مثاله: السكن في العمارة السكنية في الدور الأخير بدون مصعد يشق بخلاف الدور الأول، وإن وُجد المصعد فالسكن في الدور الأعلى مفضل إما لأجل العلو نفسه والنظر إلى ما حول المبنى كما في الفنادق أو للبعد قليلاً عن ضجة الشوارع، أو للأغراض الصحية مثل تخفيف السمنة بتنفس الأكسجين بكمية أقل، لأن كمية الأكسجين في الهواء تقل بزيادة الارتفاع (١).
وإذا كان الدور الأول هو أعلى وفوقه السقف فإن الدور الأرضي مفضل؛ لأن الدور الأول يحمي الأرضي من حرارة الشمس، ويحفظ برودته، لأنه سقفه، وكذا الدور الأول مفضل لأن الأرضي معرض للحشرات أكثر وهكذا.
كل هذا يدل على أن اعتبار الأزمان والأماكن والعادات وطرق البناء له أثر في المسألة.
ومن الآثار العملية للمسألة: عمارة مشتركة بين اثنين، ذات ثلاثة أدوار، في كل دور عدد معين من شقق، وأرادا القسمة، فإنها تكون بالتعديل أي بالقيمة، وهذا يعني أن أحد الشريكين قد يحصل على الدور الأول فقط، والثاني بقية العمارة؛ لاختلاف القيمة، وبالعكس إذا كانت الأدوار الأعلى بقيمة أعلى لأسباب ذُكرت أعلاه.
стр. 597
المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران:
من مسائل تعارض مصالح الجيران مسألة وقوع الشجرة في نصيب أحد الشريكين وأغصانها متدلية إلى نصيب الآخر، وهي من آثار القسمة.
فعند محمد –﵀ له أن يجبره على قطع تلك الأغصان؛ لأنه لا يستحق إقراره في ملك الغير، وعنه رواية أخرى أنه يترك كذلك؛ لأنه استحق الشجرة بأغصانها بالقسمة، فتُترك على ما كانت عليه عند تمام القسمة (١)، وعليه الفتوى (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تُترك الشجرة مع أغصانها في هواء الشريك، وهو قول الحنفية المفتى به، كما سبق-.
القول الثاني: من حق الشريك الأول أن تزال أغصان الشجرة من هوائه، إما بتكليف الشريك الآخر بذلك، أو أن يقوم هو بقطعها، وهو القول المرجوح عند الحنفية –كما سبق-، وقول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 598
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية إلى نصيب الشريك تُترك بدليل أنه استحق الشجرة بأغصانها بالقسمة، فتُترك على ما كانت عليه عند تمام القسمة (١).
قد يناقش بأن المال المشترك قبل القسمة لم يكن فيه ضرر على شريكه، وإنه ظهر ضرره بعد القسمة؛ لأنها ميزت الأنصباء، وحُقَّ لكل شريك أن يعمل في نصيبه ما يريد، وأغصان الشجرة المتدلية قد تمنعه من تمام التصرف، وقد يتضرر بظلها أو يتأذى بورقها المتساقط.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية إلى نصيب الشريك الآخر تُقطع بأدلة، منها:
الدليل الأول: كونه غير مستحق (٢)، بمعنى أنه ليس من حقوقه في ذلك، وهو عكس دليل القول الأول.
الدليل الثاني: يمكن الاستدلال بأنها تُقطع لأنواع من الضرر والأذى التي تحصل للشريك الآخر بسبب الظل أو الورق أو ما يتساقط منها.
الدليل الثالث: كما يمكن الاستدلال بقاعدة: إن الهواء ملك لصاحب القرار (٣)، والقرار الأرض، فمن ملك الأرض ملكاً شرعياً فإنه يملك معها سماءها، وعليه فلا يجوز لأحد أن يعلو عليه في هوائه إلا بإذنه.
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة وأدلتهما يظهر أن القول الثاني القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية تُزال أظهر وأقرب لقواعد الشرع؛ لأن ملك الأرض يتبعه ملك سمائها.
стр. 599
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
- لو أن إنساناً له شجرة أغصانها متدلية إلى أرض جاره أي في نصيبه، فعلى القول الأول لا يجوز له قطعها؛ لأن ذلك من استحقاقه بالقسمة، وعلى الثاني له تكليف شريكه بالقطع، وله أن يقطعها بنفسه؛ لأنها خارجة إلى هوائه، وهواء أرضه ملك له، ولا يتصرف في ملكه إلا بإذنه.
стр. 600
المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل
فقهاء الحنيفة يذكرون هذه المسألة في كتاب السير (١)، كما يذكرونها في كتاب الزكاة (٢) عند بيان أحكام العُشر والخراج وسبب وجوبهما (٣)، والعُشر عشر الخارج من الأرض، والخراج ما يضعه الإمام على أرض فتحها ومنّ على أهلها بها من نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه، ويُسمَّى خراج المقاسمة (٤)، أو ما يُوظِّفه على الأرض بأن يكون الواجب شيئاً في الذمة يتعلق بالتمكن من زراعتها، ويكون واجباً على مالك الأرض ولو لم يزرعها، ويُسمَّى خراج الوظيفة (٥).
وعند الحنفية لا يُزاد على ما وظَّفه عمر ﵁، وهو على كل جَريِب (٦) يبلغه الماء صاع ودرهم، وجريب الرَّطْبَة خمسة دراهم، والكَرْم (٧) والنخل المتصل عشرة دراهم، وما لم يُوظِّفه عمر ﵁ يوضع عليه بحسب الطاقة، ونهاية الطاقة نصف الخارج، فلا يزاد عليه، وينقص منه عند العجز (٨).
وباعتبار أنهما يتعلقان بالأرض فقد قسم فقهاء الحنفية الأرض قسمين: أرض عُشرية، وأرض خراجية أي أرض يجب فيها العشر، والثانية يجب فيها الخراج على أحد نوعيه.
فالعشرية خمسة أنواع:
стр. 601
- أرض العرب.
- أرض أسلم أهلها طوعاً.
- أرض فُتحت قهراً وقُسمت بين الغانمين.
- المسلم إذا اتخذ داره بستاناً.
- المسلم إذا أحيا الأرض الميتة بإذن الإمام وهي من توابع الأراضي العشرية أو تسقى بماء العشر -وهو ماء السماء وماء العيون المستنبطة من الأراضي العشرية-.
والخراجية أنواع كذلك، منها:
- سواد العراق كلها.
- كل أرض فُتحت قهراً وتُركت على أيدي أربابها ومنّ عليهم الإمام فإنه يضع الجزية على أعناقهم إذ لم يسلموا، والخراج على أراضيهم إذا أسلموا أو لم يسلموا.
- كذلك إذا جلاهم ونقل إليها قوماً آخرين.
- والمسلم إذا أحيا أرضاً ميتة وتسقى بماء الخراج.
- والذمي إذا اتخذ داره بستاناً.
- والذمي إذا اشترى من مسلم أرض العشر فإنها تصير خراجية على الصحيح (١).
وعلى ضوء ما سبق لو ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل جاز في الخراج دون العشر عند أبي يوسف ﵀؛ لأن صاحب الخراج له حق فيه فصحَّ تركه له، والعشر حق الفقراء على الخلوص فلا يجوز تركه، ولا يجوز فيهما عند محمد ﵀؛ لأنهما فيء للمسلمين، والفتوى على قول أبي يوسف (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
اختلف الفقهاء في حكم ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل على قولين:
стр. 602
القول الأول: الجواز في الخراج والعشر، وهو القول المرجوح عند الحنفية -كما سبق، ولم أجد قولاً للمالكية والشافعية في هذه المسألة بعينها، لكن باعتبار أنهم يقولون بقاعدة: إن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (١) يمكن تخريج قولهم على ذلك، وهو الجواز أيضًا، وهو قول الحنابلة (٢).
القول الثاني: الجواز في الخراج دون العشر، وهو القول المفتى به عند الحنفية -كما سبق-.
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بجواز ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل بأدلة، منها:
الدليل الأول: قاعدة: تصرّف الإمام على الرّعيّة منوط بالمصلحة (٣).
قد يناقش بأنه ليس على الإطلاق، بل تصرفه مقيد بالمصلحة، وفي ترك العشر الذي هو حق الفقراء مفسدة.
الدليل الثاني: لأن الخراج بمثابة فيء، فكان النظر فيه إلى الإمام (٤).
الدليل الثالث: لو أخذ الإمام أو السلطان الخراج وصار في يده جاز له أن يخص به شخصاً إذا رأى المصلحة فيه، فجاز له تركه بطريق الأولى (٥).
الدليل الرابع: لأن صاحب الخراج له حق فيه فصح تركه له (٦).
стр. 603
دليل القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بجواز ترك الخراج دون العشر بأن السلطان صاحب الخراج، وله حق فيه فصحَّ تركه، والعشر حق الفقراء على الخلوص فلا يجوز تركه.
قد يناقش بأنه تفريق بين المتماثلات إذ العشر والخراج كلاهما مما يجب على غير المسلم، ويصرف في مصارف الفيء.
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة يظهر أن القول الأول أقرب للصواب؛ لقوة أدلته، ولورود المناقشة على دليل القول الثاني.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو قرر الإمام أو السلطان ألا يؤخذ الخراج أو العشر من صاحبه، فله ذلك على القول المخرج للمالكية والشافعية للمصلحة، كما يجوز على قول الحنابلة على من يستحق ذلك مثل القاضي والمدرس، وعلى قول الحنفية يجوز في الخراج فقط، دون العشر.
стр. 604
المبحث السابع عشر: في مسائل الضمان
المطلب الأول: ضمان الإتلاف:
مسألة الإتلاف وضمانه تذكر في كتب الحنفية في كتاب الغصب (١)، والإتلاف لا يخلو إما أن يرد على بني آدم وإما أن يرد على غيرهم؛ فإن ورد على غيرهم فإنه يوجب الضمان إذا تحققت شروط وجوبه، ومن شروطه على سبيل المثال لا الحصر أن يكون مالاً، فلا يجب الضمان بإتلاف الميتة والدم وغير ذلك مما ليس بمال، وأن يكون متقوّماً، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم سواء كان المتلِف مسلماً أو ذمياً؛ لسقوط تقوُّم الخمر والخنزير في حق المسلم (٢).
стр. 605
وقد وقع الخلاف بين فقهاء الحنفية في بعض أنواع المال هل يتقوم أم لا، فيقولون: من كسر لمسلم بربطاً (١) أو طبلاً (٢) أو دفاً (٣)(٤) أو مزماراً (٥) أو أراق له سكراً (٦) أو منصفاً (٧) فهو ضامن عند أبي حنيفة –رحمه الله تعالى-؛ لأنها كما تصلح للهو والفساد يصلح للانتفاع بها من وجه آخر، فكان مالاً متقوماً من ذلك الوجه (٨)، فيجوز بيعه (٩)، وعند الصاحبين لا يضمن؛ لأن البربط والطبل من آلة اللهو والفساد، فلم يكن متقوّماً كالخمر (١٠)، أي أن هذه الأشياء أُعدت للمعصية فبطل تقوّمها كالخمر، ولأنه فعل آمر بالمعروف، وهو بأمر الشرع فلا يضمنه كما إذا فعل بإذن الإمام، والفتوى على قولهما (١١).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
اختلف الفقهاء في تقدير الأموال المتقومة بحيث تُضمن عند إتلافها على قولين:
стр. 606
القول الأول: عليها ضمان، مثل آلات اللهو والفساد، وهو قول أبي حنيفة (١).
القول الثاني: لا ضمان عليها، وهو القول المفتى به عند الحنفية -كما سبق-، وقول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أبو حنيفة ﵀ على قوله بأنها أموال متقومة تصلح للانتفاع بها في غير اللهو، فلم تنافِ الضمان (٥).
قد يناقش بأن في جعلها متقومة تساهلاً مع من يصنعها وينشرها بين الناس.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم الضمان بأدلة، منها
الدليل الأول: قياسها على الخمر بجامع أنها مال غير متقوم (٦).
يناقش بأن القياس مع الفارق إذ الخمر حرام بعينها، بخلاف غيرها (٧).
الدليل الثاني: لأن هذه الأموال ليست محترمة، فلا يحل بيعها ولا تملكها، فأشبهت الميتة (٨).
الدليل الثالث: لأنها محرمة الاستعمال، ولا حرمة لصنعتها (٩).
стр. 607
الدليل الرابع: لأنه فعل آمر بالمعروف، وهو بأمر الشرع، فلا يضمنه كما إذا فعل بإذن الإمام (١).
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة وأدلتها يظهر أن القول الثاني أوفق، لقوة أدلته، وورود المناقشة على دليل القول الأول، والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور منها:
- لو أن إنساناً رأى جاره بيده آلة الطرب فقام بكسرها آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر فإنه لا يضمن ذلك. وكذا في بقية آلات الطرب.
قلت: ينبغي أن يقال: إنه لما بعد وقوع الإتلاف، وأما قبله فينبغي الأخذ بضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أهمها ألا يترتب على الإنكار حدوث منكر أشد وأعظم؛ فالحيطة مطلوبة من حيث الدعوة والإرشاد والنصح، وإلا فلا ضمان على كل حال على القول الراجح.
стр. 608
المطلب الثاني: ضمان الساعي بغير حق:
هذه المسألة كسابقتها تذكر غالباً في كتاب الغصب (١)، والسعاية لغة أن تسعى بصاحبك إلى والٍ أو من فوقه (٢)، وهو ما يفهم من كلام فقهاء الحنفية عند تقريرهم أنواعها والضمان عليها (٣)، فيقولون: إنه لا ضمان على السعاية بحق مثل من سعى إلى الوالي بمن يؤذيه ولا يندفع إلا بالسعي والرفع إليه، أو بمن يفسق ولا يمتنع لنهي الساعي (٤)، ودفع المنكرات واجب بما أمكن (٥).
وينصُّون على ضمان السعاية بغير حق، وأمثلتها عكس ما ضُرب منها في السعاية بحق، وهو قول محمد –﵀ وبه يُفتى دفعاً للفساد وزجراً له (عن السعاية) (٦)(٧).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
وبعد الاطلاع على مذاهب الفقهاء تبين أن القول بضمان الساعي بغير حق هو أيضاً قول المالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، بدليل ما قد سبق ذكره من دفع للفاسد وزجر للساعي من السعاية.
قلت: ويمكن أن يُستدل له بكل دليل يحرم الكذب والنميمة.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
стр. 609
- لو أن إنساناً له مدير في مقر العمل يأخذ الرشوة أو يظلم الموظفين، وحاول نصحه ولم يمتنع فله رفع أمره إلى القاضي أو وزارة العمل، ولو غرمه القاضي بعد ذلك فلا ضمان على الساعي؛ لأنه قد سعى بحق، بخلاف ما لو سعى بغيره.
- لو أن إنساناً له جار يبغضه وأراد أن ينتقم منه فسعى إلى القاضي بأنه يزاول أنواعاً من المحرمات، فغرمه القاضي، ثم تبين كذب الساعي؛ فإنه يضمن ما غرم القاضي لأن سعايته كانت بغير حق.
стр. 610
المبحث الثامن عشر: في مسائل الحجر
المطلب الأول: تحديد سن البلوغ وعلاماته:
ترد هذه المسألة في كتب الحنفية في كتاب الطلاق (١)، كما ترد في كتاب السرقة (٢)، وفي كتاب الحجر والحبس (٣)، و لعل سبب ذلك كون تصرفات الصغير -مثل طلاقه وإقراره بالسرقة- تتأثر بالبلوغ، فلا بد من ذكر ما يتقدر به.
ويقررون أن البلوغ قد يكون بالعلامة، وقد يكون بالسن، فأما البلوغ بالعلامة فالغلام بالاحتلام أو بالإحبال (والإنزال إذا وطئ) (٤)، وأقل المدة في ذلك اثنتا عشرة سنة، وفي الجارية بالحيض أو بالحبل أو الاحتلام، وأدنى المدة في ذلك تسع سنين، وعند عدم ذلك فعلى قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- يحكم ببلوغهما إذا بلغا خمس عشرة سنة (٥)، إذ العلامات تظهر في هذه المدة غالبًا فجعلت المدة علامة في حق من لم تظهر له العلامة (٦)، وعند أبي حنيفة ﵀ التقدير في الجارية بسبع عشرة سنة، وفي الغلام في إحدى الروايتين بثمان عشرة سنة، وفي الرواية الأخرى بتسع عشرة سنة (٧)، والفتوى على قولهما؛ للعادة الغالبة (ولقصر أعمار أهل زماننا) (٨)(٩).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
اختلف الفقهاء في تحديد سن البلوغ بمدة معينة إذا لم تظهر بقية العلامات على قولين:
стр. 611
القول الأول: في الجارية بسبع عشرة سنة وفي الغلام ثمان عشرة سنة أو تسع عشرة سنة، وهو قول أبي حنيفة – كما سبق-.
القول الثاني: إذا بلغ خمس عشرة سنة، ولا فرق بين الغلام والجارية، وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة والقول المفتى به عند الحنفية -كما سبق-، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
لم أجد دليلاً لهذا القول عند الحنفية، لكن يمنكن أن يُستدل بواقع الحال وهو أن الغلام لا يبلغ من العمر ١٨ سنة أو ١٩ سنة إلا وقد بلغ، وكذا البنت عند بلوغها ١٧ سنة.
ويؤيد هذا الدليل أن البنت في الغالب تبلغ قبل الغلام، ولذلك اختلفت الروايات عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وبعضها وافقت القول الثاني، والمدة جُعلت علامة في حق من لم تظهر له علامات أخرى.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن المدة ١٥ سنة، بأدلة، منها:
الدليل الأول: حديث ابن عمر –﵄ أنه قال: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني" (٤)(٥).
стр. 612
وجه الدلالة: المعنى فيه أن العادة الظاهرة أن البلوغ لا يتأخر عن هذه المدة (١)، ولو قيل بأن الحديث بين الحد الأعلى لتأخر البلوغ لكان أضبط.
الدليل الثاني: حديث أنس –﵁ أن النبي – ﷺ قال: "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كُتب ما له وما عليه، وأُخذت منه الحدود" (٢)(٣).
وجه الدلالة: الحديث نص على أن بداية كتابة الأعمال والمآخذة عليها تكون بعد استكمال خمس عشرة سنة.
يناقش بأنه ضعيف أو موضوع، ولا تقوم به الحجة (٤).
الدليل الثالث: ما فُسِّر به حديث ابن عمر –﵄ من العادة الغالبة (٥) بمعنى أنه يندر أن يستكمل المولود خمس عشرة سنة إلا وقد بلغ.
стр. 613
الدليل الرابع: لقصر أعمار أهل زماننا (١)، ولا أراه تعليلاً مستقلاً بقدر ما هو بيان لعلة قبول تفسير حديث ابن عمر –﵄، والله أعلم.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أضبط؛ لقوة أدلته وما فيه من الاحتياط المعتدل.
والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في كل مسألة يشترط فيها البلوغ، ومنها الصلاة على سبيل المثال، فإن الغلام لو لم تظهر عليه علامة من علامات البلوغ وعمره دون خمس عشرة سنة وقد ترك الصلاة فلا يأثم عند الجميع؛ لأنه غير مكلف. ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى.
стр. 614
المطلب الثاني: بيع القاضي عروض المدين وعقاره:
فقهاء الحنفية يوردون هذه المسألة في كتبهم عند ذكر أحكام الحجر وأسبابه وأنواعه (١)، فيقولون إن الحجر –بفتح الحاء وسكون الجيم- مطلق المنع، ومنه حِجر الكعبة؛ لأنه مُنع من الدخول فيها، وسُمِّي الحرام حجرًا؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه، وفي الشرع المنع عن أشياء مخصوصة بأوصاف مخصوصة (٢).
وقد اختلفوا في الحجر على الحر العاقل البالغ ولو كان سفيهاً على قولين:
القول الأول: المنسوب لأبي حنيفة –﵀ إنه لا يحجر عليه، لا يبيع العُروض ولا العقار؛ لأنه حجر عليه وهو تجارة لا عن تراضٍ (٣).
القول الثاني: المنسوب للصاحبين –رحمهما الله- إنه يحجر عليه، ودليلهما قياس المديون على السفيه، ويوجبون على القاضي حبسه إن طلب غرماؤه ذلك حتى يبيع ويوفي الدين، حتى لو كان المال المبيع عروضاً أو عقاراً، وإن امتنع المدين عن بيع ماله باع القاضي عليه نيابة عنه، والفتوى على قولهما (٤).
والبيع يكون بالترتيب فتباع النقود أولاً ثم العروض ثانياً ثم العقار ثالثاً (٥).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
لو أن شخصاً مديوناً أفلس وطلب الغرماء حقوقهم فإن عليه أن يبيع ماله؛ ليوفي الدين، وإن أبى فللقاضي أن يبيع عليه ماله، لكن أي نوع من المال؟
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
стр. 615
القول الأول: ليس للقاضي أن يبيع شيئًا من عروض المدين أو عقاره، وهو قول أبي حنيفة ﵀ كما سبق في تقرير قول الحنفية.
القول الثاني: يحجر عليه وإن امتنع عن بيع ماله باع القاضي عليه نيابة عنه، وهو قول الحنفية المفتى به –كما مر-، وقول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أبو حنيفة ﵀ على قوله بعدم الحجر ومنع بيع عروض المدين وعقاره بأنه تجارة عن غير تراض (٤).
قد يناقش بأن فعل النبي ﷺ يرده، كما في حديث معاذ ﵁ الآتي (٥).
كما يمكن مناقشته بأن التجارة هنا عن تراض؛ لأنها في الحقيقة بين القاضي وغرماء المدين، ولا اعتبار برضاه هنا لأنه محجور عليه.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بالحجر على المدين وبيع مالي حتى يوفي دينه بأدلة، منها:
стр. 616
الدليل الأول: ما وري أن معاذ بن جبل –﵁ ركبه الدين على عهد رسول الله ﷺ ، فكلم غرماؤه النبي ﷺ ، فحجر عليه، وباع عليه ماله حتى قام معاذ –﵁ بغير شيء (١)(٢).
وجه الدلالة: الحديث نص في الحجر على المديون وبيع ماله.
الدليل الثاني: ما روي أن عمر –﵁ قال: "إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج، فادَّان معرضاً، فمن كان له عليه مال فليحضر، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه" (٣)(٤).
الدليل الثالث: قياس المدين على الميت، فإن جميع ديون الميت تُقضى من جميع الأموال فكذا المديون (٥).
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أقرب للصواب؛ لقوة أدلته ولورود المناقشة على دليل القول الأول.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور، منها على سبيل المثال:
стр. 617
- لو أن إنساناً أفلس وعليه ديون وأبى أن يبيع ماله ليوفيها، فإن للقاضي أن يبيع عليه ماله، عروضه وعقاره، ويدخل في ذلك الأثاث والسيارة والأرض والأسهم وغيرها.
стр. 618
المبحث التاسع عشر: كيفية تقدير حكومة العدل
عرف الحنفية حكومة العدل بأنها أرش غير مقدر (١)، ومثالها أن يقوّم المجني عليه بدون أثر الجرح ويقوم وبه هذا الأثر، ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القيمتين (٢)، سواء كان المجني عليه حرًّا أو مملوكًا، فإن كان مملوكاً فذَا، وإن كان حراً فيقوم كأنه مملوك (٣)، وبه يفتى (٤).
ويذكرون هذه المسألة في كتاب الديات عند ذكر الشجاج وأنواعها وما يجب فيها (٥)، وصورتها لو جنى جانٍ على شخص فجرحه جرحًا لا أرش فيه بل حكومة، كيف يكون تقدير ما يأخذ المجني عليه من الدية عن طريقها؟
وبعد البحث تبين أن العلماء عامة اختلفوا فيما فيه الحكومة، واتفقوا على كيفية تقديرها:
فعند المالكية تُقدَّر بما نقص من قيمة المجني عليه أن لو كان عبدًا (٦).
والشافعية عرفوها بمثال الجارية فُقئت عينها كم كانت قيمتها وعينها قائمة وكم قيمتها بعد فقء عينها (٧).
стр. 619
وعند الحنابلة أن يُقوّم الحر كأنه عبد لا جناية به ثم يُقوّم وبه الجناية المبدلة فما نقص من قيمته سليماً وجب من ديته بقسط ذلك (١)، وبعضهم يسميها اجتهادًا (٢).
ولم أجد ضابطاً للأخذ بالحكومة، لكن أومأ بعضهم بأن ما ليس في أرشه نص وجب التقدير بالاجتهاد، وقدر النقصان لا يُعرف عن طريق الاجتهاد إلا بالتقويم (٣).
وبناءً على ما سبق يمكننا القول بأن المذاهب الأربعة متقاربة في طريقة تقدير الحكومة –إذا ثبتت-، فتقدر بتقويم المجني عليه كأنه مملوك قبل الجناية ثم يقومه بعد الجناية والبرء منها؛ فيؤخذ من الدية بنسبة التفاوت (٤).
هذا ما ذكره الفقهاء –﵏ في كيفية تقدير حكومة العدل وهي طريقة التقويم، وهي اجتهاد منهم لا نص عليها، وعليه فلا مانع من الاجتهاد في طرق أخرى لتحديد الحكومة، وبخاصة في وقتنا الذي لا يوجد فيه الرق، ولا يوجد فيه من يعرف أو يمكن أن يستند إلى قوله في تحديد قيمة المملوك (٥).
وعلى هذا فطريقة التقويم هي الأصل لتحديد الحكومة، لكن يمكن أن تضاف إليها طرق أخرى، مثل:
- طريقة قياس غير المقدر على المقدر بأن يرد كل جرح إلى أقرب شيء فيه مقدر، فتؤخذ النسبة بينه وبين ما ورد التقدير فيه من جنسه (٦).
стр. 620
مثالها: إن كان الجرح ليس فيه شيء مقدر كالجروح التي دون الموضحة (لأنها أدنى شيء مقدر) فإننا نقدر الواجب فيها بالنسبة من دية الموضحة -وهي خمس من الإبل-، فينظر إلى ما دون الموضحة، فإن أخذت نصف اللحم وبقي نصفه إلى العظم كان أرش هذه الجناية نصف دية الموضحة وهكذا، ويكون المرجع في هذا التقدير إلى أهل الخبرة والمعرفة بالجنايات، ولهم خبرة دقيقة بالمقاييس وخبرة كبيرة بالطب؛ ليستعين بهم القاضي، ولا مانع من إحالة المجني عليه إلى الأطباء العدول لمعرفة قدر الجناية على وجه الدقة (١).
- طريقة قياس إنتاج المجني عليه وعجزه، وصورتها اعتبار الإنسان مقوماً بديته فالدية أصل ثابت، فإن نقص عمل المجني عليه وإنتاجه قدرًا معينًا أخذ من الدية بقدر من نقص من جهده (٢)(٣).
ويبقى أن هذه الطرق اجتهادية تقريبية غير يقينية من حيث الأصل، وقد تكون بعضها أوفر للمجني عليه من حيث ما يستحق من الدية، وهذا من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند العمل بطريقة دون أخرى. والله أعلم.
стр. 621
المبحث العشرون: مقدار ما يوقف للحمل من الميراث:
تذكر هذه المسألة في كتب الحنفية في كتاب المفقود (١) أو ميراث الحمل تحديداً (٢)، وصورتها لو أن شخصاً مات وترك الورثة من بينهم الحمل في بطن أمه، فكم يوقف له من الميراث ما يضمن حقه كاملاً بعد الولادة؟
واختلفت الروايات عن الأئمة الثلاثة في ذلك على النحو الآتي:
- روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يوقف للحمل نصيب أربع بنين (٣)، ودليله الأول أن قسمة التركة لا تكون إلا باعتبار المتيقن، ولم ينقل عن المتقدمين أن المرأة ولدت أكثر من أربع بنين.
والدليل الثاني: لأن في ذلك احتياطاً (٤).
- وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه يوقف للحمل ميراث ابنين، وهو قول محمد-﵀ أيضاً، ودليله العادة، وأكثر وقوعاً (٥)، وهو أن ولادة اثنين في بطن واحد أقرب إلى عادة من ندرة.
- وروي عن أبي يوسف ﵀ رواية أخرى أنه يوقف للحمل ميراث ابن واحد فقط (٦)، وهو الأصل، وعليه الفتوى (٧)، ودليله أن النادر لا يعارض الظاهر، والعام الغالب أن المرأة لا تلد في بطن واحد إلا ولداً واحداً (٨).
стр. 622
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
إذا مات إنسان ومن بين ورثته حمل في بطن أمه، فكيف تكون قسمة التركة؟
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن الحمل يرث في الجملة (١)، واختلفوا في ثبوت الملك له؛ هل يكون بمجرد موت مورثه ويتبين ذلك بخروجه حياً أم لا يثبت له الملك حتى ينفصل حياً؟ وبناءً عليه هل تقسم التركة حالاً أم يُنتظر حتى يتبين حال الحمل، على قولين:
القول الأول: إن التركة تُقسم حالاً ويُوقف للحمل مقدار ميراث ابن واحد، وهو قول الحنفية المفتى به –كما سبق- (٢)، وقول الشافعية إلا أن مقدار ما يوقف للحمل ليس بثابت، بل معاملة بقية الورثة تكون بالأضر بحيث يُعطى كل الورثة المتيقن من نصيبه ويوقف الباقي إلى ظهور حال الحمل (٣).
القول الثاني: أن التركة لا تقسم حتى يتبين أمر الحمل، وهو قول المالكية، (٤) والحنابلة. (٥)
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن التركة تقسم حالاً ويوقف للحمل مقدار معين من الميراث بأدلة، منها:
الدليل الأول: واقع الحال وهو أن المرأة في الغالب لا تلد إلا ولداً واحداً، وهو دليل الحنفية في المسألة.
стр. 623
قد يناقش بأن الأمر راجع إلى المرأة نفسها فبعض النساء لا تلد إلا ولداً واحداً وهكذا أمها وجدتها وكل قريباتها، وبعض النساء من عادتهن ولادة أكثر من واحد وكذا أمها وجدتها وهكذا.
الدليل الثاني: الاحتياط بأن يُعطى كل وارث نصيبه المتيقن، وهو دليل الشافعية في المسألة المستخلص من نص قولهم.
دليل القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن التركة لا تقسم حتى يتبين أمر الحمل بأن الحمل لا حد له (١). ويؤيده ما نقله بعضهم أن المرأة ولدت سبعة أولاد ذكوراً عاشوا جميعاً وكانوا خلقاً سوياً إلا أن في أعضائهم قصرًا (٢).
قد يناقش بأن الورثة يتضررون إذا لم تُقسم التركة حالاً، فعليه لا بد من وجود الطريقة حتى يحصلوا على حقهم الذي ثبت بمجرد موت المورث.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وتعليلاتهما يظهر للباحث أن القول الأول القائل بتقسيم التركة حالاً أقرب للصواب، إلا أن مقدار ما يوقف للحمل ليس بثابت، بل بقية الورثة معاملتهم تكون بالأضر بحيث يعطى كل الورثة المتيقن من نصيبه ويوقف الباقي إلى ظهور حال الحمل.
стр. 624
وقد يقال بأنه يمكن الجمع بين القولين عن طريق الأجهزة الطبية الحديثة (١) التي تكشف ما في بطن الحبلى من حيث العدد والجنس بشرط أن لا خطأ (٢) فيها فيعتمد على تقرير الأطباء وبناءً عليه تقسم التركة، لكن الواقع أنها توجد فترات الحمل لا يمكن كشف عدد الجنين ولا جنسه، وفي هذه الحالة نحكم في المسألة بما قرره الفقهاء من أن التركة تقسم حالاً؛ ويعامل بقية الورثة بالأضر، والله أعلم.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صورة فيما لو مات إنسان ومن بين ورثته حمل لا يُعرف حاله من حيث العدد والجنس، فعلى القول الأول يقسم التركة حالاً، ونعامل بقية الورقة بالأضر حتى نضمن نصيب الحمل، وعلى القول الثاني لا تُقسم التركة حتى يتبين حال الحمل بعد الولادة، وعلى طريقة الجمع بين القولين يطلب من الدكتور فحص الأم ورفع تقرير بحال الحمل من حيث العدد والجنس، وبناءً عليه تقسم التركة.
стр. 625
الفصل الثالث: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العقوبات، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الحد المتقادم.
المبحث الثاني: أثر المسافة في حد قطاع الطريق.
стр. 626
الفصل الثالث: المسائل الفقهية التي عليها الفتوى عند متأخري الحنفية في العقوبات
المبحث الأول: الحد المتقادم:
صورة المسألة: لو ارتكب شخص حداً ولم تُرفع الدعوى إلا بعد مرور مدة من الزمن، فهل لذلك أثر في إقامة الحد أو قبول الشهادة؟
ترد هذه المسألة في كتب الحنفية عند ذكر مسائل الحدود والشهادة عليها (١)، ويقررون بأن الشهادة على حد متقادم مثل الزنا بلا مانع أو عذر للتأخير لا تقبل، (٢) إلا في حد القذف خاصة، (٣) وقد اختلفوا في ضبط التقادم؛ هل يتوقف أم لا؟ وما حده من حيث الزمن؟ وذلك على قولين:
القول الأول: ما روي عن أبي حنيفة ﵀ أن التقادم لا يتوقف بل يُفوض ذلك إلى رأي الإمام أو القاضي (٤).
والقول الثاني: إن التقادم يتوقف ويحدَّد بمدة، وروي ذلك عن أبي حنيفة ﵀ وقال: إنه يتوقف بعد ستة أشهر أو سنة (٥)، والقول بتوقف التقادم هو قول الصاحبين أيضاً وحده عندهما شهر (٦)، والفتوى على هذا (٧)؛ لأن الشهر أدنى الأجل فكان ما دونه في حكم العاجل (٨).
стр. 627
دراسة المسألة دراسة مقارنة
اختلف العلماء في مسألة قبول الشهادة بحد متقادم -ما عدا الإقرار- على قولين:
القول الأول: القائل بأن تقادم الحد له أثر من حيث قبول الشهادة عليه وحدّدوه بمدة شهر، وهو قول الحنفية (١).
القول الثاني: إن تقادم الحد لا أثر له من حيث قبول الشهادة عليه عند جمهور العلماء، فالشهادة تسمع عند المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٤) بغض النظر عن تقادم العهد، ولذلك لم يذكروا المدة التي جاء ذكرها عند الحنفية.
وعليه فاعتبار تقادم الحد ومن ثم مدته من مفردات الحنفية.
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأثر تقادم الحد على الشهادة بأدلة، منها:
الدليل الأول: ما روي عن عمر ﵁ أنه خطب فقال: "أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا عند حضرته فإنما هم شهود ضَغَنٍ لا تقبل شهادتهم" (٥)(٦).
стр. 628
وجه الدلالة: يمكن أن يقال: إن تقييد الشهادة بقوله: "عند حضرته" يفيد قرب الشهادة من الواقعة، مما دل على أن الزمن له أثر في ذلك.
ونوقش بأنه من مراسيل الحسن البصري ولم يثبت، وإن ثبت فيحمل على معنى عدم مشاهدتهم إياه (١).
ويعضد هذا المعنى ما روي عن عمر ﵁ أيضاً أنه كتب: "من كانت عنده شهادة فلم يشهد بها حيث رآها أو حيث علم، فإنما يشهد على ضغن" (٢)، فذكر الرؤية والعلم.
وقيل: إنه لا يسلم ذلك؛ لأنه روي من أكثر من طريق، والمرسل إذا تعدَّد مخرجه حجة عند الجميع، وكذلك مراسيل الحسن صحيحة عند ابن المديني ويحيى بن سعيد القطان وأبي زرعة (٣).
يجاب عنه بأن مراسيل الحسن مختلَف فيها، بل قيل بأن مراسيله أضعف المراسيل (٤)، وعند بعضهم "شبه الريح" (٥)، وجاء أيضاً عن أبي زرعة أنه لا يُحتج بالمراسيل ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح (٦).
الدليل الثاني: كونها شهادة تمكنت فيها تهمة فتبطل لأجلها (٧).
стр. 629
وجه الدلالة: "أن الشهود إذا عاينوا الفاحشة فهم بالخيار إن شاءوا شهدوا به حسبة لإقامة الحد، وإن شاءوا ستروا على المسلم حسبة أيضًا، فإن اختاروا الأداء حرم عليهم التأخير؛ لأن تأخير الحد حرام، فيحمل تأخيرهم على الستر حسبة حملاً لهم على الأحسن، فإذا أخروا ثم شهدوا اتهموا أنهم إنما شهدوا لضغينة حملتهم على ذلك كما قال عمر ﵁، وإن كان تأخيرهم لا لحسبة الستر ثبت فسقهم ورُدَّت شهادتهم" (١).
وقد يناقش بأن هذا الدليل مبني على الأثر المروي عن عمر ﵁ وقد تبين أنه لم يثبت، وعليه فلا يصح الاستدلال به.
كما يمكن حمله على معنى عدم قبول شهادة من يشهد ولم يشاهد الواقعة المشهود عليها.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بسماع الشهادة ولو تقادم الحد بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣].
وجه الدلالة: عموم الآية (٢) فإنه يفيد عدم تخصيص الشهادة بزمن معين.
الدليل الثاني: أنه حق ثبت بالشهادة على الفور فوجب أن يثبت بها بعد تطاول الزمان كسائر الحقوق (٣).
стр. 630
الدليل الثالث: لأن الشهادة صارت حجة باعتبار وصف الصدق، وتقادم العهد لا يخل بالصدق، فلا يخرج من أن يكون حجة كالإقرار وحقوق العباد (١).
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني القائل بقبول الشهادة ولو تقادم الحد أقرب للصواب؛ لقوة أدلته، ومما ورد من مناقشة على أدلة القول الأول؛ فإن مراسيل الحسن البصري مما يستأنس بها لكن القول بأنها حجة لا يتوافق مع صنيع عامة المحدثين من السلف ولا قواعدهم (٢).
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
- لو أن إنساناً شهد مع من يشهد على زنا بعد سنة من وقوع الفاحشة، فعلى القول الأول لا تُسمع شهادتهم؛ لتقادم الحد أكثر من شهر واحد، وعلى القول الثاني تُسمع شهادتهم؛ لأن المدة لا أثر لها هنا في قبولها.
- ولو أن إنساناً شهد على القاذف بعد شهرين من قذفه إياه، فإن الشهادة تُقبل وتسمع عند الجميع؛ لأن حق القذف من حقوق العباد على القول الأول وعلى القول الثاني هو كسائر الحقوق –كما سبق-.
стр. 631
المبحث الثاني: أثر المسافة في حد قطاع الطريق:
تعريف قطاع الطريق:
جاء في كتب الحنفية ما يفيد تعريف قطاع الطريق وهو قولهم: قوم "لهم منعة وشوكة بحيث لا تمكن للمارة المقاومة معهم، وقطعوا الطريق عليهم سواء كان بالسلاح أو بالعصا الكبيرة والحجر وغيرها" (١).
صورة المسألة:
لو أن أشخاصًا أشهروا السلاح على الأبرياء داخل المدينة أو قريباً منها هل يعدون من قطاع الطرق أم لا؟
هذه مسألة ترد في كتب الحنفية في كتاب السرقة عند ذكر شروط حد قطع الطريق (٢)، ومن تلك الشروط البعد عن العمران، وقد اختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: قطع الطريق يكون خارج المصر بعيداً عنه وليس فيه أو قريبًا منه أو بين مصرين؛ لأن قطع الطريق بانقطاع المارة لا يمتنعون عن المشي في هذه المواضع فيلحقهم الغوث ساعة بعد ساعة من المسلمين أو من جهة الإمام، وهو قول الطرفَيْن (٣).
القول الثاني: ما يكون في المصر ليلاً (٤) أو بينهم وبين المصر أقل من مسيرة سفر، وهو قول أبي يوسف، وعليه الفتوى لمصلحة الناس بدفع شر المتغلبة المفسدين (٥).
ويظهر أن هذه المسألة من مسائل اختلاف العصر والزمان وليس الحجة والبرهان، لأن قول أبي حنيفة مبني على ما شاهد في زمانه، فإن أهل الأمصار كان يحملون الأسلحة، فلا يتمكن قاطع الطريق من مغالبتهم، بخلاف ما كان في زمن أبي يوسف، والله أعلم (٦).
стр. 632
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن من أشهر السلاح على المارة خارج الأمصار فيغصب المال مجاهرة يعد من قطاع الطرق (١)، واختلفوا فيما لو فعل ذلك داخل المدينة أو قريباً منها على قولين:
القول الأول: لا يشترط البعد عن العمران إنما فقد الغوث، وهو قول الحنفية المفتى به -كما سبق-، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وكثير من الحنابلة (٤).
القول الثاني: اشتراط البعد عن العمران، وهو قول مرجوح عند الحنفية -كما سبق-، وقول عند الحنابلة (٥).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بعدم اشتراط البعد عن العمران بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
стр. 633
وجه الدلالة: عموم آية الحرابة، ولا يوجد تخصيص لها من حيث مكان الحرابة (١).
الدليل الثاني: لأن ضررهم في المصر أعظم، فكانوا بالحد أولى (٢).
يمكن أن يناقش بأنه في حالة لم تكن الأسلحة موجودة بأيدي الناس مع تمكنهم منها، وهذا يختلف من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، فلا يمكن إطلاق القول فيه.
أدلة القول الثاني:
اسدل القائلون باشتراط البعد عن العمران بأدلة، منها:
الدليل الأول: الواجب في ذلك يُسمَّى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء. (٣)
يمكن أن يناقش بالدليل الثاني من القول الأول بحيث يقال: إن ضررهم في الأمصار والقرى أعظم، كما يمكن أن يقال بأنه من يسافر ويخرج إلى الصحارى يتهيأ لذلك غالباً، فيصطحب من يدله الطريق حتى يتجنب قطاع الطريق، وأيضاً يحمل السلاح بخلاف أهل القرى، والله أعلم.
الدليل الثاني: ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالباً (٤)، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حد عليه (٥).
يمكن أن يُناقش بأنه يختلف باختلاف الزمان والمكان، ومعرفة الناس بأمور القتال والأسلحة وتوفرها عندهم وحال البلد وحزم الحكومات مع هؤلاء.
стр. 634
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر للباحث أن الخلاف بينهما خلاف تنوع وليس خلاف تضاد؛ لأن كل واحد منهم تمسك بمبدأ الغوث ولحوقه بالمتضررين من الحرابة؛ فمن كان خارج الأمصار فالغوث يتأخر فسموا المحاربين، وكذا من كان داخل الأمصار لكن لا يوجد الغوث من السلطان للبعد أو لو افترضنا أنه سيتأخر بسبب من الأسباب مثل الكوارث الطبيعية كالسيول والثلوج وغيرها (١)، وكذا عدم وجود الأسلحة بأيدي الناس حتى يدافعوا عن أنفسهم في حين تأخر الغوث من الشرطة أو الجيش، وهو حال الناس اليوم في أغلب الدول.
وعليه فإن القول بأن البعد عن العمران ليس بشرط لتطبيق حد الحرابة متجه لما ذكرتُ من الأسباب، ويقال بعكس ذلك لو لم تتوفر تلك الأسباب، والله أعلم.
стр. 635
الخاتمة
في خاتمة هذا الجهد المتواضع أشكر الله على ما منّ علي من نعمه الظاهرة والباطنة، وأن يسر لي إتمام البحث مع ما فيه من القصور، فما كان صواباً فمن الله، وما كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان.
كما أشكر كل شخص أفادني بملحوظة أو اقتراح أو تعديل أو إضافة، وأسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء في الدارين.
كما أسأله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث ما يلي:
١. أدوار الفقه الإسلامي بشكل عام سبعة، وهي: دور التأسيس، ثم عصر الصحابة والتابعين، ثم دور التأصيل والتفريع، ثم دور التطبيق ثم دور النقد والتنقيح والاختيار، ثم دور التفقه أو توليد المسائل، وفي الأخير دور احتكاك الفقه بالقوانين الوضعية.
٢. أدوار المذهب الحنفي ثلاثة، وهي دور النشوء والتكوين، ثم دور التوسع والنمو والانتشار، ثم دور الاستقرار.
٣. تنوَّعت طرائق علماء المذهب الحنفي في تقسيم الفقهاء في طبقات، فمنهم من قسمهم بحسب مكانتهم العلمية، ومنهم من قسمهم بحسب وجودهم الزمني ومنهم من قسمهم بحسب المجموعات مع ذكر بعض مناقبهم، وتقسيمهم بحسب وجودهم الزمني أضبط.
٤. طبقات المسائل الفرعية عند الحنفية ثلاث: الأولى: مسائل الأصول وهي مسائل ظاهر الرواية، وهي المسائل التي رُويت عن العلماء الثلاثة أصحاب المذهب، وقد يلحق بهم زفر والحسن، وهي ما وجد في كتب محمد وهي المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير، الثانية: مسائل النوادر وهي مسائل رويت عن أصحاب المذهب المذكورين، لكن في غير الكتب المذكورة، الثالثة: الفتاوى وتسمى الواقعات، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب.