← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المطلب الثالث: وقت ابتداء التكبير وانتهائه في أيام عيد الأضحى وقت تكبير التشريق في كتب الحنفية من المسائل التي ترد في كتاب الصلاة تحت باب صلاة العيدين (١)، فيقولون: إنه واجب عقيب الصلوات المفروضة في جماعات الرجال المقيمين بالأمصار (٢)، واختلفوا في وقته على قولين: القول الأول: وقته من عقيب صلاة الفجر يوم عرفة بالاتفاق (٣) إلى عقيب صلاة العصر أول أيام النحر أي ثمان صلوات؛ لأن الأصل فيه الإخفاء، فالمصير إلى الأقل جهراً أولى (٤) (٥). والقول الثاني: إلى عصر آخر يوم التشريق أي ثلاث وعشرون صلاة؛ لأن التكبير من العبادة، والاحتياط فيها الوجوب (٦)، وهو قول الصاحبين، والفتوى على ذلك (٧). وسلف الحنفية لا يخرجون عما ورد من اختلاف الصحابة في ذلك، ويخيِّرون في الأخذ بأحد القولين، وأن كله حسن (٨).

стр. 457

والمتأخرون أخذوا بقول الصاحبين، وعليه العمل (١). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في ابتداء تكبير التشريق وانتهائه على ثلاثة أقوال (٢): القول الأول: وقت تكبير التشريق من عقيب صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب صلاة العصر آخر يوم التشريق، وبه قال الحنفية على الراجح –كما سبق-، وهو قول عند المالكية في الانتهاء (٣)، والقول الأظهر عند الشافعية (٤)، وقول عند الحنابلة (٥). القول الثاني: وقته من دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخره دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول مالك على المشهور (٦)، والشافعي (٧)، ورواية عن أحمد (٨). القول الثالث: وقته من بعد غروب الشمس من ليلة العيد، وآخره دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول عند الشافعي (٩).

стр. 458

والأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن وقت تكبير التشريق يبدأ من بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب صلاة العصر آخر أيام التشريق بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وجه الدلالة: أيام معدودات هي أيام التشريق، فينبغي أن يكون التكبير فيها مشروعاً (١). ولأن الله تعالى أمر بالذكر فيها أي أيام معدودات؛ وهي أيام يُرمى فيها، فأشبهت يوم النحر (٢). الدليل الثاني: حديث جابر –﵁: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: "على مكانكم"، ويقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد"، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (٣). وجه الدلالة: حديث نص في ابتداء تكبير التشريق وانتهائه. نوقش بأنه ضعيف -كما سبق في تخريجه-، فلا يعتمد عليه.

стр. 459

الدليل الثالث: ما روي عن الصحابة –﵃ أنهم كانوا يكبرون بعد صلاة الصبح إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وأصح ما فيه رواية علي –﵁ أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (١). الدليل الرابع: أمرنا بإكثار الذكر، وهذا يتحقق في الأكثر. الدليل الخامس: لأن يكبر ما لم يجب أولى من أن يترك ما وجب (٢). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن وقت تكبير التشريق يمتد من دبر صلاة الظهر يوم النحر إلى دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهو في الابتداء. وجه الدلالة: والفاء للتعقيب وقضاء المناسك وقت الضحى من يوم النحر فينبغي أن يكون التكبير عقيبه.

стр. 460

وقد يناقش في أصل معنى الذكر المذكور في الآية، ففي تفسير الطبري (١) (٢) أن له معنى عام وهو الطاعة والعبادة لله، ومعنى خاص وهو التكبير، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال. الدليل الثاني: الناس تبع للحاج، وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح ثم يخرج، وهو في انتهاء (٣). يناقش بأن الناس ليسوا تبعاً للحجيج في كل شيء، فقياس بقية الناس على الحجيج قياس مع الفارق. دليل القول الثالث: استدل القائلون بأن وقت تكبير التشريق يبتدأ مع غروب الشمس من ليلة العيد قياساً على عيد الفطر، وعلى انتهائه كون الناس تبعًا للحاج، وصلاة الصبح هي آخر صلاة يصليها الحاج بمنى، وقد سبق. ويناقش بما ورد من الصحابة من الآثار المخالفة، وأن قياس الناس على الحجيج قياس مع الفارق –كما سبق-. الترجيح: بعد استعراض الأقوال وسبب اختلافها وأدلة كل قول يظهر أن القول الأول أظهر؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة القولين الآخرين، وعليه كبار الصحابة، وهو أظهر عند المحققين للحديث. والخلاف في المسألة له ثمرات عملية تظهر في بعض الأمثلة، منها:

стр. 461

- لو بدأ شخص بتكبير التشريق ليلة العيد لم يكن مشروعاً إلا على القول الثالث. - ولو أنهاه بعد صلاة الصبح آخر أيام التشريق فقد وافق وقته على القول الثاني والثالث، بخلاف الأول. - لو بدأ شخص بتكبير التشريق عقيب صلاة الفجر يوم النحر فقد تأخر به على القول الأول والثالث بخلاف الثاني، ولو أنهاه عقيب صلاة العصر آخر أيام التشريق فقد أخرجه عن وقته على القول الثاني والثالث بخلاف الأول.

стр. 462

المبحث الثالث: الاحتيال لإسقاط الزكاة هذه المسألة من المسائل المشكلة الشائكة، وقد ذكرها صاحب الوقاية في كتاب الشفعة تحت باب ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب، ونصها: "ولا يكره حيلة إسقاط الشفعة والزكاة عند أبي يوسف ﵀، وبه يفتى في الشفعة، وبضده في الزكاة" (١)، وقد نص على أن الفتوى عليها. جاء في الوقاية: "اعلم أن حيلة إسقاطهما لا يكره عند أبي يوسف ﵀، ويكره عند محمد ﵀، ويفتى في الشفعة بقول أبي يوسف ﵀؛ لأنه منع عن وجوب الحق لا إسقاط للحق الثابت، وهكذا يقول في الزكاة، لكن هذا في غاية الشناعة؛ لأنه إيثار للبخل، وقطع رزق الفقراء الذين قدره الله تعالى في مال الأغنياء، والانخراط في سلك الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، والاستبشار بما بشرهم الله تعالى" (٢). ومن العلماء من تطرق إلى هذه المسألة وحمل قول أبي يوسف ﵀ على أن الخلاف في إسقاط الزكاة بالحيلة قبل مضي الحول (٣)؛ لأنه "امتناع من التزام الحق مخافة أن لا يخرج منه إذا التزمه فلا يكون مكروهاً كمن امتنع من جمع المال حتى لا يلزمه حج أو زكاة؛ وهذا لأن المذموم منع الحق الواجب وليس في هذا الاستبدال من منع الحق الواجب شيء" (٤)، ويؤيده قولهم "إن الحيلة في إسقاط الشفعة قبل وجوبها لا تكره، والحيلة في إسقاط الزكاة على هذا" (٥).

стр. 463

وروي عن أبي حنيفة ﵀ مثله (١). ومن الأمثلة على ذلك:

стр. 464

- "لو وهب النصاب في خلال الحول ثم تم الحول عند الموهوب له ثم رجع الواهب بقضاء، أو غيره فلا زكاة على واحد منهما" (١). - شخص لديه مليون ريال أوشك أن يحول عليه الحول فيقوم بشراء عمارة سكنية ثم بعد فترة وجيزة ببيعها ليستأنف حولاً. - امرأة لها حلي معد للاستعمال وهبته لابنتها قبل تمام الحول، ثم تسترجعه فيما بعد؛ لتستأنف حولاً. - شخص له أرض ينوي بها التجارة ثم يغير نيبته قبل تمام الحول فيجعلها للبناء والسكن. - شخص لديه نصاب ماشية فقام فذبح بعضها وادخر لحمها قبل تمام الحول بنية نقصانها دون النصاب. وتعقَّب بعض العلماء وقالوا: إنه رجع عن قوله في آخر أمره، وقال: "لا يحتال في إسقاط الزكاة ولا جزء منها"، وذلك في رسالته إلى هارون الرشيد (٢). مع أن قول محمد أقوى من قول أبي يوسف -رحمهما الله-، والمكروه عنده أي محمد حرام (٣)، وعليه فلا خلاف بين الصاحبين على أن التحايل لإسقاط الزكاة أمر محرم في دين الله.

стр. 465

وقد سبق في قواعد الترجيح الأغلبية في المذهب الحنفي أن قول أبي يوسف مقدم في مسائل القضاء، ومسألة التحايل على الزكاة من المسائل التي يمكن حملها على أن المراد من قوله: (لا يكره) هو تنفيذ الحيلة قضاءً (١)، وأما الديانة فقد جاء عنه في كتاب الخراج ما نصه: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر منع الصدقة ولا إخراجها من ملكه إلى ملك جماعة غيره ليفرقها بذلك؛ فتبطل الصدقة عنها بأن يصير لكل واحد منهم من الإبل والبقر والغنم ما لا يجب فيه الصدقة، ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه ولا سبب" (٢)، وكذا يمكن حمل قول أبي حنيفة ﵀، فيصير اتفاقهم على تحريم التحايل ديانة، واختلافهم في حكمه قضاء، وقد رجع أبو يوسف عن قوله، ووافق قول محمد، والذي يقدم هنا هو قول الصاحبين بأن التحايل لإسقاط الزكاة محرم مطلقاً. والله أعلم. دراسة المسألة دراسة مقارنة بعد الاطلاع على مذاهب الفقهاء في هذه المسألة تبين لي أنه لا خلاف بينهم في أن التحايل لإسقاط الزكاة أمر لا يجوز، وعليه الحنفية -كما سبق- على القول المفتى به، والمالكية قالوا بتحريم أي فعل غرضه الفرار من الزكاة، والفرار منها إسقاطها (٣)، والشافعية قالوا بكراهة ذلك كراهة تنزيه (٤)، وقيل: الحرام (٥)، وهو قول الحنابلة. (٦)

стр. 466

أدلة المسألة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. وجه الدلالة: جاء في تفسير الآية (١) أن الله عاقبهم بذلك؛ لفرارهم من الزكاة (٢). الدليل الثاني: يمكن أن يُستدل بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣). وجه الدلالة: كون الأمور بمقاصدها (٤)، وكذا قصد الفارّ من الزكاة بالحيل. الدليل الثالث: قوله ﷺ : "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٥). وجه الدلالة: الحديث نص على تحريم الحيل لاستحلال محارم الله، وكذا المتحايل لإسقاط الزكاة بالحيل. قد يناقش بأن الحديث فيمن يتحايل على الأحكام الثابتة الواجبة، والمسألة في التحايل لإسقاط ثبوت الأحكام أو منعها.

стр. 467

الدليل الرابع: قياس الفار من الزكاة على المطلق في مرض موته؛ لأنه يقصد به إسقاط حق غيره (١). وثمرة المسألة عدم جواز التحايل لإسقاط الزكاة أو الفرار منها، ولو فعلها شخص فإن الزكاة لا تسقط عنه، ولو نفذت الحيلة قضاءً.

стр. 468

المبحث الرابع: محرم قتل صيداً في يد محرم آخر وردت هذه المسألة في المبسوط في كتاب المناسك تحت باب جزاء الصيد، وقد ذكر محرماً قتل صيداً في يد محرم آخر، وأن على كل واحد منهما جزاؤه؛ فأما القاتل فلأنه جنى على إحرامه بقتل الصيد، وأما الآخذ فلأنه كان متلفاً لمعنى الصيدية فيه حكماً بإثبات يده، ثم يرجع الآخذ بما ضمن من الجزاء على القاتل (١)، وعند زفر ﵀ لا يرجع عليه بشيء؛ لأن الآخذ لم يملك الصيد، ولا كانت له فيه يد محترمة، ووجوب الضمان له على القاتل باعتبار أحد هذين المعنيين، وعليه الفتوى (٢). دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في محرم قتل صيداً في يد محرم آخر؛ هل جزاؤه على القاتل دون الآخذ أم عليهما معاً؟ وإذا كان عليهما معاً هل يرجع الآخذ على القاتل أم لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا قتل محرم صيداً في يد محرم آخر فعلى كل واحد منهما الجزاء كاملاً، والآخذ لا يرجع على القاتل، وهو قول الحنفية -كما سبق-. وقول المالكية إذا كانت نية الآخذ أن يمسك الصيد ليقتله الآخر (٣). ورواية عن الإمام أحمد. (٤) القول الثاني: يجب الجزاء كله على القاتل وحده. وهو القول الأصح عند الشافعية (٥).

стр. 469

القول الثالث: يجب الجزاء بينهما نصفين، وهي أصح الروايات عن أحمد (١). أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن الجزاء على القاتل والآخذ معاً بأدلة، منها: الدليل الأول: دليل وجوب الجزاء عليهما: لأن الآخذ متعرض للصيد بأخذه، والقاتل متعرض له بقتله. ودليل رجوع الآخذ على القاتل: لأن الآخذ متمكن من الإرسال والقاتل مقرر بقتل ما كان على شرف الزوال، والتقرير كالابتداء في حق التضمين، فيضمن كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا، حيث يرجع الزوج بما ضمنه من نصف المهر عليهم (٢). قد يناقش بأن الآخذ يأخذه لأسباب غير القتل، فلا يضمن ابتداءً. الدليل الثاني: أي دليل عدم رجوع الآخذ على القاتل؛ وهو كون الآخذ لم يكن يملك الصيد، ولا كانت له فيه يد محترمة، ووجوب الضمان له على القاتل يرجع إلى أحد هذين الاعتبارين، ولم يكن كذلك، فعلى ذلك لا يرجع، ويبقى الضمان عليه؛ لأنه جزاء في مقابل صنعه (٣). يُناقش بما ورد في الشق الثاني من الدليل الأول السابق ذكره بأنه متمكن من الإرسال، ولم يفعله.

стр. 470

دليل القول الثاني: استدل القائلون بأن الجزاء على القاتل فقط بدليل اجتماع السبب والمباشرة، فقالوا: إنه وُجد من الآخذ أو الممسك سبب، ومن القاتل مباشرة، وإذا اجتمع السبب والمباشرة تعلق الضمان بالمباشرة قياساً على قتل الآدمي (١). أدلة القول الثالث: استدل القائلون بأن الجزاء على نصفين، لكل واحد منهما النصف بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وجه الدلالة: لو أن جماعة قتلوا صيداً، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب. نوقش بأن قوله تعالى: ﴿من النعم﴾ لم يخرج تفسيراً للمثل، وبيانه أن قوله: ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ كلام تام بنفسه مفيد بذاته من غير وصله بغيره؛ لكونه مبتدأً وخبراً، وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل؛ لأنه كما يرجع إلى الحكمين في تقويم الصيد المتلف يرجع إليهما في تقويم الهدي الذي يوجد بذلك القدر من القيمة، فلا يجعل قوله: ﴿مثل ما قتل﴾ مربوطاً بقوله : ﴿من النعم﴾ مع استغناء الكلام عنه (٢). الدليل الثاني: لأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، فكان واحداً كالدية، أو كما لو كان القاتل واحداً (٣).

стр. 471

نُوقش بأن الكفارة في قتل الآدمي تفارقه؛ لأنها تختلف باختلاف المقتول ولا تتبعَّض (١). الترجيح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها يظهر أن القول الثاني أقرب إلى الصواب؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة المخالفين، وللمسألة ثمرات عملية تظهر في بعض الأمثلة، منها: - لو أن إنساناً قتل أرنباً في يد محرم آخر فعلى القول الثاني: القاتل يضمن ولا شيء على الآخذ، وعلى القول الأول: على كل واحد منهما جزاء كاملاً، وعلى القول الثالث: على كل واحد نصف الجزاء ويشتركان فيها. - وكذا في بقية أنواع الصيد مثل النعامة والظبي والغزال والضبع واليربوع إلخ.

стр. 472

الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في المعاملات، وفيه عشرون مبحثًا: المبحث الأول: في مسائل النكاح، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة. المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب. المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها. المبحث الثاني: الطلاق بغير العربية. المبحث الثالث: ظهار الذمي. المبحث الرابع: في مسائل الأيمان، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قول: (كل حلال علي حرام). المطلب الثاني: من حلف ألا يلبس حلياً فلبس عقد اللؤلؤ. المطلب الثالث: من حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن. المبحث الخامس: في مسائل النفقة، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: وقت وجوب النفقة للزوجة وقدرها. المطلب الثاني: نفقة الزوجة إذا حُبست في دين. المطلب الثالث: نفقة الزوجة إذا حُبست في سفرها مع محرم لأداء الحج. المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة. المبحث السادس: في مسائل الإجارة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الإجارة على الطاعات. المطلب الثاني: اختلاف المؤجر والمستأجر في أجرة العمل. المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة. المبحث الثامن: تذكية الصيد إذا أدركه المرسل حيّاً. المبحث التاسع: في مسائل البيوع، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ما يُعرَض بالأنموذج رؤيةُ بعضِه كرؤية كله. المطلب الثاني: الرجوع بنقصان العيب في الطعام بعد أكله.

стр. 473

المطلب الثالث: الربا، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً. المسألة الثانية: بيع الخبز بالحنطة والدقيق نسيئةً. المسألة الثالثة: بيع الكرباس بالقطن. المسألة الرابعة: استقراض الخبز وزنًا وعددًا. المطلب الرابع: السلم في الخبز. المبحث العاشر: ثبوت الوكالة بالقبض بثبوت الوكالة بالخصومة والتقاضي. المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم المزارعة. المطلب الثاني: اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها. المطلب الثالث: حكم المساقاة. المبحث الثاني عشر: وقف العقار والمنقول. المبحث الثالث عشر: في مسائل الدعوى والشهادة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحقوق التي يجوز فيها اليمين، والحقوق التي لا يجوز فيها. المطلب الثاني: الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد المسلم. المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحقوق التي يُقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي. المطلب الثاني: إذا قضى القاضي في المجتهَد فيه مخالفاً لرأيه. المبحث الخامس عشر: في مسائل القسمة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: كيفية قسمة البناء الذي له سفل وعلو. المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران. المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل. المبحث السابع عشر: في مسائل الضمان، وفيه مطلبان: المطلب الأول: ضمان الإتلاف. المطلب الثاني: ضمان الساعي بغير حق.

стр. 474

المبحث الثامن عشر: في مسائل الحجر، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تحديد سن البلوغ وعلاماته. المطلب الثاني: بيع القاضي عروض المدين وعقاره. المبحث التاسع عشر: كيفيّة تقدير حكومة العدل. المبحث العشرون: مقدار ما يوقف للحمل من الميراث.

стр. 475

الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في المعاملات: المبحث الأول: في مسائل النكاح: المطلب الأول: غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة: مسألة غيابة الولي ترد في كتب الحنفية في كتاب النكاح عند مسألة الولي في نكاح الصغير والصغيرة؛ فإذا غاب الولي الأقرب غيبة منقطعة فهل يجوز للولي الأبعد أن يقوم بتزويجهما قبل رجوع الولي الأقرب؟ الصحيح أنه يجوز (١)، لكن اختلفوا في تعريف الغيبة المنقطعة التي إذا تحققت يجوز حينها للولي الأبعد أن ينوب الولي الأقرب في التزويج. منهم من قال: إنها تتحقق إذا كان الولي في بلد لا تصل القوافل إليه في السنة إلا مرة واحدة (٢)، ومنهم من قدَّرها بأدنى مدة السفر؛ لأنه ليس لأقصاه نهاية، فيعتبر الأدنى، وعليه الفتوى (٣). وقيل: إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة منقطعة، وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة، وهذا أقرب إلى الفقه؛ لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه، ودفع الضرر عنه (٤). وعليه فتوى جماعة من المتأخرين (٥).

стр. 476

وقيل إن الفتوى على غيره (١). والذي يظهر أن اختلافهم اختلاف عصر وزمان وليس حجة وبرهان؛ فكل كان يقدِّر ويحدِّد بناءً ما عنده من معطيات عصره أو مصره، وذلك يرجع إلى العادة في الغالب. وفي العصر الحاضر مع وجود التقنيات الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي من الصعب أن نتصور الغيبة المنقطعة بما ذكر من التعريفات من حيث المسافة والبعد المكاني. ولذلك عند تعريف الغيبة المنقطعة لا بد من الرجوع إلى حقيقة الولاية والهدف منها وهو تحصيل المنفعة للمولى عليه ودفع الضرر عنه –كما سبق-. وعليه فإن التعريف المختار –الذي عليه فتوى جماعة من متأخري الحنفية (٢) - هو كون غيابه يفوِّت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه، وهذا لا ينضبط، بل يُرجع إلى العرف والعادة، والله أعلم. دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على أن الغيبة لها أثر على تزويج الصغير والصغيرة من حيث انتقال الولاية في الجملة (٣)، واختلفوا في تحديد صفة الغيبة المؤثرة، على ثلاثة أقوال إجمالاً:

стр. 477

القول الأول: الغيبة المنقطعة غياب الولي الأقرب بحيث يفوت الكفء باستطلاع رأيه، وعليه متأخرو الحنفية، وعليه الفتوى –كما مضى-، وهو أيضاً قول الشافعية إلا أنهم فرقوا بين الغيبة القريبة والبعيدة بمسافة يوم وليلة، لكن علَّقوا الأمر على فوات حق البنت من عقدها، فإذا غاب مسافة يوم وليلة وفي ذلك فوات لمصلحة البنت فإنها غيبة بعيدة أي منقطعة التي تنتقل بها الولاية من الأقرب إلى غيره (١). القول الثاني: النظر إلى سبب الغياب وإرادة الإقامة؛ فإن كان لأجل التجارة ونحوها في بلاد بعيدة مثل إفريقيا ولم يُرد المقام فيها فالغيبة ليست منقطعة، وإن كان ممن خرج في المغازي إلى أفريقيا أو الأندلس فأقام في تلك البلاد فالغيبة منقطعة، وهو قول المالكية (٢). القول الثالث: النظر إلى المشقة والكلفة الناتجة عن مراجعة الغائب، وهو قول الحنابلة (٣). بعد البحث لم أظفر بأدلة الأقوال، وقد يُستدل بما ذُكر من العرف والعادة، وهذا يختلف باختلاف الأمصار والأزمان، وكلٌّ له عادته، فلا ينضبط إلا إذا عُلِّق الأمر على مصلحة المولى عليه ودفع ضرره.

стр. 478

وعليه فقد تبيَّن لي أن الاختلاف بين الأقوال اختلاف تنوع، وأنها تدور حول تحصيل المنفعة ودفع المضرة، وكيفية ذلك ترجع إلى العرف وما جرت به العادة؛ فالجمع بينها هو التعريف المختار، فيقال: إن الغيبة المنقطعة غياب الولي الذي يفوت مصلحة المولى عليه أو يجلب له الضرر عرفاً (١). وفي قديم الزمان كانوا يقدرون ذلك بالمدة أو بالمسافة أو بالمشقة والكلفة أو بالإقامة، والآن يمكن استطلاع رأي الولي الأقرب في دقائق وهو في أقصى الدنيا، ثم لو حددنا الغيبة بالمسافة وحضور الولي شخصياً فإنه لو كان في مشرق الأرض سيصل إلى مغربها في حدود يوم أو يومين بالطائرات، وانتظار الكفء هذا الوقت من الأمور المقبولة عرفاً، والله تعالى أعلم.

стр. 479

المطلب الثاني: أثر النكاح الفاسد في تحديد المدة المعتبرة لإثبات النسب: النكاح الفاسد كل نكاح فقد شرطاً من شروطه أو ركناً من أركانه، ومثاله: نكاح بلا ولي عند غير الحنفية، أو نكاح بلا شهود عند غير المالكية، أو عقد على الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، أو عقد على أخت مطلقته قبل انقضاء عدتها منه إلخ (١). وقد نص فقهاء الحنفية على أن النكاح الفاسد يلزم منه العدة، وإثبات النسب، ومدته من حين الدخول، وهو قول محمد –﵀، وبه يُفتى (٢)، وعند الشيخين من وقت النكاح (٣). ودليل القول الراجح كون النكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء والإقامة باعتباره، أي إقامة النكاح مقام الوطء باعتبار أن النكاح داعٍ إلى الوطء، والنكاح الفاسد ليس بداعٍ إليه، فلا يقام مقامه (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن النسب يثبت في النكاح الفاسد إذا اتصل به دخول حقيقي (٥)، واختلفوا في بدء اعتبار مدة النسب فيه على قولين: القول الأول: مدة النسب تبدأ من حين الدخول أو الوطء، وهو الراجح عند الحنفية –كما مضى-، والصحيح عند الشافعية (٦)، وقول الحنابلة (٧).

стр. 480

القول الثاني: مدة النسب تبدأ من وقت النكاح، وهو قول المالكية (١)، وقول مرجوح عند الشافعية (٢)، وقول مرجوح عند الحنفية –كما سبق-. الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل القائلون بأن مدة النسب تبدأ من حين الدخول وليس وقت النكاح بالتفريق بين النكاح الصحيح وبين النكاح الفاسد، فقالوا بأن النكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء الذي يُعتبر في إقامة النكاح بخلاف النكاح الصحيح فإنه داعٍ إليه. دليل القول الثاني: استدل القائلون بأن المدة تبدأ من وقت النكاح بقياس النكاح الفاسد على الصحيح، وأنه لا فرق بينهما من حيث إثبات مدة النسب (٣). ونوقش بأنه قياس مع الفارق، وذلك بدليل القول الأول أي أن إقامة العقد مقام الوطء في النكاح الصحيح باعتبار أن العقد داعٍ إلى الوطء، والنكاح الفاسد ليس بداعٍ إلى الوطء؛ لكونه حراماً واجب الرفع فلا يقام العقد مقام الوطء، ولا تعتبر المدة من حيث العقد (٤).

стр. 481

الترجيح: بعد استعراض القولين ودليليهما يظهر أن القول الأول أوفق وأقرب للصواب لقوة دليله وورود المناقشة على دليل القول الآخر، وللخلاف في المسألة ثمرة عملية تظهر فيما لو تزوج شخص امرأة في العدة مثلاً، ثم أتت بولد لستة أشهر كأقل مدة الحمل؛ فعل القول الأول يثبت النسب إذا جاءت بولد لستة أشهر من وقت الدخول، وعلى الثاني يثبت إذا جاءت به لستة أشهر من وقت العقد (١).

стр. 482

المطلب الثالث: السفر بالزوجة قبل إعطائها مهرها: من المسائل المهمة في كتاب النكاح ما يتعلق بالمهر ونوعه، وأقله وأكثره، ووقت إعطائه وأثر ذلك على النكاح والحياة الزوجية؛ ففي كتب الحنفية ينصون على أن للمرأة أن تمنع نفسها عن زوجها، وألا تسافر معه حتى يعطيها مهرها إلا إذا كان مؤجلاً (١)، واختلفوا في سفرها معه فيما لو أعطاها مهرها كله، فمنهم من قال: إنه يسافر بها إلى أي مكان يريد (٢)، ومنهم من قال: إنه لا يسافر بها (٣) (٤)، وعليه الفتوى، بدليل أن الزمان قد فسد، والغريب يؤذى (٥). وبعضهم فصَّل المراد من عدم السفر بها بألا يخرجها إلى بلد غير بلدها؛ لأن الغريبة تؤذى فيه، والغربة لا تتحقق في الذهاب إلى القرى القريبة (٦). وهذه المسألة من مسائل اختلاف العصر والزمان وليس الحجة والبرهان (٧)، وبيان ذلك أن الأمر اختلف مما كان في زمان الإمام، ففي زمانه الغالب من حال الناس الصلاح، وأما في الأزمنة المتأخرة فعكس ذلك؛ وعليه فلا يملك الزوج أن يسافر بها وإن أوفى مهرها، والسبب أن المرأة إذا كانت بين عشيرتها فالزوج لا يقدر على أن يظلمها، ومتى نقلها إلى بلد آخر ظلمها (٨).

стр. 483

بل قال بعضهم إن من عادة زمانهم حصول مُضارة قطعية في الاغتراب بها (١). فاستقر القول على ذلك وليس فيه العدول عن ظاهر الرواية؛ لأن الإمام لو عاش أو رأى ذلك لقال به، فهو مذهبه حكماً (٢)، ويفهم منه أن الحكم لن يختلف لولا الغربة والظلم. وبعد الاطلاع على بقية المذاهب تبين لي أن المسألة أقرب إلى الوفاق بينهم، وأن الخلاف بينهم أشبه بالخلاف اللفظي، وبيانه على النحو الآتي: - المالكية نصوا على أن للزوج أن يظعن أي أن يسافر بزوجته من بلد إلى بلد وإن كرهت، وينفق عليها، واشترطوا حرية الزوج وأمانته وإحسانه إليها، وأمن الطريق وأن تكون البلد قريبة بحيث لا ينقطع خبرها عن أهلها (٣). - وعند الشافعية للزوج أن يسافر بزوجته إلى أي بلد شاء (٤)، لكن بشرط أمن الطريق، وإذا امتنعت عن السفر معه كانت ناشزاً (٥). - وعند الحنابلة للزوج أن يسافر بزوجته الحرة إلى الجهة التي يريد بشرط أمن الطريق (٦). وإن الناظر في الأقوال السابقة وتعليلاتها سيجد أن من منع سفر الزوجة مع زوجها تعليله عدم أمن الطريق أو ظلم المرأة، وهو شرط لم يتحقق فيمنع، ومن أوجب سفرها مع زوجها لاستيفاء حقه منها اشترط عدم وجود ما علل به من منع، فلا فرق.

стр. 484

وعليه فإن المسألة لها ثمرة عملية تظهر في تحديد نشوز الزوجة إذا امتنعت من السفر مع زوجها؛ فإن امتنعت فإنه ينظر إلى أمن الطريق وصلاح الزوج وأمن البلد التي يسافر إليها إلخ.، وهذه الأمور نسبية، وقد تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، والله أعلم.

стр. 485

المبحث الثاني: الطلاق بغير العربية: مسألة الطلاق بغير العربية ترد في كتب الفقه الحنفي في الغالب عند ذكر الطلاق بالفارسية، فيذكرون بعض الألفاظ مثل (بِهَشْتَم (١) إن زن)، أو (بِهَشْتَم) بلا (إن زن)، أو (دها كنم) (٢)، فيقررون أن الطلاق الذي يقع في الشرع نوعان: صريح وكناية. والصريح كل لفظ لا يستعمل إلا في حل قيد النكاح، ومثاله لفظ الطلاق أو التطليق مثل: أنتِ طالق أو أنتِ الطلاق أو طلقتك، وسُمي صريحاً؛ لأن الصريح يطلق على ظاهر المراد مكشوف المعنى؛ فهو لا يستعمل إلا في الطلاق عن قيد النكاح فلا يُحتاج فيه إلى النية؛ لأن النية عملها في تعيين المبهم، ولا إبهام هنا (٣). وأما الكناية فكل لفظ يُستعمل في الطلاق كما يستعمل في غيره، مثل أمرك بيدك، اعتدي، خليت سبيلك، لا سبيل لي عليك، أنت حرة، قومي، اخرجي، انتقلي إلخ.، وسمي كناية؛ لأنها ما استُتر المراد منه عند السامع، فاحتاج إلى قريبة النية، الطلاق لا يقع إلا بها. (٤) واختلفوا في بعض الألفاظ الفارسية هل هي من الصريح أم الكناية، فقوله: (بِهَشْتَم إن زن) عند أبي يوسف ومحمد من الصريح؛ لأن أبا يوسف خالط العجم فعرف أنه في لغتهم من الصريح، بخلاف لفظ (بِهَشْتَم) فقط الذي معناه خلَّيت، وهو عند أبي يوسف من الكنايات إذا لم يضفه إلى النكاح أو الزوجة، فلا يحمل على الطلاق إلا بقرينة نية أو دلالة حال، وعند محمد مطلقاً؛ لأن معناه في العربية أنت مخلاة أو قد خليتك (٥).

стр. 486

والذي عليه الفتوى هو أن الطلاق بغير العربية -قياساً على الفارسية- إن كان فيها لفظ لا يُستعمل إلا في الطلاق فهو الصريح يقع به الطلاق من غير نية إذا أضيف إلى المرأة مثل (دها كنم) (١) أو (بِهَشْتَم)؛ لأن الصريح لا يختلف باختلاف اللغات، وما كان في الفارسية من الألفاظ تستعمل في الطلاق وغيره فهو من كنايات الفارسية، فيكون حكمه حكم كنايات العربية في جميع الأحكام (٢). قلت: ولعل المتأخرين عدلوا عن قول الصاحبين لتغير العرف اللغوي، ففي زمانهما لفظ (بِهَشْتَم) لم يكن صريحاً إلا إذا أضيف إليه (إن زن)، ثم أصبح من الألفاظ الصريحة التي لا تستعمل إلا في الطلاق، والله أعلم. والمسألة كسابقتها من مسائل الوفاق بين الفقهاء، وقد سبق قول الحنفية، وأما بقية المذاهب: - فعند المالكية: جاء في المدونة أنه لم يُسمع من مالك شيء في الطلاق بالعجمية (٣)، لكن قالوا تخريجاً أن من طلق بالعجمية لزمه الطلاق إن شهد بذلك عدلان يعرفان تلك اللغة (٤). - والشافعية: قالوا إن ترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب؛ لشهرة استعماله اللفظة في معناها عند أهلها شهرة استعمال العربية عند أهلها (٥). - والحنابلة: نصوا على أن "صريح الطلاق بالعجمية بِهَشْتَم، فإذا أتى بها العجمي، وقع الطلاق منه بغير نية" (٦).

стр. 487

ويستنتج من هذا أن الطلاق بغير العربية يقع إذا كان بالألفاظ التي لا تستعمل إلا في الطلاق في تلك اللغة؛ فيكون صريحاً كما في العربية، إذ المدار على المعنى (١). ومن الأمثلة على المسألة: - لو قال البريطاني لزوجته: (You are divorced) ومعناه: أنت طالق، فإن الطلاق يقع بلا نية؛ لأنها من الألفاظ الصريحة التي لا تستعمل في الإنجليزي إلا للطلاق، وقد أضافها للمخاطبة بلفظ: (You are). - وعكسه في الكنايات لو قال لها: (You are not my wife) بمعنى أنت لست زوجتي، فإن الطلاق لا يقع؛ لأنها من الألفاظ التي تستخدم في اللغة الإنجليزية في الطلاق وغيره.

стр. 488

المبحث الثالث: ظهار الذمي تعريف الظهار والذمي لغة واصطلاحاً: الظهار من الظهر وهو خلاف البطن من كل شيء (١)، ويدل على قوة وبروز، ومن ذلك الظهيرة؛ لأنها أظهر أوقات النهار وأضوؤها (٢). وفي الاصطلاح قول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي (٣)، ثم انتقل إلى غيره من الأعضاء، وإلى غيرها من المحرمات (٤). والذمي في اللغة من الذمة وهي العهد (٥) والكفالة (٦).

стр. 489

وفي الاصطلاح من التزم أحكام الإسلام في المعاملات مدة عمره (١)، وقيل: "الذمي نسبة إلى الذمة أي العهد من الإمام بالأمن على نفسه وماله في نظير التزامه الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيه" (٢). والظهار من حيث أصله كان طلاقاً في الجاهلية فقرر الشرع أصله، ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة من غير أن يكون مزيلاً للملك (٣).

стр. 490

وجاء في كتب الحنفية ما يفيد عدم التفريق بين المسلم والذمي في بعض المسائل مثل الإيلاء (١)، ووجوب النفقة على الزوجة (٢)، والإجارة؛ لأنها من عقود المعاوضات، وجريان الربا، والشفعة (٣)، والدية (٤)، والحدود (٥)، وغيرها، وينصون على أن الذمي قد التزم أحكام الإسلام في المعاملات (٦)، وفرقوا بينهما في مسائل مبناها على العبادة (٧)، ومنها الظهار؛ ولأن الظهار يلزم منه الكفارة وهي التكفير والتطهير، والكافر ليس بأهل لذلك، وما فيه من الشرك أعظم من الظهار، ولأن معنى العبادة يترجح في الكفارة حتى تتأدى بالصوم الذي هو محض عبادة لا يتأدى إلا بنية العبادة، وعليه الفتوى (٨). دراسة المسألة دراسة مقارنة ينص الفقهاء على أن الذمي كالمسلم في المعاملات، فيصح منه البيع، وله حق الشفعة وغيرها -وقد سبق ذكر بعضها-، واختلفوا في المسائل التي لها جانب العبادة وجانب المعاملات مثل الظهار على قولين: القول الأول: ظهار الذمي لا يصح، وهو قول الحنفية -كما مضى-، والمالكية (٩).

стр. 491

القول الثاني: ظهار الذمي يجوز، وهو قول الشافعية (١)، والحنابلة (٢). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن ظهار الذمي لا يصح بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ٢]. وجل الدلالة: من وجهين: الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ كناية عن المسلمين (٣). ونوقش بأوجه، منها: - أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجراً له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح. قد يجاب بآخر الآية الرابعة من سورة المجادلة بعد ذكر أحكام الظهار: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]، واللام لام التعليل، (٤) فالكفارة شرعت إيماناً كما شرعت زجراً (٥). - وأن قوله: (والذين يظاهرون من نسائهم) متأخر في الذكر عن قوله: (الذين يظاهرون منكم)، والظاهر أنه كان متأخراً في النزول، فيكون العام قد ورد بعد الخاص، وعند أبي حنيفة ﵀ إذا ورد العام بعد الخاص كان ناسخاً له.

стр. 492

وقد يجاب بأن القاعدة تقيد بكون الورود بعد حضور وقت العمل بالخاص (١)، وآيات الظهار نزلت دفعة واحدة كما في بيان سبب نزولها (٢)، وعليه فلا نسخ. - وأنه لم يذكر بيان حكم الظهار في الأول، وذكره في الثاني، وكون المبين متأخراً في النزول عن المجمل أولى (٣). وقد يجاب بأنه لا يسلم أن الآية لم يُذكر فيها حكم الظهار، فالآية الأولى فيها بيان لحكم الظهار، والثانية بيان لحكم كفارته، فكلتا الآيتين بينتْ. - وأن قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ المراد به العرب، وفيه توبيخ لهم وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم (٤).

стр. 493

قد يجاب بأن الآيات في سياق الحديث عن المؤمنين، ويؤيده قوله تعالى في الآية الرابعة: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]، وقد جاء في تفسيرها: "وقوله: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم، ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام، وإنما فعلته كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد ﷺ ، ويصدّقوا بذلك، ويعملوا به، وينتهوا عن قول الزور والكذب، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) يقول تعالى ذكره: وهذه الحدود التي حدّها الله لكم، والفروض التي بينها لكم حدود الله فلا تتعدّوها أيها الناس، (وَلِلْكَافِرِينَ) بها، وهم جاحدو هذه الحدود وغيرها -من فرائض الله أن تكون من عند الله-، (عَذَابٌ أَلِيمٌ) يقول: عذاب مؤلم" (١)، فحمل الآيات على الكافر والحالة هذه لا يتصور، والله أعلم. الثاني: الآية فيها أمر بتحرير يخلفه الصيام إذا لم يجد الرقبة، والصيام يخلفه الطعام إذا لم يستطع، وكل ذلك لا يتصور إلا في حق المسلم. ونُوقش بأن الصوم بدل عن الإعتاق، والبدل أضعف من المبدل، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع، مع صحة الظهار، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار (٢). قد يجاب عنه بأن المنع من صحة الظهار مبني على عدم إمكانية الكفارة بلا نية في صورة عبادة، وهذا لا يتصور من الكافر. ثم إن العبد يعجز عن الإعتاق كما يعجز عنه الحر؛ فالتفريق بين فوات أقوى اللازمين وبين أضعف اللازمين لا أثر له هنا، لأن الفوات ممكن على الجميع.

стр. 494

وكذلك العبد يعجز عن الإعتاق حقيقة، وأما الذمي فلا يعجز عن الصوم مطلقاً؛ لأنه يمكنه الدخول في الإسلام حتى يصبح قادراً على الصوم، فقياس فوات الأقوى على فوات الأضعف قياس مع الفارق. الدليل الثاني: لأنه لا يصح من الذمي الصوم الذي تتأدى به الكفارة (١)، وقيل: إن الظهار يوجب تحريماً ترفعه الكفارة، والذمي لا كفارة عليه، فلم يتعلق بقوله حكم التحريم، إذ لو حرمناها لم يكن تحريماً مؤقتاً بالكفارة (٢). نُوقش بأنه لا يسلم أن التكفير لا يصح منه، فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة كما في حق العبد، والنية معتبرة في تعيين الفعل للكفارة فلا يمتنع ذلك في حق الذمي، كالنية في كنايات الطلاق (٣). وقد يجاب بأن معنى العبودية يترجح بسبب الصوم فيها كلها؛ لأنها على الترتيب وليس التخيير، فمن عجز عن العتق لزمه الصوم، ولا يجوز الانتقال عنه إلا للعجز أيضًا، والكفر ليس من العجز المبيح للانتقال، ويمكن إزالته بمجرد إسلامه، وأما العتق والإطعام فإن النية معتبرة في تعيين الفعل، لكنها في صورة عبادة، ولأجلها يمتنع ذلك في حق الذمي. كما نوقش بأنه لو أتلف كافر صيداً في الحرم فإنه يضمن (٤). وقد يجاب بأن الضمان من المعاملات، وكفارته لا تنبني على العبادة كما في كفارة الظهار، والله أعلم. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن ظهار الذمي يقع بأدلة، منها: الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣].

стр. 495

وجه الدلالة: لم يفصل بين المسلم والكافر؛ لأن الكافر من أهل الظهار؛ لأن حكمه الحُرمة، والكفار مخاطبون بشرائع هي حُرُمات، ولهذا كان أهلاً للطلاق، فكذا للظهار (١). نوقش بأن الآية خاصة بالمسلمين (٢)؛ فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ، فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال (٣). الدليل الثاني: قياس ظهاره على طلاقه، فكل من صح طلاقه صح ظهاره (٤). قد يناقش بأنه لا يسلم أن الطلاق يصح من الذمي؛ لأن أنكحة الكفار فاسدة، ولا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، ولو تنوزل إلى أنه يصح فإنه قياس مع الفارق، إذ الظهار تحريم مؤقت للجماع وقبله المس، ويفتقر إلى الكفارة بخلاف الطلاق. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما والمناقشات والردود يظهر لي أن القول الأول القائل بأن ظهار الذمي لا يصح أولى وأقرب للصواب؛ لقوة أدلته ولغلبة معنى العبادة في كفارة الظهار، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض المسائل المتشابهة، ولعل القضاء مجال تطبيقها، فعلى سبيل المثال: - لو أن ذمِّيًّا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي فإن قوله لاغٍ على القول الأول ولا أثر له، وعلى القول الثاني يؤخذ به، وعليه الكفارة في غير الصوم. - وكذا لو قاله لها: إنك علي كبطن أختي أو خالتي إلخ.
следующие страницы →