← Тафсир

Тафсир · id 12304

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

Полный текст (5 061 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَالْبَوَارِجِ، وَعَلَى عُلُومٍ كَثِيرَةٍ صَارَتْ وَاجِبَةً الْيَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً وَلَا مَوْجُودَةً بِالْأَمْسِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ تَمْرِيضَ الْمَرْضَى وَمُدَاوَاةَ الْجَرْحَى كَانَ يَسِيرًا عَلَى النِّسَاءِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرِ الْخُلَفَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَقَدْ صَارَ الْآنَ مُتَوَقِّفًا عَلَى تَعَلُّمِ فُنُونٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَتَرْبِيَةٍ خَاصَّةٍ، أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَفْضَلُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ؟ أَتَمْرِيضُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا هُوَ مَرِضَ أَمِ اتِّخَاذُ مُمَرِّضَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَتِهِ وَتَكْتَشِفُ مُخَبَّآتِ بَيْتِهِ؟ وَهَلْ يَتَيَسَّرُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُمَرِّضَ زَوْجَهَا أَوْ وَلَدَهَا إِذَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِقَانُونِ الصِّحَّةِ وَبِأَسْمَاءِ الْأَدْوِيَةِ؟ نَعَمْ; قَدْ تَيَسَّرَ لِكَثِيرَاتٍ مِنَ الْجَاهِلَاتِ قَتْلُ مَرْضَاهُنَّ بِزِيَادَةِ مَقَادِيرِ الْأَدْوِيَةِ السَّامَّةِ أَوْ بِجَعْلِ دَوَاءٍ مَكَانَ آخَرَ. رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ - وَصَحَّحَهُ - وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (٦٦: ٦) عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ وَأَدِّبُوهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ النِّسَاءُ وَالْأَوْلَادُ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَزَادَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ، وَهُوَ مِنْ: أَهَلَ الْمَكَانَ أُهُولًا: عَمَّرَ، وَأَهَلَ الرَّجُلُ وَتَأَهَّلَ تَزَوَّجَ، وَأَهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مَعَهُ فِيهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْقَرَابَةُ. وَجَمْعُ الْأَهْلِ أَهْلُونَ، وَرُبَّمَا قِيلَ الْأَهَالِي (الْمِصْبَاحُ) وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَقِي نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ نَارَ الْآخِرَةِ بِتَعْلِيمِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ، فَهُوَ كَذَلِكَ يَقِيهِمْ بِذَلِكَ نَارَ الدُّنْيَا وَهِيَ الْمَعِيشَةُ الْمُنَغَّصَةُ بِالشَّقَاءِ وَعَدَمِ النِّظَامِ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِي حُقُوقِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مَا لَمْ يُحِلَّ الْعُرْفُ حَرَامًا أَوْ يُحَرِّمْ حَلَالًا مِمَّا عُرِفَ بِالنَّصِّ، وَالْعُرْفُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ حَقَّ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَلَّا تَمْنَعَهُ مِنْ نَفْسِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَحَقَّهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى إِلَخْ. وَقَالُوا: لَا يَلْزَمُهَا عَجْنٌ وَلَا خَبْزٌ وَلَا طَبْخٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ بَيْتِهِ أَوْ مَالِهِ وَمِلْكِهِ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى هِدَايَةِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْحَنَابِلَةِ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمُقْنِعِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْجَوْزَجَانِيُّ: عَلَيْهَا ذَلِكَ وَاحْتَجَّا بِقَضِيَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ﵄ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنَ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ. وَرَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ، قَالَ وَقَدْ قَالَ ﵇: ((لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ أَوْ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ لَكَانَ نَوْلُهَا (أَيْ: حَقُّهَا) أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ)) رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ. قَالَ: فَهَذَا طَاعَةٌ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَكَيْفَ بِمُؤْنَةِ مَعَاشِهِ؟ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يَجِبُ عَلَيْهَا الْمَعْرُوفُ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُرْفِ الْبَلَدِ)) اهـ.

стр. 702

وَمَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ بِنْتِهِ وَرَبِيبِهِ وَصِهْرِهِ ﵉ هُوَ مَا تَقْضِي بِهِ فِطْرَةُ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ تَوْزِيعُ الْأَعْمَالِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، عَلَى الْمَرْأَةِ تَدْبِيرُ الْمَنْزِلِ وَالْقِيَامُ بِالْأَعْمَالِ فِيهِ، وَعَلَى الرَّجُلِ السَّعْيُ وَالْكَسْبُ خَارِجَهُ. وَهَذَا هُوَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي اسْتِعَانَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْخَدَمِ وَالْأُجَرَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَا مُسَاعَدَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي عَمَلِهِ أَحْيَانًا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ وَالتَّقْسِيمُ الْفِطْرِيُّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ مَصْلَحَةُ النَّاسِ وَهُمْ لَا يَسْتَغْنُونَ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَنِ التَّعَاوُنِ (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (٢: ٢٨٦) (وَتُعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ) (٥: ٢) . وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَمَا بَيَّنَهُ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْعُرْفِ لَا يَعْدُو مَا فِي الْآيَةِ قَيْدَ شَعْرَةٍ. وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَسَافَةَ الْبُعْدِ بَيْنَ مَا يَعْمَلُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ شَرِيعَتِهِمْ، فَانْظُرْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِنِسَائِهِمْ تَجِدُهُمْ يَظْلِمُونَهُنَّ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا يَصُدُّ أَحَدُهُمْ عَنْ ظُلْمِ امْرَأَتِهِ إِلَّا الْعَجْزُ، وَيُحَمِّلُونَهُنَّ مَا لَا يُحَمَّلْنَهُ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ وَالْجَهْدِ، وَيُكْثِرُونَ الشَّكْوَى مِنْ تَقْصِيرِهِنَّ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ فِيمَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ لَيَقُولُنَّ كَمَا يَقُولُ أَكْثَرُ فُقَهَائِهِمْ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ لَنَا عَلَيْهِنَّ خِدْمَةٌ، وَلَا طَبْخٌ، وَلَا غَسْلٌ، وَلَا كَنْسٌ وَلَا فَرْشٌ، وَلَا إِرْضَاعُ طِفْلٍ، وَلَا تَرْبِيَةُ وَلَدٍ، وَلَا إِشْرَافٌ عَلَى الْخَدَمِ الَّذِينَ نَسْتَأْجِرُهُمْ لِذَلِكَ، إِنْ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا الْمُكْثُ فِي الْبَيْتِ وَالتَّمْكِينُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهَذَا الْأَمْرَانِ عَدَمِيَّانِ; أَيْ: عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِلِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَعَدَمُ الْمُعَارَضَةِ بِالِاسْتِمْتَاعِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ لِلرِّجَالِ عَمَلٌ قَطُّ، وَلَا لِلْأَوْلَادِ مَعَ وُجُودِ آبَائِهِمْ أَيْضًا. وَأَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي إِعْفَائِهِنَّ مِنَ التَّكَالِيفِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِنَّ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ، يُقَابِلُهَا الْمُبَالَغَةُ فِي وَضْعِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِنَّ بِالْفِعْلِ، وَلَكِنَّ الْجَاهِلِينَ بِالْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ يَتَّهِمُونَ رِجَالَهَا بِهَضْمِ حُقُوقِ النِّسَاءِ، وَمَا هُوَ إِلَّا غَلَبَةُ التَّقَالِيدِ وَالْعَادَاتِ مَعَ عُمُومِ الْجَهْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فَهُوَ يُوجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْئًا وَعَلَى الرِّجَالِ أَشْيَاءَ; ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ هِيَ دَرَجَةُ الرِّيَاسَةِ وَالْقِيَامِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُفَسَّرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (٤: ٣٤) فَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ حَيَاةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَلَا بُدَّ لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ رَئِيسٍ; لِأَنَّ الْمُجْتَمِعِينَ لَا بُدَّ أَنْ تَخْتَلِفَ آرَاؤُهُمْ وَرَغَبَاتُهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَلَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ رَئِيسٌ يُرْجَعُ إِلَى رَأْيِهِ فِي الْخِلَافِ; لِئَلَّا يَعْمَلَ كُلٌّ عَلَى ضِدِّ الْآخَرِ فَتَنْفَصِمَ عُرْوَةُ الْوَحْدَةِ الْجَامِعَةِ، وَيَخْتَلَّ النِّظَامُ، وَالرَّجُلُ أَحَقُّ بِالرِّيَاسَةِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّنْفِيذِ بِقُوَّتِهِ وَمَالِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ هُوَ الْمُطَالَبُ شَرْعًا بِحِمَايَةِ الْمَرْأَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ هِيَ مُطَالَبَةً بِطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ

стр. 703

فَإِنْ نَشَزَتْ عَنْ طَاعَتِهِ كَانَ لَهُ تَأْدِيبُهَا بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ - إِنْ تَعَيَّنَ - تَأْدِيبًا، يَجُوزُ ذَلِكَ لِرَئِيسِ الْبَيْتِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْعَشِيرَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ، كَمَا يَجُوزُ مِثْلُهُ لِقَائِدِ الْجَيْشِ وَلِرَئِيسِ الْأُمَّةِ (الْخَلِيفَةِ أَوِ السُّلْطَانِ) لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الِاعْتِدَاءُ عَلَى النِّسَاءِ لِأَجْلِ التَّحَكُّمِ أَوِ التَّشَفِّي أَوْ شِفَاءِ الْغَيْظِ فَهُوَ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، قَالَ ﷺ : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا - إِلَى أَنْ قَالَ - فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلٌ لِهَذِهِ السُّلْطَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَخَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ : (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ لِذِكْرِ الْعِزَّةِ وَالْحِكْمَةِ هَاهُنَا وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إِعْطَاءُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى الرَّجُلِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَهْضُومَةَ الْحُقُوقِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَجَمِيعِ الْأُمَمِ. (وَالثَّانِي) جَعْلُ الرَّجُلِ رَئِيسًا عَلَيْهَا، فَكَأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْحَكِيمَةِ يَكُونُ مُنَازِعًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي عِزَّةِ سُلْطَانِهِ، وَمُنْكِرًا لِحِكْمَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ فَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْوَعِيدَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ كَمَا عَهِدَنَا مِنْ سُنَّةِ الْقُرْآنِ. (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) كَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقٌ وَمُرَاجَعَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلطَّلَاقِ حَدٌّ وَلَا عِدَّةٌ فَإِنْ كَانَ لِمُغَاضَبَةٍ عَارِضَةٍ عَادَ الزَّوْجُ فَرَاجَعَ وَاسْتَقَامَتْ عِشْرَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لِمُضَارَّةِ الْمَرْأَةِ رَاجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاسْتَأْنَفَ طَلَاقًا. ثُمَّ يَعُودُ إِلَى ذَلِكَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، أَوْ يَفِيءَ وَيَسْكُنَ غَضَبُهُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أُلْعُوبَةً بِيَدِ الرَّجُلِ يُضَارُّهَا بِالطَّلَاقِ مَا شَاءَ أَنْ يُضَارَّهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَصْلَحَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ أُمُورِ الِاجْتِمَاعِ. وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ وَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ قَالَتْ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: وَاللهِ لَا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي، وَلَا آوِيكِ أَبَدًا، قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ

стр. 704

فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكُ، فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ فَأَخْبَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى) مَا مِثَالُهُ بِإِيضَاحٍ: قَدْ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ الطَّلَاقَ عَلَى الطَّلَاقِ وَذَكَرَ الْعِدَّةَ، وَالطَّلَاقُ هُنَا هُوَ الطَّلَاقُ هُنَاكَ. وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُفَارَقَةِ الْمَرْأَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا، بِحَلِّ الرَّجُلِ عُقْدَةَ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي تَرْبُطُهُمَا مَعًا، وَاللَّفْظُ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى; فَهَذَا بَيَانٌ لِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي الطَّلَاقِ جَاءَ عَلَى صِيغَةِ الْخَبَرِ لِتَقْرِيرِهِ وَتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) أَيْ: إِنَّ حَدَّ اللهِ الَّذِي حَدَّهُ لِلطَّلَاقِ وَلَمْ يُخْرِجْ بِهِ الْعِصْمَةَ مِنْ أَيْدِي الرِّجَالِ هُوَ مَرَّتَانِ; أَيْ: طَلْقَتَانِ، وَعَبَّرَ بِالْمَرَّتَيْنِ لِيُفِيدَ أَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ تَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَرَّةً تَحِلُّ بِهَا الْعِصْمَةُ ثُمَّ تُبْرَمُ، لَا أَنَّهُمَا يَكُونَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَعَلَ كَلِمَةَ (طَلَّقْتُ ثَلَاثًا) بِمَثَابَةِ قَرَأْتُ الْفَاتِحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَالطَّلَاقُ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَهُوَ لَغْوٌ مِنَ الْقَوْلِ، وَقَوْلُ: إِنَّ إِنْشَاءَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا بِالْقَوْلِ لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الرَّجُلِ إِيقَاعُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً; ذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الْعَمَلِيَّةَ لَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْقَوْلِ الْمُعَبِّرِ عَنْهَا، بَلْ وَلَا الْقَوْلِيَّةَ أَيْضًا. فَمَنْ فَسَخَ الْعَقْدَ مَرَّةً وَعَبَّرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: الْوَاحِدُ ثَلَاثَةٌ وَالثَّلَاثَةُ وَاحِدٌ. وَمَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَجَاءَ بِهَذَا فَقَدْ خَرَجَ عَنِ السُّنَّةِ وَاسْتَحَقَّ التَّأْدِيبَ. فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: ((أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟)) حَتَّى قَالَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ! قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: رُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ. وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ الشَّرْعِيَّ هُوَ مَا كَانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ جَمْعَ الثِّنْتَيْنِ أَوِ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ، وَأَنَّهُ حَرَامٌ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي الْأَسْرَارِ: وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ، وَهُوَ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ ﵃. (قَالَ) : هَذَا هُوَ الطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَبِهَذَا الْعَدَدِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْبَاتُّ الْبَائِنُ فَلَمْ يَرِدْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُحَدِّثُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ أَوْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا مِنْ آيَةٍ أُخْرَى مِنَ الْقُرْآنِ; وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ مِنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى الْآنِ، وَلَمْ يُذْكَرِ الخِلَافُ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ إِلَّا عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَبِينُ مِنْهُ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَالطَّلَاقُ

стр. 705

فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ نَوْعٌ مِنْهُ وَهُوَ الرَّجْعِيُّ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَمْ يُذْكَرْ، وَقَدْ أَخَذُوهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ، وَالْآخَرُونَ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ فَالطَّلَاقُ بَعْدَهَا لَغْوٌ. (أَقُولُ) : حَدِيثُ الْمُلَاعَنَةِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنًا فَأْتِ بِهَا)) فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنِينَ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنِينَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللِّعَانَ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ بِنَفْسِهِ بِأَنَّ تَفْرِيقَهُ ﷺ بَيْنَهُمَا هُوَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَا إِنْشَاءُ تَفْرِيقٍ، وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ لَا يُحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ فِي وُقُوعِ التَّطْلِيقِ الثَّلَاثِ بِتَكْرَارِ اللَّفْظِ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فَعَلَ عُوَيْمِرٌ إِذْ قَالَ: ((كَمَا فِي رِوَايَةٍ)) فَهِيَ الطَّلَاقُ فَهِيَ الطَّلَاقُ فَهِيَ الطَّلَاقُ. فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ بِاللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا طَلَاقًا مُكَرَّرًا صَادَفَ مَحَلًّا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ إِيقَاعَهُ بِدْعِيًّا كَمَا أَنْكَرَ عَلَى الرَّجُلِ الْآخَرِ الَّذِي ذُكِرَ فِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ. وَلِلْجُمْهُورِ أَحَادِيثُ أُخْرَى لَمْ يَذْكُرْهَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ لِضَعْفِهَا وَاضْطِرَابِهَا، أَشْهَرُهَا حَدِيثُ رُكَانَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ((أَلْبَتَّةَ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً فَأَعَادَ الْيَمِينَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعَادَهَا هُوَ فَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَأَلْتُ عَنْهُ مُحَمَّدًا; يَعْنِي الْبُخَارِيَّ، فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ، فَقِيلَ: طَلَّقَهَا ثَلَاثًا. وَقِيلَ: وَاحِدَةً. وَقِيلَ: أَلْبَتَّةَ، وَفِي إِسْنَادِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَمُضْطَرِبٌ كَمَا أَنَّهُ مَعَارَضٌ بِمَا يَأْتِي، وَرِوَايَةُ ثَلَاثًا فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِلرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، وَهِيَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَقَعُ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ إِلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، وَجَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَاحِدَةً، فَهُوَ بِاخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ.

стр. 706

وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُعَارِضِ لِذَلِكَ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَا عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، أَلَمْ يَكُنْ طَلَاقُ الثَّلَاثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ قَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ (التَّتَايُعُ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ: الْوُقُوعُ فِي الشَّرِّ مِنْ غَيْرِ تَمَاسُكٍ وَلَا تَوَقُّفٍ) فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ التَّقْيِيدُ بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الرِّوَايَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ. وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْجُمْهُورِ إِلَّا الْأَخْذُ بِعَمَلِ عُمَرَ ﵁، وَمَنْ لَمْ يَحْتَجَّ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ قَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ. قَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إِذَا وَقَعَتْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، هَلْ يَقَعُ جَمِيعُهَا وَيَتْبَعُ الطَّلَاقُ الطَّلَاقَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَالنَّاصِرُ وَالْإِمَامُ يَحْيَى، حُكِيَ عَنْهُمْ فِي الْبَحْرِ، وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَتْبَعُ الطَّلَاقَ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَتْبَعُ الطَّلَاقَ، بَلْ يَقَعُ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْهَادِي وَالْقَاسِمِ وَالْبَاقِرِ وَالنَّاصِرِ وَأَحْمَدَ بْنِ عِيسَى وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ مَغِيبٍ فِي كِتَابِ الْوَثَائِقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ، وَنَقَلَ الْفَتْوَى بِذَلِكَ عَنْ مَشَايِخِ قُرْطُبَةَ، كَمُحَمَّدِ بْنِ بَقِيٍّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ مَغِيبٍ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ عَنْ عَلِيِّ ﵁ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْإِمَامِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِالطَّلَاقِ الْمُتَتَابِعِ شَيْءٌ، لَا وَاحِدَةٌ وَلَا أَكْثَرُ مِنْهَا، وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِر، وَسَائِرُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الطَّلَاقَ الْبِدْعِيَّ لَا يَقَعُ; لِأَنَّ الثَّلَاثَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ أَلْفَاظٍ مُتَتَابِعَةٍ مِنْهُ إِلَخْ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ الْأَدِلَّةَ وَعَرَضَهَا عَلَى مِيزَانِ التَّعَادُلِ وَالتَّرْجِيحِ، وَرَجَّحَ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ أَيْ لِلشَّوْكَانِيِّ رِسَالَةٌ خَاصَّةٌ فِي تَفْنِيدِ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ وَأَجْوِبَتِهِمْ عَنِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مُؤَلَّفٌ خَاصٌّ فِيهَا. وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ الْقَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ فِيهَا وَالدَّلَائِلَ

стр. 707

وَأَوْضَحَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَكُونُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: ((وَمَا كَانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلِكِ الْمُكَلَّفُ إِيقَاعَ مَرَّاتِهِ كُلِّهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَاللِّعَانِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ أَرْبَعَ شَهَادَتٍ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ، كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ وَقَالَ: أُقْسِمُ بِاللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّ هَذَا قَاتِلُهُ: كَانَ ذَلِكَ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا: أَنَا أُقِرُّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنِّي زَنَيْتُ: كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَمَنْ يَعْتَبِرُ الْأَرْبَعَ لَا يَجْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا إِقْرَارًا وَاحِدًا)) ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ أُخْرَى كَالْأَمْرِ بِالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِالثَّلَاثِ مُجْتَمِعَةً إِلَّا وَاحِدَةً مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَأَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْقُضْهُ إِجْمَاعٌ بَعْدَهُ، وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَفْتَى بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ تَابِعِيهِمْ، وَأَنَّ الْفَتْوَى بِذَلِكَ تَتَابَعَتْ فِي كُلِّ عَصْرٍ حَتَّى كَانَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَنْ أَفْتَى بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ عِنْدَمَا ذَكَرَ أَتْبَاعَ تَابِعِي التَّابِعِينَ قَالَ: ((فَأَفْتَى بِهِ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو الْمُغَلِّسِ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ حَكَاهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ تَفْرِيعِ ابْنِ الْحَلَّابِ قَوْلًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْهُ قَالَ: وَكَانَ الْجَدُّ يُفْتِي بِهِ أَحْيَانًا)) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَثْرَمَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُهُ؟ فَقَالَ بِمَا رُوِيَ مِنْ فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِخِلَافِهِ - رُوِيَ عَنْهُ فِي الْفَتْوَى رِوَايَتَانِ - ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ الْعَمَلُ بِرِوَايَةِ الصَّحَابِيِّ دُونَ رَأْيِهِ إِذَا اخْتَلَفَا، وَذَكَرَ لِذَلِكَ شَوَاهِدَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ إِجَازَةَ عُمَرَ الثَّلَاثَ - لَمَّا تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ - تَأْدِيبٌ لَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا شَرَعَهُ اللهُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ كَوْنِهِ يُوقِعُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِيَرْجِعُوا إِلَى السُّنَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَذَكَرَ الرِّوَايَاتِ فِي تَأْيِيدِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْآنَ تَقْضِي بِالرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَمَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ فِرَارًا مِنْ مَفَاسِدِ التَّحْلِيلِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِدِينِهِمْ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَحَامِينَا فِي التَّفْسِيرِ ذِكْرَ الْخِلَافِ مَا وَجَدْنَا مَنْدُوحَةً عَنْهُ; لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إِجْمَاعِيَّةٌ فِيمَا جَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَمَا تَمَّ مِنْ إِجْمَاعٍ إِلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُجَادَلَةَ الْمُقَلِّدِينَ أَوْ إِرْجَاعَ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ فِيهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَطَّلِعُ عَلَى هَذِهِ النُّصُوصِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُبَالِي

стр. 708

بِهَا; لِأَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَقْوَالِ كُتُبِهِمْ دُونَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَعْنَاهُ: فَالْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ إِمَّا إِمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ مَعَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِمَّا تَسْرِيحُهَا بِإِمْضَاءِ الطَّلَاقِ مَعَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا فِي الْمُعَامَلَةِ وَالتَّمْتِيعِ بِمَالٍ لَائِقٍ بِهِ، وَهُوَ مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا، وَيَسْتَلْزِمُ اتِّقَاءَ الْإِهَانَةِ وَالْإِسَاءَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ إِلَّا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ التَّسْرِيحُ; أَيِ: الطَّلَاقُ بِالْإِحْسَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْأَسَدِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ ((أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ فَقَالَ ﷺ : (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِمَعْنَى هَذَا، فَإِنِ اخْتَارَ الْأَمْرَ الثَّانِيَ وَهُوَ التَّسْرِيحُ فَطَلَّقَهَا بَانَتْ مِنْهُ وَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَى آخِرَ مَا سَيَأْتِي مَعَ حِكْمَتِهِ لَا أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى طَلْقَةٍ رَابِعَةٍ. بَعْدَ أَنْ فَرَضَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْإِحْسَانَ عَلَى مَنِ اخْتَارَ التَّسْرِيحَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَخْذَ شَيْءٍ مِنَ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَهْرُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُعْطِيهِ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُمَتِّعَهَا بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ (فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ) (٣٣: ٤٩) . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ ﵁ : إِنَّ أَخْذَ الرَّجُلِ شَيْئًا مِنْ مَالِ مُطَلَّقَتِهِ مُنَافٍ لِلْإِحْسَانِ فَالْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ يَسْتَلْزِمُهُ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ لِمَزِيدِ رَأْفَتِهِ سُبْحَانَهُ بِالنِّسَاءِ، وَتَأْكِيدِهِ تَحْذِيرَ الرِّجَالِ الْأَقْوِيَاءِ مِنْ ظُلْمِهِنَّ حُقُوقَهُنَّ، وَقَدْ كَرَّرَ هَذَا النَّهْيَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مَهْ شَيْئًا) (٤: ٢٠) إِلَخْ، الْآيَتَيْنِ، وَمَحَلُّ هَذَا الْحُكْمِ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ فِرَاقَ الْمَرْأَةِ وَرَغِبَ عَنْهَا، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ هِيَ الرَّاغِبَةَ عَنْهُ الطَّالِبَةَ لِفِرَاقِهِ، وَخِيفَ أَنْ تَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِالنُّشُوزِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ لِكَرَاهَتِهَا إِيَّاهُ أَوْ لِسُوءِ خُلُقِهَا، لَا لِمُضَارَّتِهِ لَهَا; فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا حِينَئِذٍ فِيمَا يَأْخُذُهُ مِنْهَا لِإِطْلَاقِ سَرَاحِهَا، إِذْ لَا يُكَلَّفُ خَسَارَةَ امْرَأَتِهِ وَمَالِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِنْهُ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ) الَّتِي حَدَّهَا لِلزَّوْجَيْنِ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْحُقُوقِ مَعَ وِلَايَةِ الرَّجُلِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَنْزِلِ وَتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ وَعَدَمِ الْمُضَارَّةِ لِقَوْلِهِ: (وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) (٦٥: ٦) وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَخَافَ الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْصِيَ

стр. 709

اللهَ فِي أَمْرِ زَوْجِهَا فَتَكْفُرَهُ أَوْ تَخُونَهُ، وَيَخَافَ هُوَ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فِي مُؤَاخَذَةِ النَّاشِزِ، وَيَخَافَا مَعًا سُوءَ الْعِشْرَةِ (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الْجُنَاحُ: الْإِثْمُ، أَيْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهَا فِيمَا تُعْطِيهِ إِيَّاهُ لِيَخْلَعَهَا; لِأَنَّ طَلَبَهَا الطَّلَاقَ إِنَّمَا يُحْظَرُ لِغَيْرِ هَذَا الْعُذْرِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْخُذُ لِأَجْلِ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ بِرِضَاهَا وَاخْتِيَارِهَا مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ مِنْهُ وَلَا مُضَارَّةٍ، وَالْخَوْفُ هُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ تَوَقُّعُ الْمَكْرُوهِ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالظَّنِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعِلْمِ، وَتَوَقُّعُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا فَهُوَ مِنَ الْعِلْمِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنَ الظَّنِّ، وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْخِطَابَ الْأَوَّلَ لِلْأَزْوَاجِ وَالثَّانِيَ لِلْحُكَّامِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْخِطَابَ لِلْحُكَّامِ أَوَّلًا وَآخِرًا لِتَنَاسُقِ النَّظْمِ بِتَنَاسُقِ الضَّمَائِرِ. وَيَقُولُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الْخِطَابَ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْأُمَّةِ; لِأَنَّهَا مُتَكَافِلَةً فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَأُولُو الْأَمْرِ هُمُ الْمُطَالَبُونَ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ بِالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ، وَالْحُكَّامُ مِنْهُمْ وَسَائِرُ النَّاسِ رُقَبَاءُ عَلَيْهِمْ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ (يُخَافَا) بِضَمِّ الْيَاءِ; أَيْ: يَتَوَقَّعُ النَّاسُ مِنْهُمَا ذَلِكَ لِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ وَآيَاتِهِ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْخَوْفِ مِنْ عَدَمِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُثَارُهُ الرَّجُلَ أَوِ الْمَرْأَةَ، وَخَصَّهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ إِقَامَتِهَا مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ عَدْلِ الْإِسْلَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، إِذْ جَعَلَ هَذَا اسْتِثْنَاءً مِنْ تَحْرِيمِ أَخْذِ الرَّجُلِ الْمُطَلِّقِ شَيْئًا مَا مِمَّا أَعْطَاهُ امْرَأَتَهُ. وَيَنْجَلِي هَذَا بِعَرْضِ حَالَاتِ الزَّوْجَيْنِ الثَّلَاثِ عَلَى الْعَقْلِ وَالْعَدْلِ: فَهُمَا إِنْ أَقَامَا حُدُودَ اللهِ تَعَالَى بِحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَأَدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَقَّ الْآخَرِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شُذُوذٍ يُتَسَامَحُ فِيهِ عَادَةً فَلَا خَوْفَ وَلَا فِرَاقَ، وَإِنْ عَرَضَ لَهَا مَا يَمْنَعُ إِقَامَتَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَارِضُ الْمَانِعُ مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ بِأَنْ أَبْغَضَ الْمَرْأَةَ أَوْ فُتِنَ بِغَيْرِهَا وَأَحَبَّ فِرَاقَهَا لِغَيْرِ ذَنْبٍ مِنْهَا أَوْجَبَ ذَلِكَ وَخَافَ أَلَّا يُعَامِلَهَا بِمَا يَجِبُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُقَابِلَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ; لِأَنَّ عُقْدَةَ الزَّوْجِيَّةِ بِيَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِمَّا كَانَ أَعْطَاهَا شَيْئًا بِالنَّصِّ، وَهُوَ (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ) الْآيَةَ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي أَرَادَ الطَّلَاقَ. وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ قِبَلِهَا كَأَنْ أَبْغَضَتْهُ بُغْضًا لَا تَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ وَالْقِيَامَ مَعَهُ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، وَخَافَتْ أَنْ تَقَعَ فِي النُّشُوزِ، وَيُسْرِفَ هُوَ فِي الْعُقُوبَةِ، فَمِنَ الْعَدْلِ أَنْ تُعْطِيَهُ مَا كَانَتْ أَخَذَتْ مِنْهُ بِاسْمِ الزَّوْجِيَّةِ لِيَحِلَّ عُقْدَتَهَا، فَلَا يَخْسَرُ مَالَهُ وَزَوْجَتَهُ مَعًا. عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ فِي الْآيَةِ، إِذْ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَيْهَا، وَنَفْيُ الْجُنَاحِ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ظَاهِرٌ فِي الرَّجُلِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى الْمُفْرِدِ لِخَفَائِهِ عَلَيْهِمْ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ، وَمَا هُوَ بِخَفِيٍّ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ يُذَمُّ مِنْهَا شَرْعًا

стр. 710

وَعُرْفًا أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ، وَقَدْ رُفِعَ عَنْهَا الْجُنَاحُ فِيهِ بِهَذَا الْعُذْرِ، وَهُوَ عِلْمُهَا بِتَعَذُّرِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ فِي الزَّوْجِيَّةِ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنْ هُنَاكَ حَالَةً ثَانِيَةً وَهِيَ أَنْ يَكْرَهَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ وَيَوَدَّ فِرَاقَهُ. وَيَقُولُ: إِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ الصَّبْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (٤: ١٩) فَإِنْ صَبَرَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ جَاءَ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْفِرَاقِ خَوْفًا مِنَ الشِّقَاقِ، وَرَضِيَتِ الْمَرْأَةُ بِأَنْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا صُدِّقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا هِيَ الطَّالِبَةُ لِلْفَسْخِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا بِرِضَاهَا وَاخْتِيَارِهَا مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ مِنْهُ وَلَا مُضَارَّةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا وَرَدَ فِي نُزُولِ الْآيَةِ. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ والْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ((أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ سَلُولَ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا، وَأَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ (أَيْ: كُفْرَ نِعْمَةِ الْعَشِيرِ وَخِيَانَتَهُ) قَالَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَقْبَلُ الْحَدِيقَةَ، وَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً)) وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ ((فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ وَلَا يَزْدَادَ)) وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا) إِلَخْ، نَزَلَ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ النِّسَاءِ الَّتِي لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ. وَهَذَا الْفِرَاقُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الِافْتِدَاءِ يُسَمَّى الْخُلْعُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ: هَلْ هُوَ طَلَاقٌ أَمْ فَسْخٌ؟ وَلِكُلِّ مَذْهَبٍ أَدِلَّةٌ لَيْسَ التَّفْسِيرُ بِمَحَلٍّ لَهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي عَدِّهِ مِنَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ أَمْ لَا، وَفِي عِدَّةِ الْمُخْتَلِعَةِ. فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ)) مِثْلُهُ حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِوَعِيدِ مَنْ يُخَالِفُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فَقَالَ: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) أَيْ: هَذِهِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي هِيَ حُدُودُ اللهِ لِلْمُعَامَلَةِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا تَتَجَاوَزُوهَا بِالْمُخَالَفَةِ (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الَّذِينَ صَارَ الظُّلْمُ وَصْفًا لَازِمًا لَهُمْ مُتَمَكِّنًا مِنَ أَنُفُسِهِمْ دُونَ الْمُلْتَزِمِينَ لَهَا، وَالظُّلْمُ آفَةُ الْعُمْرَانِ وَمُهْلِكُ الْأُمَمِ، وَإِنَّ ظُلْمَ الْأَزْوَاجِ لِلْأَزْوَاجِ أَعْرَقُ فِي الْإِفْسَادِ، وَأَعْجَلُ فِي الْإِهْلَاكِ مِنْ ظُلْمِ الْأَمِيرِ لِلرَّعِيَّةِ ; لِأَنَّ رَابِطَةَ الزَّوْجِيَّةِ أَمْتَنُ الرَّوَابِطِ وَأَحْكَمُهَا فَتُلَافِي الْفِطْرَةَ، فَإِذَا فَسَدَتِ الْفِطْرَةُ فَسَادًا انْتَكَثَ بِهِ هَذَا الْقَتْلُ، وَانْقَطَعَ هَذَا

стр. 711

الْحَبْلُ، فَأَيُّ رَجَاءٍ فِي الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ يَمْنَعُ عَنْهَا غَضَبَ اللهِ وَسَخَطَهُ؟ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الظُّلْمَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ يُؤَدِّي إِلَى الشَّقَاءِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّهُ مُشِقٌ بِطَبِيعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ بَلَغَ التَّرَاخِي وَالِانْفِصَامُ فِي رَابِطَةِ الزَّوْجِيَّةِ لِعَهْدِنَا هَذَا مَبْلَغًا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَأَسْرَفَ الرِّجَالُ فِي الطَّلَاقِ، وَكَثُرَ نُشُوزُ النِّسَاءِ وَافْتِدَاؤُهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ بِالْخُلْعِ، لِفَسَادِ الْفِطْرَةِ فِي الزَّوْجَيْنِ، وَاعْتِدَاءِ حُدُودِ اللهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كَرَاهَةِ الطَّلَاقِ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ وَوَرَدَ مِثْلُهُ أَيْضًا فِي طَلَبِ الْمَرْأَةِ لَهُ كَحَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ جَرِيرٍ وَالْحَاكِمِ والْبَيْهَقِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)) فَطَلَبُ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ مَحْظُورٌ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْآيَةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَالْجُمْهُورُ اسْتَكْرَهُوهُ وَلَكِنْ نَفَّذُوهُ. (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ أَنَّ الطَّلَاقَ مَرَّتَانِ وَأَنَّهُ يَكُونُ بِلَا عِوَضٍ وَقَدْ يَكُونُ بَعِوَضٍ قَالَ: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أَيْ: فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ طَلْقَةً ثَالِثَةً - وَهِيَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ - فَلَا يَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ زَوَاجًا صَحِيحًا مَقْصُودًا حَصَلَ بِهِ مَا يُرَادُ بِالزَّوَاجِ مِنَ الْغِشْيَانِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: عَبَّرَ عَنِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ بِـ (إِنْ) دُونَ إِذَا لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ مُطْلَقًا، كَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى أَنْ يَتَجَاوَزَ الطَّلَاقُ الْمَرَّتَيْنِ، وَالنِّكَاحُ لَهُ طَلَاقَانِ: الْعَقْدُ وَمَا وَرَاءَ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الَّذِي يُكْنَى عَنْهُ بِالدُّخُولِ. وَقَدْ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّ الْحَلَّ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، إِذْ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنَ الْمُخَالَطَةِ الزَّوْجِيَّةِ أَخْذًا مِنْ إِسْنَادِ النِّكَاحِ إِلَى الْمَرْأَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَوَلَّى الْعَقْدَ، وَمِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ

стр. 712

تَنْكِحُ زَوْجًا. وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ الصَّحِيحِ وَالْمُنْطَبِقِ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي مَنْعِ الْمُرَاجَعَةِ. رَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)) وَالْعُسَيْلَةُ كِنَايَةٌ عَنْ أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ تَغَشِّي الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي امْرَأَةِ رِفَاعَةَ هَذِهِ وَاسْمُهَا عَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ وَهَبِ بْنِ عَتِيكٍ ابْنُ عَمِّهَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَفِيهِ أَنَّهَا قَالَتْ: ((إِنَّهُ طَلَّقَنِي - أَيْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ زَوْجَهَا الثَّانِيَ - قَبْلَ أَنْ يَمَسَّنِي أَفَأَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يَمَسَّ)) . وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْفُقَهَاءُ فِي حِكْمَةِ ذَلِكَ: إِنَّهُ إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا إِذَا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَرْتَدِعُ ; لِأَنَّهُ مِمَّا تَأْبَاهُ غَيْرَةُ الرِّجَالِ وَشَهَامَتُهُمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ الْآخَرُ عَدُوًّا أَوْ مُنَاظِرًا لِلْأَوَّلِ، وَلَنَا أَنْ نَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ يَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَيَرْتَجِعُهَا نَادِمًا عَلَى طَلَاقِهَا، ثُمَّ يَمْقُتُ عِشْرَتَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيُطَلِّقُهَا، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ وَيَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ عَدَمُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا فَيَرْتَجِعُهَا ثَانِيَةً، فَإِنَّهُ يَتِمُّ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِبَارُهَا; لِأَنَّ الطَّلَاقَ رُبَّمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ تَامَّةٍ وَمَعْرِفَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْهُ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ النَّدَمِ عَلَى مَا كَانَ أَوَّلًا وَالشُّعُورِ بِأَنَّهُ كَانَ خَطَأً، وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الِاخْتِبَارَ يَتِمُّ بِهِ، فَإِذَا هُوَ رَاجَعَهَا بَعْدَهُ كَانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِإِمْسَاكِهَا عَلَى تَسْرِيحِهَا، وَيَبْعُدُ أَنْ يَعُودَ إِلَى تَرْجِيحِ التَّسْرِيحِ بَعْدَ أَنْ رَآهُ بِالِاخْتِبَارِ التَّامِّ مَرْجُوحًا، فَإِنْ هُوَ عَادَ وَطَلَّقَ ثَالِثَةً كَانَ نَاقِصَ الْعَقْلِ وَالتَّأْدِيبِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُجْعَلَ الْمَرْأَةُ كُرَةً بِيَدِهِ يَقْذِفُهَا مَتَى شَاءَ تَقَلُّبُهُ وَيَرْتَجِعُهَا مَتَى شَاءَ هَوَاهُ، بَلْ يَكُونُ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ وَيَخْرُجَ أَمْرُهَا مِنْ يَدِهِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنْ لَا ثِقَةَ بِالْتِئَامِهَا وَإِقَامَتِهِمَا حُدُودَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنِ اتَّفَقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ عَنْ رَغْبَةٍ وَاتَّفَقَ أَنْ طَلَّقَهَا الْآخَرُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ رَغِبَ فِيهَا الْأَوَّلُ وَأَحَبَّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا لِغَيْرِهِ - وَرَضِيَتْ هِيَ بِالْعُودِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّجَاءَ فِي الْتِئَامِهِمَا وَإِقَامَتِهِمَا حُدُودَ اللهِ تَعَالَى يَكُونُ حِينَئِذٍ قَوِيًّا جِدًّا، وَلِذَلِكَ أَحَلَّتْ لَهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَقَدْ شَرَحْنَا الْحِكْمَةَ بِنَاءً عَلَى مَا فَسَّرْنَا بِهِ كَوْنَ الطَّلَاقِ مَرَّتَيْنِ، وَكَوْنَ النِّكَاحِ لِزَوْجٍ آخَرَ هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَهُوَ الْحَقُّ. (فَإِنْ طَلَّقَهَا) الزَّوْجُ الثَّانِي (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أَيِ: الزَّوْجِ الثَّانِي وَالْمَرْأَةِ (أَنْ يَتَرَاجَعَا) هَذَا مَا اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ خِلَافًا (لِلْجَلَالِ) وَغَيْرِهِ مِنَ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ

стр. 713

وَالْمَرْأَةُ، قَالَ وَحِكْمَتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) هِيَ إِزَالَةُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا وَلَا تَظْهَرُ لَنَا حِكْمَةٌ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُرَادَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ وَالْمَرْأَةُ. وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ فِي التَّرَاجُعِ مِنْ مُرَاعَاةِ شَرْطِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ) أَيْ: تَرَجَّحَ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَقُومُ بِحَقِّ الْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي حَدَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى، فَلَا بُدَّ مِنْ حُسْنِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ النِّيَّةِ مِنْ كِلَا الزَّوْجَيْنِ; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَا وَضَعَ هَذِهِ الْحُدُودَ لِلزَّوْجَيْنِ إِلَّا لِيَصْلُحَ حَالُهُمَا وَيَسْتَقِيمَ عَمَلُهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ نِيَّةُ سُوءٍ فَإِنَّ هَذَا التَّرَاجُعَ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ صَحَّ عِنْدَ الْقَاضِي أَوِ الْمُفْتِي عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الظَّنَّ هُنَا بِالْعِلْمِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ لُغَةً وَلَا فِعْلًا إِذْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ بِالْيَقِينِ كَيْفَ يُعَامَلُ الْآخَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَيَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَنْفِيذِ مَا نَوَاهُ، قَالَ: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الْإِشَارَةُ بِتِلْكَ إِلَى الْأَحْكَامِ فِي الْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ يُبَيِّنُهَا فِي كِتَابِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِفَائِدَتِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَمَنْ عَلِمَ الْمَصْلَحَةَ فِي شَيْءٍ كَانَ مُنْدَفِعًا بِطَبْعِهِ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ وَإِقَامَتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ بِهِ الْفَائِدَةُ مِنْهُ، يُبَيِّنُهَا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الْحَقَائِقَ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَهَا، لَا مَنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ فَيَأْخُذُ بِظَاهِرِ قَوْلِ الْمُفْتِي أَوِ الْقَاضِي وَلَا يَجْعَلُ لِحُسْنِ النِّيَّةِ وَإِخْلَاصِ الْقَلْبِ مُدْخَلًا فِي عَمَلِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَيُضْمِرُ لَهَا السُّوءَ وَيَبْغِيهَا الِانْتِقَامَ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذِهِ الْحُدُودِ فِي تَفْسِيرِ (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) فَارْجِعْ إِلَيْهِ إِنْ كُنْتَ نَسِيتَهُ. أَلَا فَلْيَعْلَمْ كُلُّ مُسْلِمٍ أَنَّ الْآيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا هُوَ مَا كَانَ زَوَاجًا صَحِيحًا عَنْ رَغْبَةٍ، وَقَدْ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ لِذَاتِهِ، فَمَنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا بِقَصْدِ إِحْلَالِهَا لِلْأَوَّلِ كَانَ زَوَاجُهُ صُورِيًّا غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلَا تَحِلُّ بِهِ الْمَرْأَةُ لِلْأَوَّلِ، بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ لَعَنَ الشَّارِعُ فَاعِلَهَا، وَهُوَ لَا يَلْعَنُ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا مَشْرُوعًا وَلَا مَكْرُوهًا فَقَطْ، بَلِ الْمَشْهُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللَّعْنَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى كَبَائِرِ الْمَعَاصِي، فَإِنْ عَادَتْ إِلَيْهِ كَانَتْ حَرَامًا، وَمِثَالُ ذَلِكَ مِثَالُ مَنْ طَهَّرَ الدَّمَ بِالْبَوْلِ; وَهُوَ رِجْسٌ عَلَى رِجْسٍ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَخَلَائِقُ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ نِكَاحَ التَّحْلِيلِ شَرٌّ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَأَشَدُّ فَسَادًا وَعَارًا. وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالظَّوَاهِرِ لَا بِالْمَقَاصِدِ وَالضَّمَائِرِ، نَقُولُ: نَعَمْ; وَلَكِنَّ الدِّينَ الْقَيِّمَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ عُنْوَانَ الْبَاطِنِ وَإِلَّا كَانَ نِفَاقًا، عَلَى أَنَّ بَاغِيَ التَّحْلِيلِ لَيْسَ بِمُتَزَوِّجٍ حَقِيقَةَ الزَّوَاجِ الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ وَبَيَّنَهُ لَا عِنْدَ نَفْسِهِ وَلَا عِنْدَ مَنْ أَرَادَهُ عَلَى التَّحْلِيلِ وَتَوَاطَأَ مَعَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عُذِرَ الْقَاضِي الْمُنَفِّذُ لَهُ بِجَهْلِهِ لِلْوَاقِعِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، فَلَا يُعْذَرُ بِهِ الْعَالِمُ بِهِ وَالْمُقْتَرِفُ لَهُ. وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْحَافِظُ

стр. 714

الْفَقِيهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) أَتَمَّ الْإِيضَاحِ وَمِنْ غَرَائِبِ الِانْتِصَارِ لِلتَّقْلِيدِ أَنِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ (كَالْأَلُوسِيِّ) عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ بِتَسْمِيَتِهِ مُحَلِّلًا فِي الْحَدِيثِ النَّاطِقِ بِتَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ مَنْ أَرَادُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَبَعْدَ التَّسْمِيَةِ سُئِلَ عَنْهُ الشَّارِعُ فَلَمْ يُجِزْ عَمَلَهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حِكَايَةُ لَفْظِ الِاسْمِ مُبْطِلَةً لِمَضْمُونِ الْحُكْمِ، فَالنَّاسُ هُمُ الَّذِينَ سَمَّوْا، وَالشَّارِعُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَ، كَمَا تَرَى فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي، وَإِنَّنَا نُثْبِتُ هُنَا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ فِي الزَّوَاجِرِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ فِي تَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ قَالَ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ)) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعُثْمَانُ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ. وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُحَلِّلِ فَقَالَ: لَا، إِلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، لَا دُلْسَةٍ وَلَا اسْتِهْزَاءٍ بِكِتَابِ اللهِ ، ثُمَّ تَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ)) . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا أُوتَي بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إِلَّا رَجَمْتُهُمَا)) فَسُئِلَ ابْنُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كِلَاهُمَا زَانٍ، وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: ((مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجْتُهَا لِأُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا لَمْ يَأْمُرْنِي وَلَمْ يَعْلَمْ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: لَا، إِلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ إِنْ أَعْجَبَتْكَ أَمْسَكْتَهَا، وَإِنْ كَرِهْتَهَا فَارَقْتَهَا، وَإِنْ كُنَّا لَنَعُدَّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُئِلَ عَنْ تَحْلِيلِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا فَقَالَ: ذَلِكَ هُوَ السِّفَاحُ)) وَعَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ ابْنَةَ عَمِّهِ ثُمَّ نَدِمَ وَرَغِبَ فِيهَا فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ لِيُحِلَّهَا لَهُ فَقَالَ: ((كِلَاهُمَا زَانٍ وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا، إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا)) وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ نَدِمَ فَقَالَ: ((هُوَ رَجُلٌ عَصَى اللهَ فَأَنْدَمَهُ وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، فَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِلُّهَا لَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ يُخَادِعِ اللهَ يَخْدَعْهُ)) اهـ. وَأَنْتَ تَرَى مَعَ هَذَا أَنَّ رَذِيلَةَ التَّحْلِيلِ قَدْ فَشَتْ فِي الْأَشْرَارِ الَّذِينَ جَعَلُوا رُخْصَةَ الطَّلَاقِ عَادَةً وَمَثَابَةً، وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِلَفْظِ الثَّلَاثِ يَقَعُ ثَلَاثًا، اتَّخَذَ غَوْغَاءُ الْمُسْلِمِينَ دِينَهُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا، فَصَارَ الْإِسْلَامُ نَفْسُهُ يُعَابُ بِهِمْ وَمَا عَيْبُهُ سِوَاهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي لُبْنَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا وَلِعَ بِشِرَاءِ الْكُتُبِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَأَكْثَرَ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا، فَاهْتَدَى إِلَى حَقِّيَّةِ الْإِسْلَامِ مَعَ الْمَيْلِ إِلَى التَّصَوُّفِ، فَأَسْلَمَ، وَقَالَ لِي: لَمْ أَجِدْ فِي الْإِسْلَامِ

стр. 715

غَيْرَ ثَلَاثَةِ عُيُوبٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنَ اللهِ. أَقْبَحُهَا مَسْأَلَةُ (التَّجْحِيشِ) أَيِ: التَّحْلِيلُ فَبَيَّنْتُ لَهُ الْحَقَّ فِيهَا فَاقْتَنَعَ. (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . هَذَا حُكْمٌ جَدِيدٌ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَانٌ لِلْوَاجِبِ فِي مُعَامَلَةِ الْمُطَلَّقَاتِ وَنَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَوَعِيدٌ عَلَى هَذَا الضِّدِّ وَإِرْشَادٌ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَالْحِكْمَةِ فِي الِائْتِمَارِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ هَذَا النَّهْيِ. وَتِلْكَ بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الطَّلَاقِ الْمَشْرُوعِ وَعَدَدِهِ وَكَوْنِ الْأَصْلِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَوْنِ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِشَرْطٍ. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا وَذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِهَا وَهُوَ أَلْيَقُ بِهَذِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي إِبْطَالِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ، فَجَمِيعُ الْوَقَائِعِ الَّتِي كَانَتْ تَقَعُ عَلَى الْعَادَاتِ كَانَتْ تُعَدُّ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ لَهَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ هُنَاكَ قَالَ: أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُضَارُّهَا وَيَعْضُلُهَا فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ)) وَأَخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: ((نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُدْعَى ثَابِتَ بْنَ يَسَارٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا إِلَّا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا مُضَارَّةً فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) اهـ. وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ) نَزَلَ وَحْدَهُ، بَلِ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ، نَزَلَتْ كُلُّهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهَا، وَلَكِنْ بَعْدَ وُقُوعِ حَوَادِثَ جَعَلَتْ مِنْ أَسْبَابِهَا. الْأَجَلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) هُوَ زَمَنُ الْعِدَّةِ وَمَعْنَى (بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)

стр. 716

قَارَبْنَ إِتْمَامَ الْعِدَّةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إِجْمَاعٌ لَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْآيَةِ غَيْرَهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ تَجَوُّزًا قَرِينَتُهُ الْعُرْفُ، يَقُولُ الْمُسَافِرُ: بَلَغْنَا الْبَلَدَ أَوْ وَصَلْنَا إِلَيْهِ إِذَا دَنَا مِنْهُ وَشَارَفَهُ. وَقَوْلُهُ: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) مَعْنَاهُ: فَاعْزِمُوا أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ - إِمْسَاكَ الْمَرْأَةِ بِالْمُرَاجَعَةِ أَوْ إِطْلَاقَ سَبِيلِهَا - وَلْيَكُنْ مَا تَخْتَارُونَهُ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمْ فِي آيَةِ ((الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ)) (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) أَيْ: وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ إِرَادَةَ مُضَارَّتِهِنَّ وَإِيذَائِهِنَّ لِلِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِنَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ، فَالضِّرَارُ بِمَعْنَى الضَّرَرِ، وَذُكِرَ بِالصِّيغَةِ الَّتِي تَأْتِي لِلْمُشَارَكَةِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ ضُرَّهُ إِيَّاهَا يَسْتَلْزِمُ ضُرَّهَا إِيَّاهُ، فَالرِّجَالُ يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِإِيذَاءِ النِّسَاءِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) فِي الدُّنْيَا بِسُلُوكِ طُرُقِ الشَّرِّ وَالِاعْتِدَاءِ الَّتِي لَا رَاحَةَ لِضَمِيرِ صَاحِبِهَا، وَيَجْعَلُ الْمَرْأَةَ وَعُصْبَتَهَا أَعْدَاءً لَهُ يُنَاصِبُونَهُ وَيُنَاوِئُونَهُ، وَالْعَدُوُّ الْقَرِيبُ أَقْدَرُ عَلَى الْإِيذَاءِ مِنَ الْعَدُوِّ الْبَعِيدِ. وَبِتَنْفِيرِ النَّاسِ مِنْهُ حَتَّى يُوشِكَ أَلَّا يُصَاهِرَهُ أَحَدٌ، وَظَلَمَ نَفْسَهُ فِي الْأُخْرَى أَيْضًا بِمَا خَالَفَ أَمْرَ اللهِ وَتَعَرَّضَ لِسَخَطِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا) وَهَذَا وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ، وَتَهْدِيدٌ لِمَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللهِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَيَّ تَهْدِيدٍ، وَالسَّبَبُ فِيهِ حَمْلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى احْتِرَامِ صِلَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَتَوَقِّي مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَدْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ النِّسَاءَ لَعِبًا، وَيَعْبَثُونَ بِطَلَاقِهِنَّ وَإِمْسَاكِهِنَّ عَبَثًا، وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مَسْنَدِهِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يَقُولُ: لَعِبْتُ، وَيَعْتِقُ ثُمَّ يَقُولُ: لَعِبْتُ)) ، فَأَنْزَلَ اللهُ (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا) أَيْ: أَنْزَلَهُ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ آيَاتِ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ، لَا أَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى حِدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي نَظِيرِهِ، وَالْمَعْنَى لَا تَتَهَاوَنُوا بِحُدُودِ اللهِ تَعَالَى الَّتِي شَرَعَهَا لَكُمْ فِي آيَاتِهِ جَرْيًا عَلَى سَنَنِ الْجَاهِلِيَّةِ; فَإِنَّ هَذَا التَّهَاوُنَ وَالِاعْتِدَاءَ لِلْحُدُودِ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ مِنَ اللهِ تَعَالَى يُعَدُّ اسْتِهْزَاءً بِآيَاتِهِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ وَيَنْقُضُ هَذِهِ الْعُهُودَ بَعْدَ تَوْثِيقِهَا طَلَبًا لِشَهْوَةٍ مِنْ شَهَوَاتِهِ، أَوِ اسْتِمْسَاكًا بِعَادَةٍ مِنْ عَادَاتِهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُعَدَّ مُسْتَهْزِئًا بِآيَاتِ اللهِ غَيْرَ مُذْعِنٍ لَهَا. بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهَاوُنِ بِحُقُوقِ النِّسَاءِ وَجَعْلِ الْعَابِثِ بِأَحْكَامِ اللهِ فِيهَا مُسْتَهْزِئًا بِآيَاتِهِ - وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْوَعِيدِ وَالتَّرْهِيبِ مَا فِيهِ - أَرَادَ تَعَالَى أَنْ يُقَرِّرَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فِي النُّفُوسِ بِبَاعِثِ التَّرْغِيبِ فِيهَا بِالتَّذْكِيرِ بِفَوَائِدِهَا وَمَزَايَاهَا، وَبَيَانِ الْمِنَّةِ فِي هِدَايَةِ الدِّينِ الَّتِي هِيَ مِنْهَا فَقَالَ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) أَيِ: امْتَثِلُوا مَا ذَكَرَ آنِفًا مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَتَذَكَّرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ فِي الرَّابِطَةِ

стр. 717

الزَّوْجِيَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٣٠: ٢١) وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْكُمْ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْفِطْرَةِ فِي الزَّوْجِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ فِيهَا حَالَ كَوْنِهِ يَعِظُكُمْ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا - أَيِ: الْأَحْكَامِ وَحِكْمَتِهَا - فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ مَعَ حِكْمَتِهِ هِيَ الَّتِي تُحْدِثُ الْعِظَةَ وَالْعِبْرَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ النَّفْسِيَّةُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا) . وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ تِلْكَ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ، وَحَجَبَهُمْ عَنِ الْمَوْعِظَةِ بِالْحِكْمَةِ، وَأَضْعَفَ فِي نُفُوسِ الْأَزْوَاجِ ذَلِكَ السُّكُونَ وَالِارْتِيَاحَ، غُرُورُ الرِّجَالِ بِالْقُوَّةِ وَطُغْيَانُهُمْ بِالْغِنَى، وَكُفْرَانُ النِّسَاءِ لِنِعْمَةِ الرِّجَالِ وَحِفْظُ سَيِّئَاتِهِمْ، وَتَمَادِيهِنَّ فِي الذَّمِّ لَهَا وَالتَّبَرُّمِ بِهَا، وَمَا مَضَتْ بِهِ عَادَاتُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَادَاتُ التَّفَرْنُجِ فِي الْمُعَاصِرَاتِ وَالْمُعَاصِرِينَ، وَقَلَّدَ بِهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاللهُ ذَكَّرَنَا أَوَّلًا بِنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي أَنْفُسِنَا لِنُزِيحَ عَنِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مَا غَشِيَهَا بِسُوءِ الْقُدْوَةِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَنَشْكُرَهَا لَهُ سُبْحَانَهُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِتَمْكِينِ صِلَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَاحْتِرَامِهَا وَتَوْثِيقِهَا، وَثَانِيًا بِهَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ الَّذِي هَدَانَا إِلَى ذَلِكَ، وَحَدَّ لَنَا كِتَابُهُ الْحُدُودَ وَوَضَعَ الْأَحْكَامَ مُبَيِّنًا حُكْمَهَا وَأَسْرَارَهَا، مُؤَيِّدًا لَهَا بِالْوَعْظِ السَّائِقِ إِلَى اتِّبَاعِهَا. وَمَا ذَكَرْنَا بِالْكِتَابِ هُنَا إِلَّا لِنَجْعَلَهُ إِمَامًا لَنَا فِي تَقْوِيمِ الْفِطْرَةِ عَلَى مَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَعَزَّزَتْهُ الْحِكْمَةُ، وَلَكِنَّنَا قَدْ أَعْرَضْنَا عَنْهُ، فَمَنْ نَظَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِيمَا كَتَبَهُ بَعْضُ الْبَشَرِ مِمَّا هُوَ خُلُوٌّ مِنْ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ، غَيْرُ مَقْرُونٍ بِشَيْءٍ مِنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَهُوَ لَا يُحْدِثُ لِلنُّفُوسِ عِظَةً وَلَا ذِكْرَى، وَلَا يَبْعَثُ فِي الْقُلُوبِ هِدَايَةً وَلَا تَقْوَى، عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْظُرُ فِيهَا، وَلَا يَسْأَلُ الْعَارِفِينَ بِهَا عَنْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى حُقُوقٍ يَهْضِمُهَا، أَوْ صِلَاتٍ يَقْطَعُهَا وَعُرًى يَفْصِمُهَا، فَهُوَ يَسْتَفْتِي غَالِبًا لِيَأْمَنَ مُؤَاخَذَةَ الْحُكَّامِ لَا لِيُقِيمَ حُدُودَ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا قَامَ فِيهِمْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى اللهِ، وَيُذَكِّرُ الْمُؤْمِنِينَ بِآيَاتِ اللهِ رَمَاهُ الرُّؤَسَاءُ بِسِهَامِ الْمَلَامِ، وَأَغْرَوْا بِهِ السَّاسَةَ وَأَهَاجُوا عَلَيْهِ الْعَوَامَّ، خَائِفِينَ أَنْ يُحْيِيَ مَا أَمَاتُوهُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ يُبْطِلُ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ، عَلَى أَنَّ التَّذْكِيرَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي عِلْمَ الْمُجْتَهِدِينَ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُذَكِّرِينَ بِهِ وَمُبَيِّنِينَ، لَا صَادِّينِ عَنْهُ وَلَا نَاسِخِينَ، وَمَا كُلُّ مَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّبْيِينِ يَلْحَقُهُمْ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّدْوِينِ. فَيَا أَيُّهَا الْعُلَمَاءُ أَحْيُوا كِتَابَ اللهِ، فَوَاللهِ إِنَّهُ لَا حَيَاةَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِسِوَاهُ; وَلِذَلِكَ عَادَتْ بِتَرْكِ هَدْيِهِ إِلَى عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهَا مِنْ إِبَاحِيَّةِ الْإِفْرِنْجِ الْعَصْرِيَّةِ، اتِّبَاعًا لِلْهَوَى وَنَزَغَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ. هَذَا وَإِنَّ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا نِعْمَةَ اللهِ هُنَا بِالدِّينِ وَالرِّسَالَةِ، وَجَعَلُوا مَا أُنْزِلَ

стр. 718

مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ تَفْصِيلًا لِلنِّعْمَةِ الْمُجْمَلَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) بِإِرْسَالِ هَذَا الرَّسُولِ، وَبَيَانِ الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تَحْفَظُ لَكُمُ الْهَنَاءَةَ فِي الدُّنْيَا، وَتَضْمَنُ لَكُمُ السَّعَادَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ مَا بَعْدَ هَذَا تَفْصِيلٌ لَهُ، وَفَسَّرَ الْحِكْمَةَ بِسِرِّ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي النِّعْمَةِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهِيَ هَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَامْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَوْلِهِ: (وَجَعَلَ بَيْنِكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (٣٠: ٢١) وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا الْوَجْهَ أَوَّلًا بِالْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ النِّعْمَةَ هُنَا عَامَّةٌ تَشْمَلُ نِعَمَ الدُّنْيَا وَالدِّينَ. (وَاتَّقُوا اللهَ) أَمَرَ بَعْدَ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّشْدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ بِتَقْوَاهُ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ زِيَادَةً فِي الْعِنَايَةِ بِأَمْرِ النِّسَاءِ وَصِلَةِ الزَّوْجِيَّةِ - وَهُوَ مَا تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ - مُقَاوَمَةً لِمَا مَلَكَ النُّفُوسَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِعَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ، إِذْ كَانُوا يَرَوْنَهُ كَعَقْدِ الرِّقِّ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي الْمَتَاعِ الْخَسِيسِ وَالنَّفِيسِ، بَلْ كَانُوا يَرَوْنَهُ دُونَ ذَلِكَ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِي مَتَاعًا ثُمَّ يَرْمِي بِهِ فِي الطَّرِيقِ زُهْدًا فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْسِكُ قِنَّهُ لِيُعَذِّبَهُ وَيَنْتَقِمَ بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُطَلِّقُونَ الْمَرْأَةَ لِأَدْنَى سَبَبٍ - كَالْمَلَلِ وَالْغَضَبِ - ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهَا، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَكَانُوا يُمْسِكُونَهَا لِلضِّرَارِ وَالْإِهَانَةِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَقَدْ يَسْتَبْدِلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمُ امْرَأَةَ الْآخَرِ بِامْرَأَتِهِ، فَاعْتِيَادُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ السُّوءَى وَالْأُنْسُ بِهَا لَا تَكُونُ مُقَاوَمَتُهُ إِلَّا بِتَعْظِيمِ شَأْنِ عَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِهِ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ; إِذْ لَا يَسْهُلُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَرَى الْمَرْأَةَ مِثْلَ الْأَمَةِ أَوْ دُونَهَا أَنْ يُسَاوِيَهَا بِنَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَيَرَى لَهَا عَلَيْهِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيْهَا، وَيَحْظُرُ عَلَى نَفْسِهِ مُضَارَّتَهَا وَإِيذَاءَهَا وَيَلْتَزِمُ مُعَامَلَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ فِي حَالِ إِمْسَاكِهَا عِنْدَهُ، وَفِي حَالِ تَسْرِيحِهَا إِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْعِظَاتِ وَالتَّشْدِيدَاتِ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْإِقْنَاعِ وَبَيَانِ الْمَصْلَحَةِ هِيَ الَّتِي تَعْمَلُ فِي نَفْسِهِ، وَتُؤَثِّرُ بِتَكْرَارِهَا فِي قَلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ كَالْحِجَارَةُ فِي الْقَسْوَةِ: أَمَّا تَرَى الْحَبْلَ بِتَكْرَارِهِ ... فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ قَدْ أَثَّرَا نَعَمْ إِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَحْسَنُ التَّأْثِيرِ فِي أُولَئِكَ الْخَارِجِينَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى نُورِ الْإِسْلَامِ، وَفِيمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَعْرَضُوا عَنِ الْقُرْآنِ، وَجَهِلُوا مَا فِيهِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ، حَتَّى صَارُوا شَرًّا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَسَائِرُ الْأُمَمِ مِنْ ظُلْمِ النِّسَاءِ، فَلَمْ يَتَّقُوا اللهَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَبَّرُوا قَوْلَهُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وَهُوَ أَبْلَغُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّشْدِيدِ فِي حُقُوقِ النِّسَاءِ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُرَاعِي الْأَحْكَامَ الظَّاهِرَةَ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ بِغَيْرِ إِخْلَاصٍ فَيُطَبِّقُ الْعَمَلَ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ وَرَائِهِ ضَرَرًا، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تُذَكِّرُهُ بِأَنَّ اللهَ

стр. 719

تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يُسِرُّهُ الْعَبْدُ أَوْ يُعْلِنُهُ، فَلَا يُرْضِيهِ إِلَّا الْتِزَامُ حُدُودِهِ وَالْعَمَلُ بِأَحْكَامِهِ، مَعَ الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ ظَاهِرُهُ كَبَاطِنِهِ فِي الْخَيْرِ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى فِي عَمَلِهِ، وَالْعِلْمِ الْيَقِينِ بِأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فِيهِ، لَا يُبَيِّتُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، وَلَا يَنْوِي خَيْرًا أَوْ شَرًّا، وَلَا يَطُوفُ فِي ذِهْنِهِ خَاطِرٌ، وَلَا تَخْتَلِجُ فِي قَلْبِهِ خَلْجَةٌ إِلَّا وَهُوَ سُبْحَانُهُ عَالَمٌ بِذَلِكَ وَمُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، فَلَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّهِ إِلَّا بِتَطْهِيرِ قَلْبِهِ، وَإِخْلَاصِ نِيَّتِهِ فِي مُعَامَلَةِ زَوْجِهِ وَفِي سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ حَسُنَ عَمَلُهُ غَالِبًا بَلْ كَانَ مُوَفَّقًا دَائِمًا. أَقُولُ: وَمِنَ التَّوْفِيقِ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ خَطَئِهِ الَّذِي لَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءًا، فَيَعْرِفَ كَيْفَ يَتَوَقَّى مِثْلَ هَذَا الْخَطَأِ، وَيَزْدَادَ بَصِيرَةً فِي الْخَيْرِ، فَلْيَزْنِ الْمُؤْمِنُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمِيزَانِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَمْثَالِهَا وَهِيَ الْمَوَازِينُ الْقِسْطُ; لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَنْشَأَ فَسَادِ الْبُيُوتِ وَشَقَاءِ الْمَعِيشَةِ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ هَدْيِ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى السَّعَادَةِ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَفَّقَنَا اللهُ لِذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) الْأَجَلُ: آخِرُ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ لَا قُرْبُهَا كَمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: دَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامَيْنِ عَلَى افْتِرَاقِ الْبُلُوغَيْنِ، ذَلِكَ أَنَّ الْإِمْسَاكَ بِمَعْرُوفٍ وَالتَّسْرِيحَ بِمَعْرُوفٍ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ انْقِضَاءَهَا إِمْضَاءٌ لِلتَّسْرِيحِ، لَا مَحَلَّ مَعَهُ لِلتَّخْيِيرِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ يَسْتَمِرُّ إِلَى قُرْبِ انْقِضَائِهَا، وَالنَّهْيُ عَنِ الْعَضْلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِبُلُوغِ الْأَجَلِ انْقِضَاؤُهَا إِذْ لَا مَحَلَّ لِلْعَضَلِ قَبْلَهُ لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) حُكْمٌ جَدِيدٌ غَيْرُ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ هُوَ تَحْرِيمُ الْعَضَلِ; أَيْ: مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنَ الزَّوَاجِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَتَحَكَّمَ الرِّجَالُ فِي تَزْوِيجِ النِّسَاءِ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ إِلَّا وَلِيُّهَا، فَقَدْ يُزَوِّجُهَا بِمَنْ تَكْرَهُ وَيَمْنَعُهَا مِمَّنْ تُحِبُّ لِمَحْضِ الْهَوَى، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الرِّجَالَ الْمُطَلِّقِينَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ،

стр. 720

يَتَحَكَّمُ الرَّجُلُ بِمُطَلَّقَتِهِ فَيَمْنَعُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ أَنَفَةً وَكِبَرًا أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَحْتَ غَيْرِهِ، فَكَانَ يَصُدُّ عَنْهَا الْأَزْوَاجَ بِضُرُوبٍ مِنَ الصَّدِّ وَالْمَنْعِ، كَمَا كَانَ يُرَاجِعُهَا فِي آخِرِ الْعِدَّةِ لِأَجْلِ الْعَضَلِ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْإِسْلَامُ الْوِلَايَةَ لِلْأَقْرَبِينَ وَحَرَّمَ الْعَضَلَ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ الزَّوَاجِ، وَأَنْ يُزَوِّجَ الْوَلِيُّ الْمَرْأَةَ بِدُونِ إِذْنِهَا، فَجَمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْخِطَابِ هُنَا، فَقِيلَ: هُوَ لِلْأَزْوَاجِ، أَيْ لَا تَعْضُلُوا مُطَلَّقَاتِكُمْ أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ، وَاضْطُرَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى جَعْلِ الْأَزْوَاجِ بِمَعْنَى الرِّجَالِ الَّذِينَ سَيَكُونُونَ أَزْوَاجًا، وَقِيلَ: هُوَ لِلْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى التَّوْزِيعِ، وَقَالُوا: لَا بَأْسَ بِالتَّفْكِيكِ فِي الضَّمَائِرِ لِظُهُورِ الْمُرَادِ وَعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ، وَقِيلَ: لِلْأَوْلِيَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ فِي الصَّحِيحِ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ شَتَّى مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: ((كَانَ لِي أُخْتٌ فَأَتَانِي ابْنُ عَمٍّ لِي فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ فَكَانَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَلَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟ وَاللهِ لَا تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَعَلِمَ اللهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ)) وَفِي لَفْظٍ: ((فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ; وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَاهُ فَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ)) وَمِنْ هُنَا تَعْرِفُ خَطَأَ مَنْ قَالَ: إِنَّ إِسْنَادَ النِّكَاحِ إِلَى النِّسَاءِ هُنَا يُفِيدُ أَنَّهُنَّ هُنَّ اللَّوَاتِي يَعْقِدْنَ النِّكَاحَ، فَإِنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ يُطْلَقُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ عَلَى مَنْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا، كَانُوا يَقُولُونَ: نَكَحَتْ فُلَانَةُ فُلَانًا، كَمَا يَقُولُونَ حَتَّى الْآنَ: تَزَوَّجَتْ فُلَانَةُ بِفُلَانٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَاقِدُ وَلِيَّهَا. وَلَمْ تَكُنْ أُخْتُ مَعْقِلٍ حَاوَلَتْ أَنْ تَعْقِدَ عَلَى زَوْجِهَا فَمَنَعَهَا، وَإِنَّمَا طَلَبَهَا الزَّوْجُ مِنْهُ فَامْتَنَعَ أَنْ يُنْكِحَهُ إِيَّاهَا فَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنَعَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجَهَا، وَنَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ، وَفَهِمَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ كَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِي الْخِطَابِ وَجْهٌ ثَالِثٌ رَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا، وَسَبَقَ لَهُ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لِلْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُتَكَافِلَةٌ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ عَلَى حَسَبِ الشَّرِيعَةِ; كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا وَقَعَ مِنْكُمْ تَطْلِيقٌ لِلنِّسَاءِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ وَأَرَادَ أَزْوَاجُهُنَّ أَوْ غَيْرُهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ وَأَرَدْنَ هُنَّ ذَلِكَ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ; أَيْ: لَا تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ الزَّوَاجِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ حَظَّهُ مِنَ الْخِطَابِ لِلْمَجْمُوعِ، وَتَقَدَّمَ لِهَذَا الْخِطَابِ نَظَائِرُ، وَمِنْهَا خِطَابُ

стр. 721

بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ بِمَا كَانَ مِنْ آبَائِهِمْ فِي زَمَنِ مُوسَى وَمَا بَعْدَهُ مُسْنَدًا إِلَيْهِمْ. وَالْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْخِطَابِ الْعَامِّ هُنَا أَنْ يَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ بِوُقُوعِ الْمُنْكَرِ مِنْ أَوْلِيَاءِ النِّسَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَنْ يَنْهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا سَكَتُوا عَلَى الْمُنْكَرِ وَرَضُوا بِهِ يَأْثَمُونَ، وَالسِّرُّ فِي تَكَافُلِ الْأُمَّةِ أَنَّ الْأَفْرَادَ إِذَا وُكِلُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَكَثِيرًا مَا يُرَجِّحُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ يَقْتَدِي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مَعَ عَدَمِ النَّكِيرِ، فَيَكْثُرُ الشَّرُّ وَالْمُنْكَرُ فِي الْأُمَّةِ فَتَهْلِكُ، فَفِي التَّكَافُلِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ دِفَاعٌ عَنِ الْأُمَّةِ، وَلِكُلِّ مُكَلَّفٍ حَقٌّ فِي ذَلِكَ; لِأَنَّ الْبَلَاءَ إِذَا وَقَعَ فَإِنَّهُ يُصِيبُهُ سَهْمٌ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (٥: ٧٨، ٧٩) . ثُمَّ قَالَ: (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: إِذَا تَرَاضَى مُرِيدُو التَّزَوُّجِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، بِأَنْ رَضِيَ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْآخَرِ زَوْجًا. وَقَوْلُهُ: (بَيْنَهُمْ) يُشْعِرُ بِأَنْ لَا نُكْرَ فِي أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إِلَى نَفْسِهَا وَيَتَّفِقُ مَعَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ بِهَا وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ عَضَلُهَا، أَيِ امْتِنَاعُ الْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ التَّرَاضِي فِي الْخِطْبَةِ بِالْمَعْرُوفِ شَرَعًا وَعَادَةً بِأَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ، وَلَا شَيْءٌ يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِالْمَرْأَةِ وَأَهْلِهَا، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْعَضَلَ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ كَأَنْ تُرِيدَ الشَّرِيفَةُ فِي قَوْمِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِرَجُلٍ خَسِيسٍ يَلْحَقُهَا مِنْهُ الْغَضَاضَةُ، وَيَمَسُّ مَا لِقَوْمِهَا مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ عَنْهُ بِالْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ، وَيُجِيزُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْعَضْلَ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِذَا أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَلَمْ يَكُنِ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ فَسَادَ الْأَخْلَاقِ الْمُسْقِطِ لِلْكَرَامَةِ، أَوِ اتِّبَاعَ الْهَوَى وَإِرْضَاءَ الشَّهْوَةِ، بَلْ كَانَ مَيْلًا إِلَى رَجُلٍ مُسْتَقِيمٍ يُرْجَى مِنْهُ حُسْنُ الْعِشْرَةِ وَصَلَاحُ الْمَعِيشَةِ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْسُرُ عَلَيْهِ دَفَعُ مَهْرٍ كَثِيرٍ مَعَ نَفَقَاتِ الزَّوَاجِ الْأُخْرَى، فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ الْعَضَلُ بَلْ يَجِبُ تَزْوِيجُهُ. (وَأَقُولُ) : إِنَّ مَسْأَلَةَ مُرَاعَاةِ الْكَفَاءَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عُرْفٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ وَلَا سِيَّمَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ، وَلَا يُوجَدُ سَبَبٌ يَحْمِلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهِ كَالْعِشْقِ، فَكَمْ مِنْ مَلِكٍ أَوْ أَمِيرٍ تَزَوَّجَ رَاقِصَةً أَوْ مُغَنِّيَةً أَوْ مُمَثِّلَةً لِلْقِصَصِ لِعِشْقِهِ لَهَا وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَرْكِ الْمُلْكِ أَوِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْعِشْقِ مَا هُوَ مُسْقِطٌ لِلْكَرَامَةِ وَالشَّرَفِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْأَوَّلُ يَعْذُرُ جُمْهُورُ النَّاسِ مَنِ ابْتُلِيَ بِهِ دُونَ الثَّانِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَعْرُوفٌ، وَالْمَدَارُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَاءَةِ عَلَى الْعُرْفِ الْقَوْمِيِّ وَالْوَطَنِيِّ لَا عَلَى تَقَالِيدِ بُيُوتِ شُرَفَاءِ النَّسَبِ وَالْجَاهِ وَكِبْرِيَائِهِمْ، فَمَا يَعُدُّهُ الْجُمْهُورُ إِهَانَةً لِلْمَرْأَةِ تَكُونُ بِهِ مُضْغَةً فِي الْأَفْوَاهِ وَعَارًا عَلَى بَيْتِهَا فَهُوَ الَّذِي يُبِيحُ لِأَوْلِيَائِهَا الْمَنْعَ مِنْهُ، إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَضَلُ سَبَبًا لِمَفْسَدَةٍ شَرٍّ مِنْهُ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ أَحْكَامِ

стр. 722

الْمَصَالِحِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَا تَعَبُّدِيَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ إِكْرَاهُ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوَاجِ بِمَنْ تَكْرَهُ مُطْلَقًا. (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الْوَعْظُ: النُّصْحُ وَالتَّذْكِيرُ بِالْخَيْرِ وَالْحَقِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ وَيَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ; أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحُكْمِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ يُوعَظُ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ فِي الْآخِرَةِ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُونَهُ وَيَتَّعِظُونَ بِهِ فَتَخْشَعُ لَهُ قُلُوبُهُمْ، وَيَتَحَرَّوْنَ الْعَمَلَ بِهِ قَبُولًا لِتَأْدِيبِ رَبِّهِمْ، وَطَلَبًا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَرَجَاءً فِي مَثُوبَتِهِ وَرِضْوَانِهِ فِي الْأُخْرَى، وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِمَا ذَكَرَ حَقَّ الْإِيمَانِ كَالْمُعَطِّلِينَ وَالْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْمَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَلَقَّوْا أُصُولَ الْإِيمَانِ بِالْبُرْهَانِ الَّذِي يَمْلِكُ مِنَ الْقَلْبِ مَوَاقِعَ التَّأْثِيرِ وَمَسَالِكَ الْوِجْدَانِ، فَإِنَّ وَعْظَهُمْ بِهِ عَبَثٌ لَا يَنْفَعُ، وَقَوْلٌ لَا يُسْمَعُ; لِأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ فِي مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ أَهْوَاءَهُمْ، وَيُقَلِّدُونَ مَا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ وَعُشَرَاءَهُمْ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الصَّحِيحَ يَقْتَضِي الْعَمَلَ وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَكْثَرُونَ، وَقَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ الْمُحَقِّقُونَ كَحُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْمُحَقِّقِ الشَّاطِبِيِّ وَالْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. قَالَ شَيْخُنَا هُنَا: كَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَّعِظُ بِهَذَا، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّعِظْ وَيَعْمَلْ بِهَا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَ الدِّينِ حَتَّى الْمُعَامَلَاتِ مِنْهَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَاقَ إِلَى النَّاسِ مَسَاقَ الْوَعْظِ الْمُحَرِّكِ لِلْقُلُوبِ لَا أَنْ تُسْرَدَ سَرْدًا جَافًّا كَمَا تَرَى فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ) الزَّكَاءُ: النَّمَاءُ وَالْبَرَكَةُ فِي الشَّيْءِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي (ذَلِكُمْ) هُوَ النَّهْيُ عَنْ عَضَلِ النِّسَاءِ بِقَيْدِهِ وَشَرْطِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَزِيدٌ فِي نَمَاءِ مُتَّبِعِيهِ وَصَلَاحِ حَالِهِمْ مَا بَعْدَهُ مَزِيدٌ يُفَضِّلُهُ، وَأَنَّهُ أَطْهَرُ لِأَعْرَاضِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ، وَأَحْفَظُ لِشَرَفِهِمْ وَأَحْسَابِهِمْ; لِأَنَّ عَضَلَ النِّسَاءِ وَالتَّضْيِيقَ عَلَيْهِنَّ مَدْعَاةٌ لِفُسُوقِهِنَّ وَمَفْسَدَةٌ لِأَخْلَاقِهِنَّ، وَسَبَبٌ لِفَسَادِ نِظَامِ الْبُيُوتِ وَشَقَاءِ الذَّرَارِي، مَثِّلْ فِي نَفْسِكَ حَالَ امْرَأَةٍ كَأُخْتِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ عَرَفَهَا وَعَرَفَتْهُ، فَأَحَبَّهَا وَأَحَبَّتْهُ، ثُمَّ غَضِبَ مَرَّةً وَطَلَّقَهَا، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ نَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَأَحَبَّ أَنْ يَعُودَ إِلَى امْرَأَتِهِ الَّتِي تُحِبُّهُ، وَاعْتَادَتِ الْأُنْسَ بِهِ وَالسُّكُونَ إِلَيْهِ، فَعَضَلَهَا وَلَيُّهَا اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ، وَاعْتِزَازًا بِسُلْطَتِهِ، أَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَضْيَعَةً لِوَلَدِهِمَا وَمَغْوَاةً لَهُمَا؟ وَمَثِّلْ أَيْضًا وَلِيًّا يَمْنَعُ مُوَلِّيَتَهُ مِنَ الزَّوَاجِ بِمَنْ تُحِبُّ وَيُزَوِّجُهَا بِمَنْ تَكْرَهُ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ أَوْ عَادَةِ قَوْمِهِ، كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ، وَانْظُرْ أَتَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ حَالُهُمَا وَيُقِيمَا حُدُودَ اللهِ بَيْنَهُمَا، أَمْ يُخْشَى أَنْ يُغْوِيَهَا الشَّيْطَانُ بِالْآخَرِ وَيُغْوِيَهُ بِهَا وَيَسْتَدْرِجَهُمَا فِي الْغِوَايَةِ فَلَا يَقِفَانِ إِلَّا عِنْدَ نِهَايَةِ حُدُودِهَا؟ وَهَكَذَا مَثِّلْ كُلَّ مُخَالَفَةٍ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ تَجِدُهَا مَفْسَدَةً.

стр. 723

وَقَدْ كَانَ النَّاسُ لِجَهْلِهِمْ بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَلَى كَمَالِهَا لَا يَرَوْنَ لِلنِّسَاءِ شَأْنًا فِي صَلَاحِ حَيَاتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَفَسَادِهَا حَتَّى عَلَّمَهُمُ الْوَحْيُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَأْخُذُونَ مِنَ الْوَحْيِ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِلَّا بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِمْ، وَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الْأَحْكَامِ لِإِصْلَاحِ حَالِ الْبُيُوتِ (الْعَائِلَاتِ) بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ النِّسَاءِ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ الْأُمَّةُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، بَلْ نَسِيَتْ مُعْظَمَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَعَادَتْ إِلَى جَهَالَةِ الْجَاهِلِيَّةِ; وَلِهَذَا الْجَهْلِ السَّابِقِ وَلِتَوَهُّمِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ مُعَامَلَةَ النِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا هُوَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ وَمُحَافَظَةٌ عَلَى شَرَفِهِمْ خَتَمَ هَذِهِ الْمَوَاعِظَ وَالْأَحْكَامَ وَالْحِكَمَ بِقَوْلِهِ: (وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أَيْ: يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا لَكُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الزَّكَاءِ وَالطُّهْرِ وَسَائِرِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِلْمًا صَحِيحًا خَالِيًا مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْأَوْهَامِ وَاعْتِزَازِ الرِّجَالِ بِقُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّحَكُّمِ فِي النِّسَاءِ; وَلِذَلِكَ ذَكَّرَكُمْ فِي أَثَرِ النَّهْيِ عَنْ عَضَلِ النِّسَاءِ عَنِ الزَّوَاجِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ، الْأُولَى: إِنَّهَا مَوْعِظَةٌ يَتَّعِظُ بِهَا مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ لِأَعْرَاضِكُمُ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وَهَذِهِ آيَاتُ عِلْمِهِ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّ الْبَشَرَ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ لَا مِنَ الْعَرَبِ وَحْدَهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُنَزَّلَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ النَّافِعَةِ بِاخْتِبَارِهِمُ الطَّوِيلِ، بَلْ عَزَبَتْ حِكْمَتُهَا عَنْ نُفُوسِ الْأَكْثَرِينَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْوَحْيُ بِهَا فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الذَّكِيِّ أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى وَجْهِهَا مُلَاحِظًا فَوَائِدَهَا، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرِ الذَّكِيِّ أَنْ يُسَلِّمَ أَمْرَ رَبِّهِ بِهَا تَسْلِيمًا وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ فَائِدَتُهَا فِي الدُّنْيَا اكْتِفَاءً بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَعْلَمُ هُوَ. وَهَا هُنَا أُنَبِّهُ وَأُذَكِّرُ الْقَارِئَ لِهَذَا التَّفْسِيرِ بِأَنَّ مِنْ أَظْهَرِ مَا تُفَضَّلُ بِهِ هِدَايَةُ الْوَحْيِ مَا هُوَ صَحِيحٌ وَحَسَنٌ مِنْ حِكْمَةِ الْبَشَرِ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِالْوَحْيِ يَتَّبَعُ هِدَايَتَهُ سَوَاءٌ أَعَلِمَ وَجْهَ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا أَمْ لَا، فَيَنْتَفِعُ بِهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَأَمَّا حِكْمَةُ الْبَشَرِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَّا مَنْ فَهِمَهَا وَاقْتَنَعَ بِصِحَّتِهَا وَبِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ. وَالَّذِينَ يَجْهَلُونَ هَذِهِ الْمَزِيَّةَ لِهِدَايَةِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ يُفَضِّلُونَ هِدَايَةَ الْحِكْمَةِ وَالْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهَا بِأَنَّ مُتَّبِعَهَا يَتْرُكُ الشَّرَّ; لِأَنَّهُ شَرٌّ ضَارٌّ، وَيَفْعَلُ الْخَيْرَ; لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَافِعٌ، وَأَنَّ مُتَّبِعَ الدِّينِ يَفْعَلُ مَا لَا يُعْقَلُ لَهُ فَائِدَةٌ. وَهَذَا غَلَطٌ أَوْ مُغَالَطَةٌ; فَإِنَّ الدِّينَ قَدْ جَاءَ بِالْحِكْمَةِ مُؤَيِّدَةً لِلْكِتَابِ كَمَا قَالَ: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (٢: ١٢٩) فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ فَهْمِ حِكْمَةِ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ فِيهِ مِنْ عَامِّيٍّ وَبَلِيدٍ أَوْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يَفُتْهُ وَقَدْ هُدِيَ إِلَى الْإِيمَانِ أَنْ يَتْرُكَ الشَّرَّ وَيَفْعَلَ الْخَيْرَ لِأَنَّ الَّذِي نَهَاهُ عَنِ الْأَوَّلِ وَأَمَرَهُ بِالثَّانِي هُوَ اللهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ حُكَمَاءِ خَلْقِهِ. وَمِنْ دَقَائِقِ الْبَلَاغَةِ فِي الْآيَةِ اخْتِلَافُ الْخِطَابِ بِالْإِشَارَةِ; فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْوَعْظَ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحِكَمِ خَاصًّا بِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَّهَ الْخِطَابَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ

стр. 724

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ) إِلَخْ، وَأَمَّا كَوْنُهُ أَزْكَى وَأَطْهَرُ فَقَدْ جَعَلَهُ عَامًّا وَخَاطَبَ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً بُقَوْلِهِ: (ذَلِكُمْ) إِلَخْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا تَوْجِيهُ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا تَكُونُ زَكَاءً لَهُ وَبَرَكَةً فِي بَيْتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَطُهْرًا لِعِرْضِهِ وَشَرَفِهِ، سَوَاءٌ أَوَعَظَ بِتِلْكَ الْآيَاتِ فَاتَّعَظَ لِإِيمَانِهِ، أَمْ عَمِلَ بِهَا لِسَبَبٍ آخَرَ؛ بِأَنْ بَلَغَتْهُ غَفِلًا مِنَ الْمَوْعِظَةِ غَيْرَ مُسْنَدَةٍ إِلَى الْوَحْيِ أَوْ قَلَّدَ بِهَا بَعْضَ الْعَامِلِينَ، وَكَوْنُ الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ) لِلنَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِيهِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ: إِنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ) (٦٥: ١) لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَمْرٌ لَا يَكَادُ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ أَحَدٍ. اهـ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْجَمْعِ عَلَى تَأْوِيلِ الْقَبِيلِ، وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ، وَقِيلَ: لِمُجَرَّدِ الْخِطَابِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمُنْقَضِي دُونَ تَعْيِينِ الْمُخَاطَبِينَ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْبَيْضَاوِيُّ. وَسَأَلَ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ: لِمَ وَحَّدَ الْكَافَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَلِكَ) مَعَ أَنَّهُ يُخَاطِبُ جَمَاعَةً؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَالتَّثْنِيَةُ أَيْضًا جَائِزَةٌ، وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) (١٢: ٣٧) وَقَالَ: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) (١٢: ٣٢) إِلَى آخِرِ مَا أَوْرَدَ، وَهُوَ جَوَابٌ مُبْهَمٌ مُوهِمٌ; فَإِنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا وَارِدَةٌ فِي خِطَابِ الِاثْنَيْنِ، وَالْجَمْعَ الْمُؤَنَّثَ وَارِدٌ فِي خِطَابِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الِاسْتِعْمَالِ - وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُ - أَنَّ الْكَافَ الْمُفْرَدَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ خِطَابٍ سَوَاءً كَانَ الْمُخَاطَبُ مُفْرَدًا أَوْ مُثَنًّى أَوْ جَمْعًا وَهِيَ لُغَةُ بَعْضِ الْعَرَبِ، فَإِذَا تَحَوَّلَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ عَلَى حَسَبِ الْمُخَاطَبِينَ. تَقُولُ لِلرَّجُلِ (ذَلِكَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَبِكَسْرِهِ لِلْمَرْأَةِ، وَذَلِكُمَا لِلِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا، وَذَلِكُمْ لِلذُّكُورِ، وَذَلِكُنَّ لِلْإِنَاثِ وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

стр. 725

هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ إِلَى أَحْكَامِ الرَّضَاعَةِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَحْكَامِ الْبُيُوتِ (الْعَائِلَاتِ) الْهَادِيَةِ إِلَى كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَتَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ، فَمِنْ ثَمَّ عَطَفَ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: (وَالْوَالِدَاتُ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (الْقَوْلُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُطَلَّقَاتِ لِوُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ فِي أَحْكَامِهِنَّ وَهَذَا مِنْ تَتِمَّتِهِ. (ثَانِيهَا) إِيجَابُ رِزْقِهِنَّ وَكِسَوْتِهِنَّ عَلَى الْوَالِدِ، وَلَوْ كُنَّ أَزْوَاجًا لَمَا كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا الْإِيجَابِ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ الَّتِي فِي الْعِصْمَةِ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجِيَّةِ لَا لِلرَّضَاعِ. (ثَالِثُهَا) أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ عُرْضَةٌ لِإِهْمَالِ الْعِنَايَةِ بِالْوَلَدِ وَتَرْكِ إِرْضَاعِهِ; لِأَنَّهُ يَحُولُ دُونَ زَوَاجِهَا فِي الْغَالِبِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ النِّكَايَةِ بِالرَّجُلِ وَلَا سِيَّمَا الَّذِي لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ اسْتِئْجَارُ ظِئْرٍ تَقُومُ مَقَامَ الْوَالِدَةِ، وَهُنَا وَجْهٌ (رَابِعٌ) لِتَرْجِيحِ هَذَا الْقَوْلِ ظَهَرَ لِيَ الْآنَ؛ وَهُوَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُضَارَّةِ بِالْوَلَدِ، وَإِنَّمَا تُضَارُّ بِذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ دُونَ الَّتِي فِي الْعِصْمَةِ، فَبَيَّنَ أَنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ الْحَقَّ فِي إِرْضَاعِ وَلَدِهَا كَسَائِرِ الْوَالِدَاتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُطَلِّقِ مَنْعُهَا مِنْهُ وَهُوَ عُرْضَةٌ لِهَذَا الْمَنْعِ. (الْقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْوَالِدَاتِ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي هَذَا الْقَوْلِ: هُوَ الْأَوْلَى; لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَا تَسْتَحِقُّ الْكِسْوَةَ وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ، وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا التَّرْجِيحَ مَرْجُوحٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقُرْآنِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ. (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ، وَقَالَ كَثِيرُونَ: إِنَّهُ أَوْلَى عَمَلًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ; فَهُوَ عَامٌّ لَا دَلِيلَ عَلَى تَخْصِيصِهِ، وَيَكُونُ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ - أَيِ النَّفَقَةُ - خَاصًّا بِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِ وَهُنَّ الْوَالِدَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اسْتِئْجَارَ الْأُمِّ لِلْإِرْضَاعِ صَحِيحٌ، وَعَبَّرَ عَنِ الْأُجْرَةِ بِالرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّزْقَ وَالْكِسْوَةَ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ مِنَ الْآيَةِ، وَنَحْنُ لَا نَسْتَفِيدُ مِنْ جَعْلِ الْآيَةِ عَامَّةً زِيَادَةً عَمَّا نَسْتَفِيدُ بِجَعْلِهَا خَاصَّةً، إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ إِرْضَاعِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بِالنَّصِّ، وَأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِهَا أَيْضًا، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ إِذَا حُمِلَتْ عَلَى التَّخْصِيصِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، عَلَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ لَمْ يَقُولُوا بِهَذَا الْوُجُوبِ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي، وَلَا أَذْكُرُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ تَرْجِيحًا أَوِ اخْتِيَارًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) أَمْرٌ جَاءَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَقْرِيرِهِ

стр. 726

عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) (٢: ٢٢٨) وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ خَبَرٌ عَلَى بَابِهِ; أَيْ: إِنَّ شَأْنَ الْوَالِدَاتِ ذَلِكَ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْوَاقِعِ الْمَعْلُومِ لِلنَّاسِ فِي مَقَامِ بَيَانِ الْأَحْكَامِ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ أَرَادَ أَنْ يُقَوِّيَ بِهِ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِدَةِ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَتْ مُرْضِعًا بِأَنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ ثَدْيِهَا كَمَا يُعْهَدُ مِنْ بَعْضِ الْأَطْفَالِ، أَوْ كَانَ الْوَالِدُ عَاجِزًا عَنِ اسْتِئْجَارِ ظِئْرٍ تُرْضِعُهُ، أَوْ قَدَرَ وَلَمْ يَجِدِ الظِّئْرَ، عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءَ لَمْ يَرَوْا جَعْلَ الْخَبَرِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ مَانِعًا مِنْ حُكْمِهِمْ هَذَا، فَقَدْ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، قَالُوا: لِأَنَّ لَبَنَ الْأُمِّ أَنْفَعُ لِلْوَلَدِ مِنْ لَبَنِ الظِّئْرِ، وَخَاصَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدُ الظِّئْرِ فِي سِنِّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مُطْلَقًا; فَالْأَصْلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا، وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ; يَعْنِي إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبُ جَوَازَ اسْتِنَابَةِ الظِّئْرِ عَنْهَا مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ; لِأَنَّ هَذَا الْوُجُوبَ لِلْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّعَبُّدِ، فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ بِشَرْطِهَا، فَإِذَا اتَّفَقَ الْوَالِدَانِ عَلَى اسْتِئْجَارِ ظِئْرٍ، وَرَأَيَا أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْوَالِدَةِ فَلَا بَأْسَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْفِصَالِ الْآتِيَةِ. وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَالِدِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ، وَلَأَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ مُطَلَّقَتَهُ مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مِنْهُ إِنْ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ تَمْتَنِعَ هِيَ عَنْ إِرْضَاعِهِ، وَكَانَ الَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْجُمْلَةِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ هُوَ أَنَّ مِنْ حُقُوقِ الْوَالِدَاتِ أَنْ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ، وَمَا الْمُطَلَّقَاتُ إِلَّا وَالِدَاتٌ فَيَجِبُ تَمْكِينُهُنَّ مِنْ إِرْضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ الْمُدَّةَ التَّامَّةَ لِلرِّضَاعِ، وَهِيَ كَمَا حَدَّدَهَا فَيُرْضِعْنَهُمْ (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) وَالْحَوْلُ: الْعَامُ وَالسَّنَةُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ حَالَ يَحُولُ إِذَا مَضَى وَإِذَا تَغَيَّرَ وَتَحَوَّلَ، فَالْعَامُ وَالْحَوْلُ يُطْلَقَانِ عَلَى صَيْفَةٍ وَشِتْوَةٍ كَامِلَتَيْنِ، وَأَمَّا السَّنَةُ فَهِيَ تَبْتَدِئُ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ عَدَدْتَهُ مِنَ الْعَامِ إِلَى مِثْلِهِ - اهـ مُلَخَّصًا مِنَ الْمِصْبَاحِ. وَقَدْ حُدِّدَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعَةِ التَّامَّةِ بِسَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مُرَاعَاةً لِلْفِطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضَعْفِ الْأَطْفَالِ فِي أَقَلِّ الْبُيُوتِ أَوِ الْبِيئَاتِ اسْتِعْدَادًا لِلْعِنَايَةِ بِالتَّرْبِيَةِ، وَاللَّبَنُ هَذَا الْغِذَاءُ الْمُوَافِقُ لِكُلِّ طِفْلٍ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهَذِهِ الْمُدَّةُ هِيَ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا حُرْمَةُ الرَّضَاعَةِ فِي النِّكَاحِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَرَى الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ تَحْدِيدِ اللهِ سُبْحَانَهُ لَهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ثَلَاثُ سِنِينَ، وَلَكِنَّ الْجَمَاهِيرَ عَلَى أَنَّ مُدَّتَهَا التَّامَّةَ لَا تَزِيدُ عَلَى حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، وَقَدْ تَنْقُصُ إِذَا رَأَى الْوَالِدَانِ ذَلِكَ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) أَجَازَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا دُونَ الْحَوْلَيْنِ وَلَمْ يُحَدِّدْ أَقَلَّ الْمُدَّةِ، بَلْ وَكَلَهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِدَيْنِ الَّذِي تُرَاعَى فِيهِ صِحَّةُ الطِّفْلِ، فَمِنَ الْأَطْفَالِ السَّرِيعُ النُّمُوِّ الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنِ اللَّبَنِ بِالطَّعَامِ اللَّطِيفِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ بِعِدَّةِ أَشْهُرٍ، وَمِنْهُمُ الْقَمِيءُ الْبَطِيءُ النُّمُوِّ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَقَدِ اسْتَنْبَطُوا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ:

стр. 727

(وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) (٤٦: ١٥) أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوْلَيْنِ أَكْثَرُ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ، فَإِنَّ مَا يَبْقَى بَعْدَ طَرْحِ شُهُورِ الْحَوْلَيْنِ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا هُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَهِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَالُوا: لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي تَحْدِيدِ الْمُدَّتَيْنِ - أَكْثَرُ الرَّضَاعَةِ وَأَقَلُّ الْحَمْلِ - هِيَ انْضِبَاطُهُمَا دُونَ مَا يُقَابِلُهُمَا. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّنَا نَطْرَحُ مُدَّةَ الْحَمْلِ الْغَالِبَةَ وَهِيَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ مَجْمُوعِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ وَهِيَ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، فَالْبَاقِي وَهُوَ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ إِتْمَامَهَا; وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِدَيْنِ، فَاللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (يُرْضِعْنَ) أَيْ: أَنَّهُنَّ يُرْضِعْنَ هَذِهِ الْمُدَّةَ لِمَنْ أَرَادَ إِتْمَامَهَا مِنَ الْمَوْلُودِ لَهُمْ وَهُمُ الْآبَاءُ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً، وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا) . (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الْمَوْلُودُ لَهُ هُوَ الْأَبُ، وُوَجْهُ اخْتِيَارِ هَذَا التَّعْبِيرِ عَلَى لَفْظِ الْوَالِدِ وَالْأَبِ هُوَ الْإِشْعَارُ بِأَنَّ الْأَوْلَادَ لِآبَائِهِمْ، لَهُمْ يُدْعَوْنَ وَإِلَيْهِمْ يُنْسَبُونَ، وَأَنَّ الْأُمَّهَاتِ أَوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعَةٌ لَهُمْ كَمَا قَالَ الْمَأْمُونُ: وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلْآبَاءِ أَبْنَاءُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَأْمُونُ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى الْعُرْفِ الْجَاهِلِيِّ، وَهِدَايَةُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْوَلَدَ لِوَالِدَيْهِ يَتَقَاسَمَانِ تَرْبِيَتَهُ بِحَسَبِ فِطْرَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَحُقُوقُ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُ حَظِّ كَلٍّ مِنْهُمَا فِيهَا، فَالتَّعْبِيرُ بِالْمَوْلُودِ لَهُ مُقَابِلُ التَّعْبِيرِ بِالْوَالِدَاتِ، وَاخْتِيرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى عِلَّةِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْوَالِدَاتِ قَدْ حَمَلْنَ وَوَلَدْنَ لَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَهَذَا الْوَلَدُ الَّذِي يُرْضِعْنَهُ يُنْسَبُ إِلَيْكَ، وَيَحْفَظُ سِلْسِلَةَ نَسَبِكَ مِنْ دُونِهِنَّ، فَعَلَيْكَ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِنَّ مَا يَكْفِيهِنَّ حَاجَاتِ الْمَعَاشِ مِنَ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ لِيَقُمْنَ بِذَلِكَ حَقَّ الْقِيَامِ، فَاخْتِيَارُ لَفْظِ (الْمَوْلُودِ لَهُ) هُنَا عَلَى لَفْظِ الْأَبِ وَالْوَالِدِ هُوَ الَّذِي تَقْضِي بِهِ الْبَلَاغَةُ قَضَاءً مُبْرَمًا، وَبِهِ يُسْتَفَادُ مَا لَا يُسْتَفَادُ بِهِمَا، وَأَيْنَ نَجِدُ هَذِهِ الدِّقَّةَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ؟ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ هَذِهِ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لَائِقَةً بِحَالِ الْمَرْأَةِ فِي قَوْمِهَا وَصِنْفِهَا، لَا تَلْحَقُهَا غَضَاضَةٌ فِي نَوْعِهَا وَلَا فِي كَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا إِلَيْهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَالِدَاتِ الْمُطَلَّقَاتِ مِنْهُنَّ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنِ النَّفَقَةِ هُنَا بِالرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ الْوَاجِبَيْنِ لِلْمَرْأَةِ بِمُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ دُونَ الْأُجْرَةِ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ كُلَّ وَالِدَةٍ تَجِبُ لَهَا الْأُجْرَةُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا; لِأَنَّ الْكَلَامَ بُدِئَ بِلَفْظِ ((الْوَالِدَاتِ)) وَأَمَّا فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ فَقَدْ عَبَّرَ بِلَفْظِ الْأُجْرَةِ إِذْ قَالَ: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (٦٥: ٦) لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَاكَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَا إِبْهَامَ فِي اخْتِيَارِ اللَّفْظِ الْأَخِيرِ، وَلَوْ تَوَجَّهَ الذِّهْنُ إِلَى فَهْمِ الْآيَةِ غَيْرَ مُثْقَلٍ

стр. 728

بِأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ لَمَا فَهِمَ غَيْرَ هَذَا مِنْهَا، وَمَنْ فَهِمَهَا مُجَرَّدَةً غَيْرَ مَحْمُولَةٍ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْكَلَامِ فِي جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْأُمِّ لِلرَّضَاعِ مُطْلَقًا وَعَدَمِهِ وَهِيَ فِي النِّكَاحِ أَوِ الْعِدَّةِ; إِذِ الْمُتَبَادَرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْأُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ، وَيَجِبُ لَهَا ذَلِكَ أَيْضًا - كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا - وَأَنَّ الْمُطَلَّقَاتِ إِذَا كُنَّ وَالِدَاتٍ يَجِبُ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِنَّ مُدَّةَ الْإِرْضَاعِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُنَّ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ إِمَّا بَائِنَاتٌ - وَلَعَلَّهُ الْأَكْثَرُ لِنُدْرَةِ طَلَاقِ أُمِّ الطِّفْلِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اسْتِئْجَارِهِنَّ حِينَئِذٍ - وَإِمَّا مُعْتَدَّاتٌ تَجِبُ لَهُنَّ النَّفَقَةُ لِعَدَمِ خُرُوجِهِنَّ مِنْ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلُوا اسْتِحْقَاقَ هَؤُلَاءِ الْأُجْرَةَ عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَلَا إِشْكَالَ فِي وُجُوبِ الشَّيْءِ بِسَبَبَيْنِ، وَلَا تَكْرَارَ فِي نَصَّيِ الْوُجُوبِ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَاءَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَهُ صُورَةٌ يَنْفَرِدُ بِهَا، إِذِ الْمُعْتَدَّةُ قَدْ تَكُونُ وَالِدَةً وَغَيْرَ وَالِدَةٍ، وَالْمُرْضِعُ تَكُونُ بَائِنَةً وَمُعْتَدَّةً، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَشْغُولَةٌ بِمَصْلَحَةِ الرَّجُلِ الْمُطَلِّقِ شَغْلًا يَمْنَعُهَا مِنْ زَوَاجٍ يُغْنِيهَا عَنْ نَفَقَتِهِ; لِأَنَّ الْمُرْضِعَ قَلَّمَا يُرْغَبُ فِيهَا وَقَلَّمَا تَرْغَبُ هِيَ فِي الزَّوَاجِ، ثُمَّ إِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ وَلَدَهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ. وَلَمَّا كَانَ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الرِّجَالِ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْإِعْسَارِ وَالْإِيسَارِ بِالنَّفَقَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى اللَّائِقِ بِالْمَرْأَةِ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، عَقَّبَ تَعَالَى هَذَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْوُسْعَ بِالطَّاقَةِ وَهُوَ غَلَطٌ; لِأَنَّ الْوُسْعَ ضِدُّ الضِّيقِ وَهُوَ مَا تَتَّسِعُ لَهُ الْقُدْرَةُ وَلَا يَبْلُغُ اسْتِغْرَاقَهَا، وَأَمَّا الطَّاقَةُ فَهِيَ آخِرُ دَرَجَاتِ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَ بَعْدَهَا إِلَّا الْعَجْزُ الْمُطْلَقُ كَأَنَّهَا آخِرُ طَاقَةٍ; أَيْ فَتْلَةٌ مِنَ الطَّاقَاتِ الَّتِي يَتَأَلَّفُ مِنْهَا الْحَبْلُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّوَسُّعُ فِي النَّفَقَةِ مِنَ السَّعَةِ; أَيْ: بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى الضِّيقِ. وَقَدْ بُسِطَ هَذَا الْإِيجَازُ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَقَامِ: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (٦٥: ٧) (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ ((لَا تُضَارُّ)) بِالضَّمِّ تَبَعًا لِقَوْلِهِ: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ) وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ نَهْيٌ عَنِ الْمُضَارَّةِ صَرِيحٌ، وَالْأَوَّلُ نَهْيٌ فِي الْمَعْنَى خَبَرٌ فِي اللَّفْظِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْكَلَامَ تَفْصِيلٌ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ سَابِقِهِ وَتَقْرِيبٌ لَهُ إِلَى الْفَهْمِ. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُفِيدُ - مَعَ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ - حُكْمًا جَدِيدًا عَامًّا، فَمَنْعُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِهَا - وَهِيَ لَهُ أَرْأَمُ، وَبِهِ أَرْأَفُ، وَعَلَيْهِ أَحَنَى وَأَعْطَفُ - إِضْرَارٌ بِهَا بِسَبَبِ وَلَدِهَا، وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا فِي النَّفَقَةِ مَعَ الْإِرْضَاعِ إِضْرَارٌ بِهَا بِسَبَبِ وَلَدِهَا، وَامْتِنَاعِهَا هِيَ مِنْ إِرْضَاعِهِ - تَعْجِيزًا لِلْوَالِدِ بِالْتِمَاسِ الظِّئْرِ أَوْ تَكْلِيفِهِ مِنَ النَّفَقَةِ فَوْقَ وُسْعِهِ - إِضْرَارٌ بِهِ بِسَبَبِ وَلَدِهِ; فَالْعِلَّةُ فِي الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ مَنْعُ الضِّرَارِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ تَحْرِيمَ كُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لِلْإِضْرَارِ

стр. 729

بِالْآخَرِ; كَأَنْ تُقَصِّرَ هِيَ فِي تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ الْبَدَنِيَّةِ أَوِ النَّفْسِيَّةِ لِتَغِيظَ الرَّجُلَ، وَكَأَنْ يَمْنَعَهُ هُوَ مِنْ أُمِّهِ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ أَوِ الْحَضَانَةِ، فَالْعِبَارَةُ نَهْيٌ عَامٌّ عَنِ الْمُضَارَّةِ بِسَبَبِ الْوَلَدِ لَا يُقَيَّدُ وَلَا يُخَصَّصُ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ أَوْ حَالٍ دُونَ حَالٍ أَوْ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ. وَكَلِمَةُ (تُضَارَّ) تَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ لِلْفَاعِلِ وَالْبِنَاءَ لِلْمَفْعُولِ وَهِيَ لِلْمُشَارَكَةِ، وَإِنَّمَا أُسْنِدَتْ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَالِدَيْنِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ إِضْرَارَهُ بِالْآخَرِ بِسَبَبِ الْوَلَدِ إِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ ضُرَّ الْوَلَدِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ، وَكَيْفَ تَحْسُنُ تَرْبِيَةُ وَلَدٍ بَيْنَ أَبَوَيْنِ هَمُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِيذَاءُ الْآخَرِ وَضَرَرُهُ بِهِ؟ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُضَارَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَالِدَاتِ الْمُطَلَّقَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. أَمَّا قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) فَمَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ لِلتَّعْلِيلِ أَوِ التَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ أَفَادَ حُكْمًا جَدِيدًا. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَارِثِ هَلْ هُوَ وَارِثُ الْمَوْلُودِ لَهُ; أَيِ: الْأَبُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، أَوْ وَارِثُ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؟ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ وَارِثُ الْأَبِ هَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ بِعُصْبَتِهِ، أَوْ بِالْوَلَدِ نَفْسِهِ؟ أَيْ إِنَّ نَفَقَةَ إِرْضَاعِهِ تَكُونُ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَهِيَ عَلَى عُصْبَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَارِثِ وَارِثُ الصَّبِيِّ مِنَ الْوَالِدَيْنِ، أَيْ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى الْآخَرِ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ إِرْضَاعِهِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وَكُلٌّ يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ مَا يَصِحُّ تَنَاوُلُهُ إِيَّاهُ. (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) الْفِصَالُ: الْفِطَامُ; لِأَنَّهُ يَفْصِلُ الْوَلَدَ عَنْ أُمِّهِ وَيَفْصِلُهَا عَنْهُ فَيَكُونُ مُسْتَقِلًّا فِي غِذَائِهِ دُونَهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا ذُكِرَ مِنْ تَحْدِيدِ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ وَكَوْنِ الْحَقِّ فِيهَا لِلْوَالِدَةِ، وَكَوْنِهَا تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً، كُلُّ ذَلِكَ لِدَفْعِ الضِّرَارِ وَتَقْرِيرِ الْمَصْلَحَةِ لَا لِلتَّعَبُّدِ، كَانَ لِلْوَالِدَيْنِ صَاحِبَيِ الْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ فِي الْوَلَدِ وَالْغَيْرَةِ الصَّحِيحَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَفْطِمَاهُ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا إِذَا اتَّفَقَ رَأْيُهُمَا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ التَّشَاوُرِ فِيهِ، بِحَيْثُ يَكُونَانِ رَاضِيَيْنِ غَيْرَ مُضَارَّيْنِ بِهِ. وَأَقُولُ: إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ يُرْشِدُنَا إِلَى الْمُشَاوَرَةِ فِي أَدْنَى أَعْمَالِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَلَا يُبِيحُ لِأَحَدِ وَالِدَيْهِ الِاسْتِبْدَادَ بِذَلِكَ دُونَ الْآخَرِ فَهَلْ يُبِيحُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ فِي الْأُمَّةِ كُلِّهَا وَأَمْرِ تَرْبِيَتِهَا وَإِقَامَةُ الْعَدْلِ فِيهَا أَعْسَرُ وَرَحْمَةُ الْأُمَرَاءِ أَوِ الْمُلُوكِ دُونَ رَحْمَةِ الْوَالِدَيْنِ بِالْوَلَدِ وَأَنْقَصُ؟ ! وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: يَحْتَمِلُ الْفِصَالُ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ إِيقَاعُ الْمُفَاصَلَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ; أَيْ بِأَنْ تَرْضَى هِيَ بِضَمِّهِ إِلَى أَبِيهِ يَسْتَأْجِرُ لَهُ ظِئْرًا تُرْضِعُهُ وَيَرْضَى هُوَ بِذَلِكَ لَا يُضَارُّ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ مُنَاسِبَةِ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحُقُوقَ وَالْوَاجِبَاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْوَلَدِ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ وَالِدَيْهِ، وَلَهُمَا الْخِيَارُ فِي تَقْرِيرِ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ بِالتَّرَاضِي مَعَ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ، أَوْ مُنَاسَبَةِ جَوَازِ فَصْلِ الطِّفْلِ عَنْ أُمِّهِ بِرِضَاهَا، ذَكَرَ حُكْمَ الْمُسْتَرْضِعَاتِ وَهُنَّ الْأَظْآرُ اللَّوَاتِي يُرْضِعْنَ بِالْأُجْرَةِ فَقَالَ:

стр. 730

(وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ) يُقَالُ: اسْتَرْضَعْتُ الْمَرْأَةَ الطِّفْلَ إِذَا اتَّخَذْتَهَا مُرْضِعًا لَهُ، وَيَحْذِفُونَ أَحَدَ الْمَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ فَيَقُولُونَ: اسْتَرْضَعْتُ الطِّفْلَ كَمَا يَقُولُونَ: اسْتَنْجَحْتُ الْحَاجَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَنِ اسْتُنْجِحَ، وَالْمَعْنَى: إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمُ الْمَرَاضِعَ الْأَجْنَبِيَّاتِ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) قَالَ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ: أَيْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ مِنْ إِرَادَةِ الِاسْتِرْضَاعِ، أَيْ سَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ وَرَضِيَ، بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمَا وَقَصْدِ خَيْرٍ، وَإِرَادَةِ مَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ، فَالْخِطَابُ عَامٌّ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْوَالِدَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَيَانِ. أَوْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا أَرَدْتُمْ إِيتَاءَهُ الْمَرَاضِعَ مِنَ الْأُجُورِ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ بِالْوَجْهِ الْمُتَعَارَفِ الْمُسْتَحْسَنِ شَرْعًا وَعَادَةً. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْمُرَادُ بِهِ إِعْطَاءُ الْأُجْرَةِ الْمُتَعَارَفَةِ وَهِيَ مَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ أَجْرَ الْمِثْلِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ مَصْلَحَةُ الْمُرْضِعِ وَمَصْلَحَةُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ; لِأَنَّ الْمُرْضِعَ إِذَا لَمْ تُعَامَلِ الْمُعَامَلَةَ الْحَسَنَةَ الْمُرْضِيَّةَ بِأَخْذِ أَجْرِهَا تَامًّا لَا تَهْتَمُّ بِمُرَاعَاةِ الطِّفْلِ وَلَا تُعْنَى بِإِرْضَاعِهِ فِي الْمَوَاقِيتِ الْمَطْلُوبَةِ وَبِنَظَافَتِهِ وَسَائِرِ شَأْنِهِ، وَإِذَا أُوذِيَتْ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا فَيَكُونُ ضَارًّا بِالطِّفْلِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مُؤَيِّدٌ وَمُوَافِقٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ كَوْنِ الْأُمِّ أَحَقَّ بِإِرْضَاعِ وَلَدِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي لَا يُعَارِضُهُ; لِأَنَّ الْخِطَابَ فِيهِ يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ جَمِيعًا، وَالسُّكُوتُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالتَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَهُوَ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ مَنَعَ الْأُمَّ مِنَ الْإِرْضَاعِ كَمَرَضٍ أَوْ حَبَلٍ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحْدَهُ ((أَتَيْتُمْ)) مَقْصُورَةَ الْأَلْفِ مِنْ أَتَى إِلَيْهِ إِحْسَانًا إِذَا فَعَلَهُ، وَرَوَى شَيْبَانُ عَنْ عَاصِمٍ ((أُوتِيتُمْ)) أَيْ: آتَاكُمُ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْمُرَادُ الْأُجْرَةُ، كَذَا قَالُوا; وَالْأَقْرَبُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا سَلَّمْتُمُ الْمَرَاضِعَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْوَلَدِ بِالْمَعْرُوفِ، بِأَنْ يَتَّفِقَ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا إِنِ اسْتَقَلَّ بِالْوَلَدِ مَعَ الْمُرْضِعِ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ الْوَلَدَ لِإِرْضَاعِهِ بِطَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ شَرْعًا وَعَادَةٍ مُرْضِيَّةٍ لَهُمَا وَلَهَا. ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِمَا يَبْعَثُ عَلَى الْتِزَامِ أَحْكَامِهَا وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فَقَالَ: (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أَيِ: الْتَزِمُوا مَا ذَكَرَ مِنَ الْأَحْكَامِ مَعَ تَوَخِّي حِكْمَةِ كُلٍّ مِنْهَا، وَاتَّقُوا اللهَ فِي ذَلِكَ فَلَا تُفَرِّطُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَاعْلَمُوا عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ يُحْصِي لَكُمْ عَمَلَكُمْ وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ، فَإِذَا قُمْتُمْ بِحُقُوقِ الْأَطْفَالِ بِالتَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرِ وَاجْتِنَابِ الْمُضَارَّةِ جَعَلَهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَسَبَبًا لِلْمَثُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنِ اتَّبَعْتُمْ أَهْوَاءَكُمْ وَعَمَدَ الْوَالِدُ إِلَى مُضَارَّةِ الْوَالِدَةِ بِهِ وَعَمَدَتْ هِيَ إِلَى ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ بَلَاءً وَفِتْنَةً لَهُمَا فِي الدُّنْيَا، وَكَانَا بِعَمَلِهِمَا السَّيِّئِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَوَلَدِهِمَا مُسْتَحِقَّيْنِ لِعَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِإِرْضَاعِ الْأُمَّهَاتِ أَوْلَادَهُنَّ عَلَى مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ، فَأَفْضَلُ اللَّبَنِ لِلْوَلَدِ لَبَنُ أُمِّهِ بِاتِّفَاقِ الْأَطِبَّاءِ، أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَوَّنَ مِنْ دَمِهَا فِي أَحْشَائِهَا، فَلَمَّا بَرَزَ إِلَى الْوُجُودِ تَحَوَّلَ اللَّبَنُ الَّذِي كَانَ يَتَغَذَّى مِنْهُ الرَّحِمُ إِلَى لَبَنٍ يَتَغَذَّى مِنْهُ فِي خَارِجِهِ، فَهُوَ اللَّبَنُ

стр. 731

الَّذِي يُلَائِمُهُ وَيُنَاسِبُهُ، وَقَدْ قَضَتِ الْحِكْمَةُ بِأَنْ تَكُونَ حَالَةُ لَبَنِ الْأُمِّ فِي التَّغْذِيَةِ مُلَائِمَةً لِحَالِ الطِّفْلِ بِحَسَبِ دَرَجَاتِ سِنِّهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي الظِّئْرِ أَنْ تَكُونَ سِنُّ وَلَدِهَا كَسِنِّ الطِّفْلِ الَّتِي تُتَّخَذُ مُرْضِعًا لَهُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ لَبَنَ الْمُرْضِعِ يُؤَثِّرُ فِي جِسْمِ الطِّفْلِ وَفِي أَخْلَاقِهِ وَسَجَايَاهُ، وَلِذَلِكَ يُحْتَاطُ فِي انْتِقَاءِ الْمَرَاضِعِ، وَيُجْتَنَبُ اسْتِرْضَاعُ الْمَرِيضَةِ وَالْفَاسِدَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، وَلَكِنْ لَا يُخْشَى مِنْ لَبَنِ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ بِهَا عِلَّةٌ فِي بَدَنِهَا أَوْ فِي أَخْلَاقِهَا لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ طَبِيعَتِهَا فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ وَهُوَ فِي الرَّحِمِ، فَاللَّبَنُ لَا يَزِيدُهُ شَيْئًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ تُمْنَعَ الْأُمَّهَاتُ مِنَ الْإِرْضَاعِ أَحْيَانًا لِسَبَبٍ عَارِضٍ فِي الْبَدَنِ أَوِ النَّفْسِ وَهَذَا نَادِرٌ، وَأَمَّا التَّدْقِيقُ فِي صِحَّةِ الْمُرْضِعِ وَفِي أَخْلَاقِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا إِذَا كَانَتْ ظِئْرًا لَا أُمًّا. قَالَ: اللَّبَنُ يَخْرُجُ مِنْ دَمِ الْمُرْضِعِ وَيَمْتَصُّهُ الْوَلَدُ فَيَكُونُ دَمًا لَهُ يَنْمُو بِهِ اللَّحْمُ، وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ، فَهُوَ يَشْرَبُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، وَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ مَنْ يَرْضَعُ مِنْ لَبَنِ الْأَتَانِ يَغْلُظُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ كُلِّ حَيَوَانٍ يُؤَثِّرُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَكِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ نَفْسِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أَكْثَرُ مِمَّا هِيَ بَدَنِيَّةٌ، فَجِسْمُهُ مُسَخَّرٌ لِشُعُورِهِ وَعَقْلِهِ; لِذَلِكَ كَانَ تَأْثِيرُ الِانْفِعَالَاتِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنَ الْمُرْضِعِ فِي الرَّضِيعِ أَشَدَّ مِنْ تَأْثِيرِ الصِّفَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَقَدْ لَاحَظْنَا أَنَّ صَوْتَ الْمُرْضِعِ قَدْ ظَهَرَ فِي الْوَلَدِ الَّذِي كَانَتْ تُرْضِعُهُ، فَكَيْفَ بِآثَارِ عَقْلِهَا وَشُعُورِهَا وَمَلَكَاتِهَا النَّفْسِيَّةِ؟ ! وَقَدْ نَبَّهَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَحِكَايَةُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ مَعْرُوفَةٌ. أَقُولُ: ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ وَالِدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الشَّهِيرِ (وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ) كَانَ يَنْسَخُ بِالْأُجْرَةِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ شَيْءٌ اشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً مَوْصُوفَةً بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَكَانَ يُطْعِمُهَا مِنْهُ إِلَى أَنْ حَمَلَتْ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى تَرْبِيَتِهَا الْحَسَنَةِ وَتَغْذِيَتِهَا بِالْحَلَالِ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أَوْصَاهَا أَلَّا تُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ إِرْضَاعِهِ، فَاتَّفَقَ أَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهِيَ مُتَأَلِّمَةٌ وَالصَّغِيرُ يَبْكِي وَقَدْ أَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ جِيرَانِهِمْ وَشَاغَلَتْهُ بِثَدْيِهَا فَرَضَعَ مِنْهَا قَلِيلًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ إِلَيْهِ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى بَطْنِهِ وَأَدْخَلَ أَصْبُعَهُ فِي فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَاءَ جَمِيعَ مَا شَرِبَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَسْهُلُ عَلَيَّ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يَفْسُدُ طَبْعُهُ بِشُرْبِ لِبَنِ غَيْرِ أُمِّهِ، وَيُحْكَى عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَلْحَقُهُ بَعْضُ الْأَحْيَانِ فَتْرَةٌ فِي مَجْلِسِ الْمُنَاظَرَةِ فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ بَقَايَا تِلْكَ الرَّضْعَةِ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْعِنَايَةِ بِتَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ، وَقَابِلْهُ بِتَهَاوُنِ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي أَمْرِ الْوِلْدَانِ فِي رَضَاعَتِهِمْ وَسَائِرِ شُئُونِهِمْ، حَتَّى إِنَّ الْأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي فَطَرَهُنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى التَّلَذُّذِ بِإِرْضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ وَالْغِبْطَةِ بِهِ، قَدْ صَارَ نِسَاءُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُنَّ يَرْغَبْنَ عَنْهُ تَرَفُّعًا وَطَمَعًا فِي السِّمَنِ وَبَقَاءِ الْجَمَالِ، أَوِ ابْتِغَاءَ سُرْعَةِ الْحَمْلِ، وَكُلُّ هَذَا مُقَاوَمَةٌ لِلْفِطْرَةِ وَمَفْسَدَةٌ لِلنَّسْلِ، وَقَدْ فَطِنَ لَهُ مَنْ عَرَفَ سُنَنَ الْفِطْرَةِ مِنَ الْأُمَمِ الْمُرْتَقِيَةِ بِالْعِلْمِ وَالتَّرْبِيَةِ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ قَيْصَرَةَ الرُّوسِيَّةِ تُرْضِعُ أَوْلَادَهَا وَتُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْمَرَاضِعَ.

стр. 732

أَلَسْنَا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْآدَابِ فِي الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ مِنْ غَيْرِنَا؟ إِنْ كَانَتِ الْفِطْرَةُ تَقْضِي بِهِ فَدِينُنَا دِينُ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَدْ عَلَّمَنَا اللهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ أَنَّ دِينًا أَرْشَدَ إِلَى مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ دِينُنَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْقُدْوَةُ هِيَ الَّتِي يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فَقَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ عُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ، فَاللهُمَّ وَفِّقِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الِاهْتِدَاءِ بِهَذَا الْقُرْآنِ لِيَتَحَقَّقُوا بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) . لَا يَزَالُ الْكَلَامُ فِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ مِنْ حَيْثُ هُنَّ أَزْوَاجٌ يُمْسَكْنَ وَيُسَرَّحْنَ، فَيُرَاجَعْنَ أَوْ يُبْتَتْنَ، وَفِي حُقُوقِهِنَّ حِينَئِذٍ فِي أَوْلَادِهِنَّ، وَكُلُّ هَذَا قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَحْكَامَ مَنْ يَمُوتُ بُعُولَتُهُنَّ، مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحِدَادِ وَالِاعْتِدَادِ، وَمَتَى تَجُوزُ خِطْبَتُهُنَّ وَمَتَى يَتَزَوَّجْنَ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) أَيْ: يَتَوَفَّاهُمُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ يَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ وَيُمِيتُهُمْ. قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (٣٩: ٤٢) فَإِذَا حَذَفَ الْفَاعِلَ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ الْفَصِيحُ. (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) أَيْ: يَتْرُكُونَ زَوْجَاتٍ، وَالْفَصِيحُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الزَّوْجِ فِي كُلٍّ مِنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، وَيَجْمَعُ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَزْوَاجٍ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (٣٣: ٦) وَالزَّوْجُ فِي الْأَصْلِ الْعَدَدُ الْمُكَوَّنُ مِنِ اثْنَيْنِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ فِي تَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ ((زَوْجًا))

стр. 733

أَنَّ حَقِيقَتَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ زَوْجٌ مُكَوَّنَةٌ مِنْ شَيْئَيْنِ اتَّحَدَا فَصَارَا شَيْئًا وَاحِدًا، فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَا شَيْئَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، وَلِذَلِكَ وَضَعَ لَهُمَا لَفْظًا وَاحِدًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ تَعَدُّدَ الصُّورَةِ لَا يُنَافِي وَحْدَةَ الْمَعْنَى، أُرِيدَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ مِنْ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَتَّحِدَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةُ بِبَعْلِهَا بِتَمَازُجِ النُّفُوسِ وَوَحْدَةِ الْمَصْلَحَةِ، حَتَّى يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ عَيْنُ الْآخَرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) خَبَرٌ لِمَا قَبْلَهُ; أَيْ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) (٢: ٢٢٨) فَارْجِعْ إِلَيْهِ إِنْ كُنْتَ نَسِيتَ مَا فِي التَّعْبِيرِ مِنْ آيَاتِ الْبَلَاغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عِدَّةَ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَمُوتُ أَزْوَاجُهُنَّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، لَا يَتَعَرَّضْنَ فِيهَا لِلزَّوَاجِ بِزِينَةٍ وَلَا خُرُوجٍ مِنَ الْمَنْزِلِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا يُوَاعِدْنَ الرِّجَالَ بِالزَّوَاجِ، وَقَدْ يَتَعَارَضُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (٦٥: ٤) فَهَلْ يُقَالُ: إِنَّ مَا هُنَا خَاصٌّ بِغَيْرِ الْحَوَامِلِ أَمْ مَا هُنَالِكَ خَاصٌّ بِالْمُطَلَّقَاتِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي; لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَالِكَ فِي الطَّلَاقِ، وَالسُّورَةُ سُورَتُهُ فَهُوَ خَاصٌّ، وَالْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يُتَوَفَّى زَوْجُهَا; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ عِدَّتَهَا طَوِيلَةً، وَفَرَضَ عَلَيْهَا الْحِدَادَ عَلَى الزَّوْجِ مُدَّةَ الْعِدَّةِ، مَعَ تَحْرِيمِ السُّنَّةِ الْحِدَادَ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، اهْتِمَامًا بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْحَامِلَ الَّتِي يَمُوتُ زَوْجُهَا إِذَا وَضَعَتْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِيَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَفْتَاهَا بِأَنَّهَا حَلَّتْ حِينَ وَضَعَتْ حَمْلَهَا، وَكَانَتْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ احْتِيَاطًا، فَأَيُّ آيَةٍ كَانَتْ عِنْدَ اللهِ هِيَ الْمُخَصِّصَةَ لِلْأُخْرَى كَانَتْ عَامِلَةً بِهَا، وَلَا أَحْفَظُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ جَزْمًا بِقَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَلَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ الَّذِي قَالَ بِهِ الْحَبْرَانِ لَا يُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ. وَقَدْ سُئِلَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الدَّرْسِ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَأَجَابَ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا نَبْحَثُ عَمَّا يُشِيرُ الْكِتَابُ إِلَى حِكْمَتِهِ إِشَارَةً مَا، وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ فِرَاقِ الزَّوْجِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ عَظِيمٌ يَمْتَدُّ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أَوْ سِتِّينَ يَوْمًا، فَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ إِنْ كَانَتْ تُعْرَفُ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ، فَلَا يَكُونُ اسْتِعْرَافُ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْحَمْلِ مَانِعًا مِنَ الزَّوَاجِ، فَبَرَاءَةُ النَّفْسِ مِنْ كَآبَةِ الْحُزْنِ تَحْتَاجُ إِلَى مُدَّةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَالتَّعَجُّلُ بِالزَّوَاجِ مِمَّا يُسِيءُ أَهْلَ الزَّوْجِ وَيُفْضِي إِلَى الْخَوْضِ فِي الْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ التَّهَافُتِ عَلَى الزَّوَاجِ، وَمَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْوَفَاءِ لِلزَّوْجِ وَالْحُزْنِ عَلَيْهِ.

стр. 734

هَذَا مَا حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ جَلَّيْنَاهُ وَزِدْنَاهُ تَوْضِيحًا فَكَانَ بَيَانًا لِحِكْمَةِ الزِّيَادَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ فِي الْجُمْلَةِ لَا لِكَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَقَدْ سُئِلْنَا عَنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ فَأَجَبْنَا بِجَوَابٍ ذُكِرَ فِي الْمَنَارِ (ص ٥٣٩ م ٧) وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فَلَمْ يُنْكِرْهُ. قُلْنَا بَعْدَ بَيَانِ حِكْمَةِ الْعِدَّةِ وَمَا يَجِبُ مِنْ حِدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا نَصُّهُ: ((وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَحْدِيدِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِهَذَا الْقَدْرِ أَنَّهُ هُوَ الزَّمَنُ الَّذِي يَتِمُّ فِيهِ تَكْوِينُ الْجَنِينِ وَنَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْأَطِبَّاءِ فِي هَذَا الْقَوْلِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ. وَالظَّاهِرُ لَنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لِأَجْلِ الْإِحْدَادِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ قَوِيٌّ فِي تَحْدِيدِهِ، وَلَكِنَّ هُنَاكَ احْتِمَالَاتٍ، مِنْهَا أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مِنْ عُرْفِ الْعَرَبِ أَلَّا يُنْتَقَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا تَعَرَّضَتْ لِلزَّوَاجِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ مِنْ مَوْتِ زَوْجِهَا فَأَقَرَّهُمُ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ; لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْعُرْفِ وَالْآدَابِ الَّتِي لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْبِرُ عَنِ الزَّوْجِ بِلَا تَكَلُّفِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَتَتُوقُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَلَّا يَغِيبَ الْمُجَاهِدُونَ عَنْ أَزْوَاجِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ أَنْ سَأَلَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ هَذَا أَصْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، تَكُونُ الزِّيَادَةُ الِاحْتِيَاطِيَّةُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ)) اهـ. وَسَيَمُرُّ بِكَ قَرِيبًا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ عَادَاتِ الْعَرَبِ فِي الْحِدَادِ عَلَى الزَّوْجِ وَشِدَّتِهِ، وَمَا أَصْلَحَ الْإِسْلَامُ فِيهِ مَا يُبْطِلُ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ لِعِدَّةِ الْوَفَاةِ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ، وَالْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ، وَذَاتَ الْحَيْضِ وَالْيَائِسَةَ، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي أَفْرَادٍ مِنْ هَذَا الشُّمُولِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْحَامِلِ؛ فَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ((شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ)) وَلَمْ يَنْقُلُوا فِي هَذَا خِلَافًا إِلَّا عَنِ الْأَصَمِّ وَابْنِ سِيرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى الْحَدِّ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّزَوُّجِ بِالْإِمَاءِ: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) (٤: ٢٥) وَعَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ والْبَيْهَقِيِّ ((طَلَاقُ الْأَمَةِ اثْنَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ)) وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، فِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ والْبَيْهَقِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ يَمُوتُ سَيِّدُهَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: عِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَعَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ أَوْ شَهْرٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أَيْ: أَتْمَمْنَ عِدَّتَهُنَّ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)

стр. 735

مِمَّا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِنَّ فِي الْعِدَّةِ مِنَ التَّزَيُّنِ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْخُطَّابِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَنْزِلِ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: شَرْعًا وَأَدَبًا عُرْفِيًّا; لِأَنَّهُنَّ إِذَا أَتَيْنَ بِالْمُنْكَرِ وَجَبَ مَنْعُهُنَّ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْخِطَابِ هُنَا فَقِيلَ: هُوَ لِلْأَوْلِيَاءِ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الزَّوَاجِ الَّذِي يَتَوَلَّوْنَهُ، وَقِيلَ: لِلْمُسْلِمِينَ كَافَّةً يَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ مِنَ الْعَارِفِينَ بِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ لَهُ مِنَ النَّظَائِرِ. لَا تَقُلْ: إِنَّ الْآيَةَ لَمْ تَنْطِقْ بِمَا يُحْظَرُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ، فَنَقُولُ: إِنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، فَإِنَّ مَا عُلِمَ مِنَ النَّاسِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَّبَعَةِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي أَمْرٍ نَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ. رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ قَالَتْ: ((دَخَلَتْ عَلَيَّ أُمُّ حَبِيبَةَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سُفْيَانَ (وَالِدُهَا) فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ وَغَيْرِهِ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) قَالَتْ زَيْنَبُ: ((وَسَمِعْتُ أُمِّي (أُمَّ سَلَمَةَ) تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ)) قَالَ حُمَيْدٌ: ((فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: مَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَقْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَقْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ)) وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: ((أَنَّ امْرَأَةً تُوَفِّي زَوْجُهَا فَخَشَوْا عَلَى عَيْنِهَا فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ فَقَالَ: لَا تَكْتَحِلْ، كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي أَحْلَاسِهَا أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ - فَلَا، حَتْي تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ)) فِي رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ ((تَرْمِي بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ أَوِ الْإِبِلِ فَتَرْمِي بِهَا أَمَامَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ إِحْلَالًا لَهَا)) . فَأَنْتَ تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْعَرَبَ عَلَى غُلُوِّهَا فِي الْحِدَادِ، وَكَثْرَةِ مُنْكَرَاتِهَا فِي النَّوْحِ وَالنَّدْبِ، كَانَتْ تَعْتَادُ أُمُورًا خُرَافِيَّةً فِيهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَحِدُّ عَلَى زَوْجِهَا شَرَّ حِدَادٍ وَأَقْبَحَهُ، فَتَلْزَمُ شَرَّ أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ جَانِبٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَهُوَ الْحِفْشُ، سَنَةً كَامِلَةً لَا تَمَسُّ طِيبًا وَلَا زِينَةً وَلَا تَبْدُو لِلنَّاسِ فِي مُجْتَمَعِهِمْ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا عَلِمَتْ، أَمَّا الْأَحْلَاسُ فَهِيَ

стр. 736

جمعُ حِلْسٍ - بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَبِالتَّحْرِيكِ - وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَا يَكُونُ عَلَى الظَّهْرِ تَحْتَ الْقَتَبِ أَوِ السَّرْجِ أَوِ الْبَرْذَعَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكِسَاءِ الرَّقِيقِ، وَعَلَى مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ مِنْ مَسْحٍ وَنَحْوِهِ، وَالْحِفْشُ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ - الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الْمُظْلِمُ دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَيُسَمُّونَ مِثْلَهُ فِي الْحُجُرَاتِ الْآنَ ((خَزْنَةً)) وَالِاقْتِضَاضُ بِالدَّابَّةِ - بِالْقَافِ - هُوَ التَّمَسُّحُ بِهَا، قِيلَ: كَانَتْ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا، وَقِيلَ: مَا هُنَالِكَ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَأَلْتُ الْحِجَازِيِّينَ عَنِ الِاقْتِضَاضِ فَذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ لَا تَمَسُّ مَاءً وَلَا تُقَلِّمُ ظُفْرًا وَلَا تُزِيلُ شَعْرًا، ثُمَّ تَخْرُجُ بَعْدَ الْحَوْلِ بِأَقْبَحِ مَنْظَرٍ ثُمَّ تَقْتَضُّ; أَيْ: تَكْسِرُ مَا كَانَتْ فِيهِ مِنَ الْعِدَّةِ بِطَائِرٍ تَمْسَحُ بِهِ قُبُلَهَا فَلَا يَكَادُ يَعِيشُ مَا تَقْتَضُّ بِهِ. اهـ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ نَتَنِهَا، وَأَمَّا عَادَةُ مُرُورِ الْكَلْبِ وَرَمْيِ الْبَعْرَةِ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ كَانَتْ فِي آخِرِ الْعِدَّةِ تَنْتَظِرُ مُرُورَ الْكَلْبِ لِتَرْمِيَهِ بِالْبَعْرَةِ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ تَرْمِي بِهَا مَا عَرَضَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ مِنَ التَّرَبُّصِ فِي تِلْكَ الْمَشَقَّةِ وَالْجُهْدِ هُوَ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرَةِ الَّتِي رَمَتْهَا احْتِقَارًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّ زَوْجِهَا. وَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى رَمْيِ الْعِدَّةِ وَالتَّفَلُّتِ مِنْهَا. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ تَفَاؤُلٌ بِعَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَى مِثْلِهَا وَتَمَنِّي أَنْ تَمُوتَ فِي كَنَفِ مَنْ عَسَاهَا تَتَزَوَّجُ بِهِ. إِذَا عَلِمْتَ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنَ الْعَادَاتِ السَّخِيفَةِ وَالْخُرَافَاتِ الشَّائِنَةِ الْمُهِينَةِ لِلْمَرْأَةِ، يَظْهَرُ لَكَ شَأْنُ مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِنَ الْإِصْلَاحِ فِي ذَلِكَ إِذْ جَعَلَ الْعِدَّةَ عَلَى نَحْوِ الثُّلُثِ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ فِيهَا إِلَّا الزِّينَةَ وَالطِّيبَ وَالتَّعَرُّضَ لِأَنْظَارِ الْخَاطِبِينَ مِنْ مُرِيدِي التَّزَوُّجِ، دُونَ النَّظَافَةِ وَالْجُلُوسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ مَعَ النِّسَاءِ وَالْمَحَارِمِ مِنَ الرِّجَالِ. وَهَذَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْإِسْلَامُ يَلِيقُ وَيَحْسُنُ فِي كُلِّ شَعْبٍ وَجِيلٍ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَعَصْرٍ، لَا يَشُقُّ عَلَى بَدْوٍ وَلَا حَضَرٍ، وَقَدْ رَأَيْتَ أَنَّ سَعَةَ الدِّينِ وَتَكْرِيمَهُ لِلنِّسَاءِ قَدْ كَادَتْ تُنْسِي الْمُسْلِمَاتِ مَا لَمْ يَبْعُدِ الْعَهْدُ بِهِ مَنْ عَادَتِهِنَّ وَتَخْرُجُ بِهِنَّ مِنْ كُلِّ قَيْدٍ، حَتَّى اسْتَأْذَنَ مَنِ اسْتَأْذَنَ مِنْهُنَّ بِالْكُحْلِ بِحُجَّةِ الْخِيفَةِ عَلَى الْعَيْنِ مِنَ الْمَرَهِ أَوِ الرَّمَدِ حَتَّى ذَكَّرَهُنَّ ﷺ بِذَلِكَ. وَاسْتَشْكَلَ فِي الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مِنَ الْكُحْلِ لِلتَّدَاوِي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهَا: ((فَخَشَوْا عَلَى عَيْنِهَا)) مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا مِنِ انْتِفَاءِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ، وَمِنْ كَوْنِ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَكَوْنِ الضَّرَرِ وَالضِّرَارِ مَمْنُوعَيْنِ، وَمِنَ التَّرْخِيصِ فِي الْكُحْلِ لِلتَّدَاوِي بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ ; لِأَنَّ اللَّيْلَ أَبْعَدُ مِنْ مَظِنَّةِ الزِّينَةِ. فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ)) وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ ((فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ وَتَغْسِلِينَهُ بِالنَّهَارِ)) وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا

стр. 737

حَمْلُهُ عَلَى كُحْلِ الزِّينَةِ كَأَنَّهُ عَلِمَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْهُ أَوْ لِأَجْلِهِ، وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ لِاسْتِيفَائِهِ هُنَا، وَيَنْبَغِي أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ اللَّيْلَ صَارَ كَالنَّهَارِ فِي أَمْصَارِنَا أَوْ أَشَدَّ إِظْهَارًا لِلزِّينَةِ. هَذَا مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِنَ الْإِصْلَاحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَمَنْ أَرَادَ الِاعْتِبَارَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى حَظِّ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مِنْ هَدْيِهِ فِيهَا. الْمُسْلِمُونَ لَا يَسِيرُونَ الْيَوْمَ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا هُمْ طَرَائِقُ قِدَدٌ، فَمِنْ نِسَائِهِمْ مَنْ يَغْلُونَ فِي الْحِدَادِ، وَيُغْرِقْنَ فِي النَّوْحِ وَالنَّدْبِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْعَادَاتِ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَعِيشَةِ بِالْبُيُوتِ، حَتَّى يَزِدْنَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ يَكُونُ مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ حَدٌّ وَلَا أَجَلٌ يَتَسَاوَيْنَ فِيهِمَا، وَلَا يَخْصُصْنَ الزَّوْجَ بِمَا خَصَّهُ بِهِ الشَّرْعُ، بَلْ رُبَّمَا حَدَدْنَ عَلَى الْوَلَدِ سَنَةً أَوْ سِنِينَ، وَرُبَّمَا تَرَكْنَ الْحِدَادَ عَلَى الزَّوْجِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِيهِنَّ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالطَّبَقَاتِ وَالْبُيُوتِ، فَإِيَّاكُمْ نَسْأَلُ أَبْنَاءَ الْعَصْرِ الْجَدِيدِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ أَنْفُسَهُمُ ارْتَقَتْ فِي الْمَدَنِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ إِلَى أُفُقٍ يَسْتَغْنُونَ فِيهِ عَنْ هَدْيِ الدِّينِ، هَلْ تَجِدُونَ لَنَا سَبِيلًا إِلَى إِصْلَاحِ هَذِهِ الْعَادَاتِ الرَّدِيئَةِ فِي الْحِدَادِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نِظَامَ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، بَلْ كُلُّهُ غَوَائِلُ بِمَا يُفْنِي مِنَ الْمَالِ فِي تَغْيِيرِ اللِّبَاسِ وَالْأَثَاثِ وَالرِّيَاشِ وَالْمَاعُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا يُفْسِدُ مِنْ آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ وَيَسْلُبُ مِنْ هَنَاءِ الْمَعِيشَةِ، وَمَا يَفْعَلُ فِي صِحَّةِ الْكَثِيرِينَ، وَلَا سِيَّمَا ضِعَافُ الْمِزَاجِ وَأَهْلُ الْأَمْرَاضِ؟ أَصْلِحُوا لَنَا بِعُلُومِكُمْ وَفَلْسَفَتِكُمْ هَذِهِ الْعَادَاتِ الرَّدِيئَةِ بِإِرْجَاعِهَا إِلَى مَا قَرَّرَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْحِدَادِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْقَرِيبِ، وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا عَلَى الزَّوْجِ، وَيَجْعَلُ هَذَا الْحِدَادَ مَقْصُورًا عَلَى تَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ، أَوْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنْ لَا صَلَاحَ لَنَا إِلَّا بِالِاعْتِصَامِ بِهَدْيِ الدِّينِ الَّذِي تُحَارِبُونَهُ كُلَّ سَاعَةٍ بِأَعْمَالِكُمْ وَخِلَالِكُمْ، وَعَادَاتِكُمْ وَلَذَّاتِكُمْ، وَمَا تُحَارِبُونَ إِلَّا أَنْفُسَكُمْ وَمَا تَشْعُرُونَ. (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) مُحِيطٌ بِدَقَائِقِ عَمَلِكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا أَلْزَمْتُمُ النِّسَاءَ الْوُقُوفَ مَعَكُمْ عِنْدَ حُدُودِهِ أَصْلَحَ أَحْوَالَكُمْ، وَرَفَّهَ مَعِيشَتَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَحْسَنَ جَزَاءَكُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أَخَذَكُمْ فِي الدَّارَيْنِ أَخْذًا وَبِيلًا. (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) (١٧: ٧٢) . وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ: أَنَّ الْفَصِيحَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَوْتِ بِالتَّوَفِّي أَنْ يُقَالَ: تُوفِّيَ فُلَانٌ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَعَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ فِي الْآيَةِ: (يُتَوَفَّوْنَ) وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ عَنْ عَلِيٍّ (يَتَوَفَّوْنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَفُسِّرَ بِيَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ، فَإِنَّ مَعْنَى التَّوَفِّي أَخْذُ الشَّيْءِ وَقَبْضُهُ وَافِيًا تَامًّا، وَكَانُوا يَعُدُّونَ التَّعْبِيرَ عَنِ الْمَيِّتِ بِالْمُتَوَفِّي بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ لَحْنًا; لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ لَا قَابِضٌ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ أَنَّهُ كَانَ خَلْفَ جَنَازَةٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:

стр. 738

مَنِ الْمُتَوَفِّي؟ فَقَالَ: ((اللهُ تَعَالَى)) وَكَانَ هَذَا مِنْ أَسْبَابِ أَمْرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ إِيَّاهُ بِوَضْعِ بَعْضِ أَحْكَامِ النَّحْوِ. وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) وَالْخَبَرِ هُوَ جُمْلَةُ (يَتَرَبَّصْنَ) فَإِنَّهَا غَيْرُ جَلِيَّةٍ عَلَى قَوَاعِدِ النَّحْوِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى جَلِيًّا وَالتَّأْلِيفُ عَرَبِيًّا، وَقَدْ قَدَّرَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ (زَوْجَاتٍ) مُضَافًا مَحْذُوفًا; أَيْ: وَزَوْجَاتُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ يَتَرَبَّصْنَ إِلَخْ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَلَا لُزُومَ لَهُ; أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعَهُ فَائِدَةٌ لِقَوْلِهِ (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَيَرْوُونَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْخَبَرَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ حُكْمِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. وَرَجَّحَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَمِثْلُهُ الْأَخْفَشُ، وَهُوَ أَنَّ الرَّابِطَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ هُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ إِلَى الْأَزْوَاجِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْمُبْتَدَأِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُبْتَدَأِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ أَزْوَاجُهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. قَالَ: وَهُوَ يَنْطَبِقُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ اللُّغَةَ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَهُوَ صِحَّةُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ بِمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: لَعَلِّي إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً ... إِلَى ابْنِ أَبِي ذُبْيَانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا فَمُرَادُ الشَّاعِرِ الْإِخْبَارُ عَنْ تَنَدُّمِ ابْنِ أَبِي ذُبْيَانَ، وَالْأَخْبَارُ فِي اللُّغَةِ لَا يُرَاعَى بِهَا إِلَّا صِحَّةُ الْمَعْنَى، وَكَوْنُهُ مَفْهُومًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ: (وَلَكِنَّ الْبَرَّ مَنِ اتَّقَى) (٢: ١٨٩) . وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ الرَّاغِبِينَ فِي التَّزَوُّجِ بِمَنْ يُتَوَفَّى زَوْجُهَا الْمُسَارَعَةُ إِلَى خِطْبَتِهَا بَيَّنَ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ اللَّائِقَةِ بِهِمْ وَبِكَرَامَةِ النِّسَاءِ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَقَالَ: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) فَالْمُرَادُ بِالنِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ لِوَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ، قَالُوا: وَمِثْلُهُنَّ الْمُطَلَّقَاتُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّاتُ فَلَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ لَهُنَّ; لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَخْرُجْنَ عَنْ عِصْمَةِ بُعُولَتِهِنَّ بِالْمَرَّةِ، وَالتَّعْرِيضُ فِي الْأَصْلِ إِمَالَةُ الْكَلَامِ عَنْ مَنْهَجِهِ إِلَى عَرْضٍ مِنْهُ وَهُوَ الْجَانِبُ، وَيُقَابِلُهُ التَّصْرِيحُ، فَهُوَ أَنْ تُفْهِمَ الْمُخَاطَبَ مَا تُرِيدُ بِضَرْبٍ مِنَ الْإِشَارَةِ وَالتَّلْوِيحِ يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ عَلَى بُعْدٍ بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ، وَفِي الْكَشَّافِ هُوَ: أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا تَدُلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَا تَذْكُرُهُ، كَمَا يَقُولُ الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ: جِئْتُكَ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَلِأَنْظُرَ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ. أَقُولُ: وَلِلنَّاسِ فِي كُلِّ عَصْرٍ كِنَايَاتٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَمِمَّا سَمِعْتُهُ مِنِ اسْتِعْمَالِ عَامَّةِ زَمَانِنَا فِي هَذَا ذِكْرُ الرَّغْبَةِ فِي الزَّوَاجِ مُسْنَدَةً إِلَى أُنَاسٍ مُبْهَمَيْنِ، نَحْوُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَمَنَّى لَوْ يَكُونُ لَهُ كَذَا أَوْ يُوَفَّقُ إِلَى كَذَا، وَالْخِطْبَةُ - بِالْكَسْرِ مِنَ الْخِطَابِ أَوِ الْخَطْبِ وَهُوَ الشَّأْنُ الْعَظِيمُ، وَهِيَ طَلَبُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لِلزَّوَاجِ بِالْوَسِيلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا الْخُطْبَةُ - بِالضَّمِّ - فَهِيَ مَا يُوعَظُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْإِكْنَانُ فِي النَّفْسِ هُوَ مَا يُضْمِرُهُ مُرِيدُ الزَّوَاجِ فِي نَفْسِهِ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ مِنَ التَّزَوُّجِ بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَبَاحَ اللهُ تَعَالَى أَنْ

стр. 739

يُعَرِّضَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْعِدَّةِ بِأَمْرِ الزَّوَاجِ تَعْرِيضًا، وَقَرَنَ ذَلِكَ بِمَا يَكُونُ مِنَ النِّيَّةِ فِي الْقَلْبِ وَالْعَزْمِ الْمَسْتَكِنِّ فِي الضَّمِيرِ، كَأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ أَوْ تَعَسُّرِهِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْطَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ أَمْرٌ دِينِيٌّ، بَلْ رَاعَى فِيمَا شَرَعَهُ لَهُمْ مَا فَطَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ وَجْهَ الرُّخْصَةِ فَقَالَ: (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) فِي أَنْفُسِكُمْ، وَخَطِرَاتُ قُلُوبِكُمْ لَيْسَتْ فِي أَيْدِيكُمْ، وَيَشُقُّ عَلَيْكُمْ أَنْ تَكْتُمُوا رَغْبَتَكُمْ وَتَصْبِرُوا عَنِ النُّطْقِ لَهُنَّ بِمَا فِي أَنْفُسِكُمْ، فَرَخَّصَ لَكُمْ فِي التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ، فَقِفُوا عِنْدَ حَدِّ الرُّخْصَةِ (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) أَيْ فِي السِّرِّ; فَإِنَّ الْمُوَاعَدَةَ السِّرِّيَّةَ مَدْرَجَةُ الْفِتْنَةِ وَمَظِنَّةُ الظِّنَّةِ. وَالتَّعْرِيضُ يَكُونُ فِي الْمَلَأِ لَا عَارَ فِيهِ وَلَا قُبْحَ، وَلَا تَوَسُّلَ إِلَى مَا لَا يُحْمَدُ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ السِّرَّ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ النِّكَاحِ; أَيْ: لَا تَعْقِدُوا مَعَهُنَّ وَعْدًا صَرِيحًا عَلَى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: عَبَّرَ عَنِ النِّكَاحِ بِالسِّرِّ; لِأَنَّهُ يَكُونُ سِرًّا فِي الْغَالِبِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُوَاعَدَةُ سِرًّا أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنِّي عَاشِقٌ وَعَاهِدِينِي أَلَّا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي وَنَحْوَ هَذَا، وَقِيلَ: هِيَ الْمُوَاعَدَةُ عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ الصَّرِيحِ مَعَهَا فِي الْخَلْوَةِ قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) قِيلَ: هُوَ التَّعْرِيضُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هُوَ مَا يُعْهَدُ مِثْلُهُ بَيْنَ النَّاسِ الْمُهَذَّبِينَ بِلَا نَكِيرٍ كَالتَّعْرِيضِ، وَهَذَا أَقْوَى مِنَ التَّعْرِيضِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا مَعَ النِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فِي أَمْرِ الزَّوَاجِ بِالسِّرِّ وَيَتَوَاعَدُوا مَعَهُنَّ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا رَخَّصَ لَهُمْ فِيهِ هُوَ التَّعْرِيضُ الَّذِي لَا يُنْكِرُ النَّاسُ مِثْلَهُ فِي حَضْرَتِهِنَّ، وَلَا يَعُدُّونَهُ خُرُوجًا عَنِ الْأَدَبِ مَعَهُنَّ، وَالْفَائِدَةُ مِنْهُ التَّمْهِيدُ وَتَنْبِيهُ الذِّهْنِ، حَتَّى إِذَا تَمَّتِ الْعِدَّةُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ عَالِمَةً بِالرَّاغِبِ أَوِ الرَّاغِبِينَ، فَإِذَا سَبَقَ إِلَى خِطْبَتِهَا الْمَفْضُولُ رَدَّتْهُ إِلَى أَنْ يَجِيءَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهَا، وَقَدْ أَوْضَحَ الْأَمْرَ وَسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الْإِطْنَابِ; لِأَنَّ النَّاسَ يَتَسَاهَلُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِمَا لَهُمْ مِنْ دَافِعِ الْهَوَى إِلَيْهَا; وَلِذَلِكَ صَرَّحَ بِمَا فَهِمَ مِنْ سَابِقِ الْقَوْلِ مِنْ جَوَازِ الْقَصْدِ إِلَى الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِ الْعِدَّةِ فَقَالَ: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) أَيْ: عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ عَلَى حَذْفِ ((عَلَى)) وَيُقَالُ: عَزَمَ الشَّيْءَ وَعَزَمَ عَلَيْهِ وَاعْتَزَمَهُ; أَيْ: عَقَدَ ضَمِيرَهُ عَلَى فِعْلِهِ، أَوِ الْمَعْنَى لَا تَعْقِدُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ وَهُوَ الْعَزْمُ الْمُتَّصِلُ بِالْعَمَلِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) أَيْ: حَتَّى يَنْتَهِيَ مَا كُتِبَ وَفُرِضَ مِنَ الْعِدَّةِ، فَالْكِتَابُ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ; أَيِ: الْمَفْرُوضِ أَوْ بِمَعْنَى الْفَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) (٢: ١٨٣) وَقَالَ: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (٤: ١٠٣) وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْفَرْضِيَّةِ الْمُحَتَّمَةِ بِلَفْظِ الْكِتَابِ; لِأَنَّ مَا يُكْتَبُ يَكُونُ أَثْبَتَ وَآكَدَ وَأَحْفَظَ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْكِتَابَ بِالْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِدَّةُ أَيْضًا كَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى يَتِمَّ مَا نَطَقَ بِهِ

стр. 740

الْقُرْآنُ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّزَوُّجَ بِالْمَرْأَةِ فِي الْعِدَّةِ مَحْرَمٌ قَطْعًا، وَلِأَجْلِهِ حَرُمَتْ خِطْبَتُهَا فِيهَا، وَالْعَقْدُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَالَ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) أَيْ: يَعْلَمُ مَا تُضْمِرُونَهُ فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ الْعَزْمِ فَاحْذَرُوا أَنْ تَعْزِمُوا مَا حَظَرَهُ عَلَيْكُمْ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذَا التَّحْذِيرُ رَاجِعٌ لِلْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنَ التَّعْرِيضِ وَغَيْرِهِ جَاءَ عَلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ وَسُنَّتِهِ فِي قَرْنِ الْأَحْكَامِ بِالْمَوْعِظَةِ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، تَأْكِيدًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِمَا فِي النَّفْسِ أَعَمُّ مِنَ الْخَبَرِ بِالْعَمَلِ، فَيُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا بِمَا خُتِمَتْ بِهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ; لِأَنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مِمَّا وَرَدَ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَثَرًا مَخْصُوصًا فِي النَّفْسِ، وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَمَا دَامَتِ الْحَاجَةُ مَاسَّةً إِلَى شَيْءٍ فَلَا يُقَالُ: إِنَّ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ تَكْرَارًا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ وَتَعَدَّدَ وَلَوْ بَلَغَ الْأُلُوفَ بِلَفْظِهِ، فَكَيْفَ بِهِ إِذَا تَنَوَّعَ بِعُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ وَقَوْلُهُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) بَعْدَ مَا وَرَدَ مِنَ الْوَعِيدِ وَالتَّشْدِيدِ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ مَخْرَجًا بِالتَّوْبَةِ إِذَا هُوَ تَعَدَّى شَيْئًا مِنَ الْحُدُودِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ غَفُورٌ لَهُ حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِعُقُوبَتِهِ، بَلْ يُمْهِلُهُ; لِيُصْلِحَ بِحُسْنِ الْعَمَلِ مَا أَفْسَدَ بِمَا سَبَقَ مِنَ الزَّلَلِ. (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْجُنَاحِ الْمَنْفِيِّ هُنَا هُوَ التَّبِعَةُ مِنَ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ، لَا الْإِثْمُ وَالْوِزْرُ، وَأَوْرَدُوا هَذَا وَجْهًا ضَعِيفًا وَجَّهُوهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ كَثِيرًا مَا يَنْهَى عَنِ الطَّلَاقِ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ فِيهِ جُنَاحًا فَنَفَتْهُ الْآيَةُ، وَهُوَ كَمَا تَرَى يَتَبَرَّأُ مِنْهُ السِّيَاقُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ نَفْيُ الْمَنْعِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: عَدَمُ الْمَسِيسِ، وَعَدَمُ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ. وَالْمَسِيسُ اسْمُ
следующие страницы →