بالدراهم، أو بما زاد منها فلا بأس بذلك، فالإنسان ونيته، فأنت إذا أخذت دراهم لتحج بها عن غيرك فاجعل نيتك إنك تريد قضاء حاجة أخيك، وتريد أيضاً أن تنتفع أنت بالأعمال الصالحة في المشاعر وتستغل الوقت بالدعاء، ولكن إذا دعوت فاجعل لمن وكلك نصيباً من الدعاء.
س ٣٢٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل طاعة الوالدين مطلقة إذا أمراني بترك النافلة كصيام تطوع أو صلاة النافلة فهل طاعتهم واجبة؟ فقد عزمت على أن أحج عن جدتي لأمي
فرفض والدي وقال: أولادها أحق بها فهل تلزمني طاعته في هذا الأمر ؟
فأجاب فضيلته بقوله: طاعة الوالدين تجب في كل ما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليك فيه، فأما إذا أمراك بترك النوافل نظرنا إذا كانا يحتاجان إلى عمل لا تقوم به إذا كنت مشتغلاً بهذه النافلة فأطعهما
مثل أن يقول لك أبوك: يا فلان انتظر الضيوف ولا تصل النافلة، فهنا يجب عليك أن تطيعه لأن هذا لغرض له، وأما إذا قال: لا تصل الضحى. لأنه يكره مثل هذه الأمور، يكره النوافل رجل ما
стр. 8304
عنده إيمان قوي فلا تطعه، ولكن داره ما استطعت، بمعنى أن تخفي عنه ما تفعله من الخير.
فنقول للسائل: حج عنها. وإذا قال: لا تحج، فقل: لا بأس. وحج، وليس في هذا كذب إذا كنت تستطيع التأويل، والتأويل معناه: أن تقول له: لا أحج، يعني العام القادم، لأن هذا الأب يأمر بقطيعة الرحم، أو هو جاهل: فأقول: قل: نعم لا أحج عنها إرضاء لك، وتنوي لا أحج عنها في العام القادم. لأنك سوف تحج هذا العام، ومثل ذلك بعض الأمهات إذا رأت العلاقة بين ابنها وزوجته طيبة، قالت: يا ولدي إما أنا وإلا هي، ليطلقها، كذلك الأب ربما يكون معه سوء تفاهم من الزوجة يقول طلقها.
فلا يطلقها. وسأل رجل الإمام أحمد بن حنبل- ﵀ فقال: إن أبي أمرني أن أطلق امرأتي وأنا أحبها. قال: لا تطلقها. فقال السائل: إن ابن عمر لما أمره أبوه عمر- ﵁ أن يطلق
زوجته وسأل النبي ﷺ قال: طلق زوجتك، فأمر عبد الله بن عمر أن يطيع والده في تطليق زوجته، فقال له الإمام أحمد قولاً سديدًا، (وهل أبوك عمر؟) وهذه الكلمة لها معنى، لأن عمر ﵁ لم يأمر ابنه أن يطلق زوجته إلا أنه رأى سببًا شرعياً يقتضي ذلك، لكن أباك لعله لحاجة شخصية بينه وبين المرأة.
س ٣٢٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل مصاب بالسرطان وتوفي وعمره تسع عشرة سنة ولم يؤد فريضة الحج ،
стр. 8305
علما أنه أصيب بهذا المرض منذ خمس سنوات فهل يحج عنه وهل هناك كفارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن نسأل هل هذا الشاب عنده مال يستطيع أن يحج به إن كان الأمر كذلك فلابد أن يحج عنه، وإذا لم يكن عنده مال فالحج ليس بواجب عليه وقد مات بريئاً من
الفريضة، لكن إن أرادوا أن يطوعوا ويِحجوا فلا حرج.
س ٣٣٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة كبيرة في السن وفقيرة مات والدها ولم يحج وتريد أن توكل شخصاً ليحج عنه من المال الذي تتحصل عليه من الصدقات والزكاة من أهل
الخير فهل يجوز لها ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تجمع الصدقات من شخص، أو من الناس عمومًا من أجل أن تحج بها عن شخص آخر؛ لأن الحج ليس من الأمور الضرورية التي يسأل الإنسان الناس فيها إلحافاً، وإذا كان كذلك فإن الواجب على هذه المرأة أن تكف عن أخذ الصدقة، أما بالنسبة لوالدها فإنها تدعو له، والدعاء يغني عن ذلك.
