بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذا كتاب "المدخل إلى جامع الترمذي"، جمعته لنفسي ولمن أراد أن يستفيد منه، وهو مقدمة لكتابي "الغيث الوسمي في شرح جامع الترمذي"، أسأل المولى أن يعينني على تمامه.
وقد جعلته في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: وفيه فصول حول الترمذي.
الباب الثاني: وفيه فصول حول كتاب "الجامع".
الباب الثالث: وفيه فصول في تفسير مصطلحات الترمذي في الحكم على الأحاديث.
ولا يخفى أنه وقع اضطراب في معرفة مقصده من مصطلحاته، فادى عدم تحريرها إلى نسبته إلى التساهل في أحكامه، هذا فضلا عن البعد عن مقصوده منها، وعلى رأسها ما اشتهر به من استعماله لمصطلح "حسن صحيح"، حتى أن الحافظ ابن حجر عندما أراد أن يبين هذا المصطلح ذكر
стр. 2
قولا في غاية البعد (١) عن مراد أبي عيسى، فقال في "النخبة" (٢): (فإن جُمِعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين).
ويعني بذلك أن الخبر إذا كان له أكثر من إسناد، فيكون أحدها صحيحا، والثاني حسنا، وأما إذا لم يكن له إلا إسناد واحد، فحينئذ يكون الترمذي قد تردد في حكمه.
وقد سبقه إلى بعض ذلك ابن الصلاح في "مقدمته" (٣)، وهذا غير صحيح، لذا قال الذهبي: (وأجيب عن هذا بشيء لا ينهض أبدا … الخ) (٤)، وسوف يأتي بيان الصواب في ذلك.
وأكبر من هذا تحرير مصطلحه في الحديث "الحسن"، مع أن الحسن قد وقع في حده اضطراب غير قليل، لذا قال الذهبي: (ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك!) (٥).
والسبب في ذلك أن بعض أهل العلم - كأبي عيسى - يكون له اصطلاح خاص، فيأتي من يفسر هذا المصطلح باصطلاح غيره، فيقع في الخطأ، ومثله من يريد أن يفسر مصطلحات المتقدمين بالحدود التي وضعها
стр. 3
المتأخرون، وهذا خلاف الصواب، بل الواجب الرجوع إلى تصرفاتهم وتتبع كلامهم (١).
ولأجل هذا حرصت على تتبع كلام أبي عيسى وتصرفاته في بيان مصطلحاته، وخاصة فيما بَيَّن مقصوده فيه، وقد تبين لي بحمد الله كثير من مقاصده من هذه المصطلحات، وعلمت دقة أحكامه، وأنَّه ينبغي الوثوق بها إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك.
بل إن طالب العلم إذا أراد أن يتمكن من الصناعة الحديثية بفنونها فعليه أن يكثر من النظر في هذا الكتاب، ويحرص على فَهْم عبارات مؤلفه،
стр. 4
وتتبع كلامه على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا؛ فإنه سوف يحصل له مراده بإذن الله تعالى؛ لأن أبا عيسى قد استعمل في هذا الكتاب كل المصطلحات التي ذكرها أهل العلم، بل وزاد عليها مصطلحات كثيرة لم تذكر، وكل ذلك مقرون بالناحية العملية، والأمثلة التطبيقية، لذا كان هذا الكتاب جديرا بالعناية من قبل طلبة العلم، هذا فضلا عما فيه من الصناعة الفقهية، فهو قد احتوى على هاتين الصناعتين، وقد بينت شيئا من ذلك في أثناء هذا "المدخل".
وهذا ليس خاصا بأبي عيسى، بل غيره من الأئمة؛ ينبغي تتبع كلامهم، ودراسة مناهجهم، والاحتفاء بأحكامهم، ومن هذا: سكوت أبي داود والنسائي والبيهقي عن الحديث بعد تخريجه، وعدم تعليل الخبر بعد إيراده، فإنه يفيد صحته عندهم -غالبا-، كما نص أبو داود على ذلك، وعُلم هذا من تصرفات النَّسَائِي، وأما البيهقي فقد ذكر أنه لا يسكت عن حديث ضعيف (١)، وكذلك إخراج أحمد للحديث في "مسنده" يدل على قوته
стр. 5
عنده من حيث الجملة، لذا قال أبو العباس ابن تيمية: (شرط أحمد في "مسنده" أجود من شرط أبي داود في سننه) (١).
لذا كان الأصل في أحاديث "السنن" الأربعة و"مسند" أحمد و"صحيحي" ابن خزيمة وابن حبان = الصحة، على تفاوت بينهم في ذلك.
وعندئذٍ سوف يجد المتأمل في ذلك فوائد عظيمة، ومسائل مهمة، كان غافلا عنها، لا يجدها في مكان آخر، وسوف يعلم سبب إطلاق الأئمة الصحة على كتابي أبي داود والنسائي، كما أنه سوف تزول بعض الإشكالات التي يجدها الباحث في بعض أحكامهم، وخاصة في تعليلهم للخبر الذي ظاهر إسناده الصحة، فلا يردها كما يفعل بعض المتأخرين، أو لا يحتفل بها كما هو شأن بعض المعاصرين.
وأيضا سوف يجد الناظر في فصول هذا "المدخل" شيئا من التكرار؛ بعضه يُحتاج إليه، وبعضه بسبب إملاء الكتاب في أوقات متباعدة، كما أن بعض هذه المباحث يحتاج إلى زيادة بسط، وهذا يحتاج إلى مزيد من الوقت، فاكتفيت ببعضه عن كله.
стр. 6
كما أنه قد كُتب عن الترمذي وكتابه الشيء الكثير فلم أرد إعادة ما ذكر واستقصاءه، وإنما أردت بيان بعض الأمور المهمة حول الترمذي وكتابه، والتي فيها إضافة على ما هو معروف ومشهور، مع التأكيد على بيان ذلك من خلال الكتاب نفسه، وبالله تعالى التوفيق.
وقد ساعدني في جمع المادة العلمية لهذا "المدخل" جمع من الإخوة، وعلى رأسهم: سامي بن محمد بن جاد الله، وعبد العزيز بن ناصر الخباني، وأَغْرون بن مِلَازم كرَاسنِيجى، وعبد العزيز بن زيد الشبانات، وعبد الحكيم الجبير، والدكتور فيحان بن نايف البصيص، ومعاذ بن محمد القعود، وعبد الرحمن الهليل، وإسلام بن محمد سلطان، وطارق بن عودة العنزي، ومحمود شحرور، فجزاهم الله خيرا، وبارك فيهم.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وينفع به كما نفع بأصله.
أملاه
عبد الله بن عبد الرحمن السعد
١٦/ ٥/ ١٤٤١
стр. 7
الباب الأول وفيه فصول حول الترمذي
الفصل الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وولادته ووفاته.
الفصل الثاني: في رحلاته.
الفصل الثالث: في شيوخه وتلاميذه.
الفصل الرابع: في أهم ما تميز به.
الفصل الخامس: في أنه حامل علم البخاري.
الفصل السادس: في ورعه في الجرح والتعديل.
الفصل السابع: في مؤلفاته.
стр. 8
الفصل الأول في اسمه، ونسبه، وكنيته، وولادته، ووفاته
أما اسمه: فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
١ - محمد بن عيسى بن سَوْرَة (١) بن موسى بن الضحاك.
كذا سماه تلميذه أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي (٢)، وهو المشهور (٣).
٢ - محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن شداد (٤).
٣ - محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرَة بن السَّكَن (٥).
* * *
وأما نسبته: القَيْسِيُّ السُّلَميُّ -بضم السين المهملة وفتح اللام- (٦).
أما القَيْسِيُّ، فنسبة إلى قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن
стр. 9
عدنان، وإلى قيس تنتسب قبائل كثيرة، منها: غطفان وهوازن وباهلة وغيرهم، وقير هو أخو إلياس، وإليه تنتسب قريش وهذيل ومزينة وغيرهم.
وأما السُّلمي، فنسبة إلى سُليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس (١)، قبيلة مشهورة، حجازيةُ الإقليم، مساكنها بين مكة والمدينة منذ الجاهلية وإلى الآن، مع تغيرٍ بعضَ الشيء، وقد تفرَّق قسم منهم في البلاد، فمنهم من سكن الشام، ومنهم من سكن برقة وما حولها -أي: ليبيا الآن-، ولا زالوا يعرفون إلى الآن.
وقد خرج منها جَمْعٌ كبير من الصحابة والتابعين وهلمَّ جرًّا، فمن مشاهيرهم: عمرو بن عَبَسَة السلمي، وهو صحابي جليل قد تقدم إسلامه، فقد قال ابن سعد: (أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سليم بن عامر، وضمرة، وأبي طلحة، أنهم سمعوا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، قال: قلت: يا رسول الله، من معك في هذا الأمر؟ قال: "معي رجلان: أبو بكر وبلال"، قال: فأسلمت عند ذلك، قال: فلقد رأيتني ربع الإسلام، قال: فقلت: يا رسول الله، أمكث معك أم ألحق بقومي؟ قال: "الحق بقومك"، قال: "فيوشك الله تعالى أن يفي بمن ترى وبحيي الإسلام"، وهذا إسناد جيد.
ومنهم أيضا: الصحابي المشهور العرباض بن سارية السلمي، صاحب حديث: "عليكم بسنتي … "، ومنهم: العباس بن مرداس السلمي، وغيرهم من الصحابة، وغيرهم كثير من التابعين وأتباعهم.
стр. 10
وأما بلاده: فهو ينسب البُوْغِيُّ التِّرمذي (١).
البُوْغِيُّ: نسبة إلى بوغ، قال السمعاني: (بضم الباء الموحدة وسكون الواو وفي آخرها الغين المعجمة، هذه النسبة إلى "بوغ" وهي قرية من قرى "الترمذ" على ستة فراسخ) (٢).
التِّرْمِذِيُّ: نسبة إلى ترمذ، وقد اختلف في ضبطها على ثلاثة أقوال، قال السمعاني: (والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة -أي: الترمذي-، بعضهم يقولون: بفتح التاء المنقوطة بنقطتين من فوق، وبعضهم يقولون: بضمها، وبعضهم يقولون: بكسرها، والمتداول على لسان أهل تلك البلدة -وكنت أقمت بها اثني عشر يوما- بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديما فيه كسر التاء والميم جميعا، والّذي يقوله المتوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه) (٣).
وقال مؤتمن الساجي: (سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري -أبو إسماعيل الهروي- يقول: هو بضم التاء) (٤).
وقال ابن دقيق العيد: (وترمذ بالكسر، هو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر) (٥).
وقال أبو الفتح اليَعمُري: (ويقوله المتوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، والذي نعرفه بكسرها، وهي على نهر بلخ) (٦).
وقال الذهبي: (ترمذ: بفتح التاء، وقيل: بضمها، ويقال: بكسرها) (٧).
стр. 11
وقال ابن عبد الهادي: (وترمذ بالكسر هو المشهور) (١).
قلت: الراجح أنها بكسر التاء والميم، وذلك لأمرين:
الأول: ما قاله السمعاني هنا: (والذي نعرفه فيه -يعني في هذه البلدة- كسر التاء والميم جميعا)، فعلى هذا تسمية أهل هذه البلدة لبلدهم ترمذ بفتح التاء وكسر الميم هو حادث، وأنَّه قديما كانت بكسر التاء والميم كما تقدم.
الثاني: ما قاله ابن دقيق العيد - كما سبق -: (ترمذ بالكسر، وهو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر)، وما قاله ابن عبد الهادي: (بالكسر، هو المشهور).
وأما من قال بضم التاء والميم، فهذا لم أقف على أحد قاله إلا أبو إسماعيل الهروي، ويجاب عن هذا بما تقدم من قول السمعاني: (والذي كنا نعرفه قديما فيه … الخ).
والذي يظهر أن أجداد الترمذي رحلوا إلى هذه البلاد البعيدة لكونهم خرجوا في الجهاد، كما خرج غيرهم كثير لذلك، فأقاموا فيها، والله أعلم.
* * *
وأما كنيته: فأبو عيسى بالاتفاق.
وقال مغلطاي: (وزعم ابن دحية في الكتاب المسمى بـ "المستوفى في أخبار المصطفى ﷺ " أنه يعرف - أي: الترمذي - بابن الدهان) (٢).
وهذا غريب، ولم أقف على من سبقه إلى ذلك، كما أنه لم يذكر من أين أخذ ذلك.
стр. 12
وأما ولادته:
فذكر ابن الأثير أنه: (ولد سنة تسع ومئتين) (١)، وإن كان ابن الأثير لم يذكر دليله على ذلك، ولكن مثل ابن الأثير في مكانته العلمية لا يمكن أن يجزم بذلك إلا وقد وقف على نقل فيه، وأما قول الذهبي: (ولد سنة بضع ومئتين) (٢) فهذا تقدير منه على حسب وفيات شيوخه الذين سمع منهم، لذا قال في موضع آخر: (ولد في حدود سنة عشر ومئتين) (٣).
وكان مبصرا، قال أحمد بن عبد الله بن داود: (سمعت أبا عيسى الترمذي يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخ فسألت عنه فقالوا: فلان، فرحت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي وإنما حملت معي في محملي جزأين غيرهما شبههما، فلما ظفرت به سألته السماع فأجاب، وأخذ يقرأ من حفظه، ثم لمح فرأى البياض في يدي، فقال: ما تستحيى مني؟! فقصصت عليه القصة، وقلت له: إني أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأته عليه على الولاء، فقال: هل استظهرت قبل أن تجيء إلي؟ قلت: لا، ثم قلت له: حدثني بغيره، فقرأ عليَّ أربعين حديثا من غرائب حديثه، ثم قال: هات، فقرأت عليه من أوله إلى آخره، فقال: ما رأيت مثلك!) (٤).
لذا قال يوسف بن أحمد البغدادي الحافظ: (أضرَّ أبو عيسى في آخر عمره) (٥).
وقال عمر بن عَلَّك: (بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين) (٦).
стр. 13
وأما وفاته:
ففيها أربعة أقوال:
١ - سنة خمس وسبعين ومئتين. قاله السمعاني (١).
٢ - سنة نيف وسبعين ومئتين. قاله السمعاني (٢).
وهذان القولان ليس بينهما اختلاف كما هو معلوم، فتكون وفاته عند السمعاني سنة خمس وسبعين.
٣ - ليلة الاثنين، لثلاث عشرة خلت من رجب، سنة تسع وسبعين ومئتين. كذا قال غنجار (٣)، وأبو العباس جعفر بن المعتز المستغفري (٤)، وابن ماكولا (٥)، واقتصر عليه المزي (٦)، وجزم به ابن الأثير (٧)، وصححه ابن كثير (٨).
وأنا أذهب إلى هذا، وما خالفه من الأقوال فليس بصحيح.
٤ - مات بعد الثمانين ومئتين. قاله الخليلي (٩).
وأما مكان وفاته:
فقال غنجار: (في ترمذ) (١٠)، وقال السمعاني: (مات بقرية بوغ) (١١). ولا تعارض بينهما، فـ "بوغ" قرية من قرى "ترمذ".
стр. 14
الفصل الثاني في رحلاته
ارتحل أبو عيسى في طلب الحديث إلى عدة بلدان، فسمع بخراسان والعراق والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام، كما تفيده بعض كتب التراجم.
أولًا: بداية رحلته:
في حاشية المزي عند ترجمته لأحمد بن عبيد الله بن سهيل أن رحلة الترمذي كانت بعد الأربعين ومئتين، قاد المزي: (ذكر أبو القاسم في "الشيوخ النبل" أن الترمذي روى عنه أيضا، وذلك وهم منه، إنما روى عن الذي بعده، وهو السليمي فإن رحلته كانت بعد الأربعين) (١).
وهناك من تعقب المزي بأن للترمذي شيوخا قد توفوا قبل المائتين وأربعين، وبالتالي تكون رحلته قبل ذلك.
والجواب عن ذلك أن بعض من ذكر اختُلف في وفاته، وبعضهم ليس من شيوخه أصلا، كعلي بن الحسن بن سليمان الواسطي المتوفى سنة (٢٣٧ هـ)، وأما البعض الآخر فإنهم وإن توفوا قبل المائتين وأربعين إلا أن بعضهم من (بلخ)، وبلخ قريبة من (ترمذ) فلا يكون الذهاب إليها رحلة منه، ويؤكد ذلك أنه لو رحل قبل الأربعين لسمع من جمع ممن توفي قبل ذلك، وليس الواحد أو الاثنين.
стр. 15
نعم إسحاق بن إبراهيم بن راهويه من شيوخه المشهورين، وكانت وفاته قبل الأربعين، وكذلك أحمد بن محمد بن موسى السمسار المرُّوذي، فإن كان ثمة دليل على ما تقدم فهو هذا، ومع ذلك يبقى في النفس شيء لما تقدم، والله تعالى أعلم.
ثانيًا: البلدان التي رحل إليها:
١ - بلخ: لأن جمعا من شيوخه منها.
٢ - خراسان: قال ابن نقطة في ذكره لسماع الترمذي: ( … وبخراسان من علي بن حجر، ومحمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن يحيى النيسابوري، في خلق كثير) (١).
ومن مدن خراسان:
٣ - مرو: لأن جمعا من شيوخه منها، كإسحاق بن راهويه، ومحمود بن غيلان.
٤ - والري: قال ابن نقطة في ذكره لسماع الترمذي: ( … وبالري من أبي زرعة الرازي) (٢).
٥ - بخارى: لإكثاره عن البخاري، وملازمته له.
٦ - سمرقند: قرأ يوسف بن أحمد البغدادي بخط المؤتمن بن أحمد الساجي: (زاد أبو عيسى "العلل" بسمرقند) (٣).
وهذا ليس فيه دلالة على أنه ذهب إليها في رحلته.
٧ - البصرة، وواسط، والكوفة، وبغداد، والحجاز: قال ابن نقطة:
стр. 16
(سمع بالحجاز من محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وبالبصرة من محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى، وعمرو بن علي بن بحر بن كثير الفلاس وغيرهم، وبواسط من أبي الشعثاء علي بن الحسن، وبالكوفة من أبي كريب، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وعبيد بن أسباط، وعلي بن المنذر الطريقي، في آخرين، وببغداد من الحسن بن الصياح، وأحمد بن حسان بن ميمون، وأحمد بن منيع، ومحمد بن إسحاق الصاغاني) (١).
ثالثًا: ما ذكر من البلدان التي لم يدخلها:
١ - مصر والشام: قال الذهبي: (ارتحل، فسمع بخراسان، والعراق، والحرمين، ولم يرحل إلى مصر، والشام) (٢).
٢ - بغداد: قال أحمد شاكر: (لا أظنه دخل بغداد، إذ لو دخلها لسمع من سيد المحدثين وزعيمهم: الإمام أحمد بن حنبل، ولترجم له الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد) (٣).
ورد هذا الأستاذ أكرم ضياء العمري، وجزم بأن الترمذي دخل بغداد، واستدل على ذلك بقول ابن نقطة السابق، بالإضافة إلى روايته عن (ثمانية وثلاثين) شيخا من بغداد، وذكر أن كونه لم يرو عن الإمام أحمد فهذا لا يدل على عدم دخوله بغداد (٤)، بل يدل على أن دخوله بغداد كان بعد وفاة الإمام أحمد، ويؤكد هذا أن كل من روى عنهم الترمذي من بغداد - وهم
стр. 17
ثمانية وثلاثون - ليس فيهم من توفي سنة (٢٤١ هـ)، بل أقدم من روى عنهم من البغداديين توفوا سنة (٢٤٣ هـ)، ويؤكده أيضا أن كل من توفي من البغدادين سنة (٢٤٠ هـ) فإنه روى عنهم بواسطة، وعددهم ثمانية.
وأما كون الخطيب البغدادي لم يترجم له فإن الأغلب أنه ترجم له، ولكن ترجمته سقطت من الطبعة الحالية كما سقطت تراجم أخرى (١).
стр. 18
الفصل الثالث في شيوخه وتلاميذه
سمع أبو عيسى من جمع كبير، وقد أحصى بعض الباحثين شيوخه الذين روى عنهم فبلغوا أكثر من مائتين، ولا يخفى أنه لا يلزم من ذلك أن يكون فقط هؤلاء الذين سمع منهم، فقد قال ابن حبان: (ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية، ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مائة وخمسين شيخا أقل أو أكثر، ولعل معول كتابنا يكون على نحو من عشرين شيخا ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم) (١).
قال المزي: (طاف -يعني: أبا عيسى- البلاد، وسمع خلقا كثيرا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم، وقد سميناهم في مواضعهم من كتابنا هذا) (٢). ولم يذكرهم في ترجمته، وقد أفردهم بعض أهل العلم، ومنهم أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن معاوية الأنصاري الدّروقي الأطروش، له جزء في تسمية شيوخ أبي عيسى التّرمذي في مصنّفه.
نقل ابن الأبَّار نصًّا نادرا من كتاب أبي محمد الدروقي في تسمية شيوخ الترمذي، أثناء الكلام عن شيخ للترمذي اسمه (عيسى بن أحمد)، قال الحافظ الدَّرَوْقِي الأطروش: (عيسى بن أحمد بن وردان، أبا يحيى البلخي، كذا سمَّاه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" له، في باب أبي يحيى،
стр. 19
أخبرني به أبو علي الصدفي) (١) قلتُ: (عيسى بن أحمد) من شيوخ الترمذي روى عنه في موضعين من "جامعه" برقم: (١٤١٣)(٢٠٧٧). يقول في كليهما: حدثنا عيسى بن أحمد قال: حدثنا ابن وهب.
وهؤلاء الشيوخ -كما سوف يأتي- فيهم الحفاظ الكبار، وفيهم من دون ذلك، وفيهم الفقهاء الأعلام، وفيهم من سوى ذلك، وإليك التفصيل في هذا:
أولا: أجلّ شيوخه: إسحاق بن راهويه، وقتيبة بن سعيد، وأبو حفص الفلاس، والدارمي، والبخاري، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج (روى له حديثا واحدا في كتابه "الجامع"، وسيأتي)، وأبو داود السجستاني - وهو من أقرانه، فليس بين ولادتيهما إلا بضع سنوات، ولكن أبا داود بكَّر بالسماع قبل أبي عيسى - (روى له في ثلاثة مواضع، أحدها مكرر، كما سيأتي).
ثانيا: شيوخه الذين استفاد منهم أكثر من غيرهم:
وهؤلاء يمكن أن يقسموا إلى قسمين من حيث الاستفادة:
الأول: الذين استفاد منهم بالإكثار من روايته عنهم، والسماع منهم، وسوف يأتي الكلام عنهم.
والثاني: الذين استفاد منهم في الصناعة الحديثية والنقد، وتخرج بهم، وعلى رأسهم البخاري والدارمي وأبو زرعة، وقد قال في "العلل الصغير": (وما كان فيه -أي: كتاب "الجامع"- من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ"، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا
стр. 20
زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة).
وأكثر من استفاد منه محمد بن إسماعيل، وقد قال: (ولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل) (١).
وسوف يأتي فصل خاص بذلك.
واستفادته من هؤلاء الثلاثة تدل على أمرين:
الأول: أنه يرى أن هؤلاء الثلاثة من أعلم الناس بالصناعة الحديثية في عصرهم، وقد نص على هذا بالنسبة للبخاري.
الثاني: أن هذا يفيد كثرة ملازمته لهم، واختصاصه بهم.
ويلاحظ أنه اجتمع بغيرهم من كبار الحفاظ، ولكن لم يذكر أنه ذاكرهم في الصناعة الحديثية، كأبي حفص الفلاس، ومحمد بن يحيى الذهلي - وقد أكثر عنه، والجوزجاني، نعم روى عن أبي حفص الفلاس خبرا عن يحيى بن سعيد القطان، فقال: (حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: حدثني يحيى بن سعيد القطان، قال: أنبأنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلُها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل". قال عمرو بن علي: قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر) (٢).
ويلاحظ أنه مع اختصاصه بأبي زرعة لم يذكر أنه سمع من أبي حاتم الرازي، وكذلك لم يرو عن أبي بكر الأثرم، ولا يعقوب بن شيبة، ولا محمد بن مسلم بن وارة، وأحمد ابن أبي خيثمة، وغيرهم، مع أنهم من كبار الحفاظ.
стр. 21
ولم يرو كذلك عن العجلي، ولعل السبب في عدم روايته عنه أنه في فتنة خلق القرآن رحل إلى المغرب.
ثالثًا: أقدم شيوخه وفاةً:
والفائدة من ذلك معرفة متى بدأ أبو عيسى بالسماع هل بكر أو تأخر في طلبه للعلم، وغير ذلك من الفوائد كما سوف يأتي، مع ملاحظة أنه لا يلزم من قدم وفاة الشيخ أن يكون أكبر شيوخه، أو أول من سمع منه؛ لأنَّه قد تتقدم وفاة الشخص، ولا يكون كبيرا، وقد يعمر فتتأخر، وقد يبكر في السماع من أناس وتتأخر وفاتهم، وبالعكس فقد يتأخر سماعه من آخرين، وتتقدم وفاتهم.
١ - صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي (ت ٢٣١ هـ أو بعدها كما سوف يأتي).
٢ - أحمد بن محمد بن موسى السمسار المروزي (قيل توفي ٢٣٥ هـ، وقيل بعد ذلك) (١).
٣ - محمد بن عمرو السواق البلخي (ت ٢٣٦ هـ).
٤ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ).
٥ - محمود بن غيلان المروزي (ت ٢٣٩ هـ)، وقيل: سنة (٢٤٩ هـ)، والخلاف قوي، فإذا قيل: إن الأول هو قول الجمهور، وإن البخاري والنسائي قد نصا على أن وفاته كانت في رمضان من سنة (تسع وثلاثين ومئتين)، فإن الثاني وإن كان تفرد به محمد بن حمدويه المروزي إلا أنه ذكر تفصيلا يدل على تأكده مما قال، ثم هو بلديه أيضا، فقال: (خرج محمود إلى الحج سنة ست وأربعين، ثم انصرف إلى مرو، وتوفي لعشر بقين من ذي القعدة سنة تع وأربعين ومائتين).
стр. 22
٦ - يحيى بن موسى البلخي (ت ٢٤٠ هـ).
٧ - محمد بن نجيح السندي، ابن أبي معشر (ت ٢٤٧ هـ)، وهو معمر لأنَّه قد قارب المئة عندما توفي (١).
أما صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي فقد ذكر ابن حبان أنه توفي سنة (٢٣١ هـ)، ومثله عبد الباقي بن قانع، ولكن خالفهما من هو أولى منهما، فقد قال البخاري: (مات سنة بضع وثلاثين ومائتين أو نحوه بمكة)، وقال البغوي: (مات سنة تسع وثلاثين ومائتين)، ومثله أحمد بن محمد بن بكر.
وأما القول بأن محمد بن جعفر السمناني هو أقدمهم وفاةً، وأنَّه توفي سنة (٢٢٠ هـ) فهذا اعتمادا على ما ذكره ابن حجر في "التقريب"، ويظهر أنه سبق قلم من الحافظ ابن حجر؛ لأنَّه موجود بخطه كذلك، لذا لما ترجم له في "تهذيب التهذيب" لم يذكر وفاته، ومثله المزي في "تهذيب الكمال"، وذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" فيمن توفي ما بين (٢٤١ هـ) وبين (٢٥٠ هـ).
والخلاصة أن أقدمهم وفاة هو محمد بن عمرو السواق البلخي؛ لأن أحمد بن محمد السمسار مختلف في وفاته كما تقدم، بخلاف السواق.
وبناء على ما تقدم فالذي يظهر أن الترمذي قد تأخر طلبه للعلم، وذلك لتأخر وفاة كبار شيوخه، بخلاف شيخه البخاري، فإنه بدأ بالطلب وعمره نحو عشر سنوات، فقد روى الخطيب البغدادي من طريق الفربري، عن محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: (كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت
стр. 23
حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقاد: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، وقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة) (١).
ومثله أبو داود السجستاني، فإنه قد قال: (وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين، وسمعت من أبي عمر الضرير مجلسا واحدا، ودخلت البصرة وهم يقولون: مات أمس عثمان المؤذن، وسمعت من سعدويه مجلسا واحدا، ومن عاصم بن علي مجلسا واحدا، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئا) (٢)، لذا كان من أقدم شيوخه مسلم بن إبراهيم الأزدي (ت ٢٢٤ هـ).
وإذا تقرر ذلك فقد يستفاد منه أنه لم يكن أحد من أسرته كان من أهل العلم، كأبيه أو إخوته - مثلا - ممن هم أكبر منه، وإلا لبكر في طلب العلم - والله تعالى أعلم -.
رابعًا: أكبر شيوخه سنا:
عبد الله بن معاوية الجمحي، قال موسى بن هارون: توفي سنة (٢٤٣ هـ).
وقال ابن حبان: (مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل).
стр. 24
قال أبو عيسى الترمذي: (هو رجل صالح)، وقال: (وقال لنا عباس العنبري: اكتبوا عنه فإنه ثقة) (١).
وقال الحسن بن أحمد بن الليث: (رأيت عبد الله بن معاوية الجمحي وكانت له مائة سنة، وزيادة على عشرة) (٢).
قلت: وهذا يفيد أنه ولد بعد سنة ثلاثين ومائة، والأقرب عندي أنه ولد نحو سنة أربعين ومائة أو بعدها؛ لأني لم أقف على أحد من شيوخه مات قبل الستين ومائة، وإنما بعدها، فلو ولد بعد الثلاثين ومائة لكان روى عمن مات قبل الستين ومائة، وإن كان هذا ليس بلازم، والله تعالى أعلم.
فهذا قد يكون أكبر شيوخ أبي عيسى سنًّا.
ومثله علي بن حجر السعدي، مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وقد قارب المائة أو جاوزها، وعلى هذا تكون ولادته بعد الأربعين ومائة، ولكن قيل: إنه ولد سنة مائة وأربعة وخمسين، والله تعالى أعلم.
خامسًا: الشيوخ الذين أكثر من الرواية عنهم:
منهم: ابن أبي عمر، ومحمد بن بشار، وأحمد بن منيع، وعلي بن حجر المروزي، وإسحاق بن موسى الأنصاري.
ودون هؤلاء طبقة ثانية، منهم: محمد بن يحيى الذهلي، وعبد الله بن سعيد الأشج، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن محمد بن موسى السمسار، وأبو عمار الحسين بن حريث، ونصر بن علي الجهضمي.
стр. 25
ودون هؤلاء طبقة ثالثة، منهم: الدارمي، وسفيان بن وكيع، ويحيى بن موسى، والحسن بن علي الخلال، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن حميد الرازي.
سادسًا: شيوخه الذين روى عنهم في كتابه "الجامع" وهم من أصحاب الكتب الخمسة:
على رأسهم البخاري، وقد روى عنه أحاديث عديدة.
وروى عن مسلم حديثا واحدا، فقال في باب ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان: (حدثنا مسلم بن حجاج، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قال قال رسول الله ﷺ "أحصوا هلال شعبان لرمضان") (١).
وروى عن أبي داود ثلاثة أحاديث:
١ - قال ﵀: (وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت البناني، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال: "إن حبك إياها يدخلك الجنة".
حدثنا بذلك أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا مبارك بن فضالة بهذا) (٢).
٢ - وقال أيضا: (حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجزي، قال: حدثنا قطن البصري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع") (٣).
стр. 26
٣ - وقال أيضا: (حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي") (١).
وأما من بقي وهما النَّسَائِي وابن ماجه فلم يرو عنهما شيئا؛ لأن النَّسَائِي أصغر منه، وأما ابن ماجه فقد ولد في نفس السنة التي ولد فيها أبو عيسى فهو من أقرانه.
سابعًا: جمعه بين قتيبة وهناد:
كثيرا ما يجمع أبو عيسى بين قتيبة بن سعيد وهناد بن السري، (ينظر حديث: ٣، ٥، ١٧، ٣٨، ٤٢، ٤٦، ٤٨، ٤٩، ٧٠، ٧٤، ٨٦، ٩٩، ٣٥٣، ٥١٣)، والحديث الأول ساقه أولًا عن قتيبة عن أبي عوانة، ثم ساقه عن هناد عن وكيع عن إسرائيل، كلاهما (أبو عوانة وإسرائيل) عن سماك به.
ثامنًا: شيوخه من ترمذ وبلخ:
وفائدة ذلك معرفة متى بداية سماعه الحديث، وطلبه للعلم. لأنَّه من المعلوم أن الشخص أول ما يبدأ بالسماع من أهل بلده، ثم من يليهم، كما أن كثرة شيوخه من بلده وما حوله يدل على اهتمامه بطلب العلم.
شيوخه من ترمذ: صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي، والجارود بن معاذ السلمي، وأحمد بن الحسن بن الجنيدب الترمذي، وموسى بن حزام الترمذي، وهريم بن مسعر الأزدي الترمذي، ومحمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه، ومحمد بن إسماعيل بن يوسف الترمذي، ومكتوم بن العباس أبو الفضل المروزي، ويقال: الترمذي.
стр. 27
شيوخه من بلخ: محمد بن عمرو السواق البلخي، وأبو داود سليمان بن سلم البلخي، ومحمد بن أبان البلخي، وعبد الرحيم بن حازم البلخي، والحسين بن محمد الجريري البلخي.
وبلخ ليست بالبعيدة عن ترمذ، وقد كانتا من حواضر العلم.
تاسعًا: شيوخه المتكلم فيهم:
الغالب على شيوخ أبي عيسى أنهم ثقات، ولكنه قد روى عن بعض من تُكلِّم فيه، والسبب في تخريجه لهم أنه لم يقتصر في هذا الكتاب على الصحيح، وإنما أراد أن يبين المشهور من الغريب، والصحيح من المعلول، فلذا خرّج لهؤلاء الشيوخ، كما أنه خرّج لرواة قد اتهموا بالكذب، وأحاديث معلوم أنها باطلة، وكل ذلك داخل في مقصده من هذا الكتاب، وقد بين ذلك بيانا واضحا، فأبرأ ذمته، بخلاف النَّسَائِي مثلا؛ فإن كل شيوخه ثقات، وغالب أسانيده صحيحة؛ لأنَّه إنما قصد الصحيح.
وعلى رأس شيوخ أبي عيسى المتكلّم فيهم:
١ - محمد بن حميد الرازي، وقد خرّج له في نحو من عشرين موضعا، وهو من الحفاظ، ولكنه قد اتُّهم:
أ - فكان يدّعي سماع ما لم يسمع.
ب - كما أنه كان يركب الأسانيد، نعم لم يضع متونا.
ج - وكان يكون في كتابه شيء منقول، فإذا قيل له: ليس هو هكذا، غَيَّره على ما قيل له.
والراجح في حاله أنه لا يحتج به، وأمره لم يخفَ على أبي عيسى، فقد قال: (وحين رأيته - يعني: البخاري - كان حسن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعفه بعد) (٢).
стр. 28
لذا لم يصحح شيئا مما خرّجه له من أحاديث، بل استغربها كلها، مع قوله في بعضها: (حسن) (١)، سوى حديثين أطلق الحكم بحسنهما، فقال: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، والعباس بن محمد الدوري، قالا: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.
قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن) (٢).
ويلاحظ في هذا الخبر أنه قرن محمد بن حميد بالعباس الدوري، وهو ثقة حافظ.
وقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "اكتحلوا بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"، وزعم أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه.
حدثنا علي بن حجر ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور نحوه.
وفي الباب عن جابر، وابن عمر.
حديث ابن عباس حديث حسن، لا نعرفه على هذا اللفظ، إلا من حديث عباد بن منصور) (٣).
قلت: وهذا قد توبع عليه؛ ولكنها متابعة قاصرة.
وهناك حديث ثالث نقل قول البخاري فيه بأنه حسن، فقال: (حدثنا
стр. 29
محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الصلت بن عبد اللّه بن نوفل، قال: رأيت ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه.
قال محمد بن إسماعيل: حديث محمد بن إسحاق، عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن) (١).
قلت: هذا الحديث لم يتفرد به محمد بن حميد، لذا قال البخاري: حديث محمد بن إسحاق … الخ.
وفي بعض ما استغربه ليست الغرابة منه، إلا في خبرٍ نصَّ صراحة أنه تفرد به، فقال: (حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أول من صلى علي.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث شعبة، عن أبي بلج إلا من حديث محمد بن حميد) (٢).
٢ - سفيان بن وكيع الرؤاسي، وهو صدوق، ولكنه ابتلي بوراق كان يدخل في حديثه ما ليس منه، فتُكلم فيه من أجل هذا (٣)، وقد أكثر عنه في كتابه "الجامع"، حتى بلغ ما روى عنه نحو خمسين - أو ثلاثة وخمسين - حديثا، وقد تتبعت بعض هذه المرويات فوجدت بعضها مستقيما، لذا صحح أبو عيسى جزءا منها، والبعض الآخر العلة ليست منه، وهذا يفيد أن أبا عيسى كان ينتقي حديث شيوخه، لذا لم يخرّج عنه فيما يظهر إلا ما كان من حديثه، والله أعلم.
стр. 30
٣ - يحيى بن طلحة اليربوعي، قال عنه النَّسَائِي: ليس بشيء. وكذّبه علي بن الحسين بن الجنيد، وخطاه - يعني: يحيى بن طلحة - الصغاني. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يغرب عن أبي نعيم وغيره (١).
قلت: ومثله لا يحتج به، وقد خرّج له حديثا واحدا، وجعل العلة منه، قال: (حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "القتل في سبيل الله يكفر كل خطيئة"، فقال جبريل: إلا الدين، فقال النبي ﷺ : "إلا الدين".
… وحديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال: أرى أنه أراد حديث حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس أحد من أهل الجنة يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد") (٢).
٤ - محمد بن يزيد، أبو هشام الرفاعي، روى عنه أبو عيسى أحاديث عديدة، وهو من أهل القرآن والفقه، ولكنه لا يحتج به في الحديث، بل ولا يكتب حديثه؛ لأنَّه اتهم بسرقة الحديث، وفي القراءات لا يحتج به أيضا، قال أبو عمرو الداني: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه. لذا قال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه (٣).
وصحح له الترمذي حديثين (٤) أحدهما كرره مرتين، وهما حديثان صحيحان، أحدهما خرّجه البخاري ومسلم، والثاني خرّجه مسلم.
٥ - عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الكوفي، الهمداني، نزيل
стр. 31
بغداد، كذبه يحيى بن معين، وذلك عندما حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ "أنا مدينة العلم وعلي بابها". كما في رواية عبد الله بن أحمد وابن الجنيد، وبنحو هاتين الروايتين ما جاء عن أبي زرعة عن ابن معين.
وقال النَّسَائِي: ليس بثقة متروك الحديث.
وقال الدارقطني: متروك.
وقال أبو حاتم والدارقطني - في رواية أخرى -: ضعيف.
وقال سعيد بن عمرو البرذعي، قال أبو زرعة: حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة الحكمة وعليّ بابها"، كم من خلق قد افتضحوا فيه. ثم قال لي أبو زرعة: أتينا شيخًا ببغداد يقال له عمر بن إسماعيل بن مجالد فأخرج إلينا كراسة لأبيه فيها أحاديث جياد عن مجالد، وبيان، والناس فكنا نكتب إلى العصر، وقرأ علينا فلما أردنا أن نقوم قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث، فقلت له: ولا كل هذا بمرة، فأتيت يحيى بن معين، فذكرت ذلك له فقال: قل له: يا عدو الله، متى كتبت أنت هذا، عن أبي معاوية إنما كتبت أنت عن أبي معاوية ببغداد، متى روى، هذا الحديث ببغداد؟! (١).
وأما الإمام أحمد فقال عنه: لا أراه إلا صدَق (٢).
وأنا أذهب إلى قول أحمد وأنَّه لا بأس به، وذلك:
أولا: لم ينكر عليه إلا هذا الحديث كما في ترجمته.
ثانيا: أن هذا الحديث لا شك أنه باطل؛ وذلك لأنَّه يخالف أصل الرسالة، فهو ﵊ أرسِل لجميع الخلق من الإنس والجن، وأمِر أن يبلغهم عن ربه البلاغ المبين، لذا كان ﷺ في الاجتماعات العظيمة يستشهد الناس على تبليغه لهم، فهذا الحديث المزعوم يخالف ذلك؛ لأنَّه يفيد أن من أراد الوحي والدين فعليه أن يأتي إلى علي ﵁ لأنَّه هو الباب، ومن المعلوم بالضرورة أنه ﵊ لم يخص عليا بشيء إلا بنبذ عهود المشركين فقط، فكيف لا يكون التبليغ إلا من طريقه؟! (١).
стр. 34
ولكن الحمل على عمر فيه بعض الشيء؛ وذلك أنه قد توبع على هذا الحديث عن أبي معاوية، فرواه عنه: عبد السلام بن صالح الهروي، ومحمد بن جعفر الفيدي، وأحمد بن سلمة الكوفي، والحسن بن علي بن راشد (١).
لذا فإن يحيى بن معين لم ينكر أن أبا معاوية حدث بهذا الحديث، وإنما أنكر أن يكون حدث به ببغداد كما سوف يأتي عنه.
والجواب عن هذا: أن عمر بن إسماعيل قال: (حدثا أبو معاوية)، وتقدم أن أحمد قال: (ما أراه إلا صدَق). وقد يكون شُبِّه له فأخطأ.
والذي يظهر أن أبا عيسى يقوِّيه، فقد خرّج له خمسة أحاديث (٢)،
стр. 35
صحح حديثين منها (١)، مع ملاحظة أن هذين الحديثين جاءا من طرف أخرى صحيحة.
وبهذا يجاب أيضا عمن جعل الحمل على عمر كأبي زرعة، والله تعالى أعلم.
ثالثا: أن باقي أحاديثه أو بعضها وصفت بأنها جياد.
٦ - إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي، روى عنه جمع من الحفاظ منهم الترمذي، روى له حديثا قال: (حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود".
هذا حديث حسن غريب (٢) من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل.
ويحيى بن سلمة يضعَّف في الحديث) (٣).
وإبراهيم ضعيف، بل لا يكتب حديثه، لقول ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة عنه فقال: يذكر عنه أن كان يحدث عن أبيه بأحاديث، ثم ترك أباه فجعلها عن عمه؛ لأن عمه أحلى عند الناس) (٤).
стр. 36
ولقول أبي جعفر العقيلي -بعد أن ذكر حديثا رواه إبراهيم عن أبيه عن جده عن سلمة عنه إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود … - قال: (أما قصة الإداوة والطهور فجاء عن ابن مسعود من غير وجه، وأما ما عدا ذلك فجاء عن غير ابن مسعود، فأدخل إبراهيم حديثا في حديث، ولم يكن إبراهيم - هذا - يقيم الحديث) (١).
قلت: إن صحت القصة الأولى والثانية عنه فلا شك أنه لا يكتب حديثه.
٧ - الوليد بن شجاع بن الوليد، تُكلم فيه، والراجح أنه لا بأس به، وخرّج له حديثا واحدا، فقال: (حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد البغدادي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد".
هذا حديث حسن صحيح غريب (٢) من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٣).
٨ - يحيى بن أكثم التميمي، وقد تُكلم فيه، خرّج له في خمسة مواضع، ثلاثة منها مقرونا بغيره (٤)، واثنين منفردا، قال: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن
стр. 37
عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، وليس على المسلمين جزية".
وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بهذا الإسناد نحوه.
وفي الباب عن سعيد بن زيد، وجد حرب بن عبيد الله الثقفي.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا) (١).
وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين.
وفي الباب عن أم هانئ.
وهذا حديث حن غريب (٢) ((٣).
٩ - حسين بن يزيد الطحان الأنصاري الكوفي، روى عنه جمع من الحفاظ، وأخرج له الترمذي ستة أحاديث (٤).
قال الذهبي في "الكاشف" (٥) وابن حجر في "التقريب" (٦): لين. تبعا
стр. 38
لقول أبي حاتم، فقد قال عنه ذلك (١)، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (٢).
قلت: الأقرب أنه لا بأس به؛ وذلك أن كبار الحفاظ قد رووا عنه، ومنهم أبو زرعة وأبو داود، وقد عُلم عنهما أنهما لا يرويان إلا عن ثقة، كما أن مسلما روى عنه ولكن خارج "الصحيح".
وأما تليين أبي حاتم، فقد علم شدته في ذلك، بالإضافة إلى أنه جرح غير مفسّر.
١٠ - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، نزيل بغداد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهاما. وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديث لا يتابع عليها. وقال الأزدي: ضعيف جدا يتكلمون في حديثه (٣).
صحح له الترمذي حديثا - حسب بعض الطبعات (٤) -، وهو قد جاء من وجه آخر.
١١ - عبد الرحمن بن واقد، روى عنه جمع من الحفاظ، وجاء عن يحيى بن معين ما يدل على قوته عنده، لكن قال ابن عدي: يحدث بالمناكير ويسرق الحديث، سمعت عبدان الأهوازي يقول في حديث "من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة": (هذا حديث دحيم عن ابن أبي فديك أنه سرقه) (٥).
стр. 39
وله ثلاثة أحاديث عند الترمذي أحدها مكرر (١).
١٢ - محمد بن موسى الحرشي، قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه، فوهّاه وضعفه. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النَّسَائِي: صالح، وأرجو أن يكون صدوقا. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٢).
قلت: الراجح أنه لا بأس به، وأما الجواب عن قول أبي داود، فإنه قد يتشدد أحيانا.
وهناك شيوخ آخرون قد تُكلم فيهم بعض الشيء بما لا يؤثر كثيرا عليهم.
عاشرًا: شيوخه غير المشهورين:
روى أبو عيسى عن بعض الشيوخ غير المشهورين، ومنهم:
١ - هريم بن مسعر الأزدي، ليس بالمشهور، روى عن أربعة، وروى عنه ثلاثة، وهم -بالإضافة إلى الترمذي-: جعفر بن محمد الفريابي، وأحمد بن عبد الله بن مالك بن إسماعيل.
وهو مقل كما يظهر من شيوخه والرواة عنه، لذا ليس فيه توثيق إلا أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، إلا أنّ رواية الترمذي مع الفريابي عنه مما يقويه، مع تصحيح الترمذي له في موضع واحد (٣)، على خلاف بين النسخ في ذلك، ولأجل ما تقدم وثقه الذهبي (٤)، وأما ابن حجر فقال: مقبول (٥).
стр. 40
٢ - حسين بن محمد الجريري البلخي، أخرج له خمسة أحاديث، وقرنه في اثنين منهما (١)، وصحح له حديثا منها (٢)، وروى عنه حديثا في "الشمائل" (٣)، وقد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، وهذا مما يقويه.
٣ - عبد الرحمن بن الأسود الهاشمي، أبو عمرو البصري، روى له ستة أحاديث (٤)، صحح له حديثا منها (٥)، ومما يقويه رواية بعض الحفاظ عنه، وخاصة النَّسَائِي (٦)، فأقل ما يقال فيه: صدوق إن لم يكن ثقة.
٤ - عيسى بن عثمان بن عيسى التميمي، روى له حديثين وصححهما (٧)، ويظهر أنه مقل؛ فلم يُذكر له شيخ إلا عمه، ولكن روى عنه جمع من الحفاظ، منهم النسائي، وقال: صالح (٨). فهو كما قال ابن حجر: صدوق.
٥ - أحمد بن محمد بن نِيزك بن حبيب البغدادي، أبو جعفر الطوسي، روى له حديثين (٩)، ولم يصحح له، والعلة ليست منه، وقال عنه ابن عقدة: في أمره نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات" (١٠)، وأنا أميل إلى قول ابن حبان؛ وذلك لأن ابن عقدة متكلم فيه، ثم لم يبين سبب جرحه له، والذي يظهر أنه مكثر؛ فقد روى عنه جمع، وفيهم عدة من الحفاظ، وعلى رأسهم أبو عيسى.