← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 1229

المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية - جمعا ودراسة-

سناد تسرنكتش

Полный текст (676 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

القول الثاني: ظهار الذمي يجوز، وهو قول الشافعية (١)، والحنابلة (٢). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن ظهار الذمي لا يصح بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ٢]. وجل الدلالة: من وجهين: الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ كناية عن المسلمين (٣). ونوقش بأوجه، منها: - أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجراً له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القول وزور، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح. قد يجاب بآخر الآية الرابعة من سورة المجادلة بعد ذكر أحكام الظهار: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]، واللام لام التعليل، (٤) فالكفارة شرعت إيماناً كما شرعت زجراً (٥). - وأن قوله: (والذين يظاهرون من نسائهم) متأخر في الذكر عن قوله: (الذين يظاهرون منكم)، والظاهر أنه كان متأخراً في النزول، فيكون العام قد ورد بعد الخاص، وعند أبي حنيفة ﵀ إذا ورد العام بعد الخاص كان ناسخاً له.

стр. 492

وقد يجاب بأن القاعدة تقيد بكون الورود بعد حضور وقت العمل بالخاص (١)، وآيات الظهار نزلت دفعة واحدة كما في بيان سبب نزولها (٢)، وعليه فلا نسخ. - وأنه لم يذكر بيان حكم الظهار في الأول، وذكره في الثاني، وكون المبين متأخراً في النزول عن المجمل أولى (٣). وقد يجاب بأنه لا يسلم أن الآية لم يُذكر فيها حكم الظهار، فالآية الأولى فيها بيان لحكم الظهار، والثانية بيان لحكم كفارته، فكلتا الآيتين بينتْ. - وأن قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ المراد به العرب، وفيه توبيخ لهم وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم (٤).

стр. 493

قد يجاب بأن الآيات في سياق الحديث عن المؤمنين، ويؤيده قوله تعالى في الآية الرابعة: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٤]، وقد جاء في تفسيرها: "وقوله: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي فرضت على من ظاهر منكم، ما فرضت في حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على الصوم بالإطعام، وإنما فعلته كي تقر الناس بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد ﷺ ، ويصدّقوا بذلك، ويعملوا به، وينتهوا عن قول الزور والكذب، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) يقول تعالى ذكره: وهذه الحدود التي حدّها الله لكم، والفروض التي بينها لكم حدود الله فلا تتعدّوها أيها الناس، (وَلِلْكَافِرِينَ) بها، وهم جاحدو هذه الحدود وغيرها -من فرائض الله أن تكون من عند الله-، (عَذَابٌ أَلِيمٌ) يقول: عذاب مؤلم" (١)، فحمل الآيات على الكافر والحالة هذه لا يتصور، والله أعلم. الثاني: الآية فيها أمر بتحرير يخلفه الصيام إذا لم يجد الرقبة، والصيام يخلفه الطعام إذا لم يستطع، وكل ذلك لا يتصور إلا في حق المسلم. ونُوقش بأن الصوم بدل عن الإعتاق، والبدل أضعف من المبدل، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع، مع صحة الظهار، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار (٢). قد يجاب عنه بأن المنع من صحة الظهار مبني على عدم إمكانية الكفارة بلا نية في صورة عبادة، وهذا لا يتصور من الكافر. ثم إن العبد يعجز عن الإعتاق كما يعجز عنه الحر؛ فالتفريق بين فوات أقوى اللازمين وبين أضعف اللازمين لا أثر له هنا، لأن الفوات ممكن على الجميع.

стр. 494

وكذلك العبد يعجز عن الإعتاق حقيقة، وأما الذمي فلا يعجز عن الصوم مطلقاً؛ لأنه يمكنه الدخول في الإسلام حتى يصبح قادراً على الصوم، فقياس فوات الأقوى على فوات الأضعف قياس مع الفارق. الدليل الثاني: لأنه لا يصح من الذمي الصوم الذي تتأدى به الكفارة (١)، وقيل: إن الظهار يوجب تحريماً ترفعه الكفارة، والذمي لا كفارة عليه، فلم يتعلق بقوله حكم التحريم، إذ لو حرمناها لم يكن تحريماً مؤقتاً بالكفارة (٢). نُوقش بأنه لا يسلم أن التكفير لا يصح منه، فإنه يصح منه العتق والإطعام، وإنما لا يصح منه الصوم، فلا تمتنع صحة الظهار بامتناع بعض أنواع الكفارة كما في حق العبد، والنية معتبرة في تعيين الفعل للكفارة فلا يمتنع ذلك في حق الذمي، كالنية في كنايات الطلاق (٣). وقد يجاب بأن معنى العبودية يترجح بسبب الصوم فيها كلها؛ لأنها على الترتيب وليس التخيير، فمن عجز عن العتق لزمه الصوم، ولا يجوز الانتقال عنه إلا للعجز أيضًا، والكفر ليس من العجز المبيح للانتقال، ويمكن إزالته بمجرد إسلامه، وأما العتق والإطعام فإن النية معتبرة في تعيين الفعل، لكنها في صورة عبادة، ولأجلها يمتنع ذلك في حق الذمي. كما نوقش بأنه لو أتلف كافر صيداً في الحرم فإنه يضمن (٤). وقد يجاب بأن الضمان من المعاملات، وكفارته لا تنبني على العبادة كما في كفارة الظهار، والله أعلم. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن ظهار الذمي يقع بأدلة، منها: الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣].

стр. 495

وجه الدلالة: لم يفصل بين المسلم والكافر؛ لأن الكافر من أهل الظهار؛ لأن حكمه الحُرمة، والكفار مخاطبون بشرائع هي حُرُمات، ولهذا كان أهلاً للطلاق، فكذا للظهار (١). نوقش بأن الآية خاصة بالمسلمين (٢)؛ فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ، فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال (٣). الدليل الثاني: قياس ظهاره على طلاقه، فكل من صح طلاقه صح ظهاره (٤). قد يناقش بأنه لا يسلم أن الطلاق يصح من الذمي؛ لأن أنكحة الكفار فاسدة، ولا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، ولو تنوزل إلى أنه يصح فإنه قياس مع الفارق، إذ الظهار تحريم مؤقت للجماع وقبله المس، ويفتقر إلى الكفارة بخلاف الطلاق. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما والمناقشات والردود يظهر لي أن القول الأول القائل بأن ظهار الذمي لا يصح أولى وأقرب للصواب؛ لقوة أدلته ولغلبة معنى العبادة في كفارة الظهار، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض المسائل المتشابهة، ولعل القضاء مجال تطبيقها، فعلى سبيل المثال: - لو أن ذمِّيًّا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي فإن قوله لاغٍ على القول الأول ولا أثر له، وعلى القول الثاني يؤخذ به، وعليه الكفارة في غير الصوم. - وكذا لو قاله لها: إنك علي كبطن أختي أو خالتي إلخ.

стр. 496

المبحث الرابع: في مسائل الأيمان المطلب الأول: قول كل حلال عليّ حرام: مسائل الأيمان (١) مبناها على العرف (٢)، ومن أمثلتها التي يكثر ذكرها في كتب الحنفية في كتاب الأيمان قول رجل: كل حل أو حلال علي حرام؛ هل يحمل على الطعام و الشراب أم يحمل على الطلاق ولو بدون نية. وقد اختلف فقهاء الحنفية في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إنه يحمل على المأكولات والمشروبات، وهو ظاهر الرواية (٣)، ومنهم من قال: إنه يحمل على الطلاق من غير نية، والفتوى عند المتأخرين على الثاني (٤).

стр. 497

ودليل وقوع الطلاق من غير نية غلبة الاستعمال والعرف السائد آنذاك (١)، فصار كالصريح (٢). ويظهر أن سبب الاختلاف اختلاف عصر وزمان، فالقول المذكور كان يحمل على المأكول والمشروب عرفاً (٣)، ثم تغير العرف فصار يحمل على الطلاق بغير نية كالصريح (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء فيما لو قال رجل: كل حلال عليّ حرام؛ على ماذا يحمل قوله؟ على قولين: القول الأول: إنه يحمل على الطلاق بغير نية، وهو قول الحنفية –كما مضى-، وقول المالكية؛ لقولهم إنه يحمل على الطلاق إذا كان لمطلق التحريم لا إن حاشاها أي استثناها في قلبه (٥)، وقول الشافعية؛ لأنه من الألفاظ الصريحة وتحمل على الطلاق لغلبة استعمالها في العرف وحصول التفاهم (٦).

стр. 498

القول الثاني: إنه يحمل على الظهار، وهو قول الحنابلة في الجملة (١)؛ لأنه صريح فيه (٢). الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل القائلون بأن قول رجل: كل حلال عليّ حرام يحمل على الطلاق بدليل العرف وغلبة الاستعمال فيه، والأيمان تنبني على العرف، والعرف أن الحرام يراد به الطلاق (٣). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بأن قول رجل: كل حلال عليّ حرام يحمل على الظهار بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وجه الدلالة: الله – سمى تحريم ما أحله يميناً، وفرض لذلك تحلة، وهي الكفارة (٤). يناقش بأن التحريم لا يطلق على الحلف لغةً، والصواب في تفسير الآية أن النبي – ﷺ كان قد جمع بين تحريم وحلف، وتحلة اليمين للحلف لا التحريم (٥).

стр. 499

وكما يناقش بآيات أخر التي فيها ذم تحريم الحلال والمحرم أيضاً ولم يوجب عليه الكفارة، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] (١). الدليل الثاني: إن الله – جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهاراً، وجعله منكراً من القول وزوراً، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهراً فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار (٢). قد يناقش بأن حمله على المرأة ممكن إن غلب استعماله في ذلك عرفاً، لكن يرده لو غلب استعماله في غير ذلك -كما عند المتقدمين من الحنفية- مثل الطعام والشراب، فلا يمكن حمله على الظهار ولا الطلاق والحالة هذه. الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الأول أقرب للصواب؛ لقوة دليله وإيراد المناقشة على دليلي القول الثاني، وفي ترجيح الأول إعمال للعرف السائد، وإن تغير فإن الحكم يختلف باختلافه. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض المسائل، منها:

стр. 500

- لو قال رجل: كل حل عليّ حرام، فعلى القول الأول طلقت زوجته إن كان متزوجاً، وعلى الثاني ظاهر وعليه كفارة الظهار. - وفائدة إعمال العرف تظهر فيما لو كان يحمل على الشرب أو الأكل، فالقول لاغٍ على القولين؛ لأن الطلاق والظهار متعلقان بالزواج الذي قد يوجد وقد لا يوجد، بخلاف المأكولات والمشروبات.

стр. 501

المطلب الثاني: من حلف ألا يلبس حلياً فلبس عقد اللؤلؤ هذه مسألة تُذكر في كتاب الأيمان، والأيمان عند الحنفية تنبني على العرف –كما سبق- في المسألة السابقة، فلو حلف شخص ألا يلبس حلياً، فلبس عقد لؤلؤ، فإنه لا يحنث في قول أبي حنيفة –﵀؛ لأنه ليس بحلي حتى يُرصّع بالذهب والفضة (١)، وعند صاحبيه هو حلي، فيحنث فيه بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، والمستخرج من الجوهر اللؤلؤ غير مرصع (٢)، وقولِه: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] (٣)، وكذلك من حيث العرف يستعمل استعمال الحلي، فالمرأة قد تلبس عقد لؤلؤ للتحلي بها، ولكن أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- شاهد العرف في عصره، وأن النساء يتحلَّيْنَ باللؤلؤ مرصعاً بالذهب أو الفضة، ولا يتحلَّيْنَ باللؤلؤ وحده فبنى الجواب على ما شاهده (٤).

стр. 502

والفتوى على قولهما بدليل من القرآن الكريم والاستعمال العرفي (١). وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان؛ لأن التحلي به على الانفراد أصبح عادة في وقتهما (٢)، فكل واحد منهم قال على عادة زمانه (٣)، وهو سبب ترجيح قولهما على قول إمامهما. والقول بأن اللؤلؤ حلي هو قول بقية المذاهب من المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وخلاصة المسألة أن من حلف ألا يلبس حلياً فلبس اللؤلؤ حنث؛ لأنه من الحلي. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة من القرآن الكريم والقياس والعرف. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]. وجه الدلالة: المستخرج من الجوهر اللؤلؤ غير مرصع وقد سماه حلياً. وأما القياس فلأن اللؤلؤ حلي مع غيره فكان حلياً وحده كالذهب (٧). قد يناقش بأن القياس مع الفارق، ويرده إجماع العلماء على أنه لا زكاة في الحلي إذا كان جوهراً لا ذهب فيه ولا فضة إلا أن يكون للتجارة (٨). والعرف يؤيده، فإن اللؤلؤ ولو كان غير مرصع يسمى حلياً. وعلى فرض وجود الخلاف فإن المسألة لها فائدة عملية تظهر في هذه الصورة إذا حلف ألا يلبس حلياً، فلا يحنث على قول أبي حنيفة، ويحنث على قول غيره من الأئمة.

стр. 503

المطلب الثالث: من حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن: هذه مسألة أخيرة من مسائل الأيمان في هذا المبحث، وصورتها شخص حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن؛ فهل يحنث أم لا؟ وفقهاء الحنفية يذكرونها في كتاب الأيمان، ويفرقون بين من قرأ القرآن في الصلاة وغيرها، فإن قرأه في الصلاة لم يحنث؛ لأنه لا يسمى كلاماً شرعاً (١)، ولأن ذاك غير مراد ولا مقصود باليمين (٢)، وإن قرأه خارجها كذلك (٣)؛ لأنه لا يسمى متكلما عرفاً، بل قارئاً (٤)، والفتوى على ذلك (٥). وهو خلاف ظاهر الرواية الذي بُني على عرف المتقدمين، واختير للفتوى خلافه بناءً على العرف المتأخر، والأيمان مبناها على العرف (٦)، وقد استقر قول الحنفية على ذلك. والقول بأن من حلف أن لا يتكلم لا يحنث بقراءة القرآن مطلقاً سواء داخل الصلاة أم خارجها هو قول بقية المذاهب من المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). وعليه فإن المسألة محل اتفاق الفقهاء، ومن أدلتها ما يلي:

стр. 504

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١] (١). وجه الدلالة: أمره بالذكر والتسبيح بعد قطع الكلام عنه، فدل على أن الذكر ليس بكلام (٢). الدليل الثاني: قوله – ﷺ : "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة" (٣) (٤). وجه الدلالة: الحديث دليل على أن ما يقرأ في الصلاة ليس من الكلام. الدليل الثالث: قوله – ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٥). وجه الدلالة: الكلام مفسد للصلاة، ولو كانت هذه الأشياء من كلام الناس لأفسدت أيضاً (٦). الدليل الرابع: العرف؛ لأن الكلام فيه لا يطلق إلا على كلام الآدميين (٧)، فمن قرأ القرآن لا يسمى متكلماً، بل قارئاً –كما سبق-. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو حلف شخص أن لا يتكلم فقرأ القرآن، فإنه لا يحنث مطلقاً، وعلى فرض الخلاف (٨) –كما في القول المرجوح في المذهب الحنفي- فإنه يحنث لو قرأ القرآن خارج الصلاة وليس داخلها.

стр. 505

المبحث الخامس: في مسائل النفقة المطلب الأول: وقت وجوب النفقة للزوجة وقدرها: هذه مسألة من أولى مسائل كتاب النفقات عند الحنفية، ويقررون أنه تجب للمرأة النفقة والكسوة والسكنى بتسليم نفسها في منزل زوجها (١)، وتكون على قدر حال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] (٢)، فالآية تبين أن التكليف بحسب الوسع، وأن النفقة على الرجال بحسب حالهم (٣)، وقيل: على قدر حالهما جمعاً بالآية السابقة وحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لهند ﵂: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (٤) (٥)، وبه يفتى (٦)، وعليه المتون والشروح (٧).