س ٣٣١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأفضل لمن أراد أن يبر بوالديه بعد موتهما أن يحج عنهما بنفسه وماله أو أحد أبنائه أو يضحي عنهما، وكلل ذلك تطوعًا وليس بوصية، أو يصرف ذلك في بناء المساجد والجهاد في سبيل الله ؟
стр. 8306
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن ما يبر به الوالدان ما أرشد إليه النبي ﷺ ، وهو الدعاء لهما، والاستغفار لهما وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك فيها إلا بهما. هذه هي التي نص عليها الرسول ﷺ حين سأله السائل: فقال يا رسول الله: هل عليَّ من بر أبوي شيء بعد موتهما؟ فأجابه بذلك، وأما الحج عنهما والأضحية عنهما والصدقة عنهما فهي جائزة لاشك، ولا نقول: إنها حرام، لكنها مفضولة، إذ إن الدعاء لهما أفضل من هذا،
واجعل هذه الأعمال التي تريد أن تجعلها لوالديك اجعلها لنفسك، حج أنت بنفسك، تصدق لنفسك، ضحِّ لنفسك وأهلك، ابذل في المساجد والجهاد في سبيل الله لنفسك، لأنك سوف تكون محتاجاً إلى العمل الصالح كما احتاج إليه الوالدان، والوالدان قد أرشدك النبي ﷺ إلى ما هو أنفع وأفضل. هل تظنون أن الرسول ﵊ غاب عنه أن الأفضل أن تحج وتتصدق؟
أبدًا لا نعتقد أن الرسول غاب عنه ذلك، فلنعلم أن الرسول اختار هذه الأشياء الأربعة: الدعاء، والاستغفار، وإكرام الصديق، وصلة الرحم، لأنها هي البر حقيقة، ولهذا صح عنه أنه قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) لم يقل: أو ولد صالح يتصدق عنه، أو يضحي عنه، أو يحج عنه، أو يصوم عنه، مع أن الحديث عن الأعمال، فعدل النبي عليه الصلاة
стр. 8307
والسلام عن جعل الأعمال للميت إلى الدعاء، ونحن نشهد الله ونعلم علم اليقين أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لن يعدل إلى شيء مفضول ويدع الشيء الفاضل أبدًا، لأنه صلوات
الله وسلامه عليه أعلم الخلق وأنصح الخلق، فلو كانت الصدقة أو الأضحية، أو الصلاة، أو الحج، لو كانت مشروعة لأرشد إليها رسول الله ﷺ ، وأنا أقول: إنه ينبغي لطلبة العلم في مثل هذه الأمور التي يكون فيها العامة سائرين على الطريق المفضول ينبغي لطالب العلم أن يبين وأن يوضح، وأن يقول هذه الأصول ايتوني بنص واحد يأمر النبي ﷺ أن يتطوع الإنسان لوالديه بصوم أو صدقة، أبدًا لا يوجد، لكن قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (١) فأمر النبي ﵊ بأن نصوم الفرض عن الميت، ولكن التطوع أبدًا، قلّب في السنة كلها من أولها إلى آخرها هل تجد أن الرسول ﵊ أمر أن يتصدق الإنسان عن والديه، أو يصوم تطوعاً عن والديه، أو يحج تطوعاً عن والديه، أو يبذل دراهم في المصالح العامة لوالديه؟ أبدًا، لا يوجد، غاية ما هنالك أن الرسول ﷺ أقرّ هذا الشيء، وإقرار الشيء لا يعني أنه مشروع، فقد أقرّ سعد بن عبادة حين استأذن منه أن يجعل مخرافه يعنى بستانه الذي هو مخرافه صدقة لأمه، قال: (نعم) ، وكذلك أقرّ ﵊ الرجل الذي قال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم " (٢) ،
стр. 8308
لكن هل أمر أمته أن يتطوعوا لله ويجعلوها للأموات؟ هذا لا يوجد، ومن عثر على شيء من ذلك فليتحفنا به، إلا بالشيء الواجب، فالواجب لابد منه.
стр. 8309
س ٣٣٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما هي مواقيت الحج المكانية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المواقيت المكانية خمسة وهي: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق، أما ذو الحليفة فهي المكان المسمى الآن بأبيار علي، وهي قريبة من المدينة، وتبعد عن مكة بنحو عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت عن مكة، هي لأهل المدينة ولمن مر به من غير أهل المدينة، وأما الجحفة فهي قرية قديمة في طريق أهل الشام إلى مكة وبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، وقد خربت القرية وصار الناس يحرمون بدلا منها من رابغ، وأما يلملم فهو جبل أو مكان في طريق أهل اليمن إلى مكة، ويسمى اليوم السعدية، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وأما قرن المنازل فهو جبل في طريق أهل نجد إلى مكة ويسمى الآن السيل الكبير، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وأما
ذات عرق فهي مكان في طريق أهل العراق إلى مكة وبينه وبين مكة نحو مرحلتين أيضاً.
أما الأربعة الأولى وهي ذو الحليفة والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، فقد وقتها النبي ﷺ ، وأما ذات عرق فقد وقتها النبي ﷺ كما رواه أهل السنن عن عائشة- ﵂ (١) وصح عن عمر- ﵁ أنه وقتها لأهل الكوفة والبصرة
стр. 8310
حين جاءوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ وقت لأهل نجد قرن وإنها جور عن طريقنا. فقال عمر- ﵁: انظروا إلى حذوها من طريقكم (١) . وعلى كل حال فإن ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ فالأمر ظاهر، وإن لم يثبت فإن ذلك ثبت بسنة عمر- ﵁ وهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا باتباعهم، والذي جرت موافقاته لحكم الله في عدة مواضع ومنها هذا إذا صح عن النبي ﵊ أنه وقتها، وهو أيضاً مقتضى القياس فإن من أراد الحج أو العمرة إذا مر بميقات لزمه الإحرام منه فإذا حاذاه صار كالمار به، وفي أثر عمر- ﵁ فائدة عظيمة في وقتنا هذا وأنه إن كان الإنسان قادمًا إلى مكة بالطائرة يريد الحج أو العمرة فإنه يلزمه إذا حاذى الميقات من فوقه أن يحرم منه عند محاذاته، ولا يحل له تأخير الإحرام إلى أن يصل إلى جدة كما يفعل كثير من الناس، فإن المحاذاة لا فرق بين أن تكون في البر، أو في الجو، أو في البحر، ولهذا يحرم أهل البواخر التي تمر من طريق البحر فتحاذي يلملم أو رابغ.
س ٣٣٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال الرسول ﷺ : "هن لهن ولمن مر عليهنّ من غير أهلهن " (٢) ما معنى الحديث ؟
стр. 8311
فأجاب فضيلته بقوله: معنى هذا أن النبي ﷺ وقت مواقيت الحج والعمرة المكانية، فوقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، وقال: "هنّ لهنّ " أي هذه المواقيت لأهل هذه البلاد، "ولمن مر عليهنّ من غير أهلهنَّ " فأهل المدينة يحرمون من ذي الحليفة إذا أرادوا الحج أو العمرة، وإذا مر أحد من أهل نجد عن طريق
المدينة أحرم من ذي الحليفة؛ لأنه مر بالميقات، وكذلك إذا مرَّ أحد من أهل الشام عن طريق المدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة لأنه مر بها، وكذلك لو أن أحداً من أهل المدينة جاء من قبل نجد ومر
بقرن المنازل فإنه يحرم منه، هذا معنى قوله: "ولمن مر عليهن من غير أهلهن " ومن تأمل هذه المواقيت تبين له فيها فائدتان: الفائدة الأولى: رحمة الله بعباده حيثما جعل لكل ناحية ميقات عن طريقهم حتى لا يصعب عليهم أن يجتمع الناس من كل ناحية في ميقات واحد.
