← Тафсир

Тафсир · id 12304

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (5 061 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَقَالُوا فِي الْمُؤَذِّنِ مِثْلَ مَا قَالُوا فِي مُعَلِّمِ الْقُرْآنِ، وَيَأْتِي فِيهِ مِنَ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُعَلِّمِ. وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ عَنْ مَسْأَلَةٍ دِينِيَّةٍ تَعْرِضُ لَهُ ; إِذِ الْإِجَابَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى الْعَارِفِينَ وَكِتْمَانُ الْعِلْمِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ أَخْذٍ لِلْمَالِ بِغَيْرِ رِضًا مِنَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، لَا شَائِبَةَ لِلْجَهْلِ أَوِ الْوَهْمِ أَوِ الْغِشِّ أَوِ الضَّرَرِ فِيهِ، وَمِمَّا تَعْرِضُ فِيهِ هَذِهِ الشَّوَائِبُ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأُجْرَةِ لِأَجْلِ الْمَوْتَى، أَوْ دَفْعِ ضَرَرِ الْجِنِّ أَوْ غَيْرِهِ عَنِ الْأَحْيَاءِ، وَالَّذِي يُعْطِي الْأُجْرَةَ عَلَيْهَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا تَكُونُ سَبَبًا لِنَفْعِ الْمَيِّتِ أَوِ الْحَيِّ أَوْ دَفْعِ ضَرَرِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ أَوِ الْجِنِّ فِي الدُّنْيَا (مَثَلًا) ، وَالْجَاهِلُ بِالشَّرْعِ فِي الْمَسْأَلَةِ عُرْضَةٌ لِقَبُولِ الْإِيهَامِ وَالْغِشِّ مِنَ الدَّجَّالِينَ وَالْمُحْتَالِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِقْرَاءُ الْقُرْآنِ فِي الْبُيُوتِ لِأَجْلِ اتِّعَاظِ أَهْلِهَا وَتَقْوِيَةِ شُعُورِ الْإِيمَانِ بِسَمَاعِهِ، بَلْ هَذَا كَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ الَّذِي بَسَطْنَاهُ آنِفًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِكْرَامُ الْقُرَّاءِ بِغَيْرِ صِفَةِ الْأُجْرَةِ. ذَكَرَ الْأَكْلَ مُجْمَلًا عَامًّا، ثُمَّ بَيَّنَ نَوْعًا مِنْهُ خَصَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ مَعَ دُخُولِهِ فِي الْعَامِّ لِمَا يَقَعُ مِنَ الشُّبْهَةِ فِيهِ لِبَعْضِ النَّاسِ ; إِذْ يَعْتَقِدُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الشَّارِعِ فِي بَيَانِ الْحَقِّ وَمُنَفِّذُ الشَّرْعِ إِذَا حَكَمَ لِإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ وَلَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَلَا يَكُونُ مِنَ الْبَاطِلِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) أَيْ: وَلَا تُلْقُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ رَشْوَةً لَهُمْ (لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إِبْطَالًا لِهَذَا الِاعْتِقَادِ ; لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ إِلَّا بَيَانُهُ وَإِيصَالُهُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِالْعَدْلِ ; بَلْ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الْحَاكِمَ عِبَارَةٌ عَنْ شَخْصِ الْعَدْلِ النَّاطِقِ بِمَا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُ اهـ. أَيْ: فَإِذَا نَطَقَ بِغَيْرِ الْحَقِّ خَطَأً أَوِ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَتَعْرِيفُهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ غَيْرَ مَا يَعْرِفُهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ إِلْزَامُ خَصْمِهِ التَّنْفِيذَ. نَعَمْ ; إِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْبَاطِلِ فِي الْوَاقِعِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ لِشُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُ وَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ يَكُونُ مَعْذُورًا فِيمَا يَأْكُلُهُ بِحُكْمِهِ، وَلَا يُعْذَرُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحِقٍّ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: قَدْ نَفَتِ الْآيَةُ الِاشْتِبَاهَ وَبَيَّنَتْ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْحُكَّامِ عَلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَّ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُحِلُّهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَمَعَ هَذَا قَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي حُكْمِ الْقَاضِي، هَلْ هُوَ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ أَمْ يُنَفَّذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَيَكُونُ الْإِثْمُ عَلَى الْقَاضِي وَحْدَهُ إِنْ تَعَمَّدَ الْجَوْرَ دُونَ الْمَحْكُومِ لَهُ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يُنَفَّذُ ظَاهِرًا فَقَطْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي بِنَحْوِ الطَّلَاقِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ فَسْخِهِ

стр. 562

يُنَفَّذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ زُورًا، وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمَالِ لَا يُنَفَّذُ إِلَّا ظَاهِرًا فَلَا يَحِلُّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ تَنَاوُلُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ. وَأَزِيدُ الْمَسْأَلَةَ وُضُوحًا بِالتَّمْثِيلِ فَأَقُولُ: يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا حَكَمَ بِفَسْخِ النِّكَاحِ أَوِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِشَهَادَةِ زُورٍ حَرُمَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَعِيشَا مَعًا عِيشَةَ الْأَزْوَاجِ، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودُ الزُّورِ بِأَنَّ فُلَانًا عَقَدَ عَلَى فُلَانَةٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ الْعَقْدِ حَلَّ لِلرَّجُلِ الْمَحْكُومِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ اكْتِفَاءً بِحُكْمِ الْقَاضِي الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحَلِّلُ الْحَرَامَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورَ وَمِنْهُمْ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ فَلَمْ يُخَالِفَاهُ إِلَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُمَا قُوَّةُ دَلِيلِ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ: مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضُكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) وَرُوِيَ بِلَفْظٍ آخَرَ بِمَعْنَاهُ. وَالْمُنْتَصِرُونَ لِأَبِي حَنِيفَةَ يَقْصُرُونَ الْأَمْرَ عَلَى الْأَمْوَالِ ; لِأَنَّهَا الْمَوْضُوعُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ كَمَا تَرَاهُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلِبَعْضِهِمْ فِيهِمَا مِنَ التَّحْرِيفِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَى، وَرَدَّ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ بِالْقَاعِدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا النَّصُّ بِلَفْظِهِ تَنَاوَلَهَا بِعِلَّتِهِ بِالْأَوْلَى. وَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عِبْرَةٌ لِوُكَلَاءِ الدَّعَاوَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ بِالْمُحَامِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَكَالَةَ فِي دَعْوَى يَعْتَقِدُ أَنَّ صَاحِبَهَا مُبْطِلٌ، وَلَا أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي مُحَاوَلَةِ إِثْبَاتِهَا إِذَا ظَهَرَ لَهُ بُطْلَانُهَا فِي أَثْنَاءِ التَّقَاضِي. وَإِنَّنَا نَرَاهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى خَلَابَتِهِمْ فِي الْقَوْلِ وَلَحْنِهِمْ فِي الْخِطَابِ (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (٢: ٢٦٩) . وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْإِدْلَاءَ بِمَعْنَى الْإِلْقَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ إِلْقَاءُ الدَّلْوِ، وَاخْتِيرَ هَذَا التَّعْبِيرُ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الرَّوِيَّةِ، هَذَا مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ، وَفِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ: إِلْقَاءُ الدَّلْوِ يُرَادُ بِهِ إِخْرَاجُ الْمَاءِ، وَإِلْقَاءُ الْمَالِ إِلَى الْحُكَّامِ يُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ لِلْمُلْقِي، وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ بَعِيدًا. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (بِهَا) قِيلَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْوَالِ وَالْمَعْنَى لَا تُلْقُوهَا إِلَيْهِمْ بِالرِّشْوَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ الرِّشْوَةَ رِشَاءُ الْحَكَمِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ وَلَا تُلْقُوا بِحُكُومَةِ الْأَمْوَالِ إِلَى الْحُكَّامِ، وَالْفَرِيقُ مِنَ الشَّيْءِ: الْجُمْلَةُ وَالطَّائِفَةُ مِنْهُ، وَالْإِثْمُ: فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ((أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَشْوَعَ الْحَضْرَمِيَّ وَامْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ عَابِسٍ اخْتَصَمَا فِي أَرْضٍ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ الْقَيْسِ، فَهَمَّ بِهِ، فَنَزَلَتْ)) وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ:

стр. 563

(تَعْلَمُونَ) مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ، وَهُوَ احْتِرَاسٌ عَمَّنْ يَأْكُلُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ حَقُّهُ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ وَفُرُوعٌ لَا تُحْصَى، ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ مِثْلَ مَا إِذَا عَلِمَ زَيْدٌ أَنَّ أَبَاهُ أَوْدَعَ لَهُ وَدِيعَةَ كَذَا عِنْدَ فُلَانٍ الَّذِي مَاتَ فَطَالَبَ وَلَدَ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا يَعْتَقِدُ أَنَّ أَبَاهُ تَرَكَهُ تُرَاثًا فَمَنْ حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْهُمَا لَا يُقَالُ: إِنَّهُ أَكَلَهُ بِالْإِثْمِ. وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ مِصْرَ، مِنْ كَثْرَةِ التَّقَاضِي وَالْخِصَامِ، وَالْإِدْلَاءِ إِلَى الْحُكَّامِ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُطَالِبُ غَرِيمَهُ بِحَقِّهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الْمَحْكَمَةِ، وَلَعَلَّهُ لَوْ طَالَبَهُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّقَاضِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَاكِمُ الْآخَرَ لِمَحْضِ الِانْتِقَامِ وَالْإِيذَاءِ وَإِنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ اهـ. (أَقُولُ) : وَكَمْ مِنْ ثَرْوَةٍ نَفِدَتْ، وَبُيُوتٍ خَرِبَتْ، وَنُفُوسٍ أُهِينَتْ، وَجَمَاعَةٍ فُرِقَّتْ، وَمَا كَانَ لِذَلِكَ مِنْ سَبَبٍ إِلَّا الْخِصَامَ، وَالْإِدْلَاءَ بِالْمَالِ إِلَى الْحُكَّامِ، وَلَوْ تَأَدَّبَ هَؤُلَاءِ النَّاسُ بِآدَابِ الْكِتَابِ الَّذِي يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ لَكَانَ لَهُمْ مِنْ هِدَايَتِهِ مَا يَحْفَظُ حُقُوقَهُمْ، وَيَمْنَعُ تَقَاطُعَهُمْ وَعُقُوقَهُمْ، وَيَحُلُّ فِيهِمُ التَّرَاحُمُ وَالتَّلَاحُمُ، مَحَلَّ التَّزَاحُمِ وَالتَّلَاحُمِ، وَإِنَّكَ تَرَى مِنْ أَذْكِيَائِهِمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ عَنْ هَدْيِ الدِّينِ أَغْنِيَاءٌ، وَقَدْ عَمُوا عَمَّا أَصَابَهُمْ بِتَرْكِهِ مِنَ الْأَرْزَاءِ، فَهُمْ بِالْفِسْقِ عَنْهُ يَتَنَابَذُونَ وَيَتَحَاسَدُونَ، وَيَتَنَافَدُونَ وَيَتَنَاقَدُونَ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ الْأَمْوَالِ عَقِبَ ذِكْرِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، وَالصِّيَامُ عِبَادَةٌ مَوْقُوتَةٌ لَا يَتَعَدَّى فَرْضُهَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَالْأَمْوَالُ وَسِيلَةٌ لِعِبَادَةِ الْحَجِّ وَهُوَ يَكُونُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَلِعِبَادَةِ الْقِتَالِ مُدَافَعَةً عَنِ الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ وَهِيَ قَدْ كَانَتْ مَمْنُوعَةٌ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعَقِّبَ بَعْدَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ وَالْأَمْوَالِ بِذِكْرِ مَا يُشْرَعُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنَ الْحَجِّ وَمِنَ الْقِتَالِ عِنْدَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَبْدَأُ ذَلِكَ بِذِكْرِ حِكْمَةِ اخْتِلَافِ الْأَهِلَّةِ

стр. 564

قَالَ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أَيْ: مَوَاقِيتُ لَهُمْ فِي صِيَامِهِمْ وَحَجِّهِمْ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَفِي نَحْوِ عِدَّةِ النِّسَاءِ وَآجَالِ الْعُقُودِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ ; فَإِنَّ التَّوْقِيتَ بِهَا يَسْهُلُ عَلَى الْعَالِمِ بِالْحِسَابِ وَالْجَاهِلِ بِهِ وَعَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ، فَهِيَ مَوَاقِيتُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَأَمَّا السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ فَإِنَّ شُهُورَهَا تُعْرَفُ بِالْحِسَابِ فَهِيَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلْحَاسِبِينِ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ضَبْطِهَا إِلَّا بَعْدَ ارْتِقَاءِ الْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ الْأَهِلَّةِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ سَأَلَ: لِمَ خُلِقَتْ؟ وَالرِّوَايَتَانِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ عَسَاكِرٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةَ بْنَ غُنَيْمَةَ قَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الْخَيْطِ ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَعْظُمَ وَيَسْتَوِيَ وَيَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْقَضُّ وَيَدِقُّ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ لَا يَكُونُ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ؟ فَنَزَلَتْ)) وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذَا السَّبَبُ لِأَنَّ عُلَمَاءَ الْبَلَاغَةِ يَذْكُرُونَهُ فِي مُطَابَقَةِ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ وَعَدَمِهَا، وَزَعَمُوا أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِينَ بَيَانُ السَّبَبِ الطَّبِيعِيِّ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، وَأَنَّ الْجَوَابَ إِنَّمَا جَاءَ بِبَيَانَ الْحِكْمَةِ دُونَ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعُ الدِّينِ، جَرْيًا عَلَى مَا يُسَمَّى فِي الْبَلَاغَةِ أُسْلُوبَ الْحَكِيمِ أَوِ الْأُسْلُوبَ الْحَكِيمَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: كَأَنَّهُ قَالَ كَانَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنِ الْحِكْمَةِ وَالْفَائِدَةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَهِلَّةِ إِنْ لَمْ تَكُونُوا تَعْرِفُونَهَا، وَإِلَّا فَعَلَيْكُمُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا وَعَدَمُ مُطَالَبَةِ الشَّارِعِ بِمَا لَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ. فَفِي الْكَلَامِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ سُؤَالَهُمْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ تَوَجَّهَ هَذَا السُّؤَالُ مِمَّنْ يَتَعَلَّمُ عِلْمَ الْفَلَكِ إِلَى أُسْتَاذِهِ فِيهِ لَمَا عُدَّ قَبِيحًا وَلَا قِيلَ: إِنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَلَكِنَّهُ مُوَجَّهٌ مِنْ أُمِّيٍّ إِلَى نَبِيٍّ لَا إِلَى فَلَكِيٍّ، فَهُوَ قَبِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا لِذَاتِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ النَّظَرُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِأَجْلِ الْوُقُوفِ عَلَى أَسْرَارِ الْخَلِيقَةِ وَأَسْبَابِ مَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ مَذْمُومًا، وَكَيْفَ يُذَمُّ وَقَدْ أَرْشَدَنَا اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَحَثَّنَا فِي كِتَابِهِ عَلَيْهِ (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) (٥٠: ٦) وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. وَأَقُولُ: إِنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ضَعِيفَةٌ، بَلْ قَالُوا: إِنَّ رِوَايَةَ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ هِيَ أَوْهَى الطُّرُقِ عَنْهُ، عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي طَلَبِ بَيَانِ الْعِلَّةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى طَلَبِ الْحِكْمَةِ وَالْفَائِدَةِ - وَلَوْ مَعَ الْعِلَّةِ - غَيْرُ بَعِيدٍ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْجَوَابَ مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِمُنَاسَبَةِ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِي السُّؤَالِ وَأَنَّهُ عَنِ الْعِلَّةِ مَا بُعِثَ الْأَنْبِيَاءُ لِبَيَانِهِ فَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْهُ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: الْعُلُومُ الَّتِي نَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي حَيَاتِنَا عَلَى أَقْسَامٍ: - الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا لَا نَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أُسْتَاذٍ كَالْمَحْسُوسَاتِ وَالْوِجْدَانَاتِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا نَجِدُ لَهُ أُسْتَاذًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا مَطْمَعَ لِلْبَشَرِ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ كَيْفِيَّةُ

стр. 565

التَّكْوِينِ وَالْإِيجَادِ الْأَوَّلِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِسِرِّ الْقَدَرِ. يُمْكِنُ لِلنَّبَاتِيِّ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَتَكَوَّنُ مِنْهُ النَّبَاتُ وَكَيْفَ يَنْبُتُ وَيَنْمُو وَيَتَغَذَّى، وَلِلطَّبِيبِ أَنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ تَوَلُّدِ الْحَيَوَانِ وَالْأَطْوَارِ الَّتِي يَتَدَرَّجُ فِيهَا مُنْذُ يَكُونُ نُطْفَةً إِلَى أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا مُسْتَقِلًّا عَاقِلًا، وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُ نَبَاتِيٌّ وَلَا طَبِيبٌ كَيْفَ وُجِدَتْ أَنْوَاعُ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعُ الْحَيَوَانِ أَوْ مَادَّتُهُمَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَلَا كَيْفَ وُجِدَ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ. وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الْعِلَاقَةَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ - جِهَةِ الْإِيجَادِ وَالْخَلْقِ - لَا يُمْكِنُ اكْتِنَاهُهَا، وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ اكْتِنَاهُ ذَاتِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يَتَيَسَّرُ لِلنَّاسِ أَنْ يَعْرِفُوهُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْبَحْثِ كَالْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ وَالزِّرَاعِيَّةِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْهَيْئَةِ الْفَلَكِيَّةِ، وَمِنْهَا أَسْبَابُ أَطْوَارِ الْهِلَالِ، وَتَنَقُّلِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَيِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (٣٦: ٣٩) . الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مَا يَجِبُ عَلَيْنَا لِلْخَالِقِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَوْدَعَ فِي فِطَرِنَا الشُّعُورَ بِسُلْطَانِهِ، وَهَدَى عُقُولَنَا إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ بِمَا نَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِنَا ; فَإِنَّ هَذَا الشُّعُورَ وَهَذِهِ الْهِدَايَةَ مُبْهَمَانِ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى تَحْدِيدِهِمَا مِنْ حَيْثُ مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي اللهِ تَعَالَى وَفِي حِكْمَةِ خَلْقِنَا، وَمُرَادُهُ مِنَّا، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ مَصِيرِنَا، وَمِنْ حَيْثُ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الشُّكْرِ وَالْعِبَادَةِ. وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقٍ صِنَاعِيٍّ أَوْ كَسْبٍ بَشَرِيٍّ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْأُمَمُ فِي الْحَيْرَةِ وَالْخَطَأِ فِي مَسَائِلِهِ لِجَهْلِهِمْ بِالصِّلَةِ وَالنِّسْبَةِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ تَعَالَى بِمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ أَعْمَالَنَا تُفِيدُهُ أَوْ تُؤْلِمُهُ، وَأَنَّهُ يُنْعِمُ عَلَيْنَا أَوْ يَنْتَقِمُ مِنَّا بِالْمَصَائِبِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْحَيَاةَ الْأُخْرَى تَكُونُ بِهَذِهِ الْأَجْسَادِ وَالْجَزَاءَ فِيهَا يَكُونُ بِهَذَا الْمَتَاعِ، فَاخْتَرَعُوا الْأَدْوِيَةَ لِحِفْظِ أَجْسَادِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ. وَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَاجِزًا عَنْ تَحْدِيدِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَبِالْحَيَاةِ الْأُخْرَى، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ الْأُولَى شُكْرًا لِلَّهِ وَاسْتِعْدَادًا لِتِلْكَ الْحَيَاةِ ; لِأَنَّ الْحَوَاسَّ وَالْعَقْلَ لَا يُدْرِكَانِ ذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى عَقْلٍ آخَرَ يُدْرِكُ بِهِ مَا يَعُوزُ أَفْرَادُهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهَذَا الْعَقْلُ هُوَ النَّبِيُّ الْمُرْسَلُ. وَبَقِيَ (قِسْمٌ خَاصٌّ) وَهُوَ مَا يَسْتَطِيعُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ إِدْرَاكَ الْفَائِدَةِ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ فِيهِ دَائِمًا لِمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي تُلْقِي الْغِشَاوَةَ عَلَى الْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ، فَتَحُولَ دُونَ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ تُشَبِّهُ النَّافِعَ بِالضَّارِّ وَتَلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ. مِثَالٌ ذَلِكَ

стр. 566

السِّعَايَةُ وَالْمَحَلُّ، يُدْرِكُ الْعَقْلُ مَا فِيهِ مِنِ الضَّرَرِ وَالْقُبْحِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا رَأَى لِنَفْسِهِ فَائِدَةً مِنَ السِّعَايَةِ بِشَخْصٍ زَيَّنَهَا لَهُ هَوَاهُ فَيَرَاهَا حَسَنَةً مِنْ حَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ ضَرَرُهَا لِذَاتِهَا، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْحَشِيشِ، وَقَدْ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ مَضَرَّتَهُمَا فِي غَيْرِهِ وَلَكِنَّ الشَّهْوَةَ تَحْجُبُهُ عَنْ إِدْرَاكِ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، فَيُؤْثِرُ حُكْمَ لَذَّتِهِ عَلَى حُكْمِ عَقْلِهِ الَّذِي يَنْهَاهُ عَنْ كُلِّ ضَارٍّ، فَصَارَ مُحْتَاجًا إِلَى مُعَلِّمٍ آخَرَ يَنْصُرُ الْعَقْلَ عَلَى الْهَوَى، وَوَازِعٍ يَكْبَحُ مِنْ جِمَاحِ الشَّهْوَةِ لِيَكُونَ عَلَى هُدًى. فَمَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ لَا يُطَالَبُ الْأَنْبِيَاءُ بِبَيَانِهِ، وَمُطَالَبَتُهُمْ بِهِ جَهْلٌ بِوَظِيفَتِهِمْ، وَإِهْمَالٌ لِلْمَوَاهِبِ وَالْقُوَى الَّتِي وَهَبَهُ اللهُ إِيَّاهَا لِيَصِلَ إِلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يُطَالَبُونَ بِمَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْبَشَرِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً) (٢: ٥٥) وَأَمَّا مَا كَانَ إِدْرَاكُهُ لَيْسَ مُمْكِنًا، وَكَسْبُهُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ مُتَعَذِّرًا أَوْ تَحْدِيدُهُ مُتَعَسِّرًا، فَهُوَ الَّذِي نَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى هَادٍ يُخْبِرُ عَنِ اللهِ تَعَالَى لِنَأْخُذَهُ عَنْهُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ ; وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الرَّسُولَ عَقْلٌ لِلْأُمَّةِ، وَهِدَايَةٌ وَرَاءَ هِدَايَةِ الْحَوَّاسِ وَالْوِجْدَانِ وَالْعَقْلِ. لَوْ كَانَ مِنْ وَظِيفَةِ النَّبِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ الْعُلُومَ الطَّبِيعِيَّةَ وَالْفَلَكِيَّةَ لَكَانَ يَجِبُ أَنْ تُعَطَّلَ مَوَاهِبُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ، وَيُنْزَعَ الِاسْتِقْلَالُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَيُلْزِمَ بِأَنْ يَتَلَقَّى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ كُلَّ شَيْءٍ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الرُّسُلِ فِي كُلِّ أُمَّةٍ كَافِيًا لِتَعْلِيمِ أَفْرَادِهَا فِي كُلِّ زَمَنٍ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: لَوَجَبَ أَلَّا يَكُونَ الْإِنْسَانُ هَذَا النَّوْعَ الَّذِي نَعْرِفُهُ، نَعَمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُنَبِّهُونَ النَّاسَ بِالْإِجْمَالِ إِلَى اسْتِعْمَالِ حَوَاسِّهِمْ وَعُقُولِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَزِيدُ مَنَافِعَهُمْ وَمَعَارِفَهُمُ الَّتِي تَرْتَقِي بِهَا نُفُوسُهُمْ، وَلَكِنْ مَعَ وَصْلِهَا بِالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا يُقَوِّي الْإِيمَانَ وَيَزِيدُ فِي الْعِبْرَةِ. وَقَدْ أَرْشَدَنَا نَبِيُّنَا ﷺ إِلَى وُجُوبِ اسْتِقْلَالِنَا دُونَهُ فِي مَسَائِلِ دُنْيَانَا فِي وَاقِعَةِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ إِذْ قَالَ: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ)) وَمِنْ هَاهُنَا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ خَطَأً، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُجِيبَ السَّائِلِينَ بِقَوْلِهِ: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (١٧: ٨٥) أَيْ: إِنَّهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي لَا يُسْأَلُ النَّبِيُّ عَنْهَا، كَمَا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ عِلَّةِ اخْتِلَافِ أَطْوَارِ الْأَهِلَّةِ خَطَأً لَا تَصِحُّ مُجَارَاةُ السَّائِلِ عَلَيْهِ بَلْ عَدَّهُ الْقُرْآنُ مِنْ قَبِيلِ إِتْيَانِ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا كَمَا فِي تَتِمَّةِ الْآيَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنِ التَّارِيخَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي يَسْهُلُ عَلَى الْبَشَرِ تَدْوِينُهَا وَالِاسْتِغْنَاءُ بِهَا عَنِ الْوَحْيِ فَلِمَاذَا كَثُرَ سَرْدُ الْأَخْبَارِ التَّارِيخِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ أَكْثَرَ؟ وَالْجَوَابُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مِنَ التَّارِيخِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَصَصٌ وَأَخْبَارٌ لِلْأُمَمِ أَوِ الْبِلَادِ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ الْآيَاتُ وَالْعِبَرُ تَجَلَّتْ فِي سِيَاقِ الْوَقَائِعِ بَيْنَ الرُّسُلِ وَأَقْوَامِهِمْ، لِبَيَانِ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِيهِمْ، إِنْذَارًا لِلْكَافِرِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَتَثْبِيتًا لِقَلْبِهِ وَقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ - وَسَتَرَى ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَلِذَلِكَ لَمْ تُذْكَرْ قِصَّةٌ بِتَرْتِيبِهَا وَتَفَاصِيلِهَا، وَإِنَّمَا

стр. 567

يَذْكُرُ مَوْضِعُ الْعِبْرَةِ فِيهَا (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (١٢: ١١١) (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (١١: ١٢٠) وَكُلُّ مَا تَرَاهُ فِي هَذِهِ التَّوْرَاةِ الَّتِي عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ الْقَصَصِ الْمُسْهِبَةِ وَالتَّارِيخِ الْمُتَّصِلِ مِنْ ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ وَمَا بَعْدَهُ فَهِيَ مِمَّا أُلْحِقَ بِالتَّوْرَاةِ بَعْدَ مُوسَى بِقُرُونٍ، بَلْ كُتِبَ أَكْثَرُ تَوَارِيخِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ بَعْدَ السَّبْيِ وَرُجُوعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَابِلَ. وَمَنْ أَرَادَ كَمَالَ الْبَيَانِ فِي وَظَائِفِ الرُّسُلِ فَعَلَيْهِ بِرِسَالَةِ التَّوْحِيدِ لِلْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ. وَإِذَا كَانَ مَا وَرَدَ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْأَهِلَّةِ لَمْ يَصِحَّ سَنَدًا - كَمَا تَقَدَّمَ - فَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنَّ السُّؤَالَ قَدْ وَقَعَ بِالْفِعْلِ، وَلَا أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي قَالُوهَا هِيَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ، فَمَا كُلُّ مَا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ بَاطِلٌ، وَلَا كُلُّ مَا صَحَّ سَنَدُهُ وَاقِعٌ، فَرُبَّ سَنَدٍ قَالُوا إِنَّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ جَارِحًا فِي أَحَدٍ مِنْ رِجَالِهِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ خَفِيَ كَذِبُهُ وَاسْتَتَرَ أَمْرُهُ. يَدُلُّ عَلَى السُّؤَالِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُهُ: (يَسْأَلُونَكَ) وَيَسْتَأْنِسُ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَلَى الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِأَنَّ مَنْ يَسْأَلُ النَّبِيَّ عَمَّا لَمْ يُبْعَثِ النَّبِيُّ لِبَيَانِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عِرْفَانُهُ عَلَى الْوَحْيِ فَهُوَ فِي طَلَبِهِ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ مَطْلَبِهِ كَمَنْ يَطْلُبُ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ ظَهْرِهِ دُونَ بَابِهِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونُ الِاتِّصَالُ وَالِالْتِحَامُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْآيَةِ أَحْكَمَ وَأَقْوَى. وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا مُفِيدٌ لِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ الَّذِي يُعْرَفُ مِيقَاتُهُ لِأَهْلِهِ لَكَانَ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا تَأْدِيبَ السَّائِلِينَ بِتَمْثِيلِ ذَلِكَ السُّؤَالِ بِمِثَالٍ لَا يَرْتَضِيهِ عَاقِلٌ وَهُوَ إِتْيَانُ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا، وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَفِيدُوهُ وَتَحْسِينُهُ لَهُمْ بِجَعْلِهِ كَإِتْيَانِ الْبُيُوتِ مِنْ أَبْوَابِهَا. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوُا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((كَانَتْ قُرَيْشُ تَدَّعِي الْحُمْسَ وَكَانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الْأَبْوَابِ فِي الْإِحْرَامِ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ وَسَائِرُ الْعَرَبِ لَا يَدْخُلُونَ مِنْ بَابٍ فِي الْإِحْرَامِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بُسْتَانٍ إِذْ خَرَجَ مِنْ بَابِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قُطْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رَجُلٌ فَاجِرٌ، وَإِنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ: ((مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ)) ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ فَعَلْتَهُ فَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتَ، قَالَ ((إِنِّي رَجُلٌ أَحْمَسِيٌّ)) قَالَ لَهُ: فَإِنَّ دِينِي دِينُكَ،

стр. 568

فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَعَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي سَبَبِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الدُّخُولِ مِنَ الْبَابِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ سَقْفَ الْبَابِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَبَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِخَطَئِهِمْ فِي ذَلِكَ بَيَّنَ لَهُمُ الْبِرَّ الْحَقِيقِيَّ فَقَالَ: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيْ: إِنَّ الْبِرَّ هُوَ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِالتَّخَلِّي عَنِ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، وَعَمَلِ الْخَيْرِ وَالتَّحَلِّي بِالْفَضْلِ، وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَاجْتِنَابِ الْبَاطِلِ، فَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَلْيَكُنْ بَاطِنُكُمْ عُنْوَانًا لِظَاهِرِكُمْ بِطَلَبِ الْأُمُورِ كُلِّهَا مِنْ مَوَاضِعِهَا، وَاتَّقُوا اللهَ رَجَاءَ أَنْ تُفْلِحُوا فِي أَعْمَالِكُمْ، وَتَبْلُغُوا غَايَةَ آمَالِكُمْ، فَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا. وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ: أَنَّ الْأَهِلَّةَ جَمْعُ هِلَالٍ: وَهُوَ الْقَمَرُ فِي لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: حَتَّى يَحْجُرَ ; أَيْ: يَسْتَدِيرُ بِخَطٍّ دَقِيقٍ، وَقِيلَ: حَتَّى يَبْهَرَ ضَوْءُهُ سَوَادَ اللَّيْلِ، وَقَدَّرُوا ذَلِكَ بِسَبْعٍ. وَقَالُوا: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَرَخَ حِينَ الْوِلَادَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لِلْإِعْلَامِ بِهَا يَقُولُونَ: الْهِلَالُ وَاللهِ، وَأَهَلَّ الرَّجُلُ: رَفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَهَلَّ بِذِكْرِ اللهِ وَبِاسْمِ اللهِ، وَأَهَلَّ الْقَوْمُ وَاسْتَهَلُّوا: رَأَوُا الْهِلَالَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) .

стр. 569

وَرَدَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ لِلْمُحْرِمِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِذَا فُوجِئُوا بِالْقِتَالِ بَغْيًا وَعُدْوَانًا، فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا أَتَمَّ الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ السَّابِقَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ عَامَّةً وَفِي الْحَجِّ خَاصَّةً. وَهُوَ فِي أَشْهُرٍ هِلَالِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ كَانَ الْقِتَالُ فِيهَا مُحَرَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَخْرَجَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ ثُمَّ صَالَحَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَرَضِيَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ الْقَابِلَ وَيُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَطُوفُ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ، تَجَهَّزَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَخَافُوا أَلَّا تَفِيَ لَهُمْ قُرَيْشٌ وَأَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالْقُوَّةِ وَيُقَاتِلُوهُمْ، وَكَرِهَ أَصْحَابُهُ قِتَالَهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ ; فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) يَقُولُ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ تَخَافُونَ أَنْ يَمْنَعَكُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ عَنْ زِيَارَةِ بَيْتِ اللهِ وَالِاعْتِمَارِ فِيهِ نَكَثًا مِنْهُمْ لِلْعَهْدِ وَفِتْنَةً لَكُمْ فِي الدِّينِ، وَتَكْرَهُونَ أَنْ تُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ بِقِتَالِهِمْ فِي الْإِحْرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ، إِنَّنِي أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الْقِتَالِ عَلَى أَنَّهُ دِفَاعٌ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ عِبَادَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَتَرْبِيَةً لِمَنْ يَفْتِنُكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَيَنْكُثُ عَهْدَكُمْ، لَا لِحُظُوظِ النَّفْسِ وَأَهْوَائِهَا، وَالضَّرَاوَةِ بِحُبِّ التَّسَافُكِ، فَقَاتِلُوا فِي هَذِهِ السَّبِيلِ الشَّرِيفَةِ مَنْ يُقَاتِلُكُمْ (وَلَا تَعْتَدُوا) بِالْقِتَالِ فَتَبْدَءُوهُمْ، وَلَا فِي الْقِتَالِ فَتَقْتُلُوا مَنْ لَا يُقَاتِلُ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ وَالْمَرْضَى، أَوْ مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَكَفَّ عَنْ حَرْبِكُمْ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاعْتِدَاءِ كَالتَّخْرِيبِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْفِعْلَ الْمَنْفِيَّ يُفِيدُ الْعُمُومَ. عَلَّلَ الْإِذْنَ بِأَنَّهُ مُدَافَعَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ، وَعَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أَيْ: إِنَّ الِاعْتِدَاءَ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْمَكْرُوهَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لِذَاتِهَا فَكَيْفَ إِذَا كَانَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَفِي أَرْضِ الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ ثُمَّ قَالَ: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أَيْ: إِذَا نَشِبَ الْقِتَالُ فَاقْتُلُوهُمْ أَيْنَمَا أَدْرَكْتُمُوهُمْ وَصَادَفْتُمُوهُمْ وَلَا يَصُدَنَّكُمْ عَنْهُمْ أَنَّكُمْ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ إِلَّا مَا يُسْتَثْنَى فِي الْآيَةِ بِشَرْطِهِ (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أَيْ: مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَخْرَجُوكُمْ مِنْهُ وَهُوَ مَكَّةُ ; فَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَخْرَجُوا النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهَا بِمَا كَانُوا يَفْتِنُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ، ثُمَّ صَدُّوهُمْ عَنْ دُخُولِهَا لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ، فَرَضِيَ النَّبِيُّ وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَسْمَحُوا لَهُمْ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِدُخُولِهَا، لِأَجَلِ النُّسُكِ وَالْإِقَامَةِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا أَنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، أَلَيْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنْ يُقَوِّيَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَأْذَنَ لَهُمْ بِأَنْ يَعُودُوا إِلَى وَطَنِهِمْ نَاسِكِينَ مُسَالِمِينَ، وَأَنْ يُقَاوِمُوا مَنْ يَصُدُّهُمْ عَنْهُ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ الْخَائِنِينَ؟ وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِمْ إِنَّهُمْ أَقَامُوا دِينَهُمْ بِالسَّيْفِ وَالْقُوَّةِ دُونَ الْإِرْشَادِ وَالدَّعْوَةِ؟ كَلَّا. لَا يَقُولُ

стр. 570

هَذَا إِلَّا غِرٌّ جَاهِلٌ، أَوْ عَدُوٌّ مُتَجَاهِلٌ. ثُمَّ زَادَ التَّعْلِيلَ بَيَانًا فَقَالَ: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) أَيْ: إِنَّ فِتْنَتَهُمْ إِيَّاكُمْ فِي الْحَرَمِ عَنْ دِينِكُمْ بِالْإِيذَاءِ وَالتَّعْذِيبِ، وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ، وَالْمُصَادَرَةِ فِي الْمَالِ، أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ الْقَتْلِ ; إِذْ لَا بَلَاءَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَشَدُّ مِنْ إِيذَائِهِ وَاضْطِهَادِهِ وَتَعْذِيبِهِ عَلَى اعْتِقَادِهِ الَّذِي تَمَكَّنَ مِنْ عَقْلِهِ وَنَفْسِهِ، وَرَآهُ سَعَادَةً لَهُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ. وَالْفِتْنَةُ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرٌ، فَتَنَ الصَّائِغُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِذَا أَذَابَهُمَا بِالنَّارِ لِيَسْتَخْرِجَ الزَّغَلَ مِنْهُمَا. وَيُسَمَّى الْحَجَرُ الَّذِي يَخْتَبِرُهُمَا بِهِ أَيْضًا فَتَّانَةً (كَجَبَّانَةٍ) ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الْفِتْنَةُ فِي كُلِّ اخْتِبَارٍ شَاقٍّ، وَأَشَدُّهُ الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ وَعَنِ الدِّينِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (٢٩: ٢) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَمَا تَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) (٢٢: ٣٩، ٤٠) الْآيَاتُ. وَهِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَرْعِ الْقِتَالِ مُعَلَّلًا بِسَبَبِهِ مُقَيَّدًا بِشُرُوطِهِ الْعَادِلَةِ. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْفِتْنَةَ هُنَا وَفِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِالشِّرْكِ وَجَرَى عَلَيْهِ (الْجَلَالُ) ، وَرَدَّهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْآيَاتِ عَنْ سِيَاقِهَا، وَذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ. (قِيلَ) : وَرَدَّ قَوْلَهُمْ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَبُرَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بِالْقِتَالِ مَشْرُوطًا لِاعْتِدَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَلِأَجْلِ أَمْنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدِّينِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ. وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ وَقِصَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا مَعْنَى لِكَوْنَ بَعْضِهَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ، وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْعُمُومَاتِ فِيهَا بِحُكْمِ أَنَّ الْقُرْآنَ شَرْعٌ ثَابِتٌ عَامٌّ فَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ أُدْرِكُوا فِيهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالَ: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أَيْ: إِنَّ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَكُونُ آمِنًا، إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ هُوَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ فَلَا أَمَانَ حِينَئِذٍ. وَلَمَّا كَانَ الْقَتْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَمْرًا عَظِيمًا يُتَحَرَّجُ مِنْهُ أَكَّدَ الْإِذْنَ فِيهِ بِشَرْطِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْغَايَةِ فَقَالَ: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) وَلَا تَسْتَسْلِمُوا لَهُمْ، فَالْبَادِئُ هُوَ الظَّالِمُ، وَالْمُدَافِعُ غَيْرُ آثِمٍ

стр. 571

(كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) أَيْ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُجَازِيَ الْكَافِرِينَ مِثْلَ هَذَا الْجَزَاءِ، فَيُعَذِّبُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ تَعَرُّضِهِمْ لِلْعَذَابِ بِتَعَدِّي حُدُودِهِ فَيَكُونُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: ((وَلَا تَقْتُلُوهُمْ. . . . حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ)) مِنْ قَتَلَ الثُّلَاثِيِّ، وَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّ قَتْلَ بَعْضِ الْأُمَّةِ كَقَتْلِ جَمِيعِهَا لِتَكَافُلِهَا. وَالْمُرَادُ حَتَّى لَا يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْكُمْ، فَإِنْ قَتَلُوا أَحَدًا فَاقْتُلُوهُمْ وَهُوَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ بَلِيغٌ. ثُمَّ قَالَ: (فَإِنِ انْتَهَوْا) عَنِ الْقِتَالِ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، أَوْ عَنِ الْكُفْرِ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يَمْحُو عَنِ الْعَبْدِ مَا سَلَفَ، إِذَا هُوَ تَابَ عَمَّا اقْتَرَفَ، وَيَرْحَمُهُ فِيمَا بَقِيَ، إِذَا هُوَ أَحْسَنَ وَاتَّقَى (إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٧: ٥٦) . (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) عَطَفَ عَلَى (قَاتِلُوا) فِي الْآيَةِ الْأُولَى، فَتِلْكَ بَيَّنَتْ بِدَايَةَ الْقِتَالِ وَهَذِهِ بَيَّنَتْ غَايَتَهُ وَهِيَ أَلَّا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ ; وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَيْ حَتَّى لَا تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَكُمْ بِهَا وَيُؤْذُونَكُمْ ; لِأَجْلِ الدِّينِ، وَيَمْنَعُونَكُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ أَوِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وَفِي آيَةِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (٩: ٣٩) أَيْ: يَكُونُ دِينُ كُلِّ شَخْصٍ خَالِصًا لِلَّهِ لَا أَثَرَ لِخَشْيَةِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلَا يُفْتَنُ لِصَدِّهِ عَنْهُ وَلَا يُؤْذَى فِيهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الدِّهَانِ وَالْمُدَارَاةِ، أَوِ الِاسْتِخْفَاءِ أَوِ الْمُحَابَاةِ، وَقَدْ كَانَتْ مَكَّةُ إِلَى هَذَا الْعَهْدِ قَرَارَ الشَّرَكِ، وَالْكَعْبَةُ مُسْتَوْدَعَ الْأَصْنَامِ، فَالْمُشْرِكُ فِيهَا حُرٌّ فِي ضَلَالَتِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَغْلُوبٌ عَلَى هِدَايَتِهِ، قَالَ: (فَإِنِ انْتَهَوْا) أَيْ: فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أَيْ: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الْعُدْوَانَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّالِمِينَ تَأْدِيبًا لَهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ ظُلْمِهِمْ، فِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ بِالْحَذْفِ، وَاسْتِغْنَاءٌ عَنِ الْمَحْذُوفِ بِالتَّعْلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَإِنِ انْتَهَوْا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ فَلَا عُدْوَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا بِارْتِكَابِهِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ; أَيْ: فَلَا يُحَارَبُونَ عَامَّةً وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْمُجْرِمُ بِجَرِيمَتِهِ، ثُمَّ زَادَ تَعْلِيلَ الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ بَيَانًا بِبِنَائِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ عَادِلَةٍ مَعْقُولَةٍ فَقَالَ تَعَالَى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

стр. 572

لَمَّا خَرَجَ الْمُؤْمِنُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلنُّسُكِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَقَاتَلُوهُمْ رَمْيًا بِالسِّهَامِ وَالْحِجَارَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ سَنَةَ سِتٍّ، وَلَوْ قَابَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَامَئِذٍ بِالْمِثْلِ وَلَمْ يَرْضَ النَّبِيُّ بِالصُّلْحِ لَاحْتَدَمَ الْقِتَالُ، وَلَمَّا خَرَجُوا فِي الْعَامِ الْآخَرِ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَكَرِهُوا قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنِ اعْتَدَوْا وَنَكَثُوا الْعَهْدَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ - بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمَحْظُورَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِنَّمَا هُوَ الِاعْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ دُونَ الْمُدَافَعَةِ، وَأَنَّ مَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْفِتْنَةِ وَإِيذَاءِ الْمُؤْمِنِينَ - لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ - هُوَ أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ الْقَتْلِ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْعَامِّ وَهُوَ مَنْعُهُمُ الْحَقَّ وَتَأْيِيدُهُمُ الشِّرْكَ. ثُمَّ بَيَّنَ قَاعِدَةً عَظِيمَةً وَهِيَ أَنَّ الْحُرُمَاتِ - أَيْ: مَا يَجِبُ احْتِرَامُهُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ - يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْقِصَاصِ وَالْمُسَاوَاةُ فَقَالَ: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ حُجَّةً لِوُجُوبِ مُقَاصَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى انْتِهَاكِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِمُقَابَلَتِهِمْ بِالْمَثْلِ، لِيَكُونَ شَهْرٌ بِشَهْرٍ جَزَاءً وِفَاقًا. وَفِي جُمْلَةِ (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) مِنَ الْإِيجَازِ مَا تَرَى حُسْنَهُ وَإِبْدَاعَهُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالْأَمْرِ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُعْتَدِي مَعَ مُرَاعَاةِ الْمُمَاثَلَةِ - وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ مِمَّا قَبْلَهُ - لِمَكَانِ كَرَاهَتِهِمْ لِلْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَالَ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَاعِدَةِ وَتَأْيِيدًا لِلْحُكْمِ: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِيمَا تَتَأَتَى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَسَمَّى الْجَزَاءَ اعْتِدَاءً لِلْمُشَاكَلَةِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْقَاتِلِ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ بِأَنْ يُذْبَحَ إِذَا ذَبَحَ، وَيُخْنَقَ إِذَا خَنَقَ، وَيُغْرَقَ إِذَا أَغْرَقَ، وَهَكَذَا. وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ. وَالْقَصْدُ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ عَلَى قَدْرِ الِاعْتِدَاءِ بِلَا حَيْفٍ وَلَا ظُلْمٍ، وَأَزْيَدُ عَلَى هَذَا مَا هُوَ أَوْلَى بِالْمَقَامِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي قِتَالِ الْأَعْدَاءِ كَقَتْلِ الْمُجْرِمِينَ بِلَا ضَعْفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، فَالْمُقَاتِلُ بِالْمَدَافِعِ وَالْقَذَائِفِ النَّارِيَّةِ أَوِ الْغَازِيَةِ السَّامَّةِ يَجِبُ أَنْ يُقَاتَلَ بِهَا، وَإِلَّا فَاتَتِ الْحِكْمَةُ لِشَرْعِيَّةِ الْقِتَالِ وَهِيَ مَنْعُ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَالْفِتْنَةِ وَالِاضْطِهَادِ، وَتَقْرِيرُ الْحُرِّيَّةِ وَالْأَمَانِ، وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَالْآدَابُ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ شَرْحِ الْقِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ: (وَاتَّقُوا اللهَ) فَلَا تَعْتَدُوا عَلَى أَحَدٍ وَلَا تَبْغُوا وَلَا تَظْلِمُوا فِي الْقِصَاصِ بِأَنْ تَزِيدُوا فِي الْإِيذَاءِ. وَأَكَّدَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى بِمَا بَيَّنَ مِنْ مَزِيَّتِهَا وَفَائِدَتِهَا فَقَالَ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) بِالْمَعُونَةِ وَالتَّأْيِيدِ، فَإِنَّ الْمُتَّقِيَ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَبَقَاؤُهُ هُوَ الْأَصْلَحُ، وَالْعَاقِبَةُ لَهُ فِي كُلِّ مَا يُنَازِعُهُ بِهِ الْبَاطِلُ ; لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ التَّقْوَى اتِّقَاءَ جَمِيعِ أَسْبَابِ الْفَشَلِ وَالْخِذْلَانِ. وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ - وَهُوَ الْقِتَالُ - يَتَوَقَّفُ عَلَى الْجِهَادِ بِالْمَالِ، أَمَرَهُمْ بِهِ فَقَالَ: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (قَاتِلُوا) رَابِطٌ لِأَحْكَامِ الْقِتَالِ وَالْحَجِّ بِحُكْمِ الْأَمْوَالِ السَّابِقِ، فَهُنَاكَ ذَكَرَ مَا يَحْرُمُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ مُجْمَلًا، وَهَاهُنَا ذَكَرَ مَا يَجِبُ مِنْ إِنْفَاقِهِ مِنْهُ

стр. 573

كَذَلِكَ. وَسَبِيلُ اللهِ هُوَ طَرِيقُ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ. ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ هَذَا الْأَمْرِ وَحِكْمَتَهُ عَلَى مَا هِيَ سُنَّتُهُ فِي ضِمْنِ حُكْمٍ آخَرَ. فَقَالَ: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُكُمْ وَيُمَكِّنُ الْأَعْدَاءَ مِنْ نَوَاصِيكُمْ فَتَهْلِكُونَ. وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ التَّطَوُّعُ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِالطُّرُقِ الْحَرْبِيَّةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الْعَدُوُّ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُخَاطَرَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، بِأَنْ تَكُونَ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى لَا لِنَصْرِ الْحَقِّ وَتَأْيِيدِ حِزْبِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِيهِ الْإِسْرَافُ الَّذِي يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) (٧: ٣١) . وَفَسَّرَ (الْجَلَالُ) (سَبِيلِ اللهِ) بِطَاعَتِهِ: الْجِهَادُ وَغَيْرُهُ. وَ (التَّهْلُكَةِ) بِالْإِمْسَاكِ عَنِ النَّفَقَةِ وَتَرْكِ الْجِهَادِ. قَالَ: لِأَنَّهُ يُقَوِّي الْعَدُوَّ عَلَيْكُمْ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَصَابَ مُفَسِّرُنَا وَأَجَادَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِ النَّهْيِ عَنِ التَّهْلُكَةِ ; أَيْ: لَا تُقَاتِلُوا إِلَّا حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّكُمُ النَّصْرُ وَعَدَمُ الْهَزِيمَةِ. وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ إِذْ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ مَا سَبَقَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَهَى عَنِ الْإِسْرَافِ، وَلَا يَلْتَئِمُ مَعَ الْأُسْلُوبِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْتَئِمُ وَيُنَاسِبُ هُوَ مَا قَالَهُ (الْجَلَالُ) وَآخَرُونَ، فَالْمَعْنَى: إِذَا لَمْ تَبْذُلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَتَأْيِيدِ دِينِهِ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعُونَ مِنْ مَالٍ وَاسْتِعْدَادٍ فَقَدْ أَهْلَكْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا) الْآيَةَ، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ - وَصَحَّحَهُ - وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَهُ لَمَّا خَاطَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَدَخَلَ فِي صَفِّ الرُّومِ فَقَالَ النَّاسُ: أَلْقَى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَذَكَرَهُ. أَقُولُ: وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا بِالْمِرْصَادِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ كَثِيرُونَ فَلَوِ انْصَرَفُوا عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ إِلَى تَثْمِيرِ الْأَمْوَالِ لَاغْتَالُوهُمْ، وَإِصْلَاحُ الْأَمْوَالِ وَاسْتِثْمَارُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ أَسَاسُ الْقُوَّةِ، فَقُوى الدُّوَلِ عَلَى قَدْرِ ثَرْوَتِهَا، فَالْأُمَّةُ الَّتِي تُقَصِّرُ فِي تَوْفِيرِ الثَّرْوَةِ هِيَ الَّتِي تُلْقِي بِأَيْدِيهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَالَّتِي تُقَصِّرُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلِاسْتِعْدَادِ لِقِتَالِ مَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهَا تَكُونُ أَدْنَى إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا ثَرْوَةَ مَعَ الظُّلْمِ، وَلَا عَدْلَ مَعَ الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ الِاسْتِبْدَادِيِّ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ عَلَى عُمُومِهِ ; أَيْ: أَحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِكُمْ وَأَتْقِنُوهَا فَلَا تُهْمِلُوا إِتْقَانَ شَيْءٍ مِنْهَا، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّطَوُّعُ بِالْإِنْفَاقِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ (التَّوْبَةِ) الَّتِي يُسَمُّونَهَا آيَةَ السَّيْفِ. وَهَاكَ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مُحَصِّلُ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ سَبَبِ

стр. 574

نُزُولِهَا، وَهُوَ إِبَاحَةُ الْقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْإِحْرَامِ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ إِذَا بَدَأَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، وَأَلَّا يُبْقُوا عَلَيْهِمْ إِذَا نَكَثُوا عَهْدَهُمْ وَاعْتَدَوْا فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، وَحُكْمُهَا بَاقٍ مُسْتَمِرٌّ لَا نَاسِخَ وَلَا مَنْسُوخَ ; فَالْكَلَامُ فِيهَا مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَمْزِيقِهِ، وَلَا إِلَى إِدْخَالِ آيَةِ بَرَاءَةٌ فِيهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِيهَا، وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ فِيهَا عَلَى عُمُومِهِ - وَلَوْ مَعَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ - فَقَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ أُسْلُوبِهَا وَحَمَّلَهَا مَا لَا تَحْمِلُ. وَآيَاتُ سُورَةِ آلَ عِمْرَانَ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ هُمُ الْمُعْتَدِينَ. وَآيَاتُ الْأَنْفَالِ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ هُمُ الْمُعْتَدِينَ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ آيَاتُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاكِثِي الْعَهْدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلِذَلِكَ قَالَ: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) (٩: ٧) وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ نِكْثِهِمْ: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (٩: ١٣) الْآيَاتِ. كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْدَءُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ لِأَجْلِ إِرْجَاعِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَبْدَءُوا فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَكَانَ اعْتِدَاؤُهُمْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ بَلَدِهِ وَفِتْنَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِيذَاؤُهُمْ وَمَنْعُ الدَّعْوَةِ - كُلُّ ذَلِكَ كَافِيًا فِي اعْتِبَارِهِمْ مُعْتَدِينَ، فَقِتَالُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُ كَانَ مُدَافَعَةً عَنِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَحِمَايَةً لِدَعْوَةِ الْحَقِّ ; وَلِذَلِكَ كَانَ تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ شَرْطًا لِجَوَازِ الْقِتَالِ ; وَإِنَّمَا تَكُونُ الدَّعْوَةُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ لَا بِالسَّيْفِ وَالسِّنَّانِ، فَإِذَا مُنِعْنَا مِنَ الدَّعْوَةِ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ هُدِّدَ الدَاعِي أَوْ قُتِلَ فَعَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ لِحِمَايَةِ الدُّعَاةِ وَنَشْرِ الدَّعْوَةِ لَا لِلْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ ; فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (٢: ٢٥٦) وَيَقُولُ: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (١٠: ٩٩) وَإِذَا لَمْ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ الدَّعْوَةَ وَيُؤْذِي الدُّعَاةَ أَوْ يَقْتُلُهُمْ أَوْ يُهَدِّدُ الْأَمْنَ وَيَعْتَدِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَفْرِضُ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ; لِأَجْلِ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَإِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ، وَلَا لِأَجْلِ الطَّمَعِ فِي الْكَسْبِ. وَلِقَدْ كَانَتْ حُرُوبُ الصَّحَابَةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ حِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَمَنْعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَغَلُّبِ الظَّالِمِينَ لَا لِأَجْلِ الْعُدْوَانِ، فَالرُّومُ كَانُوا يَعْتَدُونَ عَلَى حُدُودِ الْبِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي دَخَلَتْ حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ وَيُؤْذُونَهُمْ، وَأَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ يُؤْذُونَ مَنْ يُظَنُّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ الْفُرْسُ أَشَدَّ إِيذَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ مَزَّقُوا كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَفَضُوا دَعْوَتَهُ وَهَدَّدُوا رَسُولَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ اقْتَضَتْهُ طَبِيعَةُ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مُوَافِقًا لِأَحْكَامِ الدِّينِ، فَإِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْكَوْنِ أَنْ يَبْسُطَ الْقَوِيُّ

стр. 575

يَدَهُ عَلَى جَارِهِ الضَّعِيفِ، وَلَمْ تُعْرَفْ أُمَّةٌ قَوِيَّةٌ أَرْحَمَ فِي فُتُوحَاتِهَا بِالضُّعَفَاءِ مِنَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، شَهِدَ لَهَا عُلَمَاءُ الْإِفْرِنْجِ بِذَلِكَ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي الْقِتَالِ أَنَّهُ شُرِعَ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَحِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَنَشْرِهَا، فَعَلَى مَنْ يَدَّعِي مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ أَنَّهُ يُحَارِبُ لِلدِّينِ أَنْ يُحْيِيَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، وَيُعِدَّ لَهَا عُدَّتَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ بِحَسَبِ حَالِ الْعَصْرِ وَعُلُومِهِ، وَيَقْرِنُ ذَلِكَ بِالِاسْتِعْدَادِ التَّامِّ لِحِمَايَتِهَا مِنَ الْعُدْوَانِ، وَمَنْ عَرَفَ حَالَ الدُّعَاةِ إِلَى الدِّينِ عِنْدَ الْأُمَمِ الْحَيَّةِ وَطُرُقَ الِاسْتِعْدَادِ لِحِمَايَتِهِمْ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ فِي هَذَا الْعَصْرِ. وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ بَطَلَ مَا يَهْذِي بِهِ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ - حَتَّى مِنَ الْمُنْتَمِينَ إِلَيْهِ - مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَامَ بِالسَّيْفِ، وَقَوْلُ الْجَاهِلِينَ الْمُتَعَصِّبِينَ: إِنَّهُ لَيْسَ دِينًا إِلَهِيًّا ; لِأَنَّ الْإِلَهَ الرَّحِيمَ لَا يَأْمُرُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَنَّ الْعَقَائِدَ الْإِسْلَامِيَّةَ خَطَرٌ عَلَى الْمَدَنِيَّةِ ; فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ الرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ لِلْعَالَمِينَ. (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)

стр. 576

اتِّصَالُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِمَا قَبْلَهَا جَلِيٌّ جِدًّا لَا سِيَّمَا لِمَنْ قَرَأَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْسِيرِ، فَإِنَّ آيَاتِ الْقِتَالِ السَّابِقَةَ نَزَلَتْ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَانَ الْغَرَضُ الْأَوَّلُ مِنَ السِّيَاقِ بَيَانَ أَحْكَامِ الْحَجِّ بَعْدَ بَيَانِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ ; لِأَنَّ شُهُورَهُ بَعْدَ شَهْرِهِ الَّذِي هُوَ رَمَضَانُ. وَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُمْرَةَ وَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَأَرَادَ الْقَضَاءَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَخَافَ أَصْحَابُهُ غَدْرَ الْمُشْرِكِينَ بِهِمْ وَاضْطِرَارَهُمْ إِلَى قِتَالِهِمْ إِذَا هُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَبَدَءُوا بِالْقِتَالِ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَحْكَامَ الْقِتَالِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَجِّ فِي الْجَوَابِ عَنْ حِكْمَةِ اخْتِلَافِ الْأَهِلَّةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى إِتْمَامِ أَحْكَامِ الْحَجِّ فَقَالَ: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فَالْعَطْفُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِتْمَامِ ظَاهِرَانِ فِي أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْحَجِّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنَا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ كَمَا قَالَ فِي الصِّيَامِ، وَقَدْ كَانَ الْحَجُّ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ; لِأَنَّهُ فُرِضَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّهُ أَزَالَ مَا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الشَّرَكِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَزَادَ فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ، فَالْآيَةُ لَيْسَتْ فِي فَرْضِيَّتِهِ وَفَرْضِيَّةِ الْعُمْرَةِ ; بَلْ هِيَ فِي وَاقِعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَبِقَاصِدِيهِمَا، وَقَدْ كَانُوا تَوَجَّهُوا إِلَى ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهَا بِعَامٍ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعِيَّةَ سَابِقَةٌ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَالْمُرَادُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْإِتْيَانُ بِهِمَا تَامَّيْنِ، ظَاهِرًا بِأَدَاءِ الْمَنَاسِكِ عَلَى وَجْهِهَا، وَبَاطِنًا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ دُونَ قَصْدِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ أَوِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِيهِمَا، وَلَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ إِذَا لَمْ تَكُنِ التِّجَارَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ فِي الْأَصْلِ. وَسَيَأْتِي التَّفْصِيلُ فِي حُكْمِ التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ فِي تَفْسِيرِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (٢: ١٩٨) . وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَحُبُّ السُّمْعَةِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْحَجِّ فَالْحَجُّ ذَنْبٌ لِلْمُرَائِي لَا طَاعَةٌ، وَإِذَا عَرَضَ الرِّيَاءُ فِي أَثْنَائِهِ فَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا قَدْ بَدَأَ بِالنُّسُكِ لِوَجْهِ اللهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُتِمَّهُ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَ، وَقِيلَ: بَلْ يُؤَاخَذُ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الطَّاعَةَ وَالْإِخْلَاصَ وَقَدْرِ قَصْدِهِ الرِّيَاءَ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ تَعَالَى بِمِقْدَارٍ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٩٩: ٧، ٨) وَتَجِدُ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ ((الرِّيَاءِ)) مِنَ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنَ ((الْإِحْيَاءِ)) فَرَاجِعْهُ. وَقَدْ نَبَّهَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ لِحَالِ عَامَّةِ الْحُجَّاجِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَقَالَ: إِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَخْطُرُ فِي بَالِهِمْ مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَأَرْكَانُهُ وَوَاجِبَاتُهُ وَلَا يَقْصِدُونَهَا لِلْجَهْلِ بِهَا، وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَ زِيَارَةَ (أَبُو إِبْرَاهِيمَ) يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِلْحَجِّ مَعْنًى سِوَى هَذِهِ الزِّيَارَةِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْهَائِمُونَ الْمُغْرَمُونَ بِالْحَجِّ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحُجُّ لِيُقَالَ لَهُ الْحَاجُّ

стр. 577

فُلَانُ أَوْ لِيُحْتَفَلَ بِقُدُومِهِ، وَهَذَا مِنْ أَخَسِّ ضُرُوبِ الرِّيَاءِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقْتَرِضُ بِالرِّبَا وَيَحُجُّ فَيُرِيدُ أَنْ يَعْبُدَ بِأَنْكَرِ الْمُنْكَرَاتِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ كَالْحَجِّ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلٌ بِالْوُجُوبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَا تَصْلُحُ حُجَّةً عَلَى الْقَائِلِينَ بِالسُّنِّيَّةِ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ خِطَابٌ لِمَنْ شَرَعَ فِيهِمَا، وَهُوَ يَصْدُقُ وَإِنْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ سُنَّةً. وَيَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (٣: ٩٧) وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي الْعُمْرَةِ فَمُتَعَارِضَةٌ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ النَّاطِقَةَ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَبِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ ضَعِيفَةٌ، وَأَقْوَاهَا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَخْبِرْنِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: ((لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ)) وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَكْذُوبٌ وَبَاطِلٌ. وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنَ اتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ عَلَى تَضْعِيفِهِ. وَأَقْوَى أَحَادِيثِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، فَقَالَ: ((حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَا نَكِيرٍ بَلْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمَ فِي إِيجَابِ الْعُمْرَةِ حَدِيثًا أَوْجَبَ مِنْ هَذَا وَلَا أَصَحَّ مِنْهُ، فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ صَارِفٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا السَّائِلَ لَمْ يَقْصِدِ السُّؤَالَ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ حُكْمَهُمَا وَإِنَّمَا سَأَلَ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا عَنْ أَبِيهِ الَّذِي يُقْعِدُهُ عَنْهُمَا الْعَجْزُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَ الْعُمْرَةِ سُنَّةً مُتَّبَعَةً لَا فَرْضًا لَازِمًا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا عَدَمُ ذِكْرِهَا فِي الْآيَةِ النَّاطِقَةِ بِالْوُجُوبِ وَلَا فِي حَدِيثِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ تَطَوُّعُ النُّسُكِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ لَفْظُ التَّطَوُّعِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ فَمَتَى شَرَعَ فِيهَا كَانَ إِتْمَامُهُمَا وَاجِبًا. وَمَا تَقَدَّمَ فِي مَعْنَى الْإِتْمَامِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا إِنْ صَحَّ لَا يُنَافِيهِ، وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ مُتَضَمِّخًا بِالزَّعْفَرَانِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللهِ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَةَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ)) ؟ قَالَ: هَأَنَذَا، فَقَالَ لَهُ: ((أَلْقِ عَنْكَ ثِيَابَكَ ثُمَّ اغْتَسِلْ وَاسْتَنْشِقْ مَا اسْتَطَعْتَ ثُمَّ مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ)) .

стр. 578

وَأَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ (١) الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِلشَّيْءِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَكَانُ الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّارِعُ لِإِحْرَامِ أَهْلِ كُلِّ قُطْرٍ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْإِحْرَامِ. (٢) الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. (٣، ٤) الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. (٥) الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ لِلشَّعْرِ. فَمَنْ أَدَّى هَذِهِ الْأَعْمَالَ فَقَدْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ الَّتِي هِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. وَلَهُ أَعْمَالٌ أُخْرَى وَاجِبَةٌ مَنْ قَصَّرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَانَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ هِيَ مَا عَدَا الْوُقُوفَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ. وَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مَنْ أَنْكَرَهَا كَانَ مُرْتَدًّا، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالًا وَنِسَاءً. هَذَا مَا كَتَبْتُهُ عَقِبَ حُضُورِ دَرْسِ التَّفْسِيرِ عَلَى شَيْخِنَا وَطُبِعَ فِي الْمَنَارِ سَنَةَ ١٣٢٢ هـ ثُمَّ عَلَى حِدَةٍ سَنَةَ ١٣٢٥ وَأَقُولُ الْآنَ: إِنَّ الْحَجَّ مِمَّا أَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَآيَةُ آلِ عِمْرَانَ فِي التَّصْرِيحِ بِفَرْضِيَّتِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ فِيمَا يَظْهَرُ ; لِأَنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمُ الْحَجُّ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَالطَّائِفِ وَكَانَ فَتْحُهَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ خَرَجُوا لِلْحَجِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِإِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَكَانَتْ تَمْهِيدًا لِحَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ إِذْ أَذَّنَ أَبُو بَكْرٍ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَجُّوا فِيهَا بِأَلَّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ. وَنَزَلَتْ آيَةُ: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (٩: ٢٨) وَلِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْحَجَّ فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فُرِضَ قَبْلَهَا وَنَفَذَ فِيهَا. أَمَرَ بِالْإِتْمَامِ ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ مَا عَسَاهُ يَحُولُ دُونَهُ فَقَالَ: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الْحَصْرُ وَالْإِحْصَارُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَالتَّضْيِيقُ، يُقَالُ: حَصَرَهُ عَنِ السَّفَرِ وَأَحْصَرَهُ عَنْهُ إِذَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: إِنَّ الْإِحْصَارَ هُوَ الْمَنْعُ بِسَبَبِ النَّاسِ وَالْحَصْرَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى الْآتِي بَعْدُ: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) يُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَارِ مَنْعُ الْعَدُوِّ ; أَيْ: إِنْ مُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمَامِ النُّسُكِ فَعَلَيْكُمْ مَا تَيَسَّرَ لَكُمْ وَسَهُلَ حُصُولُهُ وَثَمَنُهُ مِنَ الْهَدْيِ ; وَهُوَ مَا يَهْدِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنَ النَّعَمِ لِيُذْبَحَ وَيُفَرَّقَ عَلَى فُقَرَائِهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا اسْتَيْسَرَ: الشَّاةُ وَهِيَ أَدْنَاهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ: جَمَلٌ أَوْ بَقَرَةٌ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا اسْتَيْسَرَ لَهُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا عَظُمَ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنْ يَذْبَحَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَوْ فِي الْحِلِّ وَيَتَحَلَّلُ ; لِأَنَّهُ ﵊ ذَبَحَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِهَا وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ عَلَى الْأَرْجَحِ.

стр. 579

وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يَبْعَثُ بِهِ إِلَى الْحَرَمِ وَيَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ بِيَدِهِ يَوْمَ أَمَارَةٍ، فَإِذَا جَاءَ الْيَوْمُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ ذَبَحَ تَحَلَّلَ. ثُمَّ قَالَ: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) الدُّخُولُ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ يَكُونُ بِالْإِحْرَامِ، وَهُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهِ بِالتَّلْبِيَةِ وَلُبْسِ غَيْرِ الْمَخِيطِ مِنْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ مَعَ كَشْفِ الرَّأْسِ لِلرَّجُلِ وَلُبْسِ النَّعْلَيْنِ الْعَرَبِيَّيْنِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُمَا - وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِحْلَالِ وَالتَّحَلُّلِ - يَكُونُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرِ شِعْرِهِ، فَالنَّهْيُ عَنِ الْحَلْقِ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الْإِحْلَالِ قَبْلَ بُلُوغِ الْهَدْيِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ وَهُوَ فِي حَالِ الْإِحْصَارِ حَيْثُ يَحْصُرُ الْحَاجُّ وَإِلَّا فَالْكَعْبَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) (٥: ٩٥) وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٢٢: ٣٣) وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِهَذَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ نَحْرِ الْهَدْيِ فِي مَحِلِّ الْإِحْصَارِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَبْلُغَ الْكَعْبَةَ ; لِأَنَّهُ مُهْدًى إِلَيْهَا، وَحَالُ الْإِحْصَارِ حَالُ ضَرُورَةٍ وَلَا سِيَّمَا إِحْصَارُ السَّنَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهَا الْآيَةُ، فَقَدْ كَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَأْمُرَ اللهُ تَعَالَى بِإِرْسَالِ الْهَدْيِ إِلَيْهَا فَيَكُونُ غَنِيمَةً لَهُمْ، عَلَى أَنَّ إِبْلَاغَهُ مَحِلَّهُ فِي حَالِ الْإِحْصَارِ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا أَوْ مُتَعَسِّرًا، فَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ الْإِحْلَالُ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ إِنَّ اكْتِفَاءَهُمْ بِذَبْحِهِ فِي أَدْنَى مَكَانٍ مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْآيَتَيْنِ النَّاطِقَتَيْنِ بِبُلُوغِهِ الْكَعْبَةَ وَالْبَيْتَ الْعَتِيقَ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ ﵇ ذَبْحَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي أَوَّلِ الْحَرَمِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَجُمْهُورُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى خِلَافِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ احْتَاجُوا فِي تَصْحِيحِ قَوْلِهِمْ إِلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ ; أَيْ: حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّ الْهَدْيَ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرٍ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ. وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْهَدْيِ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُحْصَرِ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَاهَا بِأَصْحَابِهِ وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَالْقَضِيَّةِ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ لَا عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، وَالْهَدْيُ: جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَجَدْيٍ وَجَدِيَّةٍ وَالْمَحِلُّ - بِكَسْرِ الْحَاءِ - اسْمُ مَكَانٍ مِنْ حَلَّ يَحِلُّ حِلًّا ; أَيْ: صَارَ حَلَالًا، ضِدُّ حَرُمَ يَحْرُمُ إِذَا صَارَ حَرَامًا. ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ يُؤْذِيهِ عَدَمُ الْحَلْقِ فَقَالَ: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) مَرَضًا يَنْفَعُهُ فِيهِ الْحَلْقُ وَيَضُرُّهُ عَدَمُهُ (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) كَقَمْلٍ أَوْ جُرْحٍ (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) أَيْ: فَعَلَيْهِ إِنْ حَلَقَ فَدِيَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ: يُؤْذِيكَ هَوَامُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ. قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَذَكَرَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ

стр. 580

أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ)) قَالَ الْبُخَارِيُّ: ((وَعَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. وَالْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ قِيلَ وَبِالْفَتْحِ: مِكْيَالٌ بِالْمَدِينَةِ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُكَالُ فِيهِ مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ. وَقَوْلُهُ بَيْنَ سِتَّةٍ أَيْ مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَالنُّسُكُ هَاهُنَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ شَاةٌ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) الْإِحْصَارَ وَذَهَبَ خَوْفُ الْعَدُوِّ. قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: وَمِثْلُهُ الْمَرَضُ أَوْ كُنْتُمْ فِي حَالِ أَمْنٍ وَسِعَةٍ (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أَيْ: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بِسَبَبِ الْعُمْرَةِ ; أَيْ: أَدَائِهَا بِأَنْ أَتَمَّهَا وَتَحَلَّلَ وَبَقِيَ مُتَمَتِّعًا إِلَى زَمَنِ الْحَجِّ لِيَحُجَّ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ لَهُ مِنَ الْهَدْيِ ; أَيْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ جَبْرٌ أَقَلُّهُ شَاةٌ، لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ، يَذْبَحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ جَوَازًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، أَوِ الْمَعْنَى فَمَنْ قَامَ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) الْهَدْيَ لِعَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ الْمَالِ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) أَيْ: فَعَلَيْهِ صِيَامُهَا فِي أَيَّامِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَتَمْتَدُّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَشْهرِهِ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ وَهَذَا أَوْسَعُ (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) مِنَ الْحَجِّ إِلَى بِلَادِكُمْ، وَيَصْدُقُ بِالشُّرُوعِ فِي الرُّجُوعِ وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّلَفِ، قَالُوا: يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ فِي الطَّرِيقِ وَلَا يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا وَصَلَ إِلَى وَطَنِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى فَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُومَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعْنَاهُ: إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَيَجُوزُ الصَّوْمُ عِنْدَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّهُ ﵌ قَالَ: ((فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ)) وَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى أَهْلِهِ ; لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ عَلَى وَقْتِهَا، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ يَصْدُقُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى أَهْلِهِ ; لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ خِلَافُ الْأَصْلِ فِي هَذِهِ الْقُرْبَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) إِشَارَةً إِلَى الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ، مُبَيِّنٌ لِجُمْلَةِ الْعَدَدِ الْوَاجِبِ كَمَا بَيَّنَ تَفْصِيلَهُ، وَمُزِيلٌ لِوَهْمِ مَنْ عَسَاهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ لِلسَّبْعَةِ لِلتَّخْيِيرِ، كَمَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ: جَالَسَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ عَدَدَ السَّبْعَةِ لِلْكَثْرَةِ فِي الْآحَادِ، كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ عَدَدَ السَّبْعِينَ لِغَايَةِ الْكَثْرَةِ، فَالْفَذْلَكَةُ تُزِيلُ وَهْمَ هَؤُلَاءِ أَيْضًا ; وَلِذَلِكَ أَكَّدَهَا بِقَوْلِهِ كَامِلَةً. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ حُكْمًا وَكَانَ فِي التَّعْبِيرِ الْمَأْلُوفِ عَنْهُ مَا يُوهِمُ خِلَافَ الْمَقْصُودِ - وَلَوْ لِبَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ - يَأْتِي بِمَا يُؤَكِّدُ الْحُكْمَ وَيَنْفِي أَدْنَى وَهْمٍ يَعْرِضُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ كِتَابَهُ بِالْمُبِينِ وَبِالتِّبْيَانِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ

стр. 581

فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُطْلَقَ فِي مَقَامِ بَيَانِ الْأَحْكَامِ الْقَوْلُ فِي نَفْيِ شَيْءٍ بِصِيغَةِ الْإِثْبَاتِ، كَمَا قَدَّرَ بَعْضُهُمُ النَّفْيَ فِي قَوْلِهِ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) (٢: ١٨٤) . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ مَضْمُومَةً إِلَى الْحَجِّ أَوْ إِلَى وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ خَاصٌّ بِالْآفَاقِيِّينَ دُونَ أَهْلِ الْحَرَمِ فَقَالَ: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْآفَاقِ هُمُ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا التَّمَتُّعِ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِالسَّفَرِ إِلَى الْحَجِّ وَحْدَهُ ثُمَّ السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ وَحْدَهَا، هَذَا مَا اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ وَعَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، فَلَا مُتْعَةَ وَلَا قِرَانَ عِنْدِهِمْ لِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ كَالشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ الْجَزَاءُ عَلَى التَّمَتُّعِ مِنَ الْهَدْيِ أَوْ بَدَلِهِ ; لِأَنَّ الْآفَاقِيَّ إِذَا تَمَتَّعَ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ لَا مِنَ الْمِيقَاتِ فَيَكُونُ حَجُّهُ نَاقِصًا يُجْبَرُ بِالْهَدْيِ أَوْ بَدَلِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاخْتِيَارِ التَّعْبِيرَ بِاللَّامِ الْمُفِيدَةِ أَنَّ التَّمَتُّعَ رُخْصَةٌ دُونَ ((عَلَى)) الْمُفِيدَةِ لِلْجَزَاءِ. وَحُضُورُ الْأَهْلِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِقَامَةِ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَقَالَ (الْجَلَالُ) : وَالْأَهْلُ كِنَايَةٌ عَنِ النَّفْسِ، وَمَا قُلْنَاهُ فِي الْكِنَايَةِ أَظْهَرُ وَالْعِبَارَةُ تَشْمَلُ مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غَيْرُهُمْ، وَعَلَيْهِ مَالِكٌ، وَقَالَ طَاوُسٌ: هُمْ أَهْلُ الْحِلِّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُمْ مَنْ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، وَالشَّافِعِيُّ: هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ ; أَيْ: مَسَافَةِ الْقَصْرِ عِنْدَهُ. ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِالْأَمْرِ بِتَقْوَى اللهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَالْإِعْلَامِ بِشِدَّةِ عُقُوبَتِهِ لِمَنْ لَمْ يَتَّقِهِ فَقَالَ: (وَاتَّقُوا اللهَ) بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى امْتِثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالنَّوَاهِي وَغَيْرِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْهِدَايَةِ الَّتِي فِيهَا سَعَادَتُكُمْ (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) بِمَا جَعَلَ عَاقِبَةَ التَّفْرِيطِ وَالْإِضَاعَةِ شَدِيدَةً عَلَى الْمُفَرِّطِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِذَا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ عِلْمًا صَحِيحًا رُجِيَ لَكُمُ الِاسْتِمْسَاكُ بِحَبْلِ التَّقْوَى وَكُنْتُمْ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صِحَّةِ عِلْمٍ بِسِرِّ وَعِيدِ اللهِ تَعَالَى بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ تَعَالَى يُخْلِفُهُ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ وَيَتَّقِ صَاحِبُهُ فَهُوَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمَ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْحَرَمِيَّ فِيهِ لَيْسَ كَالْآفَاقِيِّ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هُنَاكَ حَجًّا وَاعْتِمَارًا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ ضُرُوبٍ نَذْكُرُهَا هُنَا لِإِفَادَةِ مَنْ لَمْ يَقْرَأِ الْفِقْهَ، أَوْ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ فِيهَا إِلَّا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَهِيَ: التَّمَتُّعُ، وَالْإِفْرَادُ، وَالْقِرَانُ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِهَا لِتَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ; أَيُّ الضُّرُوبِ كَانَتْ، فَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيُتِمَّهَا وَيَتَحَلَّلَ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُشْتَرَطُ التَّحَلُّلُ فَتَدْخُلُ فِي الْقِرَانِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى الْوَجْهَيْنِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ. وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ ثُمَّ يَعْتَمِرَ بَعْدَ أَدَائِهِ، وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ أَوِ الْعَكْسُ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 582

وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي حَجِّهِ ﵌، فَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ كَانَ تَمَتُّعًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ إِفْرَادًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ قِرَانًا، وَقَدْ جَمَعَ الْمُحَدِّثُونَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِوُجُوهٍ، أَقْوَاهَا وَأَجْمَعُهَا أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَصَارَ قِرَانًا، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِالْإِفْرَادِ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِينَ بِالْقِرَانِ عَلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ عَمَلُهُ مِنْ إِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ يَتَنَاوَلُ الْقِرَانَ، فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَجَّ تَمَتُّعًا فَتَصِحُّ جَمِيعُ الرِّوَايَاتِ. وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ أَنَّ حَجَّهُ ﷺ كَانَ قِرَانًا، وَلِذَلِكَ فَضَّلَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْقِرَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مَنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيُحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. وَحَكَى اسْتِنْكَارَهُمْ وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيُ لَأَحْلَلْتُ)) وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِنَّ الْأَفْضَلَ التَّمَتُّعُ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ لَا مُطْلَقًا. وَقَالَ ابْنُ الْقِيَمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: أَفْتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَوَازِ فَسْخِهِمُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَفْتَاهُمْ بِفِعْلِهِ حَتْمًا وَلَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَدِينُ لِلَّهِ بِهِ: أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِ أَقْوَى وَأَصَحُّ مِنَ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صِحَّةً لَا شَكَّ فِيهَا أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ وَمَنْ أَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَ عُمْرَةٍ)) وَالْمُرَادُ بِسَوْقِ الْهَدْيِ: أَخْذُهُ إِلَى الْحَرَمِ، وَمِنَ الْإِهْلَالِ: الْإِحْرَامُ، وَإِذَا كَانَ سَوْقُ الْهَدْيِ فِي هَذَا الزَّمَانِ شَاقًّا عَلَى حُجَّاجِ الْآفَاقِ وَكَثِيرَ النَّفَقَةِ إِلَّا عَلَى أَهْلِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْمُجَاوِرِينَ لِلْحِجَازِ فَأَكْثَرُ النَّاسِ يُحْرِمُونَ بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا، وَبَعْدَ أَدَاءِ أَرْكَانِهَا يَتَحَلَّلُونَ مِنْهَا بِمَكَّةَ، ثُمَّ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ قَبْلَ عَرَفَةَ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فِي الْغَالِبِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ الَّذِي يَخْرُجُونَ فِيهِ إِلَى عَرَفَاتٍ. (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: (الْحَجُّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يُؤَدَّى فِيهِ الْحَجُّ أَشْهُرٌ يَعْلَمُهَا النَّاسُ، وَهِيَ شَوَّالُ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ ; أَيْ: إِنَّهُ يُؤَدَّى فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَّلِ

стр. 583

يَوْمٍ مِنْهَا إِلَى آخِرِ يَوْمٍ ; بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِهِ مِنْ غُرَّةِ أَوَّلِهَا وَتَنْتَهِي أَرْكَانُهُ وَوَاجِبَاتُهُ فِي أَثْنَاءِ آخِرِهَا، فَالْوُقُوفُ فِي التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَبَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ، الَّذِي فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) (٩: ٣) وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَجَوَّزَ بَعْضُ السَّلَفِ تَأْخِيرَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إِلَى آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا الْأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ وَمِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَلَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِأَحَدٍ عَلَى تَحْدِيدِهِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (مَعْلُومَاتٌ) إِقْرَارٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ الْعَمَلِيِّ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ يَتَضَمَّنُ بُطْلَانَ النَّسِيءِ فِيهَا، لِأَنَّهُ جَاهِلِيٌّ مَعْرُوفٌ. وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَمَنْ يُصَلِّي قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: إِنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَمَالُكٌ بِلَا كَرَاهَةٍ. وَقَدْ بَحَثَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي لَفْظِ الْأَشْهُرِ وَكَوْنِهَا جَمْعَ قِلَّةٍ، وَهَلْ وَرَدَ فِي بَيَانِهَا نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ؟ وَأَقُولُ: إِنَّهُ بَحْثٌ لَا وَجْهَ لَهُ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مَعْلُومَاتٌ) أَنَّهَا هِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ الْمَعْرُوفَةُ لِلْعَرَبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الصَّحَابَةِ فِيهَا إِلَّا مَا قِيلَ فِي الثَّالِثِ مِنْهَا: هَلْ تَكُونُ أَيَّامُهُ كُلُّهَا أَيَّامَ حَجٍّ أَمْ تَنْتَهِي أَرْكَانُ الْحَجِّ فِي الْعَاشِرِ مِنْهُ؟ فَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْحَجَّ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سِرُّ جَعْلِهَا خَبَرًا عَنْهُ، وَلَمَّا كَانَ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ - وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ - يَكُونُ فِي التَّاسِعِ مِنَ الثَّالِثِ عُلِمَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَكَرَّرُ فِيهَا، فَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ فَلَا حَجَّ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أَيْ: أَوْجَبَهُ وَأَلْزَمَهُ نَفْسَهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ كَيْفِيَّتِهِ (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الرَّفَثِ فِي آيَاتِ الصِّيَامِ وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ. وَالْفُسُوقُ: الْخُرُوجُ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِأَيِّ فِعْلٍ مَحْظُورٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ خَاصَّةً، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالسِّبَابِ وَالتَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ. وَالْجِدَالُ: قِيلَ هُوَ بِمَعْنَى الْجِلَادِ مِنَ الْجَدَلِ بِمَعْنَى الْقَتْلِ، وَقِيلَ هُوَ الْمِرَاءُ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ يَكْثُرُ عَادَةً بَيْنَ الرُّفْقَةِ وَالْخَدَمِ فِي السَّفَرِ ; لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ تُضَيِّقُ الْأَخْلَاقَ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَأَقُولُ: إِنَّهُ يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ وَغَيْرِهَا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ الْمُخْتَارِ عِنْدَنَا، وَيَكُونُ النَّفْيُ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ فِي بَعْضِهَا لِلتَّحْرِيمِ كَالرَّفَثِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ لَا يُفْسِدُ النُّسُكَ، وَفِي بَعْضِهَا الْآخَرِ لِلْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ كَالرَّفَثِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ الصَّرِيحِ فِي أُمُورِ الْوِقَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ الصِّيَامِ إِلَخْ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ تَفْسِيرَ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَنَاسِبًا وَبِحَسَبِ حَالِ

стр. 584

الْقَوْمِ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ، فَأَمَّا الرَّفَثُ فَهُوَ كَمَا قِيلَ: الْجِمَاعُ، وَأَمَّا الْفُسُوقُ: فَهُوَ الْخُرُوجُ عَمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ مُبَاحَةً فِي الْحِلِّ، كَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ وَالزِّينَةِ بِاللِّبَاسِ الْمَخِيطِ، وَالْجِدَالُ: هُوَ مَا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْقَبَائِلِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالتَّفَاخُرِ فِي الْمَوْسِمِ، فَبِهَذَا يَكُونُ التَّنَاسُبُ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ، وَإِلَّا حُمِلَتْ كُلُّهَا عَلَى مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ، فَجُعِلَ الرَّفَثُ قَوْلَ الْفُحْشِ، وَالْفُسُوقُ التَّنَابُزَ بِالْأَلْقَابِ عَلَى حَدِّ (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ) (٤٩: ١١) وَالْجِدَالُ الْمِرَاءُ وَالْخِصَامُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْمَنَاهِي كُلُّهَا آدَابًا لِسَانِيَّةً. وَالنُّكْتَةُ فِي مَنْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (عَلَى أَنَّهَا آدَابٌ لِسَانِيَّةٌ) تَعْظِيمُ شَأْنِ الْحَرَمِ وَتَغْلِيظُ أَمْرِ الْإِثْمِ فِيهِ ; إِذِ الْأَعْمَالُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَلِلْمَلَأِ آدَابٌ غَيْرُ آدَابِ الْخَلْوَةِ مَعَ الْأَهْلِ، وَيُقَالُ فِي مَجْلِسِ الْإِخْوَانِ مَا لَا يُقَالُ فِي مَجْلِسِ السُّلْطَانِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ فِي أَوْقَاتِ الْعِبَادَةِ وَالْحُضُورِ مَعَ اللهِ تَعَالَى عَلَى أَكْمَلِ الْآدَابِ وَأَفْضَلِ الْأَحْوَالِ، وَنَاهِيكَ بِالْحُضُورِ فِي الْبَيْتِ الَّذِي نَسَبَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذِهِ النِّسْبَةِ فِي تَفْسِيرِ (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) (٢: ١٢٥) الْآيَاتِ. وَأَمَّا السِّرُّ فِيهَا - عَلَى أَنَّهَا مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ - فَهُوَ أَنْ يَتَمَثَّلَ الْحَاجُّ أَنَّهُ بِزِيَارَتِهِ لِبَيْتِ اللهِ تَعَالَى مُقْبِلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى قَاصِدٌ لَهُ، فَيَتَجَرَّدُ عَنْ عَادَاتِهِ وَنَعِيمِهِ، وَيَنْسَلِخُ مِنْ مَفَاخِرِهِ وَمُمَيِّزَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِحَيْثُ يُسَاوِي الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، وَيُمَاثِلُ الصُّعْلُوكُ الْأَمِيرَ، فَيَكُونُ النَّاسُ مِنْ جَمِيعِ الطَّبَقَاتِ فِي زِيٍّ كَزِيِّ الْأَمْوَاتِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ تَصْفِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا وَإِشْعَارِهَا مِنْ حَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالْأُخُوَّةِ لِلنَّاسِ مَا لَا يُقَدَّرُ قَدْرَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْفَى أَمْرُهُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ((مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) وَذَلِكَ أَنَّ الْإِقْبَالَ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ وَالتَّقَلُّبَ فِي تِلْكَ الْمَنَاسِكِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ يَمْحُو مِنَ النُّفُوسِ آثَارَ الذُّنُوبِ وَظُلْمَتَهَا وَيُدْخِلُهَا فِي حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، لَهَا فِيهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. وَأَقُولُ: إِنَّ مِنْ بَلَاغَةِ الْإِيجَازِ فِي الْآيَةِ التَّصْرِيحُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ بِذِكْرِ الْحَجِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، الْمُرَادُ بِأَوَّلِهَا زَمَانُ الْحَجِّ كَقَوْلِهِمْ: الْبَرْدُ شَهْرَانِ، وَبِالثَّانِي الْحَجُّ نَفْسُهُ الْمُسَمَّى بِالنُّسُكِ، وَبِالثَّالِثِ مَا يَعُمُّ زَمَانَ أَدَائِهِ وَمَكَانَهُ وَهُوَ أَرْضُ الْحَرَمِ وَمَا يَتْبَعُهَا كَعَرَفَاتٍ، كَمَا تَعُمُّ الظَّرْفِيَّةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (٢٢: ٢٥) جَمِيعَ أَرْضِ الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَضْرِبُ خِيَامَهُ خَارِجَ حُدُودِ الْحَرَمِ فَيَطُوفُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّي ثُمَّ يَجِيءُ خِيَامَهُ فَيُبَيِّتُ فِيهَا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يُهِينَ أَحَدَ خَدَمِهِ فَيَكُونُ مُلْحِدًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَجَمِيعُ أَمْكِنَةِ الْحَرَمِ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ وَمَشَاعِرِهِ وَحُرُمَاتِهِ الَّتِي يَجِبُ احْتِرَامُهَا، وَأَهَمُّهَا اجْتِنَابُ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ بِالْبَاطِلِ فِيهَا، إِلَّا أَنَّ الرَّفَثَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ مِنَ النُّسُكِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ قَبِيحًا. وَلَوْ قَالَ: فَمَنْ فَرَضَهُ فِيهِنَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِيهِ، لَمْ يُؤَدِّ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلَّهَا. وَمِنَ الْقِرَاءَاتِ فِيهَا قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَيَعْقُوبَ ((رَفَثُ وَفُسُوقُ)) بِالرَّفْعِ ((وَجِدَالَ))

стр. 585

بِالْفَتْحِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ. وَهُوَ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ لِجِنْسِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِهَا بِالنَّصِّ وَيَتَضَمَّنُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ) وَفِيهِ الْتِفَاتٌ إِلَى الْخِطَابِ وَيُشْعِرُ الْعَطْفُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَنِ اتْرُكُوا هَذِهِ الْأُمُورَ الْمَمْنُوعَةَ فِي الْحَجِّ لِتَخْلِيَةِ نُفُوسِكُمْ وَتَصْفِيَتِهَا، وَحَلُّوهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْخَيْرِ لِتَتِمَّ لَكُمْ تَزْكِيَّتُهَا، فَإِنَّ النُّفُوسَ بَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ أَشَدَّ اسْتِعْدَادًا لِلِاتِّصَافِ بِالْخَيْرِ، وَاللهُ لَا يُضِيعُ عَلَيْكُمْ أَقَلَّ شَيْءٍ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ وَبِأَنَّكُمْ وَافَقْتُمْ فِيهِ سُنَّتَهُ وَشَرِيعَتَهُ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) قَالُوا: إِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي رَدْعِ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ تَرْكِ التَّزَوُّدِ زَعْمًا أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، ثُمَّ يَقْدُمُونَ فَيَسْأَلُونَ النَّاسَ فَنَزَلَتْ. فَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى عَلَى هَذَا اتِّقَاءُ السُّؤَالِ وَبَذْلِ مَاءِ الْوَجْهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنَ الْعِبَارَةِ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا أَنَّ الزَّادَ هُوَ زَادُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَمَا تُدَّخَرُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ التَّعْلِيلُ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وَالْمَعْنَى مِنَ التَّقْوَى مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَا بِهِ يَتَّقِي سَخَطَ اللهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا الْبِرُّ وَالتَّنَزُّهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يُعَلِّلُ بِأَنَّ التَّقْوَى خَيْرُ زَادٍ إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ التَّزَوُّدَ مِنْهَا، أَمَّا مَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلَا يَصْلُحُ مُرَادًا مِنَ الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا مَا أَوْرَدُوا مِنَ السَّبَبِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ سَامِعِ اللَّفْظِ، وَالسَّبَبُ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي الْآيَةِ وَلَا مُشَارًا إِلَيْهِ فِيهَا فَلَا يَصْلُحُ قَرِينَةً عَلَى الْمُرَادِ مِنْ أَلْفَاظِهَا، نَعَمْ إِنَّ السَّبَبَ قَدْ يُنِيرُ السَّبِيلَ فِي فَهْمِ الْآيَةِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَفْهُومَةً بِنَفْسِهَا ; لِأَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلِذَلِكَ أَتَمَّهَا بِقَوْلِهِ: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) يَعْنِي مَنْ كَانَ لَهُ لُبٌّ وَعَقْلٌ فَلْيَتَّقِنِي فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى نُورٍ مِنْ فَائِدَةِ التَّقْوَى وَأَهْلًا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا. أَقُولُ: وَيَدْخُلُ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ كَالتَّزَوُّدِ وَتَحَامِي وَسَائِلِ الْحَاجَةِ إِلَى السُّؤَالِ الْمَذْمُومِ وَاللهُ أَعْلَمُ. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

стр. 586

قَوْلُهُ : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْرَاكِ وَالِاحْتِرَاسِ مِمَّا عَسَاهُ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّزَوُّدِ مِنَ التَّقْوَى وَعَمَلِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ وَهُوَ خَيْرُ الزَّادِ، ثُمَّ مِنْ مُخَاطَبَةِ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى تَعْرِيضًا بِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّقِي لَا لُبَّ لَهُ وَلَا عَقْلَ، وَهُوَ أَنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ لَا يُبَاحُ فِيهَا غَيْرُ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ، فَيَحْرُمُ فِيهَا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ فِي الْمَوْسِمِ، كَمَا يَحْرُمُ الرَّفَثُ وَالْفُسُوقُ وَالْجِدَالُ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ التِّجَارَةِ غَالِبًا، وَالتَّرَفُّهُ بِزِينَةِ اللِّبَاسِ الْمَخِيطِ وَالْحَلْقِ، وَالْإِفْضَاءُ إِلَى النِّسَاءِ، فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ مِنَ الْفَهْمِ وَعَلَّمَنَا أَنَّ الْكَسْبَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَافِي الْإِخْلَاصَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ إِلَى التِّجَارَةِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَرُجِ الْكَسْبُ لَمْ يُسَافِرْ لِأَجْلِ الْحَجِّ، هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ. وَحَمَلَ أَبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ عَلَى مَا بَعْدَ الْحَجِّ وَمَنَعَ الْكَسْبَ فِي أَيَّامِهِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ نُزُولُ الْآيَةِ فِي سِيَاقِ أَحْكَامِ الْحَجِّ، وَنَفْيُ الْجُنَاحِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَمَا وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِهَا، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ وَمِجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوْسِمِ ; فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآيَةَ بِزِيَادَةٍ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَالَهُ تَفْسِيرًا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي جَرِيرٍ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَكْرِي - أَيِ الرَّوَاحِلَ لِلْحُجَّاجِ - فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ - وَذَكَرَهَا - فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَنْتُمْ حُجَّاجٌ)) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُمْ تُلَبُّونَ؟ أَلَسْتُمْ تَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ أَلَسْتُمْ أَلَسْتُمْ؟ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: كَانَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ وَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَتَأَثَّمُونَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ حَتَّى كَانُوا يَقْفِلُونَ حَوَانِيتَهُمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْكَسْبَ طَلَبُ فَضْلٍ مِنَ اللهِ لَا جُنَاحَ فِيهِ مَعَ الْإِخْلَاصِ، وَقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِنْ رَبِّكُمْ) يُشْعِرُ بِأَنَّ ابْتِغَاءَ الرِّزْقِ مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَيُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ قَالَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِسَائِلٍ: وَهَلْ كُنَّا نَعِيشُ إِلَّا بِالتِّجَارَةِ؟ أَقُولُ: لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْإِبَاحَةَ رُخْصَةٌ، وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَهُ إِذَا أُرِيدَ بِأَيَّامِ الْحَجِّ الْأَيَّامَ الَّتِي تُؤَدَّى فِيهَا الْمَنَاسِكُ بِالْفِعْلِ لَا كُلَّ أَيَّامِ شَوَّالٍ وَذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ أَوْ عَشْرَهُ الْأُوَلَ، وَذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ وَقْتٍ عِبَادَةً لَا تُزَاحِمُهَا فِيهِ عِبَادَةٌ أُخْرَى كَالتَّلْبِيَةِ لِلْحُجَّاجِ وَالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ

стр. 587

وَالتَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ ذِكْرُ الْحَجِّ الْخَاصِّ الَّذِي يُكَرَّرُ فِي أَثْنَائِهِ إِلَى انْتِهَاءِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ إِلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ، وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي التَّحْدِيدِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْكَسْبَ مُبَاحٌ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَأَنَّهُ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَمُلَاحَظَةِ أَنَّهُ فَضْلٌ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى يَكُونُ فِيهِ نَوْعَ عِبَادَةٍ، وَأَنَّ التَّفَرُّغَ لِلْمَنَاسِكِ فِي أَيَّامِ أَدَائِهَا أَفْضَلُ، وَالتَّنَزُّهَ عَنْ جَمِيعِ حُظُوظِ الدُّنْيَا فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ الطَّاهِرَةِ أَكْمَلُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) الْإِفَاضَةُ مِنَ الْمَكَانِ: الدَّفْعُ مِنْهُ، مُسْتَعَارٌ مِنْ إِفَاضَةِ الْمَاءِ، وَأَصْلُهُ أَفَضْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَيُقَالُ أَيْضًا: أَفَاضَ فِي الْكَلَامِ إِذَا انْطَلَقَ فِيهِ كَمَا يَفِيضُ الْمَاءُ وَيَتَدَفَّقُ، وَعَرَفَاتٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ مَوْقِفُ الْحَاجِّ فِي النُّسُكِ يَجْتَمِعُ فِيهَا كُلَّ عَامٍ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الِاسْمُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ جَمْعٌ وُضِعَ لِمُفْرَدٍ كَأَذْرُعَاتٍ وَهُوَ مُرْتَجَلٌ، وَذَكَرُوا وُجُوهًا لِلتَّسْمِيَةِ أَحْسَنُهَا أَنَّهُ يَتَعَرَّفُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى رَبِّهِمْ بِالْعِبَادَةِ، أَوْ أَنَّهُ يُشْعِرُ بِتَعَارُفِ النَّاسِ فِيهِ، وَعَرَفَةُ اسْمٌ لِلْيَوْمِ يَقِفُ فِيهِ الْحُجَّاجُ بِعَرَفَاتٍ، وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ، وَأُطْلِقَ أَيْضًا عَلَى الْمَكَانِ فِي كَلَامِهِمْ، وَلِعَرَفَاتٍ أَرْبَعَةُ حُدُودٍ: حَدٌّ إِلَى جَادَّةِ طَرِيقِ الْمَشْرِقِ، وَالثَّانِي إِلَى حَافَاتِ الْجَبَلِ الَّذِي وَرَاءَ أَرْضِهَا، وَالثَّالِثُ إِلَى الْبَسَاتِينِ الَّتِي تَلِي قَرْنَيْهَا عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةِ، وَالرَّابِعُ وَادِي عُرَنَةَ - بِضَمٍّ فَفَتَحَ - وَلَيْسَتْ عَرِنَةُ وَلَا نَمِرَةَ - بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ - مِنْ عَرَفَاتٍ. وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ. وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ: جَبَلُ الْمُزْدَلِفَةِ يَقِفُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَيُسَمَّى قُزَحَ - بِضَمٍّ فَفَتْحٍ - وَسُمِّيَ مَشْعَرًا ; لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْعِبَادَةِ، وَوُصِفَ بِالْحَرَامِ لِحُرْمَتِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَاتٍ إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ - بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ - وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَلَا مِنْ مِنًى بَلْ هُوَ مَسِيلُ مَاءٍ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ، وَقَدِ اسْتَوَتْ أَرْضُهُ الْآنَ أَوْ هُوَ مِنْ مِنًى. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنَ الْحَاجِّ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَذْكُرَ اللهُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فِيهَا بِالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَقِيلَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ جَمْعًا، وَلَيْسَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ بَلْ قَالُوهُ لِيَنْطَبِقَ عَلَى قَوْلِهِمُ: الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الذِّكْرَ هُنَاكَ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْآيَةِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيَانِ الْمَنَاسِكِ مَعَ قَوْلِهِ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) أَوْ ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ)) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) فَكُلُّ مَا الْتَزَمَهُ ﷺ فِي صِلَاتِهِ وَنُسُكِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ مُبَيِّنٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي

стр. 588

كِتَابِ اللهِ، وَأَمَّا الْمَسْنُونُ مِنْ أَعْمَالِهِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَمَا صَحَّتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ((وَقَفْتُ هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ)) وَفِي حَدِيثِهِ عِنْدَهُ أَيْضًا ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَا (أَيْ: نَاقَتُهُ الْمَجْدُوعَةُ وَهَذَا اسْمُهَا وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ وَيُمَدُّ) حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَا اللهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَلَّهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ)) الْحَدِيثَ - وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ هُوَ قُزَحٌ وَأَنَّ الذِّكْرَ غَيْرُ صَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ جَمْعًا، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ ((وَتُسَمَّى جَمْعًا)) مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَمَرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَرَكُوهُ بَعْدَ الْمَبِيتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَبِيتَ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا لَا يُخْشَى التَّهَاوُنُ فِيهِ، وَالْقُرْآنُ لَمْ يُبَيِّنْ كُلَّ الْمَنَاسِكِ بَلِ الْمُهِمَّ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَاقِيَ بِالْعَمَلِ. ثُمَّ قَالَ: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) أَيْ: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا كَمَا هَدَاكُمْ هِدَايَةً حَسَنَةً إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَاتِّخَاذِ الْوُسَطَاءِ كَمَا كُنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَذْكُرُونَهُ مَعَ مُلَاحَظَةِ غَيْرِهِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ لَا يَفْرَغُ قَلْبُكُمْ لَهُ. وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. فَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ لَا لِلتَّعْلِيلِ كَمَا قِيلَ (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) أَيْ: وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ زُمْرَةِ الضَّالِّينَ عَنِ الْحَقِّ فِي عَقَائِدِكُمْ وَأَعْمَالِكُمُ الرَّاسِخِينَ فِي الضَّلَالِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَيْ مِنْ قَبْلِ اللهِ الَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ إِيمَانًا صَحِيحًا بِهِدَايَةِ الْإِسْلَامِ دُونَ الْخَيَالِ الَّذِي كُنْتُمْ تَدْعُونَهُ إِلَهًا، وَتَجْعَلُونَ لَهُ وُسَطَاءَ شُرَكَاءَ يُقَرِّبُونَ إِلَيْهِ وَيَشْفَعُونَ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْخَيَالَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُسْتَغْنَى عَنْ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ، وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِ ضَمِيرِ (قَبْلِهِ) لِلْهُدَى كَمَا قَالَ (الْجَلَالُ) وَغَيْرُهُ لَسَبْقِ فِعْلِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْمَقَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) (٩٧: ١) . (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) جَعَلَ الْمُفَسِّرُ (الْجَلَالُ) كَغَيْرِهِ الْخِطَابَ هُنَا لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً، إِذْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: ((أَنَّ قُرَيْشًا وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ - وَهُمُ الْحُمْسُ - كَانُوا يَقِفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِمُزْدَلِفَةَ تَرَفُّعًا عَنِ الْوُقُوفِ مَعَ الْعَرَبِ فِي عَرَفَاتٍ، فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بِهَا ثُمَّ يَفِيضُ مِنْهَا)) أَيْ إِبْطَالًا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْإِفَاضَةِ: الدَّفْعُ مِنْ عَرَفَاتٍ كَالْأُولَى قَالَ: وَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ فِي الذِّكْرِ. وَأَنْكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هَذَا ; لِأَنَّ الْأُسْلُوبَ يُنَافِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَاتِ كُلِّهَا عَامٌّ. قَالَ: وَهُمْ يَذْكُرُونَ هَذَا كَثِيرًا وَلَا يَذْكُرُونَ لَهُ نُكْتَةً تُزِيلُ التَّفَاوُتَ مِنَ النَّظْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُنَا إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ قَالَ هَذَا كَأَنَّ الْمَعْنَى هَكَذَا: بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَكُمْ مَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِنْ

стр. 589

أَعْمَالِ الْحَجِّ وَلَيْسَ فِيهَا امْتِيَازُ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا قَبِيلٍ عَلَى قَبِيلٍ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ وَتَرْكَ التَّفَاخُرِ مِنْ مَقَاصِدِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْعَادَةَ الْمُمَيِّزَةَ لَا وَجْهَ لَهَا، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُفِيضُوا مَعَ النَّاسِ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِفَاضَةِ هُنَا الدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ الدَّفْعَ مِنْ عَرَفَاتٍ فِي خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدُ الْوُقُوفِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَفِي الْإِفَاضَةِ مِنْهَا إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِمَا يُتَوَقَّعُ أَنْ يَغْفُلُوا عَنْهُ فِيهَا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْهَا ذَكَرَ الْإِفَاضَةَ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ) يُفِيدُ أَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُرَتَّبَةً عَلَى الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَمُتَأَخِّرَةً عَنْهَا، فَفِيهِ تَأْكِيدُ إِبْطَالِ تِلْكَ الْعَادَةِ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِامْتِيَازِ فِي الْمَوْقِفِ تَرَفُّعًا عَنِ النَّاسِ إِذْ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَتَسَاوُونَ فِي الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّ غَيْرَ قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ أَيْضًا، فَالْآيَةُ تَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مَعَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْإِفَاضَةِ فِيهَا الدَّفْعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَثَرِ وَأَنَّهُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْجِنْسُ، وَقِيلَ: إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمَا، وَقَوْلُهُ: (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ) يُرَادُ بِهِ الِاسْتِغْفَارُ مِمَّا أَحْدَثُوا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَنَاسِكِ وَإِدْخَالِ الشِّرْكِ وَأَعْمَالِهِ فِيهَا، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِغْفَارٌ مِنَ الضَّلَالِ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ بِهِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا، وَمِنْ عَامَّةِ الذُّنُوبِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوَجَّهُ إِلَى مَنْ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أَيْ: وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ تَائِبًا مُنِيبًا. (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) .

стр. 590

(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) كَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَجَامِعٌ فِي الْمَوْسِمِ يُفَاخِرُونَ فِيهَا بِآبَائِهِمْ وَيَذْكُرُونَ أَنْسَابَهُمْ وَفِعَالَهُمْ، أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ فِي الْمَوْسِمِ يَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ وَيَحْمِلُ الْحَمَالَاتِ وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ، لَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ غَيْرَ فِعَالِ آبَائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانُوا إِذَا قَضَوْا مَنَاسِكَهُمْ وَقَفُوا عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَذَكَرُوا آبَاءَهُمْ إِلَخْ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ بِمِنًى بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْجَبَلِ يَتَفَاخَرُونَ وَيَتَعَاكَظُونَ وَيَتَنَاشَدُونَ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ وَهِيَ أَعْمَالُ الْحَجِّ كَمَا كَانُوا يَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ أَشَدَّ مِنْ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُمْ. وَقَدْ كَانَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ أَنْ خَطَبَ النَّبِيُّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى تَرْكِ تِلْكَ الْمُفَاخَرَاتِ. رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَّا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ؟)) قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ بَلِ اذْكُرُوهُ أَشَدَّ مِنْ ذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ وَفِيهِ مِنَ الْإِيجَازِ مَا تَرَى حُسْنَهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَقَدْ تَعَسَّفَ فِي إِعْرَابِهِ الَّذِينَ حَكَّمُوا النَّحْوَ الَّذِي وَضَعُوهُ فِي الْقُرْآنِ، وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ إِذَا ظَفِرَ أَحَدُهُمْ بِبَيْتِ شِعْرٍ لِأَحَدِ أَجْلَافِ الْأَعْرَابِ يَطِيرُ فَرَحًا بِهِ وَيَجْعَلُهُ قَاعِدَةً، ثُمَّ يُشْكِلُ عَلَيْهِ إِعْرَابُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَلَا يَتَّخِذُهَا قَاعِدَةً، بَلْ يَتَكَلَّفُ فِي إِرْجَاعِهَا إِلَى كَلَامِ أُولَئِكَ الْأَجْلَافِ وَتَصْحِيحِهَا بِهِ كَأَنَّ كَلَامَهُمْ هُوَ الْأَصْلُ الثَّابِتُ، وَيُعْجِبُنِي أَيْضًا مَا قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَهُوَ أَنَّ لِلْقُرْآنِ إِيجَازًا وَاخْتِصَارًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْمَقَامِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى هُنَا أَوْ كُونُوا أَشَدَّ ذِكْرًا، وَمِثْلُ هَذَا شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ هُنَا كَلِمَتَهُ الَّتِي يُكَرِّرُهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ وَهِيَ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مَبْدَأَ إِصْلَاحٍ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ قَبْلُ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ يَذْكُرُونَهُ فَيَدْعُونَهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) الْخَلَاقُ النَّصِيبُ وَالْحَظُّ. ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْفَرِيقَ يَطْلُبُ حَظَّ الدُّنْيَا مُطْلَقًا وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يَطْلُبُ حَسَنَةً فِيهَا ; لِأَنَّ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلَّ هَمِّهِ لَا يُبَالِي أَكَانَتْ شَهَوَاتُهُ وَحُظُوظُهُ حَسَنَةً أَمْ سَيِّئَةً، فَهُوَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَيَسْلُكُ إِلَيْهَا كُلَّ طَرِيقٍ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ نَافِعٍ لِغَيْرِهِ وَلَا ضَارٍّ، فَبِاسْتِيلَاءِ حُبِّ الدُّنْيَا عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخِرَةِ وَمَا أَعَدَّهُ اللهُ فِيهَا لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الرِّضْوَانِ مَوْضِعٌ مِنْ نَفْسِهِ يَرْجُوهُ وَيَدْعُو اللهَ فِيهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَخَافُ

стр. 591

مَا تَوَعَّدَ اللهُ بِهِ الْمُجْرِمِينَ فِيهَا فَيَلْجَأُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِأَنْ يَقِيَهُ شَرَّهُ، فَحِرْمَانُ هَذَا الْفَرِيقِ مِنْ خَلَاقِ الْآخِرَةِ هُوَ أَثَرُ كَسْبِهِ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِ، وَتَفْضِيلِهِ حُظُوظَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ عَلَى سَعَادَةِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِلْأُولَى كُلَّ مَا يَسْتَطِيعُ مِنْ أَسْبَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَسْأَلُ رَبَّهُ إِلَّا الْمَزِيدَ مِنْ حُظُوظِهَا وَشَهَوَاتِهَا. وَقَدْ يَنَالُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِدُونِ هَمٍّ كَبِيرٍ فِي الْعَمَلِ لَهَا، وَلَا يَعْمَلُ لِلْآخِرَةِ وَقَدِ اشْتُرِطَ لِسَعَادَتِهَا خَيْرَ الْعَمَلِ، فَقَالَ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (١٧: ١٨، ١٩) الْآيَاتُ. وَبِاللهِ مَا أَبْلَغَ حَذْفَ مَفْعُولِ (آتِنَا) فِي هَذَا الْمَقَامِ فَهُوَ مِنْ دَقَائِقِ الْإِيجَازِ الَّتِي تَحَارُ فِيهَا الْأَفْهَامُ، وَتَعْجَزُ عَنْهَا قَرَائِحُ الْأَنَامِ، فَإِنَّهُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْعُمُومِ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُعْنَى بِهِ أَفْرَادُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْمُتَفَاوَتِي الْهِمَمِ الْمُخْتَلِفِي الْأَهْوَاءِ مِنَ الْحُظُوظِ وَالشَّهَوَاتِ، حُسْنِهَا وَقَبِيحِهَا، خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، كَبِيرِهَا وَخَسِيسِهَا، وَمَا لَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ مِنْهَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَعْيِينِ هَذَا الْفَرِيقِ فَقِيلَ: هُمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ مِنْ دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ بِحُظُوظِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: هُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَمْ تَمَسَّ أَسْرَارُ الدِّينِ وَحِكَمُهُ قُلُوبَهُمْ، وَلَمْ تُشْرِقْ أَنْوَارُ هِدَايَتِهِ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ، بَلِ اكْتَفَوْا بِالتَّقْلِيدِ فِي رُسُومِهِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ هَمُّهُمْ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَذَكَرُوا هُنَا مَا رُوِيَ فِي الْمَرْفُوعِ مِنْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِمَنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّةِ رَأْيِهِمْ بِالسِّيَاقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْلِمِينَ كَمَا وُجِدَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، وَمَنْ بَلَا النَّاسَ وَفَلَّاهُمْ عَرَفَ ذَلِكَ. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) أَيْ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا، لَا حُظُوظَ الدُّنْيَا وَحْدَهَا كَيْفَمَا كَانَتْ كَالْفَرِيقِ الْأَوَّلِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَعْيِينِ الْحَسَنَةِ هَلْ هِيَ الْعَافِيَةُ أَوِ الْكَفَافُ أَوِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ أَوِ الْأَوْلَادُ الْأَبْرَارُ أَوِ الْمَالُ الصَّالِحُ أَوِ الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ أَوِ الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ، وَرُوِيَ بَعْضُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَلَعَلَّ كُلَّ ذِي قَوْلٍ يُطْلِقُهَا عَلَى الْمُهِمِّ عِنْدَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (حَسَنَةً) وَصْفٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ حَيَاةً حَسَنَةً، وَانْظُرْ بِمَ تَكُونُ حَيَاةُ الْمَرْءِ حَسَنَةً فَيَكُونُ سَعِيدًا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ دَعَا اللهَ تَعَالَى دُعَاءً إِجْمَالِيًّا فَلْيَدْعُهُ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ فِيهِمَا يَكُنْ مُهْتَدِيًا بِالْآيَةِ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ خَاصَّةٌ فَدَعَاهُ لَهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ حَسَنَةٌ فَهُوَ مُهْتَدٍ بِهَا، عَلَى أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حَسَنَةِ الْآخِرَةِ أَيْضًا فَقِيلَ: الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: الرُّؤْيَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي عَذَابِ النَّارِ، وَرَوَوْا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ الْمَرْأَةُ السُّوءُ. وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (٢: ١٨٦) أَنَّ الطَّلَبَ مِنَ اللهِ تَعَالَى إِنَّمَا يَكُونُ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ

стр. 592

وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَاسْتِمْدَادِ الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ مِنْهُ، لِلْهِدَايَةِ إِلَى مَا يَعْجَزُ الْعَبْدُ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) بِقَوْلِهِ: أَيِ احْفَظْنَا مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالذُّنُوبِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا، فَطَلَبُ الْحَيَاةِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ بِالْأَخْذِ بِأَسْبَابِهَا الْمُجَرَّبَةِ فِي الْكَسْبِ وَالنِّظَامِ فِي الْمَعِيشَةِ، وَحُسْنِ مُعَاشَرَةِ النَّاسِ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ وَالْعُرْفِ، وَقَصْدِ الْخَيْرِ فِي الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، وَتَوَقِّي الشُّرُورِ كُلِّهَا، وَطَلَبُ الْحَيَاةِ الْحَسَنَةِ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ بِالْإِيمَانِ الْخَالِصِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَطَلَبُ الْوِقَايَةِ مِنَ النَّارِ يَكُونُ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَالشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، مَعَ الْقِيَامِ بِالْفَرَائِضِ الْمُحَتَّمَةِ. هَذَا هُوَ الطَّلَبُ بِلِسَانِ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ، وَأَمَّا الطَّلَبُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ فَهُوَ يَصْدُقُ بِمَا يُذَكِّرُ الْقَلْبَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ مِنَ اللهِ، فَالسَّعْيُ لَهَا مَعَ الْإِيمَانِ هُوَ عَيْنُ الطَّلَبِ مِنْ فَيْضِهِ وَإِحْسَانِهِ، مَضَتْ سُنَّتُهُ بِأَنْ يُعْطِيَ بِهَا فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً، لَا بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ مَحَلَّهَا وَحِكْمَتَهَا غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ إِلَى سِوَاهُ فِي الْهِدَايَةِ إِلَى مَا خَفِيَ وَالْمَعُونَةِ عَلَى مَا عَسُرَ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّقْسِيمِ مَنْ لَا يَطْلُبُ إِلَّا حَسَنَةَ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّ التَّقْسِيمَ لِبَيَانِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ دَاعِي الْجِبِلَّةِ وَتَأْثِيرِ التَّرْبِيَةِ وَهَدْيِ الدِّينِ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْبَشَرِ مَنْ لَا تَتَوَجَّهُ نَفْسُهُ إِلَى حُسْنِ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا مَهْمَا يَكُنْ غَالِبًا فِي الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ ; لِأَنَّ الْإِحْسَاسَ بِالْجُوعِ وَالْبَرْدِ وَالتَّعَبِ يَحْمِلُهُ كَرْهَا عَلَى الْتِمَاسِ تَخْفِيفِ أَلَمِ ذَلِكَ الْإِحْسَاسِ، وَالشَّرْعُ يُكَلِّفُهُ ذَلِكَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَقَدْ جَعَلَ عَلَيْهِ حُقُوقًا لِبَدَنِهِ وَلِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَلِرَحِمِهِ وَلِزَائِرِيهِ وَإِخْوَانِهِ وَأُمَّتِهِ لَا تَصِحُّ عُبُودِيَّتُهُ إِلَّا بِدُعَاءِ اللهِ تَعَالَى فِيهَا. وَفِي الْآيَةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا الْغُلُوَّ مَذْمُومٌ خَارِجٌ مِنْ سُنَنِ الْفِطْرَةِ وَصِرَاطِ الدِّينِ مَعًا، وَمَا نَهَى اللهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنِ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَذَمَّهُمْ عَلَى التَّشَدُّدِ فِيهِ إِلَّا عِبْرَةً لَنَا، وَقَدْ نَهَانَا عَنْهُ نَبِيُّنَا ﷺ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ الْمَنْتُوفِ فَقَالَ لَهُ: ((هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللهَ بِشَيْءٍ؟)) قَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ: اللهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((سُبْحَانَ اللهِ إِذًا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ وَلَا تَسْتَطِيعُهُ فَهَلَّا قُلْتَ: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) وَدَعَا لَهُ فَشَفَاهُ اللهُ تَعَالَى. وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا فِي الْغُلُوِّ أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ سَمِعَ قَارِئًا يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (٣: ١٥٢) فَصَاحَ أَوَاهُ فَأَيْنَ مَنْ يُرِيدُ اللهَ؟ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنُ الظَّاهِرِ قَبِيحُ الْبَاطِنِ، فَالْآيَةُ خِطَابٌ لِخِيَارِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ وَشَيْخُهُ مِنِ الصُّوفِيَّةِ لَمْ يَبْلُغُوا مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ، فَإِرَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالْحَقِّ إِرَادَةٌ لِمَرْضَاةِ اللهِ وَعَمَلٌ بِسُنَّتِهِ وَشَرْعِهِ، وَالْمُرَادُ بِالدُّنْيَا فِيهَا الْغَنِيمَةُ فِي الْحَرْبِ، وَبِالْآخِرَةِ الشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهَلْ يَظُنُّ بِجَهْلِهِ

стр. 593

أَنَّ مَنْ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ بِأَنَّهُمْ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِهِ وَنَصْرِ رَسُولِهِ وَآثَرُوا الشَّهَادَةَ فِي الْقِتَالِ عَلَى الْغَنِيمَةِ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ اللهَ؟ وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْآيَةَ كَانَتْ أَكْثَرَ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَهَلْ يَدَّعِي ذَلِكَ الصُّوفِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْغُلَاةِ أَنَّهُمْ أَشَدُّ حُبًّا مِنْهُ لِلَّهِ وَطَلَبًا لَهُ ؟ (أَقُولُ) : كَلَّا إِنَّمَا هِيَ فَلْسَفَةٌ خَيَالِيَّةٌ مِنْ خَيَالَاتِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ الْبُرْهُمِيَّةِ الْهِنْدِيَّةِ قَدْ شُغِلَ بِهَا أَفْرَادٌ عَنْ فِطْرَةِ اللهِ وَشَرْعِهِ مَعًا فَجَعَلُوهَا أَعْلَى مَرَاتِبَ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَأَوَّلُوا لَهَا بَعْضَ آيَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (١٨: ٢٨) وَمَا إِرَادَةُ وَجْهِهِ تَعَالَى إِلَّا الْإِخْلَاصُ لَهُ فِي كُلِّ عَمَلٍ مَشْرُوعٍ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَتَحَرِّي هِدَايَةِ دِينِهِ فِيهِ، لَا مَا تَخَيَّلُوهُ مِنْ أَنَّ إِرَادَةَ وَجْهِهِ تَعَالَى هُوَ الْوُصُولُ إِلَى ذَاتِهِ بَعْدَ التَّجَرُّدِ مِنْ كُلِّ نِعْمَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ جَمِيعًا، فَإِنَّ الِاتِّصَالَ بِتِلْكَ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْقُدْسِيَّةِ الَّتِي لَا تُدْرِكُهَا الْعُقُولُ وَلَا تَدْنُو مِنْ كُنْهِهَا الْأَفْكَارُ وَلَا الْأَوْهَامُ، مِمَّا لَمْ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ شَرْعٌ، بَلْ إِدْرَاكُ كُنْهِ الذَّوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ لَهُ تَعَالَى فَوْقَ اسْتِطَاعَةِ خَلْقِهِ. وَإِنَّمَا أَعْلَى مَرَاتِبَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا هِيَ مَعْرِفَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ، وَمَعْرِفَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَبِكُلِّ شَيْءٍ، وَدُعَاؤُهُ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ بِمَا يُنَاسِبُ تَعَلُّقَهُ بِشُئُونِ عِبَادِهِ، وَبِهَذَا فَضَّلَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِيَارَ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَعْبُدُ كُلٌّ مِنْهُمْ رَبَّهُ عِبَادَةً خَاصَّةً، وَالْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ مَنْ يَعْرِفُ حَقَّ رَبِّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا شَرَعَهُ مِنْ حُقُوقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالْقِيَامُ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُبِّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَأَعْلَى مَرَاتِبِ مَعْرِفَتِهِ فِي الْآخِرَةِ هُوَ مَقَامُ الرُّؤْيَةِ بِتَجَلِّيهِ الْأَعْلَى فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَالِاشْتِغَالُ بِذِكْرِ الْجَزَاءِ عَنِ الْعَمَلِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ جَهْلٌ لَا عِلْمٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَيَانًا لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ حَظِّ هَؤُلَاءِ: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) الْإِشَارَةُ بِـ (أُولَئِكَ) إِلَى الَّذِينَ يَطْلُبُونَ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ، وَالْحَسَنَةَ فِي الْمَنْزِلَتَيْنِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْفَرِيقِ الَّذِي يَطْلُبُ الدُّنْيَا وَحْدَهَا قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) (٢: ٢٠٠) فَإِنَّ الْعَطْفَ يُشْعِرُ بِمَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْفَرِيقُ لَهُ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حَظٍّ سِوَاهُ، وَمَجْمُوعُ الْكَلَامِ فِي الْفَرِيقَيْنِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (٤٢: ٢٠) وَقَدْ بَيَّنَتِ الْآيَةُ صَرِيحًا أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مَا دَعَوُا اللهَ تَعَالَى فِيهِ بِكَسْبِهِمْ، وَهَذَا نَصٌّ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاءِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ اللِّسَانِ مُطَابِقًا لِمَا فِي النَّفْسِ مِنَ الشُّعُورِ بِالْحَاجَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بَعْدَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالسَّعْيِ فِي الطُّرُقِ الَّتِي مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى ; وَلِهَذَا قَالَ: (مِمَّا كَسَبُوا) وَلَمْ يَقُلْ: لَهُمْ مَا طَلَبُوا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِأَسْبَابِهَا وَيَسْعَوْنَ لِلْآخِرَةِ سَعْيَهَا، كَانَ لَهُمْ حَظٌّ مِنْ كَسْبِهِمْ هَذَا فِي الدَّارَيْنِ عَلَى قَدْرِهِ (وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يُوَفِّي كُلَّ كَاسِبٍ أَجْرَهُ عَقِبَ عَمَلِهِ بِحَسَبِهِ ; لِأَنَّ سُنَّتَهُ مَضَتْ بِأَنْ تَكُونَ الرَّغَائِبُ آثَارَ الْأَعْمَالِ،

стр. 594

فَهُوَ يُوَفِّي كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ بِلَا إِبْطَاءٍ، وَكَمَا يَكُونُ الْجَزَاءُ سَرِيعًا فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ أَثَرَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَظْهَرُ لِلْمَرْءِ عَقِبَ الْمَوْتِ وَهُوَ أَوَّلُ قَدَمٍ يَضَعُهَا فِي بَابِ عَالَمِ الْآخِرَةِ. وَهَذَا أَحْسَنُ بَيَانٍ لِمَا قَالُوهُ فِي تَفْسِيرِ (سَرِيعُ الْحِسَابِ) مِنْ أَنَّهُ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حِسَابُ الْآخِرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ أَقْرَبُهَا إِلَى التَّصَوُّرِ أَنَّ سُرْعَةَ الْحِسَابِ عِبَارَةٌ عَنْ إِطْلَاعِ كُلِّ عَامِلٍ عَلَى عَمَلِهِ أَوْ إِعْلَامِهِ بِمَا لَهُ مِمَّا كَسَبَ، وَمَا عَلَيْهِ مِمَّا اكْتَسَبَ وَذَلِكَ يَتِمُّ فِي لَحْظَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ فِي مِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَوَرَدَ: فِي قَدْرِ فَوَاقِ النَّاقَةِ، وَوَرَدَ: بِمِقْدَارِ لَمْحَةِ الْبَصَرِ. أَقُولُ: هَذَا مَا كُنْتُ كَتَبْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ﵀ مِنْ كَوْنِ النَّصِيبِ فِيهَا شَامِلًا لِجَزَاءِ هَذَا الْفَرِيقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعًا، وَطُبِعَ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ فَكَّرْتُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ (مِمَّا كَسَبُوا) وَالْحَالُ أَنَّ جَزَاءَ الْآخِرَةِ يُضَاعَفُ، وَأَنَّ الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي لَا يَنَالُ النَّاسُ فِيهَا كُلَّ مَا يَطْلُبُونَ بِكَسْبِهِمْ وَلَا دُعَائِهِمْ وِفَاقًا لِاسْتِشْهَادِي عَلَيْهِ آنِفًا بِآيَاتِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) (١٧: ١٨) فَرَجَحَ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالنَّصِيبِ مِنَ الْكَسْبِ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، وَأَشَارَ إِلَى جَزَاءِ الْآخِرَةِ بِسُرْعَةِ الْحِسَابِ الَّذِي يَكُونُ الْجَزَاءُ فِي أَثَرِهِ، وَهُوَ مَا حَكَيْتُهُ عَنِ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِذِكْرِهِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَكَانُوا لَا يَذْكُرُونَهُ هُنَاكَ، وَبِذِكْرِهِ عِنْدَ تَمَامِ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى حَيْثُ كَانُوا يَذْكُرُونَ مَفَاخِرَ آبَائِهِمْ: (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) حَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْحَافِظِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ هِيَ أَيَّامُ مِنًى، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَادِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى ثَالِثَ عَشَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ: ((إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ - أَيْ مُزْدَلِفَةَ - قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)) وَأَرْدَفَ رَجُلًا يُنَادِي بِهِنَّ: أَيْ أَرْكَبَ رَجُلًا وَرَاءَهُ يُنَادِي بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِيَعْرِفَ النَّاسُ الْحُكْمَ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ وَلَوْ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَنْفِرُ بِهَا الْحَاجُّ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ لِلْمَبِيتِ فِيهَا وَهِيَ اللَّيْلَةُ الْعَاشِرَةُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَأَنَّ أَيَّامَ مِنًى ثَلَاثَةٌ وَهِيَ الَّتِي يَرْمُونَ فِيهَا الْجِمَارَ وَيَنْحَرُونَ فِيهَا هَدْيَهُمْ وَضَحَايَاهُمْ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنَ مِنْهَا جَازَ لَهُ، وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الثَّالِثِ جَازَ لَهُ، بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ فِي الْعِبَادَةِ. فَالْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ لِلْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. وَإِنَّمَا أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِرَمْيِ الْجِمَارِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانُوا

стр. 595

يَعْرِفُونَهَا وَيَعْمَلُونَ بِهَا، وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ الْمُهِمِّ الَّذِي هُوَ رُوحُ الدِّينِ وَهُوَ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ عَمَلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَتِلْكَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ يَذْكُرُ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْخُشُوعَ فِيهَا، وَذِكْرَ اللهِ تَعَالَى وَدُعَاءَهُ، وَتَأْثِيرَ ذَلِكَ فِي إِصْلَاحِ النُّفُوسِ، وَلَا يَذْكُرُ صِفَةَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَوْنِ الرُّكُوعِ يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالسُّجُودِ يُفْعَلُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ ذَلِكَ لِبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْعَمَلِ. وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَيْضًا أَنَّ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ هُوَ التَّكْبِيرُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ ذَبْحِ الْقَرَابِينَ وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ جَمْعٍ (مُزْدَلِفَةَ) إِلَى مِنًى فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ((أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ)) وَوَرَدَ فِي التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ ((أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ وَفِي مَجْلِسِهِ وَفِي مَمْشَاهُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ جَمِيعًا)) . وَأَمَّا الذِّكْرُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ فَهُوَ التَّكْبِيرُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَهُوَ أَعَمُّ، فَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: ((سَأَلْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ كَانَ يُلَبِّي الْمُلَبِّي فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ)) وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ((أَنَّهُ ﷺ رَفَعَ يَدَيْهِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَدْعُو)) وَفِي رِوَايَاتٍ ضَعِيفَةِ السَّنَدِ ((أَنَّ أَكْثَرَ دُعَائِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمَلِكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) وَقَدْ ذَكَرْنَا ذِكْرَهُ ﷺ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ التَّلْبِيَةَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ لِلْحَاجِّ وَيَلِيهَا التَّكْبِيرُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَالْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَفْظُ التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورُ ((لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)) هَذَا هُوَ الْمَرْفُوعُ وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَالتَّكْبِيرُ الْمَرْفُوعُ صَحِيحًا: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَيَزِيدُونَ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى التَّخْيِيرَ فِي التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى فَقَالَ: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) أَيْ: مَنِ اسْتَعْجَلَ فِي تَأْدِيَةِ الذِّكْرِ عِنْدَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ التَّعَبُّدِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ، وَهِيَ رَمْيُ الْجَمَرَاتِ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَتَمَّهَا كَذَلِكَ، إِذَا اتَّقَى كُلٌّ مِنْهُمَا اللهَ تَعَالَى وَوَقَفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، فَإِنَّ تَحْصِيلَ مَلَكَةِ التَّقْوَى هِيَ الْغَرَضُ مِنَ الْحَجِّ وَمِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ، وَالْوَسِيلَةُ الْكُبْرَى إِلَيْهَا كَثِيرَةٌ

стр. 596

ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ مَعَ اللِّسَانِ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَكُونَ عَبْدًا لَهُ لَا لِلْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الْأَعْمَالُ مُذَكِّرَاتٌ لِلنَّاسِي. وَالْجِمَارُ ثَلَاثٌ، وَهِيَ كَالْجَمَرَاتِ جَمْعُ جَمْرَةٍ، وَمَعْنَاهَا هُنَا مُجْتَمَعُ الْحَصَى، مِنْ جَمَرَهُ بِمَعْنَى جَمَعَهُ، وَرَمْيُهَا مِنْ ذِكْرَيَاتِ النُّسُكِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ ﷺ كَذَبْحِ الْقَرَابِينَ هُنَالِكَ، وَعَامَّةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ ذِكْرَيَاتٌ لِنَشْأَةِ الْإِسْلَامِ الْأُولَى فِي عَهْدِ الْخَلِيلِ ﷺ وَكُلُّ جَمْرَةٍ تُرْمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ صَغِيرَةٍ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أَوِ الِاثْنَيْنِ، وَتَمْتَازُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ مِنْهَا بِأَنَّهَا تُرْمَى قَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ أَيْضًا. ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِمَكَانَتِهَا فَقَالَ: (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أَيِ: اتَّقُوهُ فِي حَالِ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ، وَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ يَقِينٍ بِأَنَّكُمْ تُجْمَعُونَ وَتُسَاقُونَ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُرِيكُمْ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) (١٩: ٦٣) فَإِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ فَيَبْعَثُهَا عَلَى الْعَمَلِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى لَتَنَازُعِ الشُّكُوكِ قَلْبَهُ. وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْأُسْلُوبِ أَنَّ تَكْرَارَ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ وَبَيَانِ مَكَانَةِ التَّقْوَى، ثُمَّ الْأَمْرُ بِهَا تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مِنَ الْإِيجَازِ مَا هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِعْجَازِ، حَتَّى سَكَتَ عَنْ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ الْوَاجِبَةِ لِلْعِلْمِ بِهَا - كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْمُهِمَّ فِي الْعِبَادَةِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يُصْلِحُ النُّفُوسَ وَيُنِيرُ الْأَرْوَاحَ، حَتَّى تَتَوَجَّهَ إِلَى الْخَيْرِ وَتَتَّقِيَ الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ، فَيَكُونُ صَاحِبُهَا مِنَ الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ يَرْتَقِي فِي فَوَائِدِ الذِّكْرِ وَثَمَرَاتِهِ فَيَكُونُ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)

стр. 597

أَرْشَدَتْنَا آيَاتُ الْمَنَاسِكِ السَّابِقَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ الْعِبَادَاتِ هُوَ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ، وَإِنَارَةُ الْأَرْوَاحِ بِنُورِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَاسْتِشْعَارِ عَظَمَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَإِلَى أَنَّ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنَ الْوُجُوهِ الْحَسَنَةِ لَا يُنَافِي التَّقْوَى بَلْ يُعِينُ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ مِمَّا يَهْدِي إِلَيْهِ الدِّينُ خِلَافًا لِأَهْلِ الْمِلَلِ السَّابِقَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ تَعْذِيبَ الْأَجْسَادِ وَحِرْمَانَهَا مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُهُ، وَإِلَى أَنَّ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَجْعَلُ لَذَّاتِهَا أَكْبَرَ هَمِّهِ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ; لِأَنَّهُ مُخَلَّدٌ إِلَى حَضِيضِ الْبَهِيمِيَّةِ لَمْ تَسْتَنِرْ رُوحُهُ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَرْتَقِ عَقْلُهُ فِي مَعَارِجِ الْعِرْفَانِ. وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ التَّقْوَى وَمَنْزِلُهَا الْقُلُوبُ دُونَ الْأَلْسِنَةِ، وَكَانَ الشَّاهِدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ الْأَعْمَالُ دُونَ مُجَرَّدِ الْأَقْوَالِ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ النَّاسَ فِي دَلَالَةِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى حَقَائِقِ أَحْوَالِهِمْ وَمَكْنُونَاتِ قُلُوبِهِمْ قِسْمَانِ، فَكَانَتْ هَذِهِ مُتَّصِلَةً بِتِلْكَ فِي بَيَانِ مَقْصِدِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِصْلَاحُ الْقُلُوبِ، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوهُ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ عَطَفَهَا عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يُقَالُ أَعْجَبَهُ الشَّيْءُ إِذَا رَاقَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ وَرَآهُ عَجَبًا ; أَيْ: طَرِيفًا غَيْرَ مُبْتَذَلٍ، وَالْخِطَابُ عَامٌّ، وَفِي قَوْلِهِ: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مِنَ النَّاسِ فَرِيقًا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ ; لِأَنَّكَ تَأْخُذُ بِالظَّوَاهِرِ وَهُوَ مُنَافِقُ اللِّسَانِ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ، وَيَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ، فَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَى خَلَابَةِ لِسَانِهِ، فِي غِشِّ مُعَاشِرِيهِ وَأَقْرَانِهِ، يُوهِمُهُمْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ، نَصِيرٌ لِلْحَقِّ وَالْفَضِيلَةِ، خَاذِلٌ لِلْبَاطِلِ وَالرَّذِيلَةِ، مُتَّقٍ لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، مُجْتَنِبٌ لِلْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، لَا يُرِيدُ لِلنَّاسِ إِلَّا الْخَيْرَ، وَلَا يَسْعَى إِلَّا فِي سَبِيلِ النَّفْعِ (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) أَيْ: يَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ مُوَافِقٌ لِمَا يَقُولُ وَيَدَّعِي. وَفِي مَعْنَى الْحَلِفِ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانَ: اللهُ يَعْلَمُ أَوْ يَشْهَدُ بِأَنَّنِي أُحِبُّ كَذَا وَأُرِيدُ كَذَا. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (٣٦: ١٦) وَهُوَ تَأْكِيدٌ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. أَلَيْسَ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَلْبِي ... يُحِبُّكَ أَيُّهَا الْبَرْقُ الْيَمَانِي وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ هَذَا آكَدُ مِنَ الْيَمِينِ، وَعَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ قَالَهُ كَاذِبًا يَكُونُ مُرْتَدًّا ; لِأَنَّهُ نَسَبَ الْجَهْلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَأَقُولُ: إِنَّ أَقَلَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ صَاحِبُهُ نِسْبَةَ الْجَهْلِ إِلَى اللهِ فَهُوَ قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ (يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (٢: ٩) فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُبَالِغُ فِي الْخَلَابَةِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَى النَّاسِ بِالْقَوْلِ (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) أَيْ: وَهُوَ فِي نَفْسِهِ أَشَدُّ النَّاسِ مُخَاصَمَةً وَعَدَاوَةً لِمَنْ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمْ، أَوْ هُوَ أَشَدُّ خُصَمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْخِصَامَ جَمْعُ خَصْمٍ كَكِعَابٍ جَمْعُ كَعْبٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاللَّدَدُ شِدَّةُ الْخُصُومَةِ وَلَدِدَ (كَتَعِبَ) الرَّجُلُ لَازِمٌ، وَلَدَدَ خَصْمَهُ (كَنَصَرَ) شَدَّدَ خُصُومَتَهُ، وَلَادَّهُ لِلْمُشَارَكَةِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ قَالَهُ

стр. 598

بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْخِصَامَ بِمَعْنَى الْجِدَالِ ; أَيْ: وَهُوَ قَوِيُّ الْعَارِضَةِ فِي الْجَدَلِ لَا يُعْجِزُهُ أَنْ يَخْتَلِبَ النَّاسَ وَيَغُشَّهُمْ بِمَا يُظْهِرُ مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِمْ وَإِسْعَادِهِمْ فِي شُئُونِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ. قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ: فَالْأَوْصَافُ الْمَحْمُودَةُ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ: حُسْنُ الْقَوْلِ بِحَيْثُ يُعْجِبُ السَّامِعَ، وَإِشْهَادُ اللهِ تَعَالَى عَلَى صِدْقِهِ وَحُسْنِ قَصْدِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا هُوَ مِنْ ضُرُوبِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَقْبَلُهُ خَالِيَ الذِّهْنِ، وَقُوَّةُ الْعَارِضَةِ فِي الْجَدَلِ الَّتِي يُحَاجُّ بِهَا الْمُنْكَرُ أَوِ الْمُعَارِضُ، وَأَمَّا بَيَانُ سُوءِ حَالِهِ وَفَسَادِ أَعْمَالِهِ، فَهُوَ فِي الْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ وَقَدْ مَهَّدَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَالتَّمْهِيدُ فِي بِدَايَةِ الْكَلَامِ لِلْمُرَادِ مِنْهُ فِي غَايَتِهِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَلَاغَةِ وَأَفْنَانِهَا. هَذَا الْفَرِيقُ مِنَ النَّاسِ يُوجَدُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، وَتَخْتَلِفُ الْخَلَابَةُ اللِّسَانِيَّةُ فِي الْأُمَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ، فَفِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ لَا يَتَيَسَّرُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَغُشَّ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ إِلَّا الْفَرْدَ أَوِ الْأَفْرَادَ الْمَعْدُودِينَ، وَفِي بَعْضِهَا يَتَيَسَّرُ لَهُ أَنْ يَغُشَّ الْأُمَّةَ فِي مَجْمُوعِهَا حَتَّى يُنَكِّلَ بِهَا تَنْكِيلًا وَإِنَّ الْجَرَائِدَ فِي عَصْرِنَا هَذَا قَدْ تَكُونُ طَرِيقًا لِلْغِشِّ الْعَامِّ، كَمَا تَكُونُ طَرِيقًا لِلنُّصْحِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَلْبِيسُهَا سَهْلًا عَلَى مَنْ يُعْجِبُ الْعَامَّةَ قَوْلُهُمْ فِي الْأُمَمِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا الْجَهْلُ لَا سِيَّمَا فِي طَوْرِ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ; إِذْ تَخْتَلِفُ ضُرُوبُ الدَّعْوَةِ وَطُرُقُ الْإِرْشَادِ. وَفِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ أَنَّ الظَّرْفَ (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ ; أَيْ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي شُئُونِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِهَا، وَطُرُقِ جَمْعِ الْمَالِ وَإِحْرَازِ الْجَاهِ فِيهَا ; لِأَنَّ حُبَّهَا قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَالْمَيْلَ إِلَى لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى قَلْبِهِ، وَصَارَ هُوَ الْمُصَرِّفُ لِشُعُورِهِ وَلُبِّهِ، فَيَنْطَلِقُ لِسَانُهُ - وَمِثْلُهُ قَلَمُهُ - فِي كُلِّ مَا يَسْتَهْوِي أَصْحَابَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَيَسْتَمِيلُ أَهْلَ السِّيَادَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي أَمْرِ الدِّينِ جَاءَ بِالْخَطَلِ وَالْحَشْوِ، وَوَقَعَ فِي الْعَسْلَطَةِ وَاللَّغْوِ، فَلَا يَحْسُنُ وَقْعُ قَوْلِهِ فِي السَّمْعِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي النَّفْسِ وَذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْمُتَكَلِّمِ تَتَجَلَّى فِي قَوْلِهِ، وَضَمِيرِهِ الْمَكْنُونِ يَظْهَرُ فِي لَحْنِهِ (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (٤٧: ٣٠) .

стр. 599

وَفِي الْحِكَمِ: (كُلُّ كَلَامٍ يُبْرِزُ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ مِنَ الْقَلْبِ الَّذِي عَنْهُ صَدَرَ) وَلِهَذَا كَانَ إِرْشَادُ الْمُخْلِصِينَ نَافِعًا، وَخِدَاعُ الْمُنَافِقِينَ صَادِعًا. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي التَّفْسِيرِ تَكُونُ جُمْلَةُ (وَيُشْهِدُ اللهَ) وَصْفًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ حَالٍ مِمَّا قَبْلَهُ ; أَيْ: أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ إِلَّا الْكَلَامَ فِي الدُّنْيَا لِيُعْجِبَ السَّامِعَ وَيَخْدَعَهُ، وَلَكِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَهُ مَعَ اللهِ، وَأَنَّهُ حَسَنُ السَّرِيرَةِ، وَإِنَّكَ لَتَرَى هَذَا فِي سِيرَةِ الْمُجْرِمِينَ ظَاهِرًا جَلِيًّا كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى: يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ، وَيَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ، وَيَشْرَبُونَ الْخُمُورَ، وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى الْفُجُورِ، وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، ثُمَّ يُفَضِّلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الدِّينِ عَلَى أَهْلِ النَّزَاهَةِ وَالتَّقْوَى، زَاعِمِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ قَدْ عَمَرَتْ ظَوَاهِرُهُمْ بِالْعَمَلِ وَالْإِرْشَادِ، وَلَكِنَّ بَوَاطِنَهُمْ خَرِبَةٌ بِسُوءِ الِاعْتِقَادِ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ إِنَّنَا نَحْنُ نَأْكُلُ الرِّبَا أَوِ الْقِمَارَ وَلَكُنَّا نُحَرِّمُهُ، وَنَأْتِي فِي نَادِينَا وَخَلْوَتِنَا الْمُنْكَرَ وَلَكِنَّا لَا نَسْتَحْسِنُهُ، وَأَنَّ مَا نَبْتَزُّهُ مِنْ جُيُوبِ الْأَغْنِيَاءِ بِخَلَابَتِنَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ تَرْفِيهَ مَعِيشَتِنَا، وَإِنَّمَا هُوَ أَجْرٌ عَلَى السَّعْيِ فِي إِعْلَاءِ شَأْنِهِمْ، وَمُكَافَأَةً عَلَى خِدْمَةِ أَوْطَانِهِمْ. فَهُمْ بِهَذِهِ الدَّعَاوَى أَلَدُّ الْخُصَمَاءِ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ، فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَدَلَّتْ هِدَايَتُهُ فِي كِتَابِهِ، عَلَى أَنَّ سَلَامَةَ الِاعْتِقَادِ وَإِخْلَاصَ السَّرِيرَةِ هُمَا يَنْبُوعُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ النَّافِعَةِ (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (٧: ٥٨) . وَانْظُرْ مَا قَالَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، فِي وَصْفِ فَرِيقِ هَذِهِ الدَّعَاوَى الْعَرِيضَةِ، وَالْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ، قَالَ: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا) . فِي تَفْسِيرِ التَّوَلِّي هُنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ الدَّعْوَى الْقَوْلِيَّةِ إِذَا أَعْرَضَ عَنْ مُخَاطِبِهِ وَذَهَبَ إِلَى شَأْنِهِ فَإِنَّ سَعْيَهُ يَكُونُ عَلَى ضِدِّ مَا قَالَ، يَدَّعِي الصَّلَاحَ وَالْإِصْلَاحَ وَحُبَّ الْخَيْرِ، ثُمَّ هُوَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ; ذَلِكَ أَنَّهُ لَا هَمَّ لَهُ إِلَّا فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَالْحُظُوظِ الْخَسِيسَةِ، فَهُوَ يُعَادِي لِأَجْلِهَا أَهْلَ الْحَقِّ وَالْفَضِيلَةِ وَيُؤْذِيهِمْ ; لِأَنَّهُ أَلَدُّ خَصْمٍ لَهُمْ لِلتَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ فِي الْغَرَائِزِ وَالسَّجَايَا، وَيُعَادِي أَيْضًا الْمُزَاحِمِينَ لَهُ فِيهَا مِنْ أَمْثَالِهِ الْمُفْسِدِينَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ هَمٌّ وَرَاءَ التَّمَتُّعِ وَأَسْبَابِهِ إِلَّا الْكَيْدَ لِلنَّاسِ وَمُحَاوَلَةَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ، فَهُوَ يُفْسِدُ بِاعْتِدَائِهِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) بِمَا يَكُونُ مِنْ أَثَرِ إِفْسَادِهِ فِي اعْتِدَائِهِ، وَهُوَ ذَهَابُ ثَمَرَاتِ الْحَرْثِ: وَهُوَ الزَّرْعُ، وَالنَّسْلُ: وَهُوَ مَا تَنَاسَلَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَكَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَكَاسِبِ أَهْلِ الْحَضَارَةِ وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفِي هَذَا عِبْرَةٌ كُبْرَى لِلَّذِينَ يَقْطَعُونَ الزَّرْعَ وَيَقْتُلُونَ الْبَهَائِمَ بِالسُّمِّ وَغَيْرِهِ انْتِقَامًا مِمَّنْ يَكْرَهُونَهُمْ، وَهِيَ جَرَائِمُ فَاشِيَةٌ فِي أَرْيَافِ مِصْرَ لِهَذَا الْعَهْدِ، فَأَيْنَ الْإِسْلَامُ وَأَيْنَ هِدَايَةُ الْقُرْآنِ؟ وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْثِ هَهُنَا: النِّسَاءُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (٢: ٢٢٣) وَبِالنَّسْلِ: الْأَوْلَادُ، وَهَلِ الْمُرَادُ نِسَاءُ النَّاسِ وَأَوْلَادُهُمْ، أَمْ نِسَاءُ الْمُفْسِدِينَ وَأَوْلَادُهُمْ خَاصَّةً؟ لَعَلَّ الْأَمْرَ أَعَمُّ ; فَإِنَّ الْمُفْسِدِينَ الَّذِينَ يَطْمَحُونَ بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى نِسَاءِ النَّاسِ أَوْ يَسْعَوْنَ فِي إِفْسَادِ

стр. 600

نِظَامِ الْبُيُوتِ بِمَا يُلْقُونَ مِنَ الْفِتَنِ وَيَعْمَلُونَ مِنِ التَّفْرِيقِ لَا تَكَادُ تَسْلَمُ بُيُوتُهُمْ مِنَ الْخَرَابِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ بَاطِنًا فَقَطْ، فَالْمُفْسِدُ الشِّرِّيرُ يُؤْذِي نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْإِيذَاءِ قَدْ يُعْمِيهِ الْغُرُورُ عَنْهَا أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مِنْ سَعْيِهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ إِهْلَاكَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيذَاءِ الشَّدِيدِ وَقَدْ صَارَ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمَثَلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُؤْذِي مُسْتَرْسِلًا فِي إِفْسَادِهِ وَلَوْ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمُفْسِدِينَ يُؤْذُونَ إِرْضَاءً لِشَهَوَاتِهِمْ وَلَوْ خَرِبَ الْمُلْكُ بِإِرْضَائِهَا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِـ (تَوَلَّى) صَارَ وَالِيًا لَهُ حُكْمٌ يَنْفَذُ وَعَمَلٌ يَسْتَبِدُّ بِهِ، وَإِفْسَادُهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالظُّلْمِ مُخَرِّبِ الْعُمْرَانِ وَآفَةِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَإِهْلَاكُهُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ يَكُونُ إِمَّا بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْمُصَادَرَةِ فِي الْأَمْوَالِ، وَإِمَّا بِقَطْعِ آمَالِ الْعَامِلِينَ مِنْ ثَمَرَاتِ أَعْمَالِهِمْ وَفَوَائِدِ مَكَاسِبِهِمْ. وَمَنِ انْقَطَعَ أَمَلُهُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، إِلَّا الضَّرُورِيُّ الَّذِي بِهِ حِفْظُ الدِّمَاءِ، وَلَا حَرْثَ وَلَا نَسْلَ إِلَّا بِالْعَمَلِ. وَقَدْ شَرَحَتْ لَنَا حَوَادِثُ الزَّمَانِ وَسِيَرُ الظَّالِمِينَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَرَأْنَا وَشَاهَدْنَا أَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي يَفْشُو فِيهَا الظُّلْمُ تَهْلَكُ زِرَاعَتُهَا، وَتَتْبَعُهَا مَاشِيَتُهَا، وَتَقِلُّ ذُرِّيَّتُهَا، وَهَذَا هُوَ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ الصُورِيَّانِ، وَيَفْشُو فِيهَا الْجَهْلُ، وَتَفْسَدُ الْأَخْلَاقُ، وَتَسُوءُ الْأَعْمَالُ حَتَّى لَا يَثِقَ الْأَخُ بِأَخِيهِ، وَلَا يَثِقَ الِابْنُ بِأَبِيهِ فَيَكُونُ بَأْسُ الْأُمَّةِ بَيْنَهَا شَدِيدًا وَلَكِنَّهَا تَذِلُّ وَتَخْنَعُ لِلْمُسْتَعْبِدِينَ لَهَا. وَهَذَا هُوَ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ الْمَعْنَوِيَّانِ، وَفِي التَّارِيخِ الْغَابِرِ وَالْحَاضِرِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ، مَا فِيهِ ذِكْرَى وَمُزْدَجَرٌ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمُفْسِدُ يُشْهِدُ اللهَ عَلَى هِدَايَةِ قَلْبِهِ، عِنْدَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَجْهَلُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ، قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ عَمَلِهِ فِي الْإِفْسَادِ: (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أَيْ: إِنَّ إِفْسَادَ هَذَا الْمُنَافِقِ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُودِ، وَالظَّاهِرُ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، فَإِفْسَادُهُ فِي عَمَلِهِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَلْبِهِ وَكَذِبِهِ فِي إِشْهَادِ اللهِ عَلَيْهِ (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٥: ٦٤) لِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةَ الْمَحْمُودَةَ، لَا تَكُونُ مَحْمُودَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا إِذَا أَصْلَحَ صَاحِبُهَا عَمَلَهُ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ وَالْأَقْوَالِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ، وَهِيَ تُرْشِدُنَا إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ وَعَدَمِ الِاغْتِرَارِ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا انْصَرَفُوا مِنْ مَجَالِسِ الْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ سَعْيٍ وَعَمَلٍ، وَالْعَمَلُ إِمَّا خَيْرٌ وَإِصْلَاحٌ، وَإِمَّا شَرٌّ وَإِفْسَادٌ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ.
следующие страницы →