فهرس الموضوعات
مقدمة ٢
أهمية الموضوع: ٤
أسباب اختيار الموضوع: ٥
أهداف الموضوع: ٥
الدراسات السابقة: ٦
منهج البحث: ١١
التمهيد ١٩
المبحث الأول: نبذة في تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره ١٩
تعريف الفقه لغةً واصطلاحًا: ١٩
أدوار الفقه الإسلامي: ٢٢
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي: ٢٨
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي: ٢٨
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي: ٣٣
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي: ٤٠
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي: ٤٢
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث ٤٧
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي: ٤٧
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي ٤٩
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات ٥٢
المبحث الأول: في مسائل الطهارة ٥٢
المطلب الأول: في مسائل الوضوء: ٥٢
المطلب الثاني: المسح على الجوربين: ٧٨
المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ ٨٧
المطلب الرابع: الحيض والاستحاضة: ٩١
المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه: ١٠٩
المبحث الثاني: في مسائل الصلاة ١١٣
المطلب الأول: وقت صلاة المغرب: ١١٣
المطلب الثاني: السجود على الأنف دون الجبهة: ١١٧
المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى ١٢٠
стр. 352
المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة ١٢٦
المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر ١٣٢
الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في المعاملات: ١٣٩
المبحث الأول: في مسائل النكاح: ١٣٩
المطلب الأول: غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة: ١٣٩
المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب: ١٤٣
المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها: ١٤٦
المبحث الثاني: الطلاق بغير العربية: ١٤٩
المبحث الثالث: ظهار الذمي ١٥٢
المبحث الرابع: في مسائل الأيمان ١٦٠
المطلب الأول: قول كل حلال عليّ حرام: ١٦٠
المطلب الثاني: من حلف ألا يلبس حلياً فلبس عقد اللؤلؤ ١٦٥
المطلب الثالث: من حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن: ١٦٧
المبحث الخامس: في مسائل النفقة ١٦٩
المطلب الأول: وقت وجوب النفقة للزوجة وقدرها: ١٦٩
المطلب الثاني: نفقة الزوجة إذا حُبست في دين: ١٧٤
المطلب الثالث: نفقة الزوجة إذا حبست في سفرها مع محرم لأداء الحج: ١٧٦
المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة: ١٧٨
المبحث السادس: في مسائل الإجارة ١٨١
المطلب الأول: الإجارة على الطاعات: ١٨١
المطلب الثاني: اختلاف المؤجر والمستأجر في أجرة العمل: ١٨٩
المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة: ١٩٢
المبحث الثامن: تذكية الصيد إذا أدركه المرسل حيًّا: ١٩٦
المبحث التاسع: في مسائل البيوع ١٩٩
المطلب الأول: ما يُعرَض بالأنموذج رؤية بعضه كرؤية كله: ١٩٩
المطلب الثاني: الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله: ٢٠٣
المطلب الثالث: في مسائل الربا ٢٠٦
المطلب الرابع: السلم في الخبز: ٢١٩
المبحث العاشر: ثبوت الوكالة بالقبض وثبوت الوكالة بالخصومة والتقاضي ٢٢٣
المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة ٢٢٦
المطلب الأول: حكم المزارعة: ٢٢٦
المطلب الثاني: اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها ٢٣٠
стр. 353
المطلب الثالث: حكم المساقاة: ٢٣٢
المبحث الثاني عشر: وقف العقار والمنقول: ٢٣٣
المبحث الثالث عشر: في مسائل الدعوى والشهادة ٢٣٦
المطلب الأول: الحقوق التي يجوز فيها اليمين، والحقوق التي لا يجوز فيها: ٢٣٦
المطلب الثاني: الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد المسلم: ٢٤٤
المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء ٢٥٠
المطلب الأول: الحقوق التي يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي: ٢٥٠
المطلب الثاني: إذا قضى القاضي في المجتهد فيه مخالفاً لرأيه: ٢٥٥
المبحث الخامس عشر: في مسائل القسمة ٢٥٧
المطلب الأول: كيفية قسمة البناء الذي له سفل وعلو: ٢٥٧
المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران: ٢٦١
المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل ٢٦٤
المبحث السابع عشر: في مسائل الضمان ٢٦٨
المطلب الأول: ضمان الإتلاف: ٢٦٨
المطلب الثاني: ضمان الساعي بغير حق: ٢٧٢
المبحث الثامن عشر: في مسائل الحجر ٢٧٤
المطلب الأول: تحديد سن البلوغ وعلاماته: ٢٧٤
المطلب الثاني: بيع القاضي عروض المدين وعقاره: ٢٧٨
المبحث التاسع عشر: كيفية تقدير حكومة العدل ٢٨٢
المبحث العشرون: مقدار ما يوقف للحمل من الميراث: ٢٨٥
الفصل الثالث: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العقوبات ٢٩٠
المبحث الأول: الحد المتقادم: ٢٩٠
المبحث الثاني: أثر المسافة في حد قطاع الطريق: ٢٩٥
الخاتمة ٢٩٩
الفهارس ٣٠٥
فهرس الآيات ٣٠٦
فهرس الأحاديث ٣٠٩
فهرس الآثار ٣١٤
فهرس الأعلام ٣١٥
فهرس المصادر والمراجع ٣١٦
كتب التفسير وعلومه ٣١٦
стр. 354
كتب الحديث وعلومه ٣١٧
كتب الفقه وأصوله ٣٢٦
كتب الغريب والمعاجم ٣٤٧
كتب التراجم ٣٤٩
كتب عامة ٣٥١
المجلات العلمية ٣٥١
المصادر باللغات الأخرى ٣٥١
فهرس الموضوعات ٣٥٢
стр. 355
التمهيد
المبحث الأول: نبذة في تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره
تعريف الفقه لغةً واصطلاحًا:
قبل الدخول في الكلام عن الفقه وتاريخه وأدواره يحسن بنا تعريفه لغة واصطلاحاً حتى يتضح المراد منه.
تعريف الفقه لغةً:
تأتي كلمة الفقه في اللغة بمعنى العلم والنظر والتفطُّن فيما غمض، إذا ضُم عين الفعل أي فَقُه يَفْقُه إذا صار فقيهاً عالماً، وبمعنى مطلق الفهم إذا كُسر عينه أي فَقِه يَفْقَه بمعنى فهِم شيئًا ما (١). وقيل: إنه لا فرق بينهما (٢)، وكل عالم بشيء فهو فقيه (٣).
ثم خُص به علم الشريعة (٤) وعلم الفروع منها خاصة (٥)، وحقيقته الشَّقّ وَالفَتْحُ (٦)، فكأن الفقه في مرحلة التعلّم لا يكون إلا بالشَّقّ (الذي يأتي بمعنى المشقّة والإظهار والطلوع) (٧) والفتح (لما استُغلِق منه) (٨)، وفي مرحلة التعليم يمكن أن يقال: إن الفقيه من يشتق الكلام ويفتح به على الآخرين.
стр. 356
تعريف الفقه اصطلاحاً
اتخذ الفقهاء -رحمهم الله تعالى- مسارَين لتعريف الفقه بعد استقلاله عن غيره من العلوم الشرعية (١):
المسار الأول: ذهب أصحابه إلى أن الفقه حفظ مجموعة من مسائل الأحكام الشرعية العملية الواردة في الوحيَيْن، وما يُستنبط منهما، سواء كان قد حفظها بأدلتها أو لا (٢).
والمسار الثاني: الذي وافق أصحابه قول الأصوليين في تعريف الفقه، فقالوا: إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (٣).
شرح التعريف:
(العلم): معرفة المعلوم على ما هو به (٤)، وضده الجهل بأنواعه.
(الأحكام): الحكم عند الفقهاء هو أثر خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً، فالحكم هو الأثر والنتيجة مثل الوجوب والاستحباب ونحوه، وليس الخطاب نفسه (٥).
(الشرعية): المتلقاة من الشرع ومأخوذة منه.
стр. 357
(العملية): المنسوبة إلى العمل، بأن يكون المحكوم عليه عملاً من أعمال المكلف غالباً، والمحكوم به حكم شرعي، مثل الزكاة واجبة.
(المكتسب): صفة للعلم، ومعناه المستنبط بالنظر والاجتهاد (١).
(من أدلتها التفصيلية): ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المحتج بها، والإجماع والقياس (٢)، وترتيبها الزمني يختلف عن ترتيبها الاعتباري.
وهذا التعريف من أجمع التعريفات وأمنعها وأرجحها عند كثير من العلماء، وهو المراد هنا. (٣)
محترزات التعريف:
- احترز بعبارة "العلم بالأحكام" عن العلم بالذوات والصفات الحقيقية (٤).
- احترز بلفظ "الشرعية" عن الأحكام العقلية مثل الواحد نصف الاثنين (٥)، وعن الأحكام الحسية (٦) مثل النار تحرق.
- احترز بلفظ "العملية" عن الأحكام العلمية مثل القياس حجة (٧)، وعن الأحكام الاعتقادية كالعلم بأن الله يخلق ويرزق ويدبر (٨).
стр. 358
- احترز بلفظ "المكتسب" عن علم الله تعالى وعلم جبريل والنبي فيما علمه بالوحي (١).
- احترز بعبارة "من أدلتها التفصيلية" عن علم المقلد لأئمة الاجتهاد، فإن المقلد لا يستدل بدليل تفصيلي على كل مسألة، بل بدليل واحد يعم جميع أعماله (٢).
وعليه فإن النبي ﷺ لم يترك لأصحابه ﵃ فقهاً مدوّناً، بل جملةً من الأصول والقواعد الكلية المبثوثة في القرآن الكريم والسنة، إضافة إلى كثير من المسائل الفرعية والأقضية التي بيّن حكمها التفصيلي.
وبعد اتساع رقعة دولة الإسلام، وتباعد أطرافها وشمولها لكثير من الشعوب المختلفة لاقى الفقهاء -رحمهم الله تعالى- عادات ومعاملات ووقائع لا عهد لهم بها، فاحتاجوا إلى تنظيمها، وإقامة القواعد لها، وإنزالها المنازل اللائقة بها من أحكام الشريعة ومقاصدها، فصار الفقه الإسلامي يتطور، وتتّسع آفاقه، وتكبر معالمه على أثر تلك المستجدات التي كانت تظهر بصورة تدريجية، ومن هنا بدأ تطور الفقه الإسلامي وظهور أدواره. (٣)
أدوار الفقه الإسلامي:
الفقه الإسلامي مر بأدوار مختلفة، وقد أثرت فيه عوامل عديدة، وتنوّعت مصادره تبعاً لاختلاف أطوار حياته، ولذلك اختلف أصحاب كتب تاريخ الفقه الإسلامي في عدها تبعاً لاختلاف وجهات نظرهم ومناهجهم في الكتابة.
стр. 359
والواقع أنه لا توجد فواصل زمنية محددة لهذه الأدوار، بل هي نسبيّة (١)؛ لأن الفقه لم ينتقل من دور إلى آخر دفعةً واحدةً، بل وُجد بين بعض أدواره تشابه كبير (٢)، ولأنها وُضعت بحسب المميّزات الغالبة والحالة العامّة التي تكون عليها تلك الحقبة من تاريخ الفقه.
فمن قسم أدوار الفقه إلى ثلاثة أو أربعة فقد راعى ما يستجد في النشاط العلمي، ومن قسمها إلى ستة أدوار أو أكثر ففي الغالب راعى الأحداث السياسية التي مرت بالأمة الإسلامية، والتقسيم الذي فضّلته لقربه من عنوان البحث هو الآتي:
• الدور الأول: دور التأسيس: ويمتد من البعثة النبوية إلى وفاة الرسول ﷺ سنة ١١ للهجرة.
• الدور الثاني: عصر الصحابة والتابعين: ويمتد من وفاة الرسول ﷺ إلى الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة، ويشمل هذا الدور مرحلتين اثنتين:
o المرحلة الأولى: عصر كبار الصحابة، وتشمل فترة الخلفاء الراشدين.
o المرحلة الثانية: عصر صغار الصحابة وكبار التابعين.
• الدور الثالث: دور التأصيل والتفريع: ويمتد من حوالي الثلث الأول من القرن الثاني إلى منتصف القرن الثالث، ويشمل مرحلتين اثنتين:
o المرحلة الأولى: مرحلة التأصيل، وهي مرحلة ظهور أئمة المذاهب الفقهية.
o المرحلة الثانية: مرحلة التفريع، وهي مرحلة كتابة الفقه وتدوينه.
• الدور الرابع: دور التطبيق وهو عصر مجتهدي المسائل، ويمتد من حوالي منتصف القرن الثالث إلى منتصف القرن الخامس، ويشمل مرحلتين اثنتين:
стр. 360
o المرحلة الأولى: مرحلة النبضات الأخيرة لعصور الاجتهاد المطلق.
o المرحلة الثانية: غلب عليها جنوح الفقهاء إلى التقليد وغلق باب الاجتهاد.
• الدور الخامس: دور النقد والتنقيح والاختيار، ويمتد من منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن السابع الهجري تقريباً.
• الدور السادس: دور التفقّه أو توليد المسائل وابتكار الأنظار والأبحاث، وهو أطول الأدوار زمناً، ويمتد من بداية القرن الثامن تقريبًا إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجري.
• الدور السابع: دور احتكاك الفقه بالقوانين الوضعية، وفي هذا الدور محاولات تجديد في كتابة الفقه وإعادة صياغته وإخراجه في ثوب جديد بما يتلاءم مع متطلبات العصر. ويمتد هذا الدور من أوائل القرن الثالث عشر إلى الآن (١).
هذا ما يتعلق بأدوار الفقه الإسلامي عموماً، ولكن تبقى لكل مذهب خصائصه، وقد ذكر بعض الباحثين أن المذهب الحنفي خاصةً مر بثلاثة أدوار هي:
стр. 361
١. دور النشوء والتكوين: وهو دور التأسيس ووضع قواعد المذهب وأصوله الفقهية على يد إمام المذهب وتلاميذه المقربين، ويبدأ من عهد الإمام أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- إلى موت آخر الأربعة الكبار، وهو الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي (١) (ت ٢٠٤ هـ) -رحمه الله تعالى-.
٢. دور التوسع والنمو والانتشار: ويبدأ من وفاة الحسن بن زياد اللؤلؤي -رحمه الله تعالى- إلى وفاة عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (٢) (ت ٧٠١ أو ٧١٠ هـ).
٣. دور الاستقرار: من وفاة النسفي إلى يومنا هذا (٣).
стр. 362
ويظهر من ذلك أن الدور الأول يشمل المجتهدين الإمام والأربعة الكبار من تلاميذه، والدور الثاني يشمل المجتهدين في المذهب، ولذلك اختتمه بالنسفي (ت ٧١٠ هـ)، والثالث يشمل كل من جاء بعده؛ لأن النسفي عده بعضهم من المجتهدين في المذهب، بل قيل: إنه اختتم به، ولم يوجد بعده مجتهد في المذهب (١).
والفائدة من ذكر هذه الأدوار تظهر في الربط بينها وبين طبقات علماء المذهب، وكذلك طبقات الكتب والمسائل والمصطلحات ربطاً زمنياً.
стр. 363
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي.
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي.
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي.
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي.
стр. 364
المبحث الثاني: مقدمة في المذهب الحنفي:
المطلب الأول: طبقات علماء المذهب الحنفي:
إن فقهاء المذهب الحنفي كغيرهم من علماء الأمة ليسوا على درجة واحدة، وما عاشوا في فترة واحدة، والباحث عن طبقات فقهاء المذهب الحنفي يجد نفسه أمام عدة تقسيمات لها، صرح بها علماء الحنفية أو ألمحوا إليها في كتبهم، والفائدة من معرفة طبقات الفقهاء كبيرة، إذ ترجع إلى ترجيح الأقوال في المذهب، وتقديم بعضها على بعض (١).
стр. 365
وقد خلت كتب المتقدمين من الحنفية –فيما اطلعت عليه- من تقسيم يحصر الفقهاء في طبقات، لكن ذكرتْ بعض صفات تشير إلى ذلك مثل المجتهد (١)، وقد يُطلقون لفظ المجتهد على غير فقيه (٢)، وكذلك أهل الاجتهاد (٣)، والمقلد (٤)، وما إلى ذلك، وهي بوادر تقسيم طبقات الفقهاء حسب مكانتهم العلمية، وأول من ذكر تقسيمها على هذا النحو –فيما اطلعت عليه- أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (٥)(٦).
стр. 366
والنوع الثاني تقسيم طبقات الفقهاء بحسب وجودهم الزمني، فيقال: سلف (متقدمون)، وخلف (متوسطون)، ومتأخرون، وأول من ذكر ذلك –فيما اطلعت عليه- القاضي الأحمد نكري (١) في دستوره (٢).
стр. 367
والنوع الثالث تقسيمهم على إحدى وعشرين طبقة، وذلك بذكر فقيه أو مجموعة من الفقهاء وجعلهم في طبقة، مع بيان بعض مناقبهم، ثم ذكْر مجموعة أخرى، وجعلها في طبقة أخرى مع بيان بعض مناقبهم، وهكذا (١).
كل هذه التقسيمات لم تسلم من النقد والمآخذ، فالتقسيم الأول انتُقد من حيث انطباقه على الأفراد المدرجين في كل طبقة أو عدم انطباقه (٢)، وإن كان مقبولاً في الجملة من حيث هو كقاعدة عامة.
والثاني لم يغطِّ التطور الذي أعقب الإمام حافظ الدين البخاري (٣) ومن جاء بعده من علماء المذهب.
ويمكن أن يجاب عما أُخذ على هذا الدور بما يأتي:
стр. 368
- أن صاحب التقسيم نظر إلى حال النشاط العلمي إلى نهاية القرن السابع فعلّقه به كما فعل ذلك من كتب عن أدوار الفقه عمومًا وفي الفقه الحنفي خصوصًا، ولو علقه بموت النسفي (ت ٧١٠ هـ) –آخر المجتهدين في المذهب- لكان أضبط في نظر الباحث إذا نظرنا إلى التقسيم بأنه تفصيل لفترات زمنية اتصفت بوجود علماء ذوي صفات لا توجد إلا فيهم وفي هذه الفترة (١)،
- ومنها أن تضاف طبقة أخرى تسمى ب (ما بعد المتأخرين) إذا نظرنا إلى التقسيم بأنه تفصيل لفترات زمنية مجردة لا علاقة لها بصفات الفقهاء، وهو أظهر عندي؛ لعدم وضوح أسباب علمية لتحديد الفواصل بين طبقة وطبقة.
والثالث لم يُلتفت إليه كثيرًا؛ لأنه مجرد سرد أسماء "المشاهير من الأئمة الذين نقلوا علم الشريعة ونشروه بين الأمة الأقدم فالأقدم". (٢)
وأنسب هذه التقسيمات التقسيم الثاني مع مراعاة الأجوبة عن الإشكال الوارد فيه بحيث تنتهي فترة المتأخرين بموت النسفي، وما بعدها يطلق عليه فترة (ما بعد المتأخرين)، وتستمر إلى الوقت الحاضر.
стр. 369
المطلب الثاني: طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي:
كما أن للفقهاء طبقات -كما سبق- فإن للمسائل أو الكتب التي اشتملت عليها ونقلتها طبقات، فيقدم الأعلى منزلة، ويعتمد عليه عند التعارض.
وأما المسائل الفرعية فمنها ما رُوي عن إمام المذهب وأصحابه، ومنها ما استنبطه من جاء بعدهم من الفقهاء؛ فمنها ما يرجح على غيره لأسباب ترجع إلى قوة الدليل أو علو المصدر أو مكانة القائل، ومنها ما هو مردود لعكس ذلك أو غيرها من الأسباب.
وفائدة معرفة طبقات المسائل ترجع إلى تحديد القول الراجح، وتقديم الأقوى على غيره.
وتقسيم المسائل الفرعية عند فقهاء الحنفية إلى ثلاث طبقات (١) تقسيم مشهور وشائع (٢)، وخلاصته:
стр. 370
- الطبقة الأولى: مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية أيضاً، وهي مسائل رُويت عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف (١)، ومحمد (٢) –رحمهم الله تعالى-، ويقال لهم العلماء الثلاثة، وقد يلحق بهم زُفَر (٣)، والحسن بن زياد، وغيرهما، ممن أخذ الفقه من أبي حنيفة –رحمه الله تعالى-، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم.
стр. 371
وهذه المسائل التي تسمى بظاهر الرواية والأصول هي ما وُجد في كتب محمد التي هي: المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الصغير (١) والسير الكبير (٢).
وإنما سميت بظاهر الرواية؛ لأنها رُويت عن محمد بروايات الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة (٣).
- الطبقة الثانية: مسائل النوادر، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، لكن من غير الكتب المذكورة، إما في كتب أُخر لمحمد كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات (٤).
стр. 372
وإنما قيل لها: غير ظاهر الرواية؛ لأنها لم ترد عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإما في كتب غير كتب محمد، ككتاب المجرَّد للحسن بن زياد، وغيره، وإما بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة (١)، ومُعَلَّى بن منصور (٢)، وغيرهما في مسائل معينة.
- الطبقة الثالثة: الفتاوى وتسمى بالواقعات أيضًا، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون، ولم يجدوا فيها روايةً عن أصحاب المذهب وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب أصحابهما، وهلمّ جراًّ، وهم كثيرون.
وقد يتفق لهؤلاء أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم بعدهم.
وأول كتاب جمع فتاواهم كتاب النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي (٣)، وكذلك العيون له، فإنه جمع صور فتاوى جماعة من الفقهاء، ممن أدركهم بقوله: "سئل أبو القاسم في رجل كذا أو كذا، فقال: كذا وكذا"، و"سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا، فقال: كذا وكذا"، وهكذا (٤).
وأما الكتب في المذهب الحنفي من حيث الاعتماد عليها واعتبار المسائل التي فيها يمكن تقسيمها بأكثر من اعتبار:
- الاعتبار الأول:
стр. 373
تقسيمها من حيث الرواية –وقد سبق الكلام في تقسيم المسائل-، وذلك بأن يقال: كتب ظاهر الرواية، وكتب النوادر، وكتب الفتاوى والواقعات.
- الاعتبار الثاني:
تقسيمها من حيث تقديم بعضها على بعض في الاعتماد إلى:
o المتون (١).
o الشروح (٢).
стр. 374
o الفتاوى (١).
- الاعتبار الثالث:
تقسيمها من حيث مصدرها وبناء بعضها على بعض، وذلك على النحو الآتي:
o كتب الأصول أو ظاهر الرواية وكتب النوادر.
стр. 375
o الكتب التي جمعت واختصرت كتب ظاهر الرواية كلها أو بعضها، ومنها على سبيل المثال: الكافي (١)، ومختصر القدوري (٢)(٣)، وبداية المبتدئ (٤)، وتحفة الفقهاء (٥) أو التي جمعت واختصرت كتب النوادر مثل المنتقى (٦).
o الكتب التي شرحت كتباً من الطبقة السابقة مثل المبسوط (٧)، وبدائع الصنائع (٨)، والهداية (٩)، وهكذا.
وتقسيمها بالاعتبار الثاني هو المراد في هذا البحث.
стр. 376
المطلب الثالث: مصطلحات المذهب الحنفي:
لفقهاء المذهب الحنفي مصطلحات خاصة بهم ترد في كتبهم، ويقصدون بها معنى معيناً مثل مصطلحات خاصة بالكتب والمصنفات، أو مصطلحات خاصة بالأعلام والأئمة، أو مصطلحات خاصة بعلامات الفتوى والترجيح.
ومن هذه المصطلحات ما هو عام في كتب المذهب، ومنها ما هو خاص بكتاب معين.
فمن المصطلحات الخاصة بالكتب ويتكرر ذكرها في المصنفات بشكل عام ما تقدم عند الكلام عن طبقات الكتب مثل كتب ظاهر الرواية، وكتب النوادر، وكتب الفتاوى والواقعات.
ومن المصطلحات الخاصة بكتاب معين على سبيل المثال صنيع الموصلي في المختار (١).
ومن المصطلحات الخاصة بالأعلام على سبيل المثال لا الحصر (٢):
- الأئمة الثلاثة أو أئمتنا الثلاثة: يراد بههم الإمام أبو حنيفة صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.
- الصاحبان - أبو يوسف ومحمد.
- الشيخان - أبو حنيفة وأبو يوسف.
- الطرفان - أبو حنيفة ومحمد.
- شمس الأئمة - عند الإطلاق يراد به شمس الأئمة السَّرخسي (٣)(٤).
стр. 377
والمصطلحات الخاصة بعلامات الفتوى والترجيح هي المصطلحات التي تُستعمل للدلالة على القول المختار في المذهب، ومنها على سبيل المثال: عليه الفتوى، وبه يفتى، وبه نأخذ، وعليه الاعتماد، وعليه عمل اليوم، وهو الصحيح، وهو الأصح، وهو الظاهر، وهو الأظهر، وهو المختار، وعليه فتوى مشايخنا، وهو الأشبه، وهو الأوجه إلخ (١).
فإذا اقترن قول بمصطلح أو لفظ من هذه الألفاظ كان هو القول الراجح أو المفتى به.
وواضح أن بعض هذه الألفاظ أقوى من بعض في الدلالة على القول المفتى به أو الراجح، ومن ثم فيُقدم على غيره.
فلفظ الفتوى –الذي فيه حروف الفتوى الأصلية بأي صيغة عُبِّر بها- أقوى من لفظ الصحيح والأصح والأشبه والأحوط والأظهر، فإذا صُرِّح بمصطلح الفتوى في قول عُلِم أنه المأخوذ به.
ولفظ الأصح آكد من لفظ الصحيح، ولفظ الأحوط آكد من لفظ الاحتياط، ويقال ذلك في كل ما عُبِّر فيه بأفعل التفضيل (٢).
وقد تبين من ذلك أن مصطلح (عليه الفتوى) و (به يفتى) من أقوى المصطلحات دلالة على القول الراجح أو المفتى به إذا اقترن بها (٣).
стр. 378
المطلب الرابع: قواعد الترجيح في المذهب الحنفي:
يقصد بالترجيح هنا بيان ما يعتمد عليه من أقوال أئمة المذهب عند التعارض أو ما يعتمد عليه من ورواياتهم المختلفة (١).
إذا ورد عن الإمام أو أحد من أصحابه قولان في مسألة، وصدر كل قول في وقت مختلف (٢) وعُلم المتأخر فهو معتبر، والآخر متروك، وإذا لم يُعلم المتأخر نُقل القولان معاً (٣)، وعند ذلك يصار إلى الترجيح بينهما وفقه القواعد الاستقرائية الأغلبية المبثوثة في بطون الكتب المختلفة، وكثيراً ما تتأثر بأمور منها: وصف المرجِّح بالاجتهاد أو عدمه، واختلاف عصر وزمان، والضرورة.
وقواعد الترجيح في المذهب الحنفي يمكن تقسيمها إلى أربعة أنواع:
- النوع الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بطبقات الكتب والمسائل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك (٤)، وتبين أن رواية الأصول تُقدم على رواية النوادر، وأن المتون تُقدم على الشروح، وهذا في الحقيقة قاعدة الترجيح بين القولين المختلفين.
стр. 379
فإذا كانت المسألة في غير ظاهر الرواية، ووافقت رواية الأصول، واتفق عليها المتأخرون يُعمل بها، وإن لم يوجد لها رواية عن أئمة المذهب، وإن اختلفوا (١) فإن المفتي يجتهد ويفتي بما هو صواب عنده، (٢) وإن لم يكن مجتهداً فيقدم قول الأكثر مما اعتمد عليه الكبار المعروفون (٣). قلت: ويفهم من ذلك أنه لا يُعمل بها إن خالفت رواية الأصول.
وإذا كانت المسألة في كتب ظاهر الرواية أو في المتون فقط، أو في كتب النوادر أو في الشروح فقط، فحينئذ يصار إلى بقية قواعد الترجيح.
- النوع الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالأشخاص، وفيها شيء من التفصيل:
o إذا اتفق أئمة المذهب على قول فإن على المفتي أن يفتي بقولهم، ولا يلتفت إلى من خالفهم (٤).
o وإن اختلف أئمة المذهب على أكثر من قول:
• فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه فإنه يؤخذ بقولهما، إلا لضرورة أو موجب.
• وإذا خالف أبا حنيفة صاحباه، فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان؛ فإن المفتي يأخذ بقول صاحبيه، إلا لضرورة أو موجب، وفيما سوى ذلك يتخير ويعمل بما أفضى إليه رأيه، وقيل: لا يتخير إلا المفتي المجتهِد وإلا فيقدم قول الإمام مطلقاً، وقيل: يؤخذ بقول أبي حنيفة مطلقاً؛ لأنه رأى الصحابة، وزاحم التابعين في الفتوى، فقوله أقوى (٥). وكذا لو افترضنا انعدام المجتهدين أو المفتين القادرين على الترجيح بالنظر إلى الدليل.
стр. 380
• وإن كان لكل واحد منهما قول، فيقدم قول أبي حنيفة، وإن لم يوجد له قول قُدّم قول أبي يوسف، ثم قول محمد، ويقدم من بعدهما قول زفر والحسن بن زياد اللؤلؤي؛ لأنهما في مرتبة واحدة. وهذا الترتيب يعمل به المفتي غير المجتهد، وأما المجتهد فيتخير بما ترجح عنده وأفضى إليه اجتهاده (١).
- النوع الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالموضوعات، وهي ناتجة -في الغالب- عن تطبيق القواعد السابقة، وباستقراء الآراء الراجحة من قبل العلماء تبين ما يلي:
o يقدم قول الإمام أبي حنيفة في مسائل العبادات مطلقاً ما لم يكن عنه رواية ثانية كقول المخالِف (٢).
مثال: التيمم عند عدم وجود غير نبيذ التمر، فإن أبا حنيفة قال بأن يتوضأ به ولا يتيمم، وقال أبو يوسف: يتيمم ولا يتوضأ، وهذا رواية عن أبي حنيفة، وقال محمد: يتوضأ به ويتيمم، وقد صحح هذا القول عملاً بالآية (٣).
o يقدم قول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء؛ لزيادة تجربته فيه، والشهادات (٤).
o يقدم قول محمد في جميع مسائل توريث ذوي الأرحام (٥).
o يقدم قول زفر في سبع عشرة مسألة (٦).
هذه القواعد خاصة ببعض أبواب الفقه، ويُستعان بها عند الترجيح، وأما بقية أبواب الفقه فيرجع إلى القواعد الأخرى.
стр. 381
- النوع الرابع: قواعد الترجيح المتعلقة بالمصطلحات، وقد سبقت الإشارة إليها أيضًا عند الكلام عن مصطلحات المذهب الحنفي (١)، ومنها عبارات وألفاظ تدل على القول الراجح.
فإذا ورد قولان أحدهما مرجَّح فهو معتبر بخلاف الثاني، لكن إذا ذُيِّل كل قول بلفظ من ألفاظ الترجيح فلا بد من الرجوع إلى ما يُبيِّن مرتبة تلك الألفاظ؛ لأنها ليست على درجة واحدة، فيقدم الآكد.
فعلى سبيل المثال:
o إذا صُحِّح كل من القولين بلفظ واحد مثل الصحيح أو عليه الفتوى تخير المفتي إذا لم يجد مرجِّحاً آخر.
o إذا صُحِّح كل من القولين بلفظين مختلفين مثل عليه الفتوى والصحيح، فإن التصحيح بلفظ الفتوى مقدم على غيره؛ لأنه لا يُفتى إلا بما هو صحيح، وليس كل صحيح يُفتى به؛ لكون غيره أوفق لتغير الزمان وللضرورة ونحو ذلك.
o إذا صُحِّح كل من القولين بلفظين مختلفين وأحدهما يفيد الحصر مثل: عليه الفتوى، وبه يفتى، فالأول يفيد الأصحية، ومعنى الثاني أن الفتوى لا تكون إلا بذلك (٢).
стр. 382
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها.
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين.
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته.
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة.
المسألة الثالثة: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه وشيوعه في المذهب.
стр. 383
المبحث الثالث: المراد بالألفاظ الأساسية التي تضمنها عنوان البحث
المطلب الأول: المراد بالمتأخرين في المذهب الحنفي:
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها.
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين.
المسألة الأولى: طبقة المتأخرين، تعريفها، نوعها، خصائصها وميزاتها:
قد سبقت الإشارة إلى هذه الطبقة عند الكلام عن طبقات الفقهاء في المذهب الحنفي (١)، ولعلي أعيد بعض النقاط بشيء من الاختصار.
تعريف طبقة المتأخرين:
هي طبقة زمنية لا علمية تشمل جميع فقهاء المذهب الحنفي الذين عاشوا من بعد موت شمس الأئمة الحلواني (٢) (ت ٤٥٦ هـ) إلى موت حافظ الدين البخاري (٣) (ت ٦٩٣ هـ) (٤).
نوعها: طبقات الفقهاء يمكن تقسيمها باعتبارات معينة، فمن ذلك تقسيمها بناءً على درجات الفقهاء العلمية، ومنها تقسيمها بناءً على وجود الفقهاء الزمني، وطبقة المتأخرين من هذا نوع من أنواع التقسيم.
ومن خصائصها (٥) وميزاتها:
- طولها الزمني، فقد امتدت ما يزيد على قرنين والنصف من الزمن.
стр. 384
- حركة تدوين الفقه سارت في اتجاهين اثنين: الأول: تركيز الجهود على دراسة المصنفات القديمة شرحاً وتعليقاً واختصاراً ونظماً أو جمعاً وترتيباً، والثاني: دراسة الفقه على مبدأ النقد والتنقيح والاختيار.
- فترة وضع المصطلحات المتعلقة بعلامات الإفتاء والترجيح.
- فترة انتشار المختصرات الفقهية، والمتون المعتمدة التي أُلفت فيها حقيقة (١) أو حكماً (٢).
المسألة الثانية: قوة المذهب والقول فيه في فترة المتأخرين:
بناءً على ما سبق من تحديد فترة المتأخرين وذكر بعض خصائصها وميزاتها تبين أنها فترة حافلة بالعلم والعلماء والإبداع وتنظيم العلم وخدمته؛ ففيها ألفت المتون المعتمدة الموضوعة لنقل ظاهر الرواية، وكذلك الشروح عليها.
ويلاحظ فيها تركيز العلماء على أقوال أئمة المذهب المجردة عن الدليل، فحرروها واستدلوا عليها، وبينوا أصول الأئمة، وتوسعوا في المناقشات والرد على المخالف.
وفيها ظهر نوع جديد من النشاط العلمي وهو النقد والتنقيح، ومن ثم اختيار القول الراجح بوضع الألفاظ والمصطلحات الدالة عليه مثل عليه الفتوى.
فما صُحِّح بناءً عليها يعتبر قولًا راجحًا في المذهب.
وكل ذلك أدى إلى تقوية المذهب وتنظيمه، فهي فترة تخريج الأصول، ورجحان القول، والإبداع العلمي، وتنظيم المذهب ومسائله.
стр. 385
المطلب الثاني: المراد بقولهم: (عليه الفتوى) في المذهب الحنفي
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته.
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة.
المسألة الثالثة: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه، وشيوعه في المذهب.
المسألة الأولى: مصطلح (عليه الفتوى)، تعريفه، نوعه، معناه، وأهميته ومكانته:
قد سبقت الإشارة إلى مصطلح (عليه الفتوى) عند الكلام عن مصطلحات المذهب الحنفي بشكل عام، ولا بأس أن نعيد بعض الكلام بشيء من الاختصار.
تعريفه ومعناه: مصطلح (عليه الفتوى) من أقوى المصطلحات المستخدمة للدلالة على القول الراجح في المذهب الحنفي. فإذا اقترن قول من الأقوال في المذهب الحنفي بمصطلح (عليه الفتوى) أو بما شابهه فإنه يصيِّره قولاً راجحاً يُعتمد عليه، ويفتى به.
نوعه: يُعتبر من المصطلحات الخاصة بعلامات الفتوى والترجيح.
أهميته: تظهر أهمية المصطلح إذا نظرنا إلى كثرة الروايات والأقوال عن الأئمة فيقف الباحث حائراً عند محاولة الوصول إلى الراجح منها والمعتمد في المذهب، لكن بعد تذييل المسائل بعلامات الترجيح والفتوى سهل الأمر وقرب.
مكانته: لفظ الفتوى بأي صيغة عُبِّر بها يعتبر دلالة على رجحان القول في المذهب، لكن بعضها آكد من بعض، فلفظ (به يُفتى) يفيد الحصر أي أنه لا يفتى إلا به، وهو آكد من لفظ (عليه الفتوى)؛ لأن الثاني يفيد الأصحية، وليس كل صحيح يُفتى به؛ لكون غيره أوفق لتغير الزمان أو للضرورة كما سبق. (١)
المسألة الثانية: مصطلحات مشابهة له في اللفظ والقوة:
أولا: مصطلحات مشابهة له في اللفظ:
من المصطلحات المشابهة كل ما يمكن التعبير عنه بذكر الحروف الأصلية في كلمة الفتوى، وهي على سبيل المثال لا الحصر: به يُفتى، والفتوى عليه، والفتوى على قوله، وقوله يُفتى به إلخ.
стр. 386
لكن مصطلح (به يُفتى) خاصةً إذا اقترن القول به فإنه يفيد الحصر، بمعنى أنه لا يُفتى إلا به (١)، بخلاف بقية المصطلحات.
ثانياً: مصطلحات مشابهة له في القوة:
ترد بعض المصطلحات في كتب الفقه الحنفي مثل (وبه نأخذ)، و (عليه العمل)، وقد اعتبرها بعض العلماء من المصطلحات المساوية لمصطلح عليه الفتوى (٢)، بل بعضها فُضِّل على لفظ الفتوى؛ لإفادتها الإجماع مثل مصطلح (عليه عمل الأمة) (٣).
المسألة الثانية: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه، وشيوعه في المذهب:
بعد دراسة مسائل البحث وفيما اطلعت عليه من الكتب لم أجد أحدًا سبق السرخسي صاحب المبسوط في إطلاق عبارة "عليه الفتوى" (٤)، أو "به يُفتى" (٥)، وأما شيوعه في كتب المذهب فقد كثر إطلاقه مع بداية القرن الثامن بخلاف فترة المتأخرين؛ فإنهم لم يطلقوه إلا على مسائل نادرة، والله أعلم.
стр. 387
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في مسائل الطهارة، وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الوضوء، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الماء المستعمل.
المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة.
المطلب الثاني: المسح على الجوربين.
المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ.
المطلب الرابع: الحيض والاستحاضة، وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: ثبوت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة.
المسألة الثانية: نصب العادة للمبتدأة.
المسألة الثالثة: الطهر المتخلل بين الدمين.
المسألة الرابعة: تحديد سن اليأس.
المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه.
المبحث الثاني: في مسائل الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وقت صلاة المغرب.
المطلب الثاني: السجود على الأنف دون الجبهة.
المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى.
المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة.
المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر.
стр. 388
الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات
المبحث الأول: في مسائل الطهارة
المطلب الأول: في مسائل الوضوء:
المسألة الأولى: الماء المستعمل.
المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة.
المسألة الأولى: الماء المستعمل:
الماء المستعمل عند الحنفية هو الماء "المستخدم في البدن" (١)؛ "لإزالة الحدث (٢) بنية القربة" (٣)، وقد "زايل (٤) العضوَ" (٥) و"استقر في موضع" (٦)(٧).
وقيل: يصير مستعملاً بأحد الأمور الثلاثة: رفع الحدث تقرُّباً أو غير تقرُّب، والتقرُّب كان معه رفع الحدث أو لم يكن، وسقوط الفرض عن العضو (٨)، والأول أولى.
стр. 389
والمسألة مذكورة في كتاب اللباب في بداية كتاب الطهارة عند ذكر الروايات عن أبي حنيفة –رحمه الله تعالى- في الماء المستعمل، فقال: "ذكر مشايخ بلخ عن أبي حنيفة ثلاث روايات في الماء المستعمل:
- إحداها: أنه نجس نجاسة مغلظة (كالبول والخمر)، وهي رواية الحسن بن زياد عنه.
- والثانية: أنه نجس نجاسة خفيفة وهي رواية أبي يوسف عنه.
- والثالثة: أنه طاهر غير طهور، وهي رواية محمد بن الحسن عنه.
ومشايخ العراق رووا عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور رواية واحدة، واختارها المحققون من أصحابنا، وهي القول الأشهر الأقيس الذي عليه الفتوى" (١).
وقد استدل للرواية الأولى من الكتاب والسنة، وللثانية من المعقول، وللثالثة التي وافقت رواية العراقيين –وعليها الفتوى- بحديث عون بن أبي جحيفة قال: "أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، فتوضأ وأذَّن بلال، وقال: فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة" (٢). وفي رواية: "فرأيت بلالاً أخرج وضوءًا، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء. فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به ومن لم يصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه" (٣).
стр. 390
والشاهد قوله: "فمن نائل وناضح، " ومعناه: فمنهم من ينال منه شيئًا، ومنهم من ينضح عليه غيره شيئًا مما ناله ويرش عليه بللاً مما حصل له، وهو معنى ما جاء في الرواية الثانية المذكرة: فمن لم يصب أخذ من يد صاحبه (١).
وعليه فالحديث دليل على طهارة الماء المستعمل، إن كان ما أخرجه بلال غُسالة أعضاء رسول الله ﷺ ، والأغلب أنها كانت غُسالة أعضائه وإلا لما فعل بها الصحابة ما فعلوا؛ لأن ما يفضل من وضوئه في الإناء مثل ما يفضل من وضوئه من البئر، فلولا كان الذي أخرجه بلال فضل وضوئه لما فعلوا به ما فعلوا.
وأما ما يدل على أنه غير طهور فترك الأولين بجمعه ليتوضأ به مرة بعد أخرى عند فقد الماء مع قلة المياه في الحجاز، واختلافهم فيما إذا وجد ما لا يكفيه من الماء لحدثه هل يجب استعماله أم لا (٢)؟
ويلاحظ أن لأبي حنيفة –﵀ في هذه المسألة ثلاث روايات، وأن الثالثة عن طريق محمد بن الحسن ﵀، وتعتبر ظاهر الرواية، وعليها الفتوى.
فحكم الماء المستعمل عند متأخري الحنفية أنه طاهر غير طهور، والطحاوي من المتقدمين قال بأنه غير طهور فقط، وأنه "لا يجوز توضؤ به ولا الاغتسال" (٣)، ويفهم من كلام الجصاص في شرحه على مختصر الطحاوي أنه يرجح ما سيستقر عليه الحكم عند المتأخرين وما بعدهم بأن الماء المستعمل طاهر أي في نفسه، غير طهور أي غير مطهِّر لغيره (٤).