وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن قليل النجاسة ينجّس قليل الماء (١).
ونوقش بأنه خاص بالبول (٢).
قد يجاب عنه بأن العلة سرعة انتشار البول في الماء وهذا متأتى في غيره من النجاسات.
الدليل الخامس: قياس نجاسة الثوب على نجاسة الماء، فإذا كانت على الثوب منعت الصلاة فيه، سواء كانت مرئية أو غير مرئية إذا كانت معلومة، وكذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة (٣).
وقد يناقش بأكثر من وجه:
- الوجه الأول: ما ورد من الأحاديث الدالة على طهارة الماء القليل إذا خالطته النجاسة ولم تغيره تفرِّق بين النجاسة على الثوب والنجاسة في الماء، فالأولى تزال وتغسل وكثرتها أو قلتها لا أثر له في الحكم بخلاف الثانية فإن كثرة النجاسة أو قلتها أمر مؤثر في الحكم.
- الوجه الثاني: إن هناك فرقاً بين الثوب والماء؛ لأن الماء إذا كوثر فإنه يطهر بخلاف الثياب فإنها لا تطهر لو افترضنا لبس الملابس الطاهرة على النجسة.
- الوجه الثالث: النجاسة في الماء تستحيل وتنتشر بخلاف الثياب، فهو قياس مع الفارق.
стр. 72
واستدلت الشافعية على أن الماء القليل ينجس إذا وقعت فيه نجاسة بحديث القلتين، وفيه أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١)، وقد فرقوا به بين الماء القليل والكثير (٢).
وهو دليل الحنابلة أيضاً إلا أنهم اشترطوا في النجاسة أن تكون غير البول والعذرة المائعة (٣).
وجه الدلالة: مفهوم الحديث يدل على أن ما كان دون القلتين ينجس.
стр. 73
ونوقش بأنه دلالة المفهوم، وأصحاب القول الثاني استدلوا –كما سيأتي- بظاهر القرآن، وأيضاً حديث بئر بضاعة استدلال بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم إجماعاً (١).
ونوقش أيضًا بأنه حديث مضطرب ومختلف فيه في بعض ألفاظه وبعض رواته.
يجاب عنه بأنه صححه بعض الأئمة، فإنهم جمعوا بين روايات الحديث، وأجابوا عن بعضها (٢).
ونوقش أيضاً بأنه يخالف إجماع الصحابة فيما روي عن ابن عباس ﵄ أنه أمر في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله، ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد فانعقد الإجماع من الصحابة على ذلك (٣).
يجاب عنه بأنه أثر لم يثبت (٤)، ولو صح فإنه يحمل على التنظيف لا الوجوب (٥).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحد أوصافه طاهر مطهر بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
وجه الدلالة: ظاهر الآية يدل على أن الماء المنزل من السماء له أوصاف، والنجاسة إذا لم تغير شيئًا من تلك الأوصاف فإن الماء يبقى على ما كان عليه من طهوريته (٦).
стр. 74
الدليل الثاني: حديث بئر بضاعة من طريق أبي سعيد الخدري –﵁ أن النبي– ﷺ قال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (١)، وفي رواية: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه ريحه أو طعمه" (٢).
وجه الدلالة: الحديث بمنطوقه دليل على أن الماء لا يتنجس إلا إذا غلب عليه شيء فغير طعمه أو ريحه أو لونه، والنجاسة إذا لم تغيِّر شيئاً من ذلك فإن الماء ما زال طاهرًا مطهرًا (٣).
ونوقش بأنه حديث عام أريد به خاص، وهو القلتان فصاعداً (٤)، فيخصص بحديث القلتين.
ونوقش أيضًا بأن قوله – ﷺ : "لا ينجسه شيء" يحمل على الماء الذي طرأ بعد إخراج النجاسات من البئر.
ويجاب بأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يخرج، فحمل معنى الحديث على الماء بعد إخراج النجاسة من البئر ليس بصحيح (٥).
стр. 75
الدليل الثالث: حديث أنس بن مالك –﵁ أن أعرابيًّا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله ﷺ : "دعوه". فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذَنوب فصب على بوله (١).
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء؛ لأنه من المعلوم أن ذلك الموضع قد طهّر من الذَّنوب (٢).
الترجيح:
بعد استعراض الأقوال في المسألة وأدلة كل قول مع المناقشات ظهر لي أن القول الثاني القائل بأن الماء القليل إذا خالطته النجاسة ولم تغيره طاهر هو أقرب إلى الرجحان لوضوح الأدلة وقوتها.
وما يتعلق بالماء الجاري والراكد فينبغي التنبه إلى أن مفهوم التفريق بينهما قد تغير لوجود المسابح والجاكوزيات والنافورات التي صُممت على أن ماءها يجري لكن بشكل متكرر، وعليه يمكن أن يصبح الماء القليل جداً جارياً (٣).
فلذلك تعليق الحكم على قلة الماء أو كثرته أولى من تعليقه على جريانه أو ركوده، وأفضل من ذلك كله تعليق الحكم على أوصاف الماء الظاهرة من اللون والطعم والرائحة.
ومن الآثار المترتبة على رجحان القول الثاني حفظ الماء وعدم هدره، بخلاف القول الأول، فإن في رجحانه هدراً لكثير من المياه إذ لا تستعمل لمجرد وقوع النجاسة فيها إذا كانت دون القلتين كما عند الشافعية والحنابلة أو دون الغدير العظيم كما عند الحنفية.
стр. 76
ثم فيه تسهيل على الناس؛ لأن ملاحظة اللون والطعم والرائحة أمر متيسر للجميع، بخلاف تقدير الماء بالقلتين أو الغدير العظيم، فإنه لا يتيسر للجميع وقد يدخله الوسواس.
ثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف في بعض المسائل، منها:
١. لو أن إنساناً أراد أن يتوضأ من سطل فيه ماء سقطت فيه قطرة من دم، فإن غيرت لونه أو ريحه أو طعمه فإنه نجس بالإجماع، وإن لم تغيره فإنه نجس على القول الأول؛ لأنه دون القلتين، وكذلك دون الغدير العظيم، وعلى القول الثاني طاهر طهور؛ لبقائه على الصفة التي خلقه الله عليها.
