← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لكن مصطلح (به يُفتى) خاصةً إذا اقترن القول به فإنه يفيد الحصر، بمعنى أنه لا يُفتى إلا به (١)، بخلاف بقية المصطلحات. ثانياً: مصطلحات مشابهة له في القوة: ترد بعض المصطلحات في كتب الفقه الحنفي مثل (وبه نأخذ)، و (عليه العمل)، وقد اعتبرها بعض العلماء من المصطلحات المساوية لمصطلح عليه الفتوى (٢)، بل بعضها فُضِّل على لفظ الفتوى؛ لإفادتها الإجماع مثل مصطلح (عليه عمل الأمة) (٣). المسألة الثانية: دراسة المصطلح من حيث أول من أطلقه، وشيوعه في المذهب: بعد دراسة مسائل البحث وفيما اطلعت عليه من الكتب لم أجد أحدًا سبق السرخسي صاحب المبسوط في إطلاق عبارة "عليه الفتوى" (٤)، أو "به يُفتى" (٥)، وأما شيوعه في كتب المذهب فقد كثر إطلاقه مع بداية القرن الثامن بخلاف فترة المتأخرين؛ فإنهم لم يطلقوه إلا على مسائل نادرة، والله أعلم.

стр. 387

الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: في مسائل الطهارة، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: الوضوء، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الماء المستعمل. المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة. المطلب الثاني: المسح على الجوربين. المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ. المطلب الرابع: الحيض والاستحاضة، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: ثبوت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة. المسألة الثانية: نصب العادة للمبتدأة. المسألة الثالثة: الطهر المتخلل بين الدمين. المسألة الرابعة: تحديد سن اليأس. المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه. المبحث الثاني: في مسائل الصلاة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: وقت صلاة المغرب. المطلب الثاني: السجود على الأنف دون الجبهة. المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى. المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة. المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر.

стр. 388

الفصل الأول: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العبادات المبحث الأول: في مسائل الطهارة المطلب الأول: في مسائل الوضوء: المسألة الأولى: الماء المستعمل. المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة. المسألة الأولى: الماء المستعمل: الماء المستعمل عند الحنفية هو الماء "المستخدم في البدن" (١)؛ "لإزالة الحدث (٢) بنية القربة" (٣)، وقد "زايل (٤) العضوَ" (٥) و"استقر في موضع" (٦) (٧). وقيل: يصير مستعملاً بأحد الأمور الثلاثة: رفع الحدث تقرُّباً أو غير تقرُّب، والتقرُّب كان معه رفع الحدث أو لم يكن، وسقوط الفرض عن العضو (٨)، والأول أولى.

стр. 389

والمسألة مذكورة في كتاب اللباب في بداية كتاب الطهارة عند ذكر الروايات عن أبي حنيفة –رحمه الله تعالى- في الماء المستعمل، فقال: "ذكر مشايخ بلخ عن أبي حنيفة ثلاث روايات في الماء المستعمل: - إحداها: أنه نجس نجاسة مغلظة (كالبول والخمر)، وهي رواية الحسن بن زياد عنه. - والثانية: أنه نجس نجاسة خفيفة وهي رواية أبي يوسف عنه. - والثالثة: أنه طاهر غير طهور، وهي رواية محمد بن الحسن عنه. ومشايخ العراق رووا عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور رواية واحدة، واختارها المحققون من أصحابنا، وهي القول الأشهر الأقيس الذي عليه الفتوى" (١). وقد استدل للرواية الأولى من الكتاب والسنة، وللثانية من المعقول، وللثالثة التي وافقت رواية العراقيين –وعليها الفتوى- بحديث عون بن أبي جحيفة قال: "أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، فتوضأ وأذَّن بلال، وقال: فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يمينًا وشمالًا يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة" (٢). وفي رواية: "فرأيت بلالاً أخرج وضوءًا، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء. فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به ومن لم يصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه" (٣).

стр. 390

والشاهد قوله: "فمن نائل وناضح، " ومعناه: فمنهم من ينال منه شيئًا، ومنهم من ينضح عليه غيره شيئًا مما ناله ويرش عليه بللاً مما حصل له، وهو معنى ما جاء في الرواية الثانية المذكرة: فمن لم يصب أخذ من يد صاحبه (١). وعليه فالحديث دليل على طهارة الماء المستعمل، إن كان ما أخرجه بلال غُسالة أعضاء رسول الله ﷺ ، والأغلب أنها كانت غُسالة أعضائه وإلا لما فعل بها الصحابة ما فعلوا؛ لأن ما يفضل من وضوئه في الإناء مثل ما يفضل من وضوئه من البئر، فلولا كان الذي أخرجه بلال فضل وضوئه لما فعلوا به ما فعلوا. وأما ما يدل على أنه غير طهور فترك الأولين بجمعه ليتوضأ به مرة بعد أخرى عند فقد الماء مع قلة المياه في الحجاز، واختلافهم فيما إذا وجد ما لا يكفيه من الماء لحدثه هل يجب استعماله أم لا (٢)؟ ويلاحظ أن لأبي حنيفة –﵀ في هذه المسألة ثلاث روايات، وأن الثالثة عن طريق محمد بن الحسن ﵀، وتعتبر ظاهر الرواية، وعليها الفتوى. فحكم الماء المستعمل عند متأخري الحنفية أنه طاهر غير طهور، والطحاوي من المتقدمين قال بأنه غير طهور فقط، وأنه "لا يجوز توضؤ به ولا الاغتسال" (٣)، ويفهم من كلام الجصاص في شرحه على مختصر الطحاوي أنه يرجح ما سيستقر عليه الحكم عند المتأخرين وما بعدهم بأن الماء المستعمل طاهر أي في نفسه، غير طهور أي غير مطهِّر لغيره (٤).

стр. 391

دراسة المسألة دراسة مقارنة: هذه المسألة تحتوي على شقين: الشق الأول: صفة الماء المستعمل، والشق الثاني: حكم الطهارة به، والثاني مبني على الأول؛ لأن الكثير يعبر عن صفة الماء المستعمل بحكم استعماله ثانيةً. تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على طهورية الماء المطلق وجواز الطهارة به، واختلفوا في الماء المستعمل وحكم الطهارة به، وسبب اختلافهم هل الماء المستعمل يتناوله اسم الماء المطلق أم لا (١). الأقوال في المسألة: اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كبيرًا، وقد كثرت تفريعاتهم وتنوعت تقسيماتهم، ويمكن إرجاع الخلاف إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: الماء المستعمل طاهر غير طهور، وهو القول الراجح عند الحنفية وعليه الفتوى كما سبق، وقول عند المالكية (٢)، وظاهر مذهب الشافعي (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 392

القول الثاني: الماء المستعمل طاهر طهور، وهو المشهور من قول المالكية، لكنه يكره عندهم استعماله مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره تطهّر به ولا يتيمم مع وجوده (١)، وقول عند الشافعية (٢)، وهو رواية أخرى عند الحنابلة (٣). القول الثالث: الماء المستعمل نجس، وهو ورواية مرجوحة عند الحنفية كما سبق، وقول عند الشافعية (٤). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن الماء المستعمل طاهر غير طهور بعدة أدلة، من أشهرها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. وجه الدلالة: ذكر الماء في الآية مطلقًا، والمطلق ما يتعرض للذات دون الصفات، والاستعمال صفة للماء، وعليه فلا يشمله الاسم المطلق فلا يكون طهوراً. (٥) الدليل الثاني: حديث عون بن أبي جحيفة السابق ذكره وطرفه: "أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم … " الحديث. (٦)

стр. 393

وجه الدلالة: فيه دليل على طهارة الماء المستعمل؛ لأن ما أخرجه بلال غُسالة أعضاء رسول الله ﷺ ، وإلا لما فعل بها الصحابة ما فعلوا، وليس ما فضل عن وَضوئه؛ لأن ما يفضل من وضوئه في الإناء مثل ما يفضل من وضوئه من البئر (١). وقد يناقش بأنهم كانوا يتمسحون تبركاً وليس طهارة. فيجاب: بأن التبرك بالنجس لا يجوز (٢). وقد يناقش أيضاً بأنه من خصائص النبي – ﷺ . وأما ما يدل على أنه غير طهور فلأن الأولين لم يجمعوا ما سقط عن أعضائهم في أسفارهم مع شدة ضروراتهم لقلة الماء في الحجاز. وجه الدلالة: ذلك يدل على عدم جواز استعماله وإلا لجمعوه (٣). قد يناقش بأنهم لم يجمعوا ما سقط عن أعضائهم لاستقباحه؛ ولأنه مما تعافه النفوس، وهذا له ملحظ في الشرع، كما يقال في كراهية أكل بعض الأطعمة أو حرمتها؛ لأن النفوس تستخبثه وتكرهه (٤). قد يُجاب بأن النفوس لا تستطيبه للشرب والطبخ وغيره، وأما الطهارة فلا. فيقال بأنه لا يسلم؛ لأن الماء المستعمل لرفع الحدث لا يُستطاب أيضًا لا لنفسه، بل لما يلاقي مواضع الجسد.

стр. 394

الدليل الثالث: حديث أبي هريرة –﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة، قال: "يتناوله تناولًا" (١). وجه الدلالة: فيه دليل على أن الماء المستعمل مسلوب الطهورية فلا يتطهر به مرة أخرى؛ إذ لولا أن الاغتسال فيه يخرجه عن كونه يغتسل به مرة أخرى لما نهى عنه (٢). ونوقش بأن المراد بهذا الحديث النهي عن الاغتسال في الدائم وإن كان كثيرًا لئلا يقذره. (٣) الدليل الرابع: حديث الحكَم بن عمرو "أن النبي – ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (٤)، فإذا ثبت أنه لم يُرد ما بقي في الإناء ثبت أنه أراد ما استعمل (٥). وجه الدلالة: اتفاق العلماء على أن الباقي في الإناء مطهر، فتعين حمله على الساقط وما سال عنها (٦). ونوقش بأن الحديث معارض بأحاديث صحيحة ثابتة عن غير واحد من الصحابة روَوْا جوازَ الوضوء أو الاغتسال بفضل المرأة (٧)، بل اختلف في صحته (٨).

стр. 395

يجاب بأن الأحاديث الصحيحة الثابتة تُحمل على فضل الماء المتبقي في الإناء، وحديث الحكم بن عمرو يُحمل على فضل الماء المتساقط وما سال عنها (١). وأما ما ورد عن الاختلاف في تصحيحه، فأقوى ما قيل في تضعيفه قول البخاري في تاريخه، لكنه ظنٌّ لم يذكر الدليل عليه (٢)، ثم هل قوله قصد به النسبة أم حديثه عن الحكم بن عمرو، والسياق يؤيد نفي صحة النسبة (٣). ويجاب بأن الترمذي جزم في علله أن البخاري يضعف الحديث (٤). الدليل الخامس: أنه أُديت به عبادة، فلا تُؤدى به عبادة أخرى قياساً على مسألة تحرير الرقبة في الكفارة (٥)، أو قياسا على الجماعة تيمموا في موضع واحد (٦). نوقش بأنه قياس مع الفارق، فإن الرقبة إذا حرّرت فلا يمكن تحريرها ثانياً، بخلاف الماء المستعمل. وأما تيمم الجماعة في موضع واحد فيقال بأن القياس غير صحيح؛ لأن المستعمل ما تعلَّق بالعضو، والأرض ليست كالماء، فلا تقبل صفة الاستعمال (٧)، وهو خارج الخلاف. الدليل السادس: عدم سلامة الماء المستعمل من الأوساخ ودهنية البدن (٨)، فاحتمال تنجسه قائم. قد يناقش بأن الأوساخ ودهنية البدن ليست من النجاسات الشرعية، بل من الأوساخ، وأكثر ما يقال فيه أنه تستخبثه النفوس ولا تستطيبه.

стр. 396

الدليل السابع: إن المحدث في معنى من على بدنه نجاسة في باب المنع من الصلاة، ثم وجدنا الماء المغسول به النجاسة يحل في حكم النجاسة؛ لأنها به زالت، كذلك الماء المزال به الحدث، ينبغي أن ينتقل حكم الحدث إليه؛ لأنه به زال، فوجب أن يمنع ذلك استعماله للطهارة؛ لقيام حكم الحدث فيه، كما لا يجوز استعمال الماء المغسول به النجاسة. ونوقش بأنه يجب على هذا ألا يكون مستعملًا إذا توضأ به وهو طاهر، إذا لم يزل به حدث. يجاب عنه بأن حكم الاستعمال إنما أُلحِق بمعنى آخر غير ما ذُكر في الحديث، وهو القربة به، قياسًا على المحدث. فإن قيل: العلة في المحدث سقوط الفرض به، وذلك معدوم في المتقرب به لغير حدث. فيجاب عنه بأنه لا يمتنع القياس عليه بوصف آخر، وهو ما تعلق به من الحكم، فكل ما تعلق به حكم صار مستعملًا، والحكم تارة يكون زوال الحدث، وتارة حصول القربة (١). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن الماء المستعمل طاهر طهور بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. وجه الدلالة: قوله: ﴿طَهُورًا﴾ يقتضي جوازَ التطهُّرِ به مرةً بعدَ أخرى، فهو على وزن (فَعولٍ) لِمَا يتكرَّر منه الفِعلُ، مثل: شكورٍ، وصبورٍ (٢). نوقش بأن قوله: ﴿طَهُورًا﴾ معناه مطهرًا، على وجه المبالغة في وصفه بوقوع الطهارة به، ولا دلالة فيه على التكرار، كما يقال: سيف قطوع: ويراد به الوصف بالمبالغة في القطع، ولا يراد به تكرار القطع؛ لأن ذلك قد يحصل بالسيف الكليل، ولا يسمى قطوعًا (٣). ويجاب بأن حمل الآية على المبالغة لا يمنع حملها على التكرار.

стр. 397

الدليل الثاني: الأحاديث الواردة عن النبي – ﷺ مثل حديث ابن عباس –﵄: "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء ليتوضأ منها، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يُجْنِب" (١)، وما روي عن ابن عباس أيضا "أنه – ﷺ اغتسل فرأى لُمعة لم يصبها الماء، فعصر شعره عليها" (٢) (٣). ووجه الدلالة من الحديث الأول أن الماء لا يتعدى إليه حكم الجنابة (٤)، ومن الثاني لأن النبي – ﷺ أكمل غسله بالماء المستعمل. ونوقش بأن الحديث الأول يُحمل على الاغتراف من الماء وليس الانغماس فيه؛ إذ يبعد الاغتسال داخل الجفنة عادة، ولأن (في) بمعنى (من) (٥)، وعليه يحمل معنى عدم إجناب الماء، وأما الحديث الثاني فلم يثبت.

стр. 398

الدليل الثالث: ما روي عن علي وغيره قال: إذا توضأ الرجل فنسي أن يمسح برأسه فوجد في لحيته بللاً، أخذ من لحيته فمسح رأسه (١) (٢). وجه الدلالة: مسح رأسه ببلل اللحية هو استخدام الماء المستعمل ثانية، فدل على أنه طهور. نوقش بأن الأثر ضعيف، ثم إن فيه مشكلة فقهية ترد على من يرى الترتيب في الوضوء، وكذلك لو ثبت فإنه لا يفيد استعمال الماء المستعمل؛ لأنه لم ينفصل عن البدن، ولم يستقر في موضع، وعليه فلا يسمى مستعملاً. يجاب بأنه وإن كان ضعيفاً عن علي –﵁ فقد ثبت عن غيره (٣). الدليل الرابع: كونه ماءً مطلقًا؛ لأنه في الأغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الأعضاء التي تُغسل به، فإن انتهى إلى ذلك فحكمه حكم الماء الذي تغير أحد أوصافه بشيء طاهر (٤). قد يناقش بأنه استدلال بمحل النزاع. الدليل الخامس: لأنه غُسل به محل طاهر، فلم تزل به طهوريته، كما لو غُسل به الثوب (٥). قد يناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن غسل الثوب لا يصيِّر الماء مستعملاً شرعاً، بخلاف البدن عند رفع الحدث.

стр. 399

دليل القول الثالث: استدل القائلون بأن الماء المستعمل نجس بأنه زال عنه إطلاق اسم الماء فصار كما لو تغير بالزعفران (١). قد يناقش بأنه استدلال بمحل النزاع –كما سبق في مناقشة الدليل الرابع من القول الثاني. ثم يقال: إنكم منعتم من استعمال الماء المستعمل ثانيةً، فلِم جوَّزتم استعمال الحجر المستعمل ثانية عند الاستجمار؟ يقال: إنهما سواء، لكن جوزنا إعادة الحجر المستعمل ثانية؛ لأن غسله قد أعاده إلى أصله قبل الاستعمال، وهو الطهارة، وكذلك الماء المستعمل لو عاد إلى أصله قبل الاستعمال في مخالطة الماء الكثير الطاهر جوزنا استعماله ثانيةً (٢). قلت: يمكن مناقشته بأن هناك فرقاً بين غسل الحجر المستعمل وبين مخالطة الماء المستعمل مع الماء الكثير الطاهر؛ لأن الأول يمكن إزالة النجاسة بغير الماء، وكذلك نجاسته منفصلة وليست متحللة بخلاف الثاني، ثم الحجر وما ينوب الماء في الاستجمار يوجد أكثر في الغالب بخلاف الماء الكثير الطاهر حتى نخالطه مع الماء المستعمل. ثم الصحيح من مذهبكم أن كل ما لا يجوز به رفع الحدث لم يجز إزالة النجاسة به كالماء النجس، (٣) فكيف يمكن غسل الحجر المستعمل بالماء المستعمل؟!، فإن كان الماء مستعملاً نجساً لم يجز غسل الحجر به، وإن كان الغسل بماء طاهر طهور فالاستنجاء به أولى. الترجيح: بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلة كل قول مع المناقشات ظهر لي أن القول الثاني القائل بأن الماء المستعمل طاهر طهور أقرب للصواب؛ لعدم قيام أدلة كافية تخرج الماء المستعمل عن أصله، لكن عدم استعماله أولى لأمور:

стр. 400

• خروجاً من الخلاف. • لأنه مما تعافه النفوس وتستقذره في الغالب. • وقد يُمنع من الاستخدام إذا ثبت ضرره على صحة الإنسان لكثرة ما يستخدم الآن من الكيماويات في العطور والكريمات والزيوت وغيرها، والله أعلم. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في بعض المسائل، منها: ١. لو توضأ إنسان بالماء المتقاطر عن المتوضئ بأن يكون في موضع عالٍ وهو يأخذ الماء من الهواء قبل وصوله إلى الأرض يصح عند من يرى أن الماء المستعمل طاهر طهور، وعند من يرى أنه لم يصبح مستعملاً بمجرد مفارقة العضو بل لا بد من استقراره في موضع، ولا يصح عند من يرى أن الماء المستعمل طاهر غير طهور وأصبح مستعملًا بمجرد مفارقة العضو، كما لا يصح عند من يرى أن الماء المستعمل نجس. ٢. لو أن إنساناً تطهَّر من حوض صغير، أو من إناء كبير، ثم صب ماءه الذي تطهر فيه في إناء آخر، فتوضأ به آخر صح وضوؤه عند من يرى أن الماء المستعمل طهور، ولا يصح عند من يرى أنه نجس أو غير طهور. ٣. لو أن إنساناً توضأ ومسح رأسه ببلل شعر زوجته بعد غسلها من الجنابة يصح وضوؤه عند من يرى أن الماء المستعمل طهور، ومن يرى أنه نجس أو غير طهور فلا يصح عنده. ٤. لو أن شخصاً جمع ماءً في حوض الاستحمام حتى امتلأ ثم اغتسل فيه من الجنابة، فهل له أن ينغمس فيه ويغتسل فيه من الجنابة مرة أخرى أو يتوضأ منه؟ فمن يرى أن الماء المستعمل نجس أو غير طهور فلا يرى ذلك، والعكس عند من يرى أنه طهور.

стр. 401

المسألة الثانية: الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة (١): هذه المسألة تأتي في كتب الحنفية تحت باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز، وفيه مسائل فرعية كثيرة تتعلق بالمياه وتحديد الراكد منها والجاري، وحكمها إذا خالطتها أشياء طاهرة أو نجسة. وعند تعيين الحد الفاصل بين الحوض الصغير والكبر (٢) ذكروا مسألة الغدير العظيم إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيْه، فجوزوا الوضوء منه إذا كان لا يتحرك أحد طرفين بتحريك الطرف الآخر، (٣) ثم اختلفوا في المعتبر به عند التحريك على ثلاثة أقوال: (٤) القول الأول: إن التحريك يعتبر بالاغتسال؛ لأن الحاجة إلى الاغتسال أشد منها إلى التوضؤ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف –رحمهما الله-. القول الثاني: عن أبي يوسف رواية أخرى أنه يعتبر باليد. القول الثالث: وعن محمد –﵀ أنه يعتبر بالتوضؤ.

стр. 402

والمتأخرون قدَّروه بالمساحة عشراً في عشر بذراع الكرباس (١) توسعة للأمر على الناس (٢)،

стр. 403

وعليه الفتوى (١). وجاء في المبسوط ما يفيد أن الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة –﵀ أنه اعتبر تحريك المتوضئ (أو ظنه وصول النجاسة إلى الجانب الآخر) (٢) وأبو يوسف ﵀ اعتبر تحريك المنغمس، وأما التقدير بالمساحة فقد روي عن محمد –﵀، والمشهور عنه لما سئل عن هذا فقال: "إن كان مثل مسجدي هذا فهو كبير"، فلما قام مسحوا مسجده فروي أنه كان ثمانيًا في ثمانٍ، وروي أنه اثنا عشر في اثني عشر، فكان من روى ثمانيًا في ثمانٍ مسح المسجد من داخل، ومن روى اثني عشر مسحه من خارج، لكنه رجع إلى قول أبي حنيفة-﵀، وقال: لا أقدر فيه شيئًا (٣). وإذا ثبت ذلك فمعناه أن القول المعتمد في هذه المسألة -الذي ينبغي أن تكون عليه الفتوى وفق قواعد الترجيح في المذهب الحنفي- هو ما رُوي عن أبي حنيفة وما رجع إليه محمد –رحمهما الله- من أن المعتبر هو تحريك المتوضئ وغلبة ظنه؛ لأنه اتفق قول الإمام وأحد صاحبيه، فيؤخذ بقولهما إلا لضرورة أو موجب. ولعل المتأخرين رأووا موجباً فيما ذكروه من توسعة لأمر الناس، والله أعلم.

стр. 404

وأما المتقدمون من الحنفية فكانوا يقولون أولاً بغلبة الظن والاجتهاد في طلب الطاهر من الماء إذا خالطته النجاسة، فما غلب في الظن أن النجاسة وصلت إليه لم يجز استعماله، ثم جعلوا تحرك أحد الطرفين بتحرك الطرف الآخر جهة تغلب الرأي في بلوغ النجاسة إليه (١)، ثم اختلفوا في المعتبر من التحريك –كما سبق-، ثم استقر قول المتأخرين على أن الغدير العظيم يقدر بالمساحة لموجب التوسعة على الناس (٢). وتبين مما سبق أن الغدير العظيم عند الحنفية حد فاصل بين الماء القليل والكثير، وكذلك يعتبر فاصلاً بين الماء الراكد والجاري أو ما في حكم الجاري. فالحنفية يرون أن الماء القليل الراكد إذا وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء به، قليلاً كانت النجاسة أو كثيراً لحديث المستيقظ من منامه، وحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه"، وسيأتي تخريجهما (٣). بخلاف الماء الكثير أو ما في حكم الجاري مثل الغدير العظيم المقدر بعشرة أذرع في عشرة أذرع، لكن إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من موضع النجاسة، بل من الجانب الآخر، وإن كانت غير مرئية يتوضأ من جميع الجوانب، وكذا من موضع غُسالته، ثم استقر القول بجواز الوضوء من جميع جوانب الغدير توسعة لأمر الناس (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن الماء إذا وقعت فيه النجاسة وتغير أحد أوصافه (اللون أو الطعم أو الرائحة) فإنه نجس، سواء كان كثيراً أم قليلاً (٥).

стр. 405

كما اتفقوا على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير شيئاً من أوصافه فإنه طاهر (١). واختلفوا في حكم الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير أحد أوصافه؛ هل يحكم بتنجسه لوقوع النجاسة فيه أم بطهارته لعدم تغير شيء من أوصافه، على قولين رئيسين، وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في تحديد الماء القليل والكثير، وكذلك اختلافهم في كيفية الجمع بين تعارض ظواهر الأحاديث الواردة فيها. الأقوال في المسألة (٢): اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير أحد أوصافه نجسٌ ولا يجوز الوضوء منه: وهو القول الراجح عند الحنفية، وعليه الفتوى، وعندهم القليل ما دون قدر الغدير العظيم –كما سبق- (٣). وهو قول عند المصريين من أصحاب مالك (٤).

стр. 406

وهو قول الشافعية إلا أنهم يفرقون بين الماء القليل والكثير بقدر القلتين، فما زاد عليهما فهو كثير، وما نقص منهما فهو قليل، (١). وهو أيضاً قول الحنابلة إلا أنهم اشترطوا في النجاسة أن تكون غير البول والعذرة المائعة (٢)، وأدلتهم أدلة الشافعية –كما سيأتي-. القول الثاني: إذا سقطت في الماء نجاسة فلم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر بغض النظر عن كثرة الماء أو قلته، وهو قول المالكية (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل فقهاء الحنفية بأن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحد أوصافه نجسٌ ولا يجوز الوضوء منه بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وجه الدلالة: أن النجاسات من الخبائث؛ لأنها محرمة إذ كان في استعماله استعمال الخبائث التي حرمها الله. قد يناقش بأن الآية في المطاعم والمشارب (٤)، وتحريم الأكل أو الشرب لا يلزم منه تحريم الاستعمال كما في تسميد المزروعات بالنجاسات. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].

стр. 407

وجه الدلالة: لم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فعموم هذه الآيات يوجب تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة (١). قد يناقش بأن التفريق حصل في حديث الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد عند من يرى نجاسة الخمر، ومن يرى طهارتها فالدليل ليس في محله ابتداءً، ثم هذه الآيات فيما يؤكل ويشرب (٢)، وتحريم الأكل أو الشرب لا يعني تحريم الاستعمال كما سبق. الدليل الثالث: حديث أبي هريرة –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده" (٣). وجه الدلالة: لما كان النهي عن الغمس لأجل احتمال النجاسة، فحقيقة النجاسة أولى أن يكون نجساً (٤). قد يناقش بأنه ليس لاحتمال النجاسة بل لأمر تعبدي (٥)، وإلا لما كان هناك فرقاً بين النوم بالليل والنوم بالنهار (٦). الدليل الرابع: حديث أبي هريرة –﵁ أنه سمع النبي – ﷺ يقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه" (٧)، وعند مسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه" (٨).

стр. 408

وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن قليل النجاسة ينجّس قليل الماء (١). ونوقش بأنه خاص بالبول (٢). قد يجاب عنه بأن العلة سرعة انتشار البول في الماء وهذا متأتى في غيره من النجاسات. الدليل الخامس: قياس نجاسة الثوب على نجاسة الماء، فإذا كانت على الثوب منعت الصلاة فيه، سواء كانت مرئية أو غير مرئية إذا كانت معلومة، وكذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة (٣). وقد يناقش بأكثر من وجه: - الوجه الأول: ما ورد من الأحاديث الدالة على طهارة الماء القليل إذا خالطته النجاسة ولم تغيره تفرِّق بين النجاسة على الثوب والنجاسة في الماء، فالأولى تزال وتغسل وكثرتها أو قلتها لا أثر له في الحكم بخلاف الثانية فإن كثرة النجاسة أو قلتها أمر مؤثر في الحكم. - الوجه الثاني: إن هناك فرقاً بين الثوب والماء؛ لأن الماء إذا كوثر فإنه يطهر بخلاف الثياب فإنها لا تطهر لو افترضنا لبس الملابس الطاهرة على النجسة. - الوجه الثالث: النجاسة في الماء تستحيل وتنتشر بخلاف الثياب، فهو قياس مع الفارق.

стр. 409

واستدلت الشافعية على أن الماء القليل ينجس إذا وقعت فيه نجاسة بحديث القلتين، وفيه أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١)، وقد فرقوا به بين الماء القليل والكثير (٢). وهو دليل الحنابلة أيضاً إلا أنهم اشترطوا في النجاسة أن تكون غير البول والعذرة المائعة (٣). وجه الدلالة: مفهوم الحديث يدل على أن ما كان دون القلتين ينجس.

стр. 410

ونوقش بأنه دلالة المفهوم، وأصحاب القول الثاني استدلوا –كما سيأتي- بظاهر القرآن، وأيضاً حديث بئر بضاعة استدلال بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم إجماعاً (١). ونوقش أيضًا بأنه حديث مضطرب ومختلف فيه في بعض ألفاظه وبعض رواته. يجاب عنه بأنه صححه بعض الأئمة، فإنهم جمعوا بين روايات الحديث، وأجابوا عن بعضها (٢). ونوقش أيضاً بأنه يخالف إجماع الصحابة فيما روي عن ابن عباس ﵄ أنه أمر في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله، ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد فانعقد الإجماع من الصحابة على ذلك (٣). يجاب عنه بأنه أثر لم يثبت (٤)، ولو صح فإنه يحمل على التنظيف لا الوجوب (٥). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحد أوصافه طاهر مطهر بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. وجه الدلالة: ظاهر الآية يدل على أن الماء المنزل من السماء له أوصاف، والنجاسة إذا لم تغير شيئًا من تلك الأوصاف فإن الماء يبقى على ما كان عليه من طهوريته (٦).

стр. 411

الدليل الثاني: حديث بئر بضاعة من طريق أبي سعيد الخدري –﵁ أن النبي– ﷺ قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (١)، وفي رواية: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه أو طعمه" (٢). وجه الدلالة: الحديث بمنطوقه دليل على أن الماء لا يتنجس إلا إذا غلب عليه شيء فغير طعمه أو ريحه أو لونه، والنجاسة إذا لم تغيِّر شيئاً من ذلك فإن الماء ما زال طاهرًا مطهرًا (٣). ونوقش بأنه حديث عام أريد به خاص، وهو القلتان فصاعداً (٤)، فيخصص بحديث القلتين. ونوقش أيضًا بأن قوله – ﷺ : "لا ينجسه شيء" يحمل على الماء الذي طرأ بعد إخراج النجاسات من البئر. ويجاب بأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يخرج، فحمل معنى الحديث على الماء بعد إخراج النجاسة من البئر ليس بصحيح (٥).

стр. 412

الدليل الثالث: حديث أنس بن مالك –﵁ أن أعرابيًّا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : "دعوه". فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذَنوب فصب على بوله (١). وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء؛ لأنه من المعلوم أن ذلك الموضع قد طهّر من الذَّنوب (٢). الترجيح: بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلة كل قول مع المناقشات ظهر لي أن القول الثاني القائل بأن الماء القليل إذا خالطته النجاسة ولم تغيره طاهر هو أقرب إلى الرجحان لوضوح الأدلة وقوتها. وما يتعلق بالماء الجاري والراكد فينبغي التنبه إلى أن مفهوم التفريق بينهما قد تغير لوجود المسابح والجاكوزيات والنافورات التي صُممت على أن ماءها يجري لكن بشكل متكرر، وعليه يمكن أن يصبح الماء القليل جداً جارياً (٣). فلذلك تعليق الحكم على قلة الماء أو كثرته أولى من تعليقه على جريانه أو ركوده، وأفضل من ذلك كله تعليق الحكم على أوصاف الماء الظاهرة من اللون والطعم والرائحة. ومن الآثار المترتبة على رجحان القول الثاني حفظ الماء وعدم هدره، بخلاف القول الأول، فإن في رجحانه هدراً لكثير من المياه إذ لا تستعمل لمجرد وقوع النجاسة فيها إذا كانت دون القلتين كما عند الشافعية والحنابلة أو دون الغدير العظيم كما عند الحنفية.

стр. 413

ثم فيه تسهيل على الناس؛ لأن ملاحظة اللون والطعم والرائحة أمر متيسر للجميع، بخلاف تقدير الماء بالقلتين أو الغدير العظيم، فإنه لا يتيسر للجميع وقد يدخله الوسواس. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في بعض المسائل، منها: ١. لو أن إنساناً أراد أن يتوضأ من سطل فيه ماء سقطت فيه قطرة من دم، فإن غيرت لونه أو ريحه أو طعمه فإنه نجس بالإجماع، وإن لم تغيره فإنه نجس على القول الأول؛ لأنه دون القلتين، وكذلك دون الغدير العظيم، وعلى القول الثاني طاهر طهور؛ لبقائه على الصفة التي خلقه الله عليها. ٢. لو تبول طفل في بركة سباحة سعتها ٣٠٠ لتر مثلاً ولم يتغير ماؤها بسبب البول فإنه نجس عند الحنفية؛ لأنه دون الغدير العظيم، وطاهر عند الشافعية؛ لأنه زاد على القلتين، ونجس عند الحنابلة؛ لأن النجاسة نجاسة بول، ولو كان غير البول لاتفق قولهم مع قول الشافعية، وهو طهور عند المالكية ابتداءً؛ لعدم تغيره بغض النظر إلى كثرته أو قلته.

стр. 414

المطلب الثاني: المسح على الجوربين: أورد الحنفية هذه المسألة في كتاب الطهارة تحت باب المسح على الخفين، والمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة ﵃ (١)، بل نقل الإجماع على ذلك (٢)، وهو من اختصاص الوضوء دون الغسل (٣). والخف أصله في اللغة ما يدل على خلاف الثقل والرزانة (٤)، وقيل: إنه سمي خفاً لخفة الحكم به من الغسل إلى المسح (٥). وهو ما يلبسه الإنسان (٦) على القدم، ويكون أغلظ من النعل (٧)، وقيل: كل محيط بالقدم ساتر لمحل الفرض، مانع للماء يمكن متابعة المشي فيه (٨)، وهذا التعريف فيه شيء من الإطلاق. ومن الفقهاء من قيده بقوله: "ما يستر القدم مع الكعب من شعر أو لبد أو جلد رقيق ونحوها" (٩)، وعليه فإن الخف يكون من الشعر والصوف كما يكون من الجلد.

стр. 415

وقد ألحقوا الجوربين بالخفين من حيث المسح عليهما في الجملة، والجورب ما كان على شكل الخف من كتّان أو صوف أو غير ذلك (١)، وقيل: ما يصنع على هيئة الخف من غير جلد (٢). اتفق فقهاء المذهب الحنفي على جواز المسح على الجوربين إذا كانا مجلدين أو منعلين، كما اتفقوا على عدم جواز المسح عليهما إذا كانا رقيقين يشفان الماء (٣)، وقد اختلفوا في جواز المسح على الجوربين على قولين:

стр. 416

القول الأول: لا يجوز المسح عليهما عند أبي حنيفة –﵀ إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين (١)؛ لأنه ليس في معنى الخف الذي يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلاً، وهو ما يحمل عليه ما روي عن النبي – ﷺ أنه مسح على جوربيه ونعليه (٢)، وكان

стр. 417

مسحه على الجوربين هو الذي يطهر به، ومسحه على النعلين فضلاً (١)، أي أنه مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان (٢). القول الثاني: يجوز المسح على الجوربين عند صاحبيه –رحمهما الله- إذا كانا ثخينين لا يشفان، لحديث سابق؛ ولأنه يمكنه المشي فيهما إذا كانا ثخينين، ومعناه أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف (٣). ويؤيده قول بعض العلماء إن الجورب ما يلبسه أهل البلاد الباردة ويتخذ من غزل الصوف المفتول (٤)، ومن كان هذا عمله فلا يتحقق غرضه من اتقاء البرد إلا إذا كان ثخيناً غير شفاف. وإذا رجعنا إلى قواعد الترجيح في المذهب سنجد أنه يقدم قول الصاحبين على قول الإمام إذا كانت المسألة من مسائل اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.

стр. 418

والذي يغلب على الظن من النقولات أن صنعة الجورب قد تطورت أو تغيرت، فما كان يُصنع منه في زمن الإمام لم يكن قابلاً للمشي فيه إلا إذا كان منعلاً أو مجلداً بخلاف ما كان في زمانهما، ويؤيد ذلك تعليقهم الحكم على المشي فيه لا على ما صُنع منه (١). ولو عُلق الحكم على المصنوع منه فإن الخف والجورب بينهما شبه كبير جداً قد يصل إلى درجة التطابق -كما سبق-، والخلاف حينئذ لا يتصور إلا عند من يرى غير ذلك. ومن علَّق الحكم بالمصنوع منه فالجورب عنده ما يكون على شكل الخف لكن من غير جلد (٢)، وعليه فالخف أعم من الجورب، إذ الجورب يُصنع من كل ما يُصنع منه الخف إلا الجلد. ومع هذا روي أن أبا حنيفة ﵀ رجع إلى قول صاحبيه، وعليه الفتوى (٣)، وقد استقر الحكم على ذلك (٤).

стр. 419

دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في جواز المسح على الجوربين إذا لم يكونا مجلدين أو منعلين على قولين (١): القول الأول: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان، وهو الراجح عند الحنفية –كما سبق -، وهو قول الحنابلة (٢)، وقول غير واحد من أهل العلم مثل سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣). القول الثاني: لا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدين من أعلاه وأسفله، وهو قول المالكية (٤)، وهو قول الشافعية (٥). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بجواز المسح على الجوربين بأدلة، منها:

стр. 420

الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة –﵁ أن النبي – ﷺ مسح على الجوربين والنعلين (١). وجه الدلالة: هذا يدل على أن النعلين كانا على الجوربين، لكنهما منفصلان؛ لأنه لا يجوز المسح على النعلين فقط، إذ لا يستران القدمين، فلا بد من حمل الحديث على أنه مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان. ونوقش بأنه ضعيف لا يحتج به، ولو صح لحمل على المنعل أو المجلد الذي يمكن متابعة المشي فيه (٢). ويجاب عنه بأنه اختلف في صحته، ولو تقرر أنه ضعيف فهناك أحاديث صحيحة وآثار ثابتة عن الصحابة –﵃ تدل على الجواز، وهي من الشواهد وما يعتضد به. الدليل الثاني: إجماع الصحابة –﵃، فإنهم مسحوا على الجوارب (٣)، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً (٤). الدليل الثالث: قياس الجورب على الخف، فإنه لا يظهر بينهما فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه (٥)، والتفريق بينهما يكون تفريقا بين المتماثلين، وهو خلاف ما جاءت به الشريعة. دليل القول الثاني: استدل القائلون بعدم جواز المسح على الجوربين إلا أن يكون مجلدين أو منعلين بحديث المغيرة السابق ذكره (٦) وحموا معناه على الجوربين المنعلين لا غيرهما.

стр. 421

وجه الدلالة: كون الجورب ليس في معنى الخف؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي فيه إلا إذا كان منعلاً (١)، وعليه فلا بد من حمل الحديث على ذلك؛ لأنه حكاية حال. ونوقش بأن الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته لا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مما يثبت بنفسه، ويمكن متابعة المشي فيه (٢)، وذلك موجود في الجوربين الثخينين، ولا فرق (٣). ومعنى الحديث الصحيح أن النبي – ﷺ مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان، وليس المنعلين، فمسحه على النعل كان فضلاً. الترجيح: بعد استعراض القولين بأدلتهما يظهر لي أن القول الأول القائل بجواز المسح على الجوربين أقرب إلى الرجحان من غيره؛ لقوة أدلته وتعليلاته ولورود المناقشة على دليل القول الثاني، ولأن تصنيع الجوارب بطرق حديثة يعتمد في الغالب على ثلاث مواد أساسية: الصوف والنايلون والمطاطة (٤)، وهذا قريب جداً من الجلد، وقد يكون أفضل منه؛ لأن الصوف للتدفئة، والنايلون لمنع وصول الماء إلى الجسد (ويستخدم في صناعة معاطف المطر (٥)، والمطاطة للمرونة. ثم القول بمنع المسح على الجوربين له مآلات ينبغي التنبه لها، ومن ذلك: - مخالفة معاني الرخصة الشرعية؛ لأن المسح على الخفين جاء تخفيفاً وتسهيلاً على الأمة، والجورب الآن حل محل الخف في الأغلب الأعم، وفي منع المسح عليه مشقة على الناس.

стр. 422

- مخالفة لما جاء به الشرع من الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المتفرقات، وفي منع المسح على الجوربين تفريق بين المتماثلات كما مضى. - تكلفة الخف المصنوع من الجلد تفوق تكلفة الجوارب بأضعاف، وقد لا يتيسر للجميع شراؤه فتنعدم معاني الرخصة، والله أعلم. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في بعض المسائل، منها: ١. لو أن إنسانا توضأ في يوم بارد وأراد أن يمسح على الجوربين الثخينين لا يشفان الماء، لجاز له ذلك على القول الأول؛ لأنه في معنى الخف، بخلاف القول الثاني. ٢. ولو أراد أن يمسح على الجوربين المنعلين جاز له ذلك عند الجميع، ولو مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان يجوز على القول الأول؛ لأن المسح على النعل فضل، وعلى القول الثاني لا يجوز؛ لأن المسح لا يكون إلا على المنعلين. ٣. ولو أراد أن يمسح على الجوربين الرقيقين يشفان ماء المسح أي بلل اليد أو يكشفان ما تحتهما فلا يجوز عند عامةة الفقهاء.

стр. 423

المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ النبيذ في أصل اللغة من النَّبْذ وهو طرحك الشيء من يدك أمامك أو خلفك (١)، وهو أي النبيذ تمر يلقى في الآنية ويصب عليه الماء (٢)، ويصنع من غير التمر مثل العسل ويسمى بالبِتع، والشعير ويسمى بالجَعة، و الذرة ويسمى بالمِزْر وهكذا (٣)، ولا فرق بين مسكر أو غير مسكر في التسمية (٤). هذه المسألة مبنية على تحديد حقيقة النبيذ وحكمه من حيث جواز الوضوء به، والحنفية يرون أن فاقد الماء ومن في حكمه لا يتيمم مع وجود النبيذ، بل يتعين الوضوء به، وينصون على نبيذ التمر (٥). ويذكرونها في كتاب الطهارة عند ذكر نواقض التيمم مع مسألة بطلان صلاة المتيمم إذا رأى الماء (٦)، وقد اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:

стр. 424

القول الأول: إن الوضوء بنبيذ التمر عند فقدان الماء يتعين (١)، وهو رواية عن أبي حنيفة–﵀ بدليل من السنة أن النبي – ﷺ توضأ بالنبيذ ليلة الجن (٢). والقول الثاني: ما روي عن أبي يوسف أنه يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ (٣). والقول الثالث: ما روي عن محمد أنه يتوضأ ويتيمم (٤). لكن روي أن أبا حنيفة –﵀ رجع عن قوله وقال: يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ؛ لأن النبي – ﷺ توضأ به بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة. (٥)

стр. 425

فقد اتفق قول الشيخين فيُقدم، وقد تقرر أن الحنفية يرون عدم جواز الوضوء بالنبيذ عند فقدان الماء، بل ينتقل إلى التيمم، وعليه الفتوى (١)، وهو أيضاً قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وعليه فإن المسألة عادت إلى الاتفاق بين الأئمة الأربعة (٥). ومن أدلتها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. وجه الدلالة: لم يجعل هاهنا وسطاً بين الماء والصعيد، وأمر بالانتقال إلى التيمم لمجرد فقدان الماء (٦)، وليس النبيذ ماءً مطلقاً، لا في اللغة ولا في الشرع (٧)، ومن توضأ بالنبيذ فقد ترك المأمور به (٨). ولأن الماء نكرة في سياق النفي، وهي تعم، فلا يجوز التيمم مع وجوده (٩).
следующие страницы →