الدليل الأول: كون الإذن بالوكالة لم يتناوله نطقاً، ولا عرفاً (١).
الدليل الثاني: لأن الموكل رضي بخصومته، ولا يلزم من ذلك رضاه بقبضه.
الدليل الثالث: ليس كل من يصلح للخصومة يؤتمن على القبض (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن الوكيل بالخصومة يملك القبض بأدلة، منها:
الدليل الأول: كون الوكيل مأموراً بقطع الخصومة، ولا تنقطع إلا به (٣).
قد يناقش بأنه ليس على إطلاقه، بل تنقطع بمجرد إنهائها، والقبض أمر زائد على إنهائها.
الدليل الثاني: لأن المقصود من الخصومة استيفاء الدين فكان المقصود من الوكالة الاستيفاء فيملكه (٤).
قد يناقش بأن المقصود من الخصومة ليس استيفاء الدين فحسب، بل هناك أمور معنوية تتحقق قبل استيفاء المال مثل رضا النفس والتعديل، ولو كانت الخصومة لأجل استيفاء المال فقط فإن الاستيفاء أمر زائد على الوكالة، فلا تشمله.
الترجيح:
بعد استعراض القولين يظهر أن القول الأول أقرب؛ لقوة أدلته، وورود المناقشة على أدلة المخالفين، والمسألة لها ثمرة تظهر فيما ذكر من صورتها، فإنه على القول الأول شركة المحاماة لا تملك القبض نيابة عن صاحب العمارة، وعلى القول الثاني تملك ذلك؛ لأن الوكالة تشمل ذلك، والله أعلم.
стр. 562
المبحث الحادي عشر: في مسائل المزارعة والمساقاة
المطلب الأول: حكم المزارعة:
المزارعة مفاعلة من الزرع والزراعة وهي الحرث والفِلاحَة، وتسمى مخابرة، مشتقة من خيبر؛ لأنه ﷺ دفع خيبر مزارعة، فسُميت المزارعة مخابرة لذلك، أو من الخيبر وهو الإكَّار، أو من الخُبْرَة -بالضم- وهي النصيب، أو من الخَبَار وهي الأرض اللينة، وتسمى المحاقَلة من الحقل وهو الزرع إذا تشعّب قبل أن يغلظ سوقه أو هو الأرض الطيبة الخالصة الصالحة للزراعة. (١)
وفي اصطلاح الحنفية عقد على الزرع ببعض الخارج. (٢)
وقد اختلفوا في مشروعيتها على قولين:
القول الأول: إنها مشروعة، وهو قول الصاحبين -رحمهما الله-؛ لأن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع (٣)(٤).
стр. 563
القول الثاني: إنها فاسدة (١)، وهو قول أبي حنيفة –﵀ بدليل أن النبي – ﷺ نهى عن المخابرة (٢) وهي المزارعة، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﵊ أهل خيبر كانت خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز (٣).
والفتوى على قول الصاحبين؛ لحاجة الناس إليها (٤)، ولظهور تعامل الأمة بها، والقياس يترك بالتعامل (٥).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في حكم المزارعة على قولين:
القول الأول: إنها فاسدة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٦).
стр. 564
القول الثاني: إنها مشروعة، وهو القول المفتى به في المذهب الحنفي -كما سبق-، وقول المالكية (١)، وعند الشافعية تبعاً للمساقة المعقودة على النخيل (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أبو حنيفة ﵀ على فساد المزارعة بأن النبي ﷺ نهى عن المخابرة (٤)، وهي المزارعة، والأجر فيها مجهول أو معدوم.
نوقش بأن هناك فرقًا بين المخابرة والمزارعة، وهو أن البذر في المزارعة يكون على مالك الأرض وفي المخابرة على العامل (٥).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: استدل أصحاب القول الثاني على مشروعية المزارعة بأن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع (٦).
نوقش بأن معاملة النبي ﵊ أهل خيبر كانت خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز (٧).
الدليل الثاني: حاجة الناس داعية إلى ذلك، وفي منعها مشقة عليهم (٨).
стр. 565
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلة كل قول يظهر أن القول الثاني أرجح؛ لوجود الفرق بين المزارعة والمخابرة، ولما ورد من المناقشة على دليل القول الأول.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو أن إنساناً ملك أرضاً صالحة للزرع، لكن لم يقدر على العمل فيها؛ لانشغاله بوظيفته في شركة ما أو بتجارته، ودفعها إلى عامل؛ ليقوم بالعمل عليها وما يلزم منه مثل البذور والسماد والآلات وغيرهما على أن له نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه فإنه مشروع على القول الثاني، بخلاف القول الأول.
стр. 566
المطلب الثاني: اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها
قد سبق في المسألة السابقة ذكر أقوال المذاهب الأربعة في مشروعية المزارعة، ويذكرون شروطها مثل التأقيت، وصلاحية الأرض للزراعة، ومعرفة مقدار البذر، ومعرفة جنسه، ونصيب الطرف الآخر، والتخلية بينه وبين الأرض إلخ (١)، لكن ينصون على أنه ليس للعامل مطالبة صاحب الأرض بأجرة الحصاد مثلاً، ولو شُرط ذلك على العامل لا يجوز؛ لأن الأصل أنه متى شُرِط في المزارعة ما ليس من أعمالها فسدت؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحدهما، فصار كاشتراط الحمل عليه، وكل عمل يُنبت ويزيد في الخارج من أعمال الزراعة واجب على العامل شُرط عليه ذلك أو لم يشرط عليه ذلك كالسفر وغيره، وما لا فلا، وهي ظاهر الرواية (٢). وعند أبي يوسف يجوز؛ لأن المزارعة على هذه الشروط متعاملة بين الناس ويجوز ترك القياس بالتعامل، وعليه الفتوى (٣).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة: إذا اتفق صاحب الأرض والعامل على اشتراط الأعمال في المزارعة التي ليست منها مثل الحصاد ونقله، فهل يصح ذلك الشرط أم لا؟
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز اشتراط الأعمال التي ليست من المزارعة، وهو قول الحنفية – كما سبق-، وقول عند المالكية إذا كان مما تعارف الناس عليه (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 567
القول الثاني: الشرط غير صحيح، وهو قول عند الحنفية -كما سبق-، وقول آخر عند المالكية (١).
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بصحة اشتراط الأعمال التي ليست من المزارعة بدليل العرف، فإن الناس قد تعارفوا على ذلك (٢)، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (٣).
دليل القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بعدم جواز اشتراط الأعمال التي ليست من المزارعة بتعليل كونه شرط الجهالة المفضية إلى النزاع (٤).
قد يناقش بأن واقع الناس وتعاملهم بهذه المعاملة تنفي الجهالة المفضية إلى المنازعة، ويبقى الشرط صحيحاً.
الترجيح:
بعد استعراض القولين بدليليهما يظهر أن القول الأول أقرب؛ نظراً لعرف الناس في معاملاتهم، والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في صورة كثيرة، منها:
- لو أن إنساناً دفع أرضه للعامل أن يزرع القمح على أن الخارج بينهما، وشرطا أن يكون الحصاد ونقله وإحضاره وتجفيفه على العامل، فإن الشرط جائز ولا شيء فيه لتعارف الناس على ذلك.
- ويقال مثل ذلك في غيرها من الزروع والثمار، والله أعلم.
стр. 568
المطلب الثالث: حكم المساقاة:
المساقاة من المفاعلة، وهي معاقدة دفع الأشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمر بينهما (١)، وهي عند فقهاء الحنفية كالمزارعة حكماً وخلافاً وشروطاً إلا المدة، فإنها تصح بلا ذكرها (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
صورة المساقاة: لو أن إنساناً دفع شجره إلى العامل ليقوم بسقيه وسائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم من ثمره.
وبعد الاطلاع على كتب بقية المذاهب تبين أنها جائزة عند الجميع (٣).
стр. 569
المبحث الثاني عشر: وقف العقار والمنقول:
الوقف معناه الحبس (١)، وفقهاء الحنفية يعرفونه بأنه عبارة عن حبس المملوك عن التمليك من الغير (٢)، والتصدق بمنفعته (٣).
والعين الموقوفة عند الحنفية تنقسم إلى العقار (٤) والمنقول، ويجوزون صحة وقف العقار (٥)، ويختلفون في وقف المنقول؛ وذلك على قولين:
القول الأول: إنه يجوز إذا كان تابعاً للعقار (مثل المواقف للمبنى) بالإجماع (٦)، وهو قول أبي يوسف ﵀ (٧).
القول الثاني: إنه يجوز وقف كل ما جرى فيه التعامل كالمصاحف والكتب إلخ، بخلاف ما لا تعامل فيه، وهو قول محمد، وعليه الفتوى (٨).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
صورة المسألة فيما لو أراد شخص أن يوقف شيئاً يمكن نقله من مكان لآخر مثل الكتب، فهل يجوز ذلك أم لا؟
стр. 570
تحرير محل النزاع:
اتفقت المذاهب على جواز وقف العقار (١)، وبعد الاطلاع على أقوالهم في حكم وقف المنقول تبين أنه جائز عند المالكية في أصل الجواز على جهة خيرية، وإنما يختلفون في وقف المنقول في المعقب أي الذرية وعلى قوم بأعيانهم (٢)، والقول بالجواز بشرط هو قول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وذلك من حيث أصل الجواز (٥)، ومن أدلتهم:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة –﵁ أن النبي – ﷺ قال: " … وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أَدْراعَه وأَعْتُدَه في سبيل الله" (٦)(٧).
وجه الدلالة: دل الحديث بمنطوقه ومفهومه على أن خالداً احتبس أي وقف أدراعه وأعتده في سبيل الله، وهي من المنقولات (٨).
الدليل الثاني: تعامل الناس بذلك، وهو مما يترك القياس لأجله، والقياس عدم جواز وقف المنقولات؛ لأن منفعتها لا تدوم أو ليست على الدوام (٩).
стр. 571
والمسألة لها ثمرات عملية تظهر في صور كثيرة جدًّا، منها:
- لو أن إنسانًا أراد أن يوقف المصاحف في المسجد أو الكتب في المكتبة للنفع العام فإنه جائز.
- وكذلك لو أراد أن يوقف الماء في المسجد، أو الورق في حلقات التحفيظ أو الحقائب والأدوات المدرسية للطلاب الفقراء إلخ، فإنه جائز؛ لأنها من المنقولات.
стр. 572
المبحث الثالث عشر: في مسائل الدعوى والشهادة
المطلب الأول: الحقوق التي يجوز فيها اليمين، والحقوق التي لا يجوز فيها:
هذه المسألة ترد في كتب الحنفية في كتاب الشهادات عند ذكر الحقوق التي يستحلف عليها (١) المدعى عليه في الخصومات، فلو ادَّعى شخص على آخر في حق معين، ولا بينة عند المدعي، فعلى المدعى عليه اليمين، لكن ما الحقوق التي يجوز فيها اليمين؟
اختلف فقهاء الحنفية في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: إن الاستحلاف يجوز في كل ما يجوز فيه القضاء بالنكول أي نكول المدعى عليه؛ فلا يستحلف في الحدود (٢)؛ لأنه لا يُقضى فيها بالنكول (٣)، وفي غيرها لا يُستحلف في النكاح والرجعة والفيء وفي الإتلاف والرق والنسب والولاء، وهو قول أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يجوز القضاء فيها بالنكول، والنكول عنده بمنزلة البدل (٤).
стр. 573
القول الثاني: يستحلف في هذه الأشياء ويقضى بالنكول، وهو قول الصاحبين، لأن النكول عندهما قائم مقام الإقرار (١) الذي فيه شبهة (العدم؛ لأنه ليس بصريح إقرار، بل هو إقرار بطريق السكوت) (٢)، وهذه الأشياء مما تثبت بدليل فيه شبهة (٣)، (بخلاف الحدود) (٤).
والفتوى على قول الصاحبين؛ لعموم البلوى (٥).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
لو أن إنساناً ادعى على فلان أنه ابنه ولا بينة؛ فهل يحلف المدعى عليه؟ وإذا نكل هل يحكم بالنكول؟
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أنه لا استحلاف في الحدود؛ لأنها حق الله إلا إذا تعلق بها حق الآدمي مثل حد القذف، وأما حقوق الآدميين فإن كانت بمال أو المقصود منه المال فاليمين مشروعة بلا خلاف أيضاً (٦)، وأما ما ليس بمال ولا المقصود منه المال -وهو كل ما لا يثبت إلا بشاهدين كالقصاص، والقذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والنسب، والاستيلاد، والرق، والعتق، والولاء- فقد اختلفوا في ذلك على ستة أقوال:
стр. 574
القول الأول: اليمين واجبة على المنكر في كل حق سُمعت الدعوى فيه وجازت المطالبة به سواء كان الحق مالًا كالعين والدين أو غير مال من قصاص أو نكاح أو طلاق أو عتق أو نسب، وهو قول الشافعية (١).
القول الثاني: تشرع اليمين في كل حق لآدمي إلا في النكاح والطلاق، وهو الرواية ذكرها بعض الحنابلة (٢).
القول الثالث: يستحلف في كل الحقوق التي يجوز فيها القضاء بالنكول (٣)، وهو قول الحنفية (٤).
стр. 575
القول الرابع: كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين (١) لا يحلف (أو لا يمينَ) فيها بمجردها -أي لا بد من شاهد واحد على الأقل- (٢) دون الخلطة المتصلة (٣)، وهو قول المالكية (٤).
القول الخامس: يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف فقط، وهو الرواية الثانية عند الحنابلة (٥).
القول السادس: لا يستحلف فيها (٦)، وهي ظاهر المذهب عند الحنابلة (٧).
стр. 576
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن اليمين تثبت في كل حق سمعت فيه الدعوى وجازت المطالبة به بأدلة، منها:
الدليل الأول: حديث ابن عباس –﵄ أن النبي – ﷺ قال: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (١).
وجه الدلالة: الحديث بعمومه يدل على أن اليمين تثبت في كل دعوى أنكرها المدعى عليه.
الدليل الثاني: كل دعوى لزمت الإجابة عنها وجبت اليمين فيها، كالقصاص.
قد يناقش بأن القصاص محل النزاع، فلا يستدل به على نقطة الخلاف.
الدليل الثالث: حقوق الآدميين لا يمتنع فيها استحقاق اليمين اعتباراً بسائر حقوقهم (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل على الاستحلاف في كل حقوق الآدميين إلا النكاح والطلاق بأدلة، منها:
الدليل الأول: لأن هذا مما لا يحل بدله فلم يستحلف فيه كحقوق الله – .
стр. 577
قد يناقش بأن قياسها على حقوق الله أي الحدود قياس مع الفارق؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، والبدل -وهو النكول- فيه شبهة، وأما النكاح والرجعة فيثبتان بدليل فيه شبهة (١).
قد يجاب بأن النكول ليس بحجة قوية؛ لأنه يحتمل أن يكون بسبب الخوف من اليمين أو بسبب الجهل بحقيقة الحال (٢).
الدليل الثاني: ولأن الأبضاع مما يحتاط لها فلا تستباح بالنكول (٣)(٤).
قد يناقش بأن الاحتياط يكون في مسائل غامضة، وهو من الاجتهاد، وأما مع وجود النص فلا اجتهاد.
ثم أصل المسألة حديث ابن عباس –﵄، وهو عام لم يخصص، فيبقى على عمومه.
الدليل الثالث: قد يستدل لهذا القول بأن النكاح خاصة لا يستحلف فيه المدعى عليه؛ لاشتهار أمر النكاح بين الجيران والأهل، فمن عجز عن الإتيان بالشهود على أن فلانة زوجته فإنما ذلك دلالة على كذب ما ادعاه (٥).
أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب القول الثالث القائل بأن الاستحلاف يكون في كل حقوق يجوز فيها القضاء بالنكول بأدلة، منها:
стр. 578
الدليل الأول: كون هذه الحقوق مما يجوز فيها القضاء بالنكول، والنكول عن اليمين إقرار فيه شبهة، وهذه الأمور تثبت بدليل فيه شبهة (١).
يناقش بأنه ليس بحجة قوية؛ لأنه سكوت مجرد يحتمل أن يكون للخوف من اليمين، ويحتمل أن يكون للجهل بحقيقة الحال، ويحتمل أن يكون لعلمه بصدق المدعي، ومع هذه الاحتمالات لا ينبغي أن يقضي به فيما يحتاط له (٢).
قد يجاب بأنه ليس مجرد سكوت، بل يجوز أن يقول إنه ناكلٌ، وفي قوله هذا تنتفي احتمالات الخوف أو الجهل بحقيقة الحال.
الدليل الثاني: عموم البلوى (٣)، ولعل مراده انعدام البينة غالباً في تلك الحقوق (٤).
دليل القول الرابع:
لم أجد أصحاب القول الرابع -القائل بأن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين لا يحلف فيها بمجردها- يذكرون دليلهم، لكن يمكن استخلاصه من القول نفسه؛ فإنهم ذكروا شرطي الدعوى التي يستحلف فيها، وهما وجود شاهد واحد وخلطة، وفي ذلك دليل على أن قول المدعي ليس دعوى مجردة، فيحلف المدعى عليه ليرد التهمة عن نفسه، وأما مجرد الدعوى فلا نهاية لها.
دليل القول الخامس:
كذلك لم أجد أصحاب هذا القول يذكرون دليلهم، لكن قد يستدل على قولهم بعموم البلوى؛ لأن الطلاق والقصاص والقذف من الأمور التي يصعب الإتيان بالبينة فيها مع كثرتها بخلاف النسب والنكاح والرق.
стр. 579
دليل القول السادس:
استدل أصحاب القول السادس القائل بعدم الاستحلاف في الحقوق المذكورة بالقياس؛ فقد قاسوها على حقوق الله – بجامع أنها لا يدخلها البدل (١).
قد يناقش بأنها من الحقوق التي يقضى فيها بالنكول، والنكول بدل.
ثم قياس حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى قياس مع الفارق؛ لأن حقوق الله مثل الحديد تدرأ بالشبهات، وأما هذه فتثبت بدليل فيه شبهة.
الترجيح:
بعد استعراض الأقوال يظهر أن القول الأول القائل بجواز الاستحلاف في كل الحقوق أوفق وأقرب؛ لقوة دليله، ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى، إلا أن من أخرج النكاح لاشتهاره له حظ من النظر.
والمسألة لها ثمرة علمية تظهر في صور كثيرة –وقد سبق ذكر بعضها-، منها:
- لو أن إنساناً ادعى على الآخر في حق مالي، ولا بينة، وأنكر المدعى عليه فإنه سيحلف بالاتفاق.
- ولو ادعى على شخص على أنه شرب الخمر فلا يستحلف المدعى عليه بالاتفاق، لأنه من الحدود.
- لو أن إنساناً ادعى على فلانة أنها زوجته، ولا بينة وأنكرت، فإنها تحلف على القول الأول والثالث، ولا تحلف على بقية الأقوال.
- ولو ادعى على فلان أنه ابنه، ولا بينة وأنكر المدعى عليه، فإنه سيحلف على القول الأول والثاني والثالث والرابع إذا كان معه شاهد واحد مع الخلطة، والخامس أيضاً، ولا يستحلف على القول السادس.
стр. 580
المطلب الثاني: الاقتصار على ظاهر العدالة في الشاهد المسلم:
مسألة عدالة الشاهد المسلم تذكر في كتاب الشهادات عند بيان مراتب الشهادة، وفقهاء الحنفية قد اختلفوا فيها على قولين:
القول الأول: يكتفى ويقتصر في المسلم على ظاهر عدالته (١) إلا في الحدود والقصاص؛ (لأنه يحتال لإسقاطها، ولأن الشبهة بها دارئة) (٢)، فإن طعن فيه الخصم سأل القاضي عنه، وهذا عند أبي حنيفة –﵀ (٣).
القول الثاني: يسأل القاضي في جميع الحقوق سراً وعلانيةً (٤)؛ صيانةً لحكم القاضي من النقض، وهو قول الصاحبين (٥).
ويظهر أن الخلاف خلاف تنوع أو أنه خلاف لفظي غير حقيقي؛ لأن أبا حنيفة أفتى في زمان كانت العدالة في الشهود ظاهرة، والنبي – ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٦)، واكتفى بتعديل النبي – ﷺ ، وفي زمانهما فشا الكذب فاحتاجا إلى السؤال، ولو كانا في زمانه ما سألا، ولو كان في زمانهما لسأل، والفتوى على قولهما لفساد أهل الزمان وقلة مبالاتهم بالأمور الدينية (٧).
стр. 581
ويظهر أن اختلافهم في هذه المسألة اختلاف عصر وزمان وليس حجة وبرهان، ومن هذا الباب قُدم قول الصاحبين على قول الإمام، والله أعلم.
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
لو جاء إلى القاضي شاهد مسلم ظاهر العدالة ليشهد في قضية معينة؛ فهل يكتفى بهذا الظاهر منه للحكم بعدالته، ومن ثم قبول شهادته أو أنه يتعين على القاضي السؤال عنه؟
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن السؤال عن حال الشهود إذا طُعنوا من قبل الخصم يتعين على القاضي (١)، واختلفوا فيما لو لم يطعن فيه وعدالته ظاهرة على قولين:
القول الأول: على القاضي أن لا يقبل شهادة الشاهد حتى يسأل عن حال الشاهد، وهو القول المفتى عند الحنفية –كما سبق-، والشافعية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثاني: للقاضي أن يقبل شهادة الشاهد بظاهر العدالة من غير أن يسأل عن عدالته باطناً حتى يطعن فيه خصمه، وهو القول المرجوح في المذهب الحنفي –كما سبق-، ورواية أخرى عن مالك، لكن فيما يقع في الأسفار بين المسافرين من المعاملات والتجارات (٥)، ورواية أخرى عن أحمد (٦).
стр. 582
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بعدم قبول شهادة الشاهد حتى يسأل عنه بأدلة، منها:
الدليل الأول: على القاضي أن يحتاط في حكمه صيانة له عن النقض، وذلك سؤال السر والعلانية (١).
قد يناقش بالنصوص الشرعية الدالة على أن سلف الأمة اكتفى بظاهر العدالة لقبول شهادة الشاهد (٢)، وأن الاحتياط من نقض الحكم أمر زائد على الأصل.
