فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب عليها لأن القاعدة عند العلماء (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فهذه المرأة لا يجب عليها الحج لكن لو تزوجت وصار محرماً وجب عليها الحج، فلا يجب عليها أن تحصل على محرم كما نقول: لا يجب على الرجل أن يتجر من أجل أن تجب عليه الزكاة، ولا يجب عليه أيضاً أن يتجر من أجل أن يجب عليه الحج، فهنا فرق بين ما لا يتم الواجب إلا به، وما لا يتم الوجوب إلا به، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وعليه فنقول هذه المرأة: لا يجب عليها أن تطلب الزوج من أجل أن يكون لها محرم فتحج.
س ٢٨١: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: امرأة توفيت قبل أن تؤدي فريضة الحج، ولقد رزقت والحمد لله بأولاد ويريدون الحج لوالدتهم المتوفية، ولكنهم لم يؤدوا فريضة الحج، فهل
يجوز أن يوكلوا من يحج عن والدتهم وإعطائه جميع مصاريف الحج أم يجوز لهم الحج عن والدتهم قبل أن يؤدوا الفريضة هم ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً يجب تصحيح العبارة، فالصواب أن يقال: المتوفاة. لأن الله يتوفى الأنفس، وليست الأنفس متوفية وإن كان لها وجه في اللغة العربية، لكن الأفصح المتوفاة، فيقال: فلان متوفى، وفلانة متوفاة.
أما بالنسبة للإجابة على السؤال، فإن أمهم إن كانت لم تستطع الحج في حياتها فليس عليها حج، لأن الله اشترط لوجوب
стр. 8262
الحج الاستطاعة، فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (١)) والغالب على الناس فيما مضى هو الفقر وعدم الاستطاعة، وحين إذن يكون حجهم عن أمهم نفلاً لا فريضة،
وأما إذا كان قد وجب عليها الحج، ولكنها أخرت وفرطت فهنا يؤدون عنها الحج على أنه فريضة، ولكن لا يحجون بأنفسهم عنها حتى يحجوا عن أنفسهم، لأن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة" أما إذا أرادوا أن يعطوا غيرهم يحج عنها، وهم لم يؤدوا الحج عن أنفسهم فإن كانت الدراهم التي يعطونها غيرهم ليحج عن أمهم تكفيهم لو حجوا هم عن أنفسهم، وليس عندهم غيرها، وجب عليهم أن يحجوا عن أنفسهم، ولا يجوز أن يعطوا أحداً يحج عن أمهم، فإن كان عندهم مال واسع لكنهم لم يحصل لهم أن يحجوا هذا العام وأعطوا أحداً يحج عن أمهم فلا حرج في ذلك.
س ٢٨٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة طلقها زوجها بعد ما تلبست بالإحرام وهو محرم هل تتم نسكها أم تعود وتعتبر حصرة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعود، لأنه إذا طلق الإنسان زوجته الطلقة الأولى أو الثانية فهو محرم لها، يجوز أن تتجمل له وأن تتزين له وأن تفعل المغريات التي توجب أن يراجعها، ولهذا
стр. 8263
قال الله في الرجعيات: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (١) .
كثير من الناس اليوم مع الأسف إذا طلق زوجته طردها من البيت، وهذا حرام عليه إلا أن تأتي بفاحشة مبينة. وكثير من النساء إذا طلقت ذهبت إلى أهلها، وهذا حرام عليها، (لَا تُخْرِجُوهُنَّ) . ثم قال في الآخر: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) . إذن المطلقة الرجعية تبقى في بيت زوجا تتجمل له وتتطيب وتفعل جميع المغريات لرجوعها إلى زوجها. وبالنسبة لهذه المرأة التي طلقها زوجها وهو محرمها نقول: إذا كان الطلاق الأول أو الثاني هو محرم لها. وإذا كان الثالث فليس بمحرم ولكن تمضي في حجها معه للضرورة.
س ٢٨٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- امرأة لها ولد يبلغ من العمر الخامسة والعشرين مات في حادث سيارة تريد أن تحج له وتتصدق عنه وتضحى عنه هل هذه الصدقات والحج تذهب إليه وتفيده في مماته ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الابن لم يحج الفريضة فلا بأس بالحج عنه، لأن امرأة سألت النبي ﷺ عن أمها أنها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فأذن لها ﷺ أن
стр. 8264
تحج عن أمها (١) . أما إذا كان قد حج الفريضة فإن الدعاء له أفضل من الحج عنه، وأفضل من الصدقة عنه، وأفضل من الأضحية عنه، لأن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
له " (٢) فأرشد النبي ﷺ إلى الدعاء، ولم يرشد إلى غيره مما يفعله الناس اليوم من صدقة، وأضحية، وصوم، وصلاة، ولكن لو فعلت هذا فلا بأس، ولا حرج عليها أن تتصدق عن ابنها، أو أن تحج عنه. أما الأضحية فالأفضل أن تكون أضحية واحدة عن أهل البيت جميعاً الأحياء والأموات، لأن النبي ﷺ ضحى بشاة واحدة عنه، وعن أهل بيته (٣) .
س ٢٨٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مات ولم يحج وهو في الأربعين وكان مقتدراً على الحج مع أنه محافظ على الصلوات الخمس، وكان في كل سنة يقول: سوف أحج هذه
السنة، ومات وله ورثة هل يحج عنه وهل عليه شيء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إنه يحج عنه وأن ذلك ينفعه، ويكون كمن حج لنفسه،
стр. 8265
ومنهم من قال: لا يحج عنه، وأنه لو حج عنه ألف مرة لم تقبل.
يعني لم تبرأ بها ذمته، وهذا القول هو الحق، لأن هذا الرجل ترك عبادة واجبة عليه مفروضة على الفور بدون عذر، فكيف يذهب عنها، ثم نلزمها إياها بعد الموت، ثم التركة الآن تعلق بها حق
الورثة، كيف نحرمهم من ثمن هذه الحجة وهي لا تجزىء عن صاحبها، وهذا هو ما ذكره ابن القيم- ﵀ في تهذيب السنن، وبه أقول: إن من ترك الحج تهاوناً مع قدرته عليه لا يجزىء عنه الحج أبداً، لو حج عنه الناس ألف مرة، أما الزكاة فمن العلماء من قال: إذا مات وأديت الزكاة عنه أبرأت الذمة، ولكن القاعدة التي ذكرتها تقتضي ألا تبرأ ذمته من الزكاة، لكني أرى أن تخرج الزكاة من التركة، لأنه تعلق بها حق الفقراء والمستحقين للزكاة، بخلاف الحج، فلا يؤخذ من التركة، لأنه لا يتعلق به حق إنسان، والزكاة يتعلق بها حق الإنسان، فتخرج الزكاة لمستحقيها، ولكنها لا تجزىء عن صاحبها، سوف يعذب بها عذاب من لم يزك، نسأل الله العافية، كذلك الصوم إذا علم أن
هذا الرجل ترك الصيام وتهاون في قضائه، فإنه لا يقضى عنه، لأنه تهاون وترك هذه العبادة، التي هي ركن من أركان الإسلام بدون عذر، فلو قضي عنه لم ينفعه، وأما، قوله ﷺ : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (١) فهذا فيمن لم يفرط، وأن من ترك القضاء جهراً وجهاراً بدون عذر شرعي فما الفائدة أن نقضي عنه.