стр. 506

وحاصله أنه إن كانا موسرين نفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار (١)، وإن كانا مختلفين فعلى ظاهر الرواية يعتبر حال الزوج، وأما على ما يفتى به فبين الحالين (٢)، إلا أنه إذا كان هو المعسر يطالب بقدر وسعه والباقي دين عليه (٣). دراسة المسألة دراسة مقارنة تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن المعتبر في نفقة الزوجة حال الزوج إذا كان معسرين أو موسرين (٤)، واختلفوا إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً على القولين:

стр. 507

القول الأول: إن المعتبر حالهما معاً، فتكون نفقة الوسط، فوق نفقة المعسرة ودون نفقة الموسرة، وهو المفتى به عند الحنفية –كما سبق-، وقول المالكية (١) والحنابلة (٢). القول الثاني: إن المعتبر حال الزوج فقط، وهو قول الشافعية (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأن المعتبر حال الزوج والزوجة معاً بأدلة، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].

стр. 508

وجه الدلالة: الآية تبين أن التكليف بحسب الوسع، وأن النفقة على الرجال بحسب حالهم (١). الدليل الثاني: حديث عائشة –﵂ أن النبي – ﷺ قال لهند –﵂: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (٢). ونوقش بأنه أذن لها أن تأخذ بالمعروف، والمعروف ألا تأخذ في الإعسار ما تأخذه في اليسار (٣). وأجيب عن المناقشة بأنه أذن لها أن تأخذ بالمعروف الذي فيه كفايتها وكفاية بنيها، فالنفقة على كفاية الزوجة فتعتبر حالها أيضاً (٤). دليل القول الثاني: استدل القائلون بأن المعبر حال الزوج فقط بآية الطلاق مثل أصحاب القول الأول، وهو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. وجه الدلالة: أنه أراد أن الغنى ينفق على حسب حاله، والفقير على حسب حاله (٥). نوقش بأن الآية دليل على اعتبار حال الزوج، وهذا صحيح، وحديث عائشة –﵂ دليل على اعتبار حال الزوجة، فيجمع بينهما.

стр. 509

الترجيح: بعد استعراض القولين بأدلتهما يظهر أن القول بالجمع بين حال الزوج والزوجة معاً في اعتبار النفقة أقرب للصواب؛ لأنه جمع بين الدليلين، وفيه عمل بكلا النصين، وفيه أيضاً رعاية لكل الجانبين، فيكون أولى (١). والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن ابن الوزير تزوج بنت الوزير الآخر أو لو أن شخصاً فقيراً تزوج بفقيرة فإن المعتبر في النفقة حال الزوج عند الجميع؛ لأنهما في مرتبة واحدة. - ولو أن ابن الوزير تزوج فقيرة أو فقيرًا تزوج بنت الوزير، فعلى القول الأول يعتبر حالهما معاً، ولها نفقة فوق المعسرة ودون الموسرة، وعلى الثاني فإن زوجة ابن الوزير لها نفقة بقدر وسع زوجها وحاله، وزوجة الفقير لها نفقة بقدر وسع زوجها وحاله ولو كانت من أغنى الناس.

стр. 510

المطلب الثاني: نفقة الزوجة إذا حُبست في دين: جاء في المسألة السابقة ما يفيد الاتفاق على أن نفقة الزوجة واجبة بمجرد تسليم نفسها وتمكن زوجها من الاستمتاع بها (١). والنفقة لها موانع، ومنها: حبس الزوجة في دَين عليها؛ لأن فوت الاحتباس منها (٢)، وعليه الفتوى (٣). دراسة المسألة دراسة مقارنة: وصورة المسألة في زوجة استدانت المال ولم تسدده حتى حبست فيه؛ فهل لها نفقة في هذه الحالة؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن لها نفقة مدة حبسها، وهو قول المالكية (٤). القول الثاني: إن النفقة تسقط، وهو قول الحنفية –كما مضى-، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 511

التعليلات والمناقشات: تعليل القول الأول: علَّل القائلون بأن النفقة لم تسقط إذا حبست الزوجة في دين عليها بتعليل مفاده أن المنع من الاستمتاع لم يحصل من جهتها (١). قد يناقش بأنه بسببها وإن لم يكن من جهتها. قد يجاب عنه بأنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب، أضيف الحُكم إلى المباشر (٢)، فالذي باشر الحبس هو السلطان وليست الزوجة، فالحكم يضاف إليه لا إليها، فلا تسقط نفقتها. قد يناقش أيضاً بأنه يُستثنى من ذلك إذا كان المتسبب متعدياً بفعله. وقد يجاب عنه بأن الحكم يضاف إلى المباشر وحده دون المتسبب في حالة كون السبب لا يعمل في فوت الاحتباس إذا انفرد عن المباشرة (٣). تعليل القول الثاني: علَّل القائلون بأن النفقة تسقط؛ لأن فوت الاحتباس حصل بسببها. يناقش –كما مر- بأنه إذا اجتمع السبب والمباشرة، غلب جانب المباشرة. الترجيح: بعد استعراض القولين وتعليليهما يظهر أن القول الأول أقرب للصواب؛ لأن الزوجة متسببة وليست مباشرة لفوت الاحتباس، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو حبست في السجن بسبب الدين، فإن النفقة ما زالت لها وقت حبسها بخلاف القول الثاني. ويظهر من ذلك أن لها نفقة حتى لو كانت الدولة تصرف عليها وقت سجنها، والله أعلم.

стр. 512

المطلب الثالث: نفقة الزوجة إذا حبست في سفرها مع محرم (١) لأداء الحج: هذه المسألة ملحقة بالسابقة؛ إذ الحنفية لم يفرقوا بينهما من حيث عدم وجوب نفقة الزوجة؛ لأن فوت الاحتباس منها. دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورتها فيما لو سافرت الزوجة لأداء الحج الفرض مع محرم هل تسقط نفقتها حتى ترجع إلى بيتها؟ تحرير محل النزاع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن النفقة تسقط، وهو قول الحنفية –كما مر في المسألة السابقة-، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: لا تسقط نفقتها إلا أن لها نفقة حضر وليس سفر، وهو قول المالكية (٤). الأدلة والمناقشات: دليل القول الأول: استدل القائلون بأن نفقة الزوجة تسقط إذا كانت محبوسة في سفرها لأداء الحج الفرض مع محرم لها بدليل أن فوت الاحتباس من جهتها (٥). قد يناقش بأنها مأمورة بأداء فريضة الحج على الفور متى توفرت أسبابه وتحققت شروطه.

стр. 513

دليل القول الثاني: لم أجدهم يذكرون الدليل لهذه المسألة، لكن يمكن الاستدلال بقولهم: إن الحج على الفور، وليس للزوج منعها حينئذ (١)، وعليه فلا تسقط النفقة. قد يجاب بأنه ليس له منعها، لكن له أن يمنع النفقة لفوات الاستمتاع بها. الترجيح: بعد استعراض القولين يظهر أن القول الثاني أقرب للصواب؛ لأن فوت الاحتباس الآن تغير؛ ففي قديم الزمان حج المرأة كان يأخذ ثلاثة أشهر وأكثر (٢)، وأما الآن فكلها أيام قليلة، وقد لا تتجاوز زيارة الزوجة أهلها في الغالب، ويكون من الصعب إطلاق القول إنها محبوسة في سفرها لأداء الحج، وما دون ذلك من باب أولى، والله أعلم. والمسألة لها فائدة عملية تظهر فيما لو سافرت الزوجة مع محرم لها غير الزوج لأداء الحج الفرض، وكانت نفقتها مائة ريال لكل يوم مثلاً، فعلى القول الأول تسقط نفقتها عنه بقدر عدد أيام غيابها، وعلى الثاني لا تسقط، ولها بعد عودتها عن كل يوم مائة ريال. وينغي التنبيه إلى أن غياب الزوجة في القديم لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر له أثر بالغ، وإيجاب النفقة في هذه المدة مع عدم التمكن الذي هو شرط وجوب النفقة فيه إضرار بالزوج، ولذلك كان لهذا القول حظ من النظر والحالة كما ذُكر، وأما الآن فقد لا يكون فيه إضرار بالزوج، وإن قلنا بأن النفقة تسقط فليست كثيرة لقلة أيام غياب الزوجة. وفي كثير من الأحايين الزوج يدفع لزوجته تكاليف أداء الفريضة وتكلفة سفر أغلى من تكلفة حضر؛ لوجود وسائل النقل، والفنادق وغيرها. ولذلك يمكن الجمع بين القولين بهذه الطريقة، بحيث ينظر إلى حقيقة فوت الاحتباس عرفاً، والله أعلم.

стр. 514

المطلب الرابع: حد اليسار في النفقة (١): هذه آخر مسألة من مسائل النفقات في هذا البحث، وفقهاء الحنفية اختلفوا في حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب على قولين: القول الأول: إنه يقدر بنصاب الزكاة، وهذا روي عن أبي يوسف ﵀ (٢). القول الثاني: ما روي عن محمد ﵀ أنه قدره بما يفضل على نفقة نفسه وعياله شهراً أو بما يفضل على ذلك من كسبه الدائم كل يوم (٣). والفتوى على الأول لكن النصاب نصاب حرمان الصدقة (٤)، وهو مائتا درهم (٥) إذا كان فاضلاً عن حوائجه الأصلية] من أي مال كان (٦) [، بدليل أن النفقة أشبه بصدقة الفطر؛ لكونها مئونة من وجه، وصدقة من وجه، والنفقة مئونة من كل وجه، فلما لم يشترط لوجوب الفطر الغنى الموجب للزكاة فلأن لا يشترط هاهنا -وهي مئونة من كل وجه- أولى (٧). وقدم قول محمد ﵀؛ لأنه أرفق بالناس (٨). دراسة المسألة دراسة مقارنة: صورة المسألة في شخص له ما يفضل من ماله على حوائجه الأصلية؛ فمتى يوصف بأنه أدنى حد اليسار الذي تجب بعده النفقة على الأقارب؟

стр. 515

تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في حد اليسار الموجب لنفقة الأقارب على القولين: القول الأول: إن اليسار نصاب حرمان الصدقة، ويقدر بمائتي درهم إذا كان يفضل على حوائجه الأصلية من أي مال كان، وهو قول الحنفية – كما سبق-. القول الثاني: إن اليسار المذكور مقدر بما يفضل عن قوته وقوت زوجته في يومه وليله، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بأن حد اليسار يتعلق بنصاب حرمان الصدقة بأدلة، منها: الدليل الأول: قياس الأولى؛ لأن صدقة الفطر لم يشترط فيها النصاب الموجب للزكاة مع كونها مئونة وصدقة، فالنفقة من باب أولى؛ لأنها مئونة فقط. قد يناقش بأن صدقة الفطر مرة واحدة في السنة فلم يشترط لها النصاب الموجب للزكاة، وأما النفقة فمستمرة طوال العام. الدليل الثاني: لأن حد اليسار بنصاب حرمان الصدقة أرفق بالناس (٤). قد يناقش بأن الضرر يلحق بعض الموسرين بهذا الاعتبار، وبخاصة إذا كان عدد الأقرباء المحتاجين كثير. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن اليسار ما فضل عن قوت نفسه وزوجته في يومه وليله بأدلة، منها:

стр. 516

الدليل الأول: ما روى جابر –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله، فإن كان فيها فضل، فعلى ذي قرابته -أو قال: على ذي رحمه- فإن كان فضل فهاهنا وهاهنا" (١). وجه الدلالة: الحديث دليل على أن من لا يفضل عن نفقته شيء لا تجب عليه (٢)، وإنما تجب بأدنى ما يفضل عنها. الدليل الثاني: تقديم نفقة الزوجة على القريب؛ لأن نفقة الزوجة عوض، فَقُدِّمت على نفقة القريب التي هي المواساة، ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة القريب كنفقة نفسه (٣). الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر للباحث أن القول الثاني أقرب للصواب؛ إذ يؤيده النص الشرعي، وفيه رفق بالفقراء أيضاً، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو كان لشخص موسر أقارب فقراء، فعلى القول الأول لا تجب نفقتهم إلا إذا كان يفضل من ماله مائتا درهم، وعلى الثاني تجب إذا كان فاضلاً عن قوت نفسه وزوجته في يومه وليله.

стр. 517

المبحث السادس: في مسائل الإجارة المطلب الأول: الإجارة على الطاعات: يذكر فقهاء الحنفية هذه المسألة في كتاب الإجارة، لكن تحت باب الإجارة الفاسدة، ويفهم من ذلك حكمها ابتداءً، وينصون على أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، لكن حينما ظهر التواني في أمور الدين استحسن بعض الفقهاء الاستئجار على تعليم القرآن؛ لأن في الامتناع عن ذلك تضييع حفظ القرآن، ولأن حاجة الناس داعية إلى ذلك (١)، وعليه الفتوى (٢). وعليه فإن جواز الاستئجار اقتُصِر على تعليم القرآن، وزاد بعضهم الأذان والإقامة والوعظ والفقه وغيره، لكن أكثرهم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن. وقد اتفقت كلمتهم في الشروح على التعليل بالضرورة، وهي خشية ضياع القرآن، كما اتفقت كلمتهم على التصريح بأصل المذهب من عدم الجواز، ثم استثنوا ما ذُكر آنفاً، فهذا دليل على أن المفتى به ليس جواز الاستئجار على كل طاعة، بل على ما ذكروه فقط ولأجل الحاجة، وتعليم القرآن في ذلك أظهر (٣). والخلاف في هذه المسألة اختلاف زمان، وليس حجة وبرهان (٤). دراسة المسألة دراسة مقارنة صورة المسألة فيما لو أن إنساناً أراد أن يعلّم ابنه القرآن الكريم، فوجد شخصاً يقوم بذلك بأجر؛ فهل تصح هذه الإجارة؟

стр. 518

تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على جواز أخذ الرزق من بيت مال المسلمين لتعليم القرآن الكريم (١)، واختلفوا في جواز الاستئجار على تعليمه وأخذ الأجر من ذلك على قولين: القول الأول: جواز الاستئجار على تعليم القرآن، وهو قول الحنفية للحاجة فقط (٢) –كما سبق-، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥). القول الثاني: عدم جواز الاستئجار على تعليم القرآن، وهو قول عند الحنفية، وهو الأصل في المذهب -كما سبق-، ورواية أخرى عن الحنابلة (٦). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل القائلون بجواز الاستئجار لتعليم القرآن بأدلة، منها:

стр. 519

الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء، فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راقٍ، إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١) (٢). وجه الدلالة: الحديث دليل على جواز أخذ الأجر على كتاب الله، وعليه يجوز الاستئجار على تعليمه (٣). نوقش بأنه يحمل على الجعل في الرقية؛ لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية، كما نوقش أيضًا بأن المراد من الأجر ثواب (٤). وقد يجاب عنه بحديث: "وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم" (٥)، فلا يمكن حمله على الثواب. كما يمكن مناقشته أيضاً بأن البخاري أدرج هذا الحديث في كتاب الطب (٦)، وهو من فقهه –﵀. ويجاب عنه بأن البخاري أدرج الحديث نفسه في كتاب الإجارة (٧)، فدل على أنه يحمل عليها.

стр. 520

الدليل الثاني: النبي ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن (١) (٢). وجه الدلالة: إذا جاز تعليم القرآن عوضاً في النكاح، وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة (٣). نوقش بأنه ليس في الحديث تصريح بأن التعليم صداق، وإنما قال: "فقد زوجتكها بما معك من القرآن" (٤)، فيحتمل أنه زوجها إياه بغير صداق إكرامًا كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه (٥)، أو أن يقال إنه زوجه لإسلامه (٦) (٧). الدليل الثالث: حديث أبي سعيد أن رجلاً رقى رجلاً بفاتحة الكتاب على جُعل فبرأ، وأخذ أصحابه الجعل، فأتوا به النبي ﷺ فأخبروه وسألوه فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم" (٨) (٩). وجه الدلالة: وإذا جاز أخذ الجعل جاز أخذ الأجر، لأنه في معناه (١٠).

стр. 521

نوقش بأنه من باب المداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها، ثم الجعالة أوسع من الإجارة، ولذلك تجوز مع جهالة العمل والمدة (١). الدليل الرابع: ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، فجاز أخذ الأجر عليه كبناء المساجد (٢). نوقش بأنه يجوز أخذ الرزق من بيت المال على ما يتعدى نفعه؛ لأنه من مصالح المسلمين، فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجاً إليه كان من المصالح، وكان له أخذه؛ لأنه من أهله، وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الأجر (٣). الدليل الخامس: الضرورة (٤) أو ما تعم به البلوى (٥). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بعدم جواز الاستئجار على تعليم القرآن بأدلة، منها: الدليل الأول: روي أن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرًا (٦) (٧). وجه الدلالة: الحديث دليل على عدم جواز أخذ الأجر على التأذين، وكذا على تعليم القرآن بجامع العبادة (٨).

стр. 522

الدليل الثاني: حديث عبادة بن الصامت –﵁ قال: علمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، فسألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: "إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها" (١) (٢). وجه الدلالة: الحديث دليل على حرمة التكسب من تعليم الناس القرآن. نوقش بأنه منسوخ بحديث: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" السابق ذكره (٣). الدليل الثالث: عن أبي بن كعب –﵁ أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار" (٤). وجه الدلالة: في الحديث دليل على منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن أو سورة منه. نوقش الدليل الثاني والثالث بأنهما قضيتان في عين، فيحتمل أن النبي ﷺ علم أنهما فعلا ذلك لله خالصاً، فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى (٥).

стр. 523

الدليل الرابع: عن أبيّ –﵁ أيضاً أنه قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته أقرئه القرآن، فكان عند فراغه مما أقرئه يقول لجارية له هلمي طعام أخي فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي منه شيء، فذكرته للنبي ﷺ فقال: "إن كان ذاك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان يتحفك به فلا تأكله" (١). وجه الدلالة: في الأثر دليل على حرمة أخذ الأجر على تعليم القرآن الكريم حتى لو كان في صورة الضيافة الخاصة إذا ظُنّ أن التعليل سببها. الدليل الخامس: عن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به" (٢) (٣). وجه الدلالة: الحديث دليل على منع الأكل بالقرآن والتكسب به، ومن الأكل به الاستئجار لتعليمه. الدليل السادس: من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله – ، فلم يجز أخذ الأجر عليها كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة أو التراويح (٤).

стр. 524

الترجيح: بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول بالمنع أقرب للصواب، وينبغي أن يكون الأصل في المسألة، لكن قد يستثنى للضرورة أو الحاجة الماسة أو ما تعم به البلوى فيقال بجواز الاستئجار على تعليم القرآن؛ خشية ضياع الحفظ، وفي ذلك حمل كل قول على محمله الصحيح. والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في بعض الصور، منها: - لو أن إنساناً أراد تعليم بنيه وتحفيظهم القرآن ولم يجد إلا من يقوم بذلك بالأجر، فعلى القول الأول يجوز ذلك عند الحنفية وقت الضرورة فقط، وعند البقية ابتداءً، وعلى القول الثاني لا يجوز ابتداءً. - لو أن الدولة تكفلت ببناء وقف لتحفيظ القرآن أو لها بيت المال يصرف منه لذلك وأراد شخص أن يعلم ابنه القرآن، فعلى القول الأول يجوز الاستئجار على تعليمه مطلقاً إلا عند الحنفية؛ لأن الضرورة زالت بزوال الخوف من تضييع حفظ القرآن، وعلى القول الثاني لا يجوز مطلقاً، والمنع أقوى مع وجود دور تحفيظ القرآن التي يصرف عليها من وقف أو بيت المال أو ما شابههما.

стр. 525

المطلب الثاني: اختلاف المؤجر والمستأجر في أجرة العمل (١): من المسائل التي يذكرها علماء الحنفية كمثال على اختلاف المؤجر والمستأجر مسألة خياطة الثوب ونحوه، فلو قال المستأجر: خِطتَ الثوب بغير أجر، وقال المؤجر: بل بأجر، فإن كان قبل العمل يتحالفان ويبدأ بيمين المستأجر، وإن كان بعد العمل فقد اختلف فقهاء الحنفية في ذلك على قولين: القول الأول: القول قول صاحب الثوب؛ لأنه منكر، ولأنه لا قيمة للعمل بدون العقد، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٢). القول الثاني: إن تكررت المعاملة بينهما بأجر فإن ذلك يؤيد جهة الطلب بأجر جرياً على معتادهما، وهو قول أبي يوسف –﵀ (٣). القول الثالث: إن اتخذ حانوتاً (٤) وانتصب لهذه الصناعة فله الأجرة وإلا فلا، وهو قول محمد (٥)؛ لأن ذلك دليل على العمل بالأجرة عرفاً (واعتباراً للظاهر) (٦)، والمعروف كالمشروط (٧)، وعليه الفتوى (٨). وبعضهم رجح قول الإمام لأنه قياس، ورد قوليهما إلى الاستحسان والاعتبار للظاهر، وأن الظاهر مردود؛ لأنه يصلح للدفع عن نفسه، والحاجة هنا إلى الاستحقاق وليس الدفع (٩).