ثم ظاهر العدالة أمر متحقق بخلاف نقض الحكم فإنه محتمل.
الدليل الثاني: عموم البلوى، وهو ما علَّل به فقهاء الحنفية من فساد أهل الزمان وقلة المبالات بالأمور الدينية (٣).
قد يناقش بأن الدليل نسبي، وينتفي بانتفاء فساد الشهود وكذبهم.
فلو انتشر العلم والصدق والعدل في مجتمع من المجتمعات، فإنه يقال بقبول الشهادة لمجرد العدالة الظاهرة.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بقبول شهادة الشاهد بظاهر عدالته ولا يسأل عنه حتى يطعن فيه الخصم بأدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] (٤).
стр. 583
وجه الدلالة: قوله (وسطاً) أي عدلاً (١)، فدلت الآية على أن المسلمين عدول، ورتب على ذلك قبول شهادتهم على بقية الأمم (٢).
الدليل الثاني: حديث: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد أو مجرباً في شهادة زور أو ظنيناً في ولاء أو قرابة" (٣)(٤).
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن المسلمين عدول بدليل الاستثناء، فلو لم يكونوا عدولاً فلا فائدة من الاستثناء.
قد يناقش بأن الحديث ضعيف فلا تقوم به الحجة، ولو صح فإنه يُحمل على من ثبت عدالتهم.
الدليل الثالث: حديث ابن عباس –﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدًا رسول الله"، قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا" (٥)(٦).
стр. 584
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن رسول الله – ﷺ قبل شهادة الأعرابي لمجرد إسلامه.
قد يناقش بأنه كان صحابياً، وهو قدر زائد على مجرد الإسلام، والصحابة عدول، والكذب مأمون من قبلهم (١).
الدليل الرابع: كون العدالة هي الأصل؛ لأن الإنسان يولد غير فاسق، والفسق مظنون، فلا يجوز ترك الأصل بالظن (٢).
قد يناقش بأن العدالة ليست أصلاً، بل الأصل ظلم وجهل، كما قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
الدليل الخامس: كون العدالة أمراً خفياً سببها الخوف من الله، ودليل ذلك الإسلام، فإذا وُجد فليكتفِ به ما لم يقم دليل على خلافه (٣).
قد يناقش بأن الدليل الأدنى للعدالة هو مجرد الإسلام وهو كافٍ في مجتمع مسلم يسود فيه العلم والعدل، لكن إذا كثر فيه الظلم والجهل احتجنا إلى الدليل الأقوى على العدالة، ويحصل ذلك بالسؤال عن حال الشهود.
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن كلا القولين لهما حظ من النظر، والذي يظهر أنه يمكن الجمع بينهما بحيث يرجح القول الثاني في مجتمعات انتشر فيها العلم والعدل ولم يظهر على الناس فساد، ويرجح القول الأول عند خلاف ذلك.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة تتعلق بشهادة الشهود، منها:
стр. 585
- لو أن إنساناً ادعى على آخر أن له عنده عشرة آلاف ريال وأتى بشاهدين ظاهرهما العدالة، ويبدو عليهما الصلاح، فعلى القول الأول على القاضي أن يتحقق من عدالتهم باطناً أيضًا بسؤال عنهما، وعلى الثاني يكتفي بالعدالة الظاهرة ويقبل شهادتهما، وعلى ما رجحته ينظر القاضي إلى حال المجتمع الذي يقضي فيه، فإن كان مجتمعاً صالحاً فإنه سيكتفي بالعدالة الظاهرة، وإلا فيتعين السؤال، والله أعلم.
стр. 586
المبحث الرابع عشر: في مسائل القضاء
المطلب الأول: الحقوق التي يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي:
هذه المسألة من أهم المسائل في كتاب القضاء (١)؛ لأن القاضي يحكم والعين المدعى بها في بلده، ولو كانت في غير بلده فإنه يكتب إلى قاضي تلك البلد فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب له أو لينفذ ما قد حكم به القاضي الكاتب.
ويتبين من ذلك أن المراد بالمسألة محل القضاء بكتاب القاضي، وفقهاء الحنفية قد اتفقوا على أن كتاب القاضي يقبل في كل حق إلا في المنقولات -للحاجة إلى الشهادة بالإشارة- وما يسقط بالشبهة كالحدود والقصاص (٢)، وعند محمد يُقبل في جميع المنقولات، والفتوى عليه للحاجة إلى ذلك (٣)، والمنقول يمكن تعريفه بأوصافه ومقداره وغير ذلك (٤)، فعاد القول إلى أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في جميع الحقوق إلا في الحدود والقصاص.
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
صورة المسألة:
لو ادعى شخص على شخص في حق من الحقوق، وأتى ببينة والمدعى عليه ينكر، وقد ثبتت الدعوى عند القاضي، فكتبها مع شهادة الشهود، ثم دفع القضية إلى القاضي المكتوب له ليقضي فيها؛ فما الحقوق التي يجوز فيها كتاب القاضي إلى الآخر؟
وكذا لو حكم فيها ثم دفعها إلى القاضي المكتوب له لينفذ حكمه.
стр. 587
تحرير محل النزاع:
اختلف الفقهاء في مسألة الحقوق التي يُقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي على قولين:
القول الأول: يجوز كتاب القاضي إلى القاضي في كل الحقوق إلا الحدود والقصاص، وهو قول الحنفية المفتى به، وهو مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني: يجب على القاضي المكتوب له قبول ما يرد إليه عن القاضي الكاتب في المال والقصاص والعقوبات والعفو وغيرها إن كان القاضي الكاتب أهلاً للقضاء، وكذا رده إن كان غير أهل، وهو قول المالكية (٢)، وهو قول الشافعية كذلك (٣)(٤)، وتفصيله على النحو الآتي:
يقبل كتاب القاضي في كل حق تقبل فيه الشهادة على الشهادة، وهي مقبولة في كل حق مالي لله وللآدميين، وأما العقوبات فحاصل مذهبهم ثلاثة أقوال:
- لا يثبت شيء من العقوبات بالشهادة على الشهادة؛ لأن مبناها على الدرء،
- يثبت القصاص دون العقوبات التي هي من حق الله، وحد القذف جارٍ مجرى القصاص.
стр. 588
- قياس العقوبات على المال فتثبت بالشهادة على الشهادة، وحاصل المذهب أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل الحقوق من الأموال والحدود والقصاص (١).
وهو رواية أخرى عند الحنابلة يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق تقبل الشهادة على الشهادة (٢).
الأدلة والمناقشات:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن كتاب القاضي يقبل في كل حق إلا الحدود والقصاص بأدلة، منها:
الدليل الأول: حدود الله – مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار بها، والشهادة على الشهادة لا تخلو من الشبهة (٣).
قد يناقش بأن الشبهة يمكن إرجاعها إلى التزوير أو شبهة البدلية، فأما التزوير فالشبهة تقوى وتضعف بحسب تغير الأزمان والأعراف، وأما شبهة البدلية –وهي كون كتابه ينقل شهادة الأصول كما أن الفروع ينقلون بشهادتهم شهادة الأصول- فهي ضعيفة؛ لأن الكتاب موثق ومختوم، وأما الشهادة المجردة بالكلام قد تتأثر بالنسيان وتتغير بالقدرة على الكلام.
стр. 589
ثم لو اعتبر كتاب القاضي شهادة الفرع على شهادة الأصل، فالقاضي فرع قريب جدًّا من الأصل؛ لأنه لازم القضية من أولها إلى آخرها ويعرف تفاصيلها بدقة، فقياس كتابه على شهادة الفرع قياس مع الفارق، وعليه فشبهة البدلية هنا ضعيفة، ولا يلتفت إليها.
الدليل الثاني: من أتى ما يوجب لله – حدًّا فعليه أن يستره، ومن لزمه حق الآدميين فعليه أن يظهره، فذلك وجب الاستظهار في حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى (١).
قد يناقش بأنه لا يتصور إلا إذا كان كتاب القاضي ينقل الشهادة، وأما إذا كان ينقل الحكم فلا؛ لأن الاستظهار في الحكم يحصل شرعاً ولا بد، وذلك بإقامة الحد بحضور طائفة من المؤمنين، وأما ما يتعلق بنقل الشهادة –وهو موضع الدليل- فالاستظهار قد حصل برفع القضية إلى القاضي.
ثم كتاب القاضي إلى القاضي من أمور الضبط والاستيثاق، والحكم يترتب عليه وقد يتوقف عليه، وهذا شامل في كل الحقوق، فاعتباره في الحدود كاعتباره في الأموال.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن كتاب القاضي يقبل في كل الحقوق بأدلة، منها:
الدليل الأول: كتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، فيثبت كسائر الحقوق أو كالشهادة على الأموال (٢)، ومعناه أن كتاب القاضي لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي فكان حكمه حكم الشهادة على الشهادة (٣).
الدليل الثاني: قياس الحدود على الأموال بجامع أنها حقوق، فكما تقبل الشهادة على الشهادة في الأموال فلتقبل في الحدود، وكتاب القاضي إلى القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة (٤).
стр. 590
الترجيح:
بعد استعراض القولين وأدلتهما يظهر أن القول الثاني أقرب؛ لقوة دليله، والرد على دليلي القول الأول، ولأن كتاب القاضي من الوسائل التي تتبدل صورها بتغير الأزمان، ومن هنا قبلت أنظمة المرافعات المعاصرة؛ لأنها كلها تعود إلى الضبط ولا تنافي النصوص الشرعية، وما دام عُرف أن الكتاب صدر من القاضي فلان حقيقةً ووصل إلى القاضي المكتوب له حقيقةً فيعمل بما فيه من نقل الشهادة أو الحكم وفي كل الحقوق.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
- لو أن قاضياً كتب الكتاب إلى قاضٍ في منطقة أخرى يذكر فيه ما ثبت عنده من دعوى فلان على فلان في حق مالي وشهادة الشهود، ويطلب منه الحكم في ذلك، فيقبل عند الجميع؛ لأنه حق مالي، لكن لو كان الطلاق فيقال بالتفصيل: يجوز عند الحنفية؛ لأنه ليس بحد ولا قصاص، وعند الحنابلة على رواية، وعند المالكية يجوز أيضاً لأن القاضي الكاتب أهل للقضاء، وعند الشافعية على الصحيح عندهم.
- ولو أن قاضياً كتب ذلك في حد من حدود الله، وأنه حكم على فلان ويطلب من القاضي المكتوب له أن ينفذ الحكم، فلا يقبل على القول الأول بخلاف الثاني.
стр. 591
المطلب الثاني: إذا قضى القاضي في المجتهد فيه مخالفاً لرأيه:
هذه المسألة متصوَّرة فيما لو حصل من القاضي المجتهد أن يقضي في المسائل الاجتهادية بما يخالف رأيه فيها ناسياً مذهبه، عمداً أو من غير عمد، فهل ينفذ حكمه والحالة هذه (١)؟
وفقهاء الحنفية قد اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأول: ينفذ حكمه، وإذا كان عامداً فعنه روايتان، ودليل النفاذ أنه ليس بخطأ متيقن، وهو قول أبي حنيفة (٢).
القول الثاني: لا ينفذ في الوجهين؛ لأنه قضى بما هو خطأ عنده، وهو قول الصاحبين (٣).
والفتوى على قولهما، وقيل: على قول الإمام (٤).
стр. 592
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
لم أجد هذه المسألة بنصها في كتب بقية المذاهب، لكن سأسلك مسلك التخريج بناءً على ما قالوه في اشتراط الاجتهاد في القاضي، فالحنفية قالوا بأن الأولى أن يكون القاضي مجتهداً (١)، وفي هذه المسألة يندفع اختلافهم إذا اعتبرنا أن القاضي قد اجتهد وقال بما أداه اجتهاده، وبقية المذاهب من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) نصوا على شرط الاجتهاد في القاضي، فيُخرَّج قولهم كقول الحنفية، وهو أن القاضي المجتهد إذا اجتهد وقضى بما يخالف رأيه الأول فإن حكمه نافذ، لأن اجتهاد المجتهد يتغير لا لتغير الأحكام بل لتغير نظرته إلى الأحكام.
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر فيما لو قضى القاضي في قضية بعد الاجتهاد فيها، ثم تكررت القضية بعد فترة فحكم بما يخالف حكمه السابق بعد الاجتهاد أيضاً، فحكمه نافذ؛ لأن فرضه الاجتهاد (٥) وعليه أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده، وكذا لو نسي حكمه السابق، ولو حكم به عمداً ومن غير اجتهاد فلا يجوز ولا ينفذ حكمه؛ لفقد شرط أو أكثر من شروط القاضي، لكن لا ينبغي أن يُظن ذلك بالقضاة، والله أعلم.
стр. 593
المبحث الخامس عشر: في مسائل القسمة
المطلب الأول: كيفية قسمة البناء الذي له سفل وعلو:
تعريف القسمة لغة واصطلاحاً:
تعريف القسمة لغة:
القسمة -بكسر القاف- في أصلها اللغوي تدل على تجزئة الشيء (١)، وتطلق على الحظ والنصيب من الخير (٢).
تعريف القسمة عند الحنفية اصطلاحاً:
فقهاء الحنفية ينصون على أنها جمع نصيب شائع له في مكان معين (٣)، وجاء في مجلة الأحكام العدلية ما يشرح التعريف ويوضحه: "القسمة هي تعيين الحصة الشائعة، يعني إفراز وتمييز الحصص بعضها عن بعض بمقياس ما كالكيل والوزن والذراع" (٤)، وحاصلها رفع الشيوع وقطع الشركة (٥).
стр. 594
والقسمة مشروعة وتعتبر من الأحكام الشرعية التي لا غنى للناس عنها (١)، ومعناها طلب الشركاء أو بعضهم الانتفاع بملكه على وجه الخصوص لأن كل واحد من الشركاء منتفع بنصيب غيره فالطالب للقسمة يسأل القاضي (٢) أن يخصه بالانتفاع بنصيبه ويمنع غيره عن الانتفاع بنصيبه (٣)، وشرطها عدم فوت المنفعة بها (٤).
وتكون إفرازاً ومبادلة، وأما الإفراز ففيما لا يتفاوت مثل المكيل والموزون، وسائر المثليات، وأما المبادلة ففيما يتفاوت كالحيوان والعقار وكل ما ليس بمثلي حتى لا يكون لأحد الشريكين أخذ نصيبه مع غيبة الآخر (٥).
ومسألة البحث في طريقة قسمة البناء مثل البيت الذي له سفل وعلو، وفقهاء الحنفية قد اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المنسوب لأبي حنيفة –﵀ أن ما له سفل وعلو يقسم سهمين من العلو بسهم من السفل.
القول الثاني: المنسورب لأبي يوسف –﵀ سهم بسهم.
القول الثالث: المنسوب لمحمد –﵀ بالقيمة، والفتوى على ذلك؛ لأن العلو والسفل أجناس بالنظر إلى اختلاف المنافع، فالسفل يصلح لما لا يصلح العلو، وكذلك تختلف قيمتهما باختلاف البلدان، فلا يمكن التعديل إلا بالقيمة (٦).
стр. 595
وقيل: إن أبا حنيفة ﵀ بنى قوله على ما شاهد من عادة أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو، وأبو يوسف ﵀ بناه على ما شاهده من عادة أهل بغداد في التسوية بين العلو والسفل في منفعة السكنى، ومحمد شاهد اختلاف العادات في البلدان فقال: إنما يقسم على القيمة (١)، فالاختلاف مبني على اختلاف العادات، ولذلك كان من حيث الصورة لا من حيث المعنى (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة:
بعد الاطلاع على أقوال بقية المذاهب تبين أنهم يقولون بقول الحنفية المفتى به أي أن قسمة البناء الذي له علو وسفل تكون بالقيمة، وهو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وعليه فإن مما يؤيد هذا القول ما يجري الآن من بناء العمائر الطويلة والفنادق والأبراج والبيوت من ثلاثة أدوار وأكثر؛ فقيمة الأدوار تختلف اختلافاً كبيراً، والناس يفضلون العلو أو السفل لاعتبارات كثيرة.
стр. 596
مثاله: السكن في العمارة السكنية في الدور الأخير بدون مصعد يشق بخلاف الدور الأول، وإن وُجد المصعد فالسكن في الدور الأعلى مفضل إما لأجل العلو نفسه والنظر إلى ما حول المبنى كما في الفنادق أو للبعد قليلاً عن ضجة الشوارع، أو للأغراض الصحية مثل تخفيف السمنة بتنفس الأكسجين بكمية أقل، لأن كمية الأكسجين في الهواء تقل بزيادة الارتفاع (١).