والفائدة الثانية: أن تعيين هذه المواقيت من قبل أن تفتح هذه البلاد فيه آية للنبي ﷺ حيث إن ذلك يستلزم أن هذه البلاد ستفتح وأنها سيقدم منها قوم يأمون هذا البيت للحج والعمرة، ولهذا قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية المشهورة: وتوقيتها من معجزات نبينا بتعيينها من قبل فتح معدد فصلوات الله وسلامه عليه.
стр. 8312
س ٣٣٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان لا يمر بهذه المواقيت فمن أين يحرم؟ وإذا أحرم الحاج قبل الميقات فما حكم علمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان لا يمر بشيء من هذه المواقيت فإنه ينظر إلى حذو الميقات الأقرب إليه فإذا مر في طريق بين يلملم وقرن المنازل ينظر أيهما أقرب إليه فإذا حاذا أقربهما إليه أحرم من محاذاته، ويدل لذلك أن عمر بن الخطاب- ﵁ جاءه أهل العراق وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ وقت لأهل نجد قرنا، وإنها جور عن طريقنا- يعنى فيها ميول
وبعد عن طريقنا- فقال- ﵁: انظروا إلى حذوها من طريقكم فأمرهم أن ينظروا إلى محاذاة قرن المنازل ويحرمون، هكذا جاء في صحيح البخاري (١) ، وفي حكم عمر- رضي الله
عنه- هذا فائدة جليلة وهي أن الذين يأتون عن طريق الطائرات وقد نووا الحج أو العمرة ويمرون بهذه المواقيت إما فوقها أو عن يمينها أو يسارها يجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا هذه المواقيت،
ولا يحل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في جدة كما يفعله كثير من الناس، فإن هذا خلاف ما حدده النبي ﵊، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (٢) وقال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٣) فعلى الإنسان
стр. 8313
إذا جاء عن طريق الجو وهو يريد الحج أو العمرة أن يكون متهيئاً للإحرام في الطائرة، فإذا حاذا أول ميقات يمر به وجب عليه أن يحرم أي أن ينوي الدخول في النسك ولا يؤخر هذا حتى يدخل في
مطار جدة.
стр. 8314
رسالة
سماحة الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ورعاه السلام عليكم رحمة الله وبركاته، وبعد:
أعرض لسماحتكم موقع محافظة بدر بالمدينة النبوية، حيث اختلف الناس في تحديد ميقاتهم المكاني للإحرام، وقد ذكر بعضهم فتوى لسماحتكم تتضمن إحرامهم من منازلهم ببدر.
سماحة الشيخ:
إن محافظة بدر تقع في الجنوب الغربي من المدينة النبوية، وتبعد عن المدينة وعن ميقات أبيار على (١٥٠) كيلو متراً، وهذه المحافظة تقع على خط مكة المدينة القديم. وهذه المحافظة تبعد عن محافظة رابغ وعن ميقات الجحفة قرابة (١٢٠) كيلو متراً.
والترتيب المكاني من مكة إلى المدينة كالآتي:
نسير من مكة المكرمة إلى ميقات الجحفة ثم إلى مفترق طريق إلى ينبع وبلاد الشام، أو إلى بدر والمتجه إلى بدر يقطع ١٥٠ كليلو مترًا ثم إلى أبيار علي، ثم إلى المدينة النبوية، وبدر تقع على طريق أهل الشام ويمرون بجوار بدر ثم يسيرون مع أهل بدر في نفس الطريق حتى يصلون إلى ميقات الجحفة، علما أن بدرًا لا تحاذي أي ميقات من المواقيت بل تقع بعد ميقات أبيار علي من جهة مكة وقبل ميقات أهل الشام.
سماحة الوالد:
آمل الإحاطة بذلك والتوجيه بما ترون هل يكون ميقات بدر
стр. 8315
من ميقات أهل الشام (الجحفة) أم من منازلهم ليكون الناس على بصيرة من أمرهم ويبتعد الإشكال الحاصل لديهم حفظكم الله ورعاكم.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الواجب على أهل بدر أن يحرموا من بدر إذا كان بدر بين الجحفة وأبيار علي.
أما إذا لم تكن كذلك وكانت- أعنى بدرًا- تقع شمالاً وهي إلى طريق أهل الشام أقرب من طريق أهل المدينة فيحرمون من الجحفة، وحينئذ نحتاج إلى خارطة تبين ذلك ويرجع إليها.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في ١٠/٢/١٤١٩ هـ
стр. 8316
رسالة
سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
إلحاقاً لخطابي رقم ١٦١ وتاريخ ١/٢/١٤١٩ هـ وما تفضلتم به من الإجابة على ما جاء فيه، لذا فإنني أبعث لسماحتكم بطيه خطابي آنف الذكر وصورة من الخارطة الموضح عليها جميع المواقع المذكوره وميقاتي أبيار علي والجحفة، والطريق فيما بينهما.
آمل الاطلاع وإكمال ما ترونه لازماً شكر الله سعيكم وأجزل أجركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بعد الاطلاع على الخارطة الموفقة يتبين أن ميقات أهل بدر هي الجحفة لأنها أي بدراً مائلة عن طريق المدينة مكة فلا تكون بين ذي الحليفة ومكة.
بارك الله فيكم على التوضيح في الخريطة.
