← Тафсир

Тафсир · id 12304

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (5 061 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ظَنِّيَّةٌ، وَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهَا الصَّحَابَةُ بِاجْتِهَادِهِمْ - عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ - وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَبَقِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدْعُو اللهَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، فَتَرَكَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ; لِأَنَّ دَلَالَتَهَا قَطْعِيَّةٌ لَا مِرَاءَ فِيهَا، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ، وَأَمَّا كَوْنُ إِثْمِ هَاتَيْنِ الْفِعْلَتَيْنِ; أَيْ: ضَرَرُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا مَعَ إِثْبَاتِ الْمَنَافِعِ لَهُمَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ. وَمَضَرَّةُ الْخَمْرِ لَا يَجْهَلُهَا أَحَدٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَمِنْهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، قِيلَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: أَلَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي حَرَارَتِكَ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلُهُ جَوْفِي، وَلَا أَرْضَى أَنْ أُصْبِحَ سَيِّدَ الْقَوْمِ وَأُمْسِي سَفِيهَهُمْ. وَأَطِبَّاءُ الْإِفْرِنْجِ وَعُلَمَاؤُهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ ضَرَرَ الْخَمْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَيْسِرُ - بِالْأَوْلَى - أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، وَقَدْ أُلِّفَتْ جَمْعِيَّاتٌ فِي أُورُبَّا وَأَمْرِيكَا لِلسَّعْيِ فِي إِبْطَالِ الْمُسْكِرَاتِ، فَهُمْ يَتَعَاهَدُونَ عَلَى عَدَمِ الشُّرْبِ، وَعَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى ذَلِكَ وَالسَّعْيِ لَدَى الْحُكُومَاتِ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى بَائِعِي الْخُمُورِ. فَالْأَيَّامُ وَالْأَجْيَالُ كُلَّمَا تَقَدَّمَتْ وَارْتَقَتْ تُؤَيِّدُ قَوْلَ الْقُرْآنِ بِأَنَّ إِثْمَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، فَإِنَّ أَطِبَّاءَ هَذَا الْعَصْرِ يَصِفُونَ مِنْ مَضَرَّاتِ الْخَمْرِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مَا أَطْلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ لِيَبْحَثُوا فِيهِ وَيَتَبَيَّنُوا صِدْقَهُ بِأَنْفُسِهِمْ; لِتَكُونَ عُقُولُهُمْ مُؤَيِّدَةً لِكِتَابِهِ بِوُجُوبِ اجْتِنَابِهِ. وَلَكِنْ لَدَيْنَا مِنْ أَهْلِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ وَأَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ وَالْمَدَنِيَّةِ مَنِ اسْتَعْبَدَهُمْ سُلْطَانُ اللَّذَّةِ فَصَرْفَهُمْ عَنِ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَضَرَّاتِ، كَمَا صَرَفَهُمْ عَنْ هِدَايَةِ الدِّينِ، وَصَرَفَ آبَاءَهُمْ عَنْ تَرْبِيَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَأَسْرَفُوا فِي مُعَاقَرَةِ الْخَمْرِ حَتَّى غِيضَ مَعِينُ حَيَاةِ بَعْضِ الشُّبَّانِ، وَانْكَسَفَتْ شُمُوسُ عُقُولِ آخَرِينَ قَبْلَ الِاكْتِهَالِ فَحُرِمُوا مِنْ سَعَادَةِ الْحَيَاةِ، وَحُرِمَتْ بُيُوتُهُمْ وَأُمَّتُهُمْ مِمَّا كَانَتْ تَرْجُوهُ مِنْ ذَكَائِهِمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ. بَدَتْ فِتْنَةُ السُّكْرِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْكُبَرَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ، وَصَارَتْ تُعَدُّ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُتَفَرْنِجِينَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمُتَمَدْيِنِينَ، وَسَرَتْ عَدْوَاهَا إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، حَتَّى قَلَّدَ فِيهَا شُيُوخُ الْقُرَى وَعُمَدُ الْبِلَادِ فَكَانُوا شَرَّ قُدْوَةٍ لِلْفَلَّاحِينَ وَالْعُمَّالِ وَالْأُجَرَاءِ، وَعَمَّ خَطَرُ هَذِهِ الْآفَةِ الَّتِي تَتْبَعُهَا آفَةُ الزِّنَا حَيْثُ سَارَتْ، وَيَتْبَعُ الزِّنَا دَاءُ الزُّهْرِيِّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَسْبَابِ انْقِطَاعِ النَّسْلِ، فَأَيَّةُ مَنْفَعَةٍ تُوَازِي هَذِهِ الْآفَاتِ الْقَاتِلَةَ وَالْجَوَائِحَ الْمُصْطَلِمَةَ؟ !

стр. 667

نَوَّهَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ بِهَذِهِ الْعِبْرَةِ وَقَالَ: إِنَّنِي كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْمِصْرِيِّينَ لايَفْنُونَ فِي جِنْسٍ آخَرَ، وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ قُرُونًا طَوِيلَةً، وَلَكِنَّ غَيْرَهُمْ قَدْ يَفْنَى فِيهِمْ; لِأَنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِكُلِّ سُلْطَةٍ، وَيَدِينُونَ لِكُلِّ قُوَّةٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ الذُّلُّ وَالْفَقْرُ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِمْ، بَلْ يَظَلُّونَ - مَا وَجَدُوا قُوتًا - يَتَنَاسَلُونَ وَيَكْثُرُونَ، وَالْعَامِلُ لَا يَعْدِمُ فِي أَرْضٍ زِرَاعِيَّةٍ كَمِصْرَ قُوتًا; وَلِذَلِكَ تَقَلَّبَتِ الْأُمَمُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ ثُمَّ زَالَتْ أَوْ زَالَ سُلْطَانُهَا عَنْهُمْ، وَبَقِيَ الْمِصْرِيُّونَ مِصْرِيِّينَ، لَهُمْ سَحْنَتُهُمْ وَصِفَاتُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ وَعَادَاتُهُمْ، وَلَكِنَّنِي رَجَعْتُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ مِنِ انْتِشَارِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا فِي الْبِلَادِ، وَلَا سِيَّمَا هَذِهِ الْخُمُورُ الْإِفْرِنْجِيَّةُ الَّتِي تُبَاعُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْفَلَّاحِينَ وَمَا هِيَ بِخَمْرٍ جُعِلَتْ لِلشُّرْبِ، وَإِنَّمَا هِيَ الْمَادَّةُ الْمُحْرِقَةُ السَّامَّةُ الَّتِي تُسَمَّى (السِّبِرْتُو) يُضَافُ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَالسُّكَّرِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُمَكِّنُ مِنْ تَنَاوُلِهَا، فَإِذَا اسْتَمَرَّ السُّكْرُ وَالْفُحْشُ عَلَى سَرَيَانِهِمَا هَذَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَنْقَرِضَ الْأُمَّةُ الْمِصْرِيَّةُ بَعْدَ جِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ كَمَا انْقَرَضَ هُنُودُ أَمْرِيكَا فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا بَقِيَّةٌ مِنَ الْخَدَمِ وَالْأُجَرَاءِ عِنْدَ مَنْ يَخْلُفُهُمْ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ السُّكْرَ وَالزِّنَا كَالْمِقْرَاضَيْنِ يَقْرِضَانِ الْأُمَمَ قَرْضًا. وَأَمَّا كَوْنُ إِثْمِ الْمَيْسِرِ أَكْبَرَ مِنْ نَفْعِهِ فَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْرِ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ أَنْوَاعُ الْقِمَارِ وَعَمَّ ضَرَرُهَا، حَتَّى إِنَّ الْحُكُومَاتِ الْحُرَّةَ الَّتِي تُبِيحُ تِجَارَةَ الْخَمْرِ تَمْنَعُ أَكْثَرَ أَنْوَاعِ الْقِمَارِ وَتَعَاقِبُ عَلَيْهَا، عَلَى احْتِرَامِهَا لِلْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ فِي جَمِيعِ ضُرُوبِ التَّصَرُّفِ الَّتِي لَا تَضُرُّ بِغَيْرِ الْعَامِلِ، فَمَنْفَعَةُ الْقِمَارِ وَهْمِيَّةٌ وَمَضَرَّاتُهُ حَقِيقِيَّةٌ; فَإِنَّ الْمُقَامِرَ يَبْذُلُ مَالَهُ الْمَمْلُوكَ لَهُ حَقِيقَةً عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ لِأَجْلِ رِبْحٍ مَوْهُومٍ لَيْسَ عِنْدَهُ وَزْنُ ذَرَّةٍ لِتَرْجِيحِهِ عَلَى خَطَرِ الْخُسْرَانِ وَالضَّيَاعِ، وَالْمُسْتَرْسِلُ فِي إِضَاعَةِ الْمُحَقَّقِ طَلَبًا لِلْمُتَوَهَّمِ يُفْسِدُ فِكْرَهُ وَيُضْعِفُ عَقْلَهُ; وَلِذَلِكَ يَنْتَهِي الْأَمْرُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمُقَامِرِينَ إِلَى بَخْعِ أَنْفُسِهِمْ - قَتْلِهَا غَمًّا - أَوِ الرِّضَى بِعِيشَةِ الذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّنِي أَعْرِفُ رَجُلًا كَانَتْ ثَرْوَتُهُ لَا تَقِلُّ عَنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ جُنَيْهٍ (٣ مَلَايِينَ) فَمَا زَالَ شَيْطَانُ الْقِمَارِ يُغْرِيهِ بِاللَّعِبِ فِيهِ حَتَّى فَقَدَ ثَرْوَتَهُ كُلَّهَا وَعَاشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ فَقِيرًا مُعْدَمًا حَتَّى مَاتَ جَائِعًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَبِحَ فِي لَيْلَةٍ تِسْعَمِائَةِ أَلْفِ فِرَنْكَ، فَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أُتِمَّهَا مِلْيُونًا، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى خَسِرَهَا إِلَى مِلْيُونٍ آخَرَ، وَهَكَذَا شَأْنُ أَكْثَرِ الْمُقَامِرِينَ يَغْتَرُّونَ بِالرِّبْحِ الَّذِي يَكُونُ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ أَحْيَانًا فَيَسْتَرْسِلُونَ فِي الْمُقَامَرَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ شَيْءٌ. وَلِبُيُوتِ الْقِمَارِ فِي مِصْرَ طُرُقٌ فِي اسْتِدْرَاجِ الْأَغْنِيَاءِ لَا يَعْقِلُهَا الْمِصْرِيُّونَ عَلَى مَا يَرَوْنَ

стр. 668

مِنْ آثَارِهَا فِي تَخْرِيبِ بُيُوتِ مَنِ اصْطِيدُوا بِأَحَابِيلِهَا مِنْ إِخْوَانِهِمْ. وَيُحْكَى أَنَّ رَجُلًا عَاقِلًا رَأَى مِنْ وَلَدِهِ مَيْلًا إِلَى الْمُقَامَرَةِ لِمُعَاشَرَتِهِ بَعْضَ أَهْلِهَا، فَلَمَّا حَانَتْ وَفَاتُهُ وَخَافَ أَنْ يُضَيِّعَ وَلَدُهُ مَا يَرِثُهُ عَنْهُ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّهْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِغْرَاءً، قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أُوصِيكَ إِذَا شِئْتَ أَنْ تُقَامِرَ بِأَنْ تَبْحَثَ عَنْ أَقْدَمِ مُقَامِرٍ فِي الْبَلَدِ وَتَلْعَبُ مَعَهُ، فَطَفِقَ الْوَلَدُ بَعْدَهُ يَبْحَثُ وَيَسْأَلُ، وَكُلَّمَا دُلَّ عَلَى وَاحِدٍ عِلْمِ مِنْهُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ مِنْهُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ الْبَحْثُ إِلَى شَيْخٍ رَثِّ الثِّيَابِ، ظَاهِرِ الِاكْتِئَابِ، فَعَلِمَ مِنْ حَالِهِ وَمَقَالِهِ أَنَّ مَآلَ الْمُقَامِرِ إِلَى أَسْوَأِ مَآبٍ، وَأَنَّ وَالِدَهُ قَدِ اجْتَهَدَ بِنَصِيحَتِهِ فَأَصَابَ، وَأَنَّهُ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَرَجَعَ هُوَ إِلَى رُشْدِهِ وَأَنَابَ، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ الْمُقَامِرَةِ مِنْ طَاقٍ وَلَا بَابٍ. وَيَشْتَرِكُ الْمَيْسِرُ مَعَ الْخَمْرِ فِي أَنَّ مُتَعَاطِيَهُمَا قَلَّمَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِمَا وَالسَّلَامَةِ مِنْ بَلَائِهِمَا; لِأَنَّ لِلْخَمْرِ تَأْثِيرًا فِي الْعَصَبِ يَدْعُو إِلَى الْعَوْدِ إِلَى شُرْبِهَا وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا، فَإِنَّ مَا تُحْدِثُهُ مِنَ التَّنْبِيهِ يَعْقُبُهُ خُمُودٌ وَفُتُورٌ بِمُقْتَضَى سُنَّةِ رَدِّ الْفِعْلِ، فَيَشْعُرُ السَّكْرَانُ بَعْدَ الصَّحْوِ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى مُعَاوَدَةِ السُّكْرِ، لِيَزُولَ عَنْهُ مَا حَلَّ بِهِ، فَإِذَا هُوَ عَادَ قَوِيَتِ الدَّاعِيَةُ، وَأَمَّا الْمَيْسِرُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ كُلَّمَا رَبِحَ طَمِعَ فِي الزِّيَادَةِ، وَكُلَّمَا خَسِرَ طَمِعَ فِي تَعْوِيضِ الْخَسَارَةِ، وَيَضْعُفُ الْإِدْرَاكُ حَتَّى تَعِزَّ مُقَاوَمَةُ هَذَا الطَّمَعِ الْوَهْمِيِّ، وَهَذَا شَرُّ مَا فِي هَاتَيْنِ الْجَرِيمَتَيْنِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ هَدَانَا لِأَنْ نَعْلَمَ مَضَرَّاتِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ بِبَحْثِنَا لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي تَحْرِيمِهِمَا عَلَيْنَا، وَأَنَّنَا نَرَى الْأُمَمَ الَّتِي لَا تَدِينُ بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ تُخَاطَبْ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ قَدِ اهْتَدَتْ إِلَى مَا لَمْ نَهْتَدِ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمَضَارِّ، وَأَنْشَأَتْ تُؤَلِّفُ الْجَمْعِيَّاتِ لِلسَّعْيِ فِي إِبْطَالِ هَاتَيْنِ الْجَرِيمَتَيْنِ، وَنَحْنُ الَّذِينَ مُنِحْنَا تِلْكَ الْهِدَايَةَ مُنْذُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا وَنَيِّفٍ أَنْشَأْنَا نَأْخُذُ عَنْ تِلْكَ الْأُمَمِ مَا أَنْشَأَتْ هِيَ تُقَاوِمُهُ وَتَذُمُّهُ، حَتَّى إِنَّ السُّكْرَ قَدْ غَلَبَ فِي رُؤَسَاءِ دُنْيَانَا، وَالْمَيْسِرَ قَدِ انْتَشَرَ فِي أُمَرَائِنَا وَكُبَرَائِنَا، ثُمَّ فَشَا فِيمَنْ دُونَهُمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ. نَبَّهَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ لِهَذِهِ الْعِبْرَةِ وَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ كَيْفَ صَارُوا يَكْفُرُونَهَا، وَكَيْفَ حَلَّ بِهِمْ غَضَبُ اللهِ تَعَالَى فَسُلِبُوا مُعْظَمَ مَا وُهِبُوا، وَيُخْشَى أَنْ يَمْتَدَّ ذَلِكَ حَتَّى يَعِزَّ تَدَارَكُهُ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِ أَسْبَابِ النُّزُولِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ حِينَ أُمِرُوا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَدْرِي مَا هَذِهِ النَّفَقَةُ الَّتِي أُمِرْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَمَا نُنْفِقُ مِنْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لَنَا أَرِقَّاءَ وَأَهْلِينَ فَمَا نُنْفِقُ مِنْ أَمْوَالِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى

стр. 669

أَنَّ السُّؤَالَ الْأَوَّلَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ نَزَلَ وَحْدَهُ ثُمَّ نَزَلَ هَذَا السُّؤَالُ بَعْدَهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ كَانَتْ مِمَّا يَقَعُ مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَاتِ بَيَانًا لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَإِجَابَةً لِلسَّائِلِينَ عِنْدَمَا اسْتَعَدُّوا لِلْأَخْذِ بِهَا، وَمَا وَرَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يُنْفِقُونَ، وَأَيَّ جُزْءٍ مِنْهَا يُمْسِكُونَ، لِيَكُونُوا مُمْتَثِلِينَ لِقَوْلِهِ: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (٢: ١٩٥) وَمُتَحَقِّقِينَ بِقَوْلِهِ: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَنْطِقُ بِأَنَّ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ اللهِ مِنْ آيَاتِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، الَّذِي يُشْعِرُ أَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُنْفِقَ كُلَّ مَا يَمْلِكُ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَقَدْ قَضَتِ الْحِكْمَةُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَبِمَدْحِ الْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ; لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِئَةً قَلِيلَةً فِي أُمَمٍ وَشُعُوبٍ وَقَبَائِلَ تُنَاصِبُهُمُ الْعَدَاوَةَ وَتَبْذُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْوَالَ وَالْأَرْوَاحَ، فَإِذَا لَمْ يَتَّحِدُوا حَتَّى يَكُونُوا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَيَبْذُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا بِيَدِهِ لِمَصْلَحَتِهِمُ الْعَامَّةِ، لَا تَسْتَقِيمُ لَهُمْ حَالٌ وَلَا تَقُومُ لَهُمْ قَائِمَةٌ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْعَامَّةُ فِي كُلِّ دِينٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ ظُهُورِهِ وَأَوَّلِ نَشْأَتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تَعْتَزَّ الْمِلَّةُ وَتَكْثُرَ الْأُمَّةُ، وَيَصِيرَ يَكْفِي لِحِفْظِ مَصْلَحَتِهَا مَا يَبْذُلُهُ كُلُّ ذِي غِنًى مِنْ بَعْضِ مَالِهِ، وَيَفْرُغَ الْجُمْهُورُ لِلْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ ذُو الْعَمَلِ أَنْ يُفِيضَ مِنْ كَسْبِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي السَّعْيِ لِتَعْزِيزِ دِينِهِ وَوِقَايَتِهِ مِنَ الْمَحْوِ وَالزَّوَالِ، بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ تَخْتَلِفُ الْحَالُ فَلَا يَسْهُلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُؤْثِرَ كُلَّ مُحْتَاجٍ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ; وَلِذَلِكَ تَوَجَّهَتِ النُّفُوسُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى تَقْيِيدِ تِلْكَ الْإِطْلَاقَاتِ فِي الْإِنْفَاقِ، فَسَأَلُوا مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ فَأُجِيبُوا بِأَنْ يُنْفِقُوا الْعَفْوَ، وَهُوَ الْفَضْلُ وَالزِّيَادَةُ عَنِ الْحَاجَةِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَفْوَ نَقِيضُ الْجَهْدِ; أَيْ: يُنْفِقُونَ مَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ وَتَيَسَّرَ لَهُمْ مِمَّا يَكُونُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِمْ وَحَاجَةِ مَنْ يَعُولُونَ. قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (الْعَفْوُ) بِالرَّفْعِ وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، وَالْإِعْرَابُ ظَاهِرٌ، وَالزِّيَادَةُ أَمْرٌ مُجْمَلٌ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، فَهَلِ الْمُرَادُ حَاجَةُ الْيَوْمِ أَوِ الشَّهْرِ أَوِ السَّنَةِ؟ رَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْأَخِيرَ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الْقُرْآنَ أَطْلَقَ الْعَفْوَ لِيُقَدِّرَهُ كُلُّ قَوْمٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِمْ; لِأَنَّهُ خِطَابٌ عَامٌّ لَيْسَ خَاصًّا بِأَهْلِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَا بِحَالِ النَّاسِ فِي زَمَنِ الْبَعْثَةِ. وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْإِنْفَاقِ مَا وَرَاءَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ الْمَحْدُودَةِ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَعَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْعَفْوِ يُصَدَّقُ عَلَى الزَّكَاةِ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا مِنَ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ الَّذِي لَا جَهْدَ وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ

стр. 670

عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)) وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي، وَيَقُولُ مَمْلُوكُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي، وَيَقُولُ وَلَدُكَ: إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟)) . وَقَدْ نَوَّهَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالْإِنْفَاقِ فِي حِفْظِ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَأَعْمَالِهَا الْخَيْرِيَّةِ، فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: إِنَّ الْأُمَّةَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ مِلْيُونٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَتْ تَبْذُلُ مِنْ فَضْلِ مَالِهَا فِي مَصَالِحِهَا الْعَامَّةِ، كَإِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَتَرْبِيَةِ النَّابِتَةِ عَلَى مَا يُؤَهِّلُهَا لِاسْتِعْمَالِهَا وَيُقَرِّرُ الْفَضِيلَةَ فِي أَنْفُسِهَا تَكُونُ أَعَزَّ وَأَقْوَى مِنْ أُمَّةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ مِائَةِ مِلْيُونٍ لَا يَبْذُلُونَ شَيْئًا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ; ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْأُمَّةِ الْأُولَى يُعَدُّ بِأُمَّةٍ; لِأَنَّ أُمَّتَهُ عَوْنٌ لَهُ، تُعِدُّهُ جُزْءًا مِنْهَا وَيُعِدُّهَا كُلًّا لَهُ; وَالْأُمَّةُ الثَّانِيَةُ كُلُّهَا لَا تُعَدُّ بِوَاحِدٍ; لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا (أَيْ أَفْرَادِهَا) يَخْذُلُ الْآخَرَ وَيَرَى أَنَّ حَيَاتَهُ بِمَوْتِهِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ. وَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ لَا يُسَمَّى أُمَّةً; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ يَعِيشُ وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ، فَهُوَ لَا يَتَّصِلُ بِمَنْ مَعَهُ لِيَمُدَّهُمْ وَيَسْتَمِدَّ مِنْهُمْ، وَيَتَعَاوَنَ الْجَمِيعُ عَلَى حِفْظِ الْوَحْدَةِ الْجَامِعَةِ لَهُمُ الَّتِي تُحَقِّقُ مَعْنَى الْأُمَّةِ فِيهِمْ. وَإِنَّهُ لَمْ تَنْهَضْ أُمَّةٌ وَلَا مِلَّةٌ إِلَّا بِمَثَلِ هَذَا التَّعَاوُنِ، وَهُوَ مُسَاعَدَةُ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ، وَإِعَانَةُ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ، وَبَذْلُ الْمَالِ، وَالْعِنَايَةُ فِي حِفْظِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ; بِهَذَا ظَهَرَ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَكَانَتْ لَهُمُ السِّيَادَةُ، وَبِتَرْكِ هَذَا انْحَلَّتِ الْأُمَمُ الْكَبِيرَةُ، وَفَقَدَتِ الْمُلْكَ وَالسَّعَادَةَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ النُّكْتَةَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ السُّؤَالِ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَالسُّؤَالِ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ حَالِ فَرِيقَيْنِ مِنَ النَّاسِ: فَرِيقٌ يُنْفِقُ الْمَالَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فِي سَبِيلِ الْإِثْمِ، إِمَّا لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّبَاهِي فِيمَا لَا فَخْرَ فِيهِ وَلَا شَرَفَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ اللَّذَّةِ وَإِنْ سَاءَتْ عَوَاقِبُهَا، وَفَرِيقٌ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُزِيلُ بِهِ ضَرُورَةَ إِخْوَانِهِ الْمَسَاكِينِ وَالضُّعَفَاءِ، وَيَرْفَعُ بِهِ مِنْ شَأْنِ أُمَّتِهِ بِمَا يَجْعَلُهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَأَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَأَعْظَمُ الْمَصَالِحِ وَالْأَعْمَالِ فِي هَذَا الْعَصْرِ هُوَ التَّعْلِيمُ وَالتَّرْبِيَةُ. وَلَوْ بَذَلَ الْمِصْرِيُّونَ عُشْرَ مَا يُنْفِقُونَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ - وَلَا سِيَّمَا مَا يُسَمُّونَهُ الْمُضَارَبَةَ - عَلَى التَّعْلِيمِ، لَتَيَسَّرَ لَهُمْ تَعْمِيمُ الْمَدَارِسِ فِي بِلَادِهِمْ، وَتَوْجِيهُ التَّعْلِيمِ فِيهَا إِلَى مَا يُجَدِّدُ مِلَّتَهُمْ وَيُعِيدُ إِلَيْهِمْ مَا فَقَدُوا مِنْ كَرَامَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ) مَعْنَاهُ: مِثْلُ هَذَا النَّحْوِ وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنَ الْبَيَانِ قَدْ قَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ بِأَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ آيَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَصَالِحِكُمْ وَمَنَافِعِكُمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُوَجِّهَ عُقُولَكُمْ إِلَى مَا فِي الْأَشْيَاءِ مِنَ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) فَيَظْهَرُ لَكُمْ

стр. 671

الضَّارُّ مِنْهَا أَوِ الرَّاجِحُ ضَرَرُهُ فَتَعْلَمُوا أَنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّرْكِ فَتَتْرُكُوهُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَاقْتِنَاعٍ بِأَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فِيهِ الْمُصْلَحَةُ، كَمَا يَظْهَرُ لَكُمُ النَّافِعُ فَتَطْلُبُوهُ، فَمِنْ رَحْمَتِهِ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْنِتَكُمْ وَيُكَلِّفَكُمْ مَا لَا تَعْقِلُونَ لَهُ فَائِدَةً إِرْغَامًا لِإِرَادَتِكُمْ وَعَقْلِكُمْ، بَلْ أَرَادَ بِكُمُ الْيُسْرَ فَعَلَّمَكُمْ حُكْمَ الْأَحْكَامِ وَأَسْرَارَهَا، وَهَدَاكُمْ إِلَى اسْتِعْمَالِ عُقُولِكُمْ فِيهَا، لِتَرْتَقُوا بِهِدَايَتِهِ عُقُولًا وَأَرْوَاحًا، لَا لِتَنْفَعُوهُ سُبْحَانَهُ أَوْ تَدْفَعُوا عَنْهُ الضُّرَّ; فَإِنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ بِنَفْسِهِ، حَمِيدٌ بِذَاتِهِ، عَزِيزٌ بِقُدْرَتِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ الْمُعَدَّ لِلتَّفَكُّرِ لَيْسَ خَاصًّا بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَحْدَهَا، وَلَا بِطَلَبِ الْآخِرَةِ عَلَى انْفِرَادِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أَيْ: تَتَفَكَّرُونَ فِي أُمُورِهِمَا مَعًا، فَتَجْتَمِعُ لَكُمْ مَصَالِحُ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ فَتَكُونُونَ أُمَّةً وَسَطًا، وَأَنَاسِيَّ كَامِلِينَ، لَا كَالَّذِينِ حَسِبُوا أَنَّ الْآخِرَةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِتَرْكِ الدُّنْيَا وَإِهْمَالِ مَنَافِعِهَا وَمَصَالِحِهَا بِالْمَرَّةِ فَخَسِرُوهَا وَخَسِرُوا الْآخِرَةَ مَعَهَا; لِأَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، وَلَا كَالَّذِينِ انْصَرَفُوا إِلَى اللَّذَّاتِ الْجَسَدِيَّةِ كَالْبَهَائِمِ فَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهُمْ وَأَظْلَمَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَكَانُوا بَلَاءً عَلَى النَّاسِ وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ فَخَسِرُوا الْآخِرَةَ وَالدُّنْيَا مَعَهَا. وَهَذَا الْإِرْشَادُ إِلَى التَّفَكُّرِ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا هُوَ فِي مَعْنَى مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) (٢: ٢٠١) وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا، فَاللهُ تَعَالَى يُبَيِّنُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ الْإِسْلَامَ هَادٍ وَمُرْشِدٌ إِلَى تَوْسِيعِ دَائِرَةِ الْفِكْرِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ فِي مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَقَدَّمَ الدُّنْيَا فِي الذِّكْرِ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْوُجُودِ بِالْفِعْلِ، وَكُلُّ مَا أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ وَهَدَانَا إِلَيْهِ فَهُوَ مِنْ دِينِنَا; وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ جَمِيعَ الْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا النَّاسُ فِي مَعَايِشِهِمْ مِنَ الْفُرُوضِ الدِّينِيَّةِ، إِذَا أَهْمَلَتِ الْأُمَّةُ شَيْئًا مِنْهَا فَلَمْ يَقُمْ بِهِ مِنْ أَفْرَادِهَا مَنْ يَكْفِيهَا أَمْرَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، كَانَتْ كُلُّهَا عَاصِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةً لِدِينِهِ، إِلَّا مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ دَفْعِ ضَرَرِ الْحَاجَةِ وَعَنِ الْأَمْرِ بِهِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْمَعْذُورُونَ بِالتَّقْصِيرِ. عَلَى هَذَا قَامَ صَرْحُ مُجْدِ الْإِسْلَامِ عِدَّةَ قُرُونٍ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ كُلَّمَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ بِسَبَبِ التَّوَسُّعِ فِي الْعُمْرَانِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ وَتَعْمِيمُ دَعْوَتِهِ النَّافِعَةِ قَامُوا بِهِ حَقَّ الْقِيَامِ، وَعَدُّوا الْقِيَامَ بِهِ مِنَ الدِّينِ عَمَلًا بِمِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَمَضَوْا عَلَى ذَلِكَ قُرُونًا كَانُوا فِيهَا أَبْسَطَ الْأُمَمِ وَأَعْلَاهَا حَضَارَةً وَعُمْرَانَا، وَبِرًّا وَإِحْسَانًا، إِلَى أَنْ غَلَا أَقْوَامٌ فِي الدِّينِ وَاتَّبَعُوا سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ فِي إِهْمَالِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا، زَعْمًا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الزُّهْدِ الْمَطْلُوبِ، أَوِ التَّوَكُّلِ الْمَحْبُوبِ، وَمَا هُوَ مِنْهُمَا فِي شَيْءٍ، وَكَانَ مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ أَنْ أُهْمِلَتِ الشَّرِيعَةُ فَلَا تُوجَدُ حُكُومَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تُقِيمُهَا; لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ يَصْلُحُ لِحُكْمِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْعُصُورِ الَّتِي اتَّسَعَتْ فِيهَا مَصَالِحُ الْأُمَمِ وَالْحُكُومَاتِ بِالتَّوَسُّعِ فِي الْعُلُومِ وَالصِّنَاعَاتِ وَارْتِبَاطِ الْعَالَمِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، ثُمَّ صَارَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسُهُمْ يَعُدُّونَ الِاشْتِغَالَ بِالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ الَّتِي

стр. 672

تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا مَصَالِحُ الدُّنْيَا صَادَّةً عَنِ الدِّينِ مُبْعِدَةً عَنْهُ، بَلْ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِعَقَائِدِهِ مُفْضِيَةٌ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ. وَهَذَا هُوَ دُخُولُ جُحْرِ الضَّبِّ الَّذِي دَخَلَهُ مَنْ قَبْلَنَا، وَهُوَ كَمَا تَرَى خُرُوجٌ عَنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِذَا كَانَ الْمُنْقَطِعُ لِعُلُومِ الدِّينِ لَا يَأْمَنُ عَلَى عَقِيدَتِهِ أَنْ تَذْهَبَ وَدِينِهِ أَنْ يَفْسُدَ إِذَا هُوَ تَفَكَّرَ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَعَرَفَ الْعُلُومَ الَّتِي لَا تَقُومُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ بِدُونِهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَدْرُسُونَ هَذِهِ الْعُلُومَ الدُّنْيَوِيَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ؟ لَا جَرَمَ أَنَّ هَذَا قَضَاءٌ عَلَى الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ آفَةُ الْعُمْرَانِ، وَعَدُوُّ الْعِلْمِ وَالنِّظَامِ، وَهُوَ قَضَاءٌ جَائِرٌ يُبْطِلُهُ الْقُرْآنُ، وَتَنْقُضُهُ سِيرَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَتَّبِعُهُمَا الْآنَ؟ ! وَقَدْ قَامَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي كِتَابِ اللهِ مَرَّةً نَظْرَةَ مُعْتَبِرٍ، وَلَمْ يَتْلُوا مِنْهُ آيَةً تِلَاوَةَ مُفَكِّرٍ مُتَدَبِّرٍ، يَقْسِمُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَا تَجِبُ الْمُبَالَاةُ بِدِينِهِ، وَلَا يُهْتَمُّ بِهِ فِي شَكِّهِ أَوْ يَقِينِهِ، فَلَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَشَاءُ صَحَّتْ عَقِيدَتُهُ أَوْ فَسَدَتْ، صَلَحَتْ أَعْمَالُهُ أَوْ خَسِرَتْ. وَقِسْمٌ آخَرُ يَجِبُ أَنْ يُصَانَ عَقْلُهُ عَنْ كُلِّ فِكْرٍ، وَيُحَاطَ بِجَمِيعِ الْوَسَائِلِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِنَ النَّظَرِ فِيمَا عَلَيْهِ النَّاسُ مَنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَمَا يَعْرِضُ فِي الْكَوْنِ مَنْ نَفْعٍ وَضُرٍّ، كَيْلَا يُفْسِدَ النَّظَرُ عَقِيدَتَهُ، وَيُضِلَّ الْفِكْرُ السَّلِيمُ بَصِيرَتَهُ، وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي تُفَوَّضُ إِلَيْهِ الرِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ، وَيُعْهَدُ إِلَيْهِ بِقِيَادَةِ الْأُمَّةِ فِي صَلَاحِ الْأَعْمَالِ وَانْتِظَامِ الْأَحْوَالِ، وَأَعْظَمُ قِسْمٍ فِي الْأُمَّةِ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ، بَلْ هُوَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا بِالتَّقْرِيبِ، وَقَدْ صَارَ بِيَدِهِ زِمَامُ جَمِيعِ أُمُورِهَا وَقُوَّةُ الْحُكْمِ فِيهَا; إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِهَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ خَلْوٌّ مِنَ الْعِلْمِ بِحَالِهَا، وَدُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْعَقْلِ، وَفَوْقَهُ فِي الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ، أَنْ يَقُودَ وَاحِدًا مِنْهَا، بَلْهَ قِيَادَتَهَا كُلَّهَا؟ فَهَلْ يَتَّفِقُ مِثْلُ هَذَا لِلْخَلَفِ، مَعَ شَيْءٍ مِنْ سُنَّةِ السَّلَفِ؟ أَلَا عَاقِلٌ يَقُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشَعْوِذِينَ: كَيْفَ سَاغَ فِي عُقُولِكُمْ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَى الْجَاهِلِ قِيَادَةُ الْعَاقِلِ؟ وَكَيْفَ يَتَيَسَّرُ حِفْظُ الدِّينِ بِالْعُدُولِ عَنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُخَالَفَةِ سَيْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ؟ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) إِلَخْ، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١٧: ٣٤) وَ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) (٤: ١٠) الْآيَةَ. انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) الْآيَةَ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ. نَعَمْ إِنَّ آيَاتِ الْوَصِيَّةِ فِي الْيَتَامَى كَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا مَا نَزَلْ فِي مَكَّةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١٧: ٣٤)

стр. 673

فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) (٩٣: ٩) فِي سُورَةِ الضُّحَى، وَقَوْلِهِ : (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) (١٠٧: ٢) فِي سُورَةِ الْمَاعُونِ، جَعَلَ دَعَّ الْيَتِيمِ - وَهُوَ دَفْعُهُ وَجَرُّهُ بِعُنْفٍ - أَوَّلَ آيَاتِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ. وَأَجْمَعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَآكَدُهُ آيَاتُ سُورَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) (٤: ١٠) وَلَكِنَّ سُورَتَهَا نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَدْ كَانَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْفَظُونَ حُدُودَ اللهِ تَعَالَى، وَيَأْخُذُونَ الْقُرْآنَ بِقُوَّةٍ; لِأَنَّهُمْ لِبَلَاغَتِهِمْ يَفْهَمُونَ الْوَعِيدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَتُحْدِثُ لَهُمْ مِنَ الذِّكْرَى وَالْعِظَةِ مَا لَا يَجِدُ مِثْلَهُ مَنْ لَمْ يُؤْتَ بَلَاغَتَهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِبَلَاغَتِهِمْ أَنَّهُمْ قَرَءُوا عِلْمَ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ فَحَفِظُوا فِي أَذْهَانِهِمْ عِلَلًا كَثِيرَةً لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مَقَاصِدُ الْكَلَامِ وَمَغَازِيهِ تَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ الْقُلُوبِ كَمَا يَغُوصُ الْمَاءُ فِي الْإِسْفَنْجِ، فَلَا تَدَّعِ فِيهَا مَكَانًا يَتَعَاصَى عَلَى تَأْثِيرِهَا كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ. هَذَا الِاتِّعَاظُ وَالِاعْتِبَارُ بِوَصَايَا الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فِي الْيَتَامَى قَدْ مَلَكَ نُفُوسَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَهُمْ فِي حَيْرَةٍ وَحَرَجٍ مِنْ أَمْرِ الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِغْلَالِ أَمْوَالِهِمْ; خَوْفًا أَنْ يَنَالَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الظُّلْمِ الْمَذْكُورِ فِي آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ; لِأَنَّ الظُّلْمَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا نَقَصَ مِنَ الْحَقِّ، وَشَاهِدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) (١٨: ٣٣) فَإِذَا اخْتَلَطَ اثْنَانِ فِي النَّفَقَةِ وَأَكَلَ أَحَدُهُمَا مِمَّا اشْتَرَى بِمَالِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ تَكُونُ الزِّيَادَةُ مِنْ مَالِ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ رَاشِدًا فَرِضَاهُ وَلَوْ بِالْعُرْفِ أَوِ الْقَرِينَةِ إِذَنْ يُبِيحُ هَذَا التَّنَاوُلَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْخَلِيطُ يَتِيمًا فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ مَظِنَّةَ الظُّلْمِ أَوْ هِيَ مِنْهُ حَتْمًا; وَلِذَلِكَ تَأَثَّمَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ النِّسَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِتَسَامُحِ النَّاسِ فِي مُؤَاكَلَةِ الْخُلَطَاءِ وَالشُّرَكَاءِ مِنْ غَيْرِ تَدْقِيقٍ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَأْبَى الْقِيَامَ عَلَى الْيَتِيمِ، وَبَعْضُهُمْ يَعْزِلُ الْيَتِيمَ عَنْ عِيَالِهِ فَلَا يُخَالِطُونَهُ فِي شَيْءٍ حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَطْبُخُونَ لَهُ وَحْدَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَطِنُوا إِلَى أَنَّ هَذَا - عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْحَرَجِ عَلَيْهِمْ - لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْيَتِيمِ بَلْ هُوَ مَفْسَدَةٌ لَهُ فِي تَرْبِيَتِهِ وَمَضْيَعَةٌ لِمَالِهِ، وَفِيهِ مِنَ الْقَهْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَا يَخْفَى; فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ كَالْكَلْبِ، أَوِ الدَّاجِنِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْحَيْرَةُ وَاحْتِيجَ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَالتَّوْحِيدِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، بِأَنْ يَعِيشَ الْيَتِيمُ فِي بَيْتِ كَافِلِهِ عَزِيزًا كَرِيمًا كَأَحَدِ عِيَالِهِ، وَيَسْلَمَ الْكَافِلُ مِنْ أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ أَنْ أَنْزَلَ الْوَحْيَ فِي إِزَالَةِ الْحَيْرَةِ وَكَشْفِ الْغُمَّةِ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ: (قُلْ) لِهَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ عَنِ الْقِيَامِ عَلَى الْيَتَامَى وَكَفَالَتِهِمْ، وَعَنِ الْمَصْلَحَةِ فِي عَزْلِهِمْ أَوْ مُخَالَطَتِهِمْ (إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) يَعْنِي أَيَّ إِصْلَاحٍ لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ عَدَمِهِ فَلَا تَتْرُكُوا شَيْئًا مِمَّا تَعْلَمُونَ أَنَّ فِيهِ صَلَاحًا لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مِنْ تَرْبِيَةٍ وَتَهْذِيبٍ، هَذَا مَا أَفَادَهُ تَنْكِيرُ (إِصْلَاحٌ) وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ لِرُؤْيَتِكُمُ الْخَيْرَ لَهُمْ فِي الْمُخَالَطَةِ فِي الْمَعِيشَةِ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا شَأْنُ الْإِخْوَانِ الْمُخَالَطَةُ فِي الْمُعَاشَرَةِ.

стр. 674

وَقَدْ أَزَالَتِ الْكَلِمَةُ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْجَوَابِ الْوَجِيزِ شُبْهَةَ الْمُتَأَثِّمِينَ مِنْ كَفَالَتِهِمْ، وَكَشَفَتِ الْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ شُبْهَةَ الْقُوَّامِ الْمُتَحَرِّجِينَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ، وَمِنْ هَذَا الْجَوَابِ عَرَفْنَا حَقِيقَةَ السُّؤَالِ، وَهَذَا مِنْ ضُرُوبِ الْإِيجَازِ الَّتِي لَمْ تُعْرَفُ إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ. أَمَّا مَعْنَى كَوْنِ الْإِصْلَاحِ لَهُمْ خَيْرًا فَهُوَ أَنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ لِإِصْلَاحِ نُفُوسِهِمْ بِالتَّهْذِيبِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَإِصْلَاحِ أَمْوَالِهِمْ بِالتَّثْمِيرِ وَالتَّنْمِيَةِ، هُوَ خَيْرٌ مِنْ إِهْمَالِ شَأْنِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ تَفْسُدُ أَخْلَاقُهُمْ وَتَضِيعُ حُقُوقُهُمْ، خَيْرٌ لَهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَخَيْرٌ لِلْقُوَّامِ وَالْكَافِلِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ دَرْءِ مَفْسَدَةِ إِهْمَالِهِمْ، وَمِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي صَلَاحِ حَالِهِمْ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْقُدْوَةِ فِي الدُّنْيَا، وَحُسْنِ الْمَثُوبَةِ فِي الْأُخْرَى. قَالَ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ: قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْكَلَامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ فِي صَلَاحِ مَصَالِحِ الْيَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَغَيْرِهَا لِكَيْ يَنْشَأَ عَلَى عِلْمٍ وَأَدَبٍ وَفَضْلٍ; لِأَنَّ هَذَا الصُّنْعَ أَعْظَمُ تَأْثِيرٍ فِيهِ مِنْ إِصْلَاحِ حَالِهِ بِالتِّجَارَةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا إِصْلَاحُ مَالِهِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَةِ التِّجَارَةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) (٤: ٢) . وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّأَثُّمِ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَكْسِبِ، فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَمِنْ شَأْنِ الْإِخْوَةِ أَنْ يَكُونُوا خُلَطَاءَ وَشُرَكَاءَ فِي الْمِلْكِ وَالْمَعَاشِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ نَافِعٌ لَهُمْ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْعَى فِي مَصْلَحَةِ الْجَمِيعِ، وَالْمُخَالَطَةُ مَبْنِيَّةٌ بَيْنَهُمْ عَلَى الْمُسَامَحَةِ لِانْتِفَاءِ مَظِنَّةِ الطَّمَعِ وَتَحَقُّقِ الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُعَامِلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الْإِخْوَةِ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْيَتِيمُ فِي الْبَيْتِ كَالْأَخِ الصَّغِيرِ تُرَاعَى مَصْلَحَتُهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَيُتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ فِي كِفَّتِهِ الرُّجْحَانُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَالَطَةِ الْمُصَاهَرَةُ، وَأُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ عِلَّةٌ لِحِلِّهَا، وَقَدْ أَطَالَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي تَرْجِيحِ هَذَا الْوَجْهِ. وَهَذَا الَّذِي هَدَانَا إِلَيْهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فِي شَأْنِ الْيَتَامَى مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ كَالْإِخْوَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَوْدَعَ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ مِنَ الْحُبِّ وَالْإِخْلَاصِ لِلْأَقْرَبِينَ، وَقَدْ طَرَأَ الْفَسَادُ عَلَى هَذِهِ الرَّابِطَةِ النِّسْبِيَّةِ فِي بِلَادٍ كَثِيرَةٍ بِمَا أَفْسَدَتِ السِّيَاسَةُ فِي الْأُمَّةِ، فَصَارَ الْأَخُ يَطْمَعُ فِي مَالِ أَخِيهِ، وَيَحْفِرُ لَهُ مِنَ الْمَهَاوِي مَا لَعَلَّهُ هُوَ يَقَعُ فِيهِ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَسَدَتْ طِبَاعُهُمْ وَاعْتَلَّتْ خَلَائِقُهُمْ لَا يُوكَلُ إِلَيْهِمُ الرُّجُوعُ إِلَى الْفِطْرَةِ وَتَحْكِيمِهَا فِي مُعَامَلَةِ الْيَتَامَى كَالْإِخْوَةِ; لِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ حَتَّى وَضَعَ لِلضَّمِيرِ وَالْوِجْدَانِ قَاعِدَةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا فِي هَذَا الشَّأْنِ، فَقَالَ: (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أَيْ: إِنَّهُ لَمْ يَكِلْ أَمْرَ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى إِلَى حُكْمِ نَزْعَةِ الْقَرَابَةِ وَعَاطِفَةِ الْأُخُوَّةِ مِنْ قُلُوبِكُمْ إِلَّا وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تُضْمِرُ هَذِهِ الْقُلُوبُ مِنْ قَصْدِ الْإِصْلَاحِ لَهُمْ أَوِ الْإِفْسَادِ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُرَاقِبُوهُ فِي أَعْمَالِكُمْ وَنِيَّاتِكُمْ، وَتَعْلَمُوا أَنْ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى مِثْقَالِ

стр. 675

الذَّرَّةِ مِمَّا تَعْمَلُونَ لَهُمْ. وَالْمُصْلِحُ: هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالْإِصْلَاحِ عَمَلًا، وَالْمُفْسِدُ: هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالْإِفْسَادِ فِعْلًا، وَحَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا ظَاهِرَةٌ لِلْعِيَانِ، وَإِنَّمَا أَيْقَظَ اللهُ تَعَالَى الْقُلُوبَ إِلَى ذِكْرِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِتُلَاحِظَ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَتَتَذَكَّرَ جَزَاءَهُ عَلَيْهِ فَتُرَاقِبَهُ فِيمَا خَفِيَ مِنْهُ، لَعَلَّهَا تَأْمَنُ مِنْ مَزَالِقِ الشَّهْوَةِ، وَتَسْلَمُ مِنْ مَزَالِّ الشُّبْهَةِ; فَإِنَّ شَهْوَةَ الطَّامِعِ تُولِدُ لِصَاحِبِهَا شُبْهَةَ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، كَمَا يَأْكُلُ صَاحِبُهَا مَالَ أَخِيهِ الضَّعِيفِ، وَلَا عَاصِمَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَقْوَاهُ. وَإِلَّا فَإِنَّنَا نَرَى أَكْثَرَ الْأَوْصِيَاءِ عَلَى الْأَيْتَامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ يُظْهِرُونَ لِلْمَلَأِ إِصْلَاحَ أَحْوَالِهِمْ، وَتَثْمِيرَ أَمْوَالِهِمْ، مَعَ الْعِفَّةِ وَالزَّهَادَةِ فِيهَا، وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ يَأْكُلُونَهَا أَكْلًا لَمًّا، حَتَّى إِنَّ وَاحِدَهُمْ يُصْبِحُ غَنِيًّا بَعْدَ فَقْرٍ وَلَا عَمَلَ لَهُ إِلَّا الْقِيَامُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَالْأُجْرَةُ الْمَفْرُوضَةُ لَهُ عَلَى الْوِصَايَةِ لَا غَنَاءَ فِيهَا فَيَكُونُ غَنِيًّا بِهَا. وَكُلُّ مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا عَلَى يَتِيمٍ وَيَسْعَى لِذَلِكَ سَعْيَهُ فَهُوَ مَوْضِعٌ لِلظِّنَّةِ، وَقَلَّمَا يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ يَرْضَى بِمَا يُفْرَضُ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَسَيَأْتِي مَا يَحِلُّ لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَحْرُمُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا مِنَّتَهُ عَلَيْنَا وَرَحْمَتَهُ بِنَا بِمَا أَذِنَ لَنَا مِنْ مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى فَقَالَ: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) أَيْ: أَوْقَعَكُمْ فِي الْعَنَتِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَمَا يَصْعُبُ احْتِمَالُهُ، بِأَنْ يُكَلِّفَكُمُ الْقِيَامَ بِشُئُونِ الْيَتَامَى وَتَرْبِيَتِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَأْذَنُ لَكُمْ بِمُخَالَطَتِهِمْ وَلَا بِأَكْلِ لُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَلَكِنَّهُ لِسِعَةِ رَحْمَتِهِ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٢٢: ٧٨) وَلِذَلِكَ أَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَةَ الْيَتَامَى عَلَى أَنْ تُعَامِلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الْإِخْوَةِ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَقَدْ عَفَا عَمَّا جَرَى الْعُرْفُ عَلَى التَّسَامُحِ فِيهِ لِعَدَمِ اسْتِغْنَاءِ الْخُلَطَاءِ عَنْهُ، وَوَكَلَ ذَلِكَ إِلَى ذِمَّتِكُمْ وَأَمَرَكُمْ بِمُرَاقَبَتِهِ فِيهِ، وَهُوَ الرَّقِيبُ الْمُهَيْمِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِكُمْ وَلَا مِنْ قَصْدِكُمْ وَنِيَّتِكُمْ. (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَلَوْ شَاءَ إِعْنَاتَكُمْ لَعَزَّ عَلَى غَيْرِهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ; إِذْ لَا عِزَّةَ تَعْلُو عِزَّتَهُ، وَلَكِنْ مَضَتْ حِكْمَتُهُ بِأَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُهُ جَامِعَةً لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، جَارِيَةً عَلَى سُنَنِ الْفِطْرَةِ الْمُعْتَدِلَةِ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا. هَكَذَا جَعَلَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ ذِكْرَ (الْعَزِيزِ) فِي هَذَا الْمَقَامِ لِتَقْرِيرِ إِمْكَانِ تَعَلُّقِ الْمَشِيئَةِ بِالْإِعْنَاتِ، وَذِكْرَ (الْحَكِيمِ) لِتَقْرِيرِ التَّفَضُّلِ بِعَدَمِ تَعْلِيقِ الْمَشِيئَةِ بِهِ، وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ تَقْرِيرًا لِعِزَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ تَعَالَى فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ فِي الْآيَتَيْنِ: مَسْأَلَةُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَمَسْأَلَةُ الْإِنْفَاقِ، وَمَسْأَلَةُ الْيَتَامَى، فَإِنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْآيَاتِ مَعْطُوفًا آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ بِمَنْعِ النَّاسِ بَعْضَ الشَّهَوَاتِ، وَبِتَكْلِيفِهِمُ الْإِنْفَاقَ مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَبِتَكْلِيفِهِمْ تَحَرِّي الْإِصْلَاحِ لِلْأَيْتَامِ مَعَ الْإِذْنِ بِمُخَالَطَتِهِمْ، وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَنْ مَنَعَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَكَلَّفَهُمْ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ، وَأَنْ هَدَاهُمْ إِلَى وَجْهِ مَنْفَعَةِ النَّافِعِ وَمَضَرَّةِ الضَّارِّ. الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: النُّكْتَةُ فِي وَصْلِ السُّؤَالِ عَنِ الْيَتَامَى بِالسُّؤَالِ عَنِ الْإِنْفَاقِ وَالسُّؤَالِ

стр. 676

عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَانِكَ السُّؤَالَانِ مَبْنِيَّيْنِ لِحَالِ فَرِيقَيْنِ مِنَ النَّاسِ فِي الْإِنْفَاقِ وَبَذْلِ الْمَالِ - عَلَى مَا تَقَدَّمَ - نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهُمَا السُّؤَالَ عَنْ صِنْفٍ هُوَ مِنْ أَحَقِّ أَصْنَافِ النَّاسِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَبَذْلِ الْمَالِ فِي سَبِيلِ تَرْبِيَتِهِ وَإِصْلَاحِ شَأْنِهِ وَهُوَ صِنْفُ الْيَتَامَى، وَلَيْسَ التَّرْغِيبُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ بِبَعِيدٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، كَأَنَّهُ يُذَكِّرُنَا عِنْدَ الْإِذْنِ بِمُخَالَطَةِ الْيَتَامَى وَالتَّرْغِيبِ فِي الْإِصْلَاحِ لَهُمْ بِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَأَنَّهُمْ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَا نُنْفِقُهُ مِنَ الْعَفْوِ الزَّائِدِ عَنْ حَاجَاتِنَا; فَلَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نَعْكِسَ الْقَضِيَّةَ وَنَطْمَعَ فِي فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ; لِأَنَّهُمْ ضُعَفَاءُ قَاصِرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ دِفَاعًا عَنْ حُقُوقِهِمْ، وَلَا ذَوْدًا عَنْ مَصَالِحِهِمْ، فَجَمَعَ الْأَسْئِلَةَ الثَّلَاثَةَ فِي الْآيَتَيْنِ وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالِالْتِئَامِ. وَتَرَوْنَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ وَجَوَابِهِ كَيْفَ كَانَتْ عِنَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حِفْظِ أَحْكَامِ اللهِ وَاتِّقَاءِ اعْتِدَاءِ حُدُودِهِ، وَكَيْفَ شَدَّدَ اللهُ تَعَالَى الْأَمْرَ فِي شَأْنِ الْيَتَامَى، فَلَمْ يَأْذَنْ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ، وَلَا بِمُخَالَطَتِهِمْ إِلَّا مُخَالَطَةِ أُخُوَّةٍ، وَكَيْفَ وَجَّهَ الْقُلُوبَ مَعَ هَذَا إِلَى مُرَاقَبَتِهِ، وَالتَّذَكُّرِ لِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ، ثُمَّ تَرَوْنَ كَيْفَ اتَّخَذَ النَّاسُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَسِيلَةً لِلتَّلَذُّذِ بِنَغَمَاتِ قَارِئِيهَا، أَوْ لِلتَّعَبُّدِ بِأَلْفَاظِهَا دُونَ الِاهْتِدَاءِ بِمَعَانِيهَا، وَمَنْ أَخَذَتْهُ هِزَّةٌ عِنْدَ سَمَاعِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) فَإِنَّهَا لَا تَلْبَثُ أَنْ تَزُولَ، ثُمَّ هُوَ لَا يَزُولُ عَنْ إِفْسَادِهِ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى رَشَادِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَزَيَّا بِزِيِّ الْمُتَّقِينَ، وَيَظْهَرُ فِي صُورَةِ الصَّالِحِينَ، وَيُكْثِرُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتِّلَاوَةِ، وَحُضُورِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، حَتَّى إِذَا مَا جُعِلَ وَصِيًّا عَلَى يَتِيمٍ لَا تَرَى لِذَلِكَ التَّحَنُّثِ أَثَرًا فِي عَمَلِهِ، وَلَا ذَلِكَ السَّمْتِ حَائِلًا دُونَ زَلَلِهِ، فَهُوَ إِنْ أَصْلَحَ شَيْئًا يُفْسِدُ أَشْيَاءَ، وَلَا يُرَاقِبُ اللهَ وَلَكِنْ يُرَاقِبُ الْحِسْبَةَ وَالْقَضَاءَ; ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ صَارَ تَقَالِيدَ صُورِيَّةً، وَحَرَكَاتٍ بَدَنِيَّةً، لَيْسَ لَهُ مَنْبَعٌ فِي الْقُلُوبِ، وَلَا أَثَرٌ صَالِحٌ فِي الْأَعْمَالِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ وَالْأَبْدَانِ، وَلَا يَعْبَأُ بِالْحَرَكَاتِ وَالْأَقْوَالِ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ صَلَاحِهَا مِنْ خَيْرٍ وَإِصْلَاحٍ. (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) .

стр. 677

الْآيَاتُ فِي سَرْدِ الْأَحْكَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا حَاجَةَ لِرَبْطِ كُلِّ آيَةٍ بِمَا قَبْلَهَا، وَالرَّبْطُ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَالَطَةِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ نِكَاحُ الْيَتَامَى. أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْوَاحِدِيُّ عَنْ مُقَاتِلٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ابْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي ((عَنَاقٍ)) أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ مُشْرِكَةٌ وَكَانَتْ ذَاتَ حَظٍّ مِنْ جَمَالٍ فَنَزَلَتْ. يَعْنِي (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) ذَكَرَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ، ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ) الْآيَةَ. أَخْرَجَ الْوَاحِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ وَأَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهَا فَلَطَمَهَا، ثُمَّ إِنَّهُ فَزِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ وَقَالَ: لَأَعْتِقَنَّهَا وَلَأَتَزَوَّجَنَّهَا. فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ وَقَالُوا: يَنْكِحُ أَمَةً! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ مُنْقَطِعًا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ) إِلَى (أَعْجَبَتْكُمْ) آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ نَزَلَتْ فِي حَادِثَةٍ غَيْرِ الْحَادِثَةِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِهِ خَفِيٌّ فِي نَفْسِهِ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ وَاحِدَةٌ، نَزَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَى بَيَانِ أَحْكَامِهَا، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ حُدُوثِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ. وَفِي رُوحِ الْمَعَانِي مَا نَصُّهُ: رَوَى الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ غِنَى يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ حَلِيفًا لِبَنِي هَاشِمٍ إِلَى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا أَسْرَى، فَلَمَّا قَدِمَهَا سَمِعَتْ بِهِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ، وَكَانَتْ خَلِيلَةً لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَعْرَضَ عَنْهَا فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا مَرْثَدُ أَلَا تَخْلُو؟ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ وَحَرَّمَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتِ تَزَوَّجْتُكِ. فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِذَا رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَبِي تَتَبَرَّمُ؟ ثُمَّ اسْتَعَانَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا وَجِيعًا ثُمَّ خَلُّوا سَبِيلَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ بِمَكَّةَ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَاجِعًا وَأَعْلَمَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ عَنَاقَ وَمَا لَقِيَ بِسَبَبِهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا؟ وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهَا تُعْجِبُنِي فَنَزَلَتْ)) وَتَعْقَّبَ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ فِي نُزُولِ آيَةِ النُّورِ (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) (٢٤: ٣) وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ هَذِهِ ((نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهَا فَلَطَمَهَا ثُمَّ إِنَّهُ فَزِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا هِيَ يَا عَبْدَ اللهِ؟ قَالَ: هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ

стр. 678

تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ هِيَ مُؤْمِنَةٌ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَعْتِقَنَّهَا وَلَأَتَزَوَّجَنَّهَا، فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: نَكَحَ أَمَةً)) وَكَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُنْكِحُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَيَنْكِحُوهُمْ رَغْبَةً فِي أَنْسَابِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ (وَلَا تَنْكِحُوا) الْآيَةَ. انْتَهَى سِيَاقُ الْأَلُوسِيِّ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ سِيَاقِ السُّيُوطِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ; لِأَنَّهُ مُفَصَّلٌ وَذَاكَ مُخْتَصَرٌ اخْتِصَارًا أَوْهَمَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَأَمَةٌ) إِلَخْ. عَلَى أَنَّ السُّيُوطِيَّ قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ: إِنَّ الصَّحَابَةَ يَذْكُرُونَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي كَذَا وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ إِلَّا تَفْسِيرَهَا; أَيْ: إِنَّ مَعْنَاهَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ، وَإِذَا ذَكَرُوا أَسْبَابًا فَقَدْ يَعْنُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَقِبَهَا. وَالْأَلُوسِيُّ يَقُولُ: إِنَّ السُّيُوطِيَّ تَعَقَّبَ الْوَاحِدِيَّ فِي السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِهِ هَذَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا التَّعَقُّبِ، عَلَى أَنَّهُ حَوَى كِتَابَ الْوَاحِدِيِّ وَزِيَادَاتٍ، وَأَمَّا آيَةُ (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) (٢٤: ٣) فَقَدْ ذَكَرَ لَهَا السُّيُوطِيُّ سَبَبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: ((أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمَّ مَهْزُولٍ كَانَتْ تُسَافِحُ)) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَالثَّانِي: ((أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مَزِيدٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَكَّةَ صَدِيقَةً لَهُ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - وَفِي حَدِيثِهِ عَنْهُمَا مَقَالٌ - وَقَدْ رَوَى الْأَوَّلَ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ، وَقَوْلُهُ هُنَا ((مَزِيدٌ)) مُصَحَّفٌ وَالصَّوَابُ مَرْثَدٌ. وَنِكَاحُ الْبَغَايَا كَانَ فَاشِيًا، وَالْمَشْهُورَاتُ مِنْهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَثِيرَاتٌ، وَقَدْ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْجَمِيعِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ مَا رُوِيَ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا الْآنَ مُتَّفِقٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ فِيهَا غَيْرُ الْكِتَابِيَّاتِ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ عَامٌّ يَشْمَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ; لِأَنَّ بَعْضَ مَا هُمْ عَلَيْهِ شِرْكٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ عَقَائِدِهِمْ: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٩: ٣١) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى شِرْكِهِمْ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (٤: ٤٨) وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُشْرِكِينَ لَجَازَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ مُشْرِكَاتُ الْعَرَبِ اللَّاتِي لَا كِتَابَ لَهُنَّ; لِأَنَّ هَذَا هُوَ عُرْفُ الْقُرْآنِ فِي لَقَبِ الْمُشْرِكِ، قَالَ تَعَالَى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) (٢: ١٠٥) الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (٩٨: ١) وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَيَانِ مَنْ يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحَصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (٥: ٥) وَهِيَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ; وَلِذَلِكَ ذَهَبَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكَاتِ شَامِلٌ لِلْكِتَابِيَّاتِ إِلَّا أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ نَسَخَتْ آيَةَ الْبَقَرَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ

стр. 679

وَمِنْهُمُ (الْجَلَالُ) : إِنَّهَا خَصَّصَتْهَا بِغَيْرِ الْكِتَابِيَّاتِ، وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ هِيَ النَّاسِخَةُ لِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا. وَذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إِلَى التَّأْوِيلِ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا أَسْلَمْنَ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْقَيْدِ الْمَحْذُوفِ; وَلِأَنَّ الْمُشْرِكَاتِ إِذَا أَسْلَمْنَ يَحِلُّ نِكَاحُهُنَّ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ؟ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمَجُوسِ فَقِيلَ: يَدْخُلُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَقَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٢٢: ١٧) فَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. وَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ فِي الْجِزْيَةِ وَلَا حَاجَةَ لِلْبَحْثِ فِي ذَلِكَ هُنَا. أَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْآخَرُونَ عَلَى شِرْكِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٩: ٣١) وَقَوْلِهِ: (إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (٤: ٤٨) الْآيَةَ فَقَدْ أَجَابُوهُمْ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: (يُشْرِكُونَ) لَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ حَكَى عَنْهُمْ ذَلِكَ الْفِعْلَ يَشْتَقُّ لَهُمْ مِنْهُ وَصْفًا يَكُونُ عُنْوَانًا لَهُمْ فَيَدْخُلُوا فِي صِنْفِ مَنْ يُسَمِّيهِمُ الْقُرْآنُ بِالْمُشْرِكِينَ " وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا " ; فَإِنَّ الْأَوْصَافَ كَثِيرًا مَا يُرَادُ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ التَّخَاطُبِ صِنْفٌ مَخْصُوصٌ لَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَتَلَبَّسُ بِالْفِعْلِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الْوَصْفُ. مِثَالُ ذَلِكَ لَفْظُ (الْعُلَمَاءِ) يُطْلَقُ الْآنَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يَتَعَلَّمُ عِلْمًا أَوْ عُلُومًا، وَلَوْ تَعَلَّمَ مَا يَتَعَلَّمُونَ وَفَاقَهُمْ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى زِيِّهِمْ وَمُشَارِكًا لَهُمْ فِي مَجْمُوعِ الْمَزَايَا الَّتِي كَانُوا بِهَا صِنْفًا مُسْتَقِلًّا، وَيُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ عَلَى صِنْفٍ آخَرَ، وَأَجَابُوا عَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ مَسُوقٌ لِبَيَانِ فَظَاعَةِ الشِّرْكِ وَالتَّغْلِيظِ فِيهِ وَكَوْنِهِ غَايَةَ الْبُعْدِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، بِحَيْثُ قَضَى بِأَلَّا تَتَعَلَّقَ مَشِيئَتُهُ بِغُفْرَانِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَغْفِرَ كُلَّ ذَنْبٍ سِوَاهُ لَفَعَلَ; إِذْ لَا مَرَدَّ لِمَشِيئَتِهِ، فَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ; إِذْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَيْسَ مُشْرِكًا يَغْفِرُ اللهُ لَهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْتَلْزِمُ مَغْفِرَةَ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ مَعَ قِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ تَبْلُغُهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ فَيَجْحَدُهَا عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا. (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) هَذَا مَعْطُوفُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْإِفْسَادِ، وَمَعْنَاهُ لَا تَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ الْمُشْرِكَاتِ مَا دُمْنَ عَلَى شِرْكِهِنَّ (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) أَيْ: وَاللهِ إِنَّ أَمَةً - أَيْ: مَمْلُوكَةً - مُؤْمِنَةً بِاللهِ

стр. 680

وَرَسُولِهِ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ حُرَّةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمُ الْمُشْرِكَةُ بِجَمَالِهَا وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْلُ الْأَمَةِ أَمَوَةُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقَالُ أَمَتِ الْجَارِيَةُ: صَارَتْ أَمَةً، وَأَمَّيْتُهَا - بِالتَّشْدِيدِ - جَعَلْتُهَا أَمَةً، وَتَأَمَّتْ صَارَتْ أَمَةً (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: لَا تُزَوِّجُوهُمُ الْمُؤْمِنَاتِ (حَتَّى يُؤْمِنُوا) فَيَصِيرُوا أَكْفَاءَ لَهُنَّ (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) أَيْ: وَلَمَمْلُوكٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ حُرٍّ (وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) الْمُشْرِكُ بِنَسَبِهِ أَوْ قُوَّتِهِ أَوْ مَالِهِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَشْرَكُوا وَهُمُ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ غَايَةُ الْخِلَافِ وَالتَّبَايُنِ فِي الِاعْتِقَادِ لَا يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَتَّصِلُوا بِهِمْ بِرَابِطَةِ الصِّهْرِ لَا بِتَزْوِيجِهِمْ وَلَا بِالتَّزَوُّجِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْكِتَابِيَّاتُ فَقَدْ جَاءَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّهُنَّ حِلٌّ لَنَا، وَسَكَتَ هُنَاكَ عَنْ تَزْوِيجِ الْكِتَابِيِّ بِالْمُسْلِمَةِ وَقَالُوا - وَرَضِيَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ -: إِنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ وَأَيَّدَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ فِي الْجَمِيعِ فَجَاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ تَغْلِيظًا لِأَمْرِ الشِّرْكِ وَيُحِلُّ الْكِتَابِيَّاتِ تَأَلُّفَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ; لِيَرَوْا حُسْنَ مُعَامَلَتِنَا وَسُهُولَةَ شَرِيعَتِنَا، وَهَذَا إِنَّمَا يَظْهَرُ بِالتَّزَوُّجِ مِنْهُمْ; لِأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ صَاحِبُ الْوِلَايَةِ وَالسُّلْطَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنَ مُعَامَلَتَهَا كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالْعَدْلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَسِعَةِ الصَّدْرِ فِي مُعَامَلَةِ الْمُخَالِفِينَ، وَأَمَّا تَزْوِيجُهُمْ بِالْمُؤْمِنَاتِ فَلَا تَظْهَرُ مِنْهُ مِثْلُ هَذِهِ الْفَائِدَةِ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَسِيرَةُ الرَّجُلِ وَلَا سِيَّمَا فِي مِلَلٍ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِيهَا مِنَ الْحُقُوقِ مَا أَعْطَاهُنَّ الْإِسْلَامُ - وَأَهْلُ الْكِتَابِ وَسَائِرُ الْمِلَلِ كَذَلِكَ - فَقَدْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ النَّصَّيْنِ فِي السُّورَتَيْنِ، وَإِذَا قَامَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَدِلَّةٌ مِنَ السُّنَّةِ أَوِ الْإِجْمَاعِ أَوْ مِنَ التَّعْلِيلِ الْآتِي لِمَنْعِ مُنَاكَحَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَى تَحْرِيمِ تَزْوِيجِ الْكِتَابِيِّ بِالْمُسْلِمَةِ فَلَهَا حُكْمُهَا لَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ أَوْ نَصِّ الْكِتَابِ، بَلْ عَمَلًا بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِتَنْكِحُوا وَتُنْكِحُوا - بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا - يُشْعِرُ بِأَنَّ الرِّجَالَ هُمُ الَّذِينَ يُزَوِّجُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُزَوِّجُونَ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي يَتَوَلَّوْنَ أَمْرَهُنَّ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِالِاسْتِقْلَالِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْوَلِيِّ; إِذِ الزَّوَاجُ تَجْدِيدُ قَرَابَةٍ وَمَوَدَّةٍ رَحِمِيَّةٍ بَيْنَ أُسْرَتَيْنِ، وَعَشِيرَتَيْنِ لَا يَتِمُّ وَلَا تَحْصُلُ فَائِدَتُهُ إِلَّا بِتَوَلِّي أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ لَهُ مَعَ اشْتِرَاطِ رِضَاهَا وَإِذْنِهَا بِهِ صَرَاحَةً فِي الثَّيِّبِ وَسُكُوتًا إِقْرَارِيًّا فِي الْبِكْرِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْحَيَاءُ. وَقَدْ فَسَّرَ الْجُمْهُورُ الْأَمَةَ وَالْعَبْدَ فِي الْآيَةِ بِالرَّقِيقِ; أَيْ: إِنَّ الْأَمَةَ الْمَمْلُوكَةَ الْمُؤْمِنَةَ خَيْرٌ مِنَ الْحُرَّةِ الْمُشْرِكَةِ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ جِمَالُهَا، وَكَذَلِكَ الْقِنُّ الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنَ الْحُرِّ الْمُشْرِكِ وَإِنْ كَانَ مُعْجِبًا، وَتَعَلَّمْ مِنْهُ خَيْرِيَّةَ الْحُرِّ الْمُؤْمِنِ وَالْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ بِالْأَوْلَى، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الْمُرَادَ أَمَةُ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ; أَيْ: إِنَّ الْمُؤْمِنَةَ وَالْمُؤْمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَبْدُ اللهِ يُطِيعُهُ وَيَخْشَاهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ خَيْرًا مِمَّنْ يُشْرِكُ بِهِ، فَكَانَ فِي التَّعْبِيرِ بِالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ إِشْعَارٌ بِعِلَّةِ الْخَيْرِيَّةِ، بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالزَّوْجِيَّةِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ الْحِسِّيَّةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا تَعَاقُدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي شُئُونِ الْحَيَاةِ وَالِاتِّحَادِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْمَرْأَةِ مَحَلَّ ثِقَةِ الرَّجُلِ يَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهِ

стр. 681

وَوَلَدِهِ وَمَتَاعِهِ، عَالِمًا أَنَّ حِرْصَهَا عَلَى ذَلِكَ كَحِرْصِهِ; لِأَنَّ حَظَّهَا مِنْهُ كَحَظِّهِ، وَمَا كَانَ الْجَمَالُ الَّذِي يَرُوقُ الطَّرْفَ لِيُحَقِّقَ فِي الْمَرْأَةِ هَذَا الْوَصْفَ، وَلَكِنْ قَدْ يَمْنَعُهُ التَّبَايُنُ فِي الِاعْتِقَادِ، الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الرُّكُونُ وَالِاتِّحَادُ، وَالْمُشْرِكَةُ لَيْسَ لَهَا دِينٌ يُحَرِّمُ الْخِيَانَةَ، وَيُوجِبُ عَلَيْهَا الْأَمَانَةَ، وَيَأْمُرُهَا بِالْخَيْرِ، وَيَنْهَاهَا عَنِ الشَّرِّ، فَهِيَ مَوْكُولَةٌ إِلَى طَبِيعَتِهَا، وَمَا تَرَبَّتْ عَلَيْهِ فِي عَشِيرَتِهَا، وَهُوَ خُرَافَاتُ الْوَثَنِيَّةِ وَأَوْهَامُهَا، وَأَمَانِيُّ الشَّيَاطِينِ وَأَحْلَامُهَا، فَقَدْ تَخُونُ زَوْجَهَا، وَتُفْسِدُ عَقِيدَةَ وَلَدِهَا، فَإِنْ ظَلَّ الرَّجُلُ عَلَى إِعْجَابِهِ بِجَمَالِهَا، كَانَ ذَلِكَ عَوْنًا لَهَا عَلَى التَّوَغُّلِ فِي ضَلَالِهَا وَإِضْلَالِهَا، وَإِنْ نَبَا طَرْفُهُ عَنْ حُسْنِ الصُّورَةِ، وَغَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ اسْتِقْبَاحُ تِلْكَ السَّرِيرَةِ فَقَدْ يُنَغِّصُ عَلَيْهِ التَّمَتُّعَ بِالْجَمَالِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الْحَالِ. وَأَمَّا الْكِتَابِيَّةُ فَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ كَبِيرُ مُبَايَنَةٍ; فَإِنَّهَا تُؤْمِنُ بِاللهِ وَتَعْبُدُهُ، وَتُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَبِالْحَيَاةِ الْأُخْرَى وَمَا فِيهَا مِنَ الْجَزَاءِ، وَتَدِينُ بِوُجُوبِ عَمَلِ الْخَيْرِ وَتَحْرِيمِ الشَّرِّ، وَالْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ الْعَظِيمُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْإِيمَانُ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَزَايَاهَا فِي التَّوْحِيدِ، وَالتَّعَبُّدِ وَالتَّهْذِيبِ، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِالنُّبُوَّةِ الْعَامَّةِ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِنُبُوَّةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ إِلَّا الْجَهْلُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَكَوْنُهُ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ وَزِيَادَةٍ اقْتَضَتْهَا حَالُ الزَّمَانِ فِي تَرَقِّيهِ، وَاسْتِعْدَادِهِ لِأَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ، أَوِ الْمُعَانَدَةِ وَالْجُحُودِ فِي الظَّاهِرِ، مَعَ الِاعْتِقَادِ فِي الْبَاطِنِ، وَهَذَا قَلِيلٌ وَالْكَثِيرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَيُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ مُعَاشَرَةِ الرَّجُلِ حَقِّيَّةُ دِينِهِ وَحُسْنُ شَرِيعَتِهِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى سِيرَةِ مَنْ جَاءَ بِهَا وَمَا أَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ فَيَكْمُلُ إِيمَانُهَا، وَيَصِحُّ إِسْلَامُهَا، وَتُؤْتَى أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُحْسِنَاتِ فِي الْحَالَيْنِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ لَا تَظْهَرُ فِي تَزْوِيجِ الْكِتَابِيِّ بِالْمُؤْمِنَةِ، فَإِنَّهُ بِمَا لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَيْهَا، وَبِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّعْفِ فِي بَيَانِ مَا تَعْلَمُ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهَا أَنْ تُقْنِعَهُ بِحَقِّيَّةِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، بَلْ يُخْشَى أَنْ يُزِيغَهَا عَنْ عَقِيدَتِهَا وَيُفْسِدَ مِنْهَا دُونَ أَنْ تُصْلِحَ مِنْهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُفْهَمُ مِنْ تَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنْ مُنَاكَحَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ : (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) أَشَارَ بِأُولَئِكَ إِلَى الْمَذْكُورِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ; أَيْ: مِنْ شَأْنِهِمُ الدَّعْوَةُ إِلَى أَسْبَابِ دُخُولِ النَّارِ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَصِلَةُ الزَّوَاجِ أَقْوَى مُسَاعِدٍ عَلَى تَأْثِيرِ الدَّعْوَةِ; لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَتَسَامَحَ مَعَهَا فِي شُئُونٍ كَثِيرَةٍ، وَكُلُّ تَسَاهُلٍ وَتَسَامُحٍ مَعَ الْمُشْرِكِ أَوِ الْمُشْرِكَةِ مَحْظُورٌ مَحْذُورُ الشَّرِّ بِمَا يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَسْرِيَ شَيْءٌ مِنْ عَقَائِدِ الشِّرْكِ لِلْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ بِضُرُوبِ الشُّبَهِ وَالتَّضْلِيلِ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ، كَقَوْلِهِمْ فِيمَنْ يَتَّخِذُونَهُمْ وُسَطَاءَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَالِقِ: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (١٠: ١٨) وَقَوْلِهِمْ: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) (٣٩: ٣) فَهَذِهِ الشُّبْهَةُ هِيَ الَّتِي فُتِنَ بِهَا أَكْثَرُ الْبَشَرِ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا أَهْلُ شَرِيعَةٍ سَمَاوِيَّةٍ خَالَطُوا الْمُشْرِكِينَ وَعَاشَرُوهُمْ، فَقَدْ دَخَلُوا فِي الشِّرْكِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ; لِأَنَّهُمْ

стр. 682

لَمْ يَتَّخِذُوا مَعْبُودَاتِ الْمُشْرِكِينَ أَنْفُسَهَا شُفَعَاءَ وَوُسَطَاءَ، بَلِ اتَّخَذُوا أَنْبِيَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا تَعْظِيمٌ لَهُمْ لَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ وَجُعِلَ أَصْلَ دِينِهِمْ، وَأَسَاسَ ارْتِقَاءِ أَرْوَاحِهِمْ وَعُقُولِهِمْ، وَقَدِ اغْتَرُّوا بِظَوَاهِرِ الْأَلْفَاظِ، وَجَعَلُوا تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِغَيْرِ اسْمِهِ إِخْرَاجًا لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَهُمْ قَدْ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُسَمُّوا عَمَلَهُمْ عِبَادَةً، بَلْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظًا آخَرَ كَالِاسْتِشْفَاعِ وَالتَّوَسُّلِ، وَاتَّخَذُوا غَيْرَ اللهِ إِلَهًا وَرَبًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ بِذَلِكَ، بَلْ سَمَّوْهُ شَفِيعًا وَوَسِيلَةً، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ اتِّخَاذَهُ إِلَهًا أَوْ رَبًّا هُوَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ، أَوِ اعْتِقَادًا أَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ اسْتِقْلَالًا، وَلَوْ رَجَعُوا إِلَى عَقَائِدِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَنَنَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَوَجَدُوهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) (١٠: ١٨) مَعَ قَوْلِهِ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٤٣: ٨٧) فَإِذَا كَانَتْ مُسَاكَنَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاشَرَتُهُمْ - مَعَ الْكَرَاهَةِ وَالنُّفُورِ - قَدْ أَفْسَدَتْ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ الْأُولَى، فَمَا بَالُكَ بِتَأْثِيرِ اتِّخَاذِهِمْ أَزْوَاجًا، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى كَمَالِ السُّكُونِ إِلَيْهِمْ وَالْمَوَدَّةِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ؟ أَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَعْوَةً إِلَى النَّارِ، وَسَبَبًا لِلشَّقَاءِ وَالْبَوَارِ؟ هَذِهِ دَعْوَةُ الزَّوْجِ الْمُشْرِكِ بِطَبِيعَةِ دِينِهِ (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ دِينُهُ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ الَّذِي يُنْقِذُ الْعُقُولَ مِنْ أَوْهَامِ الْوَثَنِيَّةِ وَمِنْهَا إِعْطَاءُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ شُعْبًا مِنْ خَصَائِصِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَبِإِفْرَادِ اللهِ سُبْحَانَهُ بِالْعِبَادَةِ وَالسُّلْطَةِ الْغَيْبِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْمَغْفِرَةِ مِنْهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ الْمُوَحِّدِ إِذَا أَلَمَّ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ كَسَبَ خَطِيئَةً; لِأَنَّ خَطِيئَتَهُ لَا تُحِيطُ بِرُوحِهِ وَلَا تَرِينَ عَلَى قَلْبِهِ فَتَجْعَلُهُ شِرِّيرًا; لِأَنَّ اللهَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (٧: ٢٠١) فَحَاصِلُ مَعْنَى (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) هُوَ أَنَّ دَعْوَةَ اللهِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، فَهِيَ مُنَاقِضَةٌ لِدَعْوَةِ الْمُشْرِكِينَ وَهِيَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ الْمُوَصِّلِ إِلَى النَّارِ بِسُوءِ اخْتِيَارِ أَصْحَابِهِ لَهُ، فَفِيهِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ أَنَّهُمَا عَلَى غَايَةِ التَّبَايُنِ، وَفِيهِ أَنَّ مَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ هُوَ مِنْ سُوءِ اخْتِيَارِهِمْ وَقُبْحِ تَصَرُّفِهِمْ فِي كَسْبِهِمْ، وَأَنَّ مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ لَمْ يَكُنْ بِوَضْعِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ الدِّينُ الَّذِي هُوَ وَضْعُ اللهِ بَلَّغَهُ عَنْهُ رُسُلُهُ بِإِذْنِهِ، وَهَدَى إِلَيْهِ خَلْقَهُ. وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ وَجْهًا آخَرَ فِي هَذَا؛ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِاسْمِ الْجَلَالَةِ ((اللهُ)) هُوَ مَا يَعْتَقِدُهُ فِيهِ - سُبْحَانَهُ - الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا أَحَدًا صَمَدًا لَا كُفْءَ لَهُ وَلَا مُسَاعِدَ وَلَا وَزِيرَ، وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى نَفْعِهِمْ أَوْ ضُرِّهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ فَاعِلٌ بِإِرَادَتِهِ الْقَدِيمَةِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَوَادِثِ فِيهِمَا وَلَا فِي غَيْرِهِمَا مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى; فَهَذَا الِاعْتِقَادُ

стр. 683

بِاللهِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ; لِأَنَّهُ يَنْبُوعُ الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ النَّافِعَةِ، وَمَصْدَرُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا الْجَنَّةَ عَلَى مَا يُحْسِنُ فِيهِ، وَالْمَغْفِرَةُ عَلَى مَا أَسَاءَ فِيهِ وَمَنَعَهُ إِيمَانُهُ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِرْسَالِ فِيهِ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلًا فِي ذَلِكَ; لِأَنَّهُ مَتَى صَحَّ إِيمَانُهُ صَحَّتْ عَزِيمَتُهُ فِي اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ وَالِاهْتِدَاءِ بِالدِّينِ الْقَوِيمِ، وَهَذَا التَّعْبِيرُ مَأْنُوسٌ بِهِ فِي اللُّغَةِ، يُعَبِّرُ بِالشَّيْءِ عَنِ الْمُصَرِّفِ لَهُ وَالْغَالِبِ عَلَى أَمْرِهِ، عَلَى حَدِّ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ ((وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)) إِلَخْ، وَذَلِكَ أَنَّ اعْتِقَادَهُ يَمْلِكُ شُعُورَهُ وَمَشَاعِرَهُ فَيَكُونُ أَصْلَ كُلِّ عَمَلٍ نَفْسِيٍّ وَبَدَنِيٍّ فِيهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ مُنَاكَحَةِ الْمُشْرِكِينَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ، فَالْكِتَابِيَّةُ تَدْعُو بِسِيرَتِهَا وَعَمَلِهَا وَقَوْلِهَا إِلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ، وَمَا يَتْبَعُهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ دِينِهَا الصَّحِيحِ الْمُتَّفِقِ مَعَ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ إِنْ وَافَقَتْ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ فِيمَا هُوَ إِيمَانٌ صَحِيحٌ كَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْإِيمَانِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فِي الْجُمْلَةِ، فَهِيَ تُخَالِفُهُ بِمَا تَصِفُ بِهِ اللهَ أَوْ تَتَّخِذُ لَهُ مِنَ الْأَبْنَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَذَلِكَ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى النَّارِ، وَقَدْ تَغَلِبُ الْمَرْأَةُ عَلَى أَمْرِ زَوْجِهَا أَوْ وَلَدِهَا فَتَقُودُهُ إِلَى دَعْوَتِهَا، وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشِّيعَةِ إِلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ. وَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ: لَوِ اتَّحَدَتِ الْعِلَّةُ لَمَا صَرَّحَ الْكِتَابُ بِجَوَازِ الزَّوَاجِ بِالْكِتَابِيَّةِ الْمُحَصَنَةِ، وَلَمَا اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخَلَفُهَا عَلَى ذَلِكَ مَا عَدَا هَذِهِ الشِّرْذِمَةَ مِنَ الشِّيعَةِ، وَكَيْفَ يَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ - أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ - وَقَدْ فَرَّقَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بَيْنَهُمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَزَايَا وَالْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي حُكْمٍ كَمَا جَمَعَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢: ٦٢) وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (٣: ٦٤) الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ وَمِثْلِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلُ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (٢: ١٣٦) وَقَوْلِهِ فِيهَا: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) (٢: ١٣٩) وَقَوْلِهِ فِي: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (٢٩: ٤٦) وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْآيَاتِ كَثِيرٌ جِدًّا، وَهِيَ تُصَرِّحُ بِأَنَّ إِلَهَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَاحِدٌ، وَرَبَّهُمْ وَاحِدٌ، وَالَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ; أَيْ: فِي جَوْهَرِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَتَوْحِيدِهِ وَالْبَعْثِ وَالْعَمَلِ

стр. 684

الصَّالِحِ، وَلَكِنَّهَا فِي أَوَاخِرِهَا تُبَيِّنُ مَحَلَّ الدَّعْوَةِ وَالْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّنَا مُسْلِمُونَ مُخِلِصُونَ وَأَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِمُ الِانْحِرَافُ فَاتَّخَذُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَرْبَابًا يُحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ، وَيُشَرِّعُونَ لَهُمْ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخْلِصِينَ وَلَا مُسْلِمِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ; وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ وَالتَّارِيخِ مِنْهُمْ، بَلْ يَقُولُونَ: لَوْلَا الِانْحِرَافُ وَالشَّرَائِعُ الَّتِي زَادُوهَا وَسَمَّوْهَا بِالطُّقُوسِ وَبِأَسْمَاءَ أُخْرَى لَمَا ضَعُفَتْ أَخْلَاقُهُمْ، وَمَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ وَانْحَلَّتْ جَامِعَتُهُمْ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ مَا كَانَ. وَقَدْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنِ اتَّبَعُوا سَنَنَهُمْ مِنَّا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، مَعَ أَنَّ أَصْلَ الدِّينِ عِنْدَنَا قَدْ حُفِظَ بِعِنَايَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُهَا، وَصِرْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَدْعُونَا إِلَى إِقَامَةِ الْأَصْلِ كَمَا دَعَاهُمْ دَاعِي الْإِسْلَامِ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ الْجَمِيعُ مَوْجُودٌ مَحْفُوظٌ كَمَا هُوَ لَا يَنْقُصُ الْجَمِيعَ إِلَّا إِقَامَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي اتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي عَصْرِنَا آلَةَ لَهْوٍ وَسِلْعَةَ تِجَارَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَدْعُونَ إِلَى إِقَامَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ بِهِ وَيُسَمِّي ذَلِكَ اجْتِهَادًا، وَالِاجْتِهَادُ عِنْدَهُمْ مَمْنُوعٌ، فَقَدْ مَنَعُوا الْقُرْآنَ بِشُبْهَةٍ سَخِيفَةٍ وَهِيَ مَنْعُ الْعِلْمِ الِاسْتِدْلَالِيِّ، وَمَنْعُهُ مَنْعٌ لِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَانْصِرَافٌ عَنْ يَنْبُوعِهِ، وَتَفْضِيلُ أَخْذِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعَةِ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ الْمَعْصُومِ، وَتَفْضِيلُ أَخْذِ أَحْكَامِهِ حَتَّى التَّعَبُّدِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ وَمِنْ سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَيَبْقَى مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الْآدَابِ وَالْفَضَائِلِ، وَالْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ، وَالسِّيَاسَةِ الْعُلْيَا وَسُنَنِ الِاجْتِمَاعِ الْمُثْلَى مِمَّا لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِهِمْ، وَقَدِ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِالتَّبَعِ لِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ غَيْرِهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ أَدْنَى حَاجَةٍ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ وَمَعَارِفِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الْخِذْلَانِ! فَإِذَا كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ يُشْبِهُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُخْلِصِينَ الْعَامِلِينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبَيْنَ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ انْحَرَفُوا عَنْ هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا، وَأَخْبَرَنَا أَنَّنَا لَا نَضِلُّ مَا تَمَسَّكْنَا بِهِمَا - كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ - فَكَيْفَ يَكُونُ أَهْلُ الْكِتَابِ كَالْمُشْرِكِينَ فِي حُكْمِ اللهِ تَعَالَى؟ وَالْجُمْلَةُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ الْكِتَابِيَّةُ مِنَ الْبَاطِلِ هُوَ مُخَالِفٌ لِأَصْلِ دِينِهَا، وَقَدْ عَرَضَ لَهَا وَلِقَوْمِهَا بِشُبْهَةٍ ضَعِيفَةٍ يَسْهُلُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَالِمِ بِالْحَقِّ أَنْ يَكْشِفَ لَهَا عَنْ وَجْهِ الْحَقِّ فِي شُبْهَتِهَا وَيُرْجِعَهَا إِلَى الصَّوَابِ، وَيَعْسُرُ عَلَيْهَا هِيَ أَنْ تَنْتَصِرَ بِالشُّبْهَةِ عَلَى الْحُجَّةِ وَتُزِيلَ السُّنَّةَ الْأُولَى بِمَا عَرَضَ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا مَا نَرَاهُ مِنَ التَّبَايُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ الْآنَ فَسَبَبُهُ سِيَاسَةُ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَلَوْ أَقَمْنَا الْكِتَابَ وَأَقَامُوهُ لَتَقَارَبْنَا وَرَجَعْنَا جَمِيعًا إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي أَرْشَدَنَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَرُبَّ مُسْلِمٍ مُقَلِّدٍ يَتَزَوَّجُ بِكِتَابِيَّةٍ عَالِمَةٍ، فَتُفْسِدُ عَلَيْهِ تَقَالِيدَهُ وَلَا عِوَضَ لَهُ عَنْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ هَذَا.

стр. 685

هَذَا مَا كَتَبْتُهُ عِنْدَ طَبْعِ التَّفْسِيرِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ فُتِنَ كَثِيرٌ مِنَ الشُّبَّانِ الْمِصْرِيِّينَ بِنِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ فَتَزَوَّجُوا بِهِنَّ فَأَفْسَدْنَ عَلَيْهِمْ أُمُورَهُمُ الدِّينِيَّةَ وَالْوَطَنِيَّةَ، وَاضْطُرَّ بَعْضُهُمْ إِلَى الطَّلَاقِ، وَغَرِمَ كَثِيرًا مِنَ الْمَالِ، وَمِنْهُمْ رَجُلٌ غَنِيٌّ قَتَلَتْهُ امْرَأَتُهُ الْفَرَنْسِيَّةُ وَجَاءَتْ تُطَالِبُ بِمِيرَاثِهَا مِنْهُ، وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنِ اهْتَدَتْ بِهِ زَوْجَتُهُ وَأَسْلَمَتْ، وَقَدْ سَرَتِ الْعَدْوَى إِلَى الْمُسْلِمَاتِ، فَمِنَ الْغَنِيَّاتِ مِنْهُنَّ مَنْ تَزَوَّجْنَ بِمَنْ عَشِقْنَ مِنْ رِجَالِ الْإِفْرِنْجِ بِدُونِ مُبَالَاةٍ بِالدِّينِ الَّذِي لَا تَعْرِفُ مِنْهُ غَيْرَ اللَّقَبِ الْوِرَاثِيِّ، وَقَدْ عَظُمَتِ الْفِتْنَةُ، وَقَى اللهُ الْبِلَادَ شَرَّهَا، وَلَنْ يَكُونَ إِلَّا بِتَجْدِيدِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَإِصْلَاحِ الْحُكُومَةِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ) أَيْ: يُوَضِّحُ الدَّلَائِلَ عَلَى أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ لِلنَّاسِ، فَلَا يَذْكُرُ لَهُمْ حُكْمًا إِلَّا وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حِكْمَتَهُ وَفَائِدَتَهُ بِمَا يُظْهِرُ لَهُمْ بِهِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالسَّعَادَةَ فِيمَا شَرَعَهُ لَهُمْ (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) يَتَّعِظُونَ فَيَسْتَقِيمُونَ; فَإِنَّ الْحُكْمَ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ فَائِدَتُهُ لِلْعَامِلِ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَمَلَّ الْعَمَلَ بِهِ فَيَتْرُكَهُ وَيَنْسَاهُ، وَإِذَا عَرَفَ عِلَّتَهُ وَدَلِيلَهُ وَانْطِبَاقَهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ مَنْ يَعِيشُ مَعَهُمْ فَأَجْدَرُ بِهِ أَنْ يَحْفَظَهُ وَيُقِيمَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْتَقِيمَ عَلَيْهِ، لَا يُكْتَفَى بِالْعَمَلِ بِصُورَتِهِ وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّ إِلَى الْمُرَادِ مِنْهُ. وَمِنْ هُنَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَإِنَّ مَا يُشَارِكُ الْمَنْصُوصَ فِي الْعِلَّةِ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَلَيْتَنَا عَمِلْنَا بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَلَمْ نَرْجِعْ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالظَّوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ، وَيَا لَيْتَهَا ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِنْ هِيَ إِلَّا ظَوَاهِرُ أَقْوَالِ أَقْوَامٍ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، مِنْهُمُ الْمَعْرُوفُ تَارِيخُهُ وَمِنْهُمُ الْمَجْهُولُ أَمْرُهُ، وَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى، فَاللهُمَّ ذَكِّرْنَا مَا نُسِّينَا، وَاهْدِنَا إِلَى الِاعْتِبَارِ بِكِتَابِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ; لِنَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ. (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

стр. 686

هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي وَرَدَتْ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ، وَهُوَ يَتَّصِلُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّسَاءِ، وَأَمَّا الْأَسْئِلَةُ الَّتِي وَرَدَتْ قَبْلَهَا مَفْصُولَةً فَلَمْ تَكُنْ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ، فَيُعْطَفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَجَاءَتْ عَلَى الْأَصْلِ فِي سَرْدِ التَّعَدُّدِ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ فِي الْمَدِينَةِ حَيْثُ الِاخْتِلَاطُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ، وَهَؤُلَاءِ يُشَدِّدُونَ فِي مَسَائِلِ الْحَيْضِ وَالدَّمِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ مِنَ الْأَسْفَارِ الَّتِي يُسَمُّونَ جُمْلَتَهَا التَّوْرَاةَ، وَمِنْهَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَسَّ الْحَائِضَ فِي أَيَّامِ طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُلَّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ، وَكُلَّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ، وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا إِلَخْ. وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ دَمٌ نَحْوُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا النَّصَارَى فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي أَمْرِ الْمَحِيضِ وَكَانُوا مُخَالِطِينَ لِلْعَرَبِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، وَرُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُسَاكِنُونَ الْحُيَّضَ وَلَا يُؤَاكِلُونَهُنَّ كَفِعْلِ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ، وَمِنْ شَأْنِ النَّاسِ التَّسَاهُلُ فِي أُمُورِ الدِّينِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْحُظُوظِ وَالشَّهَوَاتِ فَلَا يَقِفُونَ عِنْدَ الْحُدُودِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهَا لِمَنْفَعَتِهِمْ وَمَصْلَحَتِهِمْ، فَكَانَ اخْتِلَافُ مَا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُحَرِّكُ النَّفْسَ لِلسُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ الْمَحِيضِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُصْلِحَةِ، فَسَأَلُوا كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي قَرِيبًا فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) أَيْ: عَنْ حُكْمِهِ، وَالْمَحِيضُ هُوَ الْحَيْضُ الْمَعْرُوفُ: وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ عَلَى وَصْفٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ لِوَظِيفَةٍ حَيَوِيَّةٍ صِحِّيَّةٍ تُعِدُّ الرَّحِمَ لِلْحَمْلِ بَعْدَهُ إِذَا حَصَلَ التَّلْقِيحُ الْمَقْصُودُ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ لِبَقَاءِ النَّوْعِ; فَالْمَحِيضُ كَالْحَيْضِ مَصْدَرٌ، كَالْمَجِيءِ وَالْمَبِيتِ، وَيُطْلَقُ عَلَى زَمَانِ الْحَيْضِ وَمَكَانِهِ، وَالْمَرْأَةُ حَائِضٌ بِدُونِ تَاءٍ; لِأَنَّهُ وَصْفٌ خَاصٌّ، وَجَمْعُهُ حُيَّضٌ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (كَرَاكِعٍ وَرُكَّعٍ) وَوَرَدَ: حَائِضَةٌ وَجَمْعُهُ حَائِضَاتٌ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْرِيرِ مَحَلِّ الْمَحِيضِ فَإِنَّمَا يُسْأَلُ الشَّارِعُ عَنِ الْأَحْكَامِ (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) قَدَّمَ الْعِلَّةَ عَلَى الْحُكْمِ وَرَتَّبَهُ عَلَيْهَا لِيُؤْخَذَ بِالْقَبُولِ مِنَ الْمُتَسَاهِلِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَجْرَ عَلَيْهِمْ تَحَكُّمًا، وَيُعْلَمَ أَنَّهُ حُكْمٌ لِلْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّعَبُّدِ كَمَا عَلَيْهِ الْيَهُودُ، وَالْمُرَادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْقُرْبِ النَّهْيُ عَنْ لَازِمِهِ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ وَهُوَ الْوِقَاعُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ تَرْكُ غِشْيَانِ نِسَائِهِمْ زَمَنَ الْمَحِيضِ; لِأَنَّ غِشْيَانَهُنَّ سَبَبٌ لِلْأَذَى وَالضَّرَرِ، وَإِذَا سَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ هَذَا الْأَذَى فَلَا تَكَادُ تَسْلَمُ مِنْهُ الْمَرْأَةُ; لِأَنَّ الْغِشْيَانَ يُزْعِجُ أَعْضَاءَ النَّسْلِ فِيهَا إِلَى مَا لَيْسَتْ مُسْتَعِدَّةً لَهُ وَلَا قَادِرَةً عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِهَا بِوَظِيفَةٍ طَبِيعِيَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ إِفْرَازُ الدَّمِ الْمَعْرُوفِ.

стр. 687

وَقَدْ فَسَّرَ (الْجَلَالُ) الْأَذَى: بِالْقَذَرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ أَخْذَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ الضَّرَرُ مُقَرَّرٌ فِي الطِّبِّ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْعُدُولِ عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحُكْمُ وَسَطًا بَيْنَ إِفْرَاطِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ وَكُلَّ مَنْ يَمَسُّهَا أَوْ يَمَسُّ ثِيَابَهَا أَوْ فِرَاشَهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَتَفْرِيطِ الْمُتَسَاهِلِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ مُلَابَسَتَهَا فِي الْحَيْضِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْأَذَى وَالدَّنَسِ. وَقَدْ أَفَادَتْ عِبَارَةُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَأْكِيدَ الْحُكْمِ إِذْ أَمَرَتْ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي زَمَنِ الْمَحِيضِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ غِشْيَانِهِنَّ فِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَتْ مُدَّةَ هَذَا الِاعْتِزَالِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّأْكِيدِ هِيَ مُقَاوَمَةُ الرَّغْبَةِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي مُلَابَسَةِ النِّسَاءِ وَإِيقَافِهَا دُونَ حَدِّ الْإِيذَاءِ، وَكَانَ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الِاعْتِزَالَ وَتَرْكَ الْقُرْبِ حَقِيقَةً لَا كِنَايَةً، وَأَنَّهُ يَجِبُ الِابْتِعَادُ عَنِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ وَعَدَمُ الْقُرْبِ مِنْهُنَّ بِالْمَرَّةِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إِنَّمَا هُوَ الْوِقَاعُ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. وَفِي حَدِيثِ حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: ((لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ)) أَيْ: مَا فَوْقَ السُّرَّةِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوِقَاعَ، وَكَأَنَّ السَّائِلَ كَانَ كَذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَصِّصٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلِمَا فِي مَعْنَاهُ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ إِلَّا بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِالْمَفْهُومِ وَالْخِلَافُ فِيهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَعْلُومٌ. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ (يَطَّهَّرْنَ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَأَصْلُهُ يَتَطَهَّرْنَ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) الطُّهْرُ فِي قَوْلِهِ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ بِفِعْلِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا التَّطَهُّرُ فَهُوَ مِنْ عَمَلِهِنَّ وَهُوَ يَكُونُ عَقِبَ الطُّهْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْهُ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ غَسْلُ أَثَرِ الدَّمِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: إِنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ يُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا وَلَكِنْ تَتَوَضَّأُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ إِنْ وُجِدَ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَإِلَّا فَالتَّيَمُّمُ. وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ طَهُرَتْ لِأَقَلِّ مِنْ عَشْرٍ فَلَا تَحِلُّ إِلَّا إِذَا اغْتَسَلَتْ وَإِنْ لِعَشْرٍ حَلَّتْ وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَهُوَ تَفْصِيلٌ غَرِيبٌ. وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِنَّ لِرَفْعِ الْحَظْرِ فِي النَّهْيِ عَنْ قُرْبِهِنَّ وَبَيَانِ شَرْطِهِ وَقَيْدِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) الْأَمْرُ التَّكْوِينِيُّ; أَيْ: فَأْتُوهُنَّ مِنَ الْمَأْتَى الَّذِي بَرَأَ اللهُ تَعَالَى الْفِطْرَةَ عَلَى الْمَيْلِ إِلَيْهِ وَمَضَتْ سُنَّتُهُ بِحِفْظِ النَّوْعِ بِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ النَّسْلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ مَا قَضَتْ بِهِ شَرِيعَةُ اللهِ تَعَالَى مِنْ طَلَبِ التَّزَوُّجِ وَتَحْرِيمِ الرَّهْبَانِيَّةِ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ الزَّوَاجَ عَلَى نِيَّةِ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ خَلَقَ

стр. 688

لَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا أَزْوَاجًا لِنَسْكُنَ إِلَيْهَا وَأَرْشَدَنَا إِلَى أَنْ نَدْعُوَهُ بِقَوْلِهِ: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (٢٥: ٧٤) وَلَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا شَرَعَهُ وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَجَعَلَهُ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فَإِتْيَانُ النِّسَاءِ بِالزَّوَاجِ الشَّرْعِيِّ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا النَّسْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، وَتَرْكُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ مُخَالَفَةٌ لِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي خَلِيقَتِهِ، وَسُنَّتِهِ فِي شَرِيعَتِهِ. وَلَمَّا قَالَ ﷺ : ((وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)) قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ)) ؟ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّ السَّائِلِينَ كَانُوا تَوَهَّمُوا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَكُونُ كَالْأَدْيَانِ الْأُخْرَى يَجْعَلُ الْعِبَادَةَ فِي تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَمُخَالَفَةِ الْفِطْرَةِ; كَلَّا، إِنَّهُ دِينُ الْفِطْرَةِ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى إِقَامَتِهَا مَعَ الْقَصْدِ وَعَدَمِ الْبَغْيِ فِيهَا. (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) الَّذِينَ إِذَا خَالَفُوا سُنَّةَ الْفِطْرَةِ بِغَلَبَةِ سُلْطَانِ الشَّهْوَةِ فَأَتَوْا نِسَاءَهُمْ فِي زَمَنِ الْمَحِيضِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ، يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ تَائِبِينَ وَلَا يُصِرُّونَ عَلَى فِعْلِهِمُ السَّيِّئِ (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَقْذَارِ، وَمِنْ إِتْيَانِ الْمُنْكَرِ، بَلْ هَؤُلَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي الدَّنَسِ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) بَيَّنَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ حُكْمَ الْمَحِيضِ، وَأَحَلَّ غِشْيَانَ النِّسَاءِ بَعْدَهُ، وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حِكْمَةَ هَذَا الْغِشْيَانِ الَّتِي شَرَعَ الزَّوَاجَ لِأَجْلِهَا، وَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ وَهِيَ الِاسْتِنْتَاجُ وَالِاسْتِيلَادُ; لِأَنَّ الْحَرْثَ هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي تَسْتَنْبِتُ، وَالِاسْتِيلَادُ كَالِاسْتِنْبَاتِ، وَهَذَا التَّعْبِيرُ عَلَى لُطْفِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَحَسُنِ اسْتِعَارَتِهْ تَصْرِيحٌ بِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) أَوْ بَيَانٌ لَهُ، فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِتْيَانِ النِّسَاءِ الْأَمْرَ التَّكْوِينِيَّ بِمَا أَوْدَعَ فِي فِطْرَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الْآخَرِ، وَالْأَمْرُ التَّشْرِيعِيُّ بِمَا جَعَلَ الزَّوَاجَ مِنْ أَمْرِ وَأَسْبَابِ الْمَثُوبَةِ وَالْقُرْبَةِ إِلَّا لِأَجْلِ حِفْظِ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ بِالِاسْتِيلَادِ، كَمَا يُحْفَظُ النَّبَاتُ بِالْحَرْثِ وَالزَّرْعِ، فَلَا تَجْعَلُوا اسْتِلْذَاذَ الْمُبَاشَرَةِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ فَتَأْتُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ حَيْثُ لَا اسْتِعْدَادَ لِقَبُولِ زِرَاعَةِ الْوَلَدِ وَعَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ إِتْيَانِهِنَّ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ مَعْنَى الْحَرْثِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّى شِئْتُمْ) مَعْنَاهُ كَيْفَ شِئْتُمْ وَ (أَنَّى) تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا بِمَعْنَى ((كَيْفَ)) وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى ((أَيْنَ)) قَلِيلًا، وَلَا يَظْهَرُ هُنَا; لِأَنَّ الْحَرْثَ لَهُ مَكَانٌ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّاهُ، وَالْأَمْرُ مُقَيَّدٌ بِهِ; وَلِذَلِكَ أَعَادَ ذِكْرَ الْحَرْثِ مُظْهَرًا وَلَمْ يَقُلْ ((فَأْتُوهُنَّ أَنَّى شِئْتُمْ)) فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتُمْ مَا دُمْتُمْ تَقْصِدُونَ بِهَا الْحَرْثَ فِي مَوْضِعِهِ الطَّبِيعِيِّ; لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَقْصِدُ إِلَى إِعْنَاتِكُمْ وَمَنْعِكُمْ مِنْ لَذَّاتِكُمْ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُوقِفَكُمْ عِنْدَ حُدُودِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ; كَيْلَا تَضَعُوا الْأَشْيَاءَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فَتَفُوتَ الْمَنْفَعَةُ وَتَحُلَّ مَحَلَّهَا الْمَفْسَدَةُ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي ظَهَرَ بِهِ أَنَّ الْآيَةَ مُتَمِّمَةٌ لِمَعْنَى مَا قَبْلَهَا يُغْنِينَا فِي فَهْمِهَا عَمَّا رُوِيَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ.

стр. 689

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ (أَنَّى) فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْمَكَانِ لَا بِمَعْنَى الْكَيْفِيَّةِ وَالصِّفَةِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي إِبَاحَةِ الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ الْمُزْدَرِعِ وَالْحَرْثِ فَمَعْنَاهَا فِي أَيِّ النَّافِذَتَيْنِ شِئْتُمْ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ جُنُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالرِّوَايَةِ، هُوَ الَّذِي حَمَلَ بَعْضَهُمْ عَلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَتَبَرَّأُ مِنْهُ عِبَارَتُهَا الْعَالِيَةُ، وَنَزَاهَتُهَا السَّامِيَةُ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى ذَوْقِ التَّعْبِيرِ وَمُرَاعَاةِ الْأَدَبِ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَمَا رَأَوْا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَقَدْ فَاتَهُمْ فَهْمُ حُكْمِهَا، كَمَا فَاتَهُمْ حِكْمَتُهَا وَنَزَاهَتُهَا وَأَدَبُهَا، وَأَقُولُ: إِنَّ مَا اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ (أَنَّى شِئْتُمْ) هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ لَفْظِ الْآيَةِ لَا يَشْتَبِهُ فِيهِ مَنْ لَهُ ذَوْقُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالرِّوَايَاتُ مُتَعَارِضَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَأَهْلِ السُّنَنِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا حَظْرُ الْيَهُودِ إِتْيَانَ الْحَرْثِ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ الْمَعْهُودَةِ عِنْدَهُمْ، وَزَعْمِهِمْ أَنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ أَحْوَلَ إِذَا كَانَ الْعَلُوقُ بِالْوِقَاعِ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَتُكَذِّبُهُمُ التَّجَارُبُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ عَنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَئِنْ صَحَّ سَنَدًا فَهُوَ لَنْ يَصِحَّ مَتْنًا، وَلَا نَخْرُجُ عَنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ وَمَحَجَّتِهِ الْبَيْضَاءِ لِرِوَايَةِ أَفْرَادٍ قِيلَ إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ مَا يَجْرَحُ رِوَايَتَهُمْ. وَيُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الْمُخْتَارَ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ: (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) إِلَخْ. فَهَذِهِ أَوَامِرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَا شَيْئًا يُرَغَّبُ فِيهِ وَشَيْئًا يُرَغَّبُ عَنْهُ وَيُحَذَّرُ مِنْهُ، أَمَّا مَا يُرَغَّبُ فِيهِ فَهُوَ مَا يُقَدَّمُ لِلنَّفْسِ وَهُوَ مَا يَنْفَعُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا أَنْفَعَ لِلْإِنْسَانِ فِي مُسْتَقْبَلِهِ مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ، فَهُوَ يَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي دِينِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوَالِدَ سَبَبُ وُجُودِهِ وَصَلَاحِهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْوَلَدَ الصَّالِحَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ الَّذِي يَنْفَعُهُ دُعَاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ صَالِحًا إِلَّا إِذَا أَحْسَنَ وَالِدَاهُ تَرْبِيَتَهُ، فَالْأَمْرُ بِالتَّقْدِيمِ لِلنَّفْسِ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الْوَدُودِ الْوَلُودِ الَّتِي تُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى تَرْبِيَةِ وَلَدِهِ بِحُسْنِ خُلُقِهَا وَعَمَلِهَا، كَمَا يَخْتَارُ الزِّرَاعَةَ فِي الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يُرْجَى نَمَاءُ النَّبَاتِ فِيهَا وَإِيتَاؤُهُ الْغَلَّةَ الْجَيِّدَةَ، وَيَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِحُسْنِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَتَهْذِيبِهِ، وَأَمَّا مَا يُحَذَّرُ مِنْهُ وَيُتَّقَى اللهُ فِيهِ فَهُوَ إِخْرَاجُ النِّسَاءِ عَنْ كَوْنِهِنَّ حَرْثًا بِإِضَاعَةِ مَادَّةِ النَّسْلِ فِي الْمَحِيضِ أَوْ بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَرْثِ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ الْفَاسِدَةِ التَّرْبِيَةِ، وَإِهْمَالُ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ; فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى وَرَدَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَرْثِ وَالْأَمْرِ بِالتَّقْدِيمِ لِأَنْفُسِنَا، فَوَجَبَ تَفْسِيرُ التَّقْوَى بِتَجَنُّبِ مُخَالَفَةِ هَذَا الْهَدْيِ الْإِلَهِيِّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ) إِنْذَارٌ لِلَّذِينِ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ بِأَنَّهُمْ يُلَاقُونَ جَزَاءَ مُخَالَفَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا يُلَاقُونَهَا فِي الدُّنْيَا بِفَقْدِ مَنَافِعِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ، وَتَجَرُّعِ مَرَارَةِ عَاقِبَةِ الْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ، ثُمَّ قَرَنَ إِنْذَارَ الْعَاصِينَ بِتَبْشِيرِ الْمُطِيعِينَ فَقَالَ: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

стр. 690

الَّذِينَ يَقِفُونَ عِنْدَ الْحُدُودِ وَيَتَّبِعُونَ هُدَى اللهِ تَعَالَى فِي أَمْرِ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَدْ حَذَفَ مَا بِهِ الْبِشَارَةُ; لِيُفِيدَ أَنَّهُ عَامٌّ يَشْمَلُ مَنَافِعَ الدُّنْيَا وَنَعِيمَ الْآخِرَةِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ فِكْرِ الْعَاقِلِ أَنَّ مَنْ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ وَلَا يَخْرُجُ فِي شَأْنِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ وَالشَّرِيعَةِ فِي ابْتِغَاءِ الْوَلَدِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُحْسِنُ تَرْبِيَةَ مَا يَرْزُقُهُ اللهُ مِنْ وَلَدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا قَرِيرَ الْعَيْنِ بِحُسْنِ حَالِهِ وَحَالِ أَهْلِهِ وَسَعَادَةِ بَيْتِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ تَطْغَى بِهِمْ شَهَوَاتُهُمْ فَتُخْرِجُهُمْ عَنِ الْحُدُودِ وَالسُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ وَالشَّقَاءِ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَشْقَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا، وَإِنَّمَا سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ فِي تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ، وَالْأَخْلَاقِ الْمُعْتَدِلَةِ، وَتِلْكَ هِيَ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُؤْمِنِينَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعَمَلَ وَالِامْتِثَالَ وَالْإِذْعَانَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّ فَائِدَةَ الْإِيمَانِ بِثَمَرَاتِهِ هَذِهِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ بِتَمَامِ أَرْكَانِهِ وَهِيَ الِاعْتِقَادُ وَالْقَوْلُ وَالْفِعْلُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الدَّامِغَةِ لِلَّذِينِ يَفْصِلُونَ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ وَالْأَعْمَالِ اللَّازِمَةِ لَهُ. وَإِنَّنَا نُعِيدُ التَّنْبِيهَ لِلِاقْتِدَاءِ بِنَزَاهَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَحْيَا مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَا بِالْكِنَايَاتِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا الْمُرَادُ وَلَا تَسْتَحِي مِنْ تِلَاوَتِهَا الْعَذْرَاءُ فِي خِدْرِهَا، فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ فَهُوَ كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ كَقَوْلِهِ: (وَلَا تَقْرُبُوهُنَّ) وَتَشْبِيهُ النِّسَاءِ بِالْحَرْثِ لَا يَخْفَى حُسْنُهُ، فَأَيْنَ هَذِهِ النَّزَاهَةُ مِمَّا تَرَاهُ لِبَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِهَا وَتَفْسِيرِ أَمْثَالِهَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ بِنَزَاهَتِهَا كَإِعْجَازِهَا بِبَلَاغَتِهَا، وَمِمَّا تَرَاهُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الدِّينِ الْأُخْرَى مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُسْتَهْجَنَةِ الَّتِي قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي بَيَانِ الْمُرَادِ مِنْهَا؟ ! (وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) هَذِهِ الْآيَاتُ فِي أَحْكَامِ الْأَيْمَانِ، وَهِيَ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ وَالثَّانِي هُوَ حَلِفُ الرَّجُلِ أَلَّا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ وَخُصَّ بِاسْمِ الْإِيلَاءِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ كَمَا سَيَأْتِي، فَبَيْنَ الْآيَاتِ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا تَنَاسُبٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

стр. 691

(وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ) الْعُرْضَةُ - بِالضَّمِّ كَالْغُرْفَةِ - لَهَا مَعَانٍ أَظْهَرُهَا هُنَا اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْمَانِعِ الْمُعْتَرِضِ دُونَ الشَّيْءِ; أَيْ: لَا تَجْعَلُوا اللهَ تَعَالَى مَانِعًا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَمَلٍ؛ بِأَنْ تَحْلِفُوا بِهِ عَلَى تَرْكِهِ فَتَتْرُكُوهُ تَعْظِيمًا لِاسْمِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَهُوَ حَلِفُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَلَى تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَى (مِسْطَحٍ) بَعْدَ أَنْ خَاضَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَفِيهِ نَزَلَ: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى) (٢٤: ٢٢) الْآيَةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ)) وَقَوْلُهُ ﷺ : ((وَاللهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي)) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ جَرِيرٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَبِرُّهُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهَا وَيَرْجِعَ عَنْ يَمِينِهِ)) وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ أُخْرَى، ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسْرِعُ إِلَى لِسَانِهِ الْحَلِفُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَقَدْ يَكُونُ خَيْرًا، وَلَيَفْعَلَنَّ كَذَا وَقَدْ يَكُونُ شَرًّا، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى بِأَنْ يَكُونَ اسْمُهُ حِجَابًا دُونَ الْخَيْرِ، أَوْ مِحْضَاءً لِلشَّرِّ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِوُجُوبِ تَحَرِّي الْخَيْرِ وَالْأَحْسَنِ وَإِنْ حَلِفَ عَلَى غَيْرِهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ بِمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي لِلْعُرْضَةِ مَا يَعْرِضُ لِلشَّيْءِ أَنَّ مَا يُنْصَبُ لِيَعْرِضَ لَهُ الشَّيْءُ كَالْهَدَفِ لِلسِّهَامِ، يُقَالُ: فُلَانٌ عُرْضَةٌ لِلنَّاسِ إِذَا كَانُوا يَقَعُونَ فِيهِ وَيَعْرِضُونَ لَهُ بِالْمَكْرُوهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنْ تَتْرُكُوا رَهْطَ الْفَدَوْكَسِ عُصْبَةً ... يَتَامَى أَيَامَى عُرْضَةً لِلْقَبَائِلِ وَيُقَالُ: جَعَلْتُهُ عُرْضَةً لِكَذَا; أَيْ: نَصَبْتُهُ لَهُ فَكَانَ مَعْرُوضًا وَمُعَرَّضًا لَهُ، يَكْثُرُ وُرُودُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: طَلَّقْتُهُنَّ وَمَا الطَّلَاقُ بِسُبَّةٍ ... إِنَّ النِّسَاءَ لَعُرْضَةُ التَّطْلِيقِ وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تُكْثِرُوا الْحَلِفَ بِاللهِ تَعَالَى، فَالَّذِي يَجْعَلُ اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِهِ هُوَ كَالْحَلَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) (٦٨: ١٠) فَكَثِيرُ الْحَلِفِ حَلِيفُ الْمَهَانَةِ وَقَرِينُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ صِفَاتٍ أُخْرَى ذَمِيمَةً نَهَى عَنْ أَهْلِهَا وَبَدَأَهَا بِالْخِلَافِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) (٦٨: ١١ - ١٣) فَالْحَلَّافُ يُعَدُّ فِي مُقَدِّمَةِ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارِ، وَمَنْ أَكْثَرَ الْحَلِفَ قَلَّتْ مَهَابَتُهُ وَكَثُرَ حِنْثُهُ وَاتُّهِمَ بِالْكَذِبِ، وَلَا يَكُونُ الْحَلَّافُ إِلَّا كَذَّابًا، فَهُوَ عَلَى إِهَانَتِهِ لِاسْمِ اللهِ تَعَالَى يَفُوتُهُ مَا يُرِيدُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وَتَصْدِيقِهِ، فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُرْشِدُنَا إِلَى تَرْكِ الْحَلِفِ بِاللهِ

стр. 692

تَعَالَى إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ مِنَ الَّذِي سَبَقَهُ، وَالْعُرْضَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِقِلَّةِ الْحَلِفِ وَحِفْظِ الْأَيْمَانِ، قَالَ الشَّاعِرُ: قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بُرَّتِ الْأَلَايَا: جَمْعُ أَلِيَّةٍ وَهِيَ الْيَمِينُ كَقَضِيَّةِ وَقَضَايَا، وَإِنَّكَ لَتَجِدُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لَا يَحْفَظُونَ مِنْ أَيْمَانِهِمْ مَا كَانَ يَحْفَظُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَيْنَ هُمْ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: مَا حَلَفْتُ بِاللهِ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا؟ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مِنْ مَذَامِّ كَثْرَةِ الْحَلِفِ أَنَّهُ يُقَلِّلُ ثِقَةَ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ، وَثِقَةَ النَّاسِ بِهِ، فَهُوَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فَيَحْلِفُ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْمَهِينِ، وَكَثِيرًا مَا يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْخَطَأِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا قَلِيلَ الْخَشْيَةِ وَالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَهُمُّهُ إِلَّا أَنْ يَرْضَى النَّاسُ وَيَكُونُ مَوْثُوقًا بِهِ عِنْدَهُمْ، فَتَعْرِيضُ اسْمِ اللهِ تَعَالَى لِلْحَلِفِ بِدُونِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ يَنْشَأُ عَنْ فَقْدِ هَيْبَةِ اللهِ وَإِجْلَالِهِ مِنَ النَّفْسِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَعَلَّمُونَ كَثْرَةَ الْحَلِفِ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمِنَ الْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَتَرَبَّوْنَ مَعَهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ. فَيَتَعَوَّدُونَ عَدَمَ احْتِرَامِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى: وَقَدْ نَجِدُ هَذَا الْحَلِفَ فَاشِيًا حَتَّى فِي الْمُشْتَغِلِينَ بِعِلْمِ الدِّينِ، ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَ الدِّينِ أَصْبَحَ صَنَاعَةً لَفْظِيَّةً لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْقُلُوبِ وَلَا فِي الْأَعْمَالِ، وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُهُمْ حَدِيثًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَيَكْذِبُ فِيهِ بِمَا يَزِيدُ فِيهِ وَيَنْقُصُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَيَانٌ لِلْأَيْمَانِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ; أَيْ: لَا تَجْعَلُوهُ مَانِعًا لِمَا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى تَرْكِ الْبِرِّ أَوِ التَّقْوَى أَوِ الْإِصْلَاحِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلِ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحَ، فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مَانِعًا مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَهُوَ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ; أَيْ: لَا تَجْعَلُوهُ تَعَالَى مُعَرَّضًا لِأَيْمَانِكُمْ لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ، فَإِنَّ كَثِيرَ الْحَلِفِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ يَكُونُ مَهِينًا، غَيْرَ مُعَظِّمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعُرْضَةً لِلْكَذِبِ وَالْحِنْثِ، وَغَيْرَ مَوْثُوقٍ بِقَوْلِهِ، فَأَنَّى يَرْضَاهُ النَّاسُ مُصْلِحًا بَيْنَهُمْ؟ وَالْمُصْلِحُ مُرَبٍّ وَمُؤَدِّبٌ وَحَاكِمٌ مُطَاعٌ بِالِاخْتِيَارِ. ثُمَّ قَالَ: (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أَيْ: سَمِيعٌ لِمَا تَلْفِظُونَ بِهِ مِنَ الْحَلِفِ وَغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَثْرَةِ الْحَلِفِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُرَاقِبُوهُ وَتَتَذَكَّرُوا عِنْدَ دَاعِيَةِ كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ أَنَّهُ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِكُمْ عَلِيمٌ بِأَفْعَالِكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَقِفُونَ عِنْدَ حُدُودِ هِدَايَتِهِ لَكُمْ فَتَكُونُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ. هَذَا الْخَتْمُ لِلْآيَةِ يَتَضَمَّنُ الْوَعِيدَ عَلَى كَثْرَةِ الْحَلِفِ، فَإِذَا دَخَلَ فِيهِ مَا يَجْرِي فِي الْكَلَامِ

стр. 693

مِنْ قَصْدٍ وَرَوِيَّةٍ كَقَوْلِ الْإِنْسَانِ: أَيْ وَاللهِ، لَا وَاللهِ: وَعُدَّ هَذَا مِمَّا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ وَيَجْرِي فِيهِ الْحُكْمُ السَّابِقُ كَانَ الْحَرَجُ عَظِيمًا، وَقَدْ رَفَعَ اللهُ هَذَا الْحَرَجَ بِقَوْلِهِ: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) فَاللَّغْوُ: أَنْ يَقَعَ الْكَلَامُ حَشْوًا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ مَعْنَاهُ، فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَسْبِقُ إِلَى اللِّسَانِ عَادَةً وَلَا يُقْصَدُ بِهَا عَقْدُ الْيَمِينِ لَغْوٌ مِنَ الْقَوْلِ لَا تُعَدُّ أَيْمَانًا حَقِيقِيَّةً، فَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَا بِفَرْضِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا وَلَا بِالْعِقَابِ (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) بِأَنْ تَقْصِدُوا جَعْلَ اسْمِهِ الْكَرِيمِ عُرْضَةً لِلِابْتِذَالِ، أَوْ مَانِعًا لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، فَالْقَوْلُ الْحَشْوُ الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْقَلْبِ، وَلَا شَأْنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ، مِمَّا يَعْفُو عَنْهُ، وَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهِ (وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) يَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا يُلِمُّ بِهِ مِمَّا لَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَهُ وَأَعْمَالَهُ، وَلَا يَتَعَجَّلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى هَذَا اللَّمَمِ الَّذِي يَضْعُفُ الْعَبْدُ عَنِ التَّوَقِّي مِنْهُ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُكَلِّفْ عِبَادَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَمْ تَقْصِدْهُ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ تَتَعَمَّدْهُ نُفُوسُهُمْ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ سُلْطَةِ الِاخْتِيَارِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِلَغْوِ الْيَمِينِ غَيْرَ هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَبَادَرِ وَوَضَعُوا لِذَلِكَ أَحْكَامًا ذَكَرَهَا الْمُفَسِّرُونَ وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، وَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الْمُتَبَادَرُ الْمَأْثُورُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ. بَعْدَ بَيَانِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي الْأَيْمَانِ الْعَامَّةِ انْتَقَلَ إِلَى حُكْمِ الْيَمِينِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ: (لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) إِلَخْ، فَالْإِيلَاء مِنَ الْمَرْأَةِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنَّهُ لَا يَقْرَبَهَا، وَهُوَ مِمَّا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ عِنْدَ الْمُغَاضَبَةِ وَالْغَيْظِ، وَفِيهِ امْتِهَانٌ لِلْمَرْأَةِ وَهَضْمٌ لِحَقِّهَا وَإِظْهَارٌ لِعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، فَتَرْكُ الْمُقَارَبَةِ الْخَاصَّةِ الْمَعْلُومَةِ ضِرَارًا مَعْصِيَةٌ، وَالْحَلِفُ عَلَيْهِ حَلِفٌ عَلَى مَا لَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّوَادِّ وَالتَّرَاحُمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِي عِيَالِهِمَا وَأَقَارِبِهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْإِيلَاءِ ((الْحَلِفِ)) يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدْنَاهُمَا، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْلِي أَنْ يَحْنَثَ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَذَا الْوَاجِبَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا فِي نَفْسِهِ فَقَطْ، فَيُقَالُ: حَسْبُهُ مَا يَلْقَى مِنْ جَزَاءِ إِثْمِهِ، بَلْ يَكُونُ بِإِثْمِهِ هَاضِمًا لِحَقِّ امْرَأَتِهِ، وَلَا يُبِيحُ لَهُ الْعَدْلُ هَذَا الْهَضْمَ وَالظُّلْمَ، وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمَ، وَهُوَ التَّرَبُّصُ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ هِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي لَا يَشُقُّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْبُعْدُ فِيهَا عَنِ الرَّجُلِ، وَهِيَ كَافِيَةٌ لِتَرَوِّي الرَّجُلِ فِي أَمْرِهِ وَرُجُوعِهِ إِلَى رُشْدِهِ (فَإِنْ فَاءُوا) أَيْ: رَجَعُوا إِلَى نِسَائِهِمْ بِأَنْ حَنِثُوا فِي الْيَمِينِ وَقَارَبُوهُنَّ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوْ آخِرِهَا (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يَغْفِرُ لَهُمْ مَا سَلَفَ بِرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ تَوْبَةٌ فِي حَقِّهِمْ (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ) أَيْ: صَمَّمُوا قَصْدَهُ وَعَزَمُوا عَلَى أَلَّا يَعُودُوا إِلَى مُلَامَسَةِ نِسَائِهِمْ (فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أَيْ: فَلْيُرَاقِبُوا اللهَ تَعَالَى عَالِمَيْنِ أَنَّهُ سَمِيعٌ لِإِيلَائِهِمْ وَطَلَاقِهِمْ عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ بِهِ إِيذَاءَ

стр. 694

النِّسَاءِ وَمُضَارَّتَهُنَّ فَهُوَ يَتَوَلَّى عِقَابَهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ بِأَنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْإِيلَاءِ تَرْبِيَةَ النِّسَاءِ لِأَجْلِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ، وَعَلَى الطَّلَاقِ الْيَأْسَ مِنْ إِمْكَانِ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، فَهُوَ يَغْفِرُ لَهُمْ. وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ غِشْيَانِ امْرَأَتِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَبَّصَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ; فَإِنْ تَابَ وَعَادَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِثْمٌ، وَإِنْ أَتَمَّهَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: الْفَيْئَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ أَوِ الطَّلَاقُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاقِبَ اللهَ تَعَالَى فِيمَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ هُوَ بِالْقَوْلِ كَانَ مُطَلِّقًا بِالْفِعْلِ; أَيْ: أَنَّهَا تُطَلَّقُ مِنْهُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ رَغْمَ أَنْفِهِ مَنْعًا لِلضِّرَارِ، وَقِيلَ تَرْفَعُ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ، وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ فِي هَذَا، وَلَكِنْ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَقَائِهَا عَلَى عِصْمَتِهِ وَعَدَمِ إِبَاحَةِ مُضَارَّتِهَا، وَقَدْ فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى الْفَيْئَةَ عَلَى الطَّلَاقِ إِذْ جَعَلَ جَزَاءَ الْفَيْئَةِ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَهَدَى إِلَى مُرَاقَبَتِهِ فِي الْعَزْمِ عَلَى الطَّلَاقِ، وَذَكَرَ الْمُؤْلِيَ بِسَمْعِهِ تَعَالَى لِمَا يَقُولُ وَعِلْمِهِ بِمَا يُسِرُّهُ فِي نَفْسِهِ وَيَقْصِدُهُ مِنْ عَمَلِهِ. هَذَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنَ الْمَرْأَةِ إِذَا أَطْلَقَهُ الزَّوْجُ فَلَمْ يَذْكُرْ زَمَنًا، أَوْ قَالَ: لَا أَقْرَبُكِ مُدَّةَ كَذَا وَذَكَرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ ذَكَرَ مُدَّةً دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِذَا أَتَمَّهَا وَفِي الْأَرْبَعَةِ خِلَافٌ، وَقَدْ عَدَّى الْإِيلَاءَ هُنَا بِـ (مِنْ) لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُفَارَقَةِ وَالِانْفِصَالِ، وَهُوَ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْإِيجَازِ بِمَكَانٍ، وَيُقَالُ فِي غَيْرِهِ أَلَى وَآلَى وَائْتَلَى أَنْ يَفْعَلَ كَذَا; أَيْ: حَلَفَ، وَصَارَ الْإِيلَاءُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْحَلِفِ الْمَذْكُورِ. (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) لَمَّا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ لِلْمُؤْلِينَ مِنْ نِسَائِهِمْ حَالَيْنِ: الْفَيْئَةُ بِالرُّجُوعِ إِلَى مُعَاشَرَتِهِنَّ، وَعَزْمُ الطَّلَاقِ وَإِمْضَاؤُهُ، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مُتَمِّمًا لَهُ فَقَالَ: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) إِلَخْ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ - الْمُرَادُ بِالْمُطَلَّقَاتِ الْأَزْوَاجُ اللَّوَاتِي تَحَقَّقَ فِيهِنَّ

стр. 695

مَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ وَعُهِدْنَ أَنْ يَكُنَّ مُطَلَّقَاتٍ، وَأَنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَهُنَّ الْحَرَائِرُ ذَوَاتُ الْحَيْضِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، فَلَا يَأْتِي هُنَا مَا يَقُولُهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي كَلِمَةِ: الْمُطَلَّقَاتُ هَلِ اللَّامُ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ أَمْ لِلْجِنْسِ؟ وَهَلْ هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ وَصْلَ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا يَمْنَعُ كُلَّ ذَلِكَ، كَمَا يَمْنَعُهُ التَّرَبُّصُ بِالزَّوَاجِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْبَحْثُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا حُكْمُ مَنْ لَسْنَ كَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ كَالْيَائِسَةِ وَالَّتِي لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْحَيْضِ فَمَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ. وَهُنَّ كَأَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِي مَفْهُومِ الْمُطَلَّقَاتِ، فَإِنَّ الْيَائِسَةَ مِنْ شَأْنِهَا أَلَّا تُطَلَّقَ لِأَنَّ مَنْ أَمْضَى زَمَنَ الزَّوْجِيَّةِ مَعَ امْرَأَةٍ حَتَّى يَئِسَتْ مِنَ الْمَحِيضِ كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الطَّبْعِ وَالْفِطْرَةِ وَمِنْ أَدَبِ الشَّرْعِ وَالدِّينِ أَنْ يَحْفَظَ عَهْدَهَا وَيَرْعَى وُدَّهَا بِإِبْقَائِهَا عَلَى عِصْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السُّفَهَاءِ لَا يَحْتَرِمُونَ تِلْكَ الْعِشْرَةَ الطَّوِيلَةَ، وَلَا يُرَاعُونَ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ الْغَلِيظَ فَيُقْدِمُوا عَلَى طَلَاقِ الْيَائِسَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْيَائِسَةَ إِذَا طُلِّقَتْ فَلَا تَكَادُ تَتَزَوَّجُ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ وَاسْتِقَامَةِ الطَّبْعِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَالَّتِي لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْمَحِيضِ قَلَّمَا تَكُونُ زَوْجًا، وَمَنْ عَقَدَ عَلَى مِثْلِهَا كَانَتْ رَغْبَتُهُ فِيهَا عَظِيمَةً فَيَنْدُرُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فَيُطَلِّقَ، وَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا يَتَبَادَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ لَفْظِ الْمُطَلَّقَاتِ يُفِيدُ أَنَّهُنَّ الزَّوْجَاتُ الْمَعْهُودَاتُ الْمُسْتَعِدَّاتُ لِلْحَمْلِ وَالنَّسْلِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصِدُ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ فَيُنْتَظَرُ أَنْ يَرْغَبَ النَّاسُ فِي التَّزَوُّجِ بِهِنَّ. وَمَعْنَى التَّرَبُّصِ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ هُوَ أَلَّا تَتَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةُ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، وَهِيَ جُمَعُ قُرْءٍ - بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا - وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى حَيْضِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى طُهْرِهَا مِنْهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الِانْتِقَالُ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الْحَيْضِ كَمَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَهُ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ لِلطَّاهِرِ الَّتِي لَمْ تَرَ الدَّمَ ذَاتُ قُرْءٍ أَوْ قُرُوءٍ، وَلَا لِلْحَائِضِ الَّتِي اسْتَمَرَّ لَهَا الدَّمُ، فَلَمَّا كَانَ الْقُرْءُ وَسَطًا بَيْنَ الدَّمِ وَالطُّهْرِ أَوْ عِبَارَةً عَنِ الصِّلَةِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ عَبَّرَ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَنْ أَحَدِهِمَا وَقَوْمٌ عَنِ الْآخَرِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ شَوَاهِدُ فِي اللُّغَةِ، أَطَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي إِيرَادِهَا وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا، فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَآلُ الْبَيْتِ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الْحَيْضُ، وَأَدِلَّةُ الْأَوَّلِينَ أَقْوَى. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَالْخَطْبُ فِي الْخِلَافِ سَهْلٌ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا التَّرَبُّصِ الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الزَّوْجِ السَّابِقِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ كَمَا يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَمِنَ النَّادِرِ أَنْ يَسْتَمِرَّ الْحَيْضُ إِلَى آخِرِ الْحَمْلِ، فَكُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ مُوَافِقٌ لِحِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَأُورِدَ الْحُكْمُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ دُونَ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ ضُرُوبِ الْإِنْشَاءِ - كَقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ كَذَا - لِتَأْكِيدِهِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا التَّرَبُّصَ وَاقِعٌ كَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، كَمَا يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ فِي مَقَامِ الْأَمْرِ، فَعِنْدَمَا يُقَالُ الْمُطَلَّقَاتُ يَلْتَفِتُ ذِهْنُ السَّامِعِ وَيَكُونُ مُتَهَيِّئًا لِسَمَاعِ مَا يُقَالُ عَنْهُنَّ، فَإِذَا قِيلَ:

стр. 696

(يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) إِلَخْ - وَفِيهِ الْإِسْنَادُ وَالْحُكْمُ - يَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْرًا مُؤَكَّدًا كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّنَا أَمَرْنَاهُنَّ بِذَلِكَ وَفَرَضْنَاهُ عَلَيْهِنَّ فَامْتَثَلْنَ الْأَمْرَ وَجَرَيْنَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِمْرَارِ حَتَّى صَارَ شَأْنًا مِنْ شُئُونِهِنَّ اللَّازِمَةِ لَهُنَّ لَا يَنْصَرِفْنَ عَنْهُ، بَلْ لَا يَخْطُرُ فِي الْبَالِ مُخَالَفَتُهُنَّ لَهُ وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِصِيغَتِهِ مَا يُفِيدُ هَذَا التَّأْكِيدَ وَالِاهْتِمَامَ; لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالشَّيْءِ قَدْ يَمْتَثِلُ وَقَدْ يُخَالِفُ، وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ التَّعْبِيرِ مَعْهُودٌ فِي التَّنْزِيلِ فِي مَقَامِ التَّأْكِيدِ وَالِاهْتِمَامِ يَقَعُ فِي الْكِتَابِ مَوَاقِعَهُ لَا يَعْدُوهَا، وَلَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ طَعِمَ الْبَلَاغَةَ وَذَاقَهَا. وَفِي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) مِنَ الْإِبْدَاعِ فِي الْإِشَارَةِ، وَالنَّزَاهَةِ فِي الْعِبَارَةِ، مَا عُهِدَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَبْلُغْ مُرَاعَاةَ مِثْلِهِ إِنْسَانٌ، فَالْكَلَامُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ وَهُنَّ مُعَرَّضَاتٌ لِلزَّوَاجِ، وَخُلُوٍّ مِنَ الْأَزْوَاجِ، وَالْأَنْسَبُ فِيهِ تَرْكُ التَّصْرِيحِ بِمَا يَتَشَوَّقْنَ إِلَيْهِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالْكِنَايَةِ عَمَّا يَرْغَبْنَ فِيهِ، عَلَى إِقْرَارِهِنَّ عَلَيْهِ وَعَدَمِ إِيئَاسِهِنَّ مِنْهُ، مَعَ اجْتِنَابِ إِخْجَالِهِنَّ، وَتَوَقِّي تَنْفِيرِهِنَّ أَوِ التَّنْفِيرِ مِنْهُنَّ، وَقَدْ جَمَعَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْإِيجَازِ، الَّذِي هُوَ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِعْجَازِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَمْلِكْنَ رَغْبَتَهُنَّ، وَيَكْفُفْنَ جِمَاحَ أَنْفُسِهِنَّ، إِلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ الْمَمْدُودَةِ، وَالْعِدَّةِ الْمَعْدُودَةِ، وَلَكِنْ بِطْرِيقِ الرَّمْزِ وَالتَّلْوِيحِ لَا بِطْرِيقِ الْإِبَانَةِ وَالتَّصْرِيحِ، فَإِنَّ التَّرَبُّصَ فِي حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِ مَعْنَاهُ التَّرَيُّثُ وَالِانْتِظَارُ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ يُتَرَيَّثُ عَنْهُ، وَيُنْتَظَرُ زَوَالُ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَهُ، وَلَوْلَا كَلِمَةُ (بِأَنْفُسِهِنَّ) لَمَا أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ تِلْكَ الْمَعَانِيَ الدَّقِيقَةَ، وَالْكِنَايَاتِ الرَّشِيقَةَ، وَمَا كَانَ لِيَخْطِرَ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ يُرِيدُ إِفَادَةَ حُكْمِ الْعِدَّةِ أَنْ يَزِيدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى قَوْلِهِ: " يَتَرَبَّصْنَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ " وَلَوْ لَمْ تُزَدْ لَكَانَ الْحُكْمُ عَارِيًا عَنْ تَأْدِيبِ النَّفْسِ وَالْحُكْمِ عَلَى شُعُورِهَا وَوِجْدَانِهَا، وَلَعَلَّ الْإِرْشَادَ إِلَى مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُ النِّسَاءِ مِنْ تِلْكَ النَّزْعَةِ فِي ضِمْنِ الْإِخْبَارِ عَنْهُنَّ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ امْتِلَاكَهَا وَالتَّرَبُّصَ بِهَا اخْتِيَارًا، هُوَ أَشَدُّ فِعْلًا فِي أَنْفُسِهِنَّ وَأَقْوَى إِلْزَامًا لَهُنَّ أَنْ يَكُنَّ كَذَلِكَ طَائِعَاتٍ مُخْتَارَاتٍ، كَمَا أَنَّ فِيهِ إِكْرَامًا لَهُنَّ وَلُطْفًا بِهِنَّ، إِذْ لَمْ يُؤْمَرْنَ أَمْرًا صَرِيحًا وَهَذَا مِنَ الدَّقَائِقِ الَّتِي نَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنْ هَدَانَا إِلَى فَهْمِهَا، فَأَنَّى لِأَمْثَالِنَا مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا؟ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ بَعْدَ بَيَانِ هَذِهِ النُّكْتَةِ الَّتِي شَرَحْنَاهَا: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى التَّرَبُّصِ بِالْأَنْفُسِ هُنَا ضَبْطُهَا وَمَنْعُهَا أَنْ تَقَعَ فِي غَمْرَةِ الشَّهْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ النِّسَاءَ أَشَدُّ شَهْوَةً مِنَ الرِّجَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ هَذِهِ الشِّدَّةَ وَالزِّيَادَةَ بِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ حَدَّهَا وَعَدَّهَا عَدًّا، وَهَذَا مِنْ نَبْذِ الْأَقْوَالِ وَطَرْحِهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا عِلْمٍ، فَإِنَّ الرِّجَالَ كَانُوا وَمَا زَالُوا هُمُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ النِّسَاءَ وَيَرْغَبُونَ فِيهِنَّ، ثُمَّ يَظْلِمُونَهُنَّ حَتَّى بِالتَّحَكُّمِ فِي طَبَائِعِهِنَّ وَالْحُكْمِ عَلَى شُعُورِهِنَّ، وَيَأْخُذُ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّقْلِيدِ. وَأَقُولُ: إِنَّ مَنْ دَقَّقَ النَّظَرَ فِي

стр. 697

أَقْوَالِ الرِّجَالِ فِي النِّسَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَلَا سِيَّمَا أَقْوَالُ كُتَّابِ الصُّحُفِ فِي زَمَانِنَا، وَوَزَنَّاهَا بِمَوَازِينِهَا، رَأَى فِيهَا مِنَ الْأَغْلَاطِ وَالْأَوْهَامِ مَا يُبْطِلُهُ النَّظَرُ وَالِاخْتِبَارُ، وَأَظْهَرُ أَوْهَامِهِمْ مَا يَكْتُبُونَهُ فِي حُبِّ الْمَرْأَةِ وَفِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي غَيْرِهِ، وَأَنَّ الْمُقَلِّدِينَ لِلْمُخْطِئِ فِي ذَلِكَ أَضْعَافُ الْمُقَلِّدِينَ لِلْمُصِيبِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى حِكْمَةَ هَذَا التَّرَبُّصِ بِالزَّوَاجِ فِي سِيَاقِ حُكْمٍ آخَرَ فَقَالَ: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) كَمَا كُنَّ يَفْعَلْنَ أَحْيَانًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ فِرَاقِ رَجُلٍ بِآخَرَ وَيَظْهَرُ لَهَا أَنَّهَا حُبْلَى مِنَ الْأَوَّلِ فَتُلْحِقُ الْوَلَدَ بِالثَّانِي، فَهَذَا مُحَرَّمٌ فِي الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ شَرُّ ضُرُوبِ الْغِشِّ وَالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، يَنْفِي عَنْ قَوْمٍ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ، وَيُلْحِقُ بِآخَرِينَ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَضَارِّ مَا لَا يُجْهَلُ وَقَدْ حَرَّمَهُ اللهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَ بِأَنْ تَعْتَدَّ الْمَرْأَةُ بَعْدَ فِرَاقِ زَوْجِهَا لِيُظْهِرَ أَنَّهَا بَرِيئَةً مِنَ الْحَمْلِ، وَنَهَى أَنْ تَكْتُمَ الْحَمْلَ إِذَا عَلِمَتْ بِهِ: وَاخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ يَشْمَلُ الْوَلَدَ وَالْحَيْضَ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ تَكْتُمُ الْمَرْأَةُ حَيْضَتَهَا لِتُطِيلَ أَجَلَ عِدَّتِهَا، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا، وَقَدْ فَشَا فِي مُطَلَّقَاتِ هَذَا الزَّمَانِ اللَّوَاتِي لَا يَطْمَعْنَ فِي الزَّوَاجِ; لِأَنَّ الْحُكَّامَ يَفْرِضُونَ لَهُنَّ نَفَقَةً مَا دُمْنَ فِي الْعِدَّةِ فَيَرْغَبْنَ فِي اسْتِدَامَةِ هَذِهِ النَّفَقَةِ بِكِتْمَانِ الْحَيْضِ وَادِّعَاءِ عَدَمِ مُرُورِ الْقُرُوءِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِنَّ، وَمَا يَأْخُذْنَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَرَامٌ، وَمَا هُنَّ مِمَّنْ يَتَفَكَّرْنَ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا عِلْمَ لَهُنَّ بِأَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَلَا يُبَالِينَ مَا عَسَاهُنَّ يَعْرِفْنَهُ مِنْهَا، لِأَنَّهُنَّ لِمَ يَتَرَبَّيْنَ عَلَى آدَابِ الدِّينِ وَأَعْمَالِهِ، بَلْ لَمْ يُلَقَّنَّ عَقَائِدَهُ وَلَمْ يُذَكَّرْنَ بِآيَاتِهِ، حَتَّى صَارَ أَكْثَرُهُنَّ أَقْرَبَ إِلَى أَهْلِ الْإِبَاحَةِ مِنْهُنَّ إِلَى أَهْلِ الدِّينِ، وَإِنَّمَا يَجْتَنِبُ الْحَرَامَ وَيَتَحَرَّى الْوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِ الْحَلَالِ أَهْلُ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى عَقِبَ النَّهْيِ: (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَتَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا كُنَّ يَعْرِفْنَ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْجَزَاءُ بِالْقِسْطَاسِ، فَلَا يَكْتُمْنُ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ، وَإِلَّا كُنَّ غَيْرَ مُؤْمِنَاتٍ بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَلِأَزْوَاجِهِنَّ، وَحَافِظَةٌ لِحُقُوقِهِمْ وَحُقُوقِهِنَّ، إِذِ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْحُكْمَ وَجَعَلَ فِي اتِّبَاعِهِ الْمَثُوبَةَ وَالرِّضْوَانَ، وَفِي تَرْكِهِ الشَّقَاءَ وَالْخُسْرَانَ، يَكُونُ سَبَبًا طَبِيعِيًّا لِامْتِثَالِهِ مَعَ إِعْظَامِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) إِلَخْ، فَمَنْ لَنَا بِمَنْ يُبْلِغُ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ هَذَا التَّشْدِيدَ؟ وَمَنْ لَنَا بِمَنْ يَهْتَمُّ بِتَلْقِينِ الْبَنَاتِ عَقَائِدَ الْإِيمَانِ وَتَرْبِيَتِهِنَّ عَلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي تُمَكِّنُ هَذِهِ الْعَقَائِدَ فِي الْعَقْلِ وَالْوِجْدَانِ؟ وَأَيُّ رَجُلٍ يَفْعَلُ هَذَا وَالرِّجَالُ أَنْفُسُهُمْ لَمْ يَعُدْ

стр. 698

لَهُمْ هَمٌّ فِي الدِّينِ إِلَّا قَلِيلٍ مِنْهُمْ! وَهَؤُلَاءِ يَرَوْنَ النِّسَاءَ مَتَاعًا لَا أَنَاسِيَّ مِثْلَهُمْ، فَيَدَعُونَهُنَّ وَشَأْنَهُنَّ، لَا يَتَفَكَّرُونَ فِي أَسْبَابِ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عَوَاقِبِ إِهْمَالِهِنَّ، وَرَزَايَا جَهْلِهِنَّ. (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ -: هَذَا لُطْفٌ كَبِيرٌ مِنَ اللهِ وَحِرْصٌ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى بَقَاءِ الْعِصْمَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا طُلِّقَتْ لِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ سَوَاءً كَانَ بِالْإِيلَاءِ أَوْ غَيْرِهِ فَقَلَّمَا يَرْغَبُ فِيهَا الرِّجَالُ، وَأَمَّا بَعْلُهَا الْمُطَلِّقُ فَقَدْ يَنْدَمُ عَلَى طَلَاقِهَا، وَيَرَى أَنَّ مَا طَلَّقَهَا لِأَجْلِهِ لَا يَقْتَضِي مُفَارَقَتَهَا دَائِمًا، فَيَرْغَبُ فِي مُرَاجَعَتِهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الْعِشْرَةُ السَّابِقَةُ بَيْنَهُمَا جَرَتْ عَلَى طَرِيقَتِهَا الْفِطْرِيَّةِ، فَأَفْضَى كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ بِسِرِّهِ حَتَّى عَرَفَ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ، وَتَمَكَّنَتِ الْأُلْفَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى عِلَّاتِهِمَا، وَإِذَا كَانَا قَدْ رُزِقَا الْوَلَدَ فَإِنَّ النَّدَمَ عَلَى الطَّلَاقِ يُسْرِعُ إِلَيْهِمَا; لِأَنَّ الْحِرْصَ الطَّبِيعِيَّ عَلَى الْعِنَايَةِ بِتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَكَفَالَتِهِ بِالِاشْتِرَاكِ تَغْلِبُ بَعْدَ زَوَالِ أُصُرِ الْمُغَاضَبَةِ الْعَارِضَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَقَدْ يَكُونُ أَقُوَى إِذَا كَانَ الْأَوْلَادُ إِنَاثًا; لِهَذَا حَكَمَ اللهُ تَعَالَى لُطْفًا مِنْهُ بِعِبَادِهِ بِأَنَّ بَعْلَ الْمُطَلَّقَةِ، أَيْ زَوْجَهَا أَحَقُّ بِرَدِّهَا فِي ذَلِكَ، أَيْ فِي زَمَنِ التَّرَبُّصِ وَهِيَ الْعِدَّةُ. وَفِي هَذَا بَيَانُ حِكْمَةٍ أُخْرَى لِلْعِدَّةِ غَيْرُ تَبَيُّنِ الْحَمْلِ أَوْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهِيَ إِمْكَانُ الْمُرَاجَعَةِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ تَرَبُّصَ الْمُطَلَّقَاتِ بِأَنْفُسِهِنَّ فِيهِ فَائِدَةٌ لَهُنَّ وَفَائِدَةٌ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقَّ بِهَا فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ إِذَا قَصَدَ إِصْلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ وَحُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ، وَأَمَّا قَصْدُ مُضَارَّتِهَا وَمَنْعِهَا مِنَ التَّزَوُّجِ بَعْدَ الْعِدَّةِ حَتَّى تَكُونَ كَالْمُعَلَّقَةِ لَا يُعَاشِرُهَا مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ بِالْحُسْنَى وَلَا يُمَكِّنُهَا مِنَ التَّزَوُّجِ، فَهُوَ آثِمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ، فَلَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرُدَّ مُطَلَّقَتَهُ إِلَى عِصْمَتِهِ إِلَّا بِإِرَادَةِ إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَنِيَّةِ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْإِمَامُ: إِنَّهُ آثِمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى; لِإِفَادَةِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرِّمٌ لِأَمْرٍ خَفِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِالْقَصْدِ فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي الظَّاهِرِ لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وَمَا كَلُّ مَا صَحَّ فِي نَظَرِ الْقَاضِي يَكُونُ جَائِزًا تَدَيُّنًا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَرَبِّهِ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، وَالطَّلَاقُ الَّذِي تَحِلُّ فِيهِ الرَّجْعَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يُسَمَّى طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَهُنَاكَ طَلَاقٌ بَائِنٌ لَا تَحِلُّ مُرَاجَعَةُ الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَهُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَحَلِّهِ، وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّ كَلِمَةَ (أَحَقُّ) هُنَا بِمَعْنَى حَقِيقِينَ كَمَا قَالُوا. وَلَمَّا كَانَتْ إِرَادَةُ الْإِصْلَاحِ بِرَدِّ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ إِلَى عِصْمَتِهِ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِهَا كَمَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَقُومَ بِحُقُوقِهِ ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ حَقَّ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِعِبَارَةٍ مُجْمَلَةٍ تُعَدُّ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِصْلَاحِ فِي الْبَشَرِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) . هَذِهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ جِدًّا جَمَعَتْ عَلَى إِيجَازِهَا مَا لَا يُؤَدَّى بِالتَّفْصِيلِ إِلَّا فِي سِفْرٍ كَبِيرٍ، فَهِيَ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُسَاوِيَةٌ لِلرَّجُلِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ إِلَّا أَمْرًا وَاحِدًا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَقَدْ أَحَالَ فِي مَعْرِفَةِ مَالَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنَّ عَلَى الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَاشَرَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ فِي أَهْلِيهِمْ، وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ عُرْفُ النَّاسِ، وَهُوَ تَابِعٌ

стр. 699

لِشَرَائِعِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ وَآدَابِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُعْطِي الرَّجُلَ مِيزَانًا يَزِنُ بِهِ مُعَامَلَتَهُ لِزَوْجِهِ فِي جَمِيعِ الشُّئُونِ وَالْأَحْوَالِ، فَإِذَا هُمْ بِمُطَالَبَتِهَا بِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ بِإِزَائِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنَّنِي لَأَتَزَيَّنُ لِامْرَأَتِي كَمَا تَتَزَيَّنُ لِي لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ الْمِثْلَ بِأَعْيَانِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْخَاصِهَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْحُقُوقَ بَيْنَهُمَا مُتَبَادَلَةٌ وَأَنَّهُمَا أَكْفَاءٌ، فَمَا مِنْ عَمَلٍ تَعْمَلُهُ الْمَرْأَةُ لِلرَّجُلِ إِلَّا وَلِلرَّجُلِ عَمَلٌ يُقَابِلُهُ لَهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فِي شَخْصِهِ، فَهُوَ مِثْلُهُ فِي جِنْسِهِ، فَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَعْمَالِ، كَمَا أَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي الذَّاتِ وَالْإِحْسَاسِ وَالشُّعُورِ وَالْعَقْلِ; أَيْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَشَرٌ تَامٌّ لَهُ عَقْلٌ يَتَفَكَّرُ فِي مَصَالِحِهِ، وَقَلْبٌ يُحِبُّ مَا يُلَائِمُهُ وَيُسَرُّ بِهِ، وَيَكْرَهُ مَا لَا يُلَائِمُهُ وَيَنْفِرُ مِنْهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يَتَحَكَّمَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ بِالْآخَرِ وَيَتَّخِذَهُ عَبْدًا يَسْتَذِلُّهُ وَيَسْتَخْدِمُهُ فِي مَصَالِحِهِ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ عَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ وَالدُّخُولِ فِي الْحَيَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ سَعِيدَةً إِلَّا بِاحْتِرَامِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ -: هَذِهِ الدَّرَجَةُ الَّتِي رُفِعَ النِّسَاءُ إِلَيْهَا لَمْ يَرْفَعْهُنَّ إِلَيْهَا دِينٌ سَابِقٌ وَلَا شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرَائِعِ، بَلْ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهَا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الْأُمَمُ الْأُورُبِّيَّةُ الَّتِي كَانَ مِنْ آثَارِ تَقَدُّمِهَا فِي الْحَضَارَةِ وَالْمَدَنِيَّةِ أَنْ بَالَغَتْ فِي تَكْرِيمِ النِّسَاءِ وَاحْتِرَامِهِنَّ، وَعَنِيَتْ بِتَرْبِيَتِهِنَّ وَتَعْلِيمِهِنَّ الْعُلُومَ وَالْفُنُونَ، لَا تَزَالُ دُونَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي رَفَعَ الْإِسْلَامُ النِّسَاءَ إِلَيْهَا، وَلَا تَزَالُ قَوَانِينُ بَعْضِهَا تَمْنَعُ الْمَرْأَةَ مِنْ حَقِّ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا بِدُونِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي مَنَحَتْهَا إِيَّاهَا الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا وَنِصْفٍ، وَقَدْ كَانَ النِّسَاءُ فِي أُورُبَّا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ الْأَرِقَّاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا كُنَّ فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ الْعَرَبِ أَوْ أَسْوَأَ حَالًا، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ: إِنَّ الدِّينَ الْمَسِيحِيَّ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ تَعْلِيمَ الْمَسِيحِ لَمْ يَخْلُصْ إِلَيْهِمْ كَامِلًا سَالِمًا مِنَ الْإِضَافَاتِ وَالْبِدَعِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ لَمْ يُرَقِّ الْمَرْأَةَ وَإِنَّمَا كَانَ ارْتِقَاؤُهَا مِنْ أَثَرِ الْمَدَنِيَّةِ الْجَدِيدَةِ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي. وَقَدْ صَارَ هَؤُلَاءِ الْإِفْرِنْجُ الَّذِينَ قَصُرَتْ مَدَنِيَّتُهُمْ عَنْ شَرِيعَتِنَا فِي إِعْلَاءِ شَأْنِ النِّسَاءِ يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا، بَلْ يَرْمُونَنَا بِالْهَمَجِيَّةِ فِي مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ، وَيَزْعُمُ الْجَاهِلُونَ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ أَنَّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ هُوَ أَثَرُ دِينِنَا، ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ أَنَّ أَحَدَ السَّائِحِينَ مِنَ الْإِفْرِنْجِ

стр. 700

زَارَهُ فِي الْأَزْهَرِ وَبَيْنَا هُمَا مَارَّانِ فِي الْمَسْجِدِ رَأَى الْإِفْرِنْجِيُّ بِنْتًا مَارَّةً فِيهِ فَبُهِتَ وَقَالَ: مَا هَذَا؟ أُنْثَى تَدْخُلُ الْجَامِعَ! ! ! فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ: وَمَا وَجْهُ الْغَرَابَةِ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَرَّرَ أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ أَرْوَاحٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ عِبَادَةٌ: فَبَيَّنَ لَهُ غَلَطَهُ وَفَسَّرَ لَهُ بَعْضَ الْآيَاتِ فِيهِنَّ. قَالَ: فَانْظُرُوا كَيْفَ صِرْنَا حُجَّةً عَلَى دِينِنَا؟ وَإِلَى جَهْلِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ حَتَّى مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ رَئِيسٌ لِجَمْعِيَّةٍ كَبِيرَةٍ فَمَا بَالُكُمْ بِعَامَّتِهِمْ؟ إِذَا كَانَ اللهُ قَدْ جَعَلَ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ مِثْلَ مَا لَهُمْ عَلَيْهِنَّ إِلَّا مَا مَيَّزَهُمْ بِهِ مِنَ الرِّيَاسَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الرِّجَالِ بِمُقْتَضَى كَفَالَةِ الرِّيَاسَةِ أَنْ يُعَلِّمُوهُنَّ مَا يُمَكِّنُهُنَّ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ وَيَجْعَلُ لَهُنَّ فِي النُّفُوسِ احْتِرَامًا يُعِينُ عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِنَّ وَيُسَهِّلُ طَرِيقَهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِحُكْمِ الطَّبْعِ يَحْتَرِمُ مَنْ يَرَاهُ مُؤَدَّبًا عَالِمًا بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَامِلًا بِهِ، وَلَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَهِنَهُ أَوْ يُهِينَهُ، وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ بَادِرَةٌ فِي حَقِّهِ رَجَعَ عَلَى نَفْسِهِ بِاللَّائِمَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ زَاجِرًا لَهُ عَنْ مِثْلِهَا. خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى النِّسَاءَ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ كَمَا خَاطَبَ الرِّجَالَ، وَجَعَلَ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا جَعَلَهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ، وَقَرَنَ أَسْمَاءَهُنَّ بِأَسْمَائِهِمْ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَبَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا بَايَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَرَهُنَّ بِتَعَلُّمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ كَمَا أَمَرَهُمْ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى مَا مَضَى بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَنَّهُنَّ مَجْزِيَّاتٌ عَلَى أَعْمَالِهِنَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَفَيَجُوزُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُحْرَمْنَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا عَلَيْهِنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ لِرَبِّهِنَّ وَلِبُعُولَتِهِنَّ وَلِأَوْلَادِهِنَّ وَلِذِي الْقُرْبَى وَلِلْأُمَّةِ وَالْمِلَّةِ؟ الْعِلْمُ الْإِجْمَالِيُّ بِمَا يُطْلَبُ فِعْلُهُ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ النَّفْسِ إِلَيْهِ، إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَجْهُولِ الْمُطْلَقِ وَالْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ بِهِ الْمُبَيِّنِ لِفَائِدَةِ فِعْلِهِ وَمَضَرَّةِ تَرْكِهِ يُعَدُّ سَبَبًا لِلْعِنَايَةِ بِفِعْلِهِ وَالتَّوَقِّي مِنْ إِهْمَالِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُؤَدِّينَ تِلْكَ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقَ مَعَ الْجَهْلِ بِهَا إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا؟ وَكَيْفَ تَسْعَدُ فِي الدُّنْيَا أَوِ الْآخِرَةِ أُمَّةٌ نَصِفُهَا كَالْبَهَائِمِ لَا يُؤَدِّي مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ وَلَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِهِ وَلَا لِلنَّاسِ؟ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيَتْرُكُ الْبَاقِي، وَمِنْهُ إِعَانَةُ ذَلِكَ النِّصْفِ الضَّعِيفِ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ، أَوْ إِلْزَامِهِ إِيَّاهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنَ السُّلْطَةِ وَالرِّيَاسَةِ. إِنَّ مَا يَجِبُ أَنْ تَعْلَمَهُ الْمَرْأَةُ مِنْ عَقَائِدِ دِينِهَا وَآدَابِهِ وَعِبَادَاتِهِ مَحْدُودٌ، وَلَكِنْ مَا يُطْلَبُ مِنْهَا لِنِظَامِ بَيْتِهَا وَتَرْبِيَةِ أَوْلَادِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ - إِنْ كَانَتْ فِي بَيْتٍ غَنِيٍّ وَنِعْمَةٍ - يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَحْوَالِ، كَمَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى الرِّجَالِ، أَلَا تَرَى الْفُقَهَاءَ يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى وَالْخِدْمَةَ اللَّائِقَةَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ فُرُوضَ الْكِفَايَاتِ قَدِ اتَّسَعَتْ دَائِرَتُهَا؟ فَبَعْدَ أَنْ كَانَ اتِّخَاذُ السُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَالْقِسِيِّ كَافِيًا فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْحَوْزَةِ صَارَ هَذَا الدِّفَاعُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْمَدَافِعِ وَالْبَنَادِقِ

стр. 701

وَالْبَوَارِجِ، وَعَلَى عُلُومٍ كَثِيرَةٍ صَارَتْ وَاجِبَةً الْيَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً وَلَا مَوْجُودَةً بِالْأَمْسِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ تَمْرِيضَ الْمَرْضَى وَمُدَاوَاةَ الْجَرْحَى كَانَ يَسِيرًا عَلَى النِّسَاءِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرِ الْخُلَفَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَقَدْ صَارَ الْآنَ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَعَلُّمِ فُنُونٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَتَرْبِيَةٍ خَاصَّةٍ، أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَفْضَلُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ؟ أَتَمْرِيضُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا هُوَ مَرِضَ أَمِ اتِّخَاذُ مُمَرِّضَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَتِهِ وَتَكْتَشِفُ مُخَبَّآتِ بَيْتِهِ؟ وَهَلْ يَتَيَسَّرُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُمَرِّضَ زَوْجَهَا أَوْ وَلَدَهَا إِذَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِقَانُونِ الصِّحَّةِ وَبِأَسْمَاءِ الْأَدْوِيَةِ؟ نَعَمْ; قَدْ تَيَسَّرَ لِكَثِيرَاتٍ مِنَ الْجَاهِلَاتِ قَتْلُ مَرْضَاهُنَّ بِزِيَادَةِ مَقَادِيرِ الْأَدْوِيَةِ السَّامَّةِ أَوْ بِجَعْلِ دَوَاءٍ مَكَانَ آخَرَ. رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ - وَصَحَّحَهُ - وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (٦٦: ٦) عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ وَأَدِّبُوهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ النِّسَاءُ وَالْأَوْلَادُ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَزَادَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ، وَهُوَ مِنْ: أَهَلَ الْمَكَانَ أُهُولًا: عَمَّرَ، وَأَهَلَ الرَّجُلُ وَتَأَهَّلَ تَزَوَّجَ، وَأَهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مَعَهُ فِيهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْقَرَابَةُ. وَجَمْعُ الْأَهْلِ أَهْلُونَ، وَرُبَّمَا قِيلَ الْأَهَالِي (الْمِصْبَاحُ) وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَقِي نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ نَارَ الْآخِرَةِ بِتَعْلِيمِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ، فَهُوَ كَذَلِكَ يَقِيهِمْ بِذَلِكَ نَارَ الدُّنْيَا وَهِيَ الْمَعِيشَةُ الْمُنَغَّصَةُ بِالشَّقَاءِ وَعَدَمِ النِّظَامِ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِي حُقُوقِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مَا لَمْ يُحِلَّ الْعُرْفُ حَرَامًا أَوْ يُحَرِّمْ حَلَالًا مِمَّا عُرِفَ بِالنَّصِّ، وَالْعُرْفُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ حَقَّ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَلَّا تَمْنَعَهُ مِنْ نَفْسِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَحَقَّهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى إِلَخْ. وَقَالُوا: لَا يَلْزَمُهَا عَجْنٌ وَلَا خَبْزٌ وَلَا طَبْخٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ بَيْتِهِ أَوْ مَالِهِ وَمِلْكِهِ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى هِدَايَةِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْحَنَابِلَةِ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمُقْنِعِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْجَوْزَجَانِيُّ: عَلَيْهَا ذَلِكَ وَاحْتَجَّا بِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ﵄ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنَ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ. وَرَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ، قَالَ وَقَدْ قَالَ ﵇: ((لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ أَوْ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ لَكَانَ نَوْلُهَا (أَيْ: حَقُّهَا) أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ)) رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ. قَالَ: فَهَذَا طَاعَةٌ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَكَيْفَ بِمُؤْنَةِ مَعَاشِهِ؟ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَجِبُ عَلَيْهَا الْمَعْرُوفُ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُرْفِ الْبَلَدِ)) اهـ.

стр. 702

وَمَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ بِنْتِهِ وَرَبِيبِهِ وَصِهْرِهِ ﵉ هُوَ مَا تَقْضِي بِهِ فِطْرَةُ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ تَوْزِيعُ الْأَعْمَالِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، عَلَى الْمَرْأَةِ تَدْبِيرُ الْمَنْزِلِ وَالْقِيَامُ بِالْأَعْمَالِ فِيهِ، وَعَلَى الرَّجُلِ السَّعْيُ وَالْكَسْبُ خَارِجَهُ. وَهَذَا هُوَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي اسْتِعَانَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْخَدَمِ وَالْأُجَرَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَا مُسَاعَدَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي عَمَلِهِ أَحْيَانًا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ وَالتَّقْسِيمُ الْفِطْرِيُّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ مَصْلَحَةُ النَّاسِ وَهُمْ لَا يَسْتَغْنُونَ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنِ التَّعَاوُنِ (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (٢: ٢٨٦) (وَتُعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ) (٥: ٢) . وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَمَا بَيَّنَهُ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْعُرْفِ لَا يَعْدُو مَا فِي الْآيَةِ قَيْدَ شَعْرَةٍ. وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَسَافَةَ الْبُعْدِ بَيْنَ مَا يَعْمَلُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ، فَانْظُرْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِنِسَائِهِمْ تَجِدُهُمْ يَظْلِمُونَهُنَّ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا يَصُدُّ أَحَدُهُمْ عَنْ ظُلْمِ امْرَأَتِهِ إِلَّا الْعَجْزُ، وَيُحَمِّلُونَهُنَّ مَا لَا يُحَمَّلْنَهُ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ وَالْجَهْدِ، وَيُكْثِرُونَ الشَّكْوَى مِنْ تَقْصِيرِهِنَّ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ فِيمَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ لَيَقُولُنَّ كَمَا يَقُولُ أَكْثَرُ فُقَهَائِهِمْ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ لَنَا عَلَيْهِنَّ خِدْمَةٌ، وَلَا طَبْخٌ، وَلَا غَسْلٌ، وَلَا كَنْسٌ وَلَا فَرْشٌ، وَلَا إِرْضَاعُ طِفْلٍ، وَلَا تَرْبِيَةُ وَلَدٍ، وَلَا إِشْرَافٌ عَلَى الْخَدَمِ الَّذِينَ نَسْتَأْجِرُهُمْ لِذَلِكَ، إِنْ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا الْمُكْثُ فِي الْبَيْتِ وَالتَّمْكِينُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهَذَا الْأَمْرَانِ عَدَمِيَّانِ; أَيْ: عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِلِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَعَدَمُ الْمُعَارَضَةِ بِالِاسْتِمْتَاعِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ لِلرِّجَالِ عَمَلٌ قَطُّ، وَلَا لِلْأَوْلَادِ مَعَ وُجُودِ آبَائِهِمْ أَيْضًا. وَأَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي إِعْفَائِهِنَّ مِنَ التَّكَالِيفِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِنَّ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ، يُقَابِلُهَا الْمُبَالَغَةُ فِي وَضْعِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِنَّ بِالْفِعْلِ، وَلَكِنَّ الْجَاهِلِينَ بِالْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ يَتَّهِمُونَ رِجَالَهَا بِهَضْمِ حُقُوقِ النِّسَاءِ، وَمَا هُوَ إِلَّا غَلَبَةُ التَّقَالِيدِ وَالْعَادَاتِ مَعَ عُمُومِ الْجَهْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فَهُوَ يُوجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْئًا وَعَلَى الرِّجَالِ أَشْيَاءَ; ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ هِيَ دَرَجَةُ الرِّيَاسَةِ وَالْقِيَامِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (٤: ٣٤) فَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ حَيَاةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ رَئِيسٍ; لِأَنَّ الْمُجْتَمِعِينَ لَا بُدَّ أَنْ تَخْتَلِفَ آرَاؤُهُمْ وَرَغَبَاتُهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَلَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ رَئِيسٌ يُرْجَعُ إِلَى رَأْيِهِ فِي الْخِلَافِ; لِئَلَّا يَعْمَلَ كُلٌّ عَلَى ضِدِّ الْآخَرِ فَتَنْفَصِمَ عُرْوَةُ الْوَحْدَةِ الْجَامِعَةِ، وَيَخْتَلَّ النِّظَامُ، وَالرَّجُلُ أَحَقُّ بِالرِّيَاسَةِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّنْفِيذِ بِقُوَّتِهِ وَمَالِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ هُوَ الْمُطَالَبُ شَرْعًا بِحِمَايَةِ الْمَرْأَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ هِيَ مُطَالَبَةً بِطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ

стр. 703

فَإِنْ نَشَزَتْ عَنْ طَاعَتِهِ كَانَ لَهُ تَأْدِيبُهَا بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ - إِنْ تَعَيَّنَ - تَأْدِيبًا، يَجُوزُ ذَلِكَ لِرَئِيسِ الْبَيْتِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْعَشِيرَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، كَمَا يَجُوزُ مِثْلُهُ لِقَائِدِ الْجَيْشِ وَلِرَئِيسِ الْأُمَّةِ (الْخَلِيفَةِ أَوِ السُّلْطَانِ) لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الِاعْتِدَاءُ عَلَى النِّسَاءِ لِأَجْلِ التَّحَكُّمِ أَوِ التَّشَفِّي أَوْ شِفَاءِ الْغَيْظِ فَهُوَ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، قَالَ ﷺ : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا - إِلَى أَنْ قَالَ - فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلٌ لِهَذِهِ السُّلْطَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَخَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ : (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ لِذِكْرِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ هَاهُنَا وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إِعْطَاءُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى الرَّجُلِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَهْضُومَةَ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَجَمِيعِ الْأُمَمِ. (وَالثَّانِي) جَعْلُ الرَّجُلِ رَئِيسًا عَلَيْهَا، فَكَأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْحَكِيمَةِ يَكُونُ مُنَازِعًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي عِزَّةِ سُلْطَانِهِ، وَمُنْكِرًا لِحِكْمَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ فَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْوَعِيدَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ كَمَا عَهِدَنَا مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ. (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) كَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقٌ وَمُرَاجَعَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلطَّلَاقِ حَدٌّ وَلَا عِدَّةٌ فَإِنْ كَانَ لِمُغَاضَبَةٍ عَارِضَةٍ عَادَ الزَّوْجُ فَرَاجَعَ وَاسْتَقَامَتْ عِشْرَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لِمُضَارَّةِ الْمَرْأَةِ رَاجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاسْتَأْنَفَ طَلَاقًا. ثُمَّ يَعُودُ إِلَى ذَلِكَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، أَوْ يَفِيءَ وَيَسْكُنَ غَضَبُهُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أُلْعُوبَةً بِيَدِ الرَّجُلِ يُضَارُّهَا بِالطَّلَاقِ مَا شَاءَ أَنْ يُضَارَّهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَصْلَحَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ أُمُورِ الِاجْتِمَاعِ. وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ وَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ قَالَتْ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: وَاللهِ لَا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي، وَلَا آوِيكِ أَبَدًا، قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ

стр. 704

فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكُ، فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ فَأَخْبَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى) مَا مِثَالُهُ بِإِيضَاحٍ: قَدْ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ الطَّلَاقَ عَلَى الطَّلَاقِ وَذَكَرَ الْعِدَّةَ، وَالطَّلَاقُ هُنَا هُوَ الطَّلَاقُ هُنَاكَ. وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُفَارَقَةِ الْمَرْأَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، بِحَلِّ الرَّجُلِ عُقْدَةَ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي تَرْبُطُهُمَا مَعًا، وَاللَّفْظُ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى; فَهَذَا بَيَانٌ لِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي الطَّلَاقِ جَاءَ عَلَى صِيغَةِ الْخَبَرِ لِتَقْرِيرِهِ وَتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) أَيْ: إِنَّ حَدَّ اللهِ الَّذِي حَدَّهُ لِلطَّلَاقِ وَلَمْ يُخْرِجْ بِهِ الْعِصْمَةَ مِنْ أَيْدِي الرِّجَالِ هُوَ مَرَّتَانِ; أَيْ: طَلْقَتَانِ، وَعَبَّرَ بِالْمَرَّتَيْنِ لِيُفِيدَ أَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ تَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَرَّةً تَحِلُّ بِهَا الْعِصْمَةُ ثُمَّ تُبْرَمُ، لَا أَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ كَلِمَةَ (طَلَّقْتُ ثَلَاثًا) بِمَثَابَةِ قَرَأْتُ الْفَاتِحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَالطَّلَاقُ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَهُوَ لَغْوٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَوْلُ: إِنَّ إِنْشَاءَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا بِالْقَوْلِ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الرَّجُلِ إِيقَاعُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً; ذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الْعَمَلِيَّةَ لَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْقَوْلِ الْمُعَبِّرِ عَنْهَا، بَلْ وَلَا الْقَوْلِيَّةَ أَيْضًا. فَمَنْ فَسَخَ الْعَقْدَ مَرَّةً وَعَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: الْوَاحِدُ ثَلَاثَةٌ وَالثَّلَاثَةُ وَاحِدٌ. وَمَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَجَاءَ بِهَذَا فَقَدْ خَرَجَ عَنِ السُّنَّةِ وَاسْتَحَقَّ التَّأْدِيبَ. فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: ((أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟)) حَتَّى قَالَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ! قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: رُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ. وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ الشَّرْعِيَّ هُوَ مَا كَانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ جَمْعَ الثِّنْتَيْنِ أَوِ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ، وَأَنَّهُ حَرَامٌ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي الْأَسْرَارِ: وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ، وَهُوَ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ ﵃. (قَالَ) : هَذَا هُوَ الطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَبِهَذَا الْعَدَدِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْبَاتُّ الْبَائِنُ فَلَمْ يَرِدْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُحَدِّثُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ أَوْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا مِنْ آيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْقُرْآنِ; وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى الْآنِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الخِلَافُ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ إِلَّا عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَبِينُ مِنْهُ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَالطَّلَاقُ

стр. 705

فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ نَوْعٌ مِنْهُ وَهُوَ الرَّجْعِيُّ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَمْ يُذْكَرْ، وَقَدْ أَخَذُوهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ، وَالْآخَرُونَ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ فَالطَّلَاقُ بَعْدَهَا لَغْوٌ. (أَقُولُ) : حَدِيثُ الْمُلَاعَنَةِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنًا فَأْتِ بِهَا)) فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنِينَ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنِينَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللِّعَانَ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ بِنَفْسِهِ بِأَنَّ تَفْرِيقَهُ ﷺ بَيْنَهُمَا هُوَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَا إِنْشَاءُ تَفْرِيقٍ، وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ لَا يُحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ فِي وُقُوعِ التَّطْلِيقِ الثَّلَاثِ بِتَكْرَارِ اللَّفْظِ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فَعَلَ عُوَيْمِرٌ إِذْ قَالَ: ((كَمَا فِي رِوَايَةٍ)) فَهِيَ الطَّلَاقُ فَهِيَ الطَّلَاقُ فَهِيَ الطَّلَاقُ. فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ بِاللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا طَلَاقًا مُكَرَّرًا صَادَفَ مَحَلًّا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ إِيقَاعَهُ بِدْعِيًّا كَمَا أَنْكَرَ عَلَى الرَّجُلِ الْآخَرِ الَّذِي ذُكِرَ فِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ. وَلِلْجُمْهُورِ أَحَادِيثُ أُخْرَى لَمْ يَذْكُرْهَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ لِضَعْفِهَا وَاضْطِرَابِهَا، أَشْهَرُهَا حَدِيثُ رُكَانَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ((أَلْبَتَّةَ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً فَأَعَادَ الْيَمِينَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعَادَهَا هُوَ فَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَأَلْتُ عَنْهُ مُحَمَّدًا; يَعْنِي الْبُخَارِيَّ، فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ، فَقِيلَ: طَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَقِيلَ: وَاحِدَةً. وَقِيلَ: أَلْبَتَّةَ، وَفِي إِسْنَادِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَمُضْطَرِبٌ كَمَا أَنَّهُ مَعَارَضٌ بِمَا يَأْتِي، وَرِوَايَةُ ثَلَاثًا فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِلرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، وَهِيَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَقَعُ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، وَجَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَاحِدَةً، فَهُوَ بِاخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
следующие страницы →