٢. لو تبول طفل في بركة سباحة سعتها ٣٠٠ لتر مثلاً ولم يتغير ماؤها بسبب البول فإنه نجس عند الحنفية؛ لأنه دون الغدير العظيم، وطاهر عند الشافعية؛ لأنه زاد على القلتين، ونجس عند الحنابلة؛ لأن النجاسة نجاسة بول، ولو كان غير البول لاتفق قولهم مع قول الشافعية، وهو طهور عند المالكية ابتداءً؛ لعدم تغيره بغض النظر إلى كثرته أو قلته.
стр. 77
المطلب الثاني: المسح على الجوربين:
أورد الحنفية هذه المسألة في كتاب الطهارة تحت باب المسح على الخفين، والمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة –﵃ (١)، بل نقل الإجماع على ذلك (٢)، وهو من اختصاص الوضوء دون الغسل (٣).
والخف أصله في اللغة ما يدل على خلاف الثقل والرزانة (٤)، وقيل: إنه سمي خفاً لخفة الحكم به من الغسل إلى المسح (٥).
وهو ما يلبسه الإنسان (٦) على القدم، ويكون أغلظ من النعل (٧)، وقيل: كل محيط بالقدم ساتر لمحل الفرض، مانع للماء يمكن متابعة المشي فيه (٨)، وهذا التعريف فيه شيء من الإطلاق.
ومن الفقهاء من قيده بقوله: "ما يستر القدم مع الكعب من شعر أو لبد أو جلد رقيق ونحوها" (٩)، وعليه فإن الخف يكون من الشعر والصوف كما يكون من الجلد.
стр. 78
وقد ألحقوا الجوربين بالخفين من حيث المسح عليهما في الجملة، والجورب ما كان على شكل الخف من كتّان أو صوف أو غير ذلك (١)، وقيل: ما يصنع على هيئة الخف من غير جلد (٢).
اتفق فقهاء المذهب الحنفي على جواز المسح على الجوربين إذا كانا مجلدين أو منعلين، كما اتفقوا على عدم جواز المسح عليهما إذا كانا رقيقين يشفان الماء (٣)، وقد اختلفوا في جواز المسح على الجوربين على قولين:
стр. 79
القول الأول: لا يجوز المسح عليهما عند أبي حنيفة –﵀ إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين (١)؛ لأنه ليس في معنى الخف الذي يمكن مواظبة المشي فيه إلا إذا كان منعلاً، وهو ما يحمل عليه ما روي عن النبي – ﷺ أنه مسح على جوربيه ونعليه (٢)، وكان
стр. 80
مسحه على الجوربين هو الذي يطهر به، ومسحه على النعلين فضلاً (١)، أي أنه مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان (٢).
القول الثاني: يجوز المسح على الجوربين عند صاحبيه –رحمهما الله- إذا كانا ثخينين لا يشفان، لحديث سابق؛ ولأنه يمكنه المشي فيهما إذا كانا ثخينين، ومعناه أن يستمسك على الساق من غير أن يربط بشيء فأشبه الخف (٣).
ويؤيده قول بعض العلماء إن الجورب ما يلبسه أهل البلاد الباردة ويتخذ من غزل الصوف المفتول (٤)، ومن كان هذا عمله فلا يتحقق غرضه من اتقاء البرد إلا إذا كان ثخيناً غير شفاف.
وإذا رجعنا إلى قواعد الترجيح في المذهب سنجد أنه يقدم قول الصاحبين على قول الإمام إذا كانت المسألة من مسائل اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.
стр. 81
والذي يغلب على الظن من النقولات أن صنعة الجورب قد تطورت أو تغيرت، فما كان يُصنع منه في زمن الإمام لم يكن قابلاً للمشي فيه إلا إذا كان منعلاً أو مجلداً بخلاف ما كان في زمانهما، ويؤيد ذلك تعليقهم الحكم على المشي فيه لا على ما صُنع منه (١).
ولو عُلق الحكم على المصنوع منه فإن الخف والجورب بينهما شبه كبير جداً قد يصل إلى درجة التطابق -كما سبق-، والخلاف حينئذ لا يتصور إلا عند من يرى غير ذلك.
ومن علَّق الحكم بالمصنوع منه فالجورب عنده ما يكون على شكل الخف لكن من غير جلد (٢)، وعليه فالخف أعم من الجورب، إذ الجورب يُصنع من كل ما يُصنع منه الخف إلا الجلد.
ومع هذا روي أن أبا حنيفة ﵀ رجع إلى قول صاحبيه، وعليه الفتوى (٣)، وقد استقر الحكم على ذلك (٤).
стр. 82
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في جواز المسح على الجوربين إذا لم يكونا مجلدين أو منعلين على قولين (١):
القول الأول: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان، وهو الراجح عند الحنفية –كما سبق -، وهو قول الحنابلة (٢)، وقول غير واحد من أهل العلم مثل سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣).
القول الثاني: لا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدين من أعلاه وأسفله، وهو قول المالكية (٤)، وهو قول الشافعية (٥).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بجواز المسح على الجوربين بأدلة، منها:
стр. 83
الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة –﵁ أن النبي – ﷺ مسح على الجوربين والنعلين (١).
وجه الدلالة: هذا يدل على أن النعلين كانا على الجوربين، لكنهما منفصلان؛ لأنه لا يجوز المسح على النعلين فقط، إذ لا يستران القدمين، فلا بد من حمل الحديث على أنه مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان.
ونوقش بأنه ضعيف لا يحتج به، ولو صح لحمل على المنعل أو المجلد الذي يمكن متابعة المشي فيه (٢).
ويجاب عنه بأنه اختلف في صحته، ولو تقرر أنه ضعيف فهناك أحاديث صحيحة وآثار ثابتة عن الصحابة –﵃ تدل على الجواز، وهي من الشواهد وما يعتضد به.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة –﵃، فإنهم مسحوا على الجوارب (٣)، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً (٤).
الدليل الثالث: قياس الجورب على الخف، فإنه لا يظهر بينهما فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه (٥)، والتفريق بينهما يكون تفريقا بين المتماثلين، وهو خلاف ما جاءت به الشريعة.
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بعدم جواز المسح على الجوربين إلا أن يكون مجلدين أو منعلين بحديث المغيرة السابق ذكره (٦) وحموا معناه على الجوربين المنعلين لا غيرهما.
стр. 84
وجه الدلالة: كون الجورب ليس في معنى الخف؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي فيه إلا إذا كان منعلاً (١)، وعليه فلا بد من حمل الحديث على ذلك؛ لأنه حكاية حال.
ونوقش بأن الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته لا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مما يثبت بنفسه، ويمكن متابعة المشي فيه (٢)، وذلك موجود في الجوربين الثخينين، ولا فرق (٣).
ومعنى الحديث الصحيح أن النبي – ﷺ مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان، وليس المنعلين، فمسحه على النعل كان فضلاً.
الترجيح:
بعد استعراض القولين بأدلتهما يظهر لي أن القول الأول القائل بجواز المسح على الجوربين أقرب إلى الرجحان من غيره؛ لقوة أدلته وتعليلاته ولورود المناقشة على دليل القول الثاني، ولأن تصنيع الجوارب بطرق حديثة يعتمد في الغالب على ثلاث مواد أساسية: الصوف والنايلون والمطاطة (٤)، وهذا قريب جداً من الجلد، وقد يكون أفضل منه؛ لأن الصوف للتدفئة، والنايلون لمنع وصول الماء إلى الجسد (ويستخدم في صناعة معاطف المطر (٥)، والمطاطة للمرونة.
ثم القول بمنع المسح على الجوربين له مآلات ينبغي التنبه لها، ومن ذلك:
- مخالفة معاني الرخصة الشرعية؛ لأن المسح على الخفين جاء تخفيفاً وتسهيلاً على الأمة، والجورب الآن حل محل الخف في الأغلب الأعم، وفي منع المسح عليه مشقة على الناس.
стр. 85
- مخالفة لما جاء به الشرع من الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المتفرقات، وفي منع المسح على الجوربين تفريق بين المتماثلات كما مضى.
- تكلفة الخف المصنوع من الجلد تفوق تكلفة الجوارب بأضعاف، وقد لا يتيسر للجميع شراؤه فتنعدم معاني الرخصة، والله أعلم.
ثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف في بعض المسائل، منها:
١. لو أن إنسانا توضأ في يوم بارد وأراد أن يمسح على الجوربين الثخينين لا يشفان الماء، لجاز له ذلك على القول الأول؛ لأنه في معنى الخف، بخلاف القول الثاني.
٢. ولو أراد أن يمسح على الجوربين المنعلين جاز له ذلك عند الجميع، ولو مسح على الجوربين الملبوس عليهما نعلان منفصلان يجوز على القول الأول؛ لأن المسح على النعل فضل، وعلى القول الثاني لا يجوز؛ لأن المسح لا يكون إلا على المنعلين.
٣. ولو أراد أن يمسح على الجوربين الرقيقين يشفان ماء المسح أي بلل اليد أو يكشفان ما تحتهما فلا يجوز عند عامةة الفقهاء.
стр. 86
المطلب الثالث: صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ
النبيذ في أصل اللغة من النَّبْذ وهو طرحك الشيء من يدك أمامك أو خلفك (١)، وهو أي النبيذ تمر يلقى في الآنية ويصب عليه الماء (٢)، ويصنع من غير التمر مثل العسل ويسمى بالبِتع، والشعير ويسمى بالجَعة، و الذرة ويسمى بالمِزْر وهكذا (٣)، ولا فرق بين مسكر أو غير مسكر في التسمية (٤).
هذه المسألة مبنية على تحديد حقيقة النبيذ وحكمه من حيث جواز الوضوء به، والحنفية يرون أن فاقد الماء ومن في حكمه لا يتيمم مع وجود النبيذ، بل يتعين الوضوء به، وينصون على نبيذ التمر (٥).
ويذكرونها في كتاب الطهارة عند ذكر نواقض التيمم مع مسألة بطلان صلاة المتيمم إذا رأى الماء (٦)، وقد اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:
стр. 87
القول الأول: إن الوضوء بنبيذ التمر عند فقدان الماء يتعين (١)، وهو رواية عن أبي حنيفة–﵀ بدليل من السنة أن النبي – ﷺ توضأ بالنبيذ ليلة الجن (٢).
والقول الثاني: ما روي عن أبي يوسف أنه يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ (٣).
والقول الثالث: ما روي عن محمد أنه يتوضأ ويتيمم (٤).
لكن روي أن أبا حنيفة –﵀ رجع عن قوله وقال: يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ؛ لأن النبي – ﷺ توضأ به بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة. (٥)
стр. 88
فقد اتفق قول الشيخين فيُقدم، وقد تقرر أن الحنفية يرون عدم جواز الوضوء بالنبيذ عند فقدان الماء، بل ينتقل إلى التيمم، وعليه الفتوى (١)، وهو أيضاً قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وعليه فإن المسألة عادت إلى الاتفاق بين الأئمة الأربعة (٥).
ومن أدلتها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
وجه الدلالة: لم يجعل هاهنا وسطاً بين الماء والصعيد، وأمر بالانتقال إلى التيمم لمجرد فقدان الماء (٦)، وليس النبيذ ماءً مطلقاً، لا في اللغة ولا في الشرع (٧)، ومن توضأ بالنبيذ فقد ترك المأمور به (٨).
ولأن الماء نكرة في سياق النفي، وهي تعم، فلا يجوز التيمم مع وجوده (٩).
стр. 89
الدليل الثاني: حديث أبي ذر –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين" (١)(٢).
وجه الدلالة: في الحديث دليل على الانتقال إلى التيمم عند فقدان الماء ولو طالت المدة.
وأما مسألة صلاة المتيمم إذا رأى النبيذ فهي متفرعة عن مسألة صلاة المتيمم إذا رأى الماء، ولها أقوالها وأدلتها، وقد اتفق الأئمة على أن النبيذ لا يأخذ حكم الماء من حيث الوضوء به –كما سبق-، وعليه فإن وجوده قبل الصلاة لا يمنع التيمم كما أن رؤيته أثناء الصلاة لا يبطلها.
وعلى فرض وجود الخلاف في مسألتي الوضوء بالنبيذ وما انبنى عليها من رؤيته من قبل المتيمم أثناء الصلاة فإن لها ثمرات عملية، على سبيل المثال:
- لو أن إنساناً أراد أن يتوضأ للصلاة فلم يجد الماء وعنده نبيذ التمر، فإنه يتوضأ به على قول الحنفية المرجوع عنه، ولا يتوضأ به على قول المالكية والشافعية والحنابلة، وعليه لو لم يجد الماء ولا النبيذ فتيمم وأقام الصلاة ثم رأى النبيذ، فعلى قول الحنفية بطل التيمم؛ لأنه زال السبب الشرعي لجوازه، وعند بقية الأئمة لا أثر له؛ لأنه لا يأخذ حكم الماء، فوجوده ابتداءً لم يمنع من التيمم ورؤيته أثناء الصلاة لم يبطلها من باب أولى.
стр. 90
المطلب الرابع: الحيض والاستحاضة:
المسألة الأولى: ثبوت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة.
المسألة الثانية: نصب العادة للمبتدأة.
المسألة الثالثة: الطهر المتخلل بين الدمين.
المسألة الرابعة: تحديد سن اليأس.
المسألة الأولى: ثبوت حكم الحيض والنفاس والاستحاضة:
الحيض هو الدم الخارج من الرحم (لا يعقب الولادة) (١) الممتد إلى وقت معلوم، والنفاس الدم الذي يخرج عقيب الولادة، والاستحاضة هي ما انتقص من أقل الحيض وما زاد على أكثر الحيض والنفاس (٢).
وقد جاء في كتب الحنفية ما يفيد أن حكم الحيض والنفاس والاستحاضة لا يثبت إلا بظهور الدم وبروزه (٣)، وروي عن محمد –﵀ في غير الأصول أن حكم الحيض والنفاس يثبت إذا أحست بالبروز، وإن لم يظهر، وحكم الاستحاضة لا يثبت إلا بالظهور؛ لأن الحيض والنفاس لهما وقت معلوم فيمكن إثبات حكمهما باعتبار وقتهما إذا أحست بالبروز، والاستحاضة حدث كسائر الأحداث ليس له وقت معلوم لإثبات حكمه فلا يثبت إلا بالظهور، وسموه ركن الحيض، والفتوى على الأول، وهو ظاهر الرواية (٤).
стр. 91
والدليل ما روي أن امرأة قالت لعائشة ﵂ إن فلانة تدعو بالمصباح ليلاً فتنظر إليها فقالت عائشة ﵂: "كنا في عهد رسول الله ﷺ لا نتكلف لذلك إلا بالمس" (١).
وجه الدلالة: الحديث دليل على أن المس لا يكون إلا بعد الخروج، والبروز (٢).
ويظهر أنه قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، لأني لم أجدهم يذكرون هذه المسألة بألفاظها، بل في ثنايا الكلام عن تعريف الدماء الخارجة ويقيدونه بخروج الدم ورؤيته، وهو موافق لقول الحنفية، فالمسألة متفق عليها بين المذاهب.
وعلى فرض وجود الخلاف كما عند الحنفية فإن ثمرته تظهر في صوم المرأة إذا أحست بأعراض الحيض قبل غروب الشمس وأن الدم ينزل، لكن لم يخرج حقيقة ولم تره إلا بعد الغروب، فالصوم صحيح عند الجميع، وعند محمد –﵀ تقضيه.
стр. 92
المسألة الثانية: نصب العادة للمبتدأة:
المبتدأة هي التي لم تتكرر منها رؤية الدم الخارج (١)، فإذا رأت دماً صحيحاً وطهراً صحيحاً مرة واحدة ثم ابتليت بالاستمرار يصير ذلك عادة لها في زمان الاستمرار، فلو رأت خمسة دماً وخمسة عشر طهراً ثم استمر بها الدم فإنها تترك من أول الاستمرار خمسة وتصلي خمسة عشر، ويكون ذلك عادتها التي تقيس عليها الحيضة الموالية، لكن إذا رأت خلاف عادتها مرة واحدة فإن عادتها لا تنتقل على قول أبي حنيفة ومحمد –رحمهما الله-، حتى ترى المخالف مرتين على الأقل، وعلى قول أبي يوسف –﵀ تنتقل العادة برؤية المخالف مرة؛ لأن ذلك أيسر على النساء، وعليه الفتوى (٢).
والذي يظهر أن التيسير على النساء موجب الأخذ بقول أبي يوسف –﵀ بدل قول الطرفين.
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اختلف العلماء فيما تثبت به العادة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تثبت العادة بمرة واحدة، وهو قول الحنفية –كما سبق-، والمالكية (٣)، والشافعية في الأصح. (٤)
стр. 93
القول الثاني: تثبت العادة إذا تكررت مرتين، وهذا ما يوافق قول الطرفين من الحنفية –كما سبق-، وهو قول عند الشافعية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢).
القول الثالث: تثبت العادة إذا تكررت ثلاثاً متساوية ابتداءً وانتهاءً، وهو رواية ثانية عند الحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن العادة تثبت بمرة واحدة بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].
وجه الدلالة: الآية فيها تشبيه العود بالبدء فيفيد إطلاق العود على ما فعل مرة واحدة (٤).
نوقش بأن الاستدلال غير ظاهر؛ لأن الآية لا تفيد إطلاق العود على مرة واحدة، وإنما أطلق العود فيها على المرة الثانية (٥).
стр. 94
الدليل الثاني: حديث أم سلمة زوج النبي – ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت لها رسول الله ﷺ فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي" (١).
وجه الدلالة: الحديث قد دل على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة، ولأن الظاهر أنها فيه كالذي يليه لقربه إليها، فهو أولى مما انقضى (٢).
دليل القول الثاني:
استدل القائلون بأن العادة لا تثبت إلا إذا تكررت مرتين بكون لفظ العادة مشتق من العود، وذلك لا يتحقق إلا بأكثر من مرة.
نوقش بأن لفظ العادة لم يرد به نص فيتعلق به (٣).
دليل القول الثالث:
استدل القائلون بأن العادة لا تثبت إلا إذا تكررت ثلاثاً بالحديث: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٤).
стр. 95
وجه الدلالة: ورد في الحديث لفظ (الأقراء)، وهو جمع قرء، وأقله ثلاثة (١)، والعادة إذاً لا تثبت إلا إذا تكررت ثلاثاً.
وقد يناقش بأن الحديث لم يثبت، بل ثبت لفظ: "دعي الصلاة أيام حيضك" (٢)، وهو مفرد، وإن صح الاستدلال به فهو دليل القول الأول.
الترجيح:
بعد استعراض المسألة بأقوالها وأدلتها لكل قول يظهر لي أن القول الأول أقرب إلى الرجحان؛ لقوة دليله وورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى، وللخلاف فيها ثمرة عملية تظهر في بعض الأمثلة، ومنها:
- لو أن امرأة رأت في الشهر الأول أربعة دماً وأربعة عشر طهراً، وفي الثاني ستة دماً وأربعة عشر طهراً، وفي الثالث خمسة دماً وخمسة عشر طهراً، فعلى القول الأول تثبت عادتها بحسب الشهر الأخير وهو خمسة، وعلى القول الثاني كذلك؛ لأنها تكررت مرتين ضمناً في الشهر الثاني والثالث (٣)، وعلى القول الثالث لم تثبت عادتها بعد؛ لأنها غير متساوية ابتداءً وانتهاءً في الشهور الثلاثة.
стр. 96
المسألة الثالثة: الطهر المتخلل بين الدمين:
مسألة الطهر المتخلل بين الدمين ترد في كتب الحنفية في كتاب الحيض والنفاس (١)، وقد اتفقوا على أن الطهر المتخلل إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً بين الدمين في الحيض، فما بلغ من كل من الدمين نصاباً جعل حيضاً، كما اتفقوا على أنه إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلاً وإن كان أكثر من الدمين (٢)، واختلفوا فيما بين ذلك على خمس روايات (٣):
١. أن الأصل عند أبي يوسف، وقول آخر عند أبي حنيفة –رحمهما الله- أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يومًا لا يصير فاصلاً، بل يجعل كالدم المتوالي، ومن أصله أيضًا أنه يجوز بداية الحيض بالطهر، وكذلك ختمه، بشرط أن يكون قبله وبعده دم، فإن كان بعده دم، ولم يكن قبله دم يجوز ختم الحيض بالطهر، ولا يجوز بدايته به، وإن كان قبله دم ولم يكن بعده دم يجوز بداية الحيض بالطهر، ولا يجوز ختمه به، ومن أصله أيضاً أنه يجعل زمانًا هو طهر كله حيضًا بإحاطة الدمين به.
ومن الأمثلة على ذلك:
- المبتدأة لو رأت يوماً دماً وأربعة عشر طهراً ويومًا دماً فالعشرة من أول ما رأت عنده حيض يحكم ببلوغها.
- وكذلك إذا رأت يوماً دماً وتسعة طهراً ويوماً دماً.
٢. وروى محمد عن أبي حنيفة –رحمهما الله- إن الشرط أن يكون الدم محيطاً بطرفي العشرة، فإن كان كذلك لم يكن الطهر المتخلل فاصلاً بين الدمين وإلا كان فاصلاً، وعلى هذه الرواية لا يجوز بداية الحيض ولا ختمه بالطهر.
стр. 97
ومن الأمثلة على ذلك:
- لو رأت يوماً دماً وثمانية طهراً ويوماً دماً أو رأت ساعة دماً وعشرة أيام غير ساعتين طهراً وساعة دماً فالعشرة كلها حيض؛ لإحاطة الدم بطرفي العشرة.
- ولو رأت يوماً دماً وسبعة طهراً ويوماً دماً لم يكن شيء منه حيضاً، وهذا خلاف الرواية الأولى.
٣. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة -رحمهما الله- مع هذا شرطًا آخر، وهو أن يكون المرئي في أكثر الحيض مثل أقله فإن وجد هذا الشرط فالطهر المتخلل لا يكون فاصلاً، وإن لم يوجد كان فاصلاً، ولم يكن شيء منه حيضاً، وهو قول زفر ﵀.
وجه الرواية أن الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وهو اسم للدم، فإذا بلغ المرئي هذا المقدار كان قوياً في نفسه فجعل أصلاً وما يتخلله من الطهر تبعاً له، وإن كان الدم دون هذا كان ضعيفاً في نفسه لا حكم له إذا انفرد، فلا يمكن جعل زمان الطهر حيضاً تبعاً.
ومن الأمثلة على ذلك:
- لو رأت يوماً دماً وثمانية طهراً ويوماً دماً لم يكن شيء منه حيضاً على هذه الرواية؛ لأن المرئي من الدم دون الثلاث.
- ولو رأت يومين دماً وسبعة طهراً ويوماً دماً فالعشرة حيض؛ لأن المرئي بلغ أقل مدة الحيض.
- وكذلك إن رأت يوماً دماً وأربعة طهراً ويوماً دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً فالعشرة حيض.
٤. والأصل عند محمد ﵀ وعليه الفتوى أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة أيام لا يصير فاصلاً، فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام أو أكثر نظر فإن استوى الدم بالطهر في أيام الحيض أو كان الدم غالبًا لا يصير فاصلاً، وإن كان الطهر غالباً يصير فاصلاً.
وجه الرواية أن الطهر معتبر بالحيض، فكما تبني ما دون الثلاث من الحيض لا حكم له ويجعل كحال الطهر، فكذلك ما دون الثلاث من الطهر لا حكم له فيجعل كالدم المتوالي.
وإذا بلغ ثلاثة أيام فصاعداً فإن كان الدم غالباً فالمغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب.
стр. 98
وإن كانا سواء فكذلك لوجهين:
أحدهما: قياس، وهو تبني اعتبار الدم يوجب حرمة الصوم والصلاة، واعتبار الطهر يوجب حل ذلك، فإذا استوى الحلال والحرام يغلب الحرام الحلال كما في التحري في الأواني إذا كانت الغلبة للنجاسة أو كانا سواء لا يجوز التحري فهذا مثله.
والثاني: استحسان، وهو أن المرأة لا ترى الدم على الولاء؛ لأن ذلك يُضْنيِها فيقتلها فبهذا الاعتبار لا بد أن يجعل بعض الزمان الذي لم يكن فيه الدم معتبراً بالحيض وعند ذلك يغلب الدم على الطهر عند التساوي فلهذا جعلناه كالدم المتوالي.
فأما إذا غلب الطهر الدم يصير فاصلاً؛ لأن حكم الغالب ظاهر شرعًا، وإذا صار فاصلاً بقي كل واحد من الدمين منفرداً عن صاحبه فيعتبر فيه إمكان جعله حيضاً كأنه ليس معه غيره، وإن وجد الإمكان فيهما جعل المتقدم حيضاً؛ لأنه أسرعهما إمكاناً، وأمر الحيض مبني على الإمكان، ثم لا يجعل المتأخر حيضاً؛ لأنه ليس بينهما طهر خمسة عشر يوماً، ولا بد أن يتخلل بين الحيضتين طهر تام، وأقل الطهر التام خمسة عشر يوماً.
ومن الأمثلة على ذلك:
- مبتدأة رأت يوماً دماً ويومين طهراً ويومًا دماً فالأربعة حيض؛ لأن الطهر المتخلل دون الثلاث.
- ولو رأت يوماً دماً وثلاثة طهراً ويوماً دماً لم يكن شيء منه حيضًا؛ لأن الطهر بلغ ثلاثة أيام، وهو غالب على الدمين فصار فاصلاً.
- وكذلك إن زادت في الطهر فإن رأت يوماً دماً وثلاثة طهراً ويومين دماً فالستة كلها حيض؛ لأن الدم استوى بالطهر في طرفي الستة فصار غالباً.
- ولو رأت يومًا دماً وأربعة طهراً ويوماً دماً لم يكن شيء منه حيضًا؛ لأن الطهر غالب.
- وكذلك لو رأت يومين دماً وخمسة طهراً ويوماً دمًا لم يكن شيء منه حيضًا؛ لأن الطهر غالب.
- ولو رأت ثلاثة دماً وأربعة طهراً ويوماً دمًا فالثمانية حيض؛ لاستواء الدم بالطهر.
- ولو رأت ثلاثة دماً وخمسة طهراً ويوماً دماً فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأن الطهر غالب فصار فاصلاً، والمتقدم يمكن أن يجعل بانفراده حيضًا فجعلناه حيضاً.
стр. 99
- ولو رأت يوماً دماً وخمسة طهراً وثلاثة دماً فحيضها الثلاثة الأخيرة.
- وإن رأت ثلاثة دماً وستة طهراً وثلاثة دماً فحيضها الثلاثة الأول؛ لأنه أسرعها إمكاناً (١).
٥. الأصل السابق هو الأصل عند الحسن بن زياد –﵀ أيضًا إلا أنه خالفه في اعتبار غلبة الدم، وفي مساواة الدم بالطهر (٢).
وقد تبين مما سبق أن علماء المذهب الحنفي قد اتفقوا على أن الطهر المتخلل إذا كان خمسة عشر يومًا فأكثر يعتبر فاصلاً بين الدمين، والعكس إن كان دون ثلاثة أيام، وقد اختلفوا فيما بين ذلك، والسرخسي رجَّح الرواية الرابعة، وذكر أن الفتوى عليه (٣)، والذي يظهر أن ذلك ليس على إطلاقه، لأنه جاء في تبيين الحقائق "وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يومًا لم يفصل؛ لأنه طهر فاسد، فصار بمنزلة الدم، وكثير من المتأخرين أفتوا بهذه الرواية؛ لأنها أسهل على المفتي والمستفتي" (٤)، ويُستنتج منه ما يلي:
- أنه ذكر المتأخرين مع علامة الترجيح مثل الفتوى.
- قوله (كثير) يدل على أنه ليس من المتفق عليه أيضاً ترجيحهم رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة.
- سبب الترجيح هو الأخذ بالأسهل على المفتي والمستفتي.
وإذا رجعنا إلى قواعد الترجيح رأينا أن رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أقوى من قول محمد، وقد وافق قول الإمام قول أحد صاحبيه فيقدم، ولأن محمداً له رواية عن الإمام أيضاً كما له رأي بناه على أصل، وقد عدل عن الرواية إلى القول.
стр. 100
واختيار ما عليه الفتوى عند كثير من المتأخرين وعليه قول الشيخين أولى أن يُقدَّم على ما عليه الفتوى عند بعضهم وعليه قول أحد صاحبيه فقط.
دراسة المسألة دراسة مقارنة
تحرير محل النزاع:
اختلف العلماء في الطهر المتخلل بين الدمين الذي لم يبلغ خمسة عشر يوماً؛ هل يضم الدم إلى الدم ويكون ما بينهما طهراً (وهو قول التلفيق (١)، (٢) أو يكون حيضاً (وهو قول السحب (٣)، (٤) على القولين:
القول الأول: قول التلفيق، ومعناه أن الطهر المتخلل يأخذ حكم الطهر المعتبر إذا لم يتجاوز مجموع أيام الدم وما تخلله من طهر خمسة عشر يوماً، وكان مجموع أيام الدم الملفقة يتجاوز أقل الحيض، وهو قول المالكية (٥)، وقول عند الشافعية (٦)، وقول الحنابلة (٧).
القول الثاني: قول السحب، ومعناه أن الطهر يأخذ حكم الحيض ولا يكون طهراً معتبراً، وهو قول الحنفية الراجح – كما سبق-، والأظهر عند الشافعية. (٨)
стр. 101
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بالتلفيق بأدلة، منها:
الدليل الأول: قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وجه الدلالة: في الآية دليل على أن الأذى إذا ارتفع انتفى حكمه.
وقد يناقش بأن ارتفاع الأذى يكون بالقصة البيضاء، فتحمل الآية على عدم عودة الدم.
الدليل الثاني: ما يروى عن ابن عباس في المستحاضة: "إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي" (١).
قد يناقش بأنه مروي من طريق آخر ولم يذكر فيه: "وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي" (٢)، وليس فيه ما يدل على وجوب الاغتسال وإقامة الصلاة.
كما يمكن مناقشته بأن رؤية الطهر محمولة على القصة البيضاء.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بالسحب بأدلة، منها:
الدليل الأول: قد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
стр. 102
وجه الدلالة: الآية دالة على رفع الحرج عنا في ديننا، وتكليف المرأة بالاغتسال زمن حيضها فيه مشقة وحرج.
الدليل الثاني: هذا القدر من الطهر لا يفصل بين الحيضين، فكذا لا يفصل بين الدمين، وصار كطهر يوم واحد (١).
الدليل الثالث: الأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة.
الدليل الرابع: كونه أيسر للمفتي والمستفتي، والشريعة تتطلع إلى التيسير ورفع الحرج.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني القائل بالسحب أقرب إلى الصواب؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة القول الثاني، وللخلاف في المسألة ثمرات عملية تظهر في بعض المسائل، منها:
- لو أن المرأة رأت يوماً دماً وسبعة طهراً ويومين دماً وذلك في رمضان، فعلى القول بالتلفيق يكون عدد أيام الدم ثلاثة، وعدد أيام الطهر سبعة، ولها أن تصوم وتصلي في أيام طهرها، وعلى القول بالسحب فإنها كلها أيام الدم، ويحرم عليها أن تصوم وتصلي.
- وكذا في بقية الأمور التي تحرم على الحائض، فمن أثبت الحيض أثبت التحريم والعكس بالعكس.
стр. 103
المسألة الرابعة: تحديد سن اليأس
اليأس في اللغة قطع الرجاء (١)، والمرأة الآيسة التي انقطع رجاؤها عن رؤية الدم (٢).
ومسألة تحديد سن اليأس ترد عند الحنفية في كتاب الطلاق غالباً (٣)، وقد اختلفوا فيها على عدة أقوال (٤):
القول الأول: يعتبر بأقرانها من قرابتها.
القول الثاني: يعتبر بتركيبها؛ لأنه يختلف بالسمن والهزال.
القول الثالث: يقدر بالسنين، وقد روي عن محمد –﵀ أنه قدره بستين سنة، وعنه في الروميات بخمس وخمسين، وفي المولدات ستين، وقيل خمسين سنة (٥).
والفتوى على خمس وخمسين من غير فصل، والأخير رواية الحسن عن أبي حنيفة، وروي عنه أيضاً ما بين خمس وخمسين إلى ستين (٦).
وعليه فإن القول الذي يُفتى به عند متأخري الحنفية هو تحديد سن اليأس بخمس وخمسين سنة، لكن جاء في مجمع الأنهر ما يفيد أنه ليس على إطلاقه، وأنه يُفتى بخمسين في وقته، (٧) فأفاد بوجود الخلاف في رجحان القول عندهم.
وإذا رجعنا إلى قواعد الترجيح الأغلبية عند الحنفية نجد أنه إذا ثبت الترجيح للقولين المختلفين بعلامة الإفتاء فإن المجتهد يتخير إذا لم يمكن تقديم أحدهما على الآخر، والذي يظهر أنه ممكن، وذلك بأمور، منها:
стр. 104
- القول بخمس وخمسين سنة رواية عن أبي حنيفة وهي مقدمة على قول صاحبه، ولأنه يقدم قوله في العبادات إلا في مسائل معدودة –كما سبق-.
- بالنظر إلى طبقات الكتب والمسائل الواردة فيها نجد أنه يقدم ما في المتون المعتمدة المؤلفة في فترة المتأخرين على قول من بعدهم.
فعاد رجحان القول في مسألة تحديد سن اليأس بخمس وخمسين سنة، والله أعلم.
دراسة المسألة دراسة مقارنة
لم يرد في الشرع ما ينص على تحديد سن اليأس، والعلماء بنوا أقوالهم على التتبع لأصول النساء، وعلى الاستقراء لأحوالهن في الجملة، وقد اختلفوا في المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: سن اليأس لا يقدر بمدة معلومة، بل إذا بلغت المرأة من السن ما لا تحيض فيه مثلها يحكم به، وذلك يعرف بالاجتهاد والمماثلة في أمور، منها:
- تركيب البدن.
- السمن والهزال.
- أقراء قرابتها، وهو قول الشافعية (١).
- البلدان والأزمان.
- الغنى والفقر لأن النعمة تبطؤه، والفقر يسرع به.
- النسب والأجناس.
- الولادة من عدمها إلخ (٢).
وهو قول بعض الحنفية –كما سبق-.
القول الثاني: سن اليأس يقدر بمدة، واختلفوا في تحديدها على النحو الآتي:
- منهم من حدَّدها بخمس وخمسين سنة، وهو القول الراجح عند الحنفية –كما مضى-.
стр. 105
- ومنهم من حدَّدها خمسين سنة، وهو قول عند الحنفية –كما سبق-، وهو مذهب الحنابلة (١).
- ومنهم من حدَّدها بسبعين سنة، وما دونها يسأل النساء، وهو قول المالكية (٢).
القول الثالث: الجمع بين تحديد سن اليأس بمدة والأجناس، فيحد بخمسين للعجميات وبستين للعربيات القرشيات، وهو رواية عن أحمد (٣)، ويظهر أنه جمع بين الأقوال في بعض صورها.
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل القائلون بأن سن اليأس لا يحدد بمدة بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤].
وجه الدلالة: الله – لم يعلِّق نهاية الحيض ببلوغ سن معينة، بل علقه باليأس من المحيض، وهو أن تيأس المرأة نفسها من المحيض أي عوده (٤).
دليل القول الثاني:
لم أجد دليلاً واحداً على جميع التحديدات المذكورة إلا من حدد سن اليأس بمدة خمسين سنة، ودليلهم ما يُروى عن عائشة –﵂ أنها قالت: "إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض" (٥). وعنها أيضًا: "لن ترى المرأة ولدًا في بطنها بعد خمسين سنة" (٦).
стр. 106
نوقش بأنه لم يثبت، وعلى فرض ثبوته يحمل على من التقت هي من النساء، وليس عامًا في كل النساء. وكذلك وُجد الحيض فيما بعد خمسين على وجهه (١).
تعليل القول الثالث:
علَّل القائلون بالجمع بين تحديد المدة وتقديم الأجناس بعضها على بعض بأن المرأة العربية أقوى طبيعة من غيرها (٢).
يناقش بأنه تفريق بين المتماثلات، فلا فرق بين نساء العرب وغيرهن؛ لأنهن لا يختلفن في سائر أحكام الحيض، وكذلك هاهنا (٣).
الترجيح:
بعد استعراض الأقوال في المسألة، وإيراد أدلة كل قول يظهر أن القول الأول أقرب إلى الصواب، وأن سن اليأس لا يُحدَّد بمدة معلومة، بل يُرجع إلى اعتبارات كثيرة –وقد سبق ذكرها في ثنايا الكلام في المسألة-، وقد وافق الأطباء على بعض تلك الاعتبارات (٤).
إضافة إلى أن جميع الأقوال المذكورة آنفاً مبنية في الجملة على الاستقراء والتتبع لأصول النساء وأحوالهن، وهي من اختلاف التنوع وليس التضاد، وكلها لها حظ من النظر، إلا أن القول الأول أشمل، والثاني أسهل، والثالث أولى بالرجحان لو لم يتوقف أصحابه من ربط المدة بالاعتبارات الأخرى.
стр. 107
وعليه لو أمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن يقال: إن سن اليأس يحدَّد بالمدة من باب الأغلب أو المتوسط، ويضاف إلى ذلك النظر إلى الاعتبارات المذكورة سواء بعضها أو كلها.
على سبيل المثال: المرأة في أوروبا إن كانت تعيش في أماكن باردة ولم تزاول المحرمات مثل التدخين والمخدرات، ولم تستخدم الأدوية التي تجعل الدورة تضطرب فإنه من المتوقع أن سن اليأس سيتأخر عندها، والعكس بالعكس.
وكذا لو كانت هذه المرأة مدخنة أو مدمنة فإن المتوقع تقدم سن اليأس، وهكذا، والله أعلم.
وهذه المسألة لها ثمرة تظهر في بعض الأمثلة، منها:
- لو أن امرأة توقف حيضها وهي تبلغ من عمرها تسعة وأربعين عاماً، وعاشت حياتها فقيرة في أفريقيا مثلاً وقد زاولت أعمالاً شاقة، وكانت هزيلة، فعلى القول الأول قد بلغت سن اليأس؛ لأن تحديده يكون بالنظر إلى الدم، وقد توقف، وعلى القول الثاني لم تبلغ سن اليأس؛ لأنها دون الخمسين، وعلى القول الثالث كذلك سواء كانت عربية أم أعجمية، وعلى فرض الجمع بين الأقوال فإنها بلغت سن اليأس بالنظر إلى عمرها الذي هو قريب مما هو الغالب في النساء وبالنظر إلى نمط حياتها.
стр. 108
المطلب الخامس: كيفية تطهير الخف ونحوه:
ترد هذه المسألة في كتب الحنفية في كتاب الطهارة باب الأنجاس عند ذكر تطهير بدن المصلي وثوبه ومكانه، وكذا خفه، فيقررون أن الخف إن كان عن ذي جرم (١) جف فيطهر بالدلك بالأرض، وأبو يوسف –﵀ يجوز في رطب ذي جرم إذا بالغ (في الرطوبة)، وبه يفتى (٢).
ومعناه أن الخف إذا تنجس بنجس ذي جرم يطهر بالدلك، سواء كان جافاً أو رطباً؛ لقوله – ﷺ : "فمن أراد أن يدخل المسجد فليقلب نعليه، فإن رأى بهما أذى فليمسحهما بالأرض، فإن الأرض لهما طهور" (٣)، ولأن البلوى العامة تحققت، فلا معنى لاشتراط الجفاف إذ يلحق الناس بذلك حرج وهو مدفوع (٤).
والمسألة لها علاقة بمسألة: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ أم أن النجاسة تزول بأي مزيل؟
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في كيفية إزالة نجاسة الخف ونحوه بين غسلها وبين مسحها بالأرض ودلكها بها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن نجاسة الخف ونحوه تطهر بالدلك بالأرض كما تطهر بالغسل، وهو قول الحنفية –كما سبق-، وهو القول القديم للشافعي (٥)، ورواية عن أحمد (٦).
стр. 109
القول الثاني: إن الخف إذا تنجس بنجاسة فلا بد من غسله كسائر النجاسات، وهو القول الجديد للشافعي (١)، ورواية ثانية عن أحمد (٢).
القول الثالث: التفريق بين النجاسات، فإن كانت مغلظة مثل البول والعذرة فلا بد من الغسل، وإن كانت غير ذلك فالدلك، وهو قول المالكية (٣)، ورواية ثالثة عن أحمد (٤).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن الخف يطهر بغير الماء مثل الدلك والمسح بأدلة، منها:
الدليل الأول: قول النبي – ﷺ : "فليمسحهما بالأرض، فإن الأرض لهما طهور" (٥).
وجه الدلالة: هذا الحديث نص على أن إزالة النجاسة تكون بغير الماء مثل الدلك بالأرض.
стр. 110
الدليل الثاني: إذن النبي – ﷺ في إزالة النجاسة بغير الماء في مواضع، منها الاستجمار بالأحجار (١).
الدليل الثالث: لأن تنجس الخف ونحوه مما عمت به البلوى فيعفى، دفعًا للمشقة (٢).
الدليل الرابع: لأن الخف محل تتكرر إصابة النجاسة له، فأجزأ فيه المسح كالسبيلين (٣).
تعليل القول الثاني:
علَّل القائلون بأن الخف ونحوه إذا تنجس فلا بد من غسله بكون الدلك لا يزيل جميع أجزاء النجاسة (٤)، فلا بد من الماء كبقية النجاسات.
نوقش بأن الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول يرده، والعمل به أولى (٥)، كما يناقش بأن التنظيف الجاف أو بالبخار في الوقت الراهن يزيل النجاسة بدون ماء (٦).
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بالتفريق بين النجاسات بأدلة، منها:
الدليل الأول: أن نجاسة البول والعذرة مغلظة وفاحشة باتفاق (٧)، ومن النجاسات التي اختلف فيها، فلا بد من التفريق بينهما في الحكم.
نوقش بأن النبي – ﷺ وأصحابه –﵃ كانوا يصلون في نعالهم، والظاهر أنه لا يسلم من نجاسة يصيبها، فلولا أن دلكها يجزئ لما صحت الصلاة فيها (٨).