← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12300

المشوق إلى القراءة وطلب العلم

علي العمران

Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله)) . وقال الشيخ محمد خليل الهراس (١) : ((كان لابن تيمية بصر نافذ ونفس طُلَعَة لا تكاد تشبع من العلم، ولا تكل من البحث، ولا تروى من المطالعة، مع التوفر على ذلك وقطع النفس له وصرف الهمة نحوه، حتى إنه لم ينقطع عن البحث والتأليف طيلة حياته في الشام أو في مصر، في السجن أو في البيت، بل إنه كان يتوجَّع ألمًا وحسرة حينما أخرجوا الكتب والأوراق من عنده في أُخْرَيات أيامه ... )) اهـ. * قراءة شيخ الإسلام وهو مريض قال الإمام ابن القيم في ((روضة المحبِّين)) (٢) : وحدَّثني شيخنا -يعني ابنَ تيمية- قال: ابتدأني مرضٌ، فقال لي الطبيب: إن مُطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت وقَوِيت الطبيعةُ فدفعت المرضَ؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تُسرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعةُ فأجدُ راحةً، فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا ... )) اهـ. وقال ابنُ القيم أيضًا: ((وأعرف من أصابه مرض من صداعٍ وحُمَّى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقةً قرأ فيه، فإذا غُلِبَ وضعَه، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحلُّ لك فإنك تُعين على نفسك وتكون سببًا لِفَوْت مطلوبك)) اهـ.

стр. 37

* قراءة ابن الجوزي (٥٩٧) (٢٠ ألف) مجلدًا وهو بَعْدُ في الطلب قال ابن الجوزي عن نفسِه في ((صيد الخاطر)) (١) :-أثناء حديثه عن المطالعة والاكثار منها-: ((وإني أُخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعتُ على كنز. ولقد نظرتُ في ثَبَتِ الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلَّد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحُمَيدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشَّاب -وكانت أحمالاً- وغير ذلك من كلِّ كتاب أقدر عليه. ولو قلت: إني طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطَّلب)) اهـ. ثمَّ ذَكَر ما استفاده من المطالعة. وهذا ابنُ الجوزي -أيضًا- يوصي العالمَ وطالبَ العلم بقوله (٢) : ((ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك)) اهـ. * حرص ابن عقيل (٥١٣) على الوقت وشغله بالمطالعة والعلم ذكر ابن رجب الحنبلي في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٣) في ترجمة ابنِ عقيل الحنبلي، عن ابنِ الجوزي أنه قال عنه: ((كان دائم

стр. 38

التشاغُل بالعلم، حتى إني رأيتُ بخَطِّه: إني لا يحلّ لي أن أُضيع ساعةً من عمري، حتى إذا تعطَّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مُطالعة، أعملتُ فِكري في حالة راحتى وأنا مُسْتَطرِحٌ، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حِرصي على العلم وأنا في عَشْر الثمانين (١) أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة)) اهـ. ونقلَ ابنُ رجب من ((الفنون)) لابن عقيل أنه قال عن نفسِه: ((أنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سفَّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفّرًا على مطالعةٍ، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه)) اهـ. * إذا لم اشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟ !. ذكر الإمام المقريزيّ في ((المقفَّى الكبير)) (٢) العلامةَ ابنَ صدقة الحموي (٥٩٩) أنه كان كثيرَ الاشتغال بالعلم دائم التحصيل له. وذكر عن الحافظ المنذري أنه قال: ((دخلتُ عليه يومًا وهو في سَرَبٍ تحت الأرض، لأجل شدَّة الحر، وهو شتغل. فقلتُ له: في هذا المكان؟ وعلى هذه الحال؟!.

стр. 39

فقال: إذا لم أشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟ قال المنذري: إنه وُجِدَ في تَرِكَته محابر ثلاث، أحدها تَسَعُ عَشَرة أرطال، والأخرى تسعة، والثالثة ثمانية)) . * كتبه أحب إليه من وزنها ذهبًا وفي ترجمة الحافظ أبي طاهر بن أبي الصَّقر (٤٧٦) في ((المنتظم)) (١) لابن الجوزي أنه قال عنه: ((كان من الجوَّالين في الآفاق، والمكثرين من شيوخ الأمصار، وكان يقول: هذه كتبي أحب إليّ من وزنها ذهبًا)) اهـ. وقد أُصِيْبَ ببعضها كما ذكر الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (٢) ، أعظمَ اللهُ أجرَه في مصيبته بها. * أُعجوبة في حفظ الوقت والتوفُّر على المطالعة قال الحافظ السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٣) في ترجمة أحمد بن سليمان بن نَصْر الله البُلْقاسي ثم القاهري الشافعي المتوفى سنة (٨٥٢) في ريعان شبابه (٤) : ((وكان إمامًا علاَّمة قوي الحافظةِ حسنَ الفاهمة، مُشاركًا في فنونٍ، طلْقَ اللسان، محبًّا في العلم والمذاكرة والمباحثة،

стр. 40

غير مُنفك عن التحصيل، بحيث إنه كان يُطالع في مشيه، ويُقرىء القراءات في حال أكله خوفًا من ضياع وقته في غيره، أُعجوبة في هذا المعنى، لا أعلمُ في وقته من يُوازيه فيه، طارحًا للتكلُّف، كثير التواضع مع الفقراء، سهمًا (١) على غيرهم، سريع القراءة جدًّا)) اهـ. * أعرفه أكثر من (٥٠) سنة إمَّا يُطالع أو يكتب قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمة محمد بن أحمد ابن محمد العُمَري الصَّغَاني ت (٨٥٤) : ((كان إمامًا علاَّمةً متقدمًا في الفقه والأصْلَين والعربية مشاركًا في فنونٍ، حسن التقييد، عظيم الرغبة في المطالعة والانتقاء، بحيث بلغني عن أبي الخير بن عبد القوي أنه قال: أعرفه أزْيَد من خمسين سنة، وما دخلتُ إليه قطُّ إلا ووجدته يُطالع أو يكتب)) اهـ. * كان لا ينفكُ من القراءة حتى وهو في الحمام قال ابن القيم ﵀ في ((روضة المحبين)) (٣) -وهو يتكلم عن عِشْق العلم-: ((وحدثني أخو شيخنا (يعني أحمد ابن تيمية) عبدُالرحمن ابن تيمية، عن أبيه (عبد الحليم) قال: كان الجَدُّ (أبو البركات) إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأْ في هذا الكتاب وارْفَعْ صوتكم حتى اسمعُ)) اهـ. أقول: وهذا سندٌ كالشمس، رحم الله الجميع.

стр. 41

* كان لا يَمَلُّ من المطالعة مع مزيد السَّهَر قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) (١) في ترجمة أحمد بن علي ابن إبراهيم الهيتي الشافعي ت (٨٥٣) : ((برع في الفقه وكثُرَ استحضارُه له، بل وللكثير من ((شرح مسلم)) للنووي، لإدمان نظره فيه ... وكان لا يملّ من المطالعة والاشتغال، مع الخير والدين والتواضع، والجد المَحْض، والتقلُّل الزائد، والاقتدار على مَزِيْد السَّهر)) اهـ. * كان لا يُسافر إلا وأحمال الكتب معه يقرأ وينظر • قال السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٢) في ترجمته الإمام اللغوي محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت (٨١٧) أنه اقتنى كتبًا نفيسَة (حتى سمعَه بعضهم يقول) : ((اشتريتُ بخمسين ألف مثقالٍ ذهبًا كتبًا، وكان لا يُسافر إلا وصحبته منها عدة أحمال، ويُخرج أكثَرَها في كل منزلةٍ فينظر فيها ثم يعيدها إذا ارتحل)) اهـ. • ومثله السيد صلاح بن أحمد المؤيدي اليماني ت (١٠٤٨) ، قال عنه الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٣) : ((كان من عجائب الدهر وغرائبه، فإن مجموع عمره تسع وعشرون سنة، وقد فاز من كل فنٍّ بنصيبٍ وافر ... وصنَّف في هذا العصر القصير التصانيف المفيدة والفوائد الفريدة العديدة -وذكر عددًا منها ثم قال-: وإذا سافر أول ما تُضْرَب

стр. 42

خيمةُ الكتب، وإذا ضُرِبت دخلَ إليها، ونَشَرَ الكتبَ، والخدمُ يصلحون الخِيَم الأُخرى، ولا يزال ليله جميعه ينظر في العلم، ويُحرر ويُقرِّر مع سلامة ذوقه ... )) اهـ. * لا يوجد إلا وعنده كتاب ينظر فيه، وقلم يُصْلح به قال الجَنَدِي السكسكي في ((السلوك في طبقات العلماء والملوك)) (١) في ترجمة أبي الخير بن منصور الشماخي السعدي ت (٦٨٠) -بعد ثنائه عليه: ((ولم يكن له في آخر عمره نظير بجودة العلم، وضبط الكتب، بحيثُ لا يوجد لكتبه نظير في الضبط. أخبرني جماعةٌ ممن أدركه أنه كان لا يوجد إلا وعنده كتابٌ ينظر فيه، ومحبرة وأقلام يصلح بهما ما وجَدَ في الكتاب ... (مات سنة ٦٨٠) ، بعدَ أن جَمَعت خزانتُه من الكتب ما لم تجمعه خزانة غيره ممن هو نظير له ... )) اهـ. * ملازمة الكتب حضرًا وسفرًا، وحملها على ظهورهم في رحلاتهم وفي هذا الباب عجائب وغرائب، فرحم الله تلك الأجساد، وأنزلها منازل الرِّضوان، كِفاء ما عملوا، وجزاء ما صبروا. • ذكر الذهبي في ((تذكرة الحفّاظ)) (٢) عن ابن طاهر المقدسي أنه قال: بُلْتُ الدمَ في طلب الحديث مرتين، مرَّةً ببغداد، ومرة بمكة. كنتُ أمشي حفيًا في الحرِّ فلحقني ذلك، وما ركبتُ دابَّة قط في طلب

стр. 43

الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألتُ في حال الطلبِ أحدًا، كنتُ أعِيشُ على ما يأتي)) اهـ. • وذكر الذهبي -أيضًا- في ((التذكرة)) (١) عن الدغولي أنه قال: ((أربعُ مجلَّداتٍ لا تُفارقني سفرًا وحضرًا، كتاب المُزَني، وكتاب العَيْن، والتاريخ للبخاري، وكليلة ودِمْنة)) (٢) . • وفي ترجمة الإمام الحافظ الحسن بن أحمد الهَمَذاني في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٣) عن تلميذه الحافظ عبد القادر الرُّهاوي أنه قال عنه: ((وكان عفيفًا من حبِّ المال، مهينًا له، باع جميعَ ما ورثه -وكان من أبناء التُّجار- فأنفقَه في طلب العلمِ، حتى سافر إلى بغداد وأصبهان مرَّات ماشيًا يحمل كتبه على ظهره)) اهـ. ولما استقرَّ في بلده -بعد عودته من رحلته- عملَ دارًا للكتب وخزانةً وقفَ جميعَ كتبه فيها، وكان قد حصَّل الأصولَ الكثيرة، والكتبَ الكِبار الحِسَان بالخطوط المعتبرة.

стр. 44

• وفي ((المرقبَة العُلْيا)) (١) لأبي الحسن المالقي في ترجمة القاضي أحمد بن يزيد -الأموي مِن وَلَد بَقِيّ بن مخلد القرطبي ت (٦٢٥) : أنه ألَّف كتابًا في الآيات المتشابهات، قيل: إنه من أحسن شيءٍ في بابه، وكان لا يُفارقه في سَفَر ولا في حَضَر. • وذكر الحافظ الذهبي في ((سِيَر أعلامٍ النُّبلاء)) (٢) في ترجمة القاضي الرَّامَهُرْمُزي لمَّا ذكر كتابه: ((المحدِّث الفاصل)) قال: ((في علوم الحديث، وما أحسنه من كتاب (٣) ! قيل: إنَّ السِّلَفِي كان لا يكادُ يُفارق كُمَّه -يعني في بعضِ عمره-)) اهـ. • وفي ((سِيَر النبلاءِ)) (٤) -أيضًا-: ((قال الحافظ يحيى بن عبد الوهاب (ابن منده) : كنتُ مع عمي عبيد الله في طريق نَيْسابور، فلما بلغنا بِئر مَجَنَّة، قال عمِّي: كنت ها هنا مرَّةً، فعرضَ لي شيخ جمَّال، فقال: كنتُ قافلاً من خراسان مع أبي، فلمَّا وصلنا إلى ها هنا، إذا نحن بأربعين وِقْرًا من الأحمال، فظننا أنها منسوج الثياب، وإذا خيمة صغيرة فيها شيخ، فإذا هو والدك، فسأله بعضُنا عن تلك الأحمال؟ فقال: هذا متاعٌ قلَّ من يرغبُ فيه في هذا الزمان، هذا حديث رسول الله ﷺ )) اهـ. • وفي ((طبقات الحنابلة)) (٥) لابن أبي يَعْلى، و ((تذكرة الحفاظ)) (٦)

стр. 45

للذهبي في ترجمة إسحاق بن منصور الكَوْسَج (٢٥١) : ((عن حسان ابن محمد قال: سمعتُ مشايخَنَا يذكرون: أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن تلك المسائل التي علَّقها عنه. قال: فجمعَ إسحاق بن منصور تلك المسائل في جِرابٍ، وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد وهي على ظهره. وعرض خُطوطَ أحمد عليه في كلِّ مسألةٍ استفتاه فيها، فأقرَّ له بها ثانيًا. وأُعْجِب أحمدُ بذلك من شأنه)) اهـ. • وذكر ياقوت في ((معجم الأدباء)) (١) ، والقِفطي في ((إنباه الرواة)) (٢) وعنه ابن خلكان في ((الوفيات)) (٣) في ترجمة اللغوي ابن الخطيب التِّبْرِيْزي (٥٠٢) أنه حصلت له نسخة لكتاب الأزهري (تهذيب اللغة) في عدة مجلدات لِطَاف، وأراد أخذها عن عالمٍ باللغة، فدُلَّ علي أبي العلاء المعرِّي، فجعلها في مِخْلاةٍ، وحملها على كتفه من تِبْريز إلى المعرَّة -ولم يكن له ما يستأجر به مركوبًا- فنَفَذَ العرقُ من ظهره إليها. وقيل: إنها ببعض الوقوف البغداذية وأن الجاهل بخبرها إذا رآها يظن أنها غريقة، وليس الذي بها إلا عَرَق يحيى بن علي ﵀. * من استغنى بمجالسة كتبه عن مخالطة الناس • بن المبارك ذكر الذهبي في ((السير)) (٤) : ((عن نُعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك

стр. 46

يُكثر الجلوسَ في بيته، فقيل له: ألا تستوحِش؟ فقال: كيف أستوحِشُ وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟ ! ((اهـ. وأسند الخطيب في ((تقييد العلم)) (١) عن ابن المبارك قوله: من أحبَّ أن يستفيد، فلينظر في كتبه. • الذُّهْلي وفي ((تاريخ بغداد)) (٢) : ((أن يحيى بن (محمد بن يحيى) الذُّهْلي قال: دخلتُ على أبي في الصيف الصائف وقتَ القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السِّراج، وهو يُصنِّف، فقلتُ: يا أبةِ! هذا وقتُ الصلاة، ودُخانُ هذا السِّراج بالنهار، فلو نفَّسْت عن نفسك. قال: يا بُنيَّ تقولُ لي هذا وأنا مع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين)) ؟!. • ابن الأعرابي ساق ابن عبد البر بسنده في ((جامع بيان العلم وفضله)) (٣) أن أحمد بن محمد بن شجاع بعثَ غلامًا من غِلْمانه إلى أبي عبد الله بن الأعرابي -صاحب الغريب- يسأله المجيءَ إليه، فعاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك، فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضَيتُ أَرَبي منهم أتيتُ، قال الغلام: وما رأيتُ عنده أحدًا، إلا أن بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرَّة وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له

стр. 47

أبو أيوب: يا أبا عبد الله! سبحان الله العظيم، تخلَّفت عنَّا وحَرَمْتنا الأُنسَ بك، ولقد قال لي الغلامُ: إنه ما رأى عندك أحدًا، وقلتَ: أنا مع قومٍ من الأعراب، فإذا قضيتُ أَرَبي معهم أتيتُ، فقال ابنُ الأعرابي: لنا جُلَساءٌ ما نَمَلُّ حديثَهم ... ألِبَّاءُ مأمونون غَيْبًا ومَشْهدا يُفيدوننا من علمهم علمَ ما مضى ... وعقلاً وتأديبًا ورأيًا مُسَدَّدا بِلا فتنةٍ تُخشى ولا سوء عِشْرةٍ ... ولا يُتَّقَى منهم لسانًا ولا يدا فإن قلتَ: أمواتٌ فلا أنتَ كاذِبٌ ... وإن قلتَ: أحياءٌ فلستَ مُفنَّدا • وقيل لرجلٍ: من يُؤنِسُكَ؟ فضربَ بيده إلى كتبه، وقال: هذه، فقيل: مِن الناسِ؟ فقال: الذين فيها (١) . خليلي كتابي لا يَعاف وصاليا ... وإن قلَّ لي مالٌ وولَّى جماليا كتابي عَشيقي حين لم يبقَ مَعْشَق ... أُغازله لو كان يدري غزاليا كتابي جليسي لا أخاف ملاله ... محدّث صدقٍ لا يخاف ملاليا كتابي بحر لا يغيض عطاؤه ... يُفيض عليَّ المال إن غاض ماليا كتابي دليلٌ لي على خير غايةٍ ... فمن ثَمَّ إدلالي ومنه دلاليا قيل: إن هذه الأبيات -وغيرها- كانت على باب خزانة الإمام أبي بكر القفَّال (٢) .

стр. 48

• المعافى النهرواني وقال الإمام المعافَى بن زكريا النهرواني الجَرِيْري -نِسْبةً إلى مذهب ابن جرير الطبري- ت (٣٩٠) في كتابه: ((الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي)) (١) : ((وقد كان بعض من كان له في الدنيا صِيْتٌ ومكانة عاتبني على ملازمة المنزل، وإغبابي زيارتَه، وإقلالي ما عوَّدته من الإلمام به وغِشيان حضرته، فقال لي: أما تستوحش الوِحْدَة؟ ونحو هذا من المقالة. فقلتُ له: أنا في منزلي إذا خلوتُ من جليسٍ يقصد مجالستي، ويؤثر مساجلتي، في أحسن أُنسٍ وأجملِه، وأعلاه وأنبلِه، لأنني أنظر في آثار الملائكة والأنبياء، والأئمة والعلماء، وخواصّ الأعلام الحكماء، وإلى غيرهم من الخلفاء والوزراء، والملوك والعظماء، والفلاسفة والأدباء، والكُتَّاب والبلغاء، والرُّجَّاز والشعراء، وكأنني مُجَالِسٌ لهم، ومستأنسٌ بهم، وغير ناءٍ عن محاضرتهم، لوقوفي على أنبائهم، ونظري فيما انتهى إليَّ من حِكَمهم وآرائهم)) اهـ. * ما تزوَّج، لم يشتغل إلا بالعبادة والمطالعة قال الذهبي في ((سير النبلاء)) (٢) في ترجمة عيسى بن أحمد اليونيني ت (٦٥٤) : ((لم يشتغل إلا بالعبادة والمطالعة، وما تزوج (٣) ، بل عَقَد على عجوزٍ تخدمه)) اهـ.

стр. 49

* إما أن ينسخ، أو يُدَرِّس، أو يقرأ وفي ((تبيين كذب المفتري)) (١) لابن عساكر أنه قال في ترجمة الفقيه سُلَيْم بن أيوب الرازي: ((حُدِّثتُ عنه أنه كان يحاسِب نفسَه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ أو يُدَرس أو يقرأ ... ولقد حدثني عنه شيخُنا أبو الفراج الإسفراييني أنه نزل يومًا إلى داره ورجع، فقال: قد قرأتُ جزءًا في طريقي)) . وقال: إنه كان يُحرِّك شفتيه إلى أن يَقُطَّ القلم. * لا لذة له في غير جَمْع الكتب وتحصيلها جاء في ((سِيَر النبلاء)) (٢) في ترجمة المستنصر بالله أبي العاص الحكم بن عبد الرحمن الأُموي، صاحب الأندلس أنه ((كان جَيِّد السيرة، وافر الفضيلة ... ذا غرامٍ بالمطالعة وتحصيل الكتب النفيسة الكثيرة

стр. 50

حقّها وباطلها، بحيثُ إنها قاربت نحوًا من مئتي ألفِ سِفر ... وكان باذلاً للذهب في استجلاب الكتب، ويُعطي من يتَّجِرُ فيها ما شاء، حتَّى ضاقت بها خزائِنُه، لا لذَّة له في غير ذلك. وكان الحَكَمُ موثَّقًا في نقلِه، قلَّ أن تجد له كتابًا إلا وله فيه نظرٌ وفائدة، ويكتب اسمَ مؤلفه ونَسبَه ومولِدَه، ويُغرب ويُفيد)) اهـ. * الاشتغال عن النوافل باتمامِ مطالعة كتاب وفي ترجمة الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد ت (٧٠٢) من كتاب ((الطالع السعيد)) (١) للأُدفوي أنه لما وصل إليه كتاب ((الشرح الكبير)) (٢) للإمام الرافعي -وكان اشتراه بألف درهم- اشتغلَ بمطالعته، وصار يقتصر من الصلوات على الفرائض فقط (٣) . * الانكباب على النظر والقراءة حتى في المجالس الخاصَّة قال ابنُ القاضي المِكْناسي في ((دُرَّةِ الحِجال)) (٤) في ترجمة محمد ابن عليِّ بن سليمان السَّطِّي ت (٧٤٩) : ((وكان مُقبلاً على ما يَعْنيه، مُكِبًّا على النظر والقراءةِ والتقييد، لا تراه أبدًا إلا على هذه الأحوال حتى في المجلس السلطاني ... )) اهـ.

стр. 51

ونحوه عن أبي العباس اللغوي المعروف بثَعْلَب ت (٢٩١) ، فقد جاء في كتاب: ((الحث على طلب العلم والاجتهاد في جَمْعه)) (١) لأبي هلالٍ العَسْكري قال: ((وحَكيَ عن ثعلب أنه كان لا يُفارقه كتابٌ يَدْرُسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوةٍ، شَرَطَ عليه أن يوسعَ له مقدارَ مِسْوَرَةٍ يضعُ فيها كتابًا ويقرأ)) . * ثلاثة لا يُعْلم أكثر منهم محبة في القراءة ذكر ياقوت الحموي في ((إرشاد الأريب)) (٢) في ترجمة الجاحظ قال: ((وحدَّث أبو هِفَّان قال: لم أر قط ولا سمعتُ مَنْ أحبَّ الكتبَ والعلومَ أكثر من الجاحظ، فإنهن لم يقع بيده كتابٌ قطُّ إلا استوفى قراءتَه كائنًا ما كان، حتى إنّه كان يكْتري دكاكين الورَّاقين ويبيتُ فيها للنظر. والفتح بن خاقان، فإنه كان يحضر لمجالسة المتوكِّل، فإذا أراد القِيام لحاجةٍ أخرجَ كتابًا من كُمه أو خفِّه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حِين عَوْده إليه حتى في الخلاء. وإسماعيل بن إسحاق القاضي، فإني ما دخلتُ إليه إلا رأيتُه يَنظر في كتابٍ، أو يُقلب كتبًا أو ينقضها)) اهـ. * في المقبرة أو مع الكتاب قال الجاحظ في كتاب ((الحيوان)) (٣) : ((قال ابنُ داحة: كان عبدُالله

стр. 52

ابن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، لا يجالِسُ الناسَ، وينزلُ مقبُرَة من المقابر، وكان لا يكاد يُرى إلا وفي يده كتابٌ يقرؤه، فسُئل عن ذلك، وعن نزوله المقبُرَة؟ فقال: لم أرَ أوْعظ من قَبْر، ولا أمنعَ من كتابٍ، ولا أسلَمَ مِن الوَحْدة. فقيل له: قد جاء في الوَحْدة ما جاء! فقال: ما أفْسَدَها للجاهل وأصلحها للعاقل! (١) * مجلسة بين كتبه أفخم وأنبل من مجلسه بين حاشيته قال الجاحظ في ((الحيوان)) (٢) : ((ولقد دخلتُ على إسحاق بن سليمان في إمْرَته، فرأيتُ السِّماطَين (٣) والرجال مُثُولاً كأنّ على رءوسهم الطير، ورأيتُ فِرشته وبِزَّته، ثم دخلتُ عليه وهو معزول، وإذا هو في بيت كتبِه، وحواليه الأسفاط والرُّقوق، والقماطِر والدفاتر والمساطر والمحابِر، فما رأيته قط أفخمَ ولا أنبلَ، ولا أهيبَ ولا أجزلَ منه في ذلك اليوم، لأنه جمعَ مع المهابَةِ المحبَّةَ، ومع الفخامةِ الحلاوةَ، ومع السُّودَدِ الحِكمةَ)) اهـ. * أربعون عامًا لا ينام إلا والكتاب على صدره قال الجاحظ في ((الحيوان)) (٤) : ((سمعتُ الحسن اللؤلؤي (٥) يقول:

стр. 53

غَبَرَتْ أربعين عامًا ما قِلْتُ ولا بِتُّ ولا اتكأتُ إلا والكتابُ موضوعٌ على صدري)) . * إذا غلبَه النومُ أمسكَ كتابًا ليطرده ((قال ابن الجَهْم (١) : إذا غشيني النُّعاس في غير وقت نومٍ -وبئس الشيءُ النومُ الفاضِلُ عن الحاجة- قال: فإذا اعتراني ذلك تناولتُ كتابًا من كتب الحِكَم، فأجدُ اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني عند الظَّفَر ببعض الحاجة، والذي يَغْشى قلبي من سرور الاستبانة وعزّ التبيين (٢) أشدَّ إيقاظًا من نهيق الحمير وهَدَّة الهَدْمِ)) . أقول: فهذا غايةٌ في الشَّغَفِ والتعلُّقِ بالكتابِ والعلم! فإذا غَلَبه النُّعاس طردَه باستجلاب الكتب والنظر فيها، فيهتزُّ لفوائدها، ويَطْرَبُ لحِكَمها. فأين هذا من (طُلابٍ!) يستجلبون النومَ بالنظر في الكتب؟! فاختلاف الحالين وتبايُن النتيجتين تَبَعٌ لاختلاف مكانة العلم والكتب عند الفريقين (٣) !!. * ضَعُفَ بصرُه من كثرة المطالعة وفي ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب ((الكمال)) (٤)

стр. 54

ت (٦٠٠) من كتاب ((ذيل الروضتين)) (١) لأبي شامة المقدسي قال: ((وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء، وكان أوحدَ زمانه في علم الحديث)) اهـ. * همته في المطالعة والقراءة قال السخاوي في ((الجواهر والدرر)) (٢) عن شيخه ابنِ حجر: ((إنما كانت همته المطالعة والقراءة والسَّماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يُخْلي لحظةً من أوقاته عن شيءٍ من ذلك، حتى في حال أكْلِه وتوجُّهه وهو سالك، كما حكى لي ذلك بعض رُفْقَته الذين كانوا معه في رحلته، وإذا أراد الله أمرًا هيَّأ أسبابَهُ (٣) . وقد سمعته ﵀ يقول غيرَ مرَّة: إنني لأتعجَّب ممن يجلس خاليًا عن الاشتغال!!)) اهـ. أقول: رحم الله القائل -وهو أبو بكر الشهرزوري-: هِمَّتي دُوْنها السُّها والزُّبانا ... قد عَلَت جهدها فما يتدَانَى فأنا مُتْعَبٌ مُعَنًّى إلى أن ... تتفانى الأيامُ أو أَتَفانَى

стр. 55

* مع الكتب حتى في الجنَّة ذكر ابنُ رجب في ((ذيل الطبقات)) (١) عن ابنِ الجوزي أنه قال عن الإمام أبي العلاء الهَمَذَاني الحافظ ت (٥٦٩) : ((بلغني أنه رُئيَ في المنام في مدينةٍ جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تُحَدّ وهو مُشْتَغل بمطالعتها. فقيل له: ما هذه الكتب؟! قال: سألتُ الله أن يُشغلني بما كنتُ أشتغل به في الدنيا، فأعطاني)) . ومما يدلك على عظيم شَغَفه بالكتب، وبذله في تحصيلها كلَّ نفيس حتى داره التي يسكنها!! ما في كتاب ابن رجب عن الإمام طلحة العَلْثي قال: ((بِيْعت كتبُ ابنِ الجواليقي في بغداد، فحضرها الحافظُ أبو العلاْ الهَمَذَاني، فنادَوا على قطعةٍ منها: ستين دينارًا، فاشتراها الحافظ أبو العلاء بستين دينارًا، والإنظار من يوم الخميس إلى يوم الخميس. فخرج الحافظ، واستقبل طريقَ هَمَذَان، فوصل، فنادى على دارٍ له، فبلغت ستين دينارًا. فقال: بيعوا. قالوا: تبلغ أكثر من ذلك. قال: بيعوا. فباعوا الدار بستين دينارًا فقَبَضَها، ثم رجع إلى بغداد. فدخلها يوم الخميس، فوفَّى ثمنَ الكتب، ولم يشعر أحدٌ بحالِهِ إلا بعد مُدَّة)) اهـ. ومما يُؤثر -أيضًا- في بيع العلماء بيوتهم من أجل شراء الكتب، ما ذكره ابن رجبٍ -أيضًا- في ((ذيل الطبقات)) (٢) في ترجمة العلامة النحوي عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشَّاب ت (٥٦٧) عن ابنِ النجار قال:

стр. 56

إنه لم يَمُت أحدٌ من أهل العلم وأصحاب الحديث، إلا وكان يشتري كتبه كلَّها، فحصلت أُصول المشايخ عنده. وذَكَرَ عنه: أنه اشترى يومًا كتبًا بخمس مئة دينارٍ ولم يكن عنده شيءٌ، فاستمهلهم ثلاثة أيامٍ، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمس مئة دينار، فَنَقَد صاحبَها وباعه بخمس مئة دينار، ووفَّى ثمن الكتب، وبقيت له (لصاحب الكتب) الدار (١)

стр. 57

* الكتب أشد من ثلاث ضرائر أخرج الخطيبُ في ((الجامع لأخلاق الراوي والسامع)) (١) عن الزُّبير ابن أبي بكر بكَّارٍ قال: قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خيرُ رجلٍ لأهله، لا يتخذ ضرَّةً ولا يشتري جارية. قال: تقولُ المرأةُ (أي زوجته) : والله لَهَذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاثِ ضرائر!!)) اهـ. * حتى أحلام اليقظة في الكتب ذكر السَّمهودي في ((جواهر العِقْدَين في فضل الشرَفَيْن)) (٢) عن شيخه أبي زكريا المُنَاوي (٨٧١) قال: أخبرني شيخُنا الشيخ وليُّ الدين (يعني أبا زُرْعة بن الحافظ زين الدين العِراقي) مذاكرةً: أنه ركبَ مع شخصٍ من المكاريَّة من طائفة الريافة، قال: فقلتُ في نفسي -وقد خاضت في الأمل-: لو كان لي أربعُ زوجاتٍ في أربع مساكن، وفي كلِّ مسكنٍ من الكتب التي احتاجها نظير ما في بقيَّة المساكن ... )) (٣) اهـ.

стр. 58

* لا تمضي عليه ساعة إلا في اشتغالٍ بالعلم نقل ابن رجب في ((ذيل الطبقات)) (١) في ترجمة العلامة أبي البقاء عبد الله بن الحسين العُكْبَري ت (٦١٦) عن ابن النجار قولَه: ((قرأتُ عليه كثيرًا من مصنَّفاته، وصحبته مدَّة طويلة ... وكان مُحِبًّا للاشتغال والإشغال (٢) ، ليلاً ونهارًا، ما يمضي عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه، أو مُطَالع له، حتى ذكر لي أنه بالليل تقرأ له زوجته في كتب الأدب وغيرها)) . * التحسُّر على الكتب وجعلها بمنزلة الولد وذكر ابن رجب في ((الذيل)) (٣) في ترجمة عبد الصمد بن أحمد ابن أبي الجَيْش البغدادي العلامة المتفنِّن ت (٦٧٦) أنه صنَّف خُطبًا انفرد بِفنِّها وأُسلوبها وما فيها من الصَّنْعة والفصاحة، وجمع منها شيئًا كثيرًا، ذهبَ في واقعة بغداد (٤) مع كتبٍ له أُخرى بخطِّه وأُصوله، حتى كان

стр. 59

يقول: ((في قلبي حَسْرتان: ولدي وكُتُبي)) (وكانا قد فُقِدا جميعًا في واقعة بغداد) . * لا يمشي إلا وفي يده كتاب وكان كثير من مشاهير العلماء لا يمشي إلا وفي يده كتب أو أجزاء يُطالعها، وذلك لمزيد شغفهم بالقراءة والاطلاع، وعظيم حرصهم على أوقاتهم من الضياع. • قال الذهبي في ((السير)) (١) : ((قال ابنُ الآبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جُزْءٌ يُطالعه)) . • وفي ((تذكرة الحفاظ)) (٢) للذهبي في ترجمة أبي داود السجستاني صاحب ((السنن)) : ((قال ابنُ دَاسَة: كان لأبي داود كُمٌّ واسع وكمٌّ ضيِّق، فقيل له في ذلك؟ فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه)) . • وفي ترجمة العلامة النحوي أحمد بن يحيى المعروف بثَعْلَب ت (٢٩١) من كتاب ((وفيات الأعيان)) (٣) لابن خَلِّكان قال: ((كان سببَ وفاته: أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صَمَمٌ لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمَتْه فرسٌ، فألقَتْهُ في هُوَّةٍ، فأُخرج منها وهو كالمختلط، فحُمِل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوَّه مِن رأسه، فمات ثاني يومٍ)) اهـ.

стр. 60

• وذكر العسكري في ((الحث على طلب العلم)) (١) : أن أبا بكرٍ الخياط -العلامة النحوي محمد بن أحمد البغدادي ت (٣٢٠) - كان يَدْرُسُ جميعَ أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربَّما سقَط في جُرْف أو خبطته دابَّة)) . • وتقدم معنا خبر الإمام سُلَيم الرازي (٢) . • وكان كثير من العلماء يُقرأ عليه الكتاب وهو يمشي في الطريق صِيانة للوقت، وحبًّا في الإفادة، كما هو الحال في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب ((الحلية)) ت (٤٣٠) كما في ((تذكرة الحفاظ)) (٣) . • وكذلك في ترجمة الإمام علم الدين السخاوي المقرىء (٦٤٣) كما في ترجمة من كتاب ((طبقات القراء الكبار)) (٤) . أقول: وممن شهدناه على هذه الحال في القراءة عليه واستفتائه وهو يمشي شيخنا وشيخ مشايخنا العلامة عبد العزيز بن باز (١٤٢٠) -رحمه الله تعالى- فقد كان ذلك ديدنه وهِجِّيْراه، بنفسٍ منشرحة ووجهٍ طَلِق، فجزاه الله عن العلم وأهله خيرًا. استوفى مكتبته قراءة، وفيها (٧٠٠) مجلد ففي ترجمة أبي بكر بن أحمد تقي الدين ابن قاضي شُهبة (٥) من

стр. 61

((الضوء اللامع)) (١) قال: ((وكتب بخطه الكثير، بحيث لو قال القائل: إنه كتب مئتي مجلد لم يتجاوز، وخطه فائق دقيق. وبِيْع في تركته نحو سبع مئة مجلد، كاد أن يستوفيها مطالعة)) اهـ. * يقطع الليل جميعه في القراءة على السِّراج • ذكر القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) (٢) في ترجمة الإمام الفقيه أبي محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التَّبَّان ت (٣٧١) أنه قال عن نَفْسِه: كنت أول ابتدائي أدرس الليل كلَّه، فكانت أُمي تنهاني عن القراءة بالليل، فكنت آخذ المصباح وأجعله تحت الجفنة وأتعمَّد النوم، فإذا رَقَدَتْ أخرجتُ المصباحَ وأقبلتُ على الدرس. قال القاضي: وكان كثير الدرس، ذكر أنه دَرَسَ كتابًا ألفَ مَرَّةٍ)) اهـ. • وذكر الوزير القِفْطي في ((إنباه الرواة)) (٣) في ترجمة أبي القاسم ابن أبي منصور النحوي الحلبي المعروف بابن الحَبْرَاني ت (٦٢٨) -وكان الوزير قد صَحِبَه وجالسَه: ((أنه كان شديد الاجتهاد في طلب الفوائد من صفحات الصُّحف، فلازمَ المطالعةَ ليلاً ونهارًا، وتلَزَّم الحفظَ لبعض ما يمرّ به في أثناء ذلك. قال: ولقد حكى لي الشريف أبو هاشم بن أبي حامد ... صديقي ﵀ قال: أخبرني جارٌ له، قال: رأيتُ ابن الحَبْراني النحوي

стр. 62

في زمن الصيف، يقوم في الليل الأخير في سطحه، وَيَقِدُ سراجًا في موضعٍ خالٍ من الهواء، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلاً دائمًا في كلِّ ليلة، لا يشغله الحرُّ ولا القَرُّ عن المطالعةِ والاستفادة)) اهـ. * الشغف بجميع الكتب ومعرفته بها ذكر الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (١) في ترجمة شافع بن علي الكناني ت (٧٣٠) : ((أنه كان يُحب جمع الكتب، حتى أنه لما مات ترك نحو العشرين (٢) خزانة ملأى من الكتب النفيسة. وكان من شدَّة حُبِّه للكتب، إذا لمس الكتابَ يقول: ((هذا الكتاب الفلاني، ملكتُه في الوقت الفلاني، وإذا طُلِبَ منه أيّ مجلَّد كان، قام إلى الخزانة فتناوله كأنه كما وضعه فيها)) . اهـ. * التأَلُّم والحَسْرة على بيع الكتب • قال ابن خلكان في ترجمة الشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر ت (٤٣٦) في كتابه: ((وفيات الأعيان)) (٣) : ((حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبْريزي اللغوي، أن أبا الحسن علي بن أحمد ابن علي بن سلَّك الفالي الأديب، كانت له نسخة بكتاب ((الجمهرة)) لابن دُرَيْد في غاية الجَوْدَة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها، واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم -المذكور- بستين دينارًا، وتصفَّحها فوجدَ بها أبياتًا بخط بائعها أبي الحسن الفالي، وهي:

стр. 63

أنِسْتُ بها عِشرينَ حولاً وَبِعْتُها ... لقد طالَ وَجْدي بعدَها وحنيني وما كان ظَنِّي أَنَّني سأَبيعها ... ولو خلَّدتني في السجون ديوني ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصِبْيَةٍ ... صِغارٍ عليهم تَسْتَهِلُّ شُؤوني فقلتُ ولم أَمْلك سوابق عَبْرةٍ ... مقالة مكويِّ الفؤادِ حَزِينِ: ((وقد تُخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ ... كرائمَ من ربٍّ بهنَّ ضنينِ)) اهـ • وذكر السخاوي في ((الضوء)) (١) في ترجمة إبراهيم بن علي بن أحمد جمال الدين القَلْقَشندي القاهري أنه باع كتبَهُ أو جلَّها، قال: وقَاسَى مالا يُعَبَّر عنه، وتألَّمنا له في ذلك!. * صور من العصر الحديث * بعد هذا التطواف في رحاب العلماء في قرون غابرة وأقطارٍ متباعدة، كأنِّي بقائل يقول: تلك أمة قد خلت، وجيل قد ذهب، فهل لك في أمثلة قريبة ونماذج حيَّة؟ فنقول: نعم، وما أكثرها! * فهذا الشيخ العلامة جمال الدين القاسمي الدمشقي (١٣٣٢) يقول عن نفسِه وهو يتكلم على علوّ الهِمَّة في كتابه ((الفضل المبين)) (٢) : ((وقد اتفق لي بحمده تعالى قراءة ((صحيح مسلم)) بتمامه روايةً

стр. 64

في أربعين يومًا، وقراءة ((سنن ابن ماجه)) كذلك في واحدٍ وعشرين يومًا، وقراءة ((الموطَّأ)) كذلك في تسعة عشر يومًا، وقراءة ((تهذيب التهذيب)) (١) مع تصحيح سهو القلم فيه وتَحْشيته في نحو عشرة أيام. فدع عنك أيُّها اللائم الكسلَ، واحرص على عزيز وقتك بدرس العلم وإحسان العمل)) اهـ. وذكر فيه (٢) -أيضًا- أنه قرأ ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٥٧١) ، وقد طبع هذا التاريخ الآن في سبعين مجلَّدًا (٣) . * وهذا الشيخ محمد بدر الدين الحسني (١٣٥٤) العلامة المحدِّث (حفظ الصحيحين غيبًا بأسانيدهما، ونحو ((٢٠ ألف)) بيت من المتون العلمية) (٤) ، كان شديد التشاغل بالعلم والعكوف على طلبه والانقطاع إليه، حتى بلغ من ذلك شيئًا عظيمًا، قال الشيخ علي الطنطاوي (٥) ﵀ ((بل كان يجلس في الليل ليقرأ، فإذا غلبه النُّعاس اتكأ برأسه على وسائد أُعِدت له، فأغفى ساعتين أو ثلاثًا من الليل متقطعات، ومن النهار ساعة)) . وقال: ((كان يقرأ دائمًا لا يشغله عن القراءة إلا أن يكون نائمًا أو في صلاة أو درس، أو في طريقه من المسجد إلى البيت، ما فارق

стр. 65

الكتب قطُّ، ولا استعان على النظر بنظارة، وقد مات حديد البصر صحيحه، وما أحبَّ في الدنيا غير الكتب ... فكان يشتري الكتابَ يسمعُ به ولو كان مطبوعًا في أقصى الهند، ويشتري المخطوط ولو بوزنه ذهبًا، ولا يدع كتابًا حتى يقرأه، أو يتصفحه تصفّح المتثبِّت ... )) . * ومثالٌ حيٌّ كان بين أظهرنا لشهور مضت هو العلاَّمة الأديب البليغ صاحب القلم الأنيق والعبارة الرشيقة (١) الشيخ علي الطنطاوي (١٤٢٠) -رحمه الله تعالى- له مقال في ((الذكريات)) (٢) عنوانه ((شغلي الدائم المطالعة)) ذكر فيه ولعه الدائم بالمطالعة من صغره وهو في المدرسة الابتدائية بدون إرشاد مُرْشِد ولا تعليم مُعَلِّم ثم قال: ((فأنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر، أمضي يومي أكثره في الدار أقرأ، وربما مرّ عليَّ يوم أقرأ فيه ثلاثمئة صفحة، ومعدَّل قراءتي مئة صفحة من سنة (١٣٤٠) إلى هذه السنة (١٤٠٢) . اثنان وستون سنة. احسبوا كم يومًا فيها، واضربوها بمئة، تعرفوا كم صفحة قرأت. أقرأ في كل موضوع، حتى في الموضوعات العلمية ... )) . وله في ((الذكريات)) (٣) -أيضًا- حديث عن قراءته ومقدارها، مع اشتغاله بالقضاء في دمشق (كل يوم ثلاثون قضية) مع الإشراف على مجالس التحكيم، والعمل رئيسًا لثلاثة مجالس، الأوقاف، والأيتام، والمجلس الأعلى للكليَّات الشرعية، مع إلقاء دروس في الكلية، والثانوية للبنين والبنات، وكان إلى جانب ذلك خطيب جمعة، ومحاضرًا

стр. 66

في النوادي، وله أحاديث في الإذاعة، وكتابة يومية في إحدى الجرائد. كان يصنع هذا كله!!. ومع ذلك كان يقرأ كل يوم يومٍ مئتين أو ثلاثمئة صفحة، قال: ((وأنا مستمر على ذلك من يوم تعلمت القراءة، وأنا صغير، أي: من نحو سبعين سنة إلا قليلاً، أصرف فضل وقتي كله في القراءة)) . ولو ذهبتُ استقصي أخبارَ علماء هذا القرن المنصرم لجاء كتابًا برأْسِه!! لكن حسبي هنا ما ذكرت، وكفى به عبرةً لمعْتَبِر، ومن أراد التوسُّع فليراجع تراجم أهل هذا القرن وهي كثيرة (١) .

стр. 67

الفصل الثالث: في قراءة المطوَّلات في مجالسَ معدودات كان من عادة العلماء عَقْد مجالس لقراءة المطوَّلات على اختلاف الفنون (خاصة كتب الحديث المسندة) ، فكان الناسُ يأخذونها عن مؤلِّفيها أو عمن اتصلت بهم روايتها، بالسَّماع لجميعها تارة، أو بسماع شيءٍ منها، والإجازة بباقيها، أو بالإجازة لجميعها، وتناقصَ عقدُ تلك المجالسِ وإسماعِ المطوَّلات طردًا مع تأخُّر الزمن (لعوامل كثيرة) وانْحَسَرَت نوعية الكتب المقروءة في كتب الحديث، خاصَّة المشهورة منها، أو لكتب بعض مشاهير المؤلِّفين. وهذه المجالس قد تطُوْل وقد تَقْصُر بحسب الغرض من القراءة وتفرُّغ الشيخ، واستعداد الطالب، وموضوع الكتاب (١) . ولا شك أن قراءة هذه المطوَّلات في مجالسَ معدودة يتطلَّب عددًا من الصفات في الشيخ والطالب، من الخبرة بالكتاب المقروء، وشدة التيَقُّظ، وفصاحة اللسان، وسرعة القراءة، وقبل ذلك وبعده = الرغبة الأكيدة،

стр. 68

والهمة العالية، والصبر الجميل. فمن تحلّى بذلك كلِّه، لانَ له الحديدُ وسَهُل عليه الصعبُ، ((فإن العزيمةَ والمحبةَ تُذْهِبُ المشقةَ، وتُطِيبُ السيرَ)) (١) . وهذا سَرْد ما وقفنا عليه من ذلك: * الخطيب البغدادي (٤٦٣) - قراءة صحيح البخاري في ثلاثة مجالس . قال الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢) في ترجمة إسماعيل بن أحمد ابن عبد الله الضرير الحِيْري ت (٤٣٠) أنه خاطبه ((في قراءة كتاب ((الصحيح)) -وكان سَمِعَه من الكُشْمِيْهَني (٣) عن الفَرَبْزي (٤) -فأجابني إلى ذلك، فقرأتُ جميعَه عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنتُ ابتدىء بالقراءة وقتَ صلاةِ المغرب، وأقطعها عند صلاة الفجر. وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عَبَر الشيخُ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزلَ الجزيرةَ بسوقِ يحيى، فمضيتُ إليه مع طائفةٍ من أصحابنا -كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين- وقرأتُ عليه في الجزيرة من ضَحْوَةِ النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقتِ طلوع الفجر، ففرغتُ من الكتاب، ورحلَ (٥) الشيخُ في صبيحة تلك

стр. 69

الليلة مع القافلة)) اهـ. أقول: فلله تلك الهمم ما أسمقها وأعلاها! فهل سمعت بمثل هذه الهمم والعزائم؟ ! فاليومُ الثالث جميعُه في القراءة (من ضحوةِ إلى المغرب، ومن المغرب إلى الفجر) ، فبمثل هذه الهمة بلغ الخطيب إلى ما بلغ، حتى دُعي بـ ((حافظ المشرق)) ، وصار بمثل هذه الهمة عمدة المحدثين ومعوّلهم، بل صاروا عِيالاً على كتبه كما قال ابنُ نقطة (١) . - ما قيل حول هذه القصة . قال الحافظ الذهبي في ((السِّير)) (٢) -معلِّقًا-: ((قلت: هذه والله القراءةُ التي لم يُسْمَع قطُّ بأسْرَعَ منها)) . وقال -أيضًا- في ((تاريخ الإسلام)) (٣) : ((وهذا شيءٌ لا أعلمُ أحدًا في زماننا يَسْتَطيعُه)) . وفي ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)) (٤) للسخاوي، أنه سأل شيخه -أي ابن حجر- ((هل وقعَ لكم استيفاءُ يومٍ في القراءة؟ (يعني: مثل ما وقع للخطيب) فقال: لا، ولكن قراءتي ((الصحيح)) في عشرة مجالس لو كانت متواليةً لنقصت عن هذه الأيام، ولكن أين الثريَّا من الثرى، فإنّ الخطيب ﵀ قراءته في غايةٍ

стр. 70

من الصِّحة والجَوْدة والإفادة وإبلاغ السَّامعين)) اهـ. وسيأتي استيفاء ما وقع للحافظ ابن حجر من ذلك، وهو عجيب!. - قراءة ((صحيح البخاري)) في خمسة أيام . قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١) نقلاً عن أبي سعدٍ السمعاني: ((كان الخطيب - حجَّة حسن الخط، كثير الضبط، فصيحًا، خُتِمَ به الحفَّاظ، وقرأ بمكة على كريمة (٢) ((الصحيحَ)) في خمسة أيامٍ)) اهـ. عبد الله بن سعيد بن لُبَّاج الأموي (٤٣٦) - إقراء مسلم في أسبوع . جاور ابنُ لُبَّاج بمكةَ سنين طويلة، واختصَّ بصحبة أبي ذر عَبْد ابن أحمد الهروي -راوي الصحيح- وأكثر عنه، ثم رجعَ إلى الأندلس، قال ابن بَشْكُوَال في ((الصِّلَة)) (٣) : ((ولحق بقرطبة ... سنة ثلاثٍ وثلاثين وأربع مئة، فقرىء عليه ((مسندُ مسلم بن الحجاج الصحيحُ)) في نحو جُمعة، بجامع قرطبة في موعِدَين طويلَيْن حَفِيلَين، كل يوم موعد غدوة، وموعد عَشيَّة)) اهـ.

стр. 71

* المؤْتَمن السَّاجي (٥٠٧) - قراءة ((المحدِّث الفاصل)) في مجلس. قال الذهبي في ((السير)) (١) : ((قال السِّلَفيّ: كان المؤتمنُ لا تُمَلُّ قراءتُه، قرأ لنا على ابن الطيوري كتابَ ((الفاصل)) (٢) للرَّامَهرمزي في مجلسٍ. * طلحة بن مظفَّر العَلْثي (٣) الحنبلي (٥٩٣) - قراءة ((صحيح مسلم)) في ثلاثة مجالس . جاء في ترجمته في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٤) و ((طبقات المفسرين)) (٥) : أنه قرأ - ((صحيحَ مسلم)) في ثلاثةِ مجالس. وكان طلحةُ بن مظفَّر عالمًا متفنِّنًا في علومٍ كثيرة زاهدًا وَرِعًا، وصَفَه الحافظ المنذري بحُسْن القراءة وفصاحتها، فمن ذلك أنه كان يقرأ كتاب ((الجمهرة)) لابن دُرَيْد على ابن القصَّار، فمِنْ سرعة قراءته وفصاحتها قال ابنُ القصَّار: هذا طلحةُ يحفظ هذا الكتاب؟! قالوا: لا.

стр. 72

* العِزُّ بن عبد السلام (٦٦٠) - قراءة ((نِهاية المَطْلَب)) (١) في ثلاثة أيام. قال ابن فَهْد في ((لحظ الألحاظ)) (٢) : ((قال شيخنا الحافظُ برهانُ الدين (أي: الحلبي ٨٤١) : وحُكيَ لي أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يخرج إلى المسجد يوم الأربعاء ومعه ((نهاية إمام الحرمين)) ، فيمكث بالمسجد يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة إلى قُبيل الصلاة، فينظر في هذا الوقت ((النهايةَ)) . فاسْتَبْعَد هذا بعضُ العلماء، ((فقال الشيخ سِراج الدين البُلقيني: ولا استبعد، لأن الشيخ عز الدين لا يُشْكِل عليه منها شيءٌ، ولا يحتاج إلى أن يتأمَّل منها إلا شيئًا قليلاً، أو ما هذا معناه ... )) اهـ.

стр. 73

* ابن الأبَّار (٦٥٨) - قراءة ((مسلم)) في ستة أيام . ذكر الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١) في ترجمة المحدِّث المعمَّر أبي محمد عبد الله بن محمد الحَجْري الأندلسي ت (٥٩١) أن الحافظ أبا عبد الله بن الأبَّار (٢) ت (٦٥٨) قرأ عليه ((صحيحَ مسلم)) في ستة أيام. * شيخ الإسلام ابن تيميَّة (٧٢٨) - قراءة ((الغَيْلانيات)) (٣) في مجلسٍ واحد . قال تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي (٧٤٤) في ((مختصر طبقات علماء الحديث (٤) -وهو يُعدِّد مسموعات ومقروءات شيخه-: ((وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مُدَّةَ سِنين، وقرأ ((الغَيْلانيات)) في مجلسٍ)) اهـ. وقد وصف ابنُ عبد الهادي شيخَ الإسلام ابن تيميَّة بصفاتٍ تدل على ما بلغه هذا الإمام من محبة العلم والانكباب على تحصيله فقال:

стр. 74

((لا تكادُ نفسُه تشبَعُ من العِلم، ولا تَرْوى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشْتِغال، ولا تكلُّ من البحث)) اهـ. وتقدم شيءٌ من خبره، رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جنَّاته. * الحافظ المِزِّي (٧٤٢) - وهذا الحافظ أبو الحجاج المِزي يقرأ ((المعجم الكبير)) للطبراني بحضور الحافظ البرزالي في ستين مجلسًا (١) . * الحافظ شمس الدين الذهبي (٧٤٨) - قراءة ((سيرة ابن هشام)) في (٦) أيام . ذكر الإمام الذهبي عن نفسه (٢) : أنه قرأ ((سيرة ابن هشام)) على أبي المعالي الأبَرْقوهي (٣) في ستةِ أيامٍ فقط. * سراج الدين ابن الملقِّن (٨٠٤) - قراءة المجلدين في الأحكام في يومٍ واحد . وفي ((لحظ الألحاظ)) بعد -حكاية العزّ ابن عبد السلام المتقدمة- قال البرهان الحلبي: فذكرتُ هذه الحِكاية لشيخنا سراج الدين ابنُ الملقِّن، فقال لي عقيب ذلك: أنا نظرتُ مجلَّدين من ((الأحكام)) (٤)

стр. 75

للمحبِّ الطبري في يومٍ واحدٍ)) اهـ. * سراج الدين البُلْقيني (٨٠٥) - قراءة المجلد من كتب الفقه في يومٍ . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ((المجْمَع المؤسِّس)) (١) نقلاً عن البرهان الحلبي أنه قال: سمعتُه يقول -أي: البُلقيني- ربما طالعتُ المجلَّد كاملاً في اليوم الواحد من كتب الفقه. الحافظ زين الدين العِراقي (٨٠٦) - قراءة ((مسلم)) في ستةِ مجالس . قال الحافظ تقي الدين الفاسي في ((ذيل التقييد)) (٢) : ((وسمع -أي العراقي- ((صحيحَ مسلم)) بقراءته (٣) في سِتة مجالس على محمد بن إسماعيل بن الخبَّاز بدمشق)) . ونحوه في ((لحظ الألحاظ)) (٤) لابن فهد، وزاد: ((في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلسٍ منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين ابن رَجَب (٥) ، وهو معارض بنسخته)) اهـ.
следующие страницы →