Полный текст (5 061 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ مَعَ اللِّسَانِ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى مُرَاقَبَتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَكُونَ عَبْدًا لَهُ لَا لِلْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الْأَعْمَالُ مُذَكِّرَاتٌ لِلنَّاسِي.
وَالْجِمَارُ ثَلَاثٌ، وَهِيَ كَالْجَمَرَاتِ جَمْعُ جَمْرَةٍ، وَمَعْنَاهَا هُنَا مُجْتَمَعُ الْحَصَى، مِنْ جَمَرَهُ بِمَعْنَى جَمَعَهُ، وَرَمْيُهَا مِنْ ذِكْرَيَاتِ النُّسُكِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ ﷺ كَذَبْحِ الْقَرَابِينَ هُنَالِكَ، وَعَامَّةُ أَعْمَالِ الْحَجِّ ذِكْرَيَاتٌ لِنَشْأَةِ الْإِسْلَامِ الْأُولَى فِي عَهْدِ الْخَلِيلِ ﷺ وَكُلُّ جَمْرَةٍ تُرْمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ صَغِيرَةٍ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أَوِ الِاثْنَيْنِ، وَتَمْتَازُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ مِنْهَا بِأَنَّهَا تُرْمَى قَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ أَيْضًا.
ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِمَكَانَتِهَا فَقَالَ: (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أَيِ: اتَّقُوهُ فِي حَالِ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ، وَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ يَقِينٍ بِأَنَّكُمْ تُجْمَعُونَ وَتُسَاقُونَ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُرِيكُمْ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) (١٩: ٦٣) فَإِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ فَيَبْعَثُهَا عَلَى الْعَمَلِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى لَتَنَازُعِ الشُّكُوكِ قَلْبَهُ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْأُسْلُوبِ أَنَّ تَكْرَارَ الْأَمْرِ بِالذِّكْرِ وَبَيَانِ مَكَانَةِ التَّقْوَى، ثُمَّ الْأَمْرُ بِهَا تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مِنَ الْإِيجَازِ مَا هُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِعْجَازِ، حَتَّى سَكَتَ عَنْ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ الْوَاجِبَةِ لِلْعِلْمِ بِهَا - كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْمُهِمَّ فِي الْعِبَادَةِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يُصْلِحُ النُّفُوسَ وَيُنِيرُ الْأَرْوَاحَ، حَتَّى تَتَوَجَّهَ إِلَى الْخَيْرِ وَتَتَّقِيَ الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ، فَيَكُونُ صَاحِبُهَا مِنَ الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ يَرْتَقِي فِي فَوَائِدِ الذِّكْرِ وَثَمَرَاتِهِ فَيَكُونُ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)
стр. 597
أَرْشَدَتْنَا آيَاتُ الْمَنَاسِكِ السَّابِقَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ الْعِبَادَاتِ هُوَ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ، وَإِنَارَةُ الْأَرْوَاحِ بِنُورِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَاسْتِشْعَارِ عَظَمَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَإِلَى أَنَّ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنَ الْوُجُوهِ الْحَسَنَةِ لَا يُنَافِي التَّقْوَى بَلْ يُعِينُ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ مِمَّا يَهْدِي إِلَيْهِ الدِّينُ خِلَافًا لِأَهْلِ الْمِلَلِ السَّابِقَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ تَعْذِيبَ الْأَجْسَادِ وَحِرْمَانَهَا مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُهُ، وَإِلَى أَنَّ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَجْعَلُ لَذَّاتِهَا أَكْبَرَ هَمِّهِ لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ; لِأَنَّهُ مُخَلَّدٌ إِلَى حَضِيضِ الْبَهِيمِيَّةِ لَمْ تَسْتَنِرْ رُوحُهُ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَرْتَقِ عَقْلُهُ فِي مَعَارِجِ الْعِرْفَانِ. وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ التَّقْوَى وَمَنْزِلُهَا الْقُلُوبُ دُونَ الْأَلْسِنَةِ، وَكَانَ الشَّاهِدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ الْأَعْمَالُ دُونَ مُجَرَّدِ الْأَقْوَالِ، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ النَّاسَ فِي دَلَالَةِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى حَقَائِقِ أَحْوَالِهِمْ وَمَكْنُونَاتِ قُلُوبِهِمْ قِسْمَانِ، فَكَانَتْ هَذِهِ مُتَّصِلَةً بِتِلْكَ فِي بَيَانِ مَقْصِدِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَهُوَ إِصْلَاحُ الْقُلُوبِ، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوهُ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ عَطَفَهَا عَلَيْهَا فَقَالَ:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يُقَالُ أَعْجَبَهُ الشَّيْءُ إِذَا رَاقَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ وَرَآهُ عَجَبًا ; أَيْ: طَرِيفًا غَيْرَ مُبْتَذَلٍ، وَالْخِطَابُ عَامٌّ، وَفِي قَوْلِهِ: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مِنَ النَّاسِ فَرِيقًا يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ ; لِأَنَّكَ تَأْخُذُ بِالظَّوَاهِرِ وَهُوَ مُنَافِقُ اللِّسَانِ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ، وَيَقُولُ
مَا لَا يَفْعَلُ، فَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَى خَلَابَةِ لِسَانِهِ، فِي غِشِّ مُعَاشِرِيهِ وَأَقْرَانِهِ، يُوهِمُهُمْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ، نَصِيرٌ لِلْحَقِّ وَالْفَضِيلَةِ، خَاذِلٌ لِلْبَاطِلِ وَالرَّذِيلَةِ، مُتَّقٍ لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، مُجْتَنِبٌ لِلْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، لَا يُرِيدُ لِلنَّاسِ إِلَّا الْخَيْرَ، وَلَا يَسْعَى إِلَّا فِي سَبِيلِ النَّفْعِ (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) أَيْ: يَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ مُوَافِقٌ لِمَا يَقُولُ وَيَدَّعِي. وَفِي مَعْنَى الْحَلِفِ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانَ: اللهُ يَعْلَمُ أَوْ يَشْهَدُ بِأَنَّنِي أُحِبُّ كَذَا وَأُرِيدُ كَذَا. قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (٣٦: ١٦) وَهُوَ تَأْكِيدٌ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
أَلَيْسَ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ قَلْبِي ... يُحِبُّكَ أَيُّهَا الْبَرْقُ الْيَمَانِي
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ هَذَا آكَدُ مِنَ الْيَمِينِ، وَعَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ قَالَهُ كَاذِبًا يَكُونُ مُرْتَدًّا ; لِأَنَّهُ نَسَبَ الْجَهْلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَأَقُولُ: إِنَّ أَقَلَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ صَاحِبُهُ نِسْبَةَ الْجَهْلِ إِلَى اللهِ فَهُوَ قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ (يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (٢: ٩) فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُبَالِغُ فِي الْخَلَابَةِ وَالتَّوَدُّدِ إِلَى النَّاسِ بِالْقَوْلِ (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) أَيْ: وَهُوَ فِي نَفْسِهِ أَشَدُّ النَّاسِ مُخَاصَمَةً وَعَدَاوَةً لِمَنْ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهِمْ، أَوْ هُوَ أَشَدُّ خُصَمَائِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْخِصَامَ جَمْعُ خَصْمٍ كَكِعَابٍ جَمْعُ كَعْبٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاللَّدَدُ شِدَّةُ الْخُصُومَةِ وَلَدِدَ (كَتَعِبَ) الرَّجُلُ لَازِمٌ، وَلَدَدَ خَصْمَهُ (كَنَصَرَ) شَدَّدَ خُصُومَتَهُ، وَلَادَّهُ لِلْمُشَارَكَةِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ قَالَهُ
стр. 598
بَعْضُهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْخِصَامَ بِمَعْنَى الْجِدَالِ ; أَيْ: وَهُوَ قَوِيُّ الْعَارِضَةِ فِي الْجَدَلِ لَا يُعْجِزُهُ أَنْ يَخْتَلِبَ النَّاسَ وَيَغُشَّهُمْ بِمَا يُظْهِرُ مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِمْ وَإِسْعَادِهِمْ فِي شُئُونِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ. قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ: فَالْأَوْصَافُ الْمَحْمُودَةُ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ: حُسْنُ الْقَوْلِ بِحَيْثُ يُعْجِبُ السَّامِعَ، وَإِشْهَادُ اللهِ تَعَالَى عَلَى صِدْقِهِ وَحُسْنِ قَصْدِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا هُوَ مِنْ ضُرُوبِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَقْبَلُهُ خَالِيَ الذِّهْنِ، وَقُوَّةُ الْعَارِضَةِ فِي الْجَدَلِ الَّتِي يُحَاجُّ بِهَا الْمُنْكَرُ أَوِ الْمُعَارِضُ، وَأَمَّا بَيَانُ سُوءِ حَالِهِ وَفَسَادِ أَعْمَالِهِ، فَهُوَ فِي الْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ وَقَدْ مَهَّدَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَالتَّمْهِيدُ فِي بِدَايَةِ الْكَلَامِ لِلْمُرَادِ مِنْهُ فِي غَايَتِهِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَلَاغَةِ وَأَفْنَانِهَا.
هَذَا الْفَرِيقُ مِنَ النَّاسِ يُوجَدُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، وَتَخْتَلِفُ الْخَلَابَةُ اللِّسَانِيَّةُ فِي الْأُمَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ، فَفِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ لَا يَتَيَسَّرُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَغُشَّ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ إِلَّا الْفَرْدَ أَوِ الْأَفْرَادَ الْمَعْدُودِينَ، وَفِي بَعْضِهَا يَتَيَسَّرُ لَهُ أَنْ يَغُشَّ الْأُمَّةَ فِي مَجْمُوعِهَا حَتَّى يُنَكِّلَ بِهَا تَنْكِيلًا وَإِنَّ الْجَرَائِدَ فِي عَصْرِنَا هَذَا قَدْ تَكُونُ طَرِيقًا لِلْغِشِّ الْعَامِّ، كَمَا تَكُونُ طَرِيقًا لِلنُّصْحِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَلْبِيسُهَا سَهْلًا عَلَى مَنْ يُعْجِبُ الْعَامَّةَ قَوْلُهُمْ فِي الْأُمَمِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا الْجَهْلُ لَا سِيَّمَا فِي طَوْرِ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ; إِذْ تَخْتَلِفُ ضُرُوبُ الدَّعْوَةِ وَطُرُقُ الْإِرْشَادِ.
وَفِي الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ أَنَّ الظَّرْفَ (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) مُتَعَلِّقٌ بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ ; أَيْ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي شُئُونِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِهَا، وَطُرُقِ جَمْعِ الْمَالِ وَإِحْرَازِ الْجَاهِ فِيهَا ; لِأَنَّ حُبَّهَا قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَالْمَيْلَ إِلَى لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى قَلْبِهِ، وَصَارَ هُوَ الْمُصَرِّفُ لِشُعُورِهِ وَلُبِّهِ، فَيَنْطَلِقُ لِسَانُهُ - وَمِثْلُهُ قَلَمُهُ - فِي كُلِّ مَا يَسْتَهْوِي أَصْحَابَ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَيَسْتَمِيلُ أَهْلَ السِّيَادَةِ وَالسُّلْطَانِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ فِي أَمْرِ الدِّينِ جَاءَ بِالْخَطَلِ وَالْحَشْوِ، وَوَقَعَ فِي الْعَسْلَطَةِ وَاللَّغْوِ، فَلَا يَحْسُنُ وَقْعُ قَوْلِهِ فِي السَّمْعِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي النَّفْسِ
وَذَلِكَ أَنَّ رُوحَ الْمُتَكَلِّمِ تَتَجَلَّى فِي قَوْلِهِ، وَضَمِيرِهِ الْمَكْنُونِ يَظْهَرُ فِي لَحْنِهِ (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (٤٧: ٣٠) .
стр. 599
وَفِي الْحِكَمِ: (كُلُّ كَلَامٍ يُبْرِزُ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ مِنَ الْقَلْبِ الَّذِي عَنْهُ صَدَرَ) وَلِهَذَا كَانَ إِرْشَادُ الْمُخْلِصِينَ نَافِعًا، وَخِدَاعُ الْمُنَافِقِينَ صَادِعًا.
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي التَّفْسِيرِ تَكُونُ جُمْلَةُ (وَيُشْهِدُ اللهَ) وَصْفًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ حَالٍ مِمَّا قَبْلَهُ ; أَيْ: أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ إِلَّا الْكَلَامَ فِي الدُّنْيَا لِيُعْجِبَ السَّامِعَ وَيَخْدَعَهُ، وَلَكِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَهُ مَعَ اللهِ، وَأَنَّهُ حَسَنُ السَّرِيرَةِ، وَإِنَّكَ لَتَرَى هَذَا فِي سِيرَةِ الْمُجْرِمِينَ ظَاهِرًا جَلِيًّا كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى: يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ، وَيَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ، وَيَشْرَبُونَ الْخُمُورَ، وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى الْفُجُورِ، وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، ثُمَّ يُفَضِّلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الدِّينِ عَلَى أَهْلِ النَّزَاهَةِ وَالتَّقْوَى، زَاعِمِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ قَدْ عَمَرَتْ ظَوَاهِرُهُمْ بِالْعَمَلِ وَالْإِرْشَادِ، وَلَكِنَّ بَوَاطِنَهُمْ خَرِبَةٌ بِسُوءِ الِاعْتِقَادِ، وَيَقُولُونَ: نَعَمْ إِنَّنَا نَحْنُ نَأْكُلُ الرِّبَا أَوِ الْقِمَارَ وَلَكُنَّا نُحَرِّمُهُ، وَنَأْتِي فِي نَادِينَا وَخَلْوَتِنَا الْمُنْكَرَ وَلَكِنَّا لَا نَسْتَحْسِنُهُ، وَأَنَّ مَا نَبْتَزُّهُ مِنْ جُيُوبِ الْأَغْنِيَاءِ بِخَلَابَتِنَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ تَرْفِيهَ مَعِيشَتِنَا، وَإِنَّمَا هُوَ أَجْرٌ عَلَى السَّعْيِ فِي إِعْلَاءِ شَأْنِهِمْ، وَمُكَافَأَةً عَلَى خِدْمَةِ أَوْطَانِهِمْ. فَهُمْ بِهَذِهِ الدَّعَاوَى أَلَدُّ الْخُصَمَاءِ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ، فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَدَلَّتْ هِدَايَتُهُ فِي كِتَابِهِ، عَلَى أَنَّ سَلَامَةَ الِاعْتِقَادِ وَإِخْلَاصَ السَّرِيرَةِ هُمَا يَنْبُوعُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ النَّافِعَةِ (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (٧: ٥٨) .
وَانْظُرْ مَا قَالَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، فِي وَصْفِ فَرِيقِ هَذِهِ الدَّعَاوَى الْعَرِيضَةِ، وَالْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ، قَالَ: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا) . فِي تَفْسِيرِ التَّوَلِّي هُنَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ الدَّعْوَى الْقَوْلِيَّةِ إِذَا أَعْرَضَ عَنْ مُخَاطِبِهِ وَذَهَبَ إِلَى شَأْنِهِ فَإِنَّ سَعْيَهُ يَكُونُ عَلَى ضِدِّ مَا قَالَ، يَدَّعِي الصَّلَاحَ وَالْإِصْلَاحَ وَحُبَّ الْخَيْرِ، ثُمَّ هُوَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ; ذَلِكَ أَنَّهُ لَا هَمَّ لَهُ إِلَّا فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَالْحُظُوظِ الْخَسِيسَةِ، فَهُوَ يُعَادِي لِأَجْلِهَا أَهْلَ الْحَقِّ وَالْفَضِيلَةِ وَيُؤْذِيهِمْ ; لِأَنَّهُ أَلَدُّ خَصْمٍ لَهُمْ
لِلتَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ فِي الْغَرَائِزِ وَالسَّجَايَا، وَيُعَادِي أَيْضًا الْمُزَاحِمِينَ لَهُ فِيهَا مِنْ أَمْثَالِهِ الْمُفْسِدِينَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ هَمٌّ وَرَاءَ التَّمَتُّعِ وَأَسْبَابِهِ إِلَّا الْكَيْدَ لِلنَّاسِ وَمُحَاوَلَةَ الْإِيقَاعِ بِهِمْ، فَهُوَ يُفْسِدُ بِاعْتِدَائِهِ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) بِمَا يَكُونُ مِنْ أَثَرِ إِفْسَادِهِ فِي اعْتِدَائِهِ، وَهُوَ ذَهَابُ ثَمَرَاتِ الْحَرْثِ: وَهُوَ الزَّرْعُ، وَالنَّسْلُ: وَهُوَ مَا تَنَاسَلَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَكَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَكَاسِبِ أَهْلِ الْحَضَارَةِ وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفِي هَذَا عِبْرَةٌ كُبْرَى لِلَّذِينَ يَقْطَعُونَ الزَّرْعَ وَيَقْتُلُونَ الْبَهَائِمَ بِالسُّمِّ وَغَيْرِهِ انْتِقَامًا مِمَّنْ يَكْرَهُونَهُمْ، وَهِيَ جَرَائِمُ فَاشِيَةٌ فِي أَرْيَافِ مِصْرَ لِهَذَا الْعَهْدِ، فَأَيْنَ الْإِسْلَامُ وَأَيْنَ هِدَايَةُ الْقُرْآنِ؟
وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْثِ هَهُنَا: النِّسَاءُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) (٢: ٢٢٣) وَبِالنَّسْلِ: الْأَوْلَادُ، وَهَلِ الْمُرَادُ نِسَاءُ النَّاسِ وَأَوْلَادُهُمْ، أَمْ نِسَاءُ الْمُفْسِدِينَ وَأَوْلَادُهُمْ خَاصَّةً؟
لَعَلَّ الْأَمْرَ أَعَمُّ ; فَإِنَّ الْمُفْسِدِينَ الَّذِينَ يَطْمَحُونَ بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى نِسَاءِ النَّاسِ أَوْ يَسْعَوْنَ فِي إِفْسَادِ
стр. 600
نِظَامِ الْبُيُوتِ بِمَا يُلْقُونَ مِنَ الْفِتَنِ وَيَعْمَلُونَ مِنِ التَّفْرِيقِ لَا تَكَادُ تَسْلَمُ بُيُوتُهُمْ مِنَ الْخَرَابِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ بَاطِنًا فَقَطْ، فَالْمُفْسِدُ الشِّرِّيرُ يُؤْذِي نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْإِيذَاءِ قَدْ يُعْمِيهِ الْغُرُورُ عَنْهَا أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مِنْ سَعْيِهِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ إِهْلَاكَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيذَاءِ الشَّدِيدِ وَقَدْ صَارَ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمَثَلِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُؤْذِي مُسْتَرْسِلًا فِي إِفْسَادِهِ وَلَوْ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمُفْسِدِينَ يُؤْذُونَ إِرْضَاءً لِشَهَوَاتِهِمْ وَلَوْ خَرِبَ الْمُلْكُ بِإِرْضَائِهَا.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِـ (تَوَلَّى) صَارَ وَالِيًا لَهُ حُكْمٌ يَنْفَذُ وَعَمَلٌ يَسْتَبِدُّ بِهِ، وَإِفْسَادُهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالظُّلْمِ مُخَرِّبِ الْعُمْرَانِ وَآفَةِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَإِهْلَاكُهُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ يَكُونُ إِمَّا بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْمُصَادَرَةِ فِي الْأَمْوَالِ، وَإِمَّا بِقَطْعِ آمَالِ الْعَامِلِينَ مِنْ ثَمَرَاتِ أَعْمَالِهِمْ وَفَوَائِدِ مَكَاسِبِهِمْ. وَمَنِ انْقَطَعَ أَمَلُهُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، إِلَّا الضَّرُورِيُّ الَّذِي بِهِ حِفْظُ الدِّمَاءِ، وَلَا حَرْثَ وَلَا نَسْلَ إِلَّا بِالْعَمَلِ. وَقَدْ شَرَحَتْ لَنَا حَوَادِثُ الزَّمَانِ وَسِيَرُ الظَّالِمِينَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَرَأْنَا وَشَاهَدْنَا أَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي يَفْشُو فِيهَا الظُّلْمُ تَهْلَكُ زِرَاعَتُهَا، وَتَتْبَعُهَا مَاشِيَتُهَا، وَتَقِلُّ ذُرِّيَّتُهَا، وَهَذَا هُوَ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ
الصُورِيَّانِ، وَيَفْشُو فِيهَا الْجَهْلُ، وَتَفْسَدُ الْأَخْلَاقُ، وَتَسُوءُ الْأَعْمَالُ حَتَّى لَا يَثِقَ الْأَخُ بِأَخِيهِ، وَلَا يَثِقَ الِابْنُ بِأَبِيهِ فَيَكُونُ بَأْسُ الْأُمَّةِ بَيْنَهَا شَدِيدًا وَلَكِنَّهَا تَذِلُّ وَتَخْنَعُ لِلْمُسْتَعْبِدِينَ لَهَا. وَهَذَا هُوَ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ الْمَعْنَوِيَّانِ، وَفِي التَّارِيخِ الْغَابِرِ وَالْحَاضِرِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ، مَا فِيهِ ذِكْرَى وَمُزْدَجَرٌ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمُفْسِدُ يُشْهِدُ اللهَ عَلَى هِدَايَةِ قَلْبِهِ، عِنْدَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَجْهَلُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ، قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ عَمَلِهِ فِي الْإِفْسَادِ: (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أَيْ: إِنَّ إِفْسَادَ هَذَا الْمُنَافِقِ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُودِ، وَالظَّاهِرُ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، فَإِفْسَادُهُ فِي عَمَلِهِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَلْبِهِ وَكَذِبِهِ فِي إِشْهَادِ اللهِ عَلَيْهِ (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٥: ٦٤) لِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةَ الْمَحْمُودَةَ، لَا تَكُونُ مَحْمُودَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا إِذَا أَصْلَحَ صَاحِبُهَا عَمَلَهُ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ وَالْأَقْوَالِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ، وَهِيَ تُرْشِدُنَا إِلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ وَعَدَمِ الِاغْتِرَارِ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا انْصَرَفُوا مِنْ مَجَالِسِ الْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ سَعْيٍ وَعَمَلٍ، وَالْعَمَلُ إِمَّا خَيْرٌ وَإِصْلَاحٌ، وَإِمَّا شَرٌّ وَإِفْسَادٌ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَنْضَحُ بِمَا فِيهِ.
стр. 601
وَلَمَّا كَانَ الْإِفْسَادُ يَصْدُرُ تَارَةً عَنِ الْجَهْلِ وَسُوءِ الْفَهْمِ، وَأَحْيَانًا عَنْ فَسَادِ الْفِطْرَةِ وَسُوءِ الْقَصْدِ، وَكَانَ مَنْ يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ سَرِيعَ التَّوْبَةِ، مُبَادِرًا إِلَى قَبُولِ النَّصِيحَةِ، وَكَانَ شَأْنُ الْآخَرِ الْإِصْرَارَ عَلَى ذَنْبِهِ، كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ، ذَكَرَ مِنْ صِفَةِ الْمُفْسِدِ مَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخْطِئِ، فَقَالَ: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) أَيْ: أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نُهِيَ عَنْ مُنْكَرٍ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْغَضَبُ، وَيَعْظُمُ
عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَتَأْخُذُهُ الْكِبْرِيَاءُ وَالْأَنَفَةُ، وَتَخْطَفُهُ الْحَمِيَّةُ وَطَيْشُ السَّفَهِ، فَيَكُونُ كَالْمَأْخُوذِ بِالسِّحْرِ، لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ فِكْرٌ ; لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى إِفْسَادِهِ لَا يَبْغِي عَنْهُ حِوَلًا. وَعَبَّرَ عَنِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْحَمِيَّةِ بِالْعِزَّةِ ; لِلْإِشْعَارِ بِوَجْهِ الشُّبْهَةِ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَهُوَ تَخَيُّلُهَا النُّصْحَ وَالْإِرْشَادَ ذِلَّةً تُنَافِي الْعِزَّةَ الْمَطْلُوبَةَ.
قَالَ شَيْخُنَا: هَذَا الْوَصْفُ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي تَفْسِيرِ التَّوَلِّي بِالْوِلَايَةِ وَالسُّلْطَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ الظَّالِمَ الْمُسْتَبِدَّ يَكْبُرُ عَلَيْهِ أَنْ يُرْشَدَ إِلَى مَصْلَحَةٍ، أَوْ يُحَذَّرَ مِنْ مَفْسَدَةٍ ; لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ الَّذِي رَكِبَهُ وَعَلَاهُ يَجْعَلُهُ أَعْلَى النَّاسِ رَأْيًا وَأَرْجَحَهُمْ عَقْلًا، بَلِ الْحَاكِمُ الْمُسْتَبِدُّ الَّذِي لَا يَخَافُ اللهَ تَعَالَى يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ الْحَقِّ كَمَا أَنَّهُ فَوْقَ أَهْلِهِ فِي السُّلْطَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفَنُ رَأْيِهِ خَيْرًا مِنْ جَوْدَةِ آرَائِهِمْ، وَإِفْسَادُهُ نَافِذًا مَقْبُولًا دُونَ إِصْلَاحِهِمْ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فِي كَذَا؟ وَإِنَّ الْأَمِيرَ مِنْهُمْ لَيَأْتِي أَمْرًا فَيَظْهَرُ لَهُ ضَرَرُهُ فِي شَخْصِهِ أَوْ فِي مُلْكِهِ وَيَوَدُّ لَوْ يَهْتَدِي السَّبِيلَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، فَيَعْرِضُ لَهُ نَاصِحٌ يَشْرَعُ لَهُ السَّبِيلَ فَيَأْبَى سُلُوكَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهَا النَّجَاةَ وَالْفَوْزَ إِلَّا أَنْ يَحْتَالَ النَّاصِحُ فِي إِشْرَاعِهَا فَيَجْعَلُهُ بِصِيغَةٍ لَا تُشْعِرُ بِالْإِرْشَادِ وَالتَّعْلِيمِ، وَلَا بِأَنَّ السَّيِّدَ الْمُطَاعَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ.
وَقَدْ عَرَضْتُ نَصِيحَةً عَلَى بَعْضِهِمْ مَعَ ذِكْرِ لَفْظِ النَّصِيحَةِ بَعْدَ تَمْهِيدٍ لَهُ بِالْحَدِيثِ ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) وَبَيَانِ مَعْنَاهُ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ: إِنَّنِي أَنْصَحُ لَكَ وَلِأَنَّكَ إِمَامِي، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرُ عَهْدِ النَّاصِحِ بِهِ، فَانْظُرْ كَيْفَ لَمْ يَرْضَ حَاكِمٌ مُسْلِمٌ بِأَنْ يُبْذَلَ لَهُ مَا يَجِبُ أَنْ يُبْذَلَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْأَئِمَّةِ، وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ يَنْصَحُونَ لِلْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَأْخُذُونَ بِالنُّصْحِ بِحَسَبِ مَكَانِهِمْ مِنَ الدِّينِ، وَأَمَّا الطُّغَاةُ الْبُغَاةُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا مَا يَخْدَعُونَ بِهِ الْعَامَّةَ
مِنْ إِتْيَانِ الْمَسَاجِدِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ الْمُبْتَدَعَةِ، فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَ مَنْ يُشِيرُ إِشَارَةً مَا إِلَى أَنَّهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى تَقْوَى اللهِ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَوْ فِي عِيَالِ اللهِ الَّذِينَ سُلِّطُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ السُّلْطَانِ وَالْحُكْمِ مَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ كُلِّ
стр. 602
مَا يَهْوَوْنَ مِنَ الْإِفْسَادِ وَالظُّلْمِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُ أَكْثَرِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إِلَى الدِّينِ وَيَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ، فَهَلْ تَجِدُ دَعْوَى فِرْعَوْنَ الْأُلُوهِيَّةَ غَرِيبًا عَجِيبًا؟ !
وَحَمْلُ التَّوَلِّي عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ لَا يَتَنَافَى مَعَ أَخْذِ الْعِزَّةِ بِالْإِثْمِ مِنْ جَرَّاءِ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، فَإِنَّ فِي طَبْعِ كُلِّ مُفْسِدٍ النُّفُورَ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ بِالصَّلَاحِ وَالِاحْتِمَاءَ عَلَيْهِ; لِأَنَّهُ يَرَى أَمْرَهُ بِالتَّقْوَى وَالْخَيْرِ تَشْهِيرًا بِهِ، وَصَرْفًا لِعُيُونِ النَّاسِ إِلَى مَفَاسِدِهِ الَّتِي يَسْتُرُهَا بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ وَخِلَابَتِهِ، وَلَكِنَّ التَّعْبِيرَ أَظْهَرُ فِي إِرَادَةِ الْوُلَاةِ وَالسَّلَاطِينِ. وَقَدْ يَبْلُغُ نُفُورُ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَقِّ وَالدَّاعِينَ إِلَى الْخَيْرِ إِلَى حَدِّ اسْتِثْقَالِهِمْ وَالْحِقْدِ عَلَيْهِمْ، وَالسَّعْيِ فِي إِيذَائِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِذَلِكَ ; إِذْ يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْخَيْرِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ - عَلَى إِطْلَاقِهِمَا - كَافِيَانِ فِي فَضِيحَتِهِمْ، وَذَاهِبَانِ بِخِلَابَتِهِمْ، فَلَا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ دُعَاةِ الْخَيْرِ وَلَا يَرْتَاحُونَ إِلَى ذِكْرِهِمْ، بَلْ يَتَتَبَّعُونَ عَوْرَاتِهِمْ وَعَثَرَاتِهِمْ لِيُوقِعُوا بِهِمْ وَيُنَفِّرُوا النَّاسَ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِزَلَّةٍ ظَاهِرَةٍ الْتَمَسُوهَا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأَوُّلِ، أَوِ الِاخْتِرَاعِ وَالتَّقَوُّلِ; وَلِذَلِكَ تَجِدُ طَعْنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَئِمَّةِ الْمُصْلِحِينَ مِنْ قَبِيلِ طَعْنِ الْكَافِرِينَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، إِنَّ فُلَانًا مَغْرُورٌ لَا يُعْجِبُهُ أَحَدٌ، خَطَّأَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَصَفَهُمْ بِالضَّلَالِ، سَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ، شَنَّعَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَرَّقَ بَيْنَهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا.
هَذِهِ آثَارُ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْإِيقَاعِ بِالْآمِرِ بِالتَّقْوَى، وَإِنْ قَدَرُوا حَبَسُوا وَضَرَبُوا، وَنَفَوْا وَقَتَّلُوا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ يَأْنَفُ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) أَيْ: هِيَ مَصِيرُهُ، وَكَفَاهُ عَذَابُهَا جَزَاءً عَلَى كِبْرِيَائِهِ وَحَمِيَّتِهِ الْجَاهِلِيَّةِ. ثُمَّ وَصَفَ جَهَنَّمَ، وَهِيَ دَارُ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، بِقَوْلِهِ: (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) الْمِهَادُ: الْفِرَاشُ يَأْوِي إِلَيْهِ الْمَرْءُ لِلرَّاحَةِ، وَاللَّامُ وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، فَاللهُ تَعَالَى يُقْسِمُ تَأْكِيدًا لِلْوَعِيدِ بِأَنَّ الَّذِي يَرَى عِزَّتَهُ مَانِعَةً لَهُ عَنِ الْإِذْعَانِ لِلْأَمْرِ بِتَقْوَى اللهِ
سَيَكُونُ مِهَادُهُ وَمَأْوَاهُ النَّارَ، وَهِيَ بِئْسَ الْمِهَادُ وَشَرُّهُ، لَا رَاحَةَ فِيهَا، وَلَا اطْمِئْنَانَ لِأَهْلِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ عَبَّرَ بِالْمِهَادِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الرَّاحَةِ لِلتَّهَكُّمِ.
وَأَنْتَ تَرَى مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ وَمِنْ كَوْنِ التَّقْسِيمِ حَقِيقِيًّا فِي نَفْسِهِ شَارِحًا لِمَا عَلَيْهِ الْبَشَرُ فِي حَيَاتِهِمْ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ مُلْتَئِمًا مَعَهُ فِي السِّيَاقِ أَنَّ الْكَلَامَ عَامٌّ، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ لَهُ سَبَبًا خَاصًّا لَا يُنَافِي عُمُومَهُ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ لِلْآيَاتِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالَا - لَمَّا هَلَكَتْ سَرِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ -: يَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا، لَا هُمْ قَعَدُوا فِي أَهْلِيهِمْ، وَلَا هُمْ أَدَّوْا رِسَالَةَ صَاحِبِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَظْهَرَ لَهُ الْإِسْلَامَ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحُمُرٍ، فَأَحْرَقَ
стр. 603
الزَّرْعَ وَعَقَرَ الْحُمُرَ. فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَتَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُمَا سَبَبًا حَمَلَ الْآيَاتِ عَلَيْهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْآيَاتِ لَيْسَتْ مُطَابَقَةً لِلْحَادِثَتَيْنِ اللَّتَيْنِ إِنْ صَحَّتَا كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ; فَإِنَّ الْأَخْنَسَ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْفَرِيقَ الْآخَرَ الْمُقَابِلَ لِمَنْ تَأْخُذُهُ الْعِزَّةُ إِذَا ذُكِّرَ بِاللهِ تَعَالَى فَقَالَ:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ) وَكَانَ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُوصَفَ هَذَا الْفَرِيقُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوَى وَالتَّبَجُّحِ بِالْقَوْلِ، أَوْ مَعَ مُطَابَقَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ، وَمُوَافَقَةِ لِسَانِهِ لِمَا فِي قَلْبِهِ، وَالْآيَةُ تَضَمَّنَتْ هَذَا الْوَصْفَ وَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهِ. فَإِنَّ مَنْ يَشْرِي ; أَيْ: يَبِيعُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، لَا يَبْغِي ثَمَنًا لَهَا غَيْرَ مَرْضَاتِهِ، لَا يَتَحَرَّى إِلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَقَوْلَ الْحَقِّ، مَعَ الْإِخْلَاصِ فِي الْقَلْبِ، فَلَا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانَيْنِ، وَلَا يُقَابِلُ النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ، وَلَا يُؤْثِرُ عَلَى مَا عِنْدَ اللهِ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ كُبَرَائِهَا وَمُتْرَفِيهَا مِنَ الْقُصُورِ، وَمَتَاعِ الزِّينَةِ وَالْغُرُورِ، وَهَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَعْتَدُّ الْقُرْآنُ بِإِيمَانِهِ. وَأَمَّا الْإِيمَانُ الْقَوْلِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَلَا يَمَسُّ سَوَادَ الْقُلُوبِ، وَلَا تَظْهَرُ آثَارُهُ فِي الْأَعْمَالِ، وَلَا يَحْمِلُ صَاحِبُهُ شَيْئًا مِنَ الْحُقُوقِ لِدِينِهِ وَمِلَّتِهِ وَلَا لِقَوْمِهِ وَأُمَّتِهِ، فَلَا قِيمَةَ لَهُ فِي كِتَابٍ، وَلَا يُقَامُ لِصَاحِبِهِ وَزْنٌ فِي يَوْمِ اللهِ، بَلْ يُخْشَى أَنْ يُقَالَ لِذَوِيهِ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (٤٦: ٢٠) .
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الشِّرَاءَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى تَشْرَحُ هَذِهِ الْآيَةَ وَتُفَسِّرُهَا، وَتُبَيِّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَاعُوا وَأَنَّ اللهَ قَدِ اشْتَرَى، كَقَوْلِهِ : (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ - إِلَى قَوْلِهِ - فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٩: ١١١) وَقَدْ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِمَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَهُ مَعَهَا مِيزَانًا لِلْإِيمَانِ وَأَهْلِهِ، فَنَفْسُ الْمُؤْمِنِ لِلَّهِ لَا لِلشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ الْبَهِيمِيَّةِ وَالْمَكْرِ الشَّيْطَانِيِّ، فَمَنْ آثَرَ شَهْوَتَهُ عَلَى مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وَالْتِزَامِ حُدُودِهِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى هَدْيِ دِينِهِ، فَلَا وَزْنَ لَهُ فِي سُوقِ هَذَا الْبَيْعِ وَلَا قِيمَةَ. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيَكْبُرُ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى الْمَفْتُونِينَ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَذَّاتِهَا وَقُصُورِهَا، وَخُمُورِهَا وَحُورِهَا، وَإِنْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مِنْ زُعَمَاءِ الدِّينِ، وَخِدْمَتِهِ الْمُخْلِصِينَ; لِأَنَّ الْحَقَّ مُرٌّ فِي مَذَاقِ الْمُبْطِلِينَ.
وَالْآيَةُ لَا تُنَافِي مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الدُّعَاءِ مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرَعَ لَنَا طَلَبَ الدُّنْيَا مِنَ الْوُجُوهِ الْحَسَنَةِ كَمَا شَرَعَ لَنَا طَلَبَ الْآخِرَةِ، بَلْ هِيَ مُؤَيِّدَةٌ لَهَا، فَإِنَّ طَلَبَهَا مِنَ الطُّرُقِ الْحَسَنَةِ; أَيِ: الْمَشْرُوعَةِ النَّافِعَةِ، لَا يُنَافِي مَرْضَاةَ اللهِ تَعَالَى بِبَيْعِ النَّفْسِ لَهُ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا إِلَّا مَا هُوَ ضَارٌّ بِفَاعِلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَنَا أَنْ نَتَمَتَّعَ بِهَا حَلَالًا، وَنَكُونَ مُثَابِينَ مَرْضِيِّينِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لَمَّا قَالَ ﵊: ((وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)) يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ)) ؟ قَالُوا:
стр. 604
نَعَمْ. قَالَ: ((فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.
وَلَكِنَّ الَّذِي يُنَافِي مَرْضَاةَ اللهِ تَعَالَى وَيُنَافِي سَعَادَةَ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ هُوَ أَنْ يَسْتَرْسِلَ الْمَرْءُ فِي سَبِيلِ حُظُوظِهِ وَشَهَوَاتِهِ خَارِجَ الْحُدُودِ الْمَشْرُوعَةِ فَيُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يُبَالِيَ أَنْ يَهْلِكَ بِإِفْسَادِهِ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُؤْمِنُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَبِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ
إِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ لِذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا أَلْجَأَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَجِهَادِ أَعْدَاءِ الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ عِنْدَ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمَا، أَوِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فَرْضًا عَيْنِيًّا عَلَى جَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِهِمَا مَعًا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَسَبِيلُ اللهِ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَهِيَ الَّتِي يَحْفَظُ بِهَا دِينَهُ وَيُصْلِحُ بِهَا حَالَ عِبَادِهِ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي مِنَ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكْتَسِبَ بِالْحَلَالِ، وَيَتَمَتَّعَ بِالْحَلَالِ، وَيَنْفَعَ نَفْسَهُ وَلَا يَضُرَّ غَيْرَهُ، وَأَنْ يُصَلِّيَ وَيَصُومَ; لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يَعْمَلُهُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ أَوْسَعَ وَعَمَلُهُ أَشْمَلَ وَأَنْفَعَ، فَيُسَاعِدَ عَلَى نَفْعِ النَّاسِ وَدَرْءِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وَتَعْزِيزِ الْأُمَّةِ بِالْمَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَمُقَاوَمَةِ الشَّرِّ، وَلَوْ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى بَذْلِ رُوحِهِ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي وَاجِبٍ يَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ الْمِلَّةِ وَعِزَّةِ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ آثَرَ نَفْسَهُ عَلَى مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَخَرَجَ مِنْ زُمْرَةِ كَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ أَكْبَرَ إِجْرَامًا مِمَّنْ يُقَصِّرُ فِي وَاجِبٍ لَا يَضُرُّ تَقْصِيرُهُ فِيهِ إِلَّا بِنَفْسِهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَرْبِيَةِ النَّفْسِ بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ هِيَ أَنْ تَرْتَقِيَ وَيَتَّسِعَ وُجُودُهَا فِي الدُّنْيَا، فَيَعْظُمَ خَيْرُهَا وَيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِهَا، وَتَكُونُ فِي الْآخِرَةِ أَهْلًا لِجِوَارِ اللهِ تَعَالَى مَعَ النَّبِيَّيْنِ وَالصِّدِّيقِينِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَجَعَلُوا أَكْثَرَ أَعْمَالِهِمْ خِدْمَةً لِلنَّاسِ وَسَعْيًا فِي خَيْرِهِمْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِ أَنْفُسَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحُظُوظِ وَالشَّهَوَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْخَسِيسَةِ; لِأَجْلِ نَفْعِهِ سُبْحَانَهُ أَوْ دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا شَرَعَ هَذَا لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ بِاتِّسَاعِ وُجُودِهِ وَعُمُومِ نَفْعِهِ سَيِّدَ النَّاسِ، فَلْيَعْرِضْ مُدَّعُو الْإِيمَانِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ وَآثَرُوا مَرْضَاتِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ، فَلْيَعْرِضْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُنْصِفِينَ عَلَيْهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ وَاسِعُ الْوُجُودِ خَادِمٌ لِلْأُمَّةِ وَالْمِلَّةِ، لَا جَرَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (٤٩: ١٤) فَإِنَّ مَعْنَى أَسْلَمْنَا انْقَدْنَا لِأَحْكَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ وَأَخَذْنَا بِأَعْمَالِهِ الْبَدَنِيَّةِ.
وَكَثِيرٌ مِمَّنْ تُعْجِبُكَ أَقْوَالُهُمْ مِنْ صِنْفِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ
وَلَا يَصُومُونَ، وَلَا يُزَكُّونَ وَلَا يَحُجُّونَ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَيَأْتُونَ كَثِيرًا مِنَ الْكَبَائِرِ جِهَارًا، وَيُصِرُّونَ عَلَيْهَا إِصْرَارًا.
стр. 605
ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي; أَيْ: يَبِيعُ نَفْسَهُ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْخُلَّصُ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى، وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ أَقْوَى فِي طَلَبِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ وَأَدُلُّ عَلَى تَقْرِيرِهِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِثَالِ الْمَأْمُورِينَ، وَالْإِخْبَارَ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ، فَالْقُرْآنُ يُصَوِّرُ الْمُؤْمِنِينَ عَامِلِينَ بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مَا شَرَعَ هَذَا إِلَّا رَأْفَةً بِعِبَادِهِ فَقَالَ: (وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) إِذْ يَرْفَعُ هِمَمَ بَعْضِهِمْ وَيُعْلِي نُفُوسَهُمْ حَتَّى يَبْذُلُوهَا فِي سَبِيلِهِ لِدَفْعِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ عَنْ عِبَادِهِ وَتَقْرِيرِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ فِيهِمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَغَلَبَ شَرُّ أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا صَلَاحٌ (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (٢: ٢٥١) وَإِنَّ هَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ فِي إِزَالَةِ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ بَيْعَ النَّفْسِ يُؤْذِنُ بِتَرْكِ الدُّنْيَا، وَأَلَّا يُمَتِّعَ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ بِلَذَّاتِهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ - وَهُوَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ - لَمَا قَرَنَهُ اللهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ الرَّءُوفِ الدَّالِّ عَلَى سِعَةِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ، فَيَالَلَّهُ مَا أَعْجَبَ بَلَاغَةَ كَلَامِ اللهِ، وَمَا أَعْظَمَ خِذْلَانَ الْمُعْرِضِينَ عَنْ هُدَاهُ.
وَمِنَ الدِّقَّةِ الْغَرِيبَةِ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ الْمُوجَزِ بَيَانُ حَقِيقَةٍ عَظِيمَةٍ وَهِيَ أَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي النَّاسِ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْعِبَادِ لَا خَاصَّةٌ بِهِمْ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَثِيرًا مَا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِعَمَلِ الْمُصْلِحِينَ مِنْ دُونِهِمْ; إِذْ تُظْهِرُ ثَمَرَاتُ إِصْلَاحِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنَّ عَلَى مَنْ يَبْذُلُ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى فِي نَفْعِ عِبَادِهِ أَلَّا يَتَهَوَّرَ وَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ فِي التَّهْلُكَةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا يُقَدِّرُ الْأُمُورَ بِقَدْرِهَا; إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الشِّرَاءِ إِهَانَةَ النَّفْسِ وَلَا إِذْلَالَهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ دَفْعُ الشَّرِّ وَتَقْرِيرُ الْخَيْرِ الْعَامِّ رَأْفَةً بِالْعِبَادِ، وَإِيثَارًا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ. وَإِنَّ أُمَّةً يَتَّصِفُ جَمِيعُ أَفْرَادِهَا أَوْ أَكْثَرُهُمْ بِهَذَا الْوَصْفِ لَجَدِيرَةٌ بِأَنْ تَسُودَ الْعَالَمِينَ، وَكَذَلِكَ سَادَ سَلَفُنَا الصَّالِحُونَ، وَإِنَّ أُمَّةً تُحْرَمُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ لَخَلِيقَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مُسْتَعْبَدَةً لِجَمِيعِ الْمُتَغَلِّبِينَ، وَكَذَلِكَ اسْتُعْبِدَ خَلَفُنَا الطَّالِحُونَ، فَهَلْ نَحْنُ مُعْتَبِرُونَ؟
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)
стр. 606
بَعْدَ مَا بَيَّنَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ وَالْإِصْلَاحِ وَالْإِفْسَادِ أَرَادَ أَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى مَا يَجْمَعُ الْبَشَرَ كَافَّةً عَلَى الصَّلَاحِ وَالسَّلَامِ، وَالْوِفَاقِ الَّذِي قَرَّرَهُ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْهِدَايَةَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَشَرَّفَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ فَقَالَ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) إِلَخْ. السِّلْمُ الْمُسَالَمَةُ وَالِانْقِيَادُ وَالتَّسْلِيمُ، فَيُطْلَقُ عَلَى الصُّلْحِ وَالسَّلَامِ، وَعَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ (السَّلْمِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِالصُّلْحِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ (الْجَلَالُ) ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ (كَافَّةً) حَالٌ مِنَ السِّلْمِ; أَيْ: فِي جَمِيعِ شَرَائِعِهِ. وَأَقُولُ: إِنَّ أَسَاسَهَا الِاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ اللهِ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، وَمِنْ أُصُولِهَا الْوِفَاقُ وَالْمُسَالَمَةُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَرْكُ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْمُهْتَدِينَ بِهِ. وَاللَّفْظُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَعَانِيهِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْمَقَامُ، وَالْأَمْرُ بِالدُّخُولِ فِيهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حِصْنٌ مَنِيعٌ لِلدَّاخِلِينَ فِي كَنَفِهِ، وَهُوَ لِلْكَامِلِينَ مِنْهُمْ أَمْرٌ بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ) (٣٣: ١) وَلِمَنْ دُونَهُمْ أَمْرٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ وَتَحَرِّي الْكَمَالِ فِيهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخِطَابَ فِيهِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ كُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ فَالدُّخُولُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. يَقُولُ لَهُمْ: إِذَا لَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي أَكْمَلَهُ لِخَلْقِهِ كَافَّةً بِبَعْثَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، فَلَا يَنْفَعُكُمْ إِيمَانُكُمْ بِهِ مَعَ بَقَائِكُمْ عَلَى تَعَادِيكُمْ وَتَفَرُّقِكُمْ، وَدِينُ اللهِ جَامِعٌ لَا تَفَرُّقَ فِيهِ. وَهَاكَ مَا كَتَبْتُهُ بَعْدَ حُضُورِ دَرْسِ تَفْسِيرِ شَيْخِنَا لِلْآيَةِ:
هَذِهِ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَاعِدَةٌ لَوْ بَنَى جَمِيعُ عُلَمَاءِ الدِّينِ مَذَاهِبَهُمْ عَلَيْهَا لَمَا تَفَاقَمَ أَمْرُ
الْخِلَافِ فِي الْأُمَّةِ، ذَلِكَ أَنَّهَا تُفِيدُ وُجُوبَ أَخْذِ الْإِسْلَامِ بِجُمْلَتِهِ، بِأَنْ نَنْظُرَ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الشَّارِعُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَصٍّ قَوْلِيٍّ وَسُنَّةٍ مُتَّبَعَةٍ، وَنَفْهَمَ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَنَعْمَلَ بِهِ، لَا أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ أَوْ سُنَّةٍ وَيَجْعَلَهَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ أَدَّتْ إِلَى تَرْكِ مَا يُخَالِفُهَا مِنَ النُّصُوصِ وَالسُّنَنِ، وَحَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ أَوِ الْمَسْخِ بِالتَّأْوِيلِ، أَوْ تَحْكِيمِ الِاحْتِمَالِ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ، وَلَوْ أَنَّكَ دَعَوْتَ الْعُلَمَاءَ إِلَى الْعَمَلِ بِالْآيَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ - الَّذِي عَرَفُوهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلى قَائِلِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ فِي التَّفْسِيرِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ - لَوَلَّوْا مِنْكَ فِرَارًا، وَأَعْرَضُوا عَنْكَ اسْتِكْبَارًا، وَقَالُوا: مَكَرَ مَكْرًا كُبَّارًا، إِذْ دَعَا إِلَى تَرْكِ الْمَذَاهِبِ، وَحَاوَلَ إِقَامَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْهَجٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْ آيَاتِ الْعِبْرَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّنَا نَجِدُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِنَا هُدًى وَنُورًا لَوِ اتَّبَعَتْهُ الْأُمَّةُ فِي أَزْمِنَتِهِمْ لَاسْتَقَامَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ، وَوَصَلَتْ إِلَى الْحَقِيقَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَضِيقِ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ إِلَى بُحْبُوحَةِ الْوَحْدَةِ وَالِاتِّفَاقِ، وَالسَّبَبُ فِي بَقَاءِ الْغَلَبِ لِسُلْطَانِ الْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ فُشُوُّ الْجَهْلِ، وَتَعَصُّبُ أَهْلِ الْجَاهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَذَاهِبِهِمُ الَّتِي إِلَيْهَا يَنْتَسِبُونَ، وَبِجَاهِهَا يَعِيشُونَ وَيُكْرَمُونَ، وَتَأْيِيدُ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ لَهُمُ اسْتِعَانَةً بِهِمْ عَلَى إِخْضَاعِ الْعَامَّةِ، وَقَطْعِ طَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ الْعَقْلِيِّ وَالنَّفْسِيِّ عَلَى الْأُمَّةِ; لِأَنَّ هَذَا أَعْوَنُ لَهُمْ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ، وَأَشَدُّ تَمْكِينًا لَهُمْ
стр. 607
مِمَّا يَهْوَوْنَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ; إِذِ اتِّفَاقُ كَلِمَةِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَاجْتِمَاعُهَا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ كَذَا بِدَلِيلِ كَذَا مُلْزِمٌ لِلْحَاكِمِ بِاتِّبَاعِهِمْ فِيهِ; لِأَنَّ الْخَوَاصَّ إِذَا اتَّحَدُوا تَبِعَهُمُ الْعَوَامُّ، وَهَذِهِ هِيَ الْوَسِيلَةُ الْفَرْدَةُ لِإِبْطَالِ اسْتِبْدَادِ الْحُكَّامِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مُؤَيَّدٌ بِالنَّعْيِ عَلَى الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، وَالْإِنْكَارِ عَلَى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ; أَيْ: يَعْمَلُونَ بِبَعْضِهِ عَلَى أَنَّهُ دِينٌ وَيَتْرُكُونَ بَعْضًا بِتَأْوِيلٍ أَوْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَشَأْنِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِأَنَّهُ مِنَ اللهِ. فَوُجُوبُ أَخْذِ الْقُرْآنِ وَالدِّينِ بِجُمْلَتِهِ، وَفَهْمِ هِدَايَتِهِ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ثَبَتَ عَمَّنْ جَاءَ بِهِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ فِي ذَاتِهِ، سَوَاءٌ فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَةُ أَوْ لَا; لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَشَرْنَا إِلَيْهِمَا آنِفًا فِي جَعْلِ الْقُرْآنِ عِضِينَ، وَفِي الْإِيمَانِ بِبَعْضِهِ وَالْكُفْرِ بِبَعْضٍ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنَ النُّصُوصِ تُثْبِتُهُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ (كَافَّةً) تَرْجِعُ إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا; أَيِ: ادْخُلُوا
فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعًا لَا يَتَخَلَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَصْرِفُ نِدَاءَ (الَّذِينَ آمَنُوا) إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ - أَيْ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ وَالْوَحْيِ - حَتَّى لَا يُرَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِيمَانَ يَسْتَلْزِمُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ أَمْرُ الْمُؤْمِنِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَوَجْهُ اللُّزُومِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ مَعَ إِذْعَانِ النَّفْسِ، فَمَنْ صَدَّقَ بِالشَّيْءِ وَأَذْعَنَ لَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي أَعْمَالِهِ وَانْقَادَ لِأَحْكَامِهِ لَا مَحَالَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ: إِنَّ الْعِلْمَ لَا يُوجِبُ الْعَمَلَ فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ خَطَأٌ; فَالْعِلْمُ التَّصْدِيقِيُّ الْإِذْعَانِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ يُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ فِي مَوْضُوعِهِ عِلْمٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَأَمَّا الْعِلْمُ التَّصَوُّرِيُّ وَالْعِلْمُ النَّظَرِيُّ الْمُعَارَضُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَوْ نَظَرِيٍّ أَقْوَى مِنْهُ فَلَا يُوجِبَانِ الْعَمَلَ.
وَقَدْ صَرَّحَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَّالِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْعَلَّامَةُ الشَّاطِبِيُّ صَاحِبُ الْمُوَافَقَاتِ بِأَنَّ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ، وَالْحَقَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا، وَآيَاتُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ دَالَّةٌ عَلَيْهِ وَمُعَزِّزَةٌ لَهُ، وَيَدُلُّ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ وَثَعْلَبَةُ وَابْنُ يَامِينَ وَأَسَدُ وَأُسَيْدُ ابْنَا كَعْبٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُمَرَ وَقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ - كُلُّهُمْ مِنْ يَهُودَ -: يَا رَسُولَ اللهِ يَوْمَ السَّبْتَ نُعَظِّمُهُ فَدَعْنَا فَلْنُسْبِتْ فِيهِ، وَإِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا بِاللَّيْلِ، فَنَزَلَتْ. فَالْخِطَابُ عَلَى هَذَا لِلْيَهُودِ خَاصَّةً لَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَامَّةً، وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَهِيَ تَنِمُّ عَلَى نَفْسِهَا فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلْآيَةِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِمَعْنَاهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ السِّلْمِ، وَهُوَ الْمُسَالَمَةُ وَالْوِفَاقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ - أَخْذُ الدِّينِ بِجُمْلَتِهِ - لِأَنَّهُ أَمَرَ بِرَفْعِ الشِّقَاقِ وَالتَّنَازُعِ، وَبِالِاعْتِصَامِ بِحَبَلِ الْوَحْدَةِ، وَشَدِّ أَوَاخِي الْإِخَاءِ، وَلَا يَرْتَفِعُ الشَّيْءُ إِلَّا بِرَفْعِ أَسْبَابِهِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا بِتَحَقُّقِ وَسَائِلِهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٣: ١٠٣) الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا) (٨: ٤٦)
стр. 608
وَقَوْلِهِ ﵊: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ أَعْنَاقَ بَعْضٍ)) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ. وَقَدْ خَالَفْنَا كُلَّ هَذِهِ النُّصُوصِ فَتَفَرَّقْنَا وَتَنَازَعْنَا وَشَاقَّ بَعْضُنَا بَعْضًا بِشُبْهَةِ الدِّينِ، إِذِ اتَّخَذْنَا مَذَاهِبَ مُتَفَرِّقَةً، كُلُّ فَرِيقٍ يَتَعَصَّبُ لِمَذْهَبٍ وَيُعَادِي سَائِرَ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ
لِأَجْلِهِ، زَاعِمًا أَنَّهُ يَنْصُرُ الدِّينَ وَهُوَ يَخْذُلُهُ بِتَفْرِيقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا سُنِّيٌّ يُقَاتِلُ شِيعِيًّا، وَهَذَا شِيعِيٌّ يُنَازِلُ إِبَاضِيًّا، وَهَذَا شَافِعِيٌّ يُغْرِي التَّتَارَ بِالْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا حَنَفِيٌّ يَقِيسُ الشَّافِعِيَّةَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ مُقَلِّدَةُ الْخَلَفِ، يُحَادُّونَ مَنِ اتَّبَعَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) (٢٣: ٦٨) أَمْ أُمِرُوا بِهَذَا مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَمِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ؟ كَلَّا; بَلْ كَانَ التَّعَادِي وَالتَّنَازُعُ انْحِرَافًا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَاتِّبَاعًا لِخُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَكَمَا خَالَفَ الْمُفَرِّقُونَ الْمُتَنَازِعُونَ رَبَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ خَالَفُوا مَا اتَّبَعَهُ بِهِ مِنْ هَذَا النَّهْيِ، إِذْ قَالَ: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) الْخُطُوَاتُ جَمْعُ خُطْوَةٍ - بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ - وَهُمَا مَا بَيْنَ قَدَمَيْ مَنْ يَخْطُو بِنَقْلِهِمَا فِي الْمَشْيِ; أَيْ: لَا تَسِيرُوا سَيْرَهُ وَتَتَّبِعُوا سُبُلَهُ فِي التَّفَرُّقِ فِي الدِّينِ، أَوِ الْخِلَافِ وَالتَّنَازُعِ مُطْلَقًا. وَسُبُلُ الشَّيْطَانِ وَخُطُوَاتُهُ هِيَ كُلُّ أَمْرٍ يُخَالِفُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّبُلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (٦: ١٥٣) فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ لَهُ سَبِيلًا وَاحِدَةً سَمَّاهَا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا; لِأَنَّهَا أَقْرَبُ طَرِيقٍ إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالسَّلَامِ، وَأَنَّ هُنَاكَ سُبُلًا مُتَعَدِّدَةً يَتَفَرَّقُ مُتَّبِعُوهَا عَنْ ذَلِكَ الصِّرَاطِ وَهِيَ طُرُقُ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ عَلِمَ مَنْ جَعَلَ التَّفَرُّقَ تَابِعًا لِاتِّبَاعِ سُبُلٍ هِيَ غَيْرُ صِرَاطِ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ سَبِيلَ اللهِ لَا يَتَفَرَّقُونَ (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٦: ١٥٩) نَعَمْ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ سَبَبُ الْخِلَافِ وَالتَّنَازُعِ وَلَكِنَّهُمْ مَتَى شَعُرُوا بِأَنَّ التَّنَازُعَ قَدْ دَبَّ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرٍ فَزِعُوا إِلَى تَحْكِيمِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِيهِ بِرَدِّهِ إِلَى حُكْمِهِمَا كَمَا أَمَرَهُمْ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٤: ٥٩) أَيْ: مَآلًا وَعَاقِبَةً. فَالْآيَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا الْقُرْآنَ بِجُمْلَتِهِ كَمَا أُمِرْنَا.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذِهِ الْآيَاتُ حُجَّةٌ لِعُلَمَاءِ الْأُصُولِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، وَيَا لَيْتَ أَصْحَابَ هَذَا الْأَصْلِ فَرَضُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الِاجْتِمَاعَ لِكُلِّ
خِلَافٍ يَعْرِضُ لَهُمْ، وَالْبَحْثَ عَنْ وَجْهِ الْحَقِّ فِيهِ بِلَا تَعَصُّبٍ وَلَا مِرَاءٍ، حَتَّى إِذَا مَا ظَهَرَ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَظْهَرْ لِبَعْضِهِمْ ثَابَرَ مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ عَلَى تِطْلَابِهِ بِإِخْلَاصٍ لَا يُعَادِي فِيهِ أَحَدًا، وَلَا يَجْعَلُهُ ذَرِيعَةً لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ.
طَرِيقُ الْحَقِّ هُوَ الْوَحْدَةُ وَالْإِسْلَامُ، وَطُرُقُ الشَّيْطَانِ هِيَ مُثَارَاتُ التَّفَرُّقِ وَالْخِصَامِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ فِي كُلِّ الْأُمَمِ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ طُرُقَهُ وَيُسَوِّلُ لِلنَّاسِ الْمَنَافِعَ وَالْمَصَالِحَ فِي التَّفَرُّقِ
стр. 609
وَالْخِلَافِ، فَقَدْ كَانَتْ يَهُودُ أُمَّةً وَاحِدَةً مُجْتَمِعَةً عَلَى كِتَابٍ وَاحِدٍ هُوَ صِرَاطُ اللهِ، فَسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَتَفَرَّقُوا وَجَعَلُوا لَهُمْ مَذَاهِبَ وَطُرُقًا، وَأَضَافُوا إِلَى الْكِتَابِ مَا أَضَافُوا، وَحَرَّفُوا مِنْ كَلِمِهِ مَا حَرَّفُوا، وَاتَّبَعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَتْ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ حَتَّى حَلَّ بِهِمُ الْهَلَاكُ وَالدَّمَارُ، وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ وَكَذَلِكَ فَعَلَ غَيْرُهُمْ، كَأَنَّهُمْ رَأَوْا دِينَهُمْ نَاقِصًا فَكَمَّلُوهُ، وَقَلِيلًا فَكَثَّرُوهُ، وَوَاحِدًا فَعَدَّدُوهُ، وَسَهْلًا فَصَعَّبُوهُ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَوَضَعُوهُ، فَذَهَبَ اللهُ بِوَحْدَتِهِمْ حَتَّى لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءَ، وَأَنْزَلَ بِهِمُ الْبَلَاءَ، (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) (٤٠: ٨٥) .
هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَمِنْ خُطُوَاتِهِ طُرُقُ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ كُلِّهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (٢٤: ٢١) وَأَمَّا كَوْنُ الشَّيْطَانِ عَدُوًّا مُبِينًا فَذَاكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَدْعُوا إِلَيْهِ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، بَيِّنُ الضَّرَرِ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَعَقَلَ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فِي بَدْءِ الْخُطُوَاتِ أَدْرَكَهُ فِي غَايَتِهَا عِنْدَمَا يَذُوقُ مَرَارَةَ مَغَبَّتِهَا، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ تَذْكِيرِ اللهِ تَعَالَى وَهِدَايَتِهِ عِبَادَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَا عُذْرَ لِمَنْ بَلَغَتْهُ هَذِهِ الْهِدَايَةُ إِذَا بَقِيَ عَلَى ضَلَالَتِهِ وَاسْتَحَبَّ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى; وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ:
(فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أَيْ: فَإِنْ
زَلَلْتُمْ وَحِدْتُمْ عَنْ صِرَاطِ اللهِ - وَهُوَ السُّلَّمُ - إِلَى خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ - وَهِيَ طُرُقُ الْخِلَافِ وَالِافْتِرَاقِ وَالْبَاطِلِ وَالشَّرِّ - مِنْ بَعْدِ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ أَنَّ سَبِيلَهُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ السِّلْمُ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا وَتَجْتَنِبُوا طُرُقَهُ وَخُطُوَاتِهِ، ثُمَّ فَصَّلَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، وَأَكَّدَ النَّهْيَ عَنْ شَرِّ تِلْكَ الطُّرُقِ وَأَشْأَمِهَا وَهِيَ طُرُقُ التَّفَرُّقِ وَالْخِلَافِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ أَمَامَكُمْ أَمْرًا جَلِيلًا، وَأَخْذًا وَبِيلًا; ذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لِعِزَّتِهِ لَا يَنْسَى مَنْ يَنْسَى سُنَنَهُ وَيَزِلَّ عَنْ شَرِيعَتِهِ; بَلْ يَأْخُذُهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَلِحِكْمَتِهِ قَدْ وَضَعَ تِلْكَ السُّنَنَ فِي الْخَلِيقَةِ، وَهَدَى إِلَيْهَا النَّاسَ بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ ذَنْبٍ عُقُوبَةً، وَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ عَلَى ذُنُوبِ الْأُمَمِ أَثَرًا مِنْ آثَارِهَا لَازِمًا لَهَا حَتْمًا، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَاعْلَمُوا أَنَّهُ يُحِلُّ بِكُمُ الْعِقَابَ; لِأَنَّهُ عَزِيزٌ لَا يُغْلَبُ عَلَى أَمْرِهِ، وَحَكِيمٌ لَا يُهْمِلُ أَمْرَ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلْحُجَّةِ، وَتَقْرِيرٌ لِلْبُرْهَانِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مُقَدِّمَاتِهِ اكْتِفَاءً بِهِ عَنْ ذِكْرِ النَّتِيجَةِ، وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الَّتِي لَمْ تُعْهَدْ فِي كَلَامِ إِنْسَانٍ.
стр. 610
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى مَا هُوَ دَلِيلُ الْعِقَابِ وَهُوَ مَا لَا مَطْمَعَ فِي زَوَالِهِ، وَلَا هُزْءَ فِي الدِّينِ أَكْبَرُ مِنْ ظَنِّ الْمَغْرُورِ أَنَّهُ يَنَالُ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَفِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَالرِّضْوَانِ مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بِغَيْرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَرْشَدَتْ إِلَيْهَا آيَاتُ اللهِ تَعَالَى، مُبَيِّنَةً أَنَّ الْعُقُوبَاتِ عَلَى تَرْكِهَا مِنْ آثَارِ صِفَاتِهِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا تَغْيِيرٌ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْحَوَادِثُ بِتَبْدِيلٍ وَلَا تَحْوِيلٍ اهـ.
وَنَقُولُ نَحْنُ عَلَى طَرِيقَتِهِ: إِنَّ ظَنَّ الْمَغْرُورِينَ بِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُمُ السُّلُطَاتُ وَالْخِلَافَةُ فِي الْأَرْضِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ - وَلَوْ مَعَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إِقَامَةِ الْعَدْلِ فِي النَّاسِ وَالْعِمَارَةِ وَالْإِصْلَاحِ فِي الْأَرْضِ - هُوَ مِنَ الْهُزْءِ بِآيَاتِ اللهِ فِي كِتَابِهِ، وَآيَاتِهِ فِي خَلْقِهِ، فَإِنَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادُ اللهِ الصَّالِحُونَ لِعِمَارَتِهَا وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ فِيهَا (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى) أَيِ: الْأُمَمَ (بِظُلْمٍ) مِنْهُمْ أَيْ: شِرْكٍ وَكُفْرٍ، أَوْ مِنْهُ لَهُمْ (وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (١١: ١١٧) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ وَسِيَاسَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُهْلِكُهَا إِذَا ظَلَمُوا وَأَفْسَدُوا فِيهَا.
وَالْآيَتَانِ الْمُفَسَّرَتَانِ آنِفًا وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) إِلَى قَوْلِهِ: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣: ١٠٣ - ١٠٥) وَقَوْلُهُ: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٦: ١٥٩) كُلُّهَا هَادِمَةٌ لِلتَّقَالِيدِ الَّتِي فَرَّقَتِ الْأُمَّةَ وَجَعَلَتْهَا شِيَعًا، حَتَّى صَارَ بَأْسُهَا بَيْنَهَا شَدِيدًا فَسَفَكَتْ دِمَاءَهَا بِأَيْدِيهَا، وَمَزَّقَتْ دُنْيَاهَا بِتَمْزِيقِ دِينِهَا، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا نَرَى سُوءَ عَاقِبَتِهِ فِي كُلِّ شَعْبٍ وَكُلِّ قُطْرٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى غَايَةَ الْوَعِيدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ فَقَالَ: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ) وَقَدْ غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ بِالِالْتِفَاتِ عَنِ الْخِطَابِ وَالْأَمْرِ إِلَى الْحِكَايَةِ عَنِ الزَّالِّينَ عَنْ صِرَاطِ اللهِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ. وَالْحِكْمَةُ فِي الِالْتِفَاتِ تَنَاوُلُ هَذَا الْوَعِيدِ لِجَمِيعِ مَنْ زَلَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَاطَبِينَ فِي الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ وَالْمَنْهِيِّينَ عَنْ ضِدِّهِ وَمَنْ زَلَّ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوْ هِيَ الْإِيذَانُ بِأَنَّ الزَّالِّينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَرَفَ الْخِطَابِ الْإِلَهِيِّ.
الِاسْتِفْهَامُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَيَنْظُرُونَ بِمَعْنَى يَنْتَظِرُونَ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمَالِ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلَا سِيَّمَا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) (٤٧: ١٨) وَ (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) (٣٦: ٤٩) وَإِتْيَانُ اللهِ تَعَالَى فَسَّرَهُ (الْجَلَالُ) وَآخَرُونَ بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ; أَيْ: عَذَابِهِ، كَقَوْلِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) (١٦: ٣٣) أَيْ: فَهُوَ بِمَعْنَى مَا جَاءَ مِنَ التَّخْوِيفِ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ فِي الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْمُوَافِقَةِ لِهَذِهِ الْآيَاتِ فِي أُسْلُوبِهَا. وَأَقَرَّ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ (الْجَلَالَ) عَلَى ذَلِكَ،
стр. 611
وَبَيَّنَ فِي الدَّرْسِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ مِنْ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَجَازًا، وَأَوْضَحَهُ أَتَمَّ الْإِيضَاحِ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (١٢: ٨٢) وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِسْنَادَ حَقِيقِيٌّ وَإِنَّمَا حُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ السَّابِقِ; أَيْ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ بِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ السَّاعَةِ وَالْعَذَابِ،
وَعَدَّهُ آخَرُونَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْتِي بِذَاتِهِ وَلَكِنْ لَا كَإِتْيَانِ الْبَشَرِ، بَلْ إِتْيَانُهُ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي لَا نَبْحَثُ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْإِتْيَانِ بِمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ فَلَا نَذْكُرُهُ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَزِيدُ الْمَعْنَى بُعْدًا عَنِ الْفَهْمِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ مَا يُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لَا تُفْهَمُ بِحَالٍ، وَلَا تُفَسَّرُ وَلَوْ بِإِجْمَالٍ، فَحَسْبُنَا أَنَّ نَقُولَ عَلَى رَأْيِ مَنْ فَسَّرَ إِتْيَانَ اللهِ هُنَا بِإِتْيَانِ أَمْرِهِ وَمَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، أَوْ إِتْيَانِهِ بِمَا وَعَدَ بِهِ: إِنَّنَا نُفَوِّضُ إِلَيْهِ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ، وَبِذَلِكَ نَكُونُ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي التَّفْوِيضِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُنْذِرُ الَّذِينَ زَالُوا عَنْ صِرَاطِهِ وَفَرَّقُوا دَيْنَهُ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ فِي الْجُمْلَةِ لَا بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ مُطْلَقٍ، وَمِمَّا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُّ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) (٢٥: ٢٥) مَعَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ النَّاطِقَةِ بِأَنَّ قِيَامَ السَّاعَةِ وَخَرَابَ الْعَالَمِ يَكُونُ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (٨٤: ١) وَانْتَثَرَتْ كَوَاكِبُهَا إِلَخْ. وَإِنَّمَا يَأْتِي بِذَلِكَ اللهُ تَعَالَى بِتَغْيِيرِ هَذَا النِّظَامِ الَّذِي وَضَعَهُ لِارْتِبَاطِ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظِ كُلِّ كَوْكَبٍ فِي فَلَكِهِ، وَسَيَأْتِي لِمَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الْإِتْيَانِ تَوْجِيهٌ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا ظُلَلُ الْغَمَامِ: فَهِيَ قِطَعُ السَّحَابِ الْأَوَّلِ، وَهِيَ جَمْعُ ظُلَّةٍ - بِالضَّمِّ - كَغُرَفٍ، جُمَعُ غُرْفَةٍ، وَهِيَ مَا أَظَلَّكَ، وَالثَّانِي جَمْعُ غَمَامَةٍ كَسَحَابٍ وَسَحَابَةٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغِمُّ السَّمَاءَ; أَيْ: يَسْتُرُهَا، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْغَمَامَ بِالسَّحَابِ الْأَبْيَضِ، وَزَادَ بَعْضٌ آخَرُ الرَّقِيقَ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَبْيَضَ الرَّقِيقَ لَا يُمْطِرُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْبَرَدَ حَبَّ الْغَمَامِ. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ إِتْيَانَ أَمْرِ اللهِ أَوْ عَذَابِهِ فِي الْغَمَامِ عِبَارَةٌ عَنْ مَجِيئِهِ مِنْ حَيْثُ تُرْجَى الرَّحْمَةُ بِالْمَطَرِ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي تَمْثِيلِ هَوْلِ الْعَذَابِ وَفَظَاعَتِهِ; لِأَنَّ الْخَوْفَ إِذَا جَاءَ مِنْ مَوْضِعِ الْأَمْنِ كَانَ خَطْبُهُ أَعْظَمَ، وَالْعَذَابُ إِذَا فَاجَأَ مِنْ حَيْثُ تُرْجَى الرَّحْمَةُ كَانَ وَقْعُهُ آلَمُ، كَمَا وَقَعَ لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٤٦: ٢٤) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْغَمَامَ مَظِنَّةُ الْمَطَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْغَمَامَ هُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ لَا يَعْنِي بِهِ تِلْكَ السَّحَائِبَ الْبِيضَ الرِّقَاقَ الْمُرْتَفِعَةَ الَّتِي تَظْهَرُ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ ذَلِكَ السَّحَابَ الْمُسِفَّ لِثِقَلِهِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْبَيَاضِ مِنْهُ إِلَى السَّوَادِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ فِي الْغَمَامِ إِنْزَالُهُ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ تَمْهِيدٍ
стр. 612
يُنْذِرُ بِهِ، وَلَا تَوْطِئَةٍ تُوَطِّنُ النُّفُوسَ عَلَى احْتِمَالِهِ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي هَوْلِهِ (مَا مَنْ دُهِيَ بِالْأَمْرِ كَالْمُعْتَدِّ) وَهُوَ ذَلِكَ الْغَمَامُ الَّذِي يَحْدُثُ عَنْ تَخْرِيبِ الْعَالَمِ فَجْأَةً، فَيَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ قَبْلَ أَنْ يَتَبَدَّدَ الْغَمَامُ النَّاشِئُ عَنِ الْخَرَابِ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَّفِقُ مَعَ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي السَّاعَةِ: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) (٧: ١٨٧) .
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ عِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِ تُرَغِّبُهُ فِي الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّوْبَةِ ; لِئَلَّا يُفَاجِئَهُ وَعْدُ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يُفَاجِئْهُ قِيَامُ السَّاعَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي بِهَا يَهْلِكُ هَذَا الْعَالَمُ كُلُّهُ فَاجَأَهُ قِيَامُ قِيَامَتِهِ بِمَوْتِهِ بَغْتَةً، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ بَغْتَةً جَاءَهُ مَرَضُ الْمَوْتِ بَغْتَةً حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الْعَمَلِ، وَتَدَارُكِ الزَّلَلِ.
وَإِذَا جَرَيْنَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي أَرْشَدَتْنَا إِلَيْهَا الْآيَةُ السَّابِقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي تَفْسِيرِهَا فَحَمَلْنَا بَعْضَ الْآيَاتِ عَلَى بَعْضٍ وَاسْتَخْرَجْنَا الْمَعْنَى مِنْ مَجْمُوعِهَا كَانَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَقَرَعَتِ الْقَارِعَةُ، وَكُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وَتَنَاثَرَتِ الْكَوَاكِبُ، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ شَقًّا، وَرُجَّتِ الْأَرْضَ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ أَوَّلًا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ثُمَّ صَارَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا، فَإِنَّ مَادَّةَ هَذَا الْكَوْنِ تَعُودُ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ التَّكْوِينِ; أَيْ: مَادَّةً سَدِيمِيَّةً، وَهِيَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ فِي بَدْءِ التَّكْوِينِ بِالدُّخَانِ وَفِي الْحِكَايَةِ عَنِ الْخَرَابِ بِالْغَمَامِ. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ الْغَرْبِيِّينَ لَيَتَوَقَّعُونَ خَرَابَ هَذَا الْعَالَمِ بِقَارِعَةٍ تَحْدُثُ مِنِ اصْطِدَامِ بَعْضِ الْكَوَاكِبِ بِبَعْضٍ بِحَيْثُ تُبْطِلُ الْجَذْبَ الْعَامَّ الَّذِي بِهِ قَامَ هَذَا النِّظَامُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنْ تَشَقُّقِ السَّمَاءِ بِالْغَمَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ عَلَى عَهْدِ نُزُولِ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا إِتْيَانُ الْمَلَائِكَةِ هُنَا فَهُوَ بِمَعْنَى نُزُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) (٢٥: ٢٥) أَيْ: وَتَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلَةُ بِكُلِّ مَا قَضَاهُ اللهُ يَوْمَئِذٍ. وَقَوْلُهُ: (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ: كَيْفَ يَنْتَظِرُونَ غَيْرَ ذَلِكَ وَهُوَ أَمْرٌ قَضَاهُ اللهُ وَأَبْرَمَهُ فَلَا مَفَرَّ مِنْهُ (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) فَيَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي قَضَاهُ، فَهُوَ الْأَوَّلُ وَمِنْهُ بَدَأَتِ الْأَشْيَاءُ، وَهُوَ الْآخِرُ وَإِلَيْهِ
تَرْجِعُ وَتَصِيرُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٍ (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (٥٥: ٣٣، ٣٤) .
وَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا سَنَّهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النِّظَامِ لِخَلْقِهِ حَتْمًا مَقْضِيًّا لَا يَضِلُّ وَاضِعُهُ وَلَا يَنْسَى، فَعَلَى مَنْ زَلَّ عَنْ صِرَاطِهِ وَاتَّبَعَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ أَنْ يُبَادِرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَحِيقَ بِهِ زَلَلُهُ، وَيَبْسُلَهُ عَمَلُهُ، وَقَبْلَ أَنْ تَقُومَ قِيَامَتُهُ، أَوْ قِيَامَةُ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فَيُجَازَى عَلَى زَلَلِهِ وَ (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (٥٢: ٢١) وَأَجْدَرُ النَّاسِ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى هَذِهِ التَّوْبَةِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ أَبْسَلُوهَا
стр. 613
بِخِلَافِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحَكِّمُوا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعَصُّبٍ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَجْهًا آخَرَ يُعَدُّ بَيَانًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ مُسْنَدٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ السَّلَفِ لَا عَذَابُهُ وَلَا يَوْمُهُ الْمَوْعُودُ، وَهُوَ مِنَ الْآيَاتِ الْكُبْرَى، وَأَسْرَارُ الْمَعَارِفِ الْعُلْيَا، فَقَالَ مَا مِثَالُهُ:
مِنَ النَّاسِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ تَعَالَى وَصِحَّةِ دِينِهِ إِيمَانًا مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ فِي كِتَابِهِ، وَيَكُونُ فِي إِيمَانِهِ عَلَى حَقِّ الْيَقِينِ وَالِاطْمِئْنَانِ الَّذِي لَا زِلْزَالَ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابَ، وَأَهْلُ هَذَا الْيَقِينِ هُمُ الَّذِينَ يُقَالُ إِنَّ اللهَ حَاضِرٌ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا; لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ ثَبَتَتْ فِي عُقُولِهِمْ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ قَدْ لَابَسَ قُلُوبَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْ كُشِفَ الْحِجَابُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ وَهَذَا الْيَقِينُ، فَلَا يُقَالُ إِنَّ اللهَ عِنْدَهُمْ; لِأَنَّ مَا حَضَرَ فِي عَقْلِهِ هُوَ غَيْرُ مَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ، وَشَهِدَتْ بِهِ آيَاتُهُ فِي كِتَابِهِ وَآيَاتِهِ فِي خَلْقِهِ، ثُمَّ هُوَ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِمَّا عِنْدَهُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ الظُّنُونِ وَأَرْبَابُ الشُّكُوكِ، وَحَمَلَةُ التَّقَالِيدِ الَّذِينَ زَلُّوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاتَّخَذُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابًا وَوُسَطَاءَ، وَشَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشُّئُونِ، فَهُمْ غَائِبُونَ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَمَحْجُوبُونَ عَنْ رَبِّهِمْ بِحَيْثُ لَا تَطُوفُ مَعْرِفَتُهُ الْحَقِيقَةُ بِعُقُولِهِمْ، وَلَا تُلَابِسُ عَظَمَتُهُ وَكَمَالُهُ قُلُوبَهُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَكُشِفَ الْحِجَابُ عَرَفُوا اللهَ رَبَّهُمُ الْحَقَّ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ، فَذَلِكَ إِتْيَانُ اللهِ لَهُمْ;
أَيْ: يَأْتِيهِمْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ مَا كَانُوا غَائِبِينَ عَنْهُ وَمَحْرُومِينَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِتْيَانُ يَكُونُ فِي الْمَعْقُولَاتِ كَمَا يَكُونُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْوِيلِ.
إِنَّ هَؤُلَاءِ الزَّالِّينَ عَنْ صِرَاطِ اللهِ تَعَالَى صِنْفَانِ: صِنْفٌ اعْتَقَدُوا الْبَاطِلَ حَقًّا فَلَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ وَرُجُوعَ كُلِّ أَمْرٍ إِلَى مَنْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ عَلَى سُنَنٍ ثَابِتَةٍ، وَلَا غَيْرَ التَّوْحِيدِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ. وَصِنْفٌ اتَّبَعُوا الظَّنَّ وَهَامُوا فِي أَوْدِيَةِ الْوَهْمِ، فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِذَا مَا تَجَلَّى اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْأَرْوَاحِ، وَزَالَتِ الْحُجُبُ الَّتِي كَانَتْ دُونَهَا فِي سِجْنِ الْأَشْبَاحِ زَالَ جَهْلُ الْجَاهِلِينَ، وَانْكَشَفَ ظَنُّ الظَّانِّينَ، وَبَطَلَ وَهْمُ الْوَاهِمِينَ، وَعَرَفَ الْجَمِيعُ رَبَّ الْعَالَمِينَ، بِمَا جَاءَهُمْ مِنَ الْحَقِّ الْيَقِينِ، فَذَلِكَ مَجِيءُ اللهِ تَعَالَى وَإِتْيَانُهُ فِي يَوْمِ الدِّينِ، هَذَا مَا تَجَلَّى بِهِ مَسْأَلَةُ الْإِتْيَانِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ.
وَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْإِتْيَانِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ الْغَيْبِيَّةِ الَّتِي قُلْنَا مِرَارًا إِنَّنَا لَا نَبْحَثُ عَنْ حَقِيقَتِهَا، فَكَوْنُ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى وَالْيَقِينِ بِهِ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْجَاهِلِينَ وَالْغَافِلِينَ بِحُصُولِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ نُفَوِّضُ سِرَّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَمَا يُدْرِينَا أَنَّ فِي ذَلِكَ الْغَمَامِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، وَحُجَجًا بَاهِرَاتٍ، وَإِتْيَانُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ; لِأَنَّ الْمَقَامَ
стр. 614
مَقَامُ تَمْثِيلِ ظُهُورِ سُلْطَانِ اللهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ، وَاسْتِغْرَاقِ الْقُلُوبِ فِي الْخُضُوعِ لِجَلَالِهِ عِنْدَمَا يَغْشَاهَا نُورُ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ حُضُورَ الْمَلِكِ فِي جُنْدِهِ الْأَكْبَرِ، هُوَ أَبْيَنُ لِكَمَالِ الْعَظَمَةِ وَأَظْهَرُ; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي سُورَةِ الْفَجْرِ: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) (٨٩: ٢٢) وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّبَأِ: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) (٧٨: ٣٨) .
وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ تَقْرِيبُ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنَ الْأَفْهَامِ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْإِتْيَانِ فِي الْغَمَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْغَمَامَ فِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ أَوِ الرِّدَاءِ الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ((وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَرَوْا رَبَّهُمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ)) وَبَيَانُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((سَأَلْتُ جِبْرِيلَ ﵇ هَلْ تَرَى رَبَّكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ)) .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ الْحُجُبَ; أَيِ: الْمَوَانِعَ الَّتِي تَمْنَعُ الْعَبْدَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ كَثِيرَةٌ أَكْثَفَهَا نَفْسَهُ، وَهَذِهِ الْحُجُبُ تُزَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا حِجَابًا وَاحِدًا، فَيَعْرِفُونَ الْحَقَّ مَعْرِفَةً كَامِلَةً تَسْتَغْرِقُ الرُّوحَ. وَذَلِكَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ وَبِمَجِيءِ اللهِ وَإِتْيَانِهِ.
فَالْغَمَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ التَّمْثِيلِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِجَابِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ كَمَالُ الْمَعْرِفَةِ الْمُمْكِنَةِ بِدُونِهِ، وَبِذَلِكَ تَتَّفِقُ الْآيَاتُ مَعَ الْأَحَادِيثِ (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (١٦: ٦٠) وَ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (٤٢: ١١) .
وَلَنَا أَنْ نَقُولَ - عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَعَ تَفْسِيرِنَا الْغَمَامَ بِمَادَّةِ التَّكْوِينِ الْأُولَى كَمَا مَرَّ -: إِنَّ الْحُجُبَ - الَّتِي تَشْغَلُ الْإِنْسَانَ عَنْ رَبِّهِ فِي الدُّنْيَا؛ حُظُوظَ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا وَشَوَاغِلَ الْحِسِّ بِالْمَحْسُوسَاتِ وَالْفِكْرِ بِالْمُدْرَكَاتِ كُلَّهَا - تَرْتَفِعُ فَلَا تَعُودُ حَائِلَةً دُونَ كَمَالِ الْعِلْمِ بِاللهِ تَعَالَى، مَا خَلَا سِرَّ الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ الْأَوَّلِ؛ مِمَّ كَانَ؟ وَبِمَ كَانَ؟ وَكَيْفَ كَانَ؟ فَهَذَا لَا يَرْتَفِعُ فِي الدُّنْيَا لِلْمُوقِنِينَ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ لِلْمُقَرَّبِينَ.
هَذَا، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ وَالْمُنْطَبِقُ عَلَى الْآيَاتِ الْأُخْرَى فِي نُذُرِ الْقِيَامَةِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا عِبْرَةٌ وَهِدَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَأَمَّا الْمُرْتَابُونَ الْمُمَارُونَ فَلَا يَزِيدُهُمُ الْكَلَامُ عَنِ الْآخِرَةِ إِلَّا ظُلْمَةً وَرِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ; لِأَنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ فِي حِسِّهِمْ حَتَّى عَنْ نَفْسِهِمْ وَ (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (٢٣: ٥٣) .
стр. 615
(سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
تَقَدَّمَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ : (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) ظَاهِرٌ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ، وَأَنَّ الْآيَاتِ وَالنُّذُرَ لَا تُرْجِعُهُمْ عَنْ ضَلَالِهِمْ، فَإِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى الْجُحُودِ وَالْخِصَامِ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى الدُّخُولِ فِي السَّلَامِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا مِنْهُمْ، وَلَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ غَيْرُ بَيِّنٍ لَهُمْ، فَكَمْ جَاءَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَكَمْ بَلَاهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَلَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَلَا صَدَّهُمْ عَنْ خِلَافِهِمْ وَشِقَاقِهِمْ، بَلْ بَدَّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ) عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَقِّ، وَالْوَحْدَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الشُّكْرِ (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ) بِالْبَيَانِ، وَأُبْرِهَتْ بِالْبُرْهَانِ، بِجَعْلِهَا مُثَارًا لِلتَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، وَجَعْلِ الْأُمَّةِ الْوَاحِدَةِ شِيَعًا وَأَحْزَابًا وَمَذَاهِبَ وَفِرَقًا بِسُوءِ التَّأْوِيلِ وَعَصَبِيَّاتِ الرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) لِمَنْ تَنَكَّبَ سُنَّتَهُ وَخَالَفَ شِرْعَتَهُ - وَهَؤُلَاءِ الْمُبَدِّلُونَ مِنْهُمْ - فَالْعِقَابُ الشَّدِيدُ نَازِلٌ لَا مَحَالَةَ بِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنَّ اللهَ يُعَاقِبُهُمْ; لِيُشْعِرَنَا بِأَنَّ هَذَا مِنْ سُنَنِهِ الْعَامَّةِ فَحَذَّرَنَا أَنْ نَكُونَ مِنَ الْمُخَالِفِينِ الْمُبَدِّلِينِ، تَوَهُّمًا أَنَّ الْعِقَابَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْغَابِرِينَ، كَمَا يَلْغُو كَثِيرٌ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وَالتَّقْيِيدُ بِمَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ وَالْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْبَيِّنَةِ وَالدَّلِيلِ لَا يُخَاطَبُ بِهَذَا الْوَعِيدِ، فَحَسُبُهُ حِرْمَانُهُ مِنْ هِدَايَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَكَيْفَ يُطَالَبُ مَعَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَيُجْعَلُ مَعَ مَنْ عَانَدَ الْحَقَّ مِنْ بَعْدِ ظُهُورِهِ لَهُ فِي قَرْنٍ؟ !
وَفِي هَذِهِ مِنَ الْهِدَايَةِ أَيْضًا بَيَانُ أَمْرٍ عَظِيمٍ يَغْفُلُ عَنْهُ الْعُلَمَاءُ وَالْأَذْكِيَاءُ، وَهُوَ أَنَّ الْآيَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ إِنَّمَا تُفِيدُ النُّفُوسَ الْخَيِّرَةَ الْمُسْتَعِدَّةَ لِقَبُولِ الْحَقِّ الْمُتَوَجِّهَةَ إِلَى
طَلَبِهِ، وَأَمَّا النُّفُوسُ
стр. 616
الْخَبِيثَةُ الَّتِي يَفْضَحُهَا الْحَقُّ وَيُظْهِرُ بَاطِلَهَا الَّذِي تُحِبُّ سَتْرَهُ، وَالِاسْتِرْسَالَ فِيمَا هِيَ فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْجَاهِ الْبَاطِلِ; فَإِنَّ الْآيَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ لَا تَزِيدُهَا إِلَّا مُمَارَاةً وَجَدَلًا فِي الْقَوْلِ وَجُحُودًا وَعِنَادًا بِالْفِعْلِ. هَذِهِ سُنَّةُ اللهِ تَعَالَى فِي الْبَشَرِ عَامَّةً، لَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً، كَذَلِكَ كَانَ وَكَذَلِكَ يَكُونُ وَسَيَكُونُ وَسَوْفَ يَكُونُ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْآيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُخْتَارِ فِي الْمُخَاطَبِينَ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ، فَهُوَ أَنَّهَا هَادِيَةٌ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلَيْكُمْ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ وَالِاتِّفَاقِ، وَالِاعْتِصَامِ بِالْإِسْلَامِ فِي جُمْلَتِهِ، لَا تُفَرِّقُوهُ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَتَكُونُوا شِيَعًا، كَيْلَا يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَحَالُهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْكُمْ، فَسَلُوهُمْ حَالَهُمْ، وَاسْتَنْطِقُوا آثَارَهُمْ وَاقْرَءُوا تَارِيخَهُمْ تَرَوْا أَنَّهُمْ أُوتُوا نَحْوًا مِمَّا أُوتِيتُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَأُمِرُوا كَمَا أُمِرْتُمْ بِالِاتِّحَادِ وَالِاجْتِمَاعِ، فَتَفَرَّقُوا إِلَى مَذَاهِبَ وَشِيَعٍ، وَزَلُّوا عَنْ صِرَاطِ اللهِ فَتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِعِزَّتِهِ وَنَفَّذَ فِيهِمْ حُكْمَ سُنَّتِهِ، وَزَالَ سُلْطَانُهُمْ، وَلَفِظَتْهُمْ أَوْطَانُهُمْ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَمُزِّقُوا فِي الْأَرْضِ كُلَّ مُمَزَّقٍ.
وَالْآيَةُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ عِبْرَةٌ لِلْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، لَا حِكَايَةٌ تَارِيخِيَّةٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَكِنْ هَلْ يَعْتَبِرُ بِهَا الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْقُرْآنِ؟ وَهَلْ يَفْهَمُونَ مِنْهَا أَنَّ مُلْكَهُمُ الَّذِي يَتَقَلَّصُ ظِلُّهُ عَنْ رُءُوسِهِمْ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَعِزَّهُمُ الَّذِي تَتَخَطَّفُهُ مِنْهُمْ حَوَادِثُ الْأَيَّامِ مَا بَدَّلَهُمَا اللهُ تَعَالَى إِلَّا بَعْدَ مَا بَدَّلُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (٣: ١٠٣) وَ (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (٨: ٥٣) كَلَّا إِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا هَذَا وَلَوْ تَغَنَّوْا وَتَرَنَّمُوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ فِي كُلِّ مَأْتَمٍ وَكُلِّ مَوْسِمٍ، وَإِنَّ رُؤَسَاءَهُمْ لَا يَمْقُتُونَ أَحَدًا مَقْتَهُمْ لِمَنْ يُذَكِّرُهُمْ بِهِ، وَإِنَّ أَكْثَرَ عَامَّتِهِمْ تَبَعٌ لِهَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءِ كَمَا كَانَ بَنُو
إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ السَّاكِنِينَ مِنْهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَا مُنِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْمُدَافِعِينَ عَنِ الْفَاسِقِينَ وَالْمُبْتَدِعِينَ عَلَى إِيذَاءِ الْوَاعِظِينَ النَّاصِحِينَ، بِاسْمِ الْمُدَافِعَةِ عَنِ الدِّينِ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لَمْ يُفْرِطْ فِيهِ الْكِتَابُ الْمُبِينُ بَلْ هُوَ مَا هَدَانَا اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هَذَا بَيَانٌ مُعَلِّلٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْوَعِيدِ لِمَنْ يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا، وَلَا سِيَّمَا نِعْمَةُ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى فِي هِدَايَةِ الْمِلَّةِ إِلَى وَحْدَةِ الْأُمَّةِ، فَالْكُفْرُ فِيهَا هُوَ كُفْرُ النِّعْمَةِ لَا إِنْكَارُ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَلَا الشَّرَكُ بِهِ كَمَا زَعَمَ (الْجَلَالُ) وَغَيْرُهُ، وَسَبَبُهُ الِافْتِتَانُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ، وَإِيثَارُهَا عَلَى حَيَاةِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْأَمْرِ بِالِاتِّفَاقِ فِي الدِّينِ
стр. 617
وَالْأَخْذِ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَشَرَائِعِهِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهَا، وَالْمُسْلِمُونَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِالْوَعِيدِ عَلَى التَّفَرُّقِ وَاتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ عَلَى رَأْيِهِ وَتَفْسِيرِهِ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ - فَبَعْدَ أَنْ أَمَرَنَا تَعَالَى وَنَهَانَا وَتَوَعَّدَ مَنْ يَزِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ مِنَّا بَعْدَ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ذَكَّرَنَا بِحَالِ مَنْ سَبَقَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ نَزَلَ بِهِمْ عَذَابُ التَّفَرُّقِ وَالْخِلَافِ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُمْ مُنْتَمُونَ إِلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَعِنْدَهُمْ شَرِيعَةٌ إِلَهِيَّةٌ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْكِتَابِ لِاخْتِلَافِ أَئِمَّتِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ فِي التَّأْوِيلِ وَالتَّأْلِيفِ، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يَعْتَذِرُ عَنْ تَرْكِهِ الْعَمَلَ بِالتَّوْرَاةِ بِأَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِبَعْضِ الْأَحْبَارِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ مِنْهُ بِهَا.
بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ يَسْأَلُ سَائِلٌ: كَيْفَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ وَيَتَفَرَّقُونَ شِيَعًا بَعْدَ مَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ ذَلِكَ؟ فَهَذِهِ الْآيَةُ جَوَابٌ لِهَذَا السُّؤَالِ، وَحَلٌّ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ، مُلَخَّصُهُ أَنَّ حُبَّ الدُّنْيَا وَالْغُرُورِ بِزِينَتِهَا يَصْرِفَانِ جَمِيعَ قُوَى النَّفْسِ إِلَى التَّفَانِي فِي طَلَبِهَا، وَبِذَلِكَ تَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي آيَاتِ الْحَقِّ وَبَيِّنَاتِهِ، أَمَّا الرُّؤَسَاءُ فَإِنَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ إِلَى حُبِّ الِامْتِيَازِ وَالشُّهْرَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْأَقْرَانِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْخِلَافِ وَانْتِصَارِ كُلِّ رَئِيسٍ لِمَذْهَبٍ، وَالذَّبِّ عَنْهُ بِالْجَدَلِ وَالتَّأْوِيلِ. وَأَمَّا الْمَرْءُوسُونَ فَإِنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يَنْتَمِي إِلَى رَئِيسٍ يَعْتَزُّ بِهِ وَيُقَلِّدُهُ دِينَهُ، وَلَا يَسْتَمِعُ قَوْلًا لِمُخَالِفِهِ، وَيَرْبِطُ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ،
فَحُبُّ الدُّنْيَا هُوَ عِلَّةُ الْعِلَلِ وَرَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ارْتِبَاطِ الرُّؤَسَاءِ بِالْمَرْءُوسِينَ فِي تَفْسِيرِ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا) (٢: ١٦٥) الْآيَاتِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا قَاضٍ بِأَنْ يَخْتَصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنْ أُوتُوا كِتَابًا وَجَاءَتْهُمْ بَيِّنَاتٌ تَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ وَتُحَقِّقُ وَحْدَتَهُمْ، فَفَصَمُوا بِالْخِلَافِ عُرْوَتَهَا، وَمَزَّقُوا بِالتَّفَرُّقِ نَسِيجَ وَحْدَتِهَا، وَذَلِكَ كُفْرٌ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَتَبْدِيلٌ لَهَا بِالنِّقْمَةِ. وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَزَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ فِي الدِّينِ الْآيَةُ التَّالِيَةُ لِهَذِهِ، فَإِنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِأَصْلِ الْخِلَافِ فِي الدِّينِ مُنْذُ بَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ.
جُمْلَةُ (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) إِلَخْ. فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا جَعَلَنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (١٨: ٧) ابْتَلَاهُمْ فَغَرَّتْ أَقْوَامًا زِينَتُهَا، وَفَتَنَتْهُمْ بَهْجَتُهَا، فَانْصَرَفَتْ هِمَّتُهُمْ إِلَى الِاسْتِمَاعِ بِلَذَّاتِهَا، وَانْحَصَرَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ الْوَسَائِلِ لِشَهَوَاتِهَا، وَمُسَابَقَةِ طُلَّابِ الْمَالِ وَالْجَاهِ عِنْدَ أَرْبَابِهَا، وَمُزَاحَمَةِ الطَّارِقِينَ لِأَبْوَابِهَا، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا سِعَةٌ لِطَلَبِ شَيْءٍ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا لَهُمْ فِيهَا يَرْغَبُونَ، وَحَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، فَمَا بَالُكَ بِطَلَبِ الْحَقِّ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى حَيَاةٍ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَالْحَقُّ يَنْعَى عَلَيْهِمْ إِسْرَافَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، وَيُطَالِبُهُمْ بِحُقُوقٍ عَلَيْهِمْ لِغَيْرِهِمْ. وَالتَّطَلُّعُ إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى يُزَعْزِعُ مِنْ سُكُونِهِمْ إِلَى لَهْوِهِمْ، وَيَغُضُّ شَيْئًا مِنْ تَعَالِيهِمْ فِي زَهْوِهِمْ، بَلْ يُكَدِّرُ عَلَيْهِمْ بَعْضَ صَفْوِهِمْ، وَيَقِفُ بِهِمْ دُونَ شَأْوِهِمْ. وَمَنْ
стр. 618
لَمْ يَطْلُبِ الْحَقَّ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِخْلَاصٍ وَإِنْصَافٍ لَا يَجِدُهُ وَلَا يَتَّفِقُ مَعَ أَهْلِهِ، وَأَنَّى لِلْمَفْتُونِينَ بِالزِّينَةِ الْإِخْلَاصُ وَالْإِنْصَافُ؟ !
أَقُولُ: وَثَمَّ أَقْوَامٌ آخَرُونَ نَظَرُوا إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا كَمَا أَمَرَ اللهُ، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ. وَثَانِيهِمَا: كَوْنُهَا نِعْمَةً مِنْهُ تَعَالَى يَنْتَفِعُ بِهَا، وَيَشْكُرُ اللهَ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَيَتَّبِعُ شَرْعَهُ فِيهَا بِالْقَصْدِ وَاجْتِنَابِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَتَذَكُّرِ الدُّعَاءِ بِحَسَنَةِ الدُّنْيَا وَحَسَنَةِ الْآخِرَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ، وَلَا تَنْسَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) إِلَخْ.
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا هُنَا مَنْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لِلَّهِ وَلِلنَّاسِ إِيمَانًا إِذْعَانًا وَانْقِيَادًا، بَلْ يُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى مَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، لَا الْمُشْرِكُونَ أَوِ الْكَافِرُونَ فِي عُرْفِ بَعْضِ النَّاسِ كَالَّذِينِ لَا يُسَمَّوْنَ مُسْلِمِينَ، كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَعْنِي بِالْمُؤْمِنِينَ النَّاجِينَ طَائِفَةً يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ أَوْ يَصِفُونَهَا بِالْإِيمَانِ أَوِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ أُولَئِكَ الْمُوقِنِينَ بِمَا عِنْدَ اللهِ، الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الْحَقَّ عَلَى كُلِّ مَا يُعَارِضُهُ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ وَلَذَّاتِهِمْ، وَإِذَا عَثَرَ أَحَدُهُمْ فَعَمِلَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ يَتُوبُ مِنْ قَرِيبٍ. وَانْظُرْ سَائِرَ مَا عَرَّفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ مِنَ النُّعُوتِ وَالْأَوْصَافِ يَظْهَرُ لَكَ هَذَا.
وَأَظْهَرُ أَوْصَافِ الْكَافِرِ أَنْ تَكُونَ زِينَةُ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ، يُؤْثِرُهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِنَّ أَمْرَ الدِّينِ لَا يُزَحْزِحُهُ عَنْ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الزِّينَةِ وَمَتَاعِهَا بِلَا مَعَارِضٍ مِنَ الدُّنْيَا، كَحَاكِمٍ يَزِعُ أَوْ إِهَانَةٍ تُتَوَقَّعُ; لِأَنَّهُ لَا يَقِينَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إِلَى دِينٍ فَمَا دِينُهُ إِلَّا تَقَالِيدٌ وَعَادَاتٌ، وَخَوَاطِرُ تَتَنَازَعُهَا الشُّبُهَاتُ، وَتَتَجَاذَبُهَا الشُّكُوكُ وَالتَّأْوِيلَاتُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَلِّمُ تَقْلِيدًا بِأَنَّ هُنَالِكَ آخِرَةً فِيهَا نَعِيمٌ خَاصٌّ بِأَهْلِ مِلَّتِهِ وَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا وَصَفَ اللهُ الْكَافِرِينَ، وَضِدَّ مَا نَعَتَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا كَانَ الْيَهُودُ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ. وَقَدْ أَطْلَقَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمُ اسْمَ الْإِيمَانِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا الْآيَةُ السَّابِقَةُ قَرِيبًا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَفِي غَيْرِهَا أَيْضًا كَقَوْلِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَامَّةً مِنْ آخَرِ سُورَةِ الْحَدِيدِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحِمَتِهِ) (٥٧: ٢٨) إِلَخْ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الْكُفْرِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ لِلْإِيمَانِ - كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - إِطْلَاقَيْنِ، فَيُطْلَقُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُوقِنِ الْمُذْعِنِ لِلْعَمَلِ وَالِاتِّبَاعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ يُصَدِّقُ تَقْلِيدًا بِأَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا أَرْسَلَ رُسُلًا وَيَنْتَسِبُ إِلَى بَعْضِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ فِي إِيمَانِهِ، وَبَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ، وَحُسْنِ اتِّبَاعٍ لِنَبِيِّهِ، بَلْ هُوَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُونَ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ كَافِرِينَ، وَذَكَرَ مِنْ عَلَامَتِهِمُ الِافْتِتَانَ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَهُمْ
стр. 619
يَعُدُّونَ الْكِيَاسَةَ الِانْغِمَاسَ فِي نَعِيمِهَا، وَيَرَوْنَ الْفَضْلَ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ فُضُولِهَا (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) إِيمَانًا حَقِيقِيًّا يَحْمِلُ عَلَى
الْعَمَلِ - يَسْخَرُونَ مِنْ فُقَرَائِهِمْ; لِأَنَّهُمْ مَحْرُومُونَ مِنْ زِينَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا رَاضِينَ مِنَ اللهِ مَغْبُوطِينَ بِمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ بِالْآخِرَةِ، وَمِنْ أَغْنِيَائِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَوَّقُونَ فِي النَّعِيمِ، بَلْ يَرَوْنَ الْكِيَاسَةَ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِتَرْقِيَةِ النَّفْسِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ الْمُؤَيَّدِ بِالْبَيِّنَاتِ وَالتَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَأَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، وَيَعُدُّونَ الْفَضْلَ فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّاسِ وَخِدْمَةِ الْأُمَّةِ، وَالْإِفَاضَةِ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ عَلَى الْعَاجِزِينَ وَالْبَائِسِينَ، وَكُلَّمَا أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ دِرْهَمًا عَدَّهُ أُولَئِكَ الْمُسْتَهْزِئُونَ مَغْرَمًا.
قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَى هَؤُلَاءِ السَّاخِرِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ فِي زِينَتِهِمْ وَلَذَّاتِهِمْ خَيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ فِي نَزَاهَتِهِمْ وَتُقَاتِهِمْ: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَإِذَا اسْتَعْلَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ طَائِفَةً مِنَ الزَّمَنِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْقَصِيرَةِ الْفَانِيَةِ بِمَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْأَتْبَاعِ وَالْأَنْصَارِ وَالْمَالِ والسُّلْطَانِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ يَكُونُونَ أَعْلَى مِنْهُمْ مَقَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ الْعَلِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ. وَلَمْ يَقُلْ: وَالَّذِينَ آمَنُوا فَوْقَهُمْ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونِينَ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا وَنُشِّئُوا بَيْنَ قَوْمٍ يُدْعَوْنَ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَاللهُ يُرْشِدُنَا إِلَى أَنَّهُ لَا اعْتِدَادَ بِالْإِيمَانِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا إِذَا صَحِبَتْهُ التَّقْوَى، وَكَانَتْ أَثَرًا لَهُ فِي النَّفْسِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) (١٩: ٦٣) وَ (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (٣: ١٣٣) وَ (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) (٥: ٩٣) وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَكِنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّجَاةَ فِي الْآخِرَةِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِيهَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ اللَّقَبِ وَالْجِنْسِيَّةِ، أَوْ بَعْضِ التَّقَالِيدِ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا فِي النَّفْسِ، لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى مِثْلِهَا، وَإِذَا قِيلَ لِعُظَمَائِهِمْ فِيهَا وَاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا طَفِقُوا يُحَرِّفُونَ وَيُؤَوِّلُونَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْكَافِرِينَ وَهُمْ مُسْلِمُونَ. أَوْ يَقُولُونَ: هَكَذَا شُيُوخُنَا وَإِنَّمَا نَحْنُ مُقَلِّدُونَ، وَهَؤُلَاءِ الدَّاعُونَ إِلَى الْكِتَابِ ضَالُّونَ مُضِلُّونَ; لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ الِاجْتِهَادَ فِي الدِّينِ، وَقَدْ أَقْفَلَ عُلَمَاؤُنَا بَابَهُ مُنْذُ مِئِينَ مِنَ السِّنِينَ.
ذَكَرَ تَعَالَى مَا يَمْتَازُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْمُتَّقِي عَلَى الْكَافِرِ الْقَائِمِ بِتَبْدِيلِ النِّعْمَةِ وَتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ - وَهُوَ الْعُلُوُّ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا أَنَّ رِزْقَ الدُّنْيَا وَنَعِيمَهَا لَيْسَ خَاصًّا فِيهَا بِتَقِيٍّ وَلَا شَقِيٍّ، بَلْ هُوَ مَبْذُولٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي مِنْ حَيْثُ لَا يَظُنُّ الْمَرْءُ وَلَا يَحْتَسِبُ فَقَالَ: (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الْحِسَابُ: التَّقْدِيرُ; أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ لَهُ عَلَى حَسَبِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْكُفْرِ وَالْفُجُورِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ السَّعَةِ وَعَدَمِ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ، كَقَوْلِهِمْ: يُنْفِقُ فُلَانٌ بِغَيْرِ حِسَابٍ; أَيْ: يُنْفِقُ كَثِيرًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ بَذَلَ الْعَطَاءَ فِي الدُّنْيَا لِكُلِّ أَحَدٍ بِخَلْقِ الْأَرْزَاقِ وَإِقْدَارِ النَّاسِ عَلَى الْكَسْبِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى بِغَيْرِ حِسَابٍ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ، فَهُوَ الَّذِي
стр. 620
خَلَقَ وَرَزَقَ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةِ أَحَدٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ، وَقَدْ بَسَطَ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فِي آيَاتٍ أُخْرَى، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) (١٧: ١٨ - ٢١) فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطِ السَّعْيَ لِرِزْقِ الدُّنْيَا; لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِلَا سَعْيٍ كَإِرْثٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَكَنْزٍ، أَوِ ارْتِفَاعٍ لِأَثْمَانِ مَا يَمْلِكُ مِنْ عَقَارٍ وَعُرُوضٍ بِأَسْبَابٍ عَامَّةٍ، وَاشْتَرَطَ لِلْآخِرَةِ السَّعْيَ مَعَ الْإِيمَانِ، كَمَا خَصَّهَا هُنَا بِالَّذِينِ اتَّقَوْا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ عَطَاءَهُ وَاسِعٌ مَبْذُولٌ لِكُلِّ أَحَدٍ لَيْسَ فِيهِ حَظْرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَلِلْمُشَمِّرِ تَشْمِيرُهُ، وَعَلَى الْمُقَصِّرِ تَقْصِيرُهُ، وَفِي الْحِسَابِ هُنَا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ الِاحْتِسَابُ وَالتَّقْدِيرُ مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (٦٥: ٢، ٣) .
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الرِّزْقَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا سَعْيٍ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَفْرَادِ ; فَإِنَّكَ تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْأَبْرَارِ وَكَثِيرًا مِنَ الْفُجَّارِ أَغْنِيَاءَ مُوسِرِينَ مُتَمَتِّعِينَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فُقَرَاءَ مُعْسِرِينَ، وَالْمُتَّقِي
يَكُونُ دَائِمًا أَحْسَنَ حَالًا وَأَكْثَرَ احْتِمَالًا وَمَحَلًّا لِعِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَا يُؤْلِمُهُ الْفَقْرُ كَمَا يُؤْلِمُ الْفَاجِرَ، فَهُوَ يَجِدُ بِالتَّقْوَى مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ ضَيِّقٍ، وَيَجِدُ مِنْ عِنَايَةِ اللهِ رِزْقًا غَيْرَ مُحْتَسَبٍ، وَأَمَّا الْأُمَمُ فَأَمْرُهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَرَوْنَهَا فَقِيرَةً ذَلِيلَةً مُعْدَمَةً مَهِينَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُتَّقِيَةً لِأَسْبَابِ نِقَمِ اللهِ وَسَخَطِهِ بِالْجَرْيِ عَلَى سُنَنِهِ الْحَكِيمَةِ وَشَرِيعَتِهِ الْعَادِلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَ الْأُمَّةَ الْعِزَّةَ وَالثَّرْوَةَ، وَالْقُوَّةَ وَالسُّلْطَةَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ وَلَا تُقَدِّرُ، وَلَا تَعْمَلُ وَلَا تُدَبِّرُ، بَلْ يُعْطِيهَا بِعَمَلِهَا، وَيَسْلُبُهَا بِزَلَلِهَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْأُسْتَاذُ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرَ مَرَّةٍ وَتَقَدَّمَ التَّفْسِيرُ، وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِآيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبَيِّنَةِ لِسُنَنِ اللهِ الْعَامَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (٨: ٢٥) فَجَعَلَ وُقُوعَ الظُّلْمِ سَبَبًا فِي وُقُوعِ الْبَلَاءِ عَلَى الْأُمَّةِ مَنْ ظَلَمَ مِنْهَا وَمَنْ لَمْ يَظْلِمْ، وَمِنَ الظُّلْمِ تَرْكُ مُقَاوَمَةِ الظُّلْمِ حَتَّى يَفْشُوَ وَيَكُونَ لَهُ السُّلْطَانُ الَّذِي يَذْهَبُ بِكُلِّ سُلْطَانٍ، وَكَقَوْلِهِ: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (٨: ٤٦) وَلَأَجْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ أَمَرَ بِالِاسْتِعْدَادِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (٨: ٦٠) وَلَا قُوَّةَ مَعَ الْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ وَالتَّفَرُّقِ وَالِانْقِسَامِ; وَلِذَلِكَ أَمَرَنَا تَعَالَى بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ كَافَّةً، وَمَنْحَنَا عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَاتِ الْكَافِيَةَ، وَضَرَبَ لَنَا الْأَمْثَالَ، وَتَوَعَّدَنَا بِالْوَعِيدِ بَعْدَ الْوَعِيدِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا مَنْشَأَ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَشَرِ لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَقَالَ:
стр. 621
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ مُحَمَّد رَشِيد رِضَا: كَتَبَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بِاقْتِرَاحٍ مِنِّي، وَأَنَا الَّذِي وَضَعْتُ الْأَرْقَامَ لِلسُّورِ وَالْآيَاتِ فِي شَوَاهِدِ مَا كَتَبَهُ وَهَذَا نَصُّهُ: -
تُطْلَقُ الْأُمَّةُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْمِلَّةِ، أَيِ الْعَقَائِدُ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٍ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (٢١: ٩٢) بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ شَأْنِ جَمَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَكَمَا قَالَ فِي سُورَةِ ((الْمُؤْمِنُونَ)) : (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (٢٣: ٥١، ٥٢) رَجَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأُمَّةِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمِلَّةُ; أَيِ: الْعَقَائِدُ وَأُصُولُ الشَّرَائِعِ; أَيْ: أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَرُسُلَ اللهِ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَدِينٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ) (٣: ١٩) وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْأُمَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ خَلَقَنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٧: ١٨١) أَيْ: جَمَاعَةٌ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (٣: ١٠٤) وَلَا تَكُونُ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَرْبِطُهُمْ رَابِطَةُ اجْتِمَاعٍ يُعْتَبَرُونَ بِهَا وَاحِدًا، وَتُسَوِّغُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمٌ وَاحِدٌ كَاسْمِ الْأُمَّةِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى السِّنِينَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) (١١: ٨) وَفِي قَوْلِهِ: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (١٢: ٤٥) وَبِمَعْنَى الْإِمَامِ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ) (١٦: ١٢٠) وَبِمَعْنَى إِحْدَى الْأُمَمِ الْمَعْرُوفَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (٣: ١١٠) وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا خَصَّصَهُ الْعُرْفُ تَخْصِيصًا.
стр. 622
وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُورٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَفْظَ الْأُمَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمِلَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَ كَانَتِ الْمِلَّةُ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: إِنَّهَا مِلَّةُ الْهُدَى وَالدِّينِ الْقَوِيمِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فِي رَأْيِهِمْ (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً) أَيْ: مِلَّةً (وَاحِدَةً) قَيِّمَةَ الدِّينِ صَحِيحَةَ الْعَقَائِدِ، جَارِيَةً فِي أَعْمَالِهَا عَلَى أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) وَلَمَّا وَجَدُوا أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَكُونُ قَوِيمًا; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَى الْأُمَمِ الصَّالِحَةِ الْمُهْتَدِيَةِ لِيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، إِذْ لَا يَتَأَتَّى الِاخْتِلَافُ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي رَفْعِهِ إِلَى رِسَالَةِ الرُّسُلِ مَعَ
اسْتِقَامَةِ الْعَمَلِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرَائِعِ، قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِي الْعِبَارَةِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمُقَدَّرَةِ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ تَقُولَ: كَانَ زَيْدٌ عَالِمًا فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَا كَانَ نَسِيَهُ مِنْ مَعْلُومَاتِهِ، أَوْ كَانَ عَامِلًا فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ مَنْ يَعِظُهُ فِي الْعَوْدِ إِلَى مَا تَرَكَ مِنْ عَمَلِهِ، وَتَقُولُ: إِنَّ كَلَامِي عَلَى تَقْدِيرِ كَانَ عَالِمًا فَنَسِيَ أَوْ كَانَ عَامِلًا فَتَرَكَ الْعَمَلَ فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ أَوْ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِ إِلَخْ. وَهُوَ مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ ذَوْقٌ عَرَبِيٌّ، فَإِذَا كُنْتَ لَا تَرَاهُ لَائِقًا بِكَلَامِكَ فَكَيْفَ تَجِدُهُ لَائِقًا بِكَلَامِ اللهِ أَبْلَغِ الْكَلَامِ، وَأَوْلَى قَوْلٍ يَمْلِكُ الْعُقُولَ وَالْأَفْهَامَ؟ ! وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: إِنَّ آدَمَ ﵇ كَانَ نَبِيًّا وَكَانَ أَوْلَادُهُ عَلَى مِلَّتِهِ هَادِينَ إِلَى أَنْ وَقْعَ التَّحَاسُدَ بَيْنَ وَلَدَيْهِ، وَكَانَ مِنْ قَتْلِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالدِّينِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُ مَا يَنْحَرِفُ بِهِ عَنِ الْفِطْرَةِ مِنْ تَحَكُّمِ الْأَهْوَاءِ، وَإِغْوَاءِ الشَّهَوَاتِ، وَرَيْنِ الشُّبُهَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا رَيْبَ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ طَوْرٌ أَوَّلُ، كَانَ فِيهِ خَيْرًا عَادِلًا وَاقِفًا عِنْدَ الْحَقِّ فِيمَا يَعْتَقِدُ وَمَا يَعْمَلُ، ثُمَّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَا يُعْرَضُ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الشَّرِّ وَالْقَبِيحِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَا تُغَيِّرُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مُخْتَصًّا بِتَأْلِيفِ الْكَلَامِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَى أَوْلَادِ آدَمَ مِنْ بَعْدِهِ أَطْوَارٌ كَثِيرَةٌ بَلَغَ بِهِمُ الْجَهْلُ فِي بَعْضِهَا أَنْ كَانُوا مِلَّةً وَاحِدَةً فِي الْكُفْرِ وَفَسَادِ الْأَعْمَالِ، كَمَا كَانَتِ الْحَالُ لِعَهْدِ نُوحٍ وَعَهْدِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعْدِهِ، وَالْآيَةُ لَمْ تُحَدِّدْ زَمَنَ ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) ، وَغَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّونَ الْمَبْعُوثُونَ مَخْصُوصِينَ بِغَيْرِ آدَمَ أَوْ نُوحٍ مَثَلًا إِذَا حَمَلْتَ الْأُمَّةَ الْوَاحِدَةَ عَلَى أُمَّةِ الضَّلَالِ، وَمِلَّةِ الْفَسَادِ وَالِاعْتِلَالِ.
وَلِذَلِكَ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ إِلَى أَنَّ الْأُمَّةَ الْوَاحِدَةَ أُمَّةُ الضَّلَالِ الَّتِي لَا تَهْتَدِي بِحَقٍّ وَلَا تَقِفُ فِي أَعْمَالِهَا عِنْدَ حَدِّ شَرِيعَةٍ، وَاحْتَجُّوا عَلَى قَوْلِهِمْ بِهَذَا التَّعَقُّبِ فِي الْآيَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ بِعْثَةَ الرُّسُلِ تَابِعَةً لِوَحْدَةِ الْأُمَّةِ، وَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى تَكُونَ تِلْكَ الْوَحْدَةُ قَاضِيَةً بِالْحَاجَةِ إِلَى إِرْسَالِهِمْ لِيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ فِي الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِمْ بِسَبَبِ الْفَسَادِ فِي الْعَقَائِدِ وَالذَّهَابِ
مَعَ الْأَهْوَاءِ الضَّالَّةِ فِي الْأَعْمَالِ، وَاعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِذَلِكَ،
стр. 623
وَانْتِهَاكِهِمْ حُرْمَةَ مَا أَمَرَ اللهُ بِرِعَايَةِ حُرْمَتِهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ وَحْدَةُ الْأُمَّةِ وَحْدَةً فِي الْبَاطِلِ حَتَّى يَرِدَ الْحَقُّ عَلَيْهِ فَيُزْهِقَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتِ الْأُمَّةُ وَاحِدَةً فِي الْهُدَى وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ فَلَا مَعْنَى لَجَعْلِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ مُتَرَتِّبَةً عَلَيْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَدَفَعُوا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ آدَمَ كَانَ نَبِيًّا وَكَانَ مِنْ أَوْلَادِهِ مَنْ بَقِيَ عَلَى شَرِيعَتِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْبَاطِلِ؟ (دَفَعُوهُ) بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَالِبِ فَقَدْ كَانَ النَّاسُ لِعَهْدِ نُوحٍ كُفَّارًا إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ يُقَالُ دَارُ كُفْرٍ لِمَنْ كَانَ أَغْلَبُ سُكَّانِهَا كُفَّارًا وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمُونَ، وَقَدْ يُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تَخْصِيصِ النَّبِيِّينَ بِمَا بَعْدَ آدَمَ وَنُوحٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى كَمَا تَرَاهُ لَيْسَ مِمَّا تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى آدَمَ وَرِسَالَتِهِ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَوْلَادِهِ عَلَى مِلَّتِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ وَحْدَةَ الْأُمَّةِ كَانَتْ فِيمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى أَصْلِ الْفِطْرَةِ مِنَ الْأَخْذِ بِمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْعَقْلُ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ، فَكَانَ النَّاسُ يَهْتَدُونَ بِعُقُولِهِمْ وَالنَّظَرِ الْمَحْضِ فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَوُجُوبِ شُكْرِهِ، ثُمَّ كَانُوا يُمَيِّزُونَ الْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيحِ، وَالْبَاطِلَ مِنَ الصَّحِيحِ بِالنَّظَرِ فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ، أَوِ الِاتِّفَاقِ مَعَ مَا يَلِيقُ بِاللهِ عَلَى حَسَبِ مَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْعَقْلُ أَوْ مَا لَا يَلِيقُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ اسْتِسْلَامَ النَّاسِ إِلَى عُقُولِهِمْ بِدُونِ هِدَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ مِمَّا يَدْعُو إِلَى الِاخْتِلَافِ، بَلْ كَثِيرًا مَا حَالَتِ الْأَوْهَامُ دُونَ الْوُصُولِ إِلَى الْمُرَادِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ، فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ مَفْهُومًا مِنْ مَعْنَى الْوَحْدَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَمَا سَبَقَهُ; وَلِهَذَا رَتَّبَ عَلَيْهَا بَعْثَةَ الْأَنْبِيَاءِ لِيَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْقَاضِي عَلَى نَفْسِهِ مَسْأَلَةَ آدَمَ وَرِسَالَتِهِ، وَأَجَابَ عَنْهَا بِأَنَّهُ: مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَأَوْلَادُهُ قَدْ بَدَأَ أَمْرُهُمْ عَلَى سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فَكَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ كَثُرَ أَوْلَادُهُ، وَظَهَرَ أَنَّ هِدَايَةَ الْعَقْلِ وَحْدَهُ لَا تَكْفِي فِي حِفْظِ سَلَامَةِ الْقُلُوبِ، وَلِإِصْلَاحِ الْأَعْمَالِ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَيْهِمْ بِهِدَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ بَلْ يَكَادُ يَكُونُ مِنَ الْمُحَقَّقِ أَنَّهُ طَرَأَ عَلَى نَسْلِ آدَمَ مَا أَنْسَاهُمْ شَرْعُهُ فَعَادُوا إِلَى اسْتِعْمَالِ عُقُولِهِمْ وَحْدَهَا فَعَادَتْ إِلَيْهِمُ الْوَحْدَةُ فِيمَا يُؤَدِّي إِلَى الِاخْتِلَافِ، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ إِلَخْ.
وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فِي مَعْنَى الْأُمَّةِ وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ فِي أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّةَ هِدَايَةٍ أَوْ أُمَّةَ ضَلَالٍ أَوْ أُمَّةَ عَقْلٍ، وَهُوَ قَوْلٌ غَايَةٌ فِي الْغَرَابَةِ; لِأَنَّهُ ذَهَابٌ إِلَى تَرْكِ فَهْمِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمَعْنَى تَرْتِيبِ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى وَحْدَةِ الْأُمَّةِ، اللهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ قَدْ أَرَادَ مَا سَيَأْتِي لَنَا ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَنُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ النَّاسَ هُمْ آدَمُ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ كَانَ أُمَّةً يُقْتَدَى بِهِ، وَلَا نَدْرِي مَاذَا يَقُولُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فِي تَفْسِيرِ بَقِيَّةِ الْآيَةِ! نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخِذْلَانِ.
стр. 624
وَيَزْعُمُ آخَرُونَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ: أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى ﵇، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَأُرْسِلَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ بِكُتُبٍ تُهَذِّبُهُمْ، كَمَا أُرْسِلَ دَاوُدُ بِزَبُورِهِ وَعِيسَى بِإِنْجِيلِهِ لِيَرُدُّوهُمْ إِلَى الْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلنَّاسِ وَلِلنَّبِيِّينَ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَالَ ابْنُ الْعَادِلِ نَقْلًا عَنِ الْقُرْطُبِيِّ: وَلَفْظَةُ (كَانَ) عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى بَابِهَا مِنَ الْمُضِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلثُّبُوتِ، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنِ النَّاسِ الَّذِينَ هُمُ الْجِنْسُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي خُلُوِّهِمْ عَنِ الشَّرَائِعِ وَجَهْلِهِمْ بِالْحَقَائِقِ، لَوْلَا أَنَّ اللهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُلِ تَفَضُّلًا مِنْهُ فَلَا تَخْتَصُّ بِالْمُضِيِّ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ: (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (٤: ١٥٢) اهـ.
وَقَدْ قَارَبَ الصَّوَابُ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَذْهَبُ الذِّهْنُ إِلَيْهِ لِأَوَّلِ الْأَمْرِ لَوْلَا مَا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الضُّرُوبِ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَتَفَرَّقَ بِهِ السُّبُلُ وَيَكَادُ يَضِلُّ السَّبِيلَ، وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ مَا يُجْلِي الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ مُقْتَفِينَ أَثَرَ ابْنِ الْعَادِلِ وَالْقُرْطُبِيِّ فِيمَا قَالَاهُ فِي مَعْنَى (كَانَ) وَأَنَّهَا لِلثُّبُوتِ لَا لِلْمُضِيِّ، غَيْرَ أَنَّا نُقَدِّمُ لَكَ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ مِنْ وَصْفِ الْأُمَّةِ بِالْوَاحِدَةِ، وَالْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي مَوَاضِعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ; لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ تَوْضِيحٌ لِمَا نَقْصِدُ، وَسَنَدٌ لَنَا فِيمَا إِلَيْهِ نَعْمِدُ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.
وَرَدَ وَصْفُ الْأُمَّةِ بِالْوَاحِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا
رَاجِعُونَ) (٢١: ٩٢، ٩٣) جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ) إِلَخْ، بَعْدَ ذِكْرِ جَمْعٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، ذِكْرِ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، وَالْخِطَابُ فِيهَا لِلْأَنْبِيَاءِ كَمَا يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ ((الْمُؤْمِنُونَ)) بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَمَا كَانَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ مَعَهُمْ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقَوْنِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (٢٣: ٥١ - ٥٣) وَقَدْ جَاءَ لَفْظُ (أُمَّةً) بِالنَّصْبِ فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى الْحَالِ، وَالْخَبَرُ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ) أَيْ: هَذَا الْجَمْعَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أُمَّتُكُمْ، أَيْ: جَمَاعَتُكُمْ حَالَ أَنَّهَا أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، أَيْ: لَيْسَ جَمْعًا تَرْبِطُهُ الرَّوَابِطُ الْبَعِيدَةُ، كَمَا يُقَالُ أُمَّةُ الْهِنْدِ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهَا وَتَفَرُّقِ كَلِمَتِهَا، بَلْ هِيَ أُمَّةٌ تَرْبِطُهَا رَابِطَةٌ قَرِيبَةٌ هِيَ رَابِطَةُ الِاهْتِدَاءِ بِنُورِ اللهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَالْقِيَامِ عَلَى شَرْعِهِ وَحِمْلِ النَّاسِ عَلَى اتِّبَاعِ أَحْكَامِهِ، فَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ هُوَ الْحَقُّ وَالْعَدْلُ; فَهِيَ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ كَمَا قَالُوا: إِنَّ الْأُمَّةَ بِمَعْنَى الْمِلَّةِ فِي الْآيَتَيْنِ، يُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ يُخْبِرُ الْمُرْسَلِينَ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي سَبَقَ فِي الْكَلَامِ مِنَ السَّيْرِ فِي النَّاسِ بِهِدَايَةِ اللهِ وَالْمُثَابَرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنْ تَكْذِيبٍ أَوْ تَثْرِيبٍ أَوْ تَعْذِيبٍ، هَذِهِ هِيَ مِلَّتُكُمْ
стр. 625
وَدِينُكُمْ وَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، يَأْتِي بِهِ السَّابِقُ وَيَتِّبِعُهُ عَلَيْهِ اللَّاحِقُ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ نَبِيٌّ عَنْ نَبِيٍّ وَلَا يُنَاكِرُ فِيهِ مُرْسَلٌ مُرْسَلًا.
هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْوَحْدَةِ هُوَ الَّذِي جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (١١: ١١٨، ١١٩) وَفِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّورَى: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (٤٢: ٨) أَيْ: لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَخَلَقَ النَّاسَ عَلَى غَرِيزَةٍ تَمِيلُ إِلَى الْحَقِّ، وَفِطْرَةٍ يَسْطَعُ فِيهَا نُورُ الْهِدَايَةِ إِلَيْهِ بِدُونِ حِجَابٍ مِنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ أَوْ ظُلْمَةِ الْفِكْرِ وَسِتْرِ الْغِوَايَةِ، فَكَانُوا جَمِيعًا عَلَى مِثَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَسُكَّانِ دَارِ النَّعِيمِ، وَلَكِنْ
قَضَى رَبُّكَ أَنْ يَخْلُقَ الْإِنْسَانَ إِنْسَانًا يَكِلُهُ إِلَى فِكْرِهِ، وَيَدَعُهُ إِلَى سَعْيِهِ وَكَسْبِهِ، فَلَا يَزَالُ يَتَخَبَّطُ فِي الِاخْتِلَافِ، وَسَيَجُرُّهُمُ الِاخْتِلَافُ إِلَى دَارِ الشَّقَاءِ بَعْدَ الْخِزْيِ فِي دَارِ الْفَنَاءِ، إِلَّا أُولَئِكَ الَّذِينَ رَحِمَهُمْ رَبُّكَ مِنْ هُدَاةِ الْعَالَمِينَ، وَقَادَةِ النَّاسِ إِلَى خَيْرِ الدَّارَيْنَ، وَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِاسْتِجَابَةِ دَعْوَتِهِمْ وَالِاهْتِدَاءِ بِسُنَّتِهِمْ، فَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ بَعْدَ مَا شَمِلَ الظَّالِمِينَ بِسَخَطِهِ وَنِقْمَتِهِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطُّ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا عَلَى الْخَيْرِ وَالْهُدَى; لِأَنَّ اللهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى غَرِيزَةٍ تَبْعُدُ بِهِ عَنِ الِاتِّحَادِ عَلَى الْحَقِّ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى الْعَدْلِ، وَلَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا عَلَى الضَّلَالِ كَمَا تَرَاهُ مِنْ صَرِيحِ النَّسَقِ الشَّرِيفِ، فَكَانَ النَّاسُ - وَلَا يَزَالُونَ - مِنْهُمُ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ، وَالْمُهْتَدِي وَالضَّالُّ، سُنَّةُ اللهِ فِي هَذَا الْخَلْقِ.
لَكِنَّكَ تَجِدُ فِي سُورَةِ يُونُسَ نَصًّا صَرِيحًا فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى شَاءَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١٠: ١٩) وَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَحْمِلَ (كَانَ) عَلَى مَعْنَاهَا مِنَ الْمُضِيِّ; لِأَنَّ الْحَصْرَ يُبْعِدُ ذَلِكَ بِالْمَرَّةِ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا وَلَا يَزَالُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَنَشَأَ عَنْ هَذِهِ الْوَحْدَةِ نَفْسِهَا اخْتِلَافُهُمْ، وَكَانَ اللهُ سُبْحَانَهُ يَقْضِي فِي الْخِلَافِ بِإِهْلَاكِ مَنْ يَنْحَرِفُ مِنْهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ فَلَا يَبْقَى مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ سَبَقَتْ كَلِمَتُهُ وَثَبَتَ فِي عِلْمِهِ وَتَمَّ فِي مَشِيئَتِهِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِمْ كَاسِبِينَ لِسَعْيِهِمْ، مُكَلَّفِينَ بِالنَّظَرِ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْهُمُ الضَّالُّ وَالْمُهْتَدِي وَالْعَادِلُ وَالْمُعْتَدِي حَتَّى يُوَفِّيَ كُلًّا جَزَاءَهُ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى; وَلِهَذَا بَعَثَ فِيهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيَكُونُوا لَهُمْ أَئِمَّةً فِي الْإِيمَانِ وَأُسْوَةً فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
стр. 626
فَهَلْ يُمْكِنُكَ مَعَ هَذَا أَنْ تَحْمِلَ وَحْدَةَ الْأُمَّةِ عَلَى وَحْدَةِ الْعَقِيدَةِ وَالْعَمَلِ، كَمَا حَمَلْتَهَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْآيَاتِ الْأُخَرِ؟ لَيْسَ ذَلِكَ بِمُمْكِنٍ; لِأَنَّ النَّاسَ لَيْسُوا أُمَّةً وَاحِدَةً بِذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ هُمْ مُخْتَلِفُونَ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ وَحْدَةِ الْأُمَّةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ ذَلِكَ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا.
خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ أُمَّةً وَاحِدَةً; أَيْ: مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فِي الْمَعَاشِ لَا يَسْهُلُ عَلَى أَفْرَادِهِ أَنْ يَعِيشُوا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ لَهُمْ إِلَّا مُجْتَمِعِينِ يُعَاوِنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعِيشُ وَيَحْيَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، لَكِنَّ قُوَاهُ النَّفْسِيَّةَ وَالْبَدَنِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ تَوْفِيَتِهِ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنِ انْضِمَامِ قُوَى الْآخَرِينَ إِلَى قُوَّتِهِ فَيَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي بَعْضِ شَأْنِهِ، كَمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ فِي بَعْضِ شَأْنِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: (الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ) يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُوهَبْ مِنَ الْقُوَى مَا يَكْفِي لِلْوُصُولِ إِلَى جَمِيعِ حَاجَاتِهِ، بَلْ قُدِّرَ لَهُ أَنْ تَكُونَ مَنْزِلَةُ أَفْرَادِهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ مَنْزِلَةَ الْعُضْوِ مِنَ الْبَدَنِ، لَا يَقُومُ الْبَدَنُ إِلَّا بَعَمَلِ الْأَعْضَاءِ، كَمَا لَا تُؤَدِّي الْأَعْضَاءُ وَظَائِفَهَا إِلَّا بِسَلَامَةِ الْبَدَنِ.
فَلَمَّا كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا بِمُقْتَضَى فِطَرِهِمْ إِلَّا كَذَلِكَ، وَهُمْ إِنَّمَا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَى آرَائِهِمْ، وَيَنْحَوْنَ فِي أَعْمَالِهِمْ نَحْوَ الْمَنَافِعِ الَّتِي يُرَوْنَهَا لَازِمَةً لِقِوَامِ مَعِيشَتِهِمْ، وَلَنْ يُمْنَحُوا مِنْ قُوَّةِ الْإِلْهَامِ مَا يُعَرِّفُ كُلًّا مِنْهُمْ وَجْهَ الْمُصْلِحَةِ فِي حِفْظِ حَقِّ غَيْرِهِ، لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ، لَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَتَرْتِيبُ بَعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَى وَحْدَةِ الْأُمَّةِ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: أَنَّ النَّاسَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يَعِيشُوا تَحْتَ نِظَامٍ وَاحِدٍ يَكْفُلُ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مُدَّةَ بَقَائِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَضْمَنُ لَهُمْ مَا بِهِ يَسْعَدُونَ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى، وَلَا يُمْكِنُهُمْ فِي هَذِهِ الْوَحْدَةِ وَمَعَ تِلْكَ الْوَصْلَةِ اللَّازِمَةِ بِمُقْتَضَى الضَّرُورَةِ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَحْدِيدِ ذَلِكَ النِّظَامِ مَعَ اخْتِلَافِ الْفِطَرِ وَتَفَاوُتِ الْعُقُولِ وَحِرْمَانِهِمْ مِنَ الْإِلْهَامِ الْهَادِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ إِلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ، لَمَّا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ مِنْ لُطْفِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، يُبَشِّرُونَهُمْ بِالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِذَا لَزِمَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا حُدِّدَ لَهُ وَاكْتَفَى بِمَا لَهُ مِنَ الْحَقِّ، وَلَمْ يَعْتَدِ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ، وَيُنْذِرُونَهُمْ بِخَيْبَةِ الْأَمَلِ وَحُبُوطِ الْعَمَلِ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ إِذَا اتَّبَعُوا شَهَوَاتِهِمُ الْحَاضِرَةَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي الْعَاقِبَةِ.
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَتْ بِمَنْزِلَةِ بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِيمَا سَبَقَهَا مِنَ الْأَوَامِرِ الْإِلَهِيَّةِ
وَالْأَخْبَارِ السَّمَاوِيَّةِ. أَمَرَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِنَبِيِّهِ وَكِتَابِهِ بِأَنْ يَدْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، وَهُوَ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ السَّلَامُ، وَعَلَى أَحَدِهَا الْإِسْلَامُ، وَالسَّلَامُ: هُوَ الْوِفَاقُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ نِزَاعٌ، وَلَا يَلِيقُ بِمَنْ جَاءَتْهُ الْهِدَايَةُ مِنْ رَبِّهِ، تُبَيِّنَ لَهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يَسْلُكُهُ فِي مُعَامَلَةِ إِخْوَانِهِ وَمَنْ يَرْتَبِطُ مَعَهُ بِرَابِطَةٍ بَعِيدَةٍ
стр. 627
أَوْ قَرِيبَةٍ مِنَ النَّاسِ، أَنْ يَنْحُوَ فِي عَمَلِهِ نَحْوَ مَا يَدْعُو إِلَى الْخِلَافِ وَيُثِيرُ النِّزَاعَ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَمَا حَدَّدَتْهُ هِدَايَةُ الْكِتَابِ الْإِلَهِيِّ وَالسَّنَنِ النَّبَوِيِّ، وَالْإِسْلَامُ كَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى السَّلَامِ. ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ مَا يَقَعُ مِنَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ النَّاسِ وَيَحْرِمُهُمْ حِيطَةَ النِّظَامِ فَقَالَ: (زُيِّنَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ: إِنَّ جَاحِدَ الْحَقِّ وَالْمُعْرِضَ عَنْ هِدَايَةِ اللهِ لَهُ الَّتِي يَسُوقُهَا إِلَيْهِ عَلَى أَيْدِي رُسُلِهِ إِنَّمَا يُنْظَرُ فِي عَمَلِهِ إِلَى مَا يُوَفِّرُ عَلَيْهِ لِذَاتِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَهُوَ لَا يَسْعَى إِلَّا إِلَى لَذَّةٍ عَاجِلَةٍ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى عَاقِبَةٍ آجِلَةٍ، وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ كَانَ أَمْرُهُ اخْتِلَافًا وَشِقَاقًا وَرِيَاءً وَنِفَاقًا.
ثُمَّ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُقِيمَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الِاهْتِدَاءَ بِهَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ ضَرُورِيٌّ لِلْبَشَرِ، وَأَنَّهُ لَا غِنَى لَهُمْ عَنْهُ مَهْمَا بَلَغُوا مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَضَى أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً يَرْتَبِطُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَلَا سَبِيلَ لِعُقُولِهِمْ وَحْدَهَا إِلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا يَلْزَمُ لَهُمْ فِي تَوْفِيرِ مَصَالِحِهِمْ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَيَّدَهُمْ بِالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَعَلَى أَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى الْقَادِرِ عَلَى إِثَابَتِهِمْ وَعُقُوبَتِهِمْ، الْعَالِمِ بِمَا يَخْطِرُ فِي ضَمَائِرِهِمُ، الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ سَرَائِرِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ بَعْدَ وَصْفِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْمُبَشِّرِينَ الْمُنْذِرِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبْشِيرَ وَالْإِنْذَارَ عَمَلٌ يَسْبِقُ إِنْزَالَ الْكُتُبِ وَهُوَ حَقٌّ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَوَّلَ مَا يُبْعَثُونَ يُنَبِّهُونَ قَوْمَهُمْ إِلَى مَا غَفَلُوا عَنْهُ، وَيُحَذِّرُونَهُمْ عَاقِبَةَ مَا يَكُونُونَ فِيهِ مِنْ عَادَةٍ سَيِّئَةٍ أَوْ خَلْقٍ قَبِيحٍ أَوْ عَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ، فَإِذَا تَهَيَّأَتِ الْأَذْهَانُ لِقَبُولِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَتَحْدِيدِ الْحُدُودِ، أَنْزَلَ اللهُ الْكُتُبَ لِبَيَانِ مَا يُرِيدُ حَمْلَ النَّاسِ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ
صَالِحٌ لَهُمْ عَلَى حَسَبِ اسْتِعْدَادِهِمْ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ) وَعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ مَا يُفِيدُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ كِتَابًا - مُعْجِزًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعْجِزٍ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا - دُوِّنَ وَحُفِظَ لِيُؤَدَّى مِنْ سَلَفٍ إِلَى خَلَفٍ، وَقَوْلُهُ: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) قَرَأَ يَزِيدُ - بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ، وَالْبَاقُونَ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ - وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَعْرُوفَةُ، أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ يَزِيدَ فَالْمَعْنَى أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ الْكُتُبَ مَعَ النَّبِيِّينَ بِالْحَقِّ; أَيْ: مَا يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ بِهِ مِمَّا هُوَ مُنْطَبِقٌ عَلَى الْوَاقِعِ، وَبَيَانِ مَا يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِمَّا هُوَ صَالِحٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ; لِيَقَعَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْأَمْرَيْنِ. وَالْحَاكِمُ: هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْخُصُومَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ، وَالْمُرْشِدُ إِلَى صَحِيحِ الْعَقَائِدِ عَلَى مُقْتَضَى مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ النَّازِلِ بِالْحَقِّ وَالْمُبَيِّنِ لِمَا يَنْطَبِقُ عَلَى نُصُوصِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا الْحَاكِمُونَ.
أَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَالْحُكْمُ مُسْنَدٌ إِلَى الْكِتَابِ نَفْسِهِ، فَالْكِتَابُ ذَاتُهُ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ
стр. 628
بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَفِيهِ نِدَاءٌ عَلَى الْحَاكِمِينَ بِالْكِتَابِ أَنْ يَلْزَمُوا حُكْمَهُ وَأَلَّا يَعْدِلُوا عَنْهُ إِلَى مَا تُسَوِّلُهُ الْأَنْفُسُ وَتُزَيِّنُهُ الْأَهْوَاءُ; فَإِنَّ الْكِتَابَ نَفْسَهُ هُوَ الْحَاكِمُ وَلَيْسَ الْحَاكِمُ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَلَوْ سَاغَ لِلنَّاسِ أَنْ يُؤَوِّلُوا نَصًّا مِنْ نُصُوصِ الْكُتُبِ عَلَى حَسَبِ مَا تَنْزِعُ إِلَيْهِ عُقُولُهُمْ بِدُونِ رُجُوعٍ إِلَى بَقِيَّةِ النُّصُوصِ، وَبِنَاءِ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِهَا جُمْلَةً لَمَا كَانَ لِإِنْزَالِ الْكُتُبِ فَائِدَةٌ، وَلَمَا كَانَتِ الْكُتُبُ فِي الْحَقِيقَةِ حَاكِمَةً بَلْ تَتَحَكَّمُ الْأَهْوَاءُ، وَتُذْهِبُ النُّفُوسَ مَنَازِعُ شَتَّى، فَيَنْضَمُّ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْمَنَافِعِ اخْتِلَافٌ آخَرُ جَدِيدٌ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي ضُرُوبِ التَّأْوِيلِ، وَبِنَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ حُكْمًا عَلَى مَا نَزَعَ، فَتَعُودُ الْمَصْلَحَةُ مَفْسَدَةً، وَيَنْقَلِبُ الدَّوَاءُ عَلَيْهِ; وَلِهَذَا رَدَّ اللهُ تَعَالَى الْحُكْمَ إِلَى الْكِتَابِ نَفْسِهِ لَا إِلَى هَوَى الْحَاكِمِ بِهِ وَقَالَ: (فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ تَابِعًا لِتِلْكَ الْوَحْدَةِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا فَكَانَ كَأَنَّهُ لَازِمٌ لَهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُبَيِّنُهُ تَارِيخُ الْبَشَرِ وَمَا تَوَارَثُوهُ عَنْ أَسْلَافِهِمْ، وَكَمَا يَقْضِي فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يَقْضِي فِيمَا يَخْتَلِفُونَ بِهِ مِنْ بَعْدُ، وَنِسْبَةُ الْحُكْمِ إِلَى الْكِتَابِ هِيَ كَنِسْبَةِ النُّطْقِ وَالْهُدَى وَالتَّبْشِيرِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) (٤٥: ٢٩) وَقَوْلِهِ:
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) (١٧: ٩) وَكَنِسْبَةِ الْقَضَاءِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ الْعَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ
وَالسِّرُّ فِي التَّجَوُّزِ هُوَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ، وَقَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى اللهِ; أَيْ: أَنْزَلَ اللهُ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ كَذَلِكَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ اللهُ دُونَ آرَاءِ الْبَشَرِ وَظُنُونِهِمُ الَّتِي لَا تَرِدُ إِلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) وَقَدْ عَرَفْتَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ النَّاسَ بِحُكْمِ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ وَضَرُورَةِ اشْتِبَاكِهِمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ عُرْضَةٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْحَقِّ; لِأَنَّ عُقُولَهُمْ وَحْدَهَا لَيْسَتْ كَافِيَةً فِي الْهِدَايَةِ إِلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ جَامِعَتَهُمْ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَيُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى السَّعَادَةِ الْعُظْمَى فِي الْمَآبِ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي (فِيهِ) إِلَى الْحَقِّ فَلَا يُقَالُ وَمَا اخْتَلَفَ فِي الْحَقِّ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، فَإِنَّ الْحَقَّ يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ قَبْلَ مَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ الْأُولَى، وَلَا أَعْجَبَ مِمَّا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ النَّقْصَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمُ اخْتِلَافٌ فِي الْحَقِّ إِلَّا بَعْدَ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، أَمَّا فَيِمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى الْحَقِّ، فَكَأَنَّ رَذِيلَةَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ لَمْ تَقَعْ فِي الْعَالَمِ الْإِنْسَانِيِّ إِلَّا بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَالْقَوْلُ بِمِثْلِهِ مِنْ أَغْرَبِ مَا يُنْسَبُ إِلَى صَاحِبِ دِينٍ مَا، فَمَا بَالُكَ بِهِ إِذَا صَدَرَ عَنْ مُسْلِمٍ! !
وَالْحُقُّ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) يَعُودُ إِلَى الْكِتَابِ وَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا عَسَاهُ يُقَالُ: إِذَا كَانَ النَّاسُ فِي جَامِعَتِهِمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّخَالُفِ بِمُقْتَضَى فِطْرَتِهِمْ إِذَا تُرِكَتْ وَحْدَهَا،
стр. 629
وَلَا غِنَى لَهُمْ عَنْ هِدَايَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ تَأْتِيهِمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ؛ لِيَكُونُوا قُوَّادًا لِلْفِطْرَةِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَمَا بَالُ النَّاسِ بَعْدَ إِنْزَالِ الْكُتُبِ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ وَلَا يَرْتَفِعُ مِنْ بَيْنِهِمْ ذَلِكَ الْخِلَافُ الَّذِي كَانَ يُخْشَى مِنْهُ إِفْسَادُ جَمَاعَتِهِمْ وَهَلَاكُ خَاصَّتِهِمْ؟ فَقَدْ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ عَلَى جَلْبِ
الْمَنَافِعِ وَالتَّوَسُّعِ فِي مَطَالِبِ الشَّهَوَاتِ، وَلَمْ تَكُنْ لَدَيْهِمْ فِي ذَلِكَ آلَةٌ يَسْتَعْمِلُهَا كُلٌّ مِنْهُمْ فِي نَيْلِ مَطْلَبِهِ مِنْ صَاحِبِهِ سِوَى الْقُوَّةِ أَوِ الْحِيلَةِ، وَبَعْدَ إِنْزَالِ الْكُتُبِ قَدِ انْضَمَّ إِلَى تِلْكَ الْآلَاتِ آلَةٌ أُخْرَى رُبَّمَا كَانَتْ أَقْوَى مِنْ سِوَاهَا وَهِيَ آلَةُ الْإِقْنَاعِ بِالْكِتَابِ، فَيَتَّخِذُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً مِنَ الْكِتَابِ أَوْ أَثَرًا مِمَّا جَاءَ بِهِ وَسِيلَةً إِلَى تَسْخِيرِ غَيْرِهِ لِمَا يُرِيدُ، وَذَلِكَ بِقَطْعِ الْكَلِمَةِ أَوِ الْأَثَرِ عَنْ بَقِيَّةِ مَا جَاءَ بِالْكِتَابِ وَالْآثَارِ الْأُخْرَى، وَلَيِّ اللِّسَانِ بِهِ وَتَأْوِيلِهِ بِغَيْرِ مَا قُصِدَ مِنْهُ، وَمَا هَمُّ الْمُؤَوِّلِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْكِتَابِ، وَإِنَّمَا كُلُّ مَا يَقْصِدُ هُوَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَطْلَبٍ لِشَهْوَتِهِ، أَوْ عَضُدٍ لِسَطْوَتِهِ، سَوَاءٌ عَلَيْهِ هُدِمَتْ أَحْكَامُ اللهِ أَوْ قَامَتْ، وَاعْوَجَّتِ السَّبِيلُ أَوِ اسْتَقَامَتْ، ثُمَّ يَأْتِي ضَالٌّ آخَرُ يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ مِنْ هَذَا مَا نَالَ هَذَا مِنْ غَيْرِهِ، فَيُحَرِّفُ وَيُؤَوِّلُ حَتَّى يَجِدَ الْمَخْدُوعِينَ بِقَوْلِهِ وَيَتَّخِذَهُمْ عَوْنًا عَلَى ذَلِكَ الْخَادِعِ الْأَوَّلِ، فَيَقَعُ الْخِلَافُ وَالِاضْطِرَابُ، وَآلَةُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ هِيَ الْكِتَابُ، وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ فِي الْأَزْمَانِ الْغَابِرَةِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَبَيْنَ مَنْ سَبَقَهُمْ، وَبَيْنَ النَّصَارَى، وَلَا يَزَالُ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَمْ حُرُوبٌ وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى قَصَمَتْ ظُهُورَهُمْ، وَدَمَّرَتْ مَا كَانَ مِنْ قُوَاهُمْ، وَمَا كَانَ آلَةُ الْمُبْطِلِينَ فِي تِلْكَ الْمَشَاغِبِ إِلَّا دَعْوَى الدِّينِ، وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، وَإِنَّهُمْ لَخَاطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ، وَمَا كَلِمَةُ الدِّينِ وَدَعْوَى تَأْيِيدِ الْكِتَابِ إِلَّا وَسَائِلُ لِإِرْضَاءِ الشَّهْوَةِ وَتَمْكِينِ الظَّالِمِ مِنَ السَّطْوَةِ.
ثُمَّ هُنَاكَ دَاعٍ آخَرُ لِلْخِلَافِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْقَوْمِ فِي فَهْمِ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ، فَكَلٌّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُعْتَقَدَ كَذَا، وَرُبَّمَا كَانَ حَسَنَ النِّيَّةِ فِيمَا يَقُولُ، وَيُعِدُّ الْمُخَالِفَ مُخْطِئًا فِيمَا يَزْعُمُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِكُلٍّ مِنْهُمُ التَّعَصُّبُ لِرَأْيهِ، فَيَذْهَبُ حُسْنُ النِّيَّةِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْمَيْلَ إِلَى تَأْيِيدِ الْمَذْهَبِ، وَتَقْرِيرِ الْمَشْرَبِ، بِدُونِ رِعَايَةٍ لِلدَّلِيلِ وَلَا نَظَرَ إِلَى الْبُرْهَانِ، فَلَمْ يَسْتَفِدِ النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَنُزُولِ الْكُتُبِ إِلَّا حُدُوثَ سَبَبٍ جَدِيدٍ لِلْخِلَافِ لَمْ يَكُنْ، وَإِلَّا مَوْضُوعًا لِلشِّقَاقِ
كَانَ الْعَالَمُ فِي سَلَامَةٍ مِنْهُ، فَمَا فَائِدَةُ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَكَيْفَ يَمُنُّ اللهُ عَلَى النَّاسِ بِأَمْرٍ لَمْ يَزِدْهُمْ إِلَّا شَقَاءً، وَلَمْ يُكْسِبْ بَصَائِرَهُمْ إِلَّا عَمَاءً؟ !
أَرَادَ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَنْ يَسْتَدْرِكَ عَلَى هَذَا الظَّنِّ وَيُبَيِّنَ وَجْهَ الْخَطَأِ فِيهِ فَقَالَ: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) إِلَخْ، وَحَاصِلُ الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّ غَرَائِزَ الْبَشَرِ وَحْدَهَا لَيْسَتْ كَافِيَةً فِي تَوْجِيهِ أَعْمَالِهِمْ
стр. 630
إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ هِدَايَةٍ أُخْرَى تَعْلِيمِيَّةٍ تَتَّفِقُ مَعَ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ لِنَوْعِهِمْ، وَهِيَ قُوَّةُ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ، تِلْكَ الْهِدَايَةُ التَّعْلِيمِيَّةُ هِيَ هِدَايَةُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ، وَالْكُتُبِ الَّتِي يُنَزِّلُهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ الْأَدِلَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى عِصْمَةِ الرُّسُلِ مِنَ الْكَذِبِ، وَعِصْمَةِ الْكُتُبِ مِنَ الْخَطَأِ، فَعَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوا عُقُولَهُمْ فِي فَهْمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الرِّسَالَةِ وَالْعِصْمَةِ أَوَّلًا، وَسُطُوعُ الْأَدِلَّةِ يَحْمِلُ الْمُسْتَعِدِّينَ مِنْهُمْ عَلَى التَّصْدِيقِ حَتْمًا، فَإِذَا عَقَلُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، وَلَا يَعْدِلُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ عَنْهُ، ذَلِكَ كَمَا وَهَبَ لَهُمُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ لِيَهْتَدُوا بِهِمَا إِلَى مَا يُوَفِّرُ لَهُمُ الْفَوَائِدَ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمُ الْغَوَائِلَ، وَيَتَّقُوا بِهِمَا الْوُقُوعَ فِي الْمَكَارِهِ، وَكَمَا وَهَبَ لَهُمُ الْعَقْلَ لِيَهْتَدُوا بِهِ فِيمَا يَتْبَعُ الْأَعْمَالَ مِنَ الْعَوَاقِبِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْظُرُوا فِي فَهْمِ الْأَحْكَامِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَى جُمْلَتِهَا وَمَجْمُوعِ مَا تَفَرَّقَ مِنْهَا، لَا يُقْصِرُونَ نَظَرَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَغُضُّونَ بَصَرَهُمْ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ، ثُمَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقِفُوا عَلَى حِكْمَةِ اللهِ فِي تَشْرِيعِ شَرِيعَتِهِ، وَوَضْعِ مَا قَرَّرَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَحِيدُونَ عَنْ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا كُتُبُهُ، بَلْ صَرَّحَتْ بِهَا نُصُوصُهَا لَا يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، حَتَّى يَتِمَّ لَهُمُ الِاعْتِدَاءُ بِهَا، فَإِنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ حِكْمَةِ الْعَمَلِ غَفْلَةٌ عَنْ فَائِدَتِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ فَائِدَتِهِ انْصِرَافٌ عَنْ رُوحِهِ الَّتِي لَا يَقُومُ إِلَّا بِهَا، غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الْخَاطِئِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَصِلُوا إِلَى كُلِّ ذَلِكَ بِأَفْهَامِهِمْ عَلَى قِصَرِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى الْخَاصَّةِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمُ الرُّسُلُ لِلنِّيَابَةِ عَنْهُمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أُوتُوهُ، وَأَعْطَاهُمُ اللهُ الْكِتَابَ عَلَى أَنْ يُقَرِّرُوا مَا فِيهِ، وَيُرَاقِبُوا انْطِبَاقَ سَيْرِ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ. وَالْبَيِّنَاتُ هِيَ الدَّلَائِلُ الْقَائِمَةُ عَلَى عِصْمَةِ الْكِتَابِ مِنْ وَصْمَةِ إِثَارَةِ الْخِلَافِ، وَعَلَى أَنَّهُ مَا جَاءَ إِلَّا لِإِسْعَادِ النَّاسِ وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمْ، لَا لِإِشْقَائِهِمْ وَتَمْزِيقِ شَمْلِهِمْ، وَعَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ فِيهِ رَاجِعَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا جَاءَ
بِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَهْمُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ مُرْتَبِطًا بِفَهْمِ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، وَعَلَى أَنَّ دَعْوَةَ الرَّسُولِ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِنَّمَا كَانَتْ إِلَى جُمْلَتِهِ، لَا إِلَى الْأَنْقَاضِ الْمُتَفَرِّقَةِ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَغْيًا بَيْنَهُمْ، وَتَعَدِّيًا لِحُدُودِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَقَامَهَا حَوَاجِزَ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْخِلَافُ دَاعِيَةُ الْبَغْيِ. إِنَّ الْحَبْرَ أَوِ الْكَاهِنَ أَوِ الْعَالِمَ أَوِ الرَّئِيسَ أَوْ أَيَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ تُسَمِّيهِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي الدِّينِ الْقَائِمِينَ عَلَيْهِ، الَّذِينَ يَنُوبُونَ عَنِ الرُّسُلِ فِي حِفْظِهِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى صِيَانَتِهِ، الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَرَى الرَّأْيَ وَيَفْهَمُ الْفَهْمَ وَيَأْخُذُ الْحُكْمَ مَنْ نَصٍّ يَقِفُ عِنْدَهُ ذِهْنُهُ، أَوْ أَثَرٍ يَصِلُ إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ وَصَلَ إِلَيْهِ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ، وَآخَرُ يَرَى غَيْرَ مَا يَرَى، وَيَزْعُمُ وُصُولَ أَثَرٍ غَيْرِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى صَاحِبِهِ، فَكَانَ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ يَقْضِي عَلَيْهِمَا بِالِاجْتِمَاعِ وَالتَّمْحِيصِ، وَتَخْلِيصِ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ هَوًى سِوَى الْمَيْلِ إِلَى تَقْرِيرِ الْحَقِّ وَتَطْبِيقِ الْوَاقِعَةِ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمَا ذَلِكَ
стр. 631
وَجَبَ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا، حَتَّى يَسْتَمِرَّ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْخَاصَّةِ وَيَسُودَ بِهِمْ بَيْنَ الْعَامَّةِ.
لَكِنْ قَدْ يَشُوبُ طَلَبُ الْحَقِّ شَيْءٌ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي عِزَّةِ الرِّيَاسَةِ أَوْ مَيْلٍ مَعَ أَرْبَابِهَا أَوْ خَوْفٍ مِنْهُمْ أَوْ شَهْوَةٍ خَفِيَّةٍ فِي مَنْفَعَةٍ أُخْرَى فَيَلِجُ ذَلِكَ بِصَاحِبِ الرَّأْيِ حَتَّى يَكُونَ شِقَاقٌ، وَيَحْدُثَ افْتِرَاقٌ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الشَّوْبَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلْحُوظٍ لِصَاحِبِهِ، بَلْ دَخَلَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ فَهُوَ مِنَ الْبَغْيِ عَلَى حَقِّ اللهِ فِي عِبَادِهِ أَوَّلًا، وَالْبَغْيِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّذِينَ جَاءَ الْكِتَابُ لِتَعْزِيزِ الْوِفَاقِ بَيْنَهُمْ ثَانِيًا، وَأَمَّا الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ فَلَا جَرِيمَةَ لَهُمْ فِي هَذَا; وَلِذَلِكَ جَاءَ بِالْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) فَإِذَا كَانَ الرُّؤَسَاءُ قَدْ جَنَوْا هَذِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ وَعَلَى النَّاسِ بِسَبَبِ الْبَغْيِ الْخَاصِّ بِهِمْ، فَهَلْ هَذَا يَقْدَحُ فِي هِدَايَةِ الْكِتَابِ إِلَى مَا يَتَّفِقُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَيَرْتَفِعُ بِهِ النِّزَاعُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؟ كَلَّا؛ فَقَدْ رَأَيْنَا كُلَّ دِينٍ فِي بَدْءِ نَشْأَتِهِ يُقَرِّبُ الْبَعِيدَ وَيَجْمَعُ الْمُتَشَتَّتَ وَيَلِمُّ الشَّعَثَ وَيَمْحَقُ أَسْبَابَ الْخِلَافِ مِنَ النُّفُوسِ وَيُقَرِّرُ بَيْنَ الْآخِذِينَ بِهِ أُخُوَّةً لَا تُدَانِيهَا أُخُوَّةُ النَّسَبِ فِي شَيْءٍ، وَهَلْ يُؤْثِرُ الْأَخُ فِي النَّسَبِ أَخَاهُ بِمَالِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ؟ وَهَلْ يَبْذُلُ الْأَخُ النَّسَبِيُّ رُوحَهُ دُونَ أَخِيهِ وَيُؤْثِرُهُ بِالْحَيَاةِ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا آثَرَهُ بِالْمَالِ، كَمَا كَانَ يَقَعُ مِنْ أُولَئِكَ الْأَبْطَالِ؟ هَذَا شَأْنُ الدِّينِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ، مَعْرُوفٌ بِحَقِيقَتِهِ لِأَهْلِهِ، تُبَيِّنُهُ لِلنَّاسِ رُؤَسَاؤُهُ، وَيَمْشِي بِنُورِهِ فِيهِمْ عُلَمَاؤُهُ، لَا خِلَافَ وَلَا اعْتِسَافَ، وَلَا طُرُقَ وَلَا مَشَارِبَ، وَلَا مُنَازَعَاتٍ فِي الدِّينِ وَلَا مَشَاغِبَ.
هَذَا هُوَ الدِّينُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ أَنْ يَكُونَ هِدَايَةً لِلْبَشَرِ فَوْقَ الْهِدَايَاتِ الَّتِي وَهَبَهَا لَهُمْ مِنَ الْحَوَاسِّ وَالْعُقُولِ، فَإِذَا لَمْ يَهْتَدِ بِهَا الَّذِينَ أُوتُوهَا وَهُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ، وَبَغَوْا بِالتَّأْوِيلِ، وَكَثْرَةِ الْقَالِ وَالْقِيلِ، فَهَلْ يَمَسُّ ذَلِكَ جَانِبَهَا بِعَيْبٍ؟ مَاذَا يَقُولُ الْقَائِلُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْتِيهِمُ اللهُ الْعَقْلَ ثُمَّ لَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيمَا أُوتِيَ لِأَجْلِهِ؟ هَلْ تَنْقُصُ حَالُهُمْ هَذِهِ مِنْ مَنْزِلَةِ الْعَقْلِ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى الْإِنْسَانِ؟ مَاذَا يَقُولُ الْقَائِلُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ أَبْصَارٌ وَأَسْمَاعٌ وَلَكِنْ يَخْبِطُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي سَيْرِهِ فَلَا يَسْتَعْمِلُ بَصَرَهُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ الَّتِي يَسِيرُ فِيهَا، أَوْ فِي وِقَايَةِ رِجْلَيْهِ مِنَ الشَّوْكِ الْوَاقِعِ عَلَيْهَا، أَوِ التَّبَاعُدِ عَنْ حُفْرَةٍ يَتَرَدَّى فِيهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ نَظْرَةٌ وَاحِدَةٌ تَقِيهِ مِنَ التَّهْلُكَةِ لَوْ وَجَّهَهَا نَحْوَهَا، وَقَدْ يَسْمَعُ مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي تُنْذِرُهُ بِالْخَطَرِ الْقَرِيبِ مِنْهُ ثُمَّ لَا يُبَالِي بِمَا يَسْمَعُ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا لَيْسَ لَهُ مَدْفَعٌ، فَهَلْ تُحَطُّ حَالُ هَؤُلَاءِ النَّاسِ مِنْ قِيمَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ؟
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ الدِّينِ وَتَعْلُو بِهِ إِلَى أَرْفَعِ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْهِدَايَاتِ
стр. 632
الْإِلَهِيَّةِ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ مَطَاعِنَ أُولَئِكَ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ تَغْشَى أَعْيُنَهُمْ حُجُبُ الظَّوَاهِرِ، فَتَقِفُ بِهِمْ دُونَ مَعْرِفَةِ السَّرَائِرِ، يُنَادِيهِمُ الْحَقُّ فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ إِلَّا صَدَى صَوْتِ الْبَاطِلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ النَّصَّ الْكَرِيمَ مَقَامَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَيُحِلُّهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ أَعْلَى عِلِّيِّينَ، إِذْ يَقُولُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ جِنَايَةَ أَهْلِ الْخِلَافِ: (فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الْإِذْنُ هُنَا التَّيْسِيرُ وَالتَّوْفِيقُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا هُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ الصَّادِقِ فِي كُلِّ
دِينٍ، أَوْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى كُلٍّ فَاللهُ جَلَّ شَأْنُهُ يُخْبِرُنَا - وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ - بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ يَهْتَدُونَ لِمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ; أَيْ: يَصِلُونَ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي تَخْتَلِفُ مَزَاعِمُ النَّاسِ فِيهِ، فَيَزْعُمُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِمَّا بَعِيدٌ عَنْهُ بَعْدَ الْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ، وَإِمَّا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الْمُصَادَفَةِ وَالِاتِّفَاقِ، وَالَّذِي حَمَلَهُ عَلَى زَعْمِهِ إِنَّمَا هُوَ الْهَوَى وَالْمَيْلُ إِلَى الشِّقَاقِ، وَهُوَ فِي الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْبَاطِلِ; لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لَا تُعَدُّ هِدَايَةً إِلَيْهِ.
الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ لَهُ نُورٌ يَسْطَعُ فِي الْعُقُولِ فَيَهْدِيهَا فِي ظُلُمَاتِ الشَّبَهِ وَيُضِيءُ لَهَا السَّبِيلَ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ بَاطِلٌ، فَيُسَهِّلُ عَلَيْهَا أَنْ تُمِيطَ كُلَّ أَذًى يَتَعَثَّرُ فِيهِ السَّالِكُ، وَقَدْ يَسْقُطُ بِهِ فِي مُهَاوٍ مِنَ الْمَهَالِكِ، الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ لَا يَسْمَحُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَتَبَصَّرَ فِيهِ، وَيُمَحِّصَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ نَافِعٌ لَهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ، وَلَا يَدَعْ أَمْرًا حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ الْبُرْهَانُ أَوِ الْعِيَانُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِحُكْمِ إِيمَانِهِ، الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ يَجْعَلُ مِنْ نَفْسِ صَاحِبِهِ رَقِيبًا عَلَيْهَا فِي كُلِّ خَطَرَةٍ تَمُرُّ بِبَالِهِ، وَكُلِّ نَظْرَةٍ تَقَعُ مِنْهُ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ فِي خَلْقِهِ، لَا يَطِيرُ الْخَيَالُ بِصَاحِبِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ إِلَّا إِلَى صُوَرٍ مِنَ الْحَقِّ تَنْزِلُ مِنْهُ مَنْزِلَةَ الْعِبَارَةِ مِنْ مَعْنَاهَا، فَهُوَ إِذَا اعْتَقَدَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ مَا هُوَ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ، وَإِذَا تَخَيَّلَ فَإِنَّمَا يَتَخَيَّلُ صُوَرًا تُمَثِّلُ ذَلِكَ الْوَاقِعَ وَتُجْلِيهِ فِي أَقْوَى مَظَاهِرِهِ، بِهَذَا يَكُونُ تَيْسِيرُ اللهِ لَهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ، فَهُوَ مُطَمْئِنٌ سَاكِنُ الْقَلْبِ، وَهُمْ فِي اضْطِرَابٍ وَحَرْبٍ، تَوَلَّوْا عَنْ هِدَايَةِ اللهِ فَحُرِمُوا تَوْفِيقَهُ، وَكَفَرُوا بِنِعْمَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَعُوقِبُوا عَلَيْهَا بِفُشُوِّ الشَّرِّ وَفَسَادِ الْأَمْرِ، وَاللهُ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وَلَا فَسَادَ أَعْظَمُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (٦: ١٥٩) وَ (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) (٤٢: ١٣) (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحَسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)
(٢: ١٣٧، ١٣٨) هَذِهِ آيَاتُ اللهِ لَا يُعْرِضُ عَنْهَا إِلَّا بَعِيدٌ عَنِ اللهِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
стр. 633
هَذَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ، وَهُنَاكَ مَا رَمَى إِلَيْهِ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُمَا سَابِقًا، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى سُنَّةِ الْفِطْرَةِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالشَّرَائِعِ الْعَقْلِيَّةِ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ وَمَا يَعْمَلُونَ وَمَا يَتْرُكُونَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْفَاءَ تُوجِبُ التَّعْقِيبَ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْوَحْدَةَ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى جَمِيعِ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ فَلَا تَكُونُ إِلَّا الِاسْتِفَادَةُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلَا بُدَّ لِبَيَانِ مَا رَمَى إِلَيْهِ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ مِنْ بَيَانٍ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْجِنَانُ.
مَا جَاءَنَا مِنْ أَنْبَاءِ الْأُمَمِ وَمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ آثَارِهِمْ وَمَا عَرَفْنَاهُ مِنْ حَالِ بَعْضِهِمُ الْيَوْمَ يَشْهَدُ شَهَادَةً لَا يَرْتَابُ فِيهَا مَنْ أُدِّيَتْ إِلَيْهُ أَنَّ الْعِنَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ سَارَتْ بِالْإِنْسَانِ فِي جَمَاعَتِهِ كَمَا سَارَتْ بِهِ فِي أَفْرَادِهِ، يَخْلُقُ اللهُ الْفَرْدَ مِنَ الْبَشَرِ ضَعِيفَ الْقُوَّةِ فَاقِدَ الْعِلْمِ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٦: ٧٨) ثُمَّ أَبَوَاهُ أَوْ مَنْ يَكْفُلُهُ سِوَاهُمَا يَقُومُ عَلَيْهِ يُقَوِّي بِنْيَتَهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ مَا عَسَاهُ يَهْدِمُهَا، وَيُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَسْمَعُ وَكَيْفَ يَنْظُرُ وَكَيْفَ يَتَّقِي بِبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ مَا تُخْشَى عَاقِبَةُ وَقْعِهِ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ مِنَ السِّنِّ حَدًّا مَعْلُومًا يَكُونُ فِيهِ الْحِسُّ قَدْ أَعَدَّهُ لِاسْتِعْمَالِ قُوَّةٍ أُخْرَى كَانَتْ لَا تَزَالُ قَاصِرَةً فِيهِ وَهِيَ قُوَّةُ الْعَقْلِ، وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَكِّرَ فِيمَا مَضَى وَيَنْظُرَ فِيمَا حَضَرَ; لِيَعْرِفَ مِنْهَا كَيْفَ يَسْلُكُ فِي عَمَلِهِ لِمَا يَسْتَقْبِلُ، فَكَمَالُ اسْتِعْدَادِ الْعَقْلِ لِلنَّظَرِ فِي شُئُونِ الشَّخْصِ هُوَ مُنْتَهَى نُمُوِّ الْقُوَى الْمُدْرِكَةِ، كَمَا أَنَّ وُصُولَ الْبِنْيَةِ إِلَى الْحَدِّ الْمَعْرُوفِ فِي السِّنِّ الْمَعْلُومَةِ هُوَ مُنْتَهَى نُمُوِّ الْبَدَنِ، تِلْكَ السِّنُّ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِسِنِّ الرُّشْدِ.
لَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَنَاوَلِ قُوَّةِ الصَّبِيِّ فِي زَمَنِ الصِّبَا الْإِحَاطَةُ بِكُنْهِ الْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَا وَضَعَ اللهُ فِيهَا مِنَ الرَّوَابِطِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْمَعَانِي الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا بِنْيَةُ الِاجْتِمَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَوْقِ مَدَارِكِهِ أَنْ تَخْتَرِقَ هَذَا الْكَوْنَ الْمَحْسُوسَ لِتَصِلَ إِلَى مَعْرِفَةِ
مُكَوِّنِهِ، وَيُشْرِقُ عَلَيْهَا نُورُ وُجُودِهِ الْبَاهِرُ، وَإِنَّمَا كَانَ كُلُّ هَمِّ الصَّبِيِّ مُنْصَرِفًا إِلَى تَغْذِيَةِ جِسْمِهِ وَرِيَاضَةِ قُوَاهُ الْبَدَنِيَّةِ، وَلَا يُبَالِي بِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي الْعَالِيَةِ لَمْ يَتَمَثَّلْهَا ذِهْنُهُ إِلَّا فِي صُوَرٍ مِنَ الْخَيَالِ هِيَ إِلَى الْبَاطِلِ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى الْحَقِّ، كُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ طِفْلًا ثُمَّ صَارَ صَبِيًّا ثُمَّ بَلَغَ سِنًّا عَرَفَ نَفْسَهُ فِيهَا رَجُلًا عَاقِلًا، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْإِطَالَةِ فِيهِ.
عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ قَادَتِ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ جَمَاعَةَ الْبَشَرِ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ قَضَتْ بِأَنْ يَحْيَا الْإِنْسَانُ إِلَى أَجَلِهِ الْمَحْدُودِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ نَوْعِهِ كَمَا قَدَّمْنَا لَا مَنَاصَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، هَذِهِ الْجَمَاعَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى أُمَّةً كَمَا عَرَفْتَ، وَيُمْكِنُكَ أَنْ تُسَمِّيَهَا بِنْيَةَ الِاجْتِمَاعِ، وَتُسَمِّيَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ تِلْكَ الْبِنْيَةِ، فَكَمَا يَنْشَأُ الْفَرْدُ قَاصِرًا فِي جَمِيعِ قُوَاهُ ضَعِيفًا فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، كَذَلِكَ
стр. 634
نَشَأَتِ الْجَمْعِيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى ضَرْبٍ مِنَ السَّذَاجَةِ لَا تَبْلُغُ بِهَا إِلَى تَنَاوُلِ الشُّئُونِ الرَّفِيعَةِ وَالْمَعَانِي الْعَالِيَةِ وَالْمَعَارِفِ السَّامِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي يُرَبِّي الْفَرْدَ وَيَسُوسُ قُوَاهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ رُشْدَهُ هُوَ الْأَبَوَانِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَالَّذِي يَكْفُلُ الْجَمْعِيَّةَ وَيُرَبِّي قُوَاهَا وَيَشُدُّ بِنَاهَا، إِنَّمَا هُوَ الْكَوْنُ وَمَا يَمَسُّهَا مِنْ حَوَادِثِهِ، وَالْحَاجَاتُ وَوَقْعُهَا، وَالضَّرُورَاتُ وَلَذْعُهَا، وَكَمَا يُؤَدِّبُ الصَّبِيَّ أَبَوَاهُ يُؤَدِّبُ الْجَمَاعَةَ شِدَّةُ وَقْعِ الْحَوَادِثِ الْكَوْنِيَّةِ مِنْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الطَّوْرِ لَا هَمَّ لَهَا إِلَّا الْمُحَافَظَةُ عَلَى بِنْيَتِهَا الْجِسْمِيَّةِ، وَحَاجَاتِهَا الْبَدَنِيَّةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهَا مِنَ الزَّمَنِ مَا تَتَفَرَّغُ فِيهِ لِأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْنُ الطِّفْلِ فِي صِبَاهُ.
وَالْآثَارُ الَّتِي عَثَرَ عَلَيْهَا الْبَاحِثُونَ فِي مَبَادِئِ ظُهُورِ الصِّنَاعَةِ عِنْدَ الْبَشَرِ وَارْتِقَائِهَا مِنْ أَدْنَى الْأَعْمَالِ إِلَى مَا يَظُنُّهُ النَّاظِرُ أَعْلَاهَا الْيَوْمَ، تَشْهَدُ شَهَادَةً كَافِيَةً بِأَنَّ الْبَشَرَ كَانُوا فِي بَدْءِ أَمْرِهِمْ مِنْ قُصُورِ الْقُوَى عَلَى حَالَةِ تُشْبِهُ حَالَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْأَفْرَادِ، فَقَدْ كَانُوا فِي بَعْضِ أَطْوَارِهِمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى اصْطِنَاعِ الْمَعَادِنِ الْقَابِلَةِ لِلطَّرْقِ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ، وَأَنَّ آلَاتِهِمْ لِلدِّفَاعِ وَنَحْوِهِ كَانَتْ مِنَ الْحِجَارَةِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا إِلَى اسْتِعْمَالِ النُّحَاسِ، ثُمَّ ارْتَقَوْا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْحَدِيدِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ
كَانَ رُقِيُّ مَعَارِفِهِمْ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الصَّنْعَةِ، وَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَنْظُرَ كَيْفِ ابْتَدَءُوا وَضْعَ حُرُوفِ الْكِتَابَةِ مِنَ الْخَطِّ الْمِسْمَارِيِّ ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا يَرْتَقُونَ فِيهِ إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى مَا تَعْرِفُ الْيَوْمَ، كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الْجَمَاعَةِ هِيَ بِعَيْنِهَا سُنَّتُهُ فِي الْفَرْدِ مِنْهَا مِنَ التَّدَرُّجِ بِهِ مِنْ ضَعْفٍ إِلَى قُوَّةٍ وَمِنْ قُصُورٍ إِلَى كَمَالٍ.
كَانُوا فِي طَوْرِ الْقُصُورِ مُنْغَمِسِينَ فِي الْحِسِّ وَالْمَحْسُوسِ، فَإِذَا تَخَلَّصُوا مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ تَخَلَّصُوا إِلَى وَهْمٍ يُثِيرُهُ الْحِسُّ، وَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ لَهُ يَظُنُّ شَيْئًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إِذَا عَجِبُوا كَيْفَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى فَهْمِ مَعْنَى الْمَوْتِ ظَنُّوا أَنَّهُ يَغِيبُ عَنْهُمْ غَيْبَةً وَلَكِنْ لَا يَزَالُ يَتَعَهَّدُهُمْ بِمَا يُؤْذِيهِمْ، كَأَنَّ الْمَوْتَ يُحْدِثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةً، فَظَنُّوا أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادِيَاتِ الضَّارَّاتِ، الْمُعَيَّنَاتِ النَّافِعَاتِ; وَلِذَلِكَ كَانُوا يُعِدُّونَ لَهَا مَا يُرْضِيهَا، وَكَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَذْكُرُوا أَسْمَاءَهَا، وَإِذَا سَمِعُوا رَعْدًا أَوْ رَأَوْا بَرْقًا أَوْ أَمْطَرَتْهُمُ السَّمَاءُ أَوْ ذَعَرَتْهُمُ الْأَعَاصِيرُ، تَخَيَّلُوا أَشْبَاحًا مِثْلَهُمْ تُرْسِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِمْ، وَيَذْهَبُ بِهِمُ الْخَيَالُ فِيهَا إِلَى مَا شَاءَ مِنْ صُوَرٍ وَتَمَاثِيلَ. وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالنُّجُومِ، إِذَا اسْتَعْظَمُوا مِنْهَا
стр. 635
شَيْئًا لِعِظَمِ مَضَرَّتِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ مَنْفَعَتِهِ، تَوَهَّمُوا فِيهَا مَا شَاءُوا مِنْ قُدْرَةٍ تَفُوقُ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَةٍ تَقْهَرُ إِرَادَتَهُمْ.
وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ، وَالتَّجَارُبُ تَكْشِفُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ فِيمَا يَتَوَهَّمُونَ; وَالْحَوَادِثُ تَأْتِيهِمْ بِعِلْمِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، حَتَّى عَقَلُوا كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ اجْتِمَاعِهِمْ وَكَشَفُوا شَيْئًا مِنْ عَنَاصِرِ بِنْيَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَوَصَلُوا إِلَى مَنْزِلَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِأَنْ يَفْهَمُوا بَاطِنَ
مَا عَقَلُوا وَسِرَّ مَا عَرَفُوا، وَلِأَنْ يَخْلُصُوا مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْجُسْمَانِيِّ الَّذِي كَانُوا فِيهِ إِلَى عَالَمٍ رُوحَانِيٍّ كَانُوا يَسِيرُونَ فِي طَلَبِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ.
هُنَالِكَ تَهَيَّأَ لَهُمْ أَنْ يَنْتَقِلُوا مَنْ طَوْرِ قُصُورِ الصِّبَا إِلَى أَوَّلِ سِنِّ الرُّشْدِ، فَجَاءَتْهُمُ النُّبُوَّةُ تَهْدِيهِمْ إِلَى مَا يَسْتَقْبِلُونَهُ فِي ذَلِكَ الطَّوْرِ الْجَدِيدِ، طَوْرٍ يَكُونُ وَاضِعُ النِّظَامِ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ هُوَ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وَيَكُونُ الْمُحَدِّدُ لِصِلَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ تَعَالَتْ أَسْمَاؤُهُ هُوَ الرَّحِيمُ بِهِمُ الْعَلِيمُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُحَدِّدُهُ عُقُولُهُمْ، وَلَا تَسْمُوا إِلَى اكْتِنَاهِ ذَاتِهِ مَعَارِفُهُمْ، هَذِهِ هِيَ الْغَايَةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُدْرِكُوهَا وَهُمْ فِي قُصُورِ الطَّوْرِ الْأَوَّلِ، قَدِ انْتَهَوْا إِلَيْهَا عِنْدَ دُخُولِهِمْ فِي الطَّوْرِ الثَّانِي.
فَهَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ: إِنَّ الْأُمَّةَ الْوَاحِدَةَ هِيَ الْأُمَّةُ الْآخِذَةُ فِي اعْتِقَادِهَا وَعَمَلِهَا بِالْعَقْلِ وَمُقْتَضَى الْفِطْرَةِ قَبْلَ النُّبُوَّاتِ جَمِيعِهَا; لِأَنَّ ظُهُورَ النُّبُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادَ لِقَبُولِهَا طَوْرٌ مِنَ الْأَطْوَارِ الْبَشَرِيَّةِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ النَّوْعُ الْإِنْسَانِيُّ إِلَّا بَعْدَ التَّدَرُّجِ فِي طَرِيقٍ طَوِيلَةٍ تَنْتَهِي غَايَتُهَا إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ.
الِاسْتِعْدَادُ لِظُهُورِ النُّبُوَّةِ وَقَبُولِ دَعْوَتِهَا مَرْحَلَةٌ مِنَ الْمَرَاحِلِ الَّتِي تَسِيرُ فِيهَا الْجَمْعِيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الْعُقُولُ مَنْزِلَةً مِنَ الْقُوَّةِ وَمَقَامًا مِنَ السُّلْطَةِ، وَتَبْلُغُ النُّفُوسُ مِنْ قُوَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ مَا يُخْشَى مَعَهُ مِنْ ضَلَالِهَا أَنْ يُوقِعَهَا فِي خَبَالِهَا، عِنْدَمَا تُعَظِّمُ مَطَامِعَ الْعُقُولِ وَالشَّهَوَاتِ، وَتَتَّسِعُ مَجَالَاتُهَا وَتَبْعُدُ مَطَامِحُهَا، هُنَالِكَ يُخْشَى عَلَى الْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِهَا أَوْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى بَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا، كَمَا يُخْشَى مَنْ قُوَى الشَّابِّ أَنْ تُهْلِكَهُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الْبِنْيَةُ حَدَّ النُّمُوِّ وَتَبْدُو لَهُ الشَّهَوَاتُ فِي أَجْلَى صُوَرِهَا، فَكَمَا كَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ أَنْ يَهَبَ الشَّابَّ قُوَّةَ الْعَقْلِ عِنْدَ بُلُوغِ السِّنِّ الَّتِي تَعْظُمُ فِيهَا الشَّهْوَةُ، وَيَقْوَى فِيهَا الْإِحْسَاسُ بِالْحَاجَةِ إِلَى تَوْفِيرِ الرَّغَائِبِ، حَتَّى يَقُودَهُ فِي تِلْكَ الْغِمَارِ، كَذَلِكَ فَعَلَ اللهُ بِالْجَمْعِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ عِنْدَمَا بَلَغَتْ بِمَعَارِفِ أَفْرَادِهَا ذَلِكَ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرْنَا. وَهَبَهَا تِلْكَ الْهِدَايَةَ الْجَدِيدَةَ، وَأَيَّدَهَا بِالدَّلَائِلِ الَّتِي بَلَغَ مِنْ قُوَّةِ الْعُقُولِ
следующие страницы →