стр. 526

مثاله: دار في يد رجل، فزعم آخر أنها ملكه فالقول للذي في يده، فلو بيعت دار بجنبها فأراد أن يأخذها بالشفعة لا يأخذها بمجرد اليد حتى يقيم بينة أنها ملكه؛ لأن ثبوت الملك بظاهر اليد يصلح للدفع لا للاستحقاق والأخذ من يد المشتري استحقاق فلا يملكه بدون البينة، كذا هنا (١). وبعد الاطلاع على الكتب المتوفرة لدي ظهر أن الحنفية اعتمدوا على قول محمد ﵀، وأكدوا أن الفتوى عليه (٢). وقد يقال أن الاختلاف نشأ بسبب اختلافهم في تحديد المدعي والمدعى عليه. فمن رأى أن المدعي الصانع، والمدعى عليه رب الثوب، ولا بينة، فإن القول قول رب الثوب بيمينه لأنه منكر. ومن رأى أن القرائن مثل فتح الدكان والانتصاب للصنعة كافية لتقوية جانب على جانب، قال بأن القول قول الصانع، والله أعلم. وهو أيضاً قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالعرف الجاري (٦)، ووجهه أن ما يُعطى للخياط مثلاً هو للعمل بالأجرة عرفاً، والعرف قام مقام القول.

стр. 527

والمسألة إذا افترضنا الخلاف فيها فإن لها ثمرة عملية تظهر في صورة لو أن إنساناً دخل محل الخياطة الرجالية وطلب خياطة الثوب بمواصفات معينة وخرج، وقبل صاحب المحل بدون أن يذكرا الأجرة، ثم جاء صاحب الثوب بعد فترة ليأخذه، لكن منعه صاحب المحل؛ لعدم دفع قيمته، فله ذلك؛ لأن العرف على أن الخياط لا يخيط بلا أجرة، وعلى القول المرجوح عند الحنفية فإن الثوب له، وكل ذلك إذا انعدمت البينة. وفي الوقت الراهن وجود كاميرات المراقبة والفواتير الورقية والإلكترونية، وأن الأجر مقدم في الأغلب كل ذلك من القرائن التي قد تؤثر في تحديد المدعي والمدعى عليه، والله أعلم.

стр. 528

المبحث السابع: إسقاط حق الشفعة بالاحتيال وبتأخير الخصومة والمحاكمة: هذه المسألة مدارها على نفي الضرر وتحقيق المصالح، ولها شقان، شق يتعلق بالاحتيال (١)، وشق يتعلق بالتأخير. إسقاط حق الشفعة بتأخير الخصومة والمحاكمة وأما إسقاط الشفعة بتأخير الخصومة والمحاكمة فقد اختلف أئمة المذهب الحنفي في ذلك؛ فعند أبي يوسف ﵀ أن حق الشفعة يسقط إذا ترك الشفيع مجلساً أو مجلسين من مجالس الحكم، وعنه ثلاثة أيام، لأنه دليل الإعراض، ومحمد ﵀ قدَّر ذلك بشهر (٢)، لأن المشتري يتضرر بالتأخير؛ لنقض تصرفاته، فقدَّره بالشهر؛ لأنه أقل الآجل وأكثر العاجل، ومرادهما إذا ترك لغير عذر. وعند أبي حنيفة ﵀ ورواية أخرى عن أبي يوسف ﵀ (٣) أنه حق ثابت لا يسقط بالتأخير كسائر الحقوق، وضرر المشتري يمكن دفعه بالمرافعة إلى القاضي حتى يوقِّت له وقتاً يوفيه فيه الثمن وإلا بطل حقه بإسقاطه هو (٤)، إلا لعذر مثل مرض أو حبس (٥). والفتوى على قول أبي حنيفة ﵀ (٦).

стр. 529

وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). ويظهر مما سبق أن الفقهاء متفقون على أن الشفعة حق ثابت، ولا يسقط بمجرد التأخير، وإنما إذا فرَّط الشفيع بتأخير المطالبة تأخيراً يضر بالمشتري أو البائع عرفاً، وبلا عذر، وحينها يكون هو من أسقط حقه، والله أعلم. إسقاط حق الشفعة بالاحتيال: أما إسقاط حق الشفعة بالاحتيال فإن الحنيفة يرون جواز ذلك (قبل وجوبها) (٤)؛ للمصلحة أو لدفع الضرر (٥)، فيقولون: إن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الجوار، فالمشتري إن كان ممن يتضرر به الجيران فلا يحل إسقاطها، وإن كان رجلاً صالحا ينتفع به الجيران، والشفيع متعنت لا يحب جواره فحينئذ يحتال في إسقاطها (٦). ومثال ذلك لو أن شخصاً باع داراً إلا ذراعاً منها في طول الحد الذي يلي دار الشفيع، فالشفيع لا يستحق الشفعة؛ أما في قدر الذراع فلانعدام الشرط وهو البيع، وأما فيما وراء ذلك فلانعدام السبب وهو الجوار (٧).

стр. 530

دراسة المسألة دراسة مقارنة: تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في إسقاط الشفعة بالحيل قبل وجوبها على قولين: القول الأول: لا يكره إسقاط حق الشفعة بالحيل قبل وجوبه، وهو قول الحنفية كما سبق. القول الثاني: الحيل مكروهة مطلقاً، ولا يجوز إعمالها لإسقاط حق الشفعة، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز استخدام الحيل لإسقاط الشفعة قبل وجوبها بدليلين: الدليل الأول: التحايل ليس فيه إسقاط حق ثابت، بل منع ثبوت الحق، فلا يعد ضرراً. (٤) يناقش بأن فيه الخداع، ويؤدي إلى الغرر فيكره. الدليل الثاني: الحاجة فيما لو كان الشفيع لا يحب جواره فيسقط حقه دفعاً لضرره (٥).
следующие страницы →