← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12300

المشوق إلى القراءة وطلب العلم

علي العمران

Полный текст (129 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[المشوق إلى القراءة وطلب العلم]ـ المؤلف: علي بن محمد العمران الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع الطبعة: الثانية؛ ١٤٢٢ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

قال أبو الوليد الباجي: إذا كنتُ أعلمُ عِلْمًا يقينًا ... فَلِمْ لا أكُون ضَنِْنًا بِها بأنَّ جميعَ حياتي كَساعَهْ ... وأَجْعَلُها في صلاحٍ وطاعَهْ ((ترييب المدارك: ٨/١٢٥))

стр. 3

المقدمة: مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله، اللهم صلِّ وسلِّم على محمد عبدك ورسولك. أما بعد، فلا أظن قارىء هذا الكتاب قد فرغ من قراءته إلا وهو يردِّد بصدق قول العلامة المقريزي ﵀ (١) : وقد أعْرضَتْ نفسي عن اللهوِ جُملةً ... وصارَ -بحمدالله- شُغلي وشاغلي فطورًا يراعي كاتبٌ لفوائدٍ ... وآونةً للعلمِ صدريَ جامعٌ ومَلَّتْ لقاءَ الناسٍ حتَّى وإن جلُّوا ... فوائد علمٍ لستُ من شُغْلِها أخْلُو بصحَّتِها قد جاءنا العقلُ والنقْلُ ... فتزكو به نفسي وعن همِّها تسْلُو وقد لقي الكتاب -بحمد الله تعالى- في طبعته الأولى قبولا حسنًا، وهذه طبعته الثانية لا تزيد عن الأولى إلا بتصحيح ما لابدّ من تصحيحه من خطأ أو نحوه، وإلا بزيادات قليلة في الصفحات الآتية: (٣٢، ٧٦، ٨٧) ، ولم أحب أن أتوسَّع في الزيادات لما اشترطته على نفسي من الاختصار، أسأل الله -تعالى- أن ينفع بهذه الطبعة كما نفعَ بسابقتها. والحمد لله وحده وكتب علي بن محمد العِمران ١٦/١/١٤٢٢هـ

стр. 4

مقَدّمَة الطبعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه رسالة تُجلّي لنا جانبًا مهمًّا من جوانب النموِّ العِلْمي، ورافدًا أساسًا من روافد التوسُّع المعرفي. تكشف لنا هذه الرسالة عن صورةٍ مُشْرِقةٍ من حياة العلماء، ضربوا فيها أروعَ الأمثلة، وأصدقَ البراهين، وأجلى الدلالات على حبهم للعلم، وشَغَفِهم به، وتفانيهم من أجل تحصيله وطلبه. هذه الأمثلة والبراهين كثيرة ومتنوِّعة، اصطفيتُ منها ما يتعلَّق بحياة العلماء مع الكتب، في اهتمامهم بها قراءةً وإقراءً، في تحصيلهم لها شراءً واستنساخًا، في شغفهم بها، وحرصهم عليها، واصطحابها معهم سَفَرًا وحضرًا، في مواقف عجيبة، وصورٍ مُعْجِبة، ولا عجبَ!!. قال ابن القيم ﵀: ((وأما عُشَّاق العلم فأعظم شغفًا به وعِشْقًا له من كلِّ عاشقٍ بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يَشْغَلُه عنه أجملُ صورةٍ من البشر)) (١) اهـ. وقال -أيضًا-: ((ولو صُوِّر العلمُ صورةً، لكانت أجملَ من صورة

стр. 5

الشمس والقمر)) (١) اهـ. أقول: فكيف يُلام إذًا من عَشِقَ العلمَ، وكيف يُتعجَّب ممن كَلِفَ به، وانقطعَ له؟ !!. - ١- غير خافٍ على عامة الناسٍ ما للعلم من سُموّ المكانة وشرف المنزلة، وما لحامله من ذلك، ويزداد كلُّ ذلك تَبَعًا لشرف المعلوم، والتوسع فيه، وظهور أثره على حامله. ولما كان فضل العلم بهذا الظهور، لم يكن بنا حاجة إلى إقامة البراهين، ونَصْب الأدلة، على الإشادة به، وإظهار محاسنه، فكلُّ ذلك مجموعٌ في كتب كَثيرة مفردة (٢) .

стр. 6

- ٢ - كان الباعث لي على تصنيف هذا الكتاب وتأليفه أمران: الأول: ما رأيته -ورآه غيري- من عُزُوف كثير من (طلبة العلم!!) -لا سواهم- عن إيلاء كتب العلم مكانتها، وإنزالها منزلتها، فاشتغلوا عنها بغيرها. فجماعة منهم ظنوا أنهم قد بلغوا من العلم ما لا يُحتاج معه إلى مزيد قراءةٍ واطلاع، فقنعوا بما أحرزوه من ألقاب!! وشهادات!! ومناصب ووجاهة!!. فما هو إلا أن حاز ((اللقب)) حتى أعرض عن الطَّلَب، وقد كان يدّعي العكس، يقول: دعوني أضع همَّ ((اللقب)) ثم أُمْعِن في الطلب! فما باله انقلب!!. وياليته وقف هنا فحسب، لكنه اتكأ على أريكته وعرَّض الوساد، وتنمَّر على العباد، وانسلخ من طلب العلم إلى طلب الدنيا، فأصبح ((اللقب) حينئذٍ خديعة يخدع بها المرءُ نفسَه وغيره. ولو كانت الألقاب تؤخذ عن أهليَّةٍ واستحقاق، لهنان الخطْبُ وانقطع الخِطاب، لكن العكس هو الواقع، فأصبحتْ أحيانًا تُباع وتُشْترى، وأحيانًا تُعطى لبحوثٍ هزيلة، وأحيانًا لبحوث منقولة عن غيرها، وهكذا في سلسلة نكِدة من التخاذل العلمي، فهل يوثق بعد هذا بشهادةٍ أو لقب (١) ؟!.

стр. 7

وما أصدق الشاعر محمد رضا الشَّبِيْبي العراقي في قوله: فتنةُ الناسٍ -وُقِيْنا الفِتَنا- ... باطلُ الحَمْدِ ومَكْذوبُ الثَّنا لم تزلْ -ويحكَ يا عصرُ أَفِقْ- ... عَصْرَ ألقابٍ كِبارٍ وكُنىً حَكَمَ الناسُ على الناسِ بما ... سمعوا عنهم وغَضُّو الأعْيُنا فاسْتَحالت -وأَنا مِن بعضِهم- ... أُذني عَيْنًا وعيني أُذُنا (١) وجماعة منهم قنعوا بمتابعة ما تتسارع شركات الحاسوب في إنتاجه، من أقراصٍ تحوي العشرات بل المئات من الكتب في جميع الفنون! وظنوا أن هذه تُغني عن شراء الكتب واقتنائها ومطالعتها ودَرْسها! وما عَلِم هؤلاء (أو عَلِموا ولكن ... ) أنهم قد اسْتَسْمنوا ذا وَرَم ونفخوا في غير ضَرَم، فأنزلوا هذه الآلة (الصمّاء) (٢) منزلةً ليست لها، ووطَّنوها مكانًا ما ينبغي لها، أرادوا بها -وهيهات- أن يسبقوا الرَّكْبَ، ويُحقِّقوا المسائل، ويستدركوا على العلماء، أرادوا كلَّ ذلك= بِلَمْسةٍ على زِرًّ! فيا لله العجب! وأعجبُ منه: أن ينسبوا كل ذلك الفضل

стр. 8

إلى أنفسهم (متوَهِّمين ومُوْهِمين) ، فجَنَوا بذلك على أنفسهم، إذ حَسِبوا أنهم على شيءٍ، وعلى العلم، وعلى الناس!!. الأمر الثاني -الداعي إلى تأليف الكتاب-: هو استثارة الهِمَم، وشَحْذ الخواطر، وتبصير طلاب العلم بما كان عليه سلفهم من العلماء والأئمة، في صبرهم وبذلهم في تحصيل العلم وقراءته وإقرائه. ولا امْتِراءَ في أثر هذه الأمثلة الحيَّة والصور الصادقة من حياة تلك الصفوة من العلماء، في شَحْذ الهمة وإيقاظها، كما لا تخفى فائدتها في التعرُّف على طرائق أهل العلم في القراءة والمطالعة، والاستبصار بخبراتهم وتجاربهم للوصول إلى طريقةٍ مُثْلى وأسلوبٍ يُحْتَذَى، وليس هذا من التغنِّي بأمجاد الأجداد والركون إليها، ولكنه كشف لصفحة مطويَّة من تاريخنا المجيد، علَّها تُسْهِم في إيقاظ ما فَتَرَ من الهمم، وتُشْعِل ما خبا من العزائم، وقد قال بعضهم: ((الحكايات جند من جنود الله يثبِّت بها من شاء من عباده)) (١) . - ٣ - إن الناظر في سِيَر العلماء يَخْلُص إلى حقائق مهمة ونتائج واضحة، منها: معرفتهم بقيمة هذه الثروة الهائلة (٢) والكنوز العظيمة، لذا فقد

стр. 9

أولوها عنايةً فائقةً وجهودًا ضخمة، ظهرت في صورٍ عديدة مما ستكشف هذه الرسالة عن بعضه. إن من واجبات أهل العلم اليوم: تبصير النشى بأهمِّية هذا التراث الذي خلَّفه الأجداد، فهو عُصَارة عقولهم لقرونٍ عديدة، وثمرة جمعهم وسهرهم لآماد مديدة. إن من واجباتهم -أيضًا- النهوض بهذا التراث، والحِفاظ على هذه الترِكة التي لا يَقْدُرها قدرَها إلا هم، ولا يستطيع الحفاظَ عليها حقًّا إلا هم. إن الحفاظ على هذه الثروة لا يكون بمجرَّد رَصْفها في خزائن أنيقة، ولا بترتيبها وتزويقها وتنميقها، ولا بنشرها وتحقيقها، كلا! ليس بذلك فقط، لكن خير وسيلة لحفظها، وأنجع طريقة للحفاظ عليها هي: بعث الحركة العلمية وإنمائها، وإيقاظ الهمم وإعلائها، بحيث نضيف كلَّ يوم إلى صفوف القراء (والقراء حقًّا) عددًا جديدًا، يعكُفُون عليها ويستجلون فوائدَها، فبهذه الطريقة، وبها وَحْدَها، تنمو وتكتمل كلُّ الوسائل المساعدة (من خَزْن ورَصْفٍ ونَشْرٍ ... ) ، وسيسعى طلابُ العلم ورُوَّاد المعرفة حثيثًا تُجاه إنماء كلِّ ذلك بدافعٍ ذاتي واقتناع شخصي، لأنهم أصبحوا ساعتئذٍ في أمسِّ الحاجة إليها، ومن أعرف الناس بقيمتها. فيوم كان العلماء يتنافسون في اقْتِناء الكتب، ويتبارون في تحصيلها واستنساخها، ويعكُفون على قراءتها وإقرائها (مما ستراه في هذه الرسالة) يوم كانوا كذلك، نشِطَت حركةُ التأليف والنسخ، بل وجميع ضروب خدمة الكتاب (١) .

стр. 10

فإذا أوجدنا القرَّاء وُجِد معهم كلُّ شيءٍ، وإلا فقل لي -بربك-: ما قيمة كل تلك الوسائل ولا مستفيد ولا راغب ولا طالب!!؟. - ٤ - إنَّ ضعفَ الهمم عن القراءة وطلب العلم كان سببًا رئيسًا في ضياع جزءٍ ليس بالقليل من هذه الثروة، كما كان للجهل، وعدم الوعي بقيمتها، وانتشار الحروب والفتن= آثارٌ أخرى لا يُستهان بها. وقد أنحى الإمام ابن الجوزي (١) (٥٩٧) ﵀ باللائمة على ضعف الهِمَّة في اندثار كثير من كتب العلم: قال: ((كانت همم القدماء من العلماء عَلِيَّة، تدلُّ عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارِهم، إلا أن أكثر تصانيفهم دَثَرت، لأن هِمم الطلاب ضعُفت، فصاروا يطلبون المختصرات ولا ينشطون للمطوَّلات، ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فدَثَرت الكتب ولم تُنسخ)) (٢) اهـ. فإن كان هذا هو تعليلُ ابنِ الجوزيِّ في تلك الفترة، وهو يرى أبا الوفاء ابنَ عقيل الحنبلي (٥١٣) صاحب كتاب ((الفنون)) في (٨٠٠ مجلد) ، ويرى ابنَ الخشَّاب النحوي (٥٦٧) صاحب التصانيف العديدة

стр. 11

والمكتبة الضخمة، وأبا العلاء الهَمَذَاني (٥٦٩) العلامة المتفنن، عاشق الكتب، والوزير الصالح العالم ابن هُبَيرة (١) (٥٦٠) صاحب الأيادي البيضاء على العلم والعلماء، وغيرهم، فماذا نقول إذًا في عصرٍ قد اجتمع فيه إلى ضعفِ الهِمَم، وخَوَر العزائم، سَيْلٌ هادر من المُلْهِيات والمشغلات عن القراءة، بل عن العلم جملةً!!. وسنفقد المزيدَ من هذا التراث إذا نحن انسقنا أمام تلك المُلْهيات، وشغلتنا تلك الصوارف بِبَرِيْقها وبَهْرجها، فيا لها من خسارةٍ فادحة وغَبْن عظيم!! فهل يجوزُ لطالبِ علمٍ أن يكون مُعِينًا -ولو بأقلِّ القليل- على ضياع شيءٍ من هذا التراث؟!. كلاَّ!!. - ٥ - قسَّمت هذه الرِّسالة إلى فصول: الأول: في الحثِّ على الازدياد من العلم والتبحُّر فيه. الثاني: حرص العلماء وشغفهم بالكتب، قراءةً وتحصيلاً. الثالث: في قراءة المطوَّلات في مجالسَ معدودة. الرابع: في تَكْرار قراءة الكتاب الواحد المرات الكثيرة. الخامس: في تدريس الكتاب الواحد المرات الكثيرة. السَّادس: في نَسْخ الكُتُب وما تحمَّلوه في ذلك.

стр. 12

السابع: إيقاظاتٌ وتنبهات. ونصوص هذه الرسالة لا أعلمها مجموعةً في كتاب، ولا مدوَّنة في مكانٍ واحدٍ، جمعتُها من بطون كتب السِّيَر والتراجم، والتاريخ والطبقات، فضممتُ النظيرَ إلى نظيره، والقصةَ إلى أُختها، بعد طول نظرٍ وفحص، لا أقول هذا تكثُّرًا ولا تزيُّدًا، لكن أقوله تحدُّثًا بالنعمة ودفعًا للظِّنَّة، وليس قصدي استيعاب كل ما يمكن أن تنطوي عليه هذه الفصول، إذ محاولة ذلك غير مُجْدٍ ولا مطلوب (١) . وأنا غير مُسْتكنفٍ ولا مُسْتكبر عن قبول استدراك أو ملاحظة (٢) ، بل صَدْري أرحب لتقبُّل ذلك من ثناء مثنٍ أو مدح مادح!!. أسأل اللهَ -تعالى- أن يُحقِّق ما أَمَّلْته من هذا الكتاب، وأن يتقبل ذلك عنده بقبولٍ حسن، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما عَلَّمتنا، وزِدنا عِلمًا، إنك على كل شيءٍ قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه. وكتب علي بن محمد العِمْران تحريرًا في ٢٠/٤/١٤٢٠هـ مكة المكرمة، ص. ب (٢٩٢٨)

стр. 13

الفصل الأول: في الحثِّ على الازدياد من العلم والتبحُّر فيه في نزول أوَّل آيةٍ في القرآن، وهي قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق/ ١] من الدَّلالات والمعاني ما لا يمكن حصرُه، ويُفهم من قوله: (اقْرَأْ) وهو فعل أمر من (قَرَأ) الأمر الجازم الحازم بالقراءة، والحث على تعلمها وتعليمها (١) ، وفي هذه اللفتة غَناء عن كلام كثير في هذا الموضوع. أمر النبي ﷺ بالزيادة من العلم ثم جاءَ الأمرُ القرآني الآخر، لتأكيد القضيّة وانلحث على طلب المزيد من العلم، فقال الله -تعالى-: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه/ ١١٤] . قال ابن القيم ﵀: ((وكفى بهذا شرفًا للعلم.، أن أمرَ نبيَّه أن يسأله المزيدَ منه)) (٢) اهـ. وقال ابن كثير في ((تفسيره)) (٣) : ((أي: زدني منك علمًا، قال ابنُ عُيينة

стр. 14

-﵀: ولم يزل ﷺ في زيادة حتَّى توفَّاه الله )) اهـ. وقد قيل: ما أمرَ اللهُ رسولَه بطلبِ الزيادة في شيءٍ إلا في العلم (١) . خبر نبيِّ الله موسى ﷺ في طلب الزيادة منه والعالم كلما ازداد علمًا. ازداد معرفة بفضل العلم ومنزلته ومكانته، وبمقدار ما فاته منه ويفوت= فتاقَت نفسُه -حينئذٍ- إلى المزيد منه، ولو لقي في ذلك الألاقي. ففي خبر كليم الله موسى ﷺ الذي قصَّه القرآن الكريم في سورة الكهف الآيات (٦٠-٨٢) ، وذكره النبيُّ ﷺ لأصحابه كما في ((الصحيحين)) (٢) وفيه أن النبي ﷺ قال: ((بينما موسى في ملأٍ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلمَ منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عَبْدنا خَضِر (٣) ، فسألَ موسى السَّبيلَ إليه ... )) الحديث. قال أبو العبَّاس القرطبي (٤) : ((وفيه من الفقه: رِحْلة العالِمِ في طلب

стр. 15

الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحِب، واغتنام لقاء الفُضَلاء والعلماء، وإن بَعُدت أقطارُهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصلَ المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السَّعي الناحج، فَرَسخت في العلوم لهم أقدامٌ، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر أفضلُ الأقسام)) اهـ. قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١) : ((وموسى ﵊ لم يمنعه بلوغه من السِّيادة المحلّ الأعلى من طلب العلم وركوب البحر لأجله ... و [فيه -أي الحديث-] : ركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه)) اهـ. وذكر الماوردي (٢) عن ابن عباسٍ ﵄ قال: لو كان أحدٌ يكتفي من العلم لاكتفى منه موسى -على نبينا وعليه السلام- لمَّا قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف/ ٦٦] . أقول: فهذه حال الأنبياء، والعلماءُ ورثتهم، ولم يَرِثوا منهم إلا العلم، فطلبوه وحصَّلوه وتعبوا في سبيله، فأخذوا بحظ وافرٍ. شيءٌ من حال الصحابة في الازدياد منه لقد لحظَ الصحابةُ ﵃ ماكان عليه قدوتهم ﷺ من

стр. 16

حِرْصٍ على العلم، فاقتفوا أثره، وضربوا أمثلة نادرة في الحرص عليه والتفاني من أجله. فهذا عبد الله بن مسعود ﵁ كان إذا تلى قولَه تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) قال: ((اللهم زِدْني عِلْمًا وإيمانًا ويقينًا)) (١) . وقد بلغ ﵁ من شِدَّة اجتهاده وطلبه أن قال: ((والله الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أُنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله تبلُغُه الإبل لركبتُ إليه)) (٢) . وهذا أبو هريرة ﵁ حافظ الصحابة يصفه ﷺ بالحرص على العلم، فقد عَقَد البخاريُّ في ((صحيحه)) (٣) : (بابٌ الحرصُ على الحديث) وذكر فيه حديثَ أبي هريرة ﵁ وسؤاله النبي ﷺ عن أسْعد الناس بشفاعته؟ وقوله له: ((لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسألني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منكَ، لِمَا رأيتُ من حِرْصِكَ على الحديثِ ... )) . قال البدر العيني في ((عمدة القاري)) (٤) : ((فيه الحرص على العلموالخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني، لأن الظواهر يستوي الناسُ في السؤال عنها، لاعتراضها

стр. 17

أفكارهم، وما لَطُفَ من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) اهـ. وهذا جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ يرحل من المدينة النبوية إلى مصر -مَسِيرة شهر على البعير- من أجل سماع حديثٍ واحد، خاف أن يموتَ ولم يَسْمَعْه (١) . وأخرج الدارمي (٢) بسندٍ صحيح عن عبد الله بن بريدة: ((أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحلَ إلى فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر، فقدمَ عليه، فقال: أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكن سمعتُ أنا وأنتَ حديثًا من رسول الله ﷺ رجوتُ أن يكون عندك منه علم ... وعدَّد الحافظ في ((الفتح)) : (١/ ٢١٠) أمثلة ثم قال: ((وتتبُّع ذلك يكثُر)) .

стр. 18

وقد ألَّف الخطيبُ كتابه ((الرحلة في طلب الحديث)) فيمن رحل في طلب حديث واحد. شيء مما جاء عن السَّلف وهكذا كان ذلك الجيل الفريد قدوة لمن بعدهم، في عكوفهم على العلم، وطلبهم للاستزادة منه، فاحتذوا حذوهم، واقتفوا أثرهم، وشواهد ذلك ماثلة: فهؤلاء تلاميذ ابن مسعود ﵁ في الكوفة -علقمة والأسود وغيرهم- كانوا إذا سمعوا الحديث والعلم من شيخهم، لم يشف ذلك مافي صدورهم من النهمة، فيرحلون إلى المدينة طَلبًا للعلوِّ وزيادة في التثبت، وإمعانًا في الطلب والتلقي من أفواه العلماء (١) . قال يحيى بن سعيد القطان (٢) : ما رأيتُ أحفظَ منه (أي: سفيان الثوري ١٦١) كنتُ إلا سألته عن مسألةٍ أو عن حديثٍ ليس عنده، اشتدَّ عليه. فلم يقف العلماء في طلبهم عند حدٍّ محدود، بل استوعبوا قدر الاستطاعة والطاقة، فضربوا بذلك أعجبَ الأمثلة، وأغربَ السِّيَر. قال الأعمش (٣) : كان مجاهد (١٠٤) لا يسمع بأُعجوبة إلا ذهب لينظر إليها! ذهب إلى حَضْرَمَوْت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل

стр. 19

وعليه والٍ، فقال له مجاهد: تعرض عَلَيَّ هاروت وماروت ... ؟. وذكر ابن حَزم (١) عن يحيى بن مجاهد الزاهد قال: كنتُ آخذ من كلِّ علم طَرفًا، فإن سماع الإنسان قومًا يتحدثون وهو لا يدري ما يقول غُمَّة عظيمة، أو كلامًا هذا معناه. قال أبو محمد (أي ابن حزم) : ((ولقد صدق ﵀)) . وهذا الإمام الدارقطني (٣٨٥) ﵀ وهو من هو تضلُّعًا في علوم الحديث والفقه والقراءات، إلا أنه كان حُفَظَةً للأخبار والنوادر والحكايات. قال الأزهري (٢) : كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذكر شيئًا من العلم (أيّ نوع كان) وجد عنده منه نصيب وافِر، لقد حدّثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوةً، فجرى ذِكْر الأَكَلَة، فاندفعَ الدارقطني يورد نوادر الأَكَلَة حتى قطع أكثر ليلته بذلك. وقال الإمام محمد بن عبد الباقي الأنصاري (٥٣٥) عن نفسه (٣) : ((حفظتُ القرآن ولي سبع سنين، وما من علمٍ في عالم الله إلا وقد نظرتُ فيه، وحصَّلتُ منه بعضه أو كله)) . ولما أُسِر في أيدي الروم قيَّدوه، وجعلوا الغل في عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلَّم منها الخطَّ الرومي.

стр. 20

أقول: وما سيرة ابن حزمٍ (٤٥٦) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨) ، وابن الوزير (٨٤٠) عنَّا ببعيد، وما خلفوه من تراثٍ خَيْر حافظ على ذلك وشهيد. وخذ مثالاً للدلالة على سَعَة اطلاع شيخ الإسلام، قال الصفديُّ (١) -تلميذه-: ((أخبرني المولى علاء الدين عليُّ بن الآمدي -وهو من كبار كُتَّاب الحساب- قال: دخلتُ يومًا إليه أنا والشمس النفيس عامل بيت المال -ولم يكن في وقته أكتبَ منه- فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع وعما بين الفَذْلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفَذْلكة الثانية وخَصْمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الخَتْم والتوالي، وما يُطلب من العامل. وهو يجيبُه عن البعض، ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك؟ إلى أن أوضح له ذلك وعلَّله، قال: فلمَّا خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلَّمت اليومَ منه مالا كنت أتعلمه. انتهى ما ذكره علاءُ الدين)) . واستمع إلى هذا الوصف العجيب، الذي يُوْقِفُك على سَعَة اطلاع شيخ الإسلام، ذكر السخاوي في ((الجواهر والدرر)) (٢) عن القاضي شمس الدين بن الديري يقول: ((سمعتُ الشيخَ علاء الدين البسطامي -ببيت المقدس- يقول وقد سأله: هل رأيت الشيخ تقيَّ الدين ابن تيميَّة، فقال: نعم. قلتُ: كيف كانت صِفَتُه؟ فقال: هل رأيتَ قُبَّةَ الصَّخرة؟ قلت: نعم. قال: كان كقُبَّة الصخرة مُلأ كتبًا لها لسان ينطق!!)) اهـ.

стр. 21

ولا ريبَ أن هذا التنوع المعرفي لم يتَّأتَّ من فراغ وبطاله، ولكنه جُمِع بطول السَّهر، واغتنام العمر، ومنادمة الكتاب والاستِغناء به عن الصّحاب والأحباب. علماء يعرفون علومًا لا يعرفها أهل عصرهم وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ ما وجدته في تراجم بعض العلماء، وما ذُكر من سَعَة اطلاعهم وتنوُّع معارفهم، بل تصريح جماعةٍ منهم بمعرفتهم لعلومٍ لا يعرفها أهلُ عصرهم، بل لا يعرفون أسماءها!! وإليك ما وجدت: ١- كان ابن الخشَّاب النحوي الحنبلي ت (٥٦٧) يقول: إني متقنٌ في ثمانية علوم، ما يسألني أحدٌ عن علم منها، ولا أجد لها أهلاً!! (١) . ٢- وكان أبو البقاء السُّبْكي ت (٧٧٧) يقول: أعرف عشرين علمًا، لم يسألني عنها بالقاهرة أحد (٢) !!. ٣- وقال محمد بن أبي بكر بن جَمَاعة ت (٨١٩) : أعرف خمسة عشر علمًا، لا يعرف علماء عصري أسماءها!! (٣) . ٤- ويُروى أن محمد بن أحمد بن عثمان بن عليم المالكي ت (٨٤٢) قال: أعرف عشرين علمًا ما سُئلْتُ عن مسألةٍ منها!! (٤) . ٥- وكان أحمد بُو نافع الفاسي ت (١٢٦٠) يقول: عندي أربعة

стр. 22

وعشرون علمًا، لم يسألني عنها أحدٌ!! (١) . ٦- وفي ترجمة أبي الطيب عبد المنعم الكندي ت (٤٣٥) ، حكى بعضُهم أَنَّه دخلَ عليه، فوجَدَه ينظر في اثني عشر علمًا، وكان له حظ من الحسابِ والهندسةِ والعلوم القديمةِ (٢) . ٧- وانظر ما ذكره الجبرتي المؤرِّخ (٣) عن والده العلامة حسن الجبرتي الكبير ت (١١٨٨) من تفنُّنه في علوم الشرع، ثم اعتكافه عشر سنوات (١١٤٤- ١١٥٤) لدراسة (العلوم التجريبية) من الهندسة والكيمياء والفلك والصنائع الحضارية كلِّها، حتى النِّجارة والخِراطة والحِدادة والسَّمكرة والتجليد والنقش والموازين، حتى صار بيته زاخِرًا بكلِّ أداةٍ في صناعةٍ وكلِّ آلةٍ ... فتزوَّد من العلم والْحَق بالرَّكب. قال الماوردي في ((أدب الدنيا والدين)) (٤) -وهو يرشد الطالب-: ((ولا يَقْنَع من العلم بما أدرك، لأن القناعة فيه زهدٌ، والزُّهد فيه تركٌ،

стр. 23

والتركُ له جهلٌ!. وقد قال بعض الحكماء: عليكَ بالعلمٍ والإكثار منه، فإن قليلَه أشبه شيءٍ بقليل الخير، وكثيره أشبه شيءٍ بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القِلَّة، فأمّا كثرتُه فإنها أُمنِية)) اهـ. ومن فوائد الاستمرار في طلبه ودوام التزيد منه ما ذكره ابن الجوزي في ((صيد الخاطر)) (١) قال: ((أفضل الأشياء التزيّد من العلم، فإنه من اقتصرَ على ما يعلمه فظنَّه كافيًا اسْتَبَدَّ بِرأْيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا من الاستفادة. والمذاكرة تبيِّن له خطأه ... )) .

стр. 24

الاستزادة من العلم ... حتى في ساعة الاحتضار ساعة الاحتضار لا يمكن لأحدٍ أن يصفَ حقيقتها أو يصلَ إلى كُنْهها، لكن الكلُّ يعلم أنها ساعة رهيبة ولحظةً مُذهِلة، إنها ساعة الانتقال والتحول من الدنيا إلى الآخرة، من الحياة إلى الموت، هل هناك ساعة في الدنيا أرهب من هذه؟! هل هناك ساعة في الدنيا أشد حرجًا وأكثر شغلاً منها؟! كلا. فما بالك بأناسٍ في هذه (الساعة وفي هذه اللحظة) يتذاكرون العلم، ويقيدون الفوائد، ويحرصون على ذلك كلِّه، كأقوى ما يكونون صِحَّةً، وكأشدِّ ما يكونون نَشَاطًا!! نعم هذا مما حفظه لنا التاريخ وسطرته الكتب، فثبت وصحَّ ليبقى عِبْرة وعِظة لِلخالِفِ، وحاديًا يتعلل به الطالب. وسرُّ قدرتهم على ذلك، شِدَّة النَّهَمة، وسموّ الهمة. قال العلامة ابن الجوزي (١) : لي همةٌ في العِلْم ما إن مثلُها ... وهي التي جَنَتِ النُّحُوْلُ هي التي خُلِقت من العِلْق العظيمِ إلى المُنَى ... دُعِيت إلى نَيْل الكمالِ فَلبَّتِ وهذا مصداق خبر النبيِّ ﷺ : ((مَنْهُومانِ لا يَشْبَعَانِ، طالبُ عِلْمٍ

стр. 25

وطالبُ دُنْيا)) (١) . ولما سُئِل الإمام أحمد: إلى متى تطلب العلم؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة. فإليك ما وجدنا من خبرهم في ذلك:

стр. 26

* خبر أبي يوسف القاضي (١٨٢) ذكر القرشي في ((الجواهر المُضِيَّة)) (١) ، والمولى تقي الدين التميمي في ((الطبقات السنية)) (٢) في ترجمة إبراهيم بن الجراح التميمي مولاهم -تلميذ أبي يوسف وآخر من روى عنه- قال: ((أتيته أعوده، فوجدته مغمًى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم! أيُّهما أفضل في رمي الجمار، أن يَرْميَها الرجلُ راجلاً أو راكبًا؟ فقلت: راكبًا. فقال: أخطأتَ!. قلتُ: ماشيًا. قال: أخطأتَ!. قلت: قل فيها -يرضى الله عنك-. قال: أما ما يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه راجلاً، وأما ما كان لا يوقف عنده، فالأفضل أن يرميه راكبًا (٣) . ثم قمت من عنده، فما بلغتُ بابَ داره حتى سمعتُ الصُّرَاخَ عليه، وإذا هو قد مات -رحمه الله تعالى-)) . * خبر أبي زُرْعة الرازي (٢٦٦) قال ابنُ أبي حاتم في ((تقدمة الجرح والتعديل)) (٤) : سمعتُ أبي

стр. 27

يقول: مات أبو زُرعة مطعونًا مبطونًا يعرق جبينُه في النزع، فقلت لمحمد بن مسلم (ابن وَارَة) : ما تحفظ في تلقين الموتى: لا إله إلا الله؟ فقال محمد بن مسلم: يروى عن معاذ بن جبل. فمن قبلِ أن يَسْتتم رفع أبو زرعة رأسه وهو في النزع، فقال: روى عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرَّة، عن معاذ عن النبي ﷺ : ((من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخلَ الجنة)) . فصار البيت ضجَّة ببكاءِ من حضرَ. * خبر أبي حاتم الرازي (٢٧٧) قال ابنه عبد الرحمن في ((تقدمة الجرح والتعديل)) (١) : حضرتُ أبي ﵀ وكان في النزع وأنا لا أعلم، فسألته عن عُقبة بن عبد الغافر، يروي عن النبي ﷺ ، له صحبة؟ فقال برأسه: لا، فلم أقنع منه، فقلتُ: فهمتَ عني؟ له صحبة؟ قال: هو تابعي. قلت (ابن أبي حاتم) : فكان سيد عمله معرفة الحديث، وناقِلَة الأخبار، فكان في عمره يُقتَبَس منه ذلك، فأراد الله أن يُظهر عند وفاته ما كان عليه في حياته)) اهـ. * خبر ابن جرير الطبري (٣١٠) قال المعافى النَّهْرَواني في ((الجليس الصالح)) (٢) : ((وحكى لي بعض بني الفرات، عن رجلٍ منهم أو من غيرهم: أنه كان بحضرة أبي جعفر

стр. 28

الطبري ﵀ قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذُكِرَ له هذا الدعاء (١) ، عن جعفر بن محمد ﵉ فاستدعى محبرة وصحيفةً فكتبها، فقيل له: أفي هذه الحال؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلمِ حتى يموت)) اهـ. * خبر ابن سعدون (٣٥٢) ذكر القاضي عِياض في ((ترتيب المدارك)) (٢) في ترجمة أبي بكر محمد بن وسيم بن سعدون الطُّليطلي أنه كان رأسًا في كلِّ فن، مُتقدِّمًا فيه ... قال: ((ودَخَل عليه -وهو في النزع- بعضُ أصحابه، فناداه، فلم يُجِبْه، فقال الآخر: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ/ ٥٤] . فقال له أبو بكر حين ذلك: نزلت في الكفار، وفيها: (إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) (٣) . * خبر مسرَّة الحضرمي (٣٧٣) وذكر عياضٌ في ((المدارك)) (٤) -أيضًا- في ترجمة مسرَّة بن مسلم الحَضْرمي ت (٣٧٣) -وكان من أهل العلم والزهد التام- أنه لما احْتُضِرَ ابتدأ القرآن، فانتهى في (سورة طه) إلى قوله تعالى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه/ ٨٤] ، ففاضت نفسه.

стр. 29

* خبر البَيْرُوني (١) الفَلَكِي (٤٤٠) ذكر ياقوت في ((إرشاد الأريب)) (٢) في ترجمة أبي الريحان محمد ابن أحمد الخُوَارَزْمي ما كان عليه من حرصٍ في تحصيل العلوم، وتصنيف الكتب، ثم ذلك له الفقيه الوَلْوَالجيّ قال: دخلتُ على أبي الرّيحان وهنو يجود بنفسه، وقد حَشْرج نفسُه، وضاقَ به صدرُه، فقال لي في تلك الحالة: كيف قلت لي يومًا حساب الجدَّات الفاسِدَة (٣) ؟ فقلت له -إشفاقًا عليه-: أفي هذه الحالةِ؟! قال لي: يا هذا! أُوَدِّعُ الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ألا يكون خيرًا من أن أُخلِّيها وأنا جاهلٌ بها. فأعدتُ ذلك عليه وحَفِظَ ... وخرجتُ من عِنْده، وأنا في الطريق، فسمعتُ الصُّرَاخ)) اهـ. * خبر ابن روزْبَه (٦٣٣) وفي ترجمة المُسْنِد أحمد بن عبد الله بن معطي الجزائري ت (٦٦٦) في ((ذيل التقييد)) (٣) للفاسي أنه سَمعَ ((صحيح البخاري)) عَلَى علِيِّ بن أبي بكر بن رُوْزبة في أربعة عشر مجلسًا، وأنه قال لهم يوم الخَتْم: اجتهدوا في إكمال هذا الكتاب، فإنه -والله- ما بقي غيركم يسمعه عليَّ، وتوفي في الليلة المتصلةِ بذلك اليوم.

стр. 30

* خبر ابن مالك صاحب الألفية (٦٧٢) وفي كتاب ((الفَلاَكة والمفلوكون)) (١) للدَّلَجي في ترجمة الإمام أبي عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك النحوي العلامة، قال: ((كان كثير الإشْغَال (٢) والاشتغال، حتى أنه حفظ في اليوم الذي مات فيه خمسة شواهد!!)) . * خبر الصفي الهندي (٧١٥) ذكر الذهبي في ((معجم شيوخه)) (٣) في ترجمته أنه روى له حديثين قال: ((ليسا هما عندي، قرأتهما عليه ونَفَسُه يُحشرج في الصدر، فتوفي يومئذٍ عفا الله عنا وعنه آمين)) اهـ. * خبر الحجَّار (٧٣٠) وهذا المعمّر الأعجوبة، شهاب الدين أبو العبَّاس أحمد بن أبي طالب الحجَّار، مُسْند الدنيا (٤) ت (٧٣٠) ، فقد ذكر الفاسيُّ أن الطلاب قد قرءوا عليه في يومِ موته، وله مئة سنة وعشر سنين تقريبًا!! أقول: فاتعظ بهذه الهِمم العَلِيَّة، وابْكِ على تقصيرك ودُنُوِّ هِمَّتك، واستدرك ما فرط من أمرك بالجدِّ والعمل، ومداومة الدرس والنظر، فمن سار على الدرب وصل، وعند الصباح يَحْمَد القوم السُرَى.