وإذا كان الدور الأول هو أعلى وفوقه السقف فإن الدور الأرضي مفضل؛ لأن الدور الأول يحمي الأرضي من حرارة الشمس، ويحفظ برودته، لأنه سقفه، وكذا الدور الأول مفضل لأن الأرضي معرض للحشرات أكثر وهكذا.
كل هذا يدل على أن اعتبار الأزمان والأماكن والعادات وطرق البناء له أثر في المسألة.
ومن الآثار العملية للمسألة: عمارة مشتركة بين اثنين، ذات ثلاثة أدوار، في كل دور عدد معين من شقق، وأرادا القسمة، فإنها تكون بالتعديل أي بالقيمة، وهذا يعني أن أحد الشريكين قد يحصل على الدور الأول فقط، والثاني بقية العمارة؛ لاختلاف القيمة، وبالعكس إذا كانت الأدوار الأعلى بقيمة أعلى لأسباب ذُكرت أعلاه.
стр. 597
المطلب الثاني: التعارض بين مصالح الجيران:
من مسائل تعارض مصالح الجيران مسألة وقوع الشجرة في نصيب أحد الشريكين وأغصانها متدلية إلى نصيب الآخر، وهي من آثار القسمة.
فعند محمد –﵀ له أن يجبره على قطع تلك الأغصان؛ لأنه لا يستحق إقراره في ملك الغير، وعنه رواية أخرى أنه يترك كذلك؛ لأنه استحق الشجرة بأغصانها بالقسمة، فتُترك على ما كانت عليه عند تمام القسمة (١)، وعليه الفتوى (٢).
دراسة المسألة دراسة مقارنة
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: تُترك الشجرة مع أغصانها في هواء الشريك، وهو قول الحنفية المفتى به، كما سبق-.
القول الثاني: من حق الشريك الأول أن تزال أغصان الشجرة من هوائه، إما بتكليف الشريك الآخر بذلك، أو أن يقوم هو بقطعها، وهو القول المرجوح عند الحنفية –كما سبق-، وقول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 598
الأدلة والمناقشات:
دليل القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية إلى نصيب الشريك تُترك بدليل أنه استحق الشجرة بأغصانها بالقسمة، فتُترك على ما كانت عليه عند تمام القسمة (١).
قد يناقش بأن المال المشترك قبل القسمة لم يكن فيه ضرر على شريكه، وإنه ظهر ضرره بعد القسمة؛ لأنها ميزت الأنصباء، وحُقَّ لكل شريك أن يعمل في نصيبه ما يريد، وأغصان الشجرة المتدلية قد تمنعه من تمام التصرف، وقد يتضرر بظلها أو يتأذى بورقها المتساقط.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية إلى نصيب الشريك الآخر تُقطع بأدلة، منها:
الدليل الأول: كونه غير مستحق (٢)، بمعنى أنه ليس من حقوقه في ذلك، وهو عكس دليل القول الأول.
الدليل الثاني: يمكن الاستدلال بأنها تُقطع لأنواع من الضرر والأذى التي تحصل للشريك الآخر بسبب الظل أو الورق أو ما يتساقط منها.
الدليل الثالث: كما يمكن الاستدلال بقاعدة: إن الهواء ملك لصاحب القرار (٣)، والقرار الأرض، فمن ملك الأرض ملكاً شرعياً فإنه يملك معها سماءها، وعليه فلا يجوز لأحد أن يعلو عليه في هوائه إلا بإذنه.
الترجيح:
بعد استعراض القولين في المسألة وأدلتهما يظهر أن القول الثاني القائل بأن أغصان الشجرة المتدلية تُزال أظهر وأقرب لقواعد الشرع؛ لأن ملك الأرض يتبعه ملك سمائها.
стр. 599
والمسألة لها ثمرة عملية تظهر في صور كثيرة، منها:
- لو أن إنساناً له شجرة أغصانها متدلية إلى أرض جاره أي في نصيبه، فعلى القول الأول لا يجوز له قطعها؛ لأن ذلك من استحقاقه بالقسمة، وعلى الثاني له تكليف شريكه بالقطع، وله أن يقطعها بنفسه؛ لأنها خارجة إلى هوائه، وهواء أرضه ملك له، ولا يتصرف في ملكه إلا بإذنه.
стр. 600
المبحث السادس عشر: ترك السلطان الخراج أو العشر لرجل
فقهاء الحنيفة يذكرون هذه المسألة في كتاب السير (١)، كما يذكرونها في كتاب الزكاة (٢) عند بيان أحكام العُشر والخراج وسبب وجوبهما (٣)، والعُشر عشر الخارج من الأرض، والخراج ما يضعه الإمام على أرض فتحها ومنّ على أهلها بها من نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه، ويُسمَّى خراج المقاسمة (٤)، أو ما يُوظِّفه على الأرض بأن يكون الواجب شيئاً في الذمة يتعلق بالتمكن من زراعتها، ويكون واجباً على مالك الأرض ولو لم يزرعها، ويُسمَّى خراج الوظيفة (٥).
وعند الحنفية لا يُزاد على ما وظَّفه عمر ﵁، وهو على كل جَريِب (٦) يبلغه الماء صاع ودرهم، وجريب الرَّطْبَة خمسة دراهم، والكَرْم (٧) والنخل المتصل عشرة دراهم، وما لم يُوظِّفه عمر ﵁ يوضع عليه بحسب الطاقة، ونهاية الطاقة نصف الخارج، فلا يزاد عليه، وينقص منه عند العجز (٨).
وباعتبار أنهما يتعلقان بالأرض فقد قسم فقهاء الحنفية الأرض قسمين: أرض عُشرية، وأرض خراجية أي أرض يجب فيها العشر، والثانية يجب فيها الخراج على أحد نوعيه.
فالعشرية خمسة أنواع: