← Фикх общий

Фикх общий · id 1230

المسائل الفقهية في ضوء ما اتفق عليه في الطهارات

عبد الله نذير قشلان

Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المسائل الفقهية فِي ضَوْءِ مَا اتُّفَقَ عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَاتِ - رسالة التخرج من معهد الفتح الإسلامي بدمشق- عام ١٤٢٠ - ١٤٢١ هـ- ١٩٩٩ م-٢٠٠٠ م تأليف عبد الله نذير قَشْلان إشراف: الشيخ الأستاذ أحمد عمر المصري تقريظ الدكتور الشيخ محمد عبد اللطيف الفرفور -رحمه الله تعالى-

стр. 2

الإهداء إلى ينبوع الشريعة ومعدن الحقيقة، إمام المتقين وخاتم النبيين، وأشرف المرسلين، سيدي محمد بن عبد الله رسول الله، وحبيبه ومصطفاه، ﷺ ، وإلى أرواح أئمة الاجتهاد من الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة ولاسيّما أصحاب المذاهب الفقهية أئمة الأمصار رضوان الله عليهم أجمعين. وإلى روح العلامة المجاهد مؤسس معهد الفتح الإسلامي، ومؤسس النهضات العلمية، المرشد الكبير سيدي الشيخ محمد صالح الفرفور، رحمه الله تعالى وطيب ثراه. وإلى أساتذتي ومشايخي عامة، وإلى أسرة معهد الفتح الإسلامي خاصة، الذين أتيتهم مُحِبًّا فكافؤوني بأنظارهم وعنايتهم، وأدبهم الرفيع، وروحهم الزكية، وعلمهم الثري، وأخص بالذكر: فضيلة العلامة سيدي وأستاذي أديب الكلاس بارك الله لنا بعمره. وفضيلة الدكتور الشيخ عبد الفتاح البزم أعطاه الله المدد والعون لنصرة دينه. وفضيلة الدكتور الشيخ حسام الدين الفرفور أيده الله بروح من عنده لما فيه الخير للمسلمين.

стр. 3

وإلى من أشرف على رسالتي هذه من بدايتها فأرشدني إلى السبل التي توصل عملي إلى بَرّ الأمان بنجاح وتوفيق فضيلة الشيخ عمر أحمد المصري جزاه الله عني كل خير. وإلى من أرضعني بحب الشرع وغرس مني محبة العلم والمعرفة وأخذ بيدي إلى مسالك العلم والعلماء فضيلة سيدي ووالدي وشيخي نذير أحمد قشلان حفظه الله وجعله ذخراً للأمة الإسلامية. وإلى من زمّلتني ببرد الرحمة والأمن والرعاية، التي ما فَتِئَتْ تدعو لي بالتوفيق والسداد والدتي العزيزة أمدها الله بالعمر المديد. وإلى كل باحث عن الحقيقة العلمية المجردة، من المنصفين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إلى هؤلاء وأولئك أتقدم بهذا الجهد المتواضع علّه أن يكون لبنة في بناء الحضارة الإسلامية والإنسانية المنشودة.

стр. 4

تقريظ فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباحث الشيخ: عبد الله قشلان سلمك الله ورعاك. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعده. فلقد اطلعتُ على مصنفك الذي قدمته للتخرج، وجعلتَ موضوعه: (المسائل الفقهية في ضوء ما اتفق عليه في الطهارات) في مخطوطته، وقرأتُ كثيرًا من أبحاثه، وعلقتُ بما هو أسدُّ وأكثر صواباً إن شاء الله. وكنتُ أتمنى عليكَ مراجعة القضايا النحوية التي نَدَّتْ عنكَ واستدراكها أولاً .. وتوحيد العزو الى المصنفين ثانيًا … وأن ترجع الى المُفتى به في كل مذهب من الكتب، لا إلى كتب التعليم والتفقه ثالثًا (١). ولكن هذا لا يغض من قيمة عملك، فهو باكورة طيبة إن شاء الله، من جذور طيبة مباركة، ولا سيما والدك الحبيب، وجدّك الذي كان والدنا يحبه ويَوَدُّهُ … رحم الله جدك، وبارك لك بالوالد، وبارك لنا به، وكتب الله لك

стр. 5

التوفيق والسداد، وجعل منك قرة عين رسول الله ﷺ إن شاء الله. وإذا رأيتَ من الهلالِ بُدُوَّهُ أيقنتُ أنْ سيكونُ بدرًا كاملاً. وأوصيك ألا تعجل في نشره، بل بالغ بتنقيحه ومراجعته على مكث، فخير الكلام المُحَكَّكِ (١). سدد الله على طريق العلم النافع خطاك، ونفعك بالقرآن العظيم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. دمشق في ١٣/ جمادى الثانية/ ١٤٢٤ هـ ١١/ ٨/ ٢٠٠٣ م محمد عبد اللطيف صالح الفرفور خادم العلم الشريف بدمشق الشام

стр. 6

المقدمة الحمد لله رب العالمين، أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأتمّان على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسائر النبيين، وسائر الصالحين، نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون. أما بعد: فلمّا كان الفقه الإسلامي من أشرف العلوم منزلة، وأعلاها رتبة، وأرفعها درجة، وأولاها قرباً، وأكثرها ثواباً وأجراً، حثَّ الله عليه في قوله: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [سورة التوبة: ١٢٢]. وكذلك قوله صلوات الله عليه: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) (١). ثم إن الكثير من العلماء ألَّفوا حول خلافات الفقهاء في مسائل الفقه، وجمعوا ذلك في كتب كثيرة ككتاب: (اختلاف العلماء) لمحمد بن نصر المروزي وغيره (٢).

стр. 7

فساقتني عناية المولى أن أجمع بحثاً يضم فيه مسائلهم التي اتفقوا عليها، فإن الشيء إذا ضُمَّ إلى شكله، وقُرِن بنظيره، سَهُلَ حفظه، وأَمكن طَلبه، وقَرُب تناوُله، ووَضُحَ خطأُ من خالف الحق به، ولم يتَعَنَّ المتخصّصون في البحث عن مكانه عند تنازعهم فيه، وكي لا يُدَّعى خلافٌ في مسائله مما لا خلاف فيه أصلاً، وحرصاً على ضبط المتفق عليه فيما بين المسائل الفقهية المختلف فيها، وبعد البحث والدراسة فيمن أَلَّف في بحثي هذا من قبل، لم أجد إلا كتابين جُمعت فيهما المسائل الفقهية المتفق عليها، وهما: (الإجماع): لابن المنذر النيسابوري (١)، و (مراتب الإجماع): لابن حزم الظاهري (٢). وكلاهما لم يُفصِّلا في هذه المسائل، ولم يذكرا فروعها، ولم يبوبا لها؛ فكتاب الإجماع مثلاً: جمع ما يقارب أربعين اتفاقاً، بينما أتيتُ ببحثي هذا بأضعاف هذا العدد، وكذلك حال كتاب (مراتب الإجماع) (٣).

стр. 8

ثم إني إضافة إلى ذلك أوردت مع كل اتفاق في هذه المسائل دليلاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وقلما أترك الدليل، بينما كتاب (الإجماع)، و (مراتب الإجماع) لم يأتيا بالأدلة إطلاقاً. وتتميماً للفائدة أشرت في بعض الأحيان إلى المسائل التي اختلفوا فيها تنبيهاً للقارئ عليها، وقد ذُكر مثل هذا في كتاب (مراتب الإجماع)، وليس في كتاب (الإجماع)، راجياً بذلك جزيل الأجر من الله ، فإن المنفعة بجمع هذه المسائل جليلة جداً. منهجي في هذا البحث: ١ - جمع المسائل التي تم الاتفاق عليها بين الأئمة الأربعة، وهم: (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد)، أو أصحاب مذاهبهم المفتى بقولهم بها، رضوان الله عليهم أجمعين، ليُعرف أنَّ ما عدا ذلك قد وقع فيه خلاف، مقتصراً في ذلك على قسم الطهارات فقط. ٢ - الاستشهاد على ذلك بالأدلة النقلية في كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ ، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أتعرض لبعض التعليلات العقلية، والاستدلالات القياسية. ٣ - قد يكون في المذهب قولان فاختار المفتى به وأودعه مع أقوال الأئمة الآخرين، فإن وافقهم وإلا أخذت بالقول الآخر في بعض المسائل، وبيّنت في

стр. 9

الحاشية أخذي بالقول غير المشهور أو المفتى به، حرصاً على الاتفاق وتقليلاً من الخلاف. ٤ - نصصت على بعض المسائل المهمة المختلف فيها ذاكراً أنهم اختلفوا فيها، فإن كان المخالف واحداً ذكرت من هو المخالف في الحاشية، مختصراً في ذلك، مع عزو نقلي إلى مرجعه في غالب المسائل، وإن كان المخالف اثنين والمتفق اثنين، أقتصر على قولي: (اختلفوا إلى فريقين)، وإلا أقتصر على قولي: (اختلفوا في كذا). ٥ - وضعت تعاريف للأشياء مختاراً فيها تعريفاً واحداً لبعض الأئمة أو أكثر، دون النظر فيما اتفقوا عليه أو لا، لأن تعاريف الفقهاء لها متقاربة. ٦ - عزو آراء المذاهب إلى أصحابها، وتوثيقها من مصادر المذهب المعتمدة. ٧ - جعلت ذلك في فصول وأبحاث ومطالب، تسهل على الدارسين والباحثين قراءتها ومراجعتها. ٨ - تخريج الآيات القرآنية، بتعيين السورة التي ذكرت فيها، ورقمها بين آياتها. ٩ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. ١٠ - بيان معاني الألفاظ الغريبة، والمصطلحات الفقهية.

стр. 10

١١ - وضعت كشافات فنية للآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، والمصادر والمراجع، ولما كانت نصوص البحث خالية من آثار الصحابة والتابعين في أكثر الأحيان لم أجد موجباً لوضع فهرسة خاصة بها. وختامًا: فقد بذلت غاية الجهد في إخراج هذا البحث بصورة عملية عِلمية لتكون رسالة تخرج لنيل شهادة معهد الفتح الإسلامي. فإن أصبتُ فمن الله وتوفيقه، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته، ورحم الله أمرأً أهدى إليَّ عيوبي وبصَّرني بأخطائي. والله تعالى أسأل، أن يجعلها في ميزان الحسنات، والصحائف الصالحات، ويتولاّنا بفضله، ويمنُّ علينا بكرمه، ويجعلنا من السابقين، والقليل الآخرين، إنه أكرم مسؤول، ومنه التفضل بالقبول. قال سعد الشيرازي: والعفوُ إنْ كانَ على قدْر الكرمْ … فكُلُّ ذنبٍ سوفَ يمحوهُ القَلَمْ وإنْ تكُنْ منْكَ على قدْرِ الغضبْ … فالظلمُ يُمحى والمصيرُ للّهبْ ماليَ أعمالٌ بها أستشفعُ … ولم يكنْ إلا إليكَ المفزعُ

стр. 11

بضاعتي يا ربُ مُزجاةٌ فما … جئتُ بها لكنْ أتيتُ مسلماً والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمينْ عبد الله نذير قشلان

стр. 12

الفصل الأول: الطهارة وفيه ثمانية مباحث المبحث الأول: معناها. المبحث الثاني: أهميتها. المبحث الثالث: شروط وجوب الطهارة. المبحث الرابع: أنواع المطهرات. المبحث الخامس: أنواع المياه. المبحث السادس: حكم الأسآر. المبحث السابع: حكم الآبار المبحث الثامن: أنواع الأعيان الطاهرة.

стр. 13

الفصل الأول: الطهارة المبحث الأول- معنى الطهارة: الطهارة لغة: النظافة والخلوص من الأوساخ والأدناس الحسية: كالأنجاس من بول وغيره، والمعنوية كالعيوب والمعاصي. شرعاً: النظافة عن النجاسة، حقيقية: كانت وهي الخبث، أو حكمية: وهي الحدث (١). والخبث في الحقيقة: عين مستقذرة شرعاً. والحدث: وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة. وعرفها الشافعية: كما قال الإمام النووي: رفع حدث، أو إزالة نجس، أو ما في معناهما، وعلى صورتهما كالتيمم والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء (٢).

стр. 14

المبحث الثاني- أهمية الطهارة (١): للطهارة أهمية كبيرة في الإسلام، سواء أكانت حقيقية: وهي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة من النجاسة، أم طهارة حكمية: وهي طهارة أعضاء الوضوء من الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة من الجنابة، لأنها شرط دائم لصحة الصلاة التي تتكرر خمس مرات يومياً، وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى، فأداؤها بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة وإن لم يكونا بنجاسة مرئية، فهي نجاسة معنوية توجب استقذار ما حل بها، فوجودها يخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة التي تتحقق بالغسل المتكرر، فبالطهارة تطهر الروح والجسد معاً. واهتمام الإسلام بجعل المسلم دائماً طاهراً من الناحيتين المادية والمعنوية أكمل وأوفى، دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قوام، وأجمل مظهر، وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال، لأن غسل الأعضاء الظاهرة المتعرضة للغبار والأتربة والجراثيم يومياً وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلويث، وقد ثبت طبياً أن أنجع علاج

стр. 15

وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج، وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين) [سورة البقرة: ٢٢٢]. وأثنى سبحانه على أهل مسجد قُباء بقوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين) [سورة التوبة: ١٠٨]. وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالاً متميزاً بارزاً في نظافته، وطهره الظاهر والباطن، قال ﷺ لجماعه من صحبه: (إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ وَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ) (١). ولا تنفع الطهارة الظاهرة إلى مع الطهارة الباطنة بالإخلاص لله والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد وتطهير القلب عما سوى الله من الكونين، فيعبده لذاته لا لعلة مفتقراً إليه وهو يتفضل بالمن بقضاء حوائجه المضطر بها عطفاً عليه، فيكون عبداً فرداً للمالك الاحد الفرد الذي لا يسترِقُكَ شيء من الأشياء سواه ولا يستملك هواك عن خدمتك إياه.

стр. 16

المبحث الثالث: شروط وجوب الطهارة وتجب الطهارة على من وجبت عليه الصلاة، وذلك بتسع شروط وهي (١): الأول: الإسلام، فلا يصح أداء العبادة من الكفار ما داموا كفاراً، وإذا أسلموا فلا يطالبون بالقضاء إجماعاً. الثاني: العقل، فلا تجب الطهارة على المجنون والمغمى عليه، إلا إذا فاقا في بقية الوقت. أما السكران فلا تسقط عنه الطهارة. الثالث: البلوغ، وعلاماته خمس: الاحتلام، وإنبات الشعر، والحيض، والحمل، وبلوغ السن: وهو خمسة عشر عاماً، وقيل: سبعة عشر عاماً، وقيل: ثمانية عشر عاماً، فلا تجب الطهارة على الصبي. الرابع: وجود الحدث. الخامس: وجود الماء المطلق المطهر الكافي: وعند عدمه يتيمم كما سيأتي. السادس: القدرة على استعماله. السابع والثامن: عدم الحيض والنفاس. التاسع: تنجيز خطاب المكلف بضيق الوقت

стр. 17

المبحث الرابع- أنواع المطهرات: وفيه أربعة مسائل: المسألة الأولى: اتفق الأئمة الأربعة (١) على أن الطهارة واجبة شرعاً، وأن المفروض منها هو: الوضوء، والغسل من الجنابة والحيض والنفاس بالماء، والتيمم عنهما: عند فقد الماء، أو التضرر باستعماله، وإزالة النجاسة. وذلك ثابت بالدليل القطعي المجمع عليه، على النحو الآتي: ١) الدليل على وجوب الطهارة بالمياه، فقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنْ السَّمَاء مَاء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [سورة الأنفال: ١١]. ٢) الدليل على فرضية الوضوء: قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [سورة المائدة: ٦]. ٣) الدليل على فرضية الغسل من الجنابة: قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [سورة المائدة: ٦].

стр. 18

٤) الدليل على فرضية الغسل من الحيض: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) [سورة البقرة: ٢٢٢]. ٥) الدليل على فرضية الغسل من النفاس: عن عمرو بن الحصين قال رسول الله ﷺ : (تَنْتَظِرُ النُّفَسَاءُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِنْ رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ طَاهِرٌ، وَإِنْ جَاوَزَتِ الْأَرْبَعِينَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ) (١). ٦) الدليل على فرضية التيمم عن الوضوء والغسل عند فقد الماء: قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [سورة المائدة: ٦].

стр. 19

المسألة الثانية: اتفق الأئمة الأربعة (١) على جواز التطهير بالماء الطهور أو المطلق، وهو ما يسمى ماءً بدون تقييد بوصف، كماء مستعمل، أو بإضافة كماء الورد مثلاً. والمياه المتفق عليها بين الأئمة الأربعة سبعة أنواع وهي: (ماء المطر، وماء العين، وماء النهر، وماء البحر، وماء البئر، وماء الثلج، وماء البَرد) وتندرج هذه المياه جميعها تحت قولنا: [ما نزل من السماء أو نبع من الأرض]، وذلك للأدلة الآتية: أما ماء السماء، فلقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا) [سورة الفرقان: ٤٨]. ولقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنْ السَّمَاء مَاء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الانفال: ١١]. وأما ماء النهر، فلما روي عن ابن عباس قال: (بَحْرَانِ لَا يَضُرُّكَ مِنْ أَيِّهِمَا تَوَضَّأْتَ مَاءُ الْبَحْرِ وَمَاءُ الْفُرَاتِ) (٢).

стр. 20

وأما ماء البحر، عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رجل رسول الله ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) (١). وأما ماء البئر: عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله أنتوضَّأ من بئرِ بُضاعة -وهي بئرٌ يُطرَحُ فيها الحِيَضُ (٢) ولحمُ الِكلابِ والنَّتْنُ-؟ فقال رسولُ الله ﷺ : (الماءُ طَهُورٌ لَا يُنجِّسُهُ شَيْءٌ) (٣). وأما ماء الثلج والبَرد: فعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبّر في الصلاة سكت هُنَيهةً قبل القراءة، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أرأيت سُكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: (أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي

стр. 21

مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) (١). المسألة الثالثة: اتفق الأئمة الأربعة (٢) على جواز التطهير بالمسح بالورق أو الحجارة في حالة الاستنجاء، أي إزالة النجاسة من المخرجين من بول وغائط ما لم يفحش الخارج والدليل على ذلك: عن أبي هريرة ﵁ قال: اتبعت النبي ﷺ وخرج لحاجته فكان لا يلتفت، فدنوت منه فقال: (ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضُ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) (٣).

стр. 22

المسألة الرابعة: اتفق الأئمة الأربعة (١) على مشروعية التطهير بالتراب طهارة حكمية، وعلى طهارة الخمر بالتخلل بنفسها. والدليل على مشروعية التطهير بالتراب: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) (٢). والدليل على طهارة الخمر بالتخلل: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (نِعْمَ الأُدُمُ، أو الإدامُ الخل) (٣).

стр. 23

المبحث الخامس- أنواع المياه اتفق الأئمة الأربعة (١) على نوعين من أنواع المياه: النوع الأول- الماء الطهور أو المطلق: وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، ما دام باقياً على أصل الخِلْقة، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي (اللون والطعم والرائحة)، أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملاً. مثل: ماء المطر والأودية (٢) والعيون والينابيع، والآبار والأنهار والأبحار، وماء الثلج والبرد، ونحوها من كل ماء عذب أو مالح، ويشمل الماء الذي ينعقد ملحاً، أو يرشح ويتبخر بخار ماء، لأنه ماء حقيقة (٣). والدليل على طهورية الماء المطلق: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في

стр. 24

المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : (دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا معسرين) (١). واتفق الأئمة الأربعة على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً: أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، فلا يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث (البقاء في المكان مدة طويلة) لتعذر الاحتراز عنه، ولا بتراب طهور، وطُحلُب (خضرة تعلو على وجه الماء)، وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور (وهو ما يمكن فصله) كعود ودهن ولو مطيبين، ومن البخور، ولا ببعض المعادن كملح ماء وكبريت، ولا بما يعسر الاحتراز عنه كالتين وورق الشجر، ولا بجيفة ملقاة على الشاطئ تغير الماء بريحها، ولا بدابغ إنائه كقطران (٢) وَقَرَظٌ (٣).

стр. 25

النوع الثاني- الماء النجس (١): وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها، مثل قليل الأرواث، وكان الماء راكداً (غير جارٍ) قليلاً (٢)، وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه، والأثر: طعم النجاسة أو لونها أو ريحها. وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين: الأول: ما كان طهوراً قليلاً، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، إلا ما يعفى عنه كميتة ما لا دم له سائلة مثل الذباب والنمل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح (٣). الثاني: ما كان طهوراً كثيراً وقعت غير نجاسة غيرت أحد أوصافه الثلاثة. والمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به، ولا يستعمل في طهارة ولا في غيرها، إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع، أو في حالة ضرورة كعطش.

стр. 26

الأدلة: والدليل على نجاسة الماء إذا كان الماء قليلاً. ١ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ تَغْتَسِلْ مِنْهُ) (١). فقد أمر رسول الله ﷺ بحفظ الماء من النجاسة وهذا نهي، والنهي عن الشيء أمر بضده. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: (يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا) (٢). والدليل على نجاسة الماء الكثير إذا تغير أحد أوصافه حديث أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ) (٣). والحديث وإن كان ضعيفاً - رغم تعدد طرق - قواه إجماع الأمة على مضمونه.

стр. 27

قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الماء القليل أو الكثير، إذا وقعت غير نجاسة، فغيرت طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس (١).

стр. 28

المبحث السادس - حُكْمُ الأسآر: الأسآر لغة: جمع سؤر، والسؤر: البقية والفضلة. واصطلاحاً: هو بقية الماء في الإناء أو في الحوض، بعد شرب الشارب منه، ثم استعير لبقية الطعام (١). اتفق الأئمة الأربعة (٢) على طهارة أسآر بني آدم صغيراً أو كبيراً، مسلماً (٣) أو كافراً إن لم يكن في فمها نجاسة، جنباً أو حائضاً. والدليل على طهارة سؤر الآدمي مطلقاً. ١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه لقيه النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسلّ فذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﷺ ، فلما جاءه قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله

стр. 29

لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ : (سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) (١). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فِيَّ فيشرب، وأتعرّق العَرَقَ (٢) وأنا حائض فأناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فِيَّ) (٣). ٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتيَ بلبن قد شيب بماء (٤)، وعن يمينه أعرابي، وعن شماله أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: (الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ) (٥). وفي رواية: فلما فرغ قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابيّ فضلَة ثم قال: (الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا). قال أنس: فهي سنة، فهي سنة، ثلاث مرات (٦).

стр. 30

واتفق الأئمة الأربعة (١) على طهارة سؤر الحيوان المأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والفرس ونحوها. والدليل على طهارتها: حديث جابر بن سَمُرة ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قال: (إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ) (٢) قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ)، قال: أُصلي في مرابض الغنم؟ قال: (نعم) قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: (لا) (٣). واللُّعاب متولد من اللحم، فإذا كان اللحم طاهر كان اللعاب طاهر وإلا فينجس، وإذا جاز الوضوء من لحم الإبل دل على طهارة لحمه وبالتالي دل على طهارة سؤره.

стр. 31

المبحث السابع- حُكم الآبار: اتفق الأئمة الأربعة (١) على أن الماء الكثير وهو (عشر في عشر) (٢) لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه، وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير أوصافه، وقدروا استحساناً مقادير معينة في نزح ماء البئر القليل، على النحو التالي: أولاً- حالة بقاء الواقع في البئر حياً:

стр. 32

اتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا سقط آدمي أو حيوان مأكول اللحم وخرج حياً، فلا ينجس البئر إذا لم يكن على بدنه نجاسة، فإن كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة. واختلفوا في الباقي بناء على حكم الآبار. الدليل على طهورية الماء الواقع فيه الآدمي حديث أبي هريرة ﵁، أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) (١). ثانياً- حالة موت الإنسان والحيوان في البئر: اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل: كذباب وصرصور وخنفساء وزنبور وبق وعقرب، أو بموت حيوان مائي كسمك، وضفدع، وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره. أما موت الآدمي فقد اختلف فيه بين الأئمة الأربعة.

стр. 33

والدليل على طهورية الماء بموت حيوان لآدم لرسائل: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفِي الآخَرِ دَاءً) (١). وفي رواية لأبي سعيد: (فِي أَحَدِ جَنَاحَيِ الذُّبَابِ سُمٌّ، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ، فَامْقُلُوهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ) (٢). ثالثاً- حالة وقوع النجاسة في الماء: اتفق الأئمة الأربعة على نجاسة البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها (٣)، وإن قلت كقطرة دم، وقطرة خمر، وبول وغائط من أدمي، وينزح ماء جميع البئر،

стр. 34

بعد إخراج عين النجاسة، وتطهر البئر والدلو والرشاء (الحبل) والبكرة، ويد المستقي. والدليل على نجاسة الدم قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [سورة الأنعام: ١٤٥]. والدليل على نجاسة الخمر قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ) [سورة المائدة: ٩٠]. والدليل على نجاسة بول الآدمي: حديث أنس بن مالك ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (١).

стр. 35

المبحث الثامن- أنواع الأعيان الطّاهرة: جميع ما في الكون إما جماد، أو حيوان، أو فضلات. والأصل في الأشياء الطهارة، ما لم يثبت بنجاستها بدليل شرعي، والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة الأعيان. اتفق الأئمة الأربعة (١) على أن الجماد (وهو كل جسم لم تحلّه الحياة ولم ينفصل عن حي (٢) كله طاهر إلا المسكر. فجميع أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها طاهرة، ومن الجامد: المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها، وجميع أنواع النبات ولو كان ساقاً أو مخدراً كالحشيش والأفيون والبنج، ومن المائع: المياه والزيوت وعسل القصب، وماء الأزهار، والطيب والخل. واتفقوا على أن كل جاف طاهر، وأن نافجة (وعاء) المسك طاهرة كالمسك، وأن الزَّباد (٣) والعنبر طاهر (٤)، وأن شعر الحيوان المأكول طاهر، وأن الخمر المتخلّلة بنفسها طاهرة.

стр. 36

والدليل على أن أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها كان طاهر إلا المسكر قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [سورة الجاثية: ١٣]. والدليل على طهارة شعر الحيوان المأكول وجميع أجزائه قوله تعالى: (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين) [سورة النحل: ٨٠]. والدليل على طهارة الخمر إذا تخللت بنفسها: حديث عَائِشَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (نِعْمَ الْأُدُمُ، أَوِ الْإِدَامُ الْخَلُّ) (١). واتفق الأئمة الأربعة على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى طهارة ميتة السمك والجراد. والدليل على طهارة الحيوان المذكى قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ) [سورة المائدة: ٣]. والدليل على طهارة ميتة السمك والجراد: حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) (٢).

стр. 37

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) (١).

стр. 38

الفصل الثاني النجاسة وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أنواع النجاسة إجمالاً وحكم إزالتها. المبحث الثاني: المقدار المعفو عنه من النجاسة. المبحث الثالث: كيفية تطهير النجاسة الحقيقية بالماء. المبحث الرابع: حكم الغسالة.

стр. 39

الفصل الثاني: النجاسة المبحث الأول- أنواع النجاسة إجمالاً وحكم إزالتها النجاسة: ضد الطهارة، والنَّجِسُ ضد الطاهر، والأنجاس جمع نَجَس: اسم لعين مستقذرة شرعاً، ويطلق على الحكمي والحقيقي، ويختص الخبث بالحقيقي، ويختص الحدث بالحكمي، والنَّجَسُ بفتح الجيم: اسم، وبكسرها صفة. وتنقسم النجاسة إلى قسمين: حقيقية، وحكمية. أ النجاسة الحقيقية لغة: العين المستقذرة، كالدم والبول والغائط. وشرعاً: مستقذرة يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص. ب والنجاسة الحكمية: أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص، ويشمل (الحدث الأصغر) الذي يزول بالوضوء، و (الحدث الأكبر: الجنابة) الذي يزول بالغسل. والنجاسة الحقيقية أنواع: إما مغلظة أو مخففة، وإما جامدة أو مائعة، وإما مرئية أو غير مرئية (١).

стр. 40

وأما حكم إزالة النجاسة غير المعفو عنها عن الثوب والبدن والمكان للمصلي: فهو واجب عند الأئمة الأربعة (١)، لقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّر) [سورة المدثر: ٤]. فإن صلى المرء بالنجاسة عامداً قادراً على إزالتها، أعاد صلاته أبداً، وجوباً لبطلانها. أنواع النجاسات المتفق عليها بين الأئمة الأربعة: الأول: لحم الخنزير: وإن كان بذبحه شرعاً (٢). لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) [سورة المائدة: ٣]. الثاني: الدم: دم الآدمي غير الشهيد، ودم الحيوان غير المائي، الذي انفصل منه حياً أو ميتاً، إذا كان مسفوحاً (جارياً) كثيراً (٣).
следующие страницы →