стр. 31

وقريب من هذا ما جاء في سِيَر بعض العلماء، فهم مع شدة تطلُّبهم للعلم من بادِىء أمرهم حتى أوفوا فيه إلى الغاية، فاستكثروا ما شاءوا، ومع تقدُّم أعمارِهم ودنوِّ آجالهم هم مع ذلك= يَجِدون من الرغبة في العلم، والشغف به، أكثر مما يجده الشَّاب اليافِع المُمْتلىء قُوَّةً ونشاطًا!!. * خبر ابن عقيل الحنبلي (٥١٣) ففي ترجمة (١) أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي ت (٥١٣) ﵀ أنه قال: ((إني لأجد من حِرْصي على العلم، وأنا في عَشْرِ الثمانين أشدّ مما كنت أجده وأنا ابنُ عشرين سنة)) . * خبر ابن الجوزي (٥٩٧) وهذا العلامة المتفنِّن، صاحب التصانيف، أبو الفرج ابن الجوزي (٥٦٧) يقرأ في آخر عمره وهو في (الثمانين) القراءات العشر على ابن الباقلاني، مع ابنه يوسف (٢) . قال الذهبي -معلِّقًا-: ((فانظر إلى هذه الهمة العالية!)) اهـ. * خبر مرتضى الزبيدي (١٢٠٥) قال العلامة عبد الحي الكَتَّاني في ((فهرس الفهارس والأثبات)) (٣) في

стр. 32

ترجمة العلامة اللغوي المحدِّث محمد مرتضَى الزَّبيدي: ((ومع كثرة شيوخ المترجَم كثرةً مَهُوْلَةً بالنسبة إلى مشايخه ومُعاصِريه= كان غير مُكْتَفٍ بما عنده، بل دائم التطلّب والأخذ، ومكاتبة من بالآفاق، حتى أني رأيتُ بخطِّه في كناشة ابن عبد السلام الناصري استدعاءً كتبَه لمن يلقاه ابنُ عبد السلام المذكور (وذكر نصَّه، وفيه: استجازة كل من يلقاه من الشيوخ والعلماء بتاريخ ١١٩٧) . قال (الكتاني) : وإن تعجب فاعجب لهذه الهمة، والحِرص من هذا الحافظ العظيم الشأن، وعدم شَبَعه، وكثرة نَهَمِه، فإنه عاش بعدما كتب هذا الاستدعاء نحو الثمان سنوات. وهذا نظيرُ ما وجدته من كَتْب اسم الحافظ ابن الأبّار (٦٥٨) في استدعاءٍ مؤرَّخ بقريب من سنةِ وفاته! ومنهومان لا يشبعان: طالب علمٍ وطالب دنيا)) . انتهى كلام الكتاني. أقول: ولئن عدَّ الذهبيُّ والكتانيُّ ما وقع لهؤلاء العلماء من النهمة الشديدة، والحرص العظيم، والهِمَّة العالية= فَلَعَمْري إن طلبه، والحرص عليه، والمذاكرة به في ساعة الاحتضار، ووقتِ النزْعِ لأعظم دلالة من ذلك وأوضح. فلله تلك الهمم والعزائم!!

стр. 33

الفصل الثاني: حِرْص العلماء وشغفهم بالكتب، قراءةً وتحصيلاً لقد أبدأ العلماء وأعادوا في بيان قيمة كتب العلم، وعظيم أثرها، وجلالة موقعها، ولهم في ذلك عبارات مشهورة نثرًا وشعرًا، نجد كثيرًا منها في مقدمة كتاب ((الحيوان)) (١) للجاحظ، وفي ثنايا كتبه، وفي ((تقييد العلم)) ، و ((الجامع ... )) للخطيب، و ((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر، وفي مطاوي كتب ((أدب الطلب)) وكتب ((التراجم والسير)) ومقدِّمات المصنفات التي تتحدث عن (خزائن الكتب) (٢) فلا نُعيد ما قالوه، فهو مبتذلٌ في مظانِّه، إلا أني لم أشأْ إخلاء هذا الكتاب من لُمَعٍ منه (وهو مَظِنَّة ذلك) ، فاخترتُ بضع كلماتٍ أُراهِا من أحسنِ ما قيل: قال الجاحظ (٢٥٥) في ((الحيوان)) (٣) : ((من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق عُشَّاق القِيان، والمُسْتهترين (٤) بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًّا، وليس ينتفع بانفاقه حتى يُؤْثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابيِّ فرسَه باللبن على عِياله، وحتى يُؤمِّل في

стр. 34

العلم ما يؤمِّل الأعرابيُّ في فرسِه)) . وذكر الإمام أبو محمد بن حزم (٤٥٦) في ((رسالة مراتب العلوم)) (١) دَعَائِمَ العلم، فعدَّ منها ((الاستكثارُ من الكتب، فلن يخلوَ كتابٌ من فائدة (٢) وزيادة علمٍ يجدَها فيه إذا احتاجَ إليه، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمِه الذي يختصّ به، فإذ لا سبيل إلى ذلك، فالكتب نِعْم الخِزانة له إذا طُلِب. ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجَد، وهذا خطأٌ ممن ذمَّ الاكثار منها، ولو أُخِذَ برأيه، لتَلِفَت العلوم، ولجاذبهم الجهَّال فيها، وادَّعوا ما شاءوا!! فلولا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل)) اهـ. وعُذِلَ بعضُ العلماء في كثرة شراء الكتب، فقال (٣) : وقائلةٍ أنفقتَ في الكُتْبِ ما حَوَت ... يمينُك من مالٍ فقلتُ: دعيني (٤) لعلِّي أرى فيها كتابًا يَدُلُّني ... لأخْذِ كتابي آمِنًا بيميني وفي كلِّ ما سيأتي من الأخبار والقصص لسانٌ ناطق، وبيانٌ مُشرق،

стр. 35

لقيمة الكتب ومكانتها في نفوس هؤلاءِ العلماء، وهي بذلك غنيَّة عن أيِّ تعليق. * ولع ابن دُرَيْد (٣٢١) بالعلم والكتب قال أبو نصر الميكالي (١) : تذاكرنا المنتزهات يومًا وابن دُرَيْد حاضر، فقال بعضُهم: أنزه الأماكن غُوطة دمشق. وقال آخرون: بل نهر الأُبلَّة. وقال آخرون: بل سُغْد سمرقند. وقال بعضُهم: نهروان بغداد. وقال بعضُهم: شِعب بوَّان. وقال بعضُهم: نوبهار بلخ. فقال (أي ابن دريد) : هذه منتزهات العيون فأين أنتم عن متنزهات القلوب؟ قلنا: وما هي يا أبا بكر؟ قال: ((عيون الأخبار)) للقتبي، و ((الزهرة)) لابن داود، و ((قلق المشتاق)) لابن أبي طاهر. ثم أنشأ يقول: ومَن تكُ نزهتَهُ قينةٌ ... وكأسٌ تحثُّ وكأس تُصَبْ فنزهتُنا واستراحَتُنا ... تلاقي العيون ودَرْس الكتبْ * ولع شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨) بالمطالعة، وشغفه بالبحث قال الحافظ ابن عبد الهادي (٧٤٤) -تلميذه- في ((مختصر طبقات علماء الحديث)) (٢) -وذكر طرفًا من صفاته-: ((لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تملُّ من الاشتغال، ولا تكلُّ من البحث، وقَلَّ أن يدخل في علمٍ من العلوم في بابٍ من أبوابه إلا ويُفتح له

стр. 36

من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله)) . وقال الشيخ محمد خليل الهراس (١) : ((كان لابن تيمية بصر نافذ ونفس طُلَعَة لا تكاد تشبع من العلم، ولا تكل من البحث، ولا تروى من المطالعة، مع التوفر على ذلك وقطع النفس له وصرف الهمة نحوه، حتى إنه لم ينقطع عن البحث والتأليف طيلة حياته في الشام أو في مصر، في السجن أو في البيت، بل إنه كان يتوجَّع ألمًا وحسرة حينما أخرجوا الكتب والأوراق من عنده في أُخْرَيات أيامه ... )) اهـ. * قراءة شيخ الإسلام وهو مريض قال الإمام ابن القيم في ((روضة المحبِّين)) (٢) : وحدَّثني شيخنا -يعني ابنَ تيمية- قال: ابتدأني مرضٌ، فقال لي الطبيب: إن مُطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت وقَوِيت الطبيعةُ فدفعت المرضَ؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعةُ فأجدُ راحةً، فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا ... )) اهـ. وقال ابنُ القيم أيضًا: ((وأعرف من أصابه مرض من صداعٍ وحُمَّى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقةً قرأ فيه، فإذا غُلِبَ وضعَه، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحلُّ لك فإنك تُعين على نفسك وتكون سببًا لِفَوْت مطلوبك)) اهـ.

стр. 37

* قراءة ابن الجوزي (٥٩٧) (٢٠ ألف) مجلدًا وهو بَعْدُ في الطلب قال ابن الجوزي عن نفسِه في ((صيد الخاطر)) (١) :-أثناء حديثه عن المطالعة والاكثار منها-: ((وإني أُخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعتُ على كنز. ولقد نظرتُ في ثَبَتِ الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلَّد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحُمَيدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشَّاب -وكانت أحمالاً- وغير ذلك من كلِّ كتاب أقدر عليه. ولو قلت: إني طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطَّلب)) اهـ. ثمَّ ذَكَر ما استفاده من المطالعة. وهذا ابنُ الجوزي -أيضًا- يوصي العالمَ وطالبَ العلم بقوله (٢) : ((ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك)) اهـ. * حرص ابن عقيل (٥١٣) على الوقت وشغله بالمطالعة والعلم ذكر ابن رجب الحنبلي في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٣) في ترجمة ابنِ عقيل الحنبلي، عن ابنِ الجوزي أنه قال عنه: ((كان دائم

стр. 38

التشاغُل بالعلم، حتى إني رأيتُ بخَطِّه: إني لا يحلّ لي أن أُضيع ساعةً من عمري، حتى إذا تعطَّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مُطالعة، أعملتُ فِكري في حالة راحتى وأنا مُسْتَطرِحٌ، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حِرصي على العلم وأنا في عَشْر الثمانين (١) أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة)) اهـ. ونقلَ ابنُ رجب من ((الفنون)) لابن عقيل أنه قال عن نفسِه: ((أنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سفَّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفّرًا على مطالعةٍ، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه)) اهـ. * إذا لم اشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟ !. ذكر الإمام المقريزيّ في ((المقفَّى الكبير)) (٢) العلامةَ ابنَ صدقة الحموي (٥٩٩) أنه كان كثيرَ الاشتغال بالعلم دائم التحصيل له. وذكر عن الحافظ المنذري أنه قال: ((دخلتُ عليه يومًا وهو في سَرَبٍ تحت الأرض، لأجل شدَّة الحر، وهو شتغل. فقلتُ له: في هذا المكان؟ وعلى هذه الحال؟!.

стр. 39

فقال: إذا لم أشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟ قال المنذري: إنه وُجِدَ في تَرِكَته محابر ثلاث، أحدها تَسَعُ عَشَرة أرطال، والأخرى تسعة، والثالثة ثمانية)) . * كتبه أحب إليه من وزنها ذهبًا وفي ترجمة الحافظ أبي طاهر بن أبي الصَّقر (٤٧٦) في ((المنتظم)) (١) لابن الجوزي أنه قال عنه: ((كان من الجوَّالين في الآفاق، والمكثرين من شيوخ الأمصار، وكان يقول: هذه كتبي أحب إليّ من وزنها ذهبًا)) اهـ. وقد أُصِيْبَ ببعضها كما ذكر الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (٢) ، أعظمَ اللهُ أجرَه في مصيبته بها. * أُعجوبة في حفظ الوقت والتوفُّر على المطالعة قال الحافظ السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٣) في ترجمة أحمد بن سليمان بن نَصْر الله البُلْقاسي ثم القاهري الشافعي المتوفى سنة (٨٥٢) في ريعان شبابه (٤) : ((وكان إمامًا علاَّمة قوي الحافظةِ حسنَ الفاهمة، مُشاركًا في فنونٍ، طلْقَ اللسان، محبًّا في العلم والمذاكرة والمباحثة،

стр. 40

غير مُنفك عن التحصيل، بحيث إنه كان يُطالع في مشيه، ويُقرىء القراءات في حال أكله خوفًا من ضياع وقته في غيره، أُعجوبة في هذا المعنى، لا أعلمُ في وقته من يُوازيه فيه، طارحًا للتكلُّف، كثير التواضع مع الفقراء، سهمًا (١) على غيرهم، سريع القراءة جدًّا)) اهـ. * أعرفه أكثر من (٥٠) سنة إمَّا يُطالع أو يكتب قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمة محمد بن أحمد ابن محمد العُمَري الصَّغَاني ت (٨٥٤) : ((كان إمامًا علاَّمةً متقدمًا في الفقه والأصْلَين والعربية مشاركًا في فنونٍ، حسن التقييد، عظيم الرغبة في المطالعة والانتقاء، بحيث بلغني عن أبي الخير بن عبد القوي أنه قال: أعرفه أزْيَد من خمسين سنة، وما دخلتُ إليه قطُّ إلا ووجدته يُطالع أو يكتب)) اهـ. * كان لا ينفكُ من القراءة حتى وهو في الحمام قال ابن القيم ﵀ في ((روضة المحبين)) (٣) -وهو يتكلم عن عِشْق العلم-: ((وحدثني أخو شيخنا (يعني أحمد ابن تيمية) عبدُالرحمن ابن تيمية، عن أبيه (عبد الحليم) قال: كان الجَدُّ (أبو البركات) إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأْ في هذا الكتاب وارْفَعْ صوتكم حتى اسمعُ)) اهـ. أقول: وهذا سندٌ كالشمس، رحم الله الجميع.
следующие страницы →