стр. 8266
س ٢٨٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا مات الإنسان وهو قادر على الحج ولم يحج فهل يحج عنه بعد موته من ماله أو لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا. لأن هذا الرجل لو حججنا عنه لم يقبل إذ إنه أخر الحج بدون عذر، لو حججنا عنه ألف مرة لن يقبل، ومثل ذلك إذا كان على الإنسان صوم قضاء من رمضان وقدر على القضاء ولكنه فرط حتى مات هل يقضى عنه؟ الجواب: لا، لأنه لا ينفعه، الرجل مصمم على أنه لن يصوم، ومثل ذلك إذا كان على الإنسان زكاة، زكاة مال ومات ولم يؤدها هل تؤدى من تركته؟ نقول: تؤدى من تركته لكنه لم ينتفع بذلك، وإنما تؤدى من تركته لأن الزكاة هي حق للغير، فيعطى أهل الزكاة حقهم، فأما هذا الرجل فلن تبرأ ذمته أمام الله ، وفي هذا دليل أنه يجب على الإنسان أن يبادر بأداء الواجب لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت، فكم إنسان سقط وهو يمشي فمات، وكم إنسان مات وهو يأكل كم إنسان مات على فراشه وكم إنسان مات وبيده القلم، فبادر يا أخي، بادر بأداء الواجبات قبل أن يأتي يوم لا تتمكن فيه من أداء الواجب.
س ٢٨٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- إذا لم يحج الشخص وهو قادر ولكنه مات ولم يحج فهل يحج عنه وإذا مات هل يحكم بأنه من أهل النار أم لا ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض أهل العلم أن ترك الحج
стр. 8267
كفر، ويستدل بقول الله تبارك وتعالي: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (١) قال: (وَمَن كَفَرَ) يعنى فلم يحج، وهذا رواية عن الإمام أحمد- ﵀ ويروى عنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: لقد هممت أن أبعث إلى هذه الأمصار فمن وجدوه ذا سعة، ولم يحج فليضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم
بمسلمين وإن كان هذا الأثر فيه شيء من الضعف، ولكن إذا فرط ومات فهل يحج عنه أم لا؟ الإنسان يتوقف في هذا هل يحج عنه أو لا، لأنه قد يقول قائل: إذا حج عنه فإنه لا ينفعه، لأن الرجل تارك مفرط، بخلاف من مات ولم يؤد الزكاة، فهذا يجب أن تؤدى الزكاة إن كان له مال، لأن الزكاة حق الفقراء بخلاف الحج، فعلى كل حال هو على خطر عظيم إذا وجد سعة ولم يحج، هو على خطر عظيم.
س ٢٨٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يسر الله له كافة سبل الحج وعنده مال، ولكنه متساهل بهذا مع كبر سنه فما حكم صلاته وزواجه وغير ذلك، وهل هو آثم بهذا التأخير ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم هو آثم بهذا التأخير، وإذا مات، فمن العلماء من قال: إنه يموت كافراً، وإن كان يصلي نسأل الله العافية، ولكن القول الراجح أنه لا يكفر بترك الحج، إذ ليس شيء
стр. 8268
من الأعمال يكفر بتركه إلا واحدة وهي الصلاة، فإذا تهاون بالحج ومات فهو آثم وعاص ومستحق للعقاب، لكنه ليس بكافر.
واختلف العلماء: هل يقضى عنه الحج بعد موته في هذه الحال، أو لا يقضى؟ فجمهور العلماء على أنه يقضى عنه، وقال ابن القيم- ﵀ إنه لا يقضى عنه، لأنه رجل عازم على الترك متهاون، كيف نقضي عنه؟! وماذا ينفع عند الله، والحج عبادة إن لم يقم بها بنفسه فلا فائدة من ذلك، فعلى كل حال الأمر خطير، والواجب على هذا الذي أغناه الله وأعطاه القدرة على الحج أن يحج قبل أن يموت، فليتب إلى الله وليبادر.
س ٢٨٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أخ تعرض لحادث توفي بعده هل يجوز لنا أن نضحي له، أو نحج عنه إلى بيت الله الحرام نرجو الإفادة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز للإنسان أن يتعبد لله بطاعة بنية أنها لميت من أموات المسلمين، سواء كان هذا الميت من أقاربه، أو من ليس من أقاربه، هذا هو القول الراجح، سواء في الصدقة، أو في الحج، أو في الصوم، أو في الصلاة، أو في غير ذلك، فيجوز للإنسان أن يتبرع بالعمل الصالح لشخص ميت من المسلمين، ولكن هذا ليس من الأمور المطلوبة الفاضلة، بل الأفضل أن يدعو له بدلا من أن يتصدق عنه، أو أن يضحي عنه، أو أن يحج عنه، لأن الدعاء له هو الذي أرشد إليه رسول الله ﷺ فإنه ثبت عنه أنه
стр. 8269
قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " فذكر الولد الصالح الذي يدعو له، ولم يقل: أو ولد صالح يتصدق له، أو يصلي له، أو يحج له، أو يصوم له، أو ما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة، مع أن الحديث في سياق العمل، فلما عدل النبي ﷺ عن ذكر العمل للميت بالدعاء، علم أن الدعاء هو المختار وهو الأفضل، ولهذا فإني أنصح إخواني المسلمين أن يحرصوا على الدعاء لأمواتهم، بدلا عن إهداء القربة لهم، وأن يجعلوا القربة لأنفسهم، لأن الحي محتاج إلى العمل الصالح، فإنه ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً أن لا يكون ازداد، ِ وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استغفر قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (١) وقال الله : (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)) (٢) فأنت أيها الحي محتاج إلى العمل الصالح، فاجعل العمل لنفسك وادع لأمواتك من
الآباء، والأمهات، والأخوان، والأخوات، وغيرهم من المسلمين، هذا هو الذي تدل عليه سنة الرسول ﷺ ، ولكن مع هذا لو أن الإنسان تصدق عن ميت، أو صام عنه، أو صلى، وقصد بأن يكون الثواب للميت فلا بأس بذلك إذا تبرع به.
стр. 8270
س ٢٨٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل نوى الحج وعندما أراد الذهاب وافته المنية وقد كان قد باع ما عنده من أجل الحج فما حكم هذا وهل يكتب له حج ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبيه محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، هذا الرجل الذي عزم على الحج فباع ما عنده ليحج به فوافته المنية قبل أن يقوم بالحج، نرجو الله أن يكتب له أجر الحاج، لأنه نوى العمل الصالح، وفعل ما قدر عليه من أسبابه، ومن نوى للعمل وفعل ما قدر عليه من أسبابه فإنه يكتب له، قال الله تبارك تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (١٠٠)) (١) وإذا كان هذا الرجل الذي باع ماله ليحج، لأن الحج فريضة الإسلام فإنه يحج عنه بعد موته بهذه الدراهم التي هيأها ليحج بها عنه. إما أن يحج عنه أحد من أوليائه أو أحد من غيرهم، ففي حديث ابن عباس- ﵄ أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فأحج عنها؟ قال: "نعم " وكان ذلك في حجة الوداع.
س ٢٩٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أحج وأعتمر عن قريبي الذي مات وهو لا يصلي تهاوناً منه، علما بأنني قد أديت فريضة الحج واعتمرت أكثر من مرة عن نفسي ؟
стр. 8271
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يحج ولا يعتمر عنه، لأن ذلك لا ينفعه.
س ٢٩١: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: نشأت من صغري وأبي يصلي ويتلو القرآن ولكن قبل وفاته بحوالي خمس سنوات قطع الصلاة نهائيا وهو قادر، وأنا أريد الآن أن أحج عنه هل
يجوز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ينظر في سبب قطعه للصلاة، لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي كان يقرأ القرآن ويصلي، ويصوم، الظاهر أنه لم يدع الصلاة إلا لسبب، فقد يكون هذا الرجل اختل عقله وصار لا يطيق الصلاة ولا يحس، وفي هذه الحال لا تجب عليه الصلاة إذا كان قد اختل عقله، ولا يشعر ولا يدري، لقول النبي ﷺ "رفع القلم عن ثلاثة" وذكر منهم "المجنون حتى يفيق " (١) إما إذا كان ترك الصلاة ومعه تمييزه وعقله فإنه حينئذ يكون كافراً والعياذ بالله، وإذا كان كافرا فإنه لا يجوز الحج عنه، ولا الدعاء له لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) (٢) . فإن قال قائل: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، أعني مسألة ترك الصلاة: هل يكفر الإنسان
стр. 8272
بذلك أو لا؟ فجوابه أن نقول: نعم هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: هل يكفر تارك الصلاة أو لا؟ ولكن الميزان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لقول الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)) (١)
ولقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (٢) وإذا رددنا هذه المسألة- أعني مسألة تكفير تارك الصلاة- إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونحن لا نعتقد لا قول هؤلاء ولا قول هؤلاء، وإنما ننظر إلى مقتضى الدليل، فإن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة- ﵃ والنظر الصحيح كل هذه الأربعة تدل على أن تارك الصلاة كافر.
أما القراَن: فقال الله تعالى في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (٣) فاشترط للأخوة في الدين ثلاثة شروط: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن المعلوم أن الحكم المشروط بشيء لا يتم إلا باجتماع شروطه، فلا تتم الإخوة في الدين إلا بهذه الثلاثة، التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن بقوا مشركين فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن أسلموا ولكن تركوا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن أسلموا وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر، لأن
стр. 8273
المعاصي مهما عظمت لا تخرج الإنسان من أخوة الدين، كما قال الله تعالى في القتل العمد، وهو من أعظم الذنوب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (١) فقال: (فمن عفي له من أخيه شيء) والقاتل فاعل كبيرة عظيمة، ومع هذا لم يخرج من الأخوة الإيمانية، وقال الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (٢) والقتال بين المؤمنين من أعظم الكبائر، حتى قال النبي ﵊: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله هذا هو القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (٣) وقال ﵊: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٤) وقال ﷺ "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (٥) ومع كونه من أعظم الذنوب وأطلق عليه الشارع
стр. 8274
الكفر فإنه لا يخرج من الدائرة الإيمانية، لقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) وترك الصلاة وترك إيتاء الزكاة كما في آية التوبة التي صدرنا بها الجواب مخرج عن الدائرة
الإيمانية، لأن الله اشترط الأخوة، هذه الشروط الثلاثة: (إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإن قال قائل: هل تقول بتكفير مانع الزكاة؟ فالجواب قد قيل بذلك أي أن مانع الزكاة بخلا يكفر،
وقيل: ولا يكفر وهو رواية عن الإمام أحمد- ﵀ لكن القول الراجح، أنه لا يكفر، لحديث أبي هريرة- ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه قال النبي ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح
من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى
النار" (١) وكونه يرى سبيلا إلى الجنة يدل على أنه ليس بكافر، فيقال: إن إيتاء الزكاة دلت السنة على أنه إن لم يقم به فليس بكافر، والسنة كما هو معلوم لأهل العلم تخصص القرآن،
وتقيده، وتفسره وتبينه.
أما الدليل من السنة على أن تارك الصلاة كافر فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله- ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك
стр. 8275
الصلاة" (١) وما رواه بريدة بن حصين- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٢) أخرجه أهل السنن، هذان الحديثان يدلان على كفر تارك الصلاة، ووجه ذلك لفظ البينية الدالة على الانفصال: انفصال
الشرك من الإيمان، وأن هذا هو الحد الفاصل، فمن أقام الصلاة فهو في جانب الإيمان، ومن تركها فهو في جانب الكفر والشرك، ومن أقام الصلاة فهو من المسلمين، ومن لم يقمها فهو من الكافرين. "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وأما أقوال الصحابة- ﵃ فقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (٣) . حظ أي نصيب، وهو منفي بلا النافية للجنس الدالة على العموم، وإذا انتفى الحظ القليل والكثير في الإسلام لم يبق إلا الكفر، وقد قال عبد الله بن شقيق- ﵀ وهو من التابعين: (كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) .
وأما النظر الصحيح وهو الدليل الرابع، فإنه يقال: كيف نقول لشخص محافظ على ترك الصلاة لا يصلي، وهو يسمع النداء، ويرى المسلمين يقومون بالصلاة وهو غير مبالٍ بها، ولا مكترث بها؟ كيف نقول لمن هذا حالة: إنه مسلم، هذا من أبعد ما
стр. 8276
يكون، فالنظر الصحيح يدل على كفر هذا الرجل، وإن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وليس كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يكون مسلماً، فلو قال أحد: لا إله إلا الله، وكفر بآية
من القرآن، أو بحكم من أحكام الله ، وهو يعلم أنه من أحكام الله فهو كافر.
فإن قال قائل: أفلا يمكن حمل الحديث "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" على أن المراد بذلك كفر النعمة؟ فالجواب: هذا لا يصح لما أشرنا إليه من قبل، وهو كلمة البينية فإن كلمة (بين) تعتبر حداً فاصلا، لا يمكن أن يختلط هذا بهذا إطلاقاً، والبينية المطلقة تدل على التباين المطلق فترك الصلاة مباين للإسلام، لا يمكن أن يكون الإنسان مسلما وهو تارك لصلاته.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نحمل النصوص الدالة على الكفر على أن المراد من تركها جاحداً لها؟ فجوابه: أن هذا لا يمكن، لأن مجرد جحد الصلاة كفر، سواء فعلها أم لم يفعلها، فلو أن أحداً كان يحافظ على الصلاة ويأتي بها مع الجماعة، ولكنه يعتقد أنها ليست بفرض، وأن الإنسان مخير فيها إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعل فإنه كافر، ومع ذلك فهو لم يتركها.
وحمل النصوص على أن المراد به الجحد لا يصح من وجهين: الوجه الأول: إننا ألغينا الوصف الذي قيد الشارع الحكم به وهو الترك.
الوجه الثاني: أننا أثبتنا وصفاً لم يعتبره الشرع وهو الجحد.
стр. 8277
وهناك وجه ثالث أنه لا ينطبق على الحديث، لأنه كما قلنا آنفاً: لو صلى وداوم على الصلاة وهو جاحد كان كافراً مع أنه لم يترك، فتبين بهذا أن تارك الصلاة كافر، وأن تأويل نصوص الكفر
على أن المراد به كفر النعمة لا يصح، وتأويلها على أن المراد به الجحود لا يصح أيضاً، وينبغي أن يعلم طالب العلم أنه مسئول أمام الله يوم القيامة عن الحكم بما تقتضيه ظواهر الكتاب
والسنة، ويعلم أيضاً أن الحكم على الناس، وعلى أقوالهم، وأفعالهم، ومعتقداتهم ليس إلى أحد إلا إلى الله ورسوله، فما بالنا نتهيب أن نحكم على شخص بكفر دل الكتاب والسنة على أنه وصفه، وأنه مستحق له، إن التهيب من هذا مع دلالة النصوص كالتهيب من تحريم شيء دل الشارع على تحريمه مع وضوح أدلته، ولسنا نحن الذين نحكم على عباد الله، وعلى أفعال عباد الله، وإنما الذي يحكم هو الله ، سواء في كتابه، أو فيما جاء عن نبيه ﷺ ، وعلى هذا فالواجب على الإنسان أن ينظر إلى النصوص على أنها متبوعة، لا على أنها تابعة، حتى يسلم من
التأويل، سواء أكان هذا التأويل قريباً أم بعيداً، إذا لم يدل عليه دليل من الكتاب والسنة، وبناء على هذا فإننا نقول: هذا الرجل الذي سألت عنه المرأة إذا كان ترك الصلاة لمدة خمس سنوات قبل وفاته مع سلامة بدنه وصحته وعقله فإنه يكون كافراً ميتاً على الكفر، إلا إذا علم أنه في آخر حياته تاب وصلى، وإذا قدر أنه مات على ترك الصلاة فإنه لا يجوز لها أن تحج عنه ولا أن تدعو له. فعليها أن تتحرى في أمرين:
стр. 8278
الأمر الأول: هل كان حين ترك الصلاة عاقلاً، معه عقله وشعوره، لأني أستبعد أن يدع الصلاة ومعه عقله وشعوره، مع أنه كان في الأول محافظاً عليها وعلى بقية العبادات.
وثانياً: هل رجع قبل موته أو لم يرجع، لأنه يمكن أن يكون رجع قبل أن يموت، كما يوجد في كثير من الناس، يحصل منهم تفريط وتهاون، ثم يوقظهم الله في آخر حياتهم، قال عبد
الله بن مسعود- ﵁ حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق فقال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون نطفة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع لمات بكتب رزقه وعمله وشقي أم سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فلم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (١) فالإنسان قد ييسر الله له اليقظة في آخر حياته، وتكون خاتمته خاتمة خير وسعادة، وليعلم أن قوله في الحديث (ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع) لقرب أجله، ثم بعد ذلك يغلب عليه ما في قلبه من السيئات الخبيثة- أعوذ
بالله- حتى يعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
стр. 8279
س ٢٩٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي والدي منذ ما يقارب من عشرين عاما ولم يؤد فريضة الحج، وأخي يريد أن يحج عنه مع إن الإمكانيات المادية عنده ضعيفة جداً ولديه بيت
وزوجة وأولاد، وقلت له: لا يجب عليك أن تحج عنه، لأنك غير قادر، فهل كلامي هذا صحيح؟ علما بأنني أنوي أن أحج عنه عندما تتحسن ظروفي المادية ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان أبوك في حياته لا يستطيع الحج لكون المال الذي في يده لا يكفيه، أو لا يزيد على مئونته وقضاء ديونه، فإن الحج لا يجب عليه، وذمته بريئة منه، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
وأما إذا كان أبوك يمكنه أن يحج في حال حياته لأن عنده دراهم فاضلة وزائدة عن حاجاته وقضاء ديونه، فإن الواجب عليكم أن تحجوا عنه من تركته، لأن الحج يكون ديناً في ذمته مقدماً على الوصية والإرث، لقول الله تعالى في آية المواريث: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (١) وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى بالدين قبل الوصية، وأما إذا أراد أحد منكم أن يحج عنه تطوعاً لكن لا يكون هذا على حساب نفقته ونفقة أولاده، فإذا كان المال الذي بيده قليلاً لا يزيد عن حاجاته فإنه لا ينبغي له أن يحج عن والده، لأنه لو كان هو نفسه لم يحج لم يجب عليه حج،
فكيف يحج عن غيره، ويمكنكم إذا أردتم لأبيكم الخير أن
стр. 8280
تستغفروا له، وأن تدعوا له بالرحمة والرضوان، فإن ذلك ينفعه إذا تقبل الله منكم.
س ٢٩٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: لي والدة توفيت وكان عندها مال وليس لها أولاد غيري وليس لها ورثة غيري، وقصدي لها حجة، هل تجوز الحجة من مالها الخاص، أو
أحج لها من مالي ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، هذا المال الذي ورثته من أمك وليس لها وارث سواك هو مالك، ورثك الله إياه، ولك أن تفعل فيه ما تفعل في مالك، ولكن إن كانت أمك قد وجبت عليها حجة الإسلام في حياتها، ولم تحج وجب عليك أن تحج عنها. وأما إن كانت قد أدت الفريضة، أو لم تجب عليها في حياتها لكون هذا المال الذي ورثته منها ثمناً لحوائجها الأصلية التي بعتها بعد موتها، فإن الحج لا يجب عليك، ولكن إن حججت عنها فنرجوا أن يكون في ذلك خير، وسواء حججت عنها من مالك الخاص، أو من هذا المال الذي ورثته منها، لأن المال الذي ورثته منها بمجرد موتها صار داخلاً في ملكك، فلا فرق بينه وبين الذي كان عندك سابقاً.
س ٢٩٤: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: قد أجرت إنسانًا لكي يحج عن والدتي التي قد توفيت منذ أمد بعيد، لكن اختصار
стр. 8281
برقيتي يقول: إنني قد أجرت له وإنني قد سمعت أن الإنسان لا يجوز له أن يؤجر من أجل الحج عن الآخر فما حكم الحج عن والدتي وهذه الحالة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول ينبغي لك إذا أردت الحج عن والدتك أن تحج بنفسك، أو تتفق مع شخص بدون عقد الإجارة على أن يحج لك، وهذا الحاج عنك، أو عن أمك إذا كانت نيته بحجه قضاء حاجتك وحل مشكلتك، وكان يريد مع ذلك أيضاً أن يتزود من الأعمال الصالحة من مشاعر الحج فإن هذه نية طيبة ولا حرج عليه فيها، أما إذا كان حج عنك، أو عن والدتك من أجل الدراهم فقط، فإن هذا حرام عليه ولا يجوز، لأنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئاً من أمور الدنيا، فهنا الكلام في مقامين:
أولا: بالنسبة لمن أعطى غيره أن يحج عنه، أو عن ميت من أمواته. فنقول: إذا أعطيت غيرك شيئاً يحج به عن ميتك، فإنه لا حرج عليك في هذا، وأما إذا أعطيته يحج عنك، فهذا إن كان فريضة فلا يجوز لك أن تنيب من يحج عنك إلا إذا كنت عاجزاً عنها عجزاً لا يمكن زواله، وإن كانت نافلة فقد اختلف العلماء في جوازها، والذي يظهر لي أنه لا يجوز للإنسان أن ينيب غيره يحج عنه نافلة، لأن الأصل في العبادات أن يؤديها الإنسان بنفسه حتى يحصل له التعبد والتذلل لله ، وإنما أجزنا ذلك في الفريضة لورود الحديث به، وإلا الأصل المنع.
ثانيًا: بالنسبة للحاج عن غيره، فإن أراد بذلك الدنيا وما
стр. 8282
يأخذ من أجر فهو حرام عليه، وإن أراد بذلك قضاء حاجة أخيه، وما يحصل له بالانتفاع بالدعاء في تلك المشاعر فإنه لا حرج عليه في ذلك.
س ٢٩٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول خرجت حاجاً من بلدي، وأرسل معي أخ قيمة حجتين عن شخصين وأعطيت المبلغ لشخصين من أهل المدينة، وأنا لا أعرف الأشخاص معرفة جيدة، وقلت لصاحب المال لا أعرف أحداً.
فقال: أعطي أي شخص على ذمتي، وذمتك بريئة، أرجو التوضيح وفقكم الله ؟
فأجاب فضيلته بقوله: تصرف الوكيل بحسب ما أذن له موكله فيه إذا لم يكن ما يخالف الشرع نافذ، ولا حرج عليه، ولا ضمان عليه، ولا تبع إذا لم يتعد ما وكل فيه، فالسائل ليس عليه
تبعة، ولكن قد تكون التبعة على هذا الذي قال مثل هذا الكلام المطلق إذا كانت الحجتان وصية لميت أو لحي وكل موكل السائل بذلك، ولهذا ينبغي للإنسان إذا كان يريد أن يعطي من يحج عنه
فلتيحر في أمانة الآخذ ودينه، فإن بعض الناس قد لا يكون عنده تقوى لله ولا رحمة لخلقه، فيأخذ هذه الدراهم ليحج بها، ولكنه لا يحج بها ويصرفها فيما يريد من متاع الدنيا، فيكون
بذلك خائناً لله وخائناً لأمانته وواقعاً في الإثم.
стр. 8283
س ٢٩٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يستطيع الحج ولم يحج، ودفع دراهم في حجه لوالده الميت فهل يصح مع أنه لم يحج عن نفسه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن المشروع في حق هذا الرجل أن يبدأ بنفسه لحديث "ابدأ بنفسك " (١) لقوله ﷺ : "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٢) .
وأما الصحة فإن كان هذا الرجل يستطيع أن يحج ببدنه، أي يقدر أن يصل إلى مكة بنفسه فتحجيجه لوالده صحيح، وإن كان لا يستطيع الوصول إلى مكة بنفسه فتحجيجه لوالده غير صحيح، وتكون الحجة له هو لا لوالده، والفرق بينهما أنه إذا كان يقدر على الوصول بنفسه ففرضه أن يصل بنفسه، فإذا أناب عن غيره فإنه لم يزاحم فرض نفسه، أما إذا كان لا يستطيع الوصول بنفسه فإن فرضه أن ينيب عن نفسه، فإذا أناب عن غيره قبل نفسه، فقد زاحم فرض نفسه، فيقع الحج عن فرض نفسه.
س ٢٩٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي والدي ﵀ وكان قد أوصى في حياته أن يؤدي عنه الحج وخصص قطعة أرض من أملاكه لمن يحج عنه، وبعد أن بلغنا سن
الرشد أنا وأخي قدمنا إلى المملكة للعمل واتفقنا مع شخص أن يحج عن والدنا مقابل مبلغ من المال ولم ندفع إليه قطعة الأرض
стр. 8284
التي جعلها والدي لمن يحج عنه. فهل الحج صحيح، وهل علينا شيء في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الأب الذي أوصى بهذه القطعة للحج بها عنه يجب صرفها جميعاً في الحج إذا كانت من الثلث فأقل، وإن كانت أكثر من الثلث فما زاد عن الثلث فأنتم فيه بالخيار، لكن إذا علمتم أن مقصود والدكم هو الحج فقط، أي أن المقصود أن يؤتى له بحجة وأنه عين هذه الأرض من أجل التوثق، فإنه لا حرج عليكم أن تعطوا دراهم يحج بها، وتبقى هذه الأرض لكم، فالمهم أن هذا يرجع إلى ما تعلمونه من نية أبيكم، فإن كنتم تعلمون أن من نية أبيكم أن تصرف هذه الأرض كلها بالحج عنه فتنفق كلها في الحج عنه، ولو كانت عدة حجات إذا كانت لا تزيد عن الثلث، وما زاد على الثلث فأنتم فيه بالخيار، وإذا كنتم تعلمون أن والدكم يريد الحج ولو مرة، لكن عين هذه الأرض من أجل التوثقة فإنه لا حرج عليكم أن تقيموا من يحج عنه بدراهم وأن تبقوا هذه الأرض لكم.
والحج الذي أدي صحيح بكل حال، لكن يبقى إن كان الوالد يريد أن تصرف كل الأرض في الحج عنه فإذا كان ما بذلوه أقل من قيمة الأرض فحجة أخرى، ثم أخرى حتى تستكمل قيمة الأرض.
س ٢٩٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للبنت أن تحج عن أبيها المتوفى بعد أن حجت لنفسها، وماذا يشترط لذلك ؟
стр. 8285
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للبنت أن تحج عن أبيها المتوفى، وكذلك للابن أن يحج عن أبيه، وكذلك للأخ أن يحج عن أخيه، ولا حرج في ذلك، إذا كان هذا الحاج قد أدى فريضة الحج عن نفسه، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس- ﵄ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فأذن لها النبي ﷺ أن تحج عن أمها (١) .
س ٢٩٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تحج عن والدها ولو كان لها أخوة ذكور بالغون ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة أن تحج عن والدها ولو كان لها أخوة ذكور بالغون، والنيابة يقوم بها الرجال والنساء، ولهذا سألت امرأة من خثعم النبي ﷺ فقالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم " فأذن لها أن تحج، وهي امرأة عن رجل.
ولكن لابد من المحرم في كل سفر، سواء سفر الحج أو غيره، وسواء سافرت المرأة لحجها عن نفسها، أو لحجها عن غيرها.
س ٣٠٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في العام الماضي ١٤١٧ هـ وفقني الله إلى حج بيته الحرام وأديت الفريضة متمتعاً عن نفسي، وإذا رغبت في الحج عن والدي المتوفى حج
مفرد وليس متمتعاً فهل يجوز ذلك أفيدوني مأجورين ؟
стр. 8286
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان إذا أدى واجب النسك من حج وعمرة أن يحج عن غيره، أو يعتمر عن غيره، ودليل ذلك حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجل يقول: لبيك عن شبرمة. فقال النبي ﷺ : "من
شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي. قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (١) واختلف هذا الحديث في ألفاظه، وهذا يدل على أن الإنسان إذا حج عن
نفسه جاز أن يحج عن غيره، وإذا اعتمر عن نفسه جاز أن يعتمر عن غيره.
س ٣٠١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي أحد الأشخاص وهو أحد أقارب والدتي، وليس له ابن ولا بنت، وكان في حياته غير عاقل أي مختل العقل ولا يعامل معاملة العاقل، علما بأنه كان يصوم ويصلي، وسؤالنا هو: نحن لا ندري هل هو أدى فريضة الحج أم لا فماذا نفعل تجاهه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل لا فريضة عليه، لأنه مجنون، إلا أن يكون جنونه حدث بعد أن وجب عليه الحج، أما إذا كان قد جن- والعياذ بالله- قبل وجوب الحج عليه فإنه لا حج عليه، وحينئذ لا يلزمكم أن تحجوا عنه، أو أن تأخذوا من تركته ليحج عنه.
стр. 8287
س ٣٠٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للرجل أن يحج أو يعتمر عن أخيه بعد وفاته ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان أن يحج ويعتمر عن أخيه بعد وفاته، وإن لم يوصه بذلك، لأن ابن عباس ﵄ ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي ﷺ : "من شبرمة" قال: أخ لي، أو قريب لي فقال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولم يقل له: هل أوصاك بذلك، أو أذن لك بهذا، ولو كان هذا شرطاً لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
س ٣٠٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي والدي ووالدتي وأنا صغير، ولا أعرف هل أديا فريضة الحج أم لا، مع أن حالتهما كما ذكر لي كانت فقيرة جداً فماذا أعمل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: نفيدك بأن والديك ليس عليهما حج في هذه الحال، وليس في دينهما نقص يلامان عليه، وذلك أن الحج لا حما إلا على المستطيع، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فلا تقلق ولا تغتم من أجل عدم حجهما ما داما فقيرين، لكن إن أردت أن تحج وتعتمر عنهما فتبدأ أولاً بالأم، ثم ثانياً بالأب، بعد أن تكون أديت الفريضة عن نفسك فهذا حسن.
стр. 8288
س ٣٠٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يتوفى والده ووالدته فيريد أن يقدم لهما عملاً صالحاً، فأول ما يتبادر إلى ذهنه أن يحج وهما قد حجا فهل الأفضل في هذه الحال أن يدعو لهما ويكثر الدعاء في الأماكن الطيبة والأزمنة الطيبة أو أنه يحج ويعتمر عنهما ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يدعو لهما، ويجعل الحج والعمرة لنفسه، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ولم يقل يحج عنه ولا يعتمر عنه، ولا شك أن النبي ﷺ لا يدع الأفضل ويذكر المفضول أبداً بل لا يذكر للأمة إلا الأفضل لأننا نعلم أنه أنصح الخلق للخلق، وأنت أيها الإنسان محتاج إلى العمل الصالح، سيأتيك يوم تتمنى أن في ميزانك حسنة واحدة فاجعل العمل الصالح لك، وادع لميتك.
س ٣٠٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يدفع مبلغاً من المال يقول: حج عن أبي أو أمي أو خالي المتوفى نافلة فما حكم هذا وما هو الأفضل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن لا يفعل والفلوس التي يعطيها هذا الرجل ويحج عن أبيه وأمه يعطيها إنساناً لم يؤد الفريضة ليؤد الفريضة أفضل بكثير، لأنه إذا أعطى هذه الدراهم لشخص لم يؤد الفريضة صار له مثل هذا الذي أدى الفريضة.
стр. 8289
س ٣٠٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أرادت أن تحج عن والدتها وهي متوفاة ووالدتها قد أفرضت فما هو الأفضل أن تحج أو تدعو لها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تحج لنفسها وأن تدعو إلى أمها، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) ، لم يقل ولد صالح يحج عنه، أو يصوم عنه، أو يتصدق عنه، أو يصلي عنه، فإذا سألنا سائل: أيهما أفضل أن أصلي وأجعل الثواب لأبي، أو أتصدق وأجعل الثواب لأبي، أو أن أدعو لأبى؟ قلنا: الأفضل أن تدعو إلى أبيك، لأن الرسول ﷺ أعلم منا، وأنصح منا، وأفصح منا، ولم يقل: أو ولد صالح يعمل له، بل قال: ولد صالح يدعو له. هذا ما أرشد إليه النبي ﷺ .
س ٣٠٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أراد أن يحج عن ميت أو ميتة وأخذ مبلغاً من المال اتفقوا عليه، فما حكم ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تتفق مع شخص أن يحج عنك، أو عن الميت بدراهم. أما عن الميت فواضح لا يمكن أن يحج بنفسه، أما أنت فنقول: تحج بنفسك النافلة إن كنت قادراً، وإن لم تكن قادراً، لا فأعطي أحداً لم يؤد الفريضة وهو عاجز،
стр. 8290
فتساعده أنت بمالك في أداء الفريضة، ومساعدتك أنت بمالك في أداء الفريضة أفضل.
س ٣٠٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: صبي عمره أربعة عشر عاماً وتوفي فهل يحج عنه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحج عنه، لأنه صغير لم يبلغ، إلا إذا كان قد بلغ بإنبات العانة، أو بالاحتلام، فحينئذ يكون من أهل الوجوب إن كان قادراً، فإن لم يكن له مال فليس بواجب عليه.
س ٣٠٩سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل جاء من بلده للحج ثم تحطمت الطائرة قبل أن يصل هل يعتبر حاجاً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا هلك من سافر للحج قبل أن يحرم فليس بحاج، لكن الله يثيبه على عمله، أما إذا أحرم وهلك فهو حاج، لقول النبي ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فقال: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (١) ولم يأمرهم بقضاء حجه، وهذا يدل على أنه يكون
حاجاً.
стр. 8291
س ٣١٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص زوج ابنته شخصا آخر واشترط عليه أن يحج بها، وبعد ذلك توفيت هذه البنت وزوجها لم يحج بها، فأخ الأب مالا من الزوج ليحج عنها
وبعد فترة توفي الأب ولم يحج كذلك، فالاَن ابنه يسأل يقول هل أحج عن أبي حتى أبرىء ذمته أم ماذا أفعل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا واجب في تركة أبيه ودين على أبيه فإن تبرع وحج من نفسه ووفر المال للورثة فلا بأس.
س ٣١١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص توفي ولم يؤد العمرة هل يؤخذ من ماله لأداء العمرة، وقد سبق أن حج مفرداً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان ماله لتسع للعمرة أخذ من ماله، لأن القول الراجح أن العمرة واجبة، وأنه إذا لم يؤدها في حياته مع قدرته تؤخذ من تركته بعد وفاته.
س ٣١٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يُقضى الصوم والحج عن المتوفى ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصوم يقضى عنه إذا فرط فيه، بحيث يكون قد قدر على أن يصومه ولكنه لم يصم حتى مات، وهذا يقع كثيراً، مثل: أن يكون الإنسان مسافراً في رمضان فيفطر، ثم ينتهي رمضان ويتمكن من القضاء ولكنه يموت قبل القضاء، فهذا يقضى عنه فعن عائشة- ﵂ أن رسول
стр. 8292
الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (١) فإن لم يصم عنه وليه فلا إثم عليه، ولكن يكفر عن الميت عن كل يوم بإطعام مسكين " وأما الحج فيقضى عنه أيضاً إذا كان قد فرط في أدائه، مثل أن يكون مستطيعاً على الحج، ولكنه فرط فلم يحج فإنه يقضى عنه.
س ٣١٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفي والده وهو صغير ولا يعلم هل والده حج الفريضة أم لا، فطلب من أحد أبنائه أن يحج عنه وابنه هذا له ابن فأوصى أن يحج وقد حج هذا الابن عن نفسه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينوي تنفيذا لوصية والده، ولكن أعلم أن الإنسان إذا حج عن شخص نافلة وهو لم يفرض صارت فريضة حتى لو ما نوى الحج، لأن من خصائص الحج أن الإنسان إذا لم يؤد الفريضة فما حجه فهو الفريضة حتى لو حججت عن غيرك وأنت لم تؤد الفريضة صارت فريضتك أنت، والإنابة هذه لا شيء فيها ما دام الإنسان يعلم أن قصد والده أن يحج عنه فقط، أما إذا كان يعلم أن والده يقصده هو بنفسه، لأنه طالب علم فلا يوصي بها أحداً.
س ٣١٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفي ولم يحج، ولكنه اعتمر فهل تجب عليه حجة الإسلام ؟
стр. 8293
فأجاب فضيلته بقوله: حجة الإسلام لا تجب إلا على من استطاع إليه سبيلا فمن لم يكن عنده مال فإنه لا يستطيع إليه، فهذا الأخ الذي مات إذا لم يكن له مال فليس عليه حج، لأنه لا يمكن أن يصل إلى البيت ماشياً، وإذا لم يكن عنده مال فلا حج عليه، وعلى هذا فاطمئنوا ولا تقلقوا من كونه لم يحج، لأنه لا حج عليه، ونظير ذلك الرجل الفقير ليس عليه زكاة، إذا مات وهو لم يزك، فإننا لا نقلق من أجل ذلك، فالذي ليس عنده مال فلا زكاة عليه، ويلقى ربه وهو غير آثم، ومن لم يستطع أن يصل البيت لعدم المال فلا حج عليه، فيلقى ربه وهو غير آثم، لكن إذا أراد أحد منكم أن يتطوع ويحج عن هذا الميت فلا حرج، لأن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قالِ "نعم " (١) .
س ٣١٥: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج عن المتوفى إذا كان جداً للإنسان ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج أن يحج الإنسان عن جده الذي لم يحج، لأن ذلك قد جاءت به السنة عن النبي ﷺ .
س ٣١٦: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز الاعتمار عن الميت ؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز الاعتمار عن الميت، كما
стр. 8294
يجوز الحج عنه، وكذلك الطواف عنه يجوز، وكذلك جميع الأعمال الصالحة تجوز عن الميت، قال الإمام أحمد ﵀: كل قربة فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعه.
ولكن الدعاء للميت أفضل من إهداء الثواب له، والدليل على هذا قول الرسول ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ لم يقل: (أو ولد صالح يتعبد له، أو يقرأ، أو يصلي، أو يعتمر، أو يصوم، أو ما أشبه ذلك مع أن الحديث في سياق العمل) فهو يتحدث عن العمل الذي ينقطع بالموت، فلو كان المطلوب من الإنسان أن يعمل لأبيه أو لأمه، لقال النبي ﷺ : أو ولد صالح يعمل له. ولكن لو عمل الإنسان عملاً صالحاً، وأهدى ثوابه لأحد من المسلمين فإن ذلك جائز.
س ٣١٧: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدتي توفيت قبل ثلاث سنوات ولم تؤد فريضة الحج، وأريد أن أؤدي فريضة الحج عنها، وأنا لم أتزوج ولم أحج عن نفسي، فهل يصح أن أحج
لها والأمر كذلك، أفتونا بذلك جزاكم الله خيراً ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولا: لا بد أن نسأل عن هذه الوالدة هل الحج فريضة عليها أم لا؟ لأنه ليس كل من لم يحج يكون الحج فريضة عليه. إذ إن من شرط الحج أن يتوفر عند الإنسان مال يستطيع به أن يحج بعد قضاء الواجبات، والنفقات الأصلية،
стр. 8295
فنسأل: هل أمك كان عندها مال يمكنها أن تحج به، إذا لم يكن عندها مال يمكنها أن تحج به فليس عليها حج، فالذي ليس عنده مال يحج به ليس عليه حج، كالفقير الذي ليس عنده مال، ليس
عليه زكاة، وقد ظن بعض الناس أن الحج فريضة على كل حال، ورأوا أن الإنسان إذا مات ولم يحج أن الحج باق في ذمته فريضة، وهذا ظن خطأ. فالفقير لا حج عليه ولو ما لا نقول: إنه مات
وترك فريضة، كما أن الفقير لو مات لا نقول: إنه مات ولم يزك.
بل نقول: من ليس عنده مال فلا زكاة عليه، فنحن نسأل أولا: هل أمك كانت قادرة على الحج ولم تحج حتى ماتت، أو أنها عاجزة ليس عندها مال، فالحج ليس فريضة عليها، وحينئذ لا تكن في قلق، ولا تكن منزعجاً من ذلك، لأنها ماتت، وكأنها حجت ما دامت لا تستطيع الحج.
وعلى الاحتمال الأول أن عندها مالاً تستطيع أن تحج به، ولكنها لم تحج فيحج عنها من تركتها، لأن ذلك دين عليها، وإذا لم يمكن كما هو ظاهر السؤال فإنه لا يحل لك أن تحج عنها حتى تحج عن نفسك، لحديث ابن عباس- ﵄ أن رجلاً كان يقول: لبيك عن شبرمة. فقال النبي ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي، قال له: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا.
قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ابدأ بنفسك " فلا يحل أن تحج عن أمك حتى تؤدي الفريضة عن نفسك، تم إذا أديت الفريضة عن نفسك، فإن كنت في حاجة شديدة إلى النكاح فقدم النكاح، لأن النكاح
стр. 8296
من الضروريات أحياناً، ثم إن تيسر لك أن تحج عن أمك بعد ذلك فحج.
س ٣١٨: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي توفي من مدة طويلة، وأعلم أنه كان لا يصلي، وقد حضرت إلى السعودية وقمت بأداء فريضة الحج ثلاث مرات، وقد نويت في المرة
الأخيرة أن تكون لوالدي المتوفى ولكنني سمعت منكم عن حكم من لم يصل أنه في حكم الشرع كافر، وقد حزنت كثيراً عندما فكرت في موقف والدي، وسؤالي: هل تجوز له هذه الحجة؟
وهل تكفر عنه هذا التقصير في الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن هذه السائلة ذكرت في سؤالها أنها قد أدت فريضة الحج ثلاث مرات، والصحيح أن فريضة الحج مرة واحدة في العمر، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (١) وكونها عبرت بهذا التعبير (ثلاث مرات) فهذا خطأ.
وأما كونك قد حججت لوالدك وهو لا يصلي، فالكفار لا ينتفعون بالأعمال الصالحة، ولا يجوز الاستغفار لهم، لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)) (٢) ولكن نظراً لأن والدك قد يصلي في بعض الأحيان، أو يُشك في
стр. 8297
كفره، فإنه لا حرج أن تفعلي شيئاً وتقولي: اللهم اجعل أجر ذلك لوالدي إن كان مؤمناً، وتعلقي ذلك بكون أبيك مؤمنا، فمثل ذلك لا حرج فيه، فإن تعليق الأمر جائز في العبادات وفي الدعاء.
أما في العبادات فلقول النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير- ﵄، وقد أرادت أن تحج وهي مريضة قال لها ﷺ : "حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت " (١) ، وأما في الدعاء فلقوله تعالى في آية اللعان: (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)) (٢) وتقول المرأة: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)) (٣) والله الموفق.
س ٣١٩: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ماتت أمه وأراد أن يحج عنها فتوفر ذلك فما الشروط التي لا بد أن تكون في الرجل الذي سوف يحج عنها ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشروط أنه لابد أن يكون قد حج عن نفسه، الثاني أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع في أداء النسك على الوجه المطلوب.
س ٣٢٠: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مات في حريق منى هذه السنة وهذه حجة الإسلام فهل يحج عنه ؟
стр. 8298
فأجاب فضيلته بقوله: نعم من مات في الحريق بعد إحرامه فإنه لا يحج عنه، لأن النبي ﷺ قال في الرجل الذي مات يوم عرفة: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (١) وقال الله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (٢) وعلى هذا إذا كان قد أحرم فلا يحج عنه، وتكون ذمته قد
برئت ولا ينبغي أن يكمل عنه النسك، لأن النبي ﷺ لم يأمر أن يكمل عن الرجل الذي مات في عرفة نسكه، ولأنه إذا أتمه فمقتضى إتمام النسك عن الميت لو قيل بذلك لكان ذلك جناية على الميت في الواقع.
أما إذا كان احترق قبل أن يحرم فينظر إذا كان فيما مضى من السنوات قادرًا على الحج، ولكنه أخره لهذا العام فإنه يقضي عنه من تركته، وأما إذا كان لم يقدر على الحج إلا سنته هذه، فإنه لا
يقضي عنه لأنه لم يتمكن منه.
س ٣٢١: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أكثر المسائل التي يسأل عنها مسألة الحج عن الميت، هل هناك فرق بين من أوصى أن يحج عنه، أو لم يوص، أرجو الجواب بالتفصيل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أوصى أن يحج عنه وكان المال
стр. 8299
وصية فإنه يحج عنه، لأن الحج بر، وقد قال الله ﵎: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)) (١) بعد قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)) (٢) فيجب أن تنفذ وصيته لأنه أوصى
بها، أما إذا لم يوص بها فلا بأس أن يحج عنه بعد موته، ولكن الدعاء له أفضل من الحج عنه، ولهذا نقول لمن أراد أن يحج عن أبيه نافلة، اجعلها عن نفسك، وادع لأبيك في الطواف والسعي وفي الوقوف بعرفة والوقوف في مزدلفة، فذلك خير لك، لأن نبيك محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له " (٣) ، لم يقل (يعمل له) ومعلوم أن سياق الحديث في العمل، فلما عدل ﷺ عن العمل إلى الدعاء علمنا أن الدعاء له أفضل.
س ٣٢٢: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفيت زوجته ولم تحج وزوجها الآن قادر على الحج ويريد دفع قيمة الحج، لمن يقوم بأداء الحج عنها، فهل يؤجر على ذلك، وهل الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها أم يوكل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها من
стр. 8300
أجل أن يأتي بالنسك على الوجه الأكمل الذي يحبه، ولكن إذا كان لا يرغب في ذلك، ووكل من يحج عنها فهو على خير، فقد أحسن إليها، وليس بغريب أن يحسن الإنسان إلى زوجته التي كانت قرينته في الحياة، وشريكته في الأولاد، أما الوجوب فلا يجب عليه.
س ٣٢٣: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا ولي على أيتامٍ قصر ولهم مال عندي، فهل يحق لي أن أحج لأبيهم من ماله، علماً أنهم يرغبون في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل أن يحج من مال الأيتام لأبيهم تطوعًا لأنه لا يجوز أن يبذل مال الأيتام إلا في شيء واحد وهو الأضحية إذا كان ترك الأضحية يكسر قلوبهم، فهذا لا بأس أن يشتري لهم أضحية ويضحي لهم.
أما إذا كان لم يحج الفرض فليس لهم ولا لغيرهم من الميراث شيء حتى تؤدى عنه الفريضة، لأن الفريضة دين، والدين مقدم على الميراث.
س ٣٢٤: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مات شخص تارك الصلاة ورأى ابنه في المنام أنه يحج عنه فهل يحج عنه ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحج عنه، ولا يحل أن يحج عنه، ولا أن يقول: اللهم اغفر لأبي وارحمه، لأن من مات وهو لا يصلي مات كافرًا والعياذ بالله، ويحشر يوم القيامة مع فرعون،