أخوكم:
محمد الصالح العثيمين
في ١٩/٤/١٤١٩ هـ
стр. 8317
س ٣٣٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- عمن أتى من السودان لزيارة أهله في جدة فأحرم من جدة فما الحكم؟ وما هي المواقيت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان أتى من السودان إلى جدة لزيارة ولما وصل إلى جدة أنشأ نية جديدة بالعمرة أي أنه لم يطرأ عليه إلا بعد أن وصل إلى جدة فإن إحرامه من جدة صحيح ولا شيء فيه؛ لأن النبي ﷺ لما وقت المواقيت قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (١) أما إذا كان قدم من السودان إلى جدة يريد العمرة لكنه أتى جدة مارا بها مرورا فإن الواجب عليه أن يحرم من الميقات- وسنذكر المواقيت إن شاء الله- ولكن في بعض الجهات السودانية إذا اتجهوا إلى الحجاز لا يحاذون المواقيت إلا بعد نزولهم في جدة بمعنى أنهم يدخلون إلى جدة قبل محاذاة
المواقيت مثل أهل سواكن فهؤلاء يحرمون من جدة كما قال ذلك أهل العلم، لكن الذي يأتي من جنوب السودان، أو من شمال السودان هؤلاء يمرون بالميقات قبل أن يصلوا إلى جدة فيلزمهم
الإحرام من الميقات الذي مروا به ما داموا يريدون العمرة أو الحج.
والمواقيت التي طلب السائل أن نبينها خمسة:
الأول: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة ومن مر به من غيرهم ممن يريد الحج أو العمرة ويسمى الآن أبيار علي.
والثاني: رابغ، وهو ميقات أهل الشام، وكان الميقات أولا
стр. 8318
هو الجحفة لكنها خربت وصار الناس يحرمون من رابغ بدلاً عنها.
والثالث: يلملم، وهو ميقات أهل اليمن ومن مر بهم وغيرهم ممن يريد الحج أو العمرة، ويسمى الآن السعدية.
والرابع: قرن المنازل، وهو لأهل نجد ومن مرَّ به من غيرهم ممن يريد الحج أو العمرة.
والخامس: ذات عرق، وتسمى الضريبة وهو لأهل العراق ومن مر بها من غيرهم، هذه المواقيت الخمسة لا يجوز لأحد أن يتجاوزها وهو يريد الحج والعمرة حتى يحرم بالنسك الذي أراده، فإن تجاوزها بدون إحرام وأحرم من دونها، فقد قال أهل العلم: إنه يلزمه فدية، أي شاة يذبحها في مكة، ويوزعها على فقراء أهل مكة.
س ٣٣٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- أين ميقات أهل أثيوبيا والصومال؟ وما حكم من أتى منهما للعمرة ولغيرها بدون إحرام ثم أحرم بعد أيام وذهب إلى مكة مباشرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ميقات أثيوبيا والصومال إذا جاءوا من جنوب فإنهم يحاذون يلملم التي وقتها النبي ﷺ لأهل اليمن، وإن جاءوا من شمال جدة فميقاتهم الجحفة التي وقتها النبي ﷺ لأهل الشام، وجعل الناس بدلاً منها رابغ، أما إذا جاءوا من بين
ذلك قصداً إلى جدة فإن ميقاتهم جدة؛ لأنهم يصلون إلى جدة قبل محاذات الميقاتين المذكورين، هذا إذا جاءوا للعمرة أو للحج.
أما من جاء للعمل وقد أدى فريضة العمرة والحج فإنه لا
стр. 8319
يجب أن يحرم؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان إلا مرة واحدة في العمر فإذا أداهما الإنسان لم يجبا عليه مرة أخرى، اللهم إلا بنذر.
ومن قدم للحج أو للعمرة ولم يحرم إلا بعد أن جاوز الميقاتين وقد مر بأحدهما فإن أهل العلم يقولون: إن إحرامه صحيح، ولكن عليه دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء؛ لأنه ترك واجباً من
واجبات الإحرام وهو كونه من الميقات، فمن حصل له مثل ذلك فعليه ذبح الدم في مكة يوزع على الفقراء إن كان غنياً، وإن كان فقيراً فليس عليه شيء، لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١) .
س ٣٣٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو ميقات أهل السودان ؟
فأجاب فضيلته بقوه: أهل السودان إذا جاءوا قصداً إلى جدة فميقاتهم جدة، وإن كانوا أتوا من الناحية الشمالية، أو الجنوبية فإن ميقاتهم قبل أن يصلوا إلى جدة: إن جاءوا من الناحية الشمالية فإن ميقاتهم إذا حاذوا الجحفة أو رابغاً، وإن جاءوا من الجهة الجنوبية فإن ميقاتهم إذا حاذوا يلملم وهو ميقات أهل اليمن، فيكون ميقات أهل السودان مختلف بحسب الطريق الذي جاءوا منه.
стр. 8320
س ٣٣٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد الحج أو العمرة فمن أين يحرم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يكون الإحرام من الميقات الذي وقته النبي ﷺ لمن جاء منه وهي: من جاء عن طريق المدينة فإن ميقاته أبيار علي، ومن جاء من طريق الطائف فإن ميقاته السيل الكبير، ومن جاء عن طريق اليمن فميقاته يلملم وهو السعدية.
ومن جاء عن طريق الشام فإن ميقاته الجحفة ويحرم الناس بدلاً عنها من رابغ، ومن جاء عن طريق العراق فإن ميقاته ذات عرق، ولا يجوز للإنسان الذي يريد حجاً أو عمرة أن يتجاوز الميقات
الذي مر به حتى يحرم.
س ٣٣٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل تجاوز ميقاته ودخل مكة وسأل ماذا يصنع؟ فقيل له: ارجع إلى أقرب ميقات وأحرم منه وفعل فهل يجزىء هذا أم لابد من الرجوع إلى
ميقاته الذي في قدومه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مر الإنسان بالميقات ناوياً النسك إما حجاً أو عمرة فإنه لا يحل له مجاوزته حتى يحرم منه؛ لأن النبي ﷺ لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (١) وهذا المسألة التي ذكرها السائل أنه تجاوز الميقات بلا إحرام حتى وصل مكة ثم قيل له:
стр. 8321
ارجع إلى أقرب ميقات فأحرم منه، نقول له: إن هذه الفتوى ليست بصواب، وأن عليه أن يذهب إلى الميقات الذي مر به؛ لأنه الميقات الذي يجب الإحرام منه كما يدل على ذلك حديث عبد الله
ابن عباس- ﵄ الذي أشرنا إليه آنفاً، ولكن إن كان الذي أفتاه من أهل العلم الموثوق بعلمهم واعتمد على ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأنه فعل ما يجب من سؤال أهل العلم، وخطأ
المفتي ليس عليه فيه شيء.
س ٣٤٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا أنوي السفر إلى بلدي ولكني أريد قبل أن أسافر أن أؤدي عمرة تطوعاً لله تعالى وقد أقمت بعض الأيام في جدة وأنا قادم من القصيم فهل يجوز أن أحرم بالعمرة من جدة أم ماذا يجب عليَّ أن أفعل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت سافرت إلى جدة بدون نية العمرة ولكن طرأت لك العمرة وأنت في جدة فإنك تحرم منها ولا حرج عليك؛ لحديث ابن عباس- ﵄ حين ذكر المواقيت قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، فأهل مكة من مكة" (١) أما إذا كنت سافرت من القصيم بنية العمرة عازماً عليها فإنه يجب عليك أن تحرم من الميقات الذي مررت به، ولا يجوز
لك الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (١) فعليك إن كنت لم تفعل شيئاً
стр. 8322
الآن أن ترجع إلى الميقات الذي مررت به أولا وتحرم منه، ولا تحرم من جدة، وليس عليك شيء.
أما إذا كان عازماً على أن يحرم بالعمرة ولكنه تجاوز الميقات قبل الإحرام، ثم أحرم من جدة فإن عليه عند أهل العلم فدية دم يذبحه في مكة ويتصدق به على الفقراء، وعمرته صحيحة.
س ٣٤١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من تجاوز الميقات بدون إحرام ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من تجاوز الميقات بدون إحرام فلا يخلو من حالين: إما أن يكون مريداً للحج أو العمرة فحينئذ يلزمه أن يرجع إليه ليحرم منه بما أراد من النسك الحج أو العمرة، فإن لم يفعل فقد ترك واجباً من واجبات النسك، وعليه عند أهل العلم فدية: دم يذبحه في مكة، ويوزعه على الفقراء هناك.
واما إذا تجاوزه وهو لا يريد الحج أو العمرة فإنه لا شيء عليه، سواء طالت مدة غيابه عن مكة أو قصرت؛ لأننا لو ألزمناه بالإحرام من الميقات بمروره هذا لكان الحج يجب عليه أكثر من مرة أو العمرة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة، أما ما زاد فهو تطوع (١) ، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم فيمن تجاوز الميقات بغير إحرام، أي أنه إذا كان
стр. 8323
لا يريد الحج ولا العمرة فليس عليه شيء ولا يلزمه الإحرام من الميقات.
س ٣٤٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين الإحرام كواجب والإحرام كركن من أركان الحج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام كواجب أن يقع الإحرام من الميقات. والإحرام كركن أن ينوي النسك، فمثلاً إذا نوى النسك بعد مجاوزة الميقات مع وجوب الإحرام منه، فهذا ترك واجبًا وأتى بالركن وهو الإحرام، وإذا أحرم من الميقات فقد أتى بالواجب والركن، لأن الركن هو نية الدخول في النسك. وأما الواجب فهو أن يكون الإحرام من الميقات.
س ٣٤٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى مناسك العمرة في النصف من شهر رمضان، وعاد لبلده ثم عاد إلى مكة في نفس الشهر من العام نفسه، وبمروره للميقات نوى أداء
العمرة عن والده المتوفى. ولكنه لم يحرم من الميقات.
فلما سئل وهو يطوف بملابسه العادية. قال: إن بعض الناس أفتاه بأن من أدى العمرة في شهر رمضان بالإحرام ثم كرر أداءها في نفس الشهر فلا يلزمه الإحرام، فأبلغه من سأله عن ذلك أن يعود للميقات ويحرم من هناك، وقال له أيضاً: يلزمك دم، ولكن اسأل لعلك تجد رخصة فيما عملته جهلاً، ولكن ذلك الرجل لم يسأل فماذا يلزمه أفيدونا جزاكم الله خيراً ؟
стр. 8324
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الجواب على السؤال أحب أن أبين أن الإنسان يجب أن يتحرى في السؤال عن دينه، وأن لا يسأل إلا من يثق منه أنه عالم وموثوق بعلمه وفتواه، لأن الدين شريعة
الله، وإذا تعبد الإنسان ربه بغير شريعته فإنه يكون على ضلال، وكونه يسأل عامة الناس فيعتمد على كلامهم هذا غلط وما أكثر الجهل من العامة الذين يقولون مالا يعلمون.
ثم إنه لما أخبره صاحبه وهو في المطاف بأن يذهب إلى الميقات كان عليه أن يبحث ويسأل عن صحة هذا القول، وعلى كل حال فعلى المرء أن يتأكد في السؤال عن دينه حتى يعبد ربه على علم وبصيرة موافقة لشريعة الله .
وأما الجواب على هذا السؤال حيث أحرم هذا الرجل عن والده بالعمرة ولم يتجرد من الثياب بناء على الفتوى الخاطئة التي أفتاه بعض الناس بها، وهي أن الإنسان إذا أتى بعمرة في رمضان ثم أتى بعمرة أخرى في نفس الشهر، فإنه لا يلبس ثياب الإحرام فهذه الفتوى خطأ، فإن الإنسان إذا أحرم فإنه قبل أن يغتسل يتجرد من ملابسه ويلبس ثياب الإحرام، وهذا الذي فعل ذلك ولما ينزع ثيابه ويلبس الإحرام عليه أن يتوب إلى الله ويستغفره، وأن لا يعود لمثلها، ويعلم أنه لا بد من لبس ملابس الإحرام وهي الإزار والرداء، وحيث إن هذا الأمر وقع منه جهلاً فإنه لا شيء عليه ولكنه أخطأ بعدم سؤاله أهل العلم.
وأما عمرته فإنها صحيحة؟ لأن غاية ما فيها أنه ترك التجرد من الملابس.
стр. 8325
كما أن فتوى الأخ الذي طلب منه حين قابله في الطواف أن يخرج فيحرم من الميقات فهي فتوى غير صحيحة، لأن الرجل أحرم ولا يمكنه أن يرجع فيحرم مرة أخرى.
وإنما عليه لو كان عالماً بتحريم استمراره بثيابه فدية، وهي كما ذكره أهل العلم أنه مخير بين ثلاثة أمور: فإما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة
يفرقها على الفقراء، فيكون عليه لهذا فدية لتغطية رأسه، وفدية للبس الثياب، ولكن حيث إنه كان جاهلاً فإنه يعفى عنه، وإن أخرجها احتياطاً لتفريطه بعدم السؤال فهو أحوط وأفضل. والله
الموفق.
س ٣٤٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما كيفية إحرام القادم إلى مكة جواً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام للقادم إلى مكة جواً هو كما أسلفنا من قبل يجب عليه إذا حاذى الميقات أن يحرم وعلى هذا فيتأهب أولا بالاغتسال في بيته، ثم يلبس الإحرام قبل أن يصل إلى الميقات، ومن حين أن يصل إلى الميقات ينوي الدخول في النسك ولا يتأخر، لأن الطائرة مرورها سريع فالدقيقة ممكن أن تقطع فيها مسافات طويلة، وهذا أمر يغفل عنه بعض الناس فتجد
بعض الناس لا يتأهب، فإذا أعلن موظف الطائرة أنهم وصلوا الميقات ذهب يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام، وهذا تقصير جداً، على أن الموظفين في الطائرة- في ما يبدو- بدأوا ينبهون
стр. 8326
الناس قبل أن يصلوا إلى الميقات بربع ساعة أو نحوها، وهذا عمل يشكرون عليه؛ لأنهم إذا نبهوهم قبل هذه المدة جعلوا للناس فرصة في تغيير ثيابهم وتأهبهم، ولكن في هذه الحال يجب على من أراد الإحرام أن ينتبه للساعة فإذا أعلن الموظف بأنه قد بقي ربع ساعة فينظر إلى ساعته حتى إذا مضى هذا الجزء الذي، هو ربع الساعة أو قبله بدقيقتين أو ثلاث لبى بما يريده من النسك.
س ٣٤٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- عمن سافر من بلده إلى جدة ثم أراد العمرة فهل يحرم من جدة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يخلو الأمر من حالين:
الحال الأولى: أن يكون الإنسان قد سافر إلى جدة بدون نية العمرة، ولكن طرأت له العمرة وهو في جدة، فإنه يحرم من جدة ولا حرج في ذلك، لحديث ابن عباس- ﵄ حيث ذكر المواقيت قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (١) .
الحال الثانية: أن يكون سافر من بلده بنية العمرة عازماً عليها فإنه يجب في هذه الحالة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه وقت المواقيت فقال: "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة".
فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة في هذه الحال فإن عليه
стр. 8327
عند أهل العلم فدية دماً يذبحه في مكة ويتصدق به على الفقراء وعمرته صحيحة.
فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله فإنه يرجع إلى الميقات ويحرم منه ولا شيء عليه. والله أعلم.
س ٣٤٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مجموعة من الحجاج عقدوا العزم على الحج بإذن الله وهم من الرياض وقد كلفوا للعمل في مطار جدة وبعضهم عقد نية الإفراد وبعضهم تمتع
والآخرون بالقران لكنهم تجاوزوا الميقات ولم يحرموا حيث أن هناك زمن طويلاً بين بداية عملهم وبين موسم الحج بما يقارب الشهر فهل عليهم دم كلهم أو بعضهم حسب النية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما من أراد منهم التمتع فإن عدم إحرامه من الميقات خطأ مخالف للحكمة؛ لأن الأولى به أن يحرم من الميقات ويأتي بالعمرة ويخرج إلى جدة، وأما من أراد القران والإفراد فصحيح أنه يشق عليه أن يجلس شهراً كاملاً في إحرامه، لكن نقول: إنه لا حرج عليهم في أن يبقوا في جدة بدون إحرام، وإذا جاء وقت الحج خرجوا إلى الميقات الذي تجاوزوه وأحرموا منه، فإن قدر أن تعذر هذا ولم يتمكنوا من الذهاب إلى الميقات فلهم أن يحرموا من جدة، وعليهم عند أهل العلم دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء، والمتمتع مثلهم ما دام إلى الآن لم يحرم فإذا
стр. 8328
أراد الإحرام بالعمرة فلا بد أن يذهب إلى السيل ويحرم منه ويطوف ويسعى ويقصر ويحل.
س ٣٤٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد الحج لكن يريد أن يذهب إلى مدينة جدة أولاً فهل يجوز أن يحرم من جدة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: كل من أراد الحج أو العمرة فإنه يجب عليه إذا مر بأول ميقات أن يحرم منه؟ لأن النبي ﷺ لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن
ممن يريد الحج أو العمرة" (١) فلا يجوز لمن مر بميقات وهو يريد نسك الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات حتى يحرم، والأمر سهل إذا أحرم من الميقات ووصل إلى مكة فإنه في خلال ثلاث
ساعات أو أقل أو أكثر قليلاً ينهي عمرته ثم يذهب إلى جدة بعد أن أدى عمرته ويمكث فيها حتى وقت الحج فإذا جاء الحج أحرم من جدة.
س ٣٤٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من سافر بالطائرة من الرياض إلى جدة بنية العمرة لكنه لم يحرم ولما وصل المطار ذهب إلى السيل الكبير وأحرم منه هل عمله صحيح ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سافر من الرياض إلى جدة بالطائرة فإن أقرب ميقات تمر به الطائرة هو السيل الكبير فيجب
стр. 8329
عليه أن يحرم من السيل الكبير إذا حاذاه في الجو، وعلى هذا يكون متأهباً فيغتسل في بيته ويلبس ثياب الإحرام فإذا قارب الميقات بنحو خمس دقائق فليكن على أتم تأهب وليلب بالعمرة، فإن لم يفعل فمن الواجب عليه إذا هبط المطار في جدة أن يذهب إلى السيل الكبير ويحرم منه، وفي هذا الحال لا يكون عليه شيء لأنه أدى ما يجب عليه وهو الإحرام من الميقات.
س ٣٤٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قابل زوجته في مطار جدة وهي محرمة بالعمرة وهو مقيم بمكة فأحرم من المطار بجدة فما حكم هذا العمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما المرأة فهي محرمة كما ذكر السائل والظاهر أنها قد أحرمت من الميقات فيكون إحرامها صحيحًا ولا شيء فيه، وأما الرجل فإحرامه أيضاً صحيح؛ لأنه إذا كان مقيماً بمكة وأحرم من جدة فقد أحرم من الحل فيكون إحرامه صحيحاً ولا حرج عليه.
س ٣٥٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: تلقيت خطاب من بلدي بأن زوجتي ستحضر من مصر لأداء فريضة الحج وذهبت إلى جدة واستقبلتها في المطار على أمل أننا سنذهب
إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي لكن المسئول عن ترتيب البعثة قال: إن المدينة المنورة زيارتها بعد أداء مناسك الحج فأحرمنا من مكة وطفنا وسعينا وأدينا شعائر الحج فهل حجنا صحيح وما حكم
стр. 8330
عدم إحرامنا من الميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للحج فهو صحيح لأن الإنسان أتى بأركانه، وأما بالنسبة لعدم الإحرام من الميقات فإنه إساءة ومحرم، ولكنه لا يبطل به الحج، ويجبر بفدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء هناك، ولو أن هذا الرجل لما قدمت زوجته جدة وقدم هو أيضاً جدة وأراد أن يذهب إلى المدينة ليحرما من ذي الحليفة من أبيار علي ثم لم يحصل ذلك، لو أحرم من جدة لكان هذا هو الواجب عليه، لكنه أساء إن كان ما ذكر في السؤال صحيحاً وهو أنه أحرم من مكة، وإن كان المقصود أنه أحرم من جدة فإنه ليس عليه شيء؛ لأنه أحرم من حيث أنشأ، وقد ذكر الأخ السائل أن امرأته أتت من مصر إلى الحج وظاهر كلامه أنه ليس معها محرم وهذا حرامٌ عليها ولا يحل لها لقول النبي ﷺ وهو يخطب الناس "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقال رجل: يا رسول الله ﷺ إن امرأتي خرجت حاجة وإني أكتتبت في غزوة
كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : "انطلق فحج مع امرأتك " (١) فأمره النبي ﷺ أن يدع الغزوة التي اكتتب فيه، وأن يذهب مع زوجته ولم يستفصل هل كانت الزوجة آمنة، أو غير آمنة وهل هي جميلة يخشى الفتنة منها أو بها أم لم تكن، وهل معها نساء، وهذا دليل على العموم وأنه لا يجوز للمرأة أن تسافر لا لحج ولا لغيره إلا بمحرم، وإذا لم تجد المرأة محرماً ليهيأ لها السلامة فإنه لا يجب
стр. 8331
عليها الحج حينئذ لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (١) وهي إذا لم تجد محرماً لا تستطيع الوصول إلى البيت لأنها ممنوعة شرعاً من السفر بدون محرم وحينئذ تكون
معذورة في عدم الحج وليس عليها إثم.
س ٣٥١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل في مدينة الرياض وسافر إلى مدينة جدة يوم الخميس مساءً ثم في صباح يوم الجمعة أحرم من جدة وذهب إلى مكة وقام بأداء مناسك
العمرة مع العلم بأنه كان في نيته العمرة قبل خروجه من الرياض فماذا يلزمه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان قاصداً مكة يريد العمرة أو الحج فإن الواجب عليه أن لا يتجاوز الميقات حتى يحوم لحديث ابن عمر- ﵄ أن النبي ﷺ قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل اليمن من يلملم " (٢) وذكر الحديث وهذا خبر بمعنى الأمر، وعلى هذا ما فعله هذا الرجل من ترك الإحرام من الميقات ولم يحرم إلا من جدة فعل غير صحيح، والواجب عليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة، ويوزعها على الفقراء.
أما لو كان مسافراً إلى جدة وليس من نيته أن يعتمر ولكن بعد أن وصل إلى جدة طرأ عليه أن يعتمر فهنا يحوم من المكان
стр. 8332
الذي نوي فيه العمرة، لحديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال حين وقت المواقيت "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
ولكن كيف يكون الإحرام في الطائرة؟ الإحرام في الطائرة أن يغتسل الإنسان في بيته ويلبس ثياب الإحرام، وإذا حاذى الميقات وهو في الجو لبى وأحرم أي دخل في النسك، وإذا كان يحب أن لا يلبس ثياب الإحرام إلا بعد الدخول في الطائرة فلا حرج، المهم أن لا تحاذي الطائرة الميقات إلا وقد تهيأ واستتم ولم يبق عليه إلا النية، والمعروف أن قائد الطائرة إذا قارب الميقات ينبه الركاب بأنه بقي على الميقات كذا وكذا ليكونوا متهيئين.
س ٣٥٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد زيارة مدينة جدة مع أسرته، ثم يأخذ بعد يوم أو يومين عمرة، فهل يحرم من الميقات الذي مر به أو يحرم من جدة؟ وما الأولى له أن يذهب
بقصد زيارة أهله في جدة وينوي العمرة بعد ذلك، أو ينوي العمرة من خروجه من بلده ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان عازماً على العمرة فإنه لا يجوز أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، وأرغب أن ينوي العمرة من حين أن يركب من بيته لينال أجر السعي للعمرة ولا ينو جدة، إنما
ينوي أن سفره للعمرة، وإذا وصل إلى الميقات أحرم منه وقضى عمرته، ثم انصرف إلى شغله في جدة لينال أجر العمرة وأجر السعي إليها من بلده.
стр. 8333
س ٣٥٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبنا من جدة إلى الطائف لزيارة أحد الأقارب وفي أثناء ذهابنا مررنا على مكة وفي نيتنا أن نأخذ عمرة عند الرجوع، وفي أثناء رجوعنا من
الطائف إلى مكة مررنا بالميقات وأحرمنا من السيل فهل عمرتنا صحيحة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مر الإنسان بالميقات وهو لا يريد العمرة، يريد الطائف مثلاً، ودخل مكة وخرج إلى الطائف وفي نيته أن يأتي بالعمرة بالرجوع من الطائف فلا حرج عليه، يحرم من السيل، وعمرته تامة.
س ٣٥٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مشى إلى مكة المكرمة ناوياً العمرة ثم مرض في الطريق قبل أن يصل الميقات فذهب إلى المستشفى بجدة بدون إحرام فأخذ يومين في المستشفى ثم أتى مكة وهو غير محرم فما الحكم في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما دام عدل عن النية قبل أن يبدأ بالإحرام فلا بأس، أما إذا أحرم ثم جاءه المرض فهذا يبقى على إحرامه حتى يشفى إلا أن يتوقع طول المرض فيكون حينئذ محصراً على القول الراجح فيتحلل وعليه دم ويحلق أو يقصر، إلا إن كان قد اشترط عند إحرامه فإنه يحل ولا شيء عليه.
стр. 8334
س ٣٥٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: قدمت من خارج المملكة قاصداً العمرة، وقبل وصولي إلى مطار جدة غيرت ملابسي للإحرام في الطائرة، وكان في الطائرة شيخ
أعرفه يعتمد عليه في العلم، ولما سألته قال لي: بإمكاننا الإحرام من مطار جدة فتمسكت برأيه وأحرمت من المطار، وبعدما قضيت العمرة ذهبت للمدينة المنورة حيث مكثت هناك شهري شوال وذي القعدة، وسألت بعض من أثق بعلمهم من أصدقائي هل أنا متمتع بهذه الحالة حيث قد وافق إحرامي بالعمرة الأول من شوال، وهل يلزمني دم، إذ قد سمعت وتأكدت من أفواه العلماء أن مطار جدة لا يصح أن يكون ميقاتاً لمن يمر عليه، وأفتاني بأن التمتع قد زال بمغادرة الحرم المكي. مع أنني لم أقصد التمتع عندما أحرمت بالعمرة، وأنه يمكنني الآن أن أحرم بالحج كما يحرم المقيم بالمدينة
المنورة فأحرمت بالحج مفرداً، وأما تجاوز الميقات فقال لي: ليس عليك شيء لأنك جاهل وقد اقتديت برأي هذا الشيخ واطمأننت بذلك، وأديت مناسك حجي، ولكن بعض زملائي لا يزالون
يشككونني ويناقشوني بأنه كان يلزمني الدم بأحد الأمرين أرجو أن تزيلوا عني هذا الشك بإجابة شافية ونصيحة كافية جزاكم الله خيراً .
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد: هذا السؤال يتضمن شيئين:
الشيء الأول: أنك لم تحرم وأنت في الطائرة حتى وصلت إلى جدة.
стр. 8335
والشيء الثاني: أنك عندما أحرمت بالعمرة تذكر أنك لم تنو التمتع وأنك سافرت إلى المدينة وأحرمت من ذي الحليفة بالحج.
فأما الأول فاعلم أن من كان في الطائرة وهو يريد الحج أو العمرة فإنه يجب عليه أن يحرم إذا حاذى الميقات ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (١) وقال: عمر- ﵁ وقد جاءه أهل العراق يقولون له: إن النبي ﷺ وقت لأهل نجد قرناً، وإنها جور عن طريقتنا يا أمير المؤمنين. فقال:- رضى الله عنه- "انظروا إلى حذوها من طريقكم " فقوله- ﵁ (انظروا إلى حذوها) يدل على أن المحاذاة معتبرة سواء كنت في الأرض وحاذيت الميقات عن يمينك أو شمالك، أو كنت من فوق فحاذيته من فوقه، وتأخيرك الإحرام إلى جدة معناه أنك تجاوزت الميقات بدون إحرام وأنت تريد عمرة، وقد ذكر أهل العلم أن هذا موجب للفدية وهي دم تذبحه في مكة وتوزعه على الفقراء، ولكن ما دمت قد سألت هذا الشيخ، وقد ذكرت أنه قدوة، وأنه ذو علم، وأفتاك بأنه يجوز الإحرام من مطار جدة وغلب على ظنك رجحان قوله على ما تقرر عندك من قبل بأنه يجب عليك الإحرام إذا حاذيت الميقات فإنه لا شيء عليك؟ لأنك أديت ما أوجلا الله عليك في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) ومن سأل من يظنه أهلاً للفتوى فأفتاه فأخطأ فإنما إثمه على من