← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولقول أبي جعفر العقيلي -بعد أن ذكر حديثا رواه إبراهيم عن أبيه عن جده عن سلمة عنه إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود … - قال: (أما قصة الإداوة والطهور فجاء عن ابن مسعود من غير وجه، وأما ما عدا ذلك فجاء عن غير ابن مسعود، فأدخل إبراهيم حديثا في حديث، ولم يكن إبراهيم - هذا - يقيم الحديث) (١). قلت: إن صحت القصة الأولى والثانية عنه فلا شك أنه لا يكتب حديثه. ٧ - الوليد بن شجاع بن الوليد، تُكلم فيه، والراجح أنه لا بأس به، وخرّج له حديثا واحدا، فقال: (حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد البغدادي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". هذا حديث حسن صحيح غريب (٢) من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (٣). ٨ - يحيى بن أكثم التميمي، وقد تُكلم فيه، خرّج له في خمسة مواضع، ثلاثة منها مقرونا بغيره (٤)، واثنين منفردا، قال: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن

стр. 37

عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، وليس على المسلمين جزية". وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جرير، عن قابوس بهذا الإسناد نحوه. وفي الباب عن سعيد بن زيد، وجد حرب بن عبيد الله الثقفي. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس قد روي عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا) (١). وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين. وفي الباب عن أم هانئ. وهذا حديث حن غريب (٢) ((٣). ٩ - حسين بن يزيد الطحان الأنصاري الكوفي، روى عنه جمع من الحفاظ، وأخرج له الترمذي ستة أحاديث (٤). قال الذهبي في "الكاشف" (٥) وابن حجر في "التقريب" (٦): لين. تبعا

стр. 38

لقول أبي حاتم، فقد قال عنه ذلك (١)، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (٢). قلت: الأقرب أنه لا بأس به؛ وذلك أن كبار الحفاظ قد رووا عنه، ومنهم أبو زرعة وأبو داود، وقد عُلم عنهما أنهما لا يرويان إلا عن ثقة، كما أن مسلما روى عنه ولكن خارج "الصحيح". وأما تليين أبي حاتم، فقد علم شدته في ذلك، بالإضافة إلى أنه جرح غير مفسّر. ١٠ - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، نزيل بغداد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهاما. وقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديث لا يتابع عليها. وقال الأزدي: ضعيف جدا يتكلمون في حديثه (٣). صحح له الترمذي حديثا - حسب بعض الطبعات (٤) -، وهو قد جاء من وجه آخر. ١١ - عبد الرحمن بن واقد، روى عنه جمع من الحفاظ، وجاء عن يحيى بن معين ما يدل على قوته عنده، لكن قال ابن عدي: يحدث بالمناكير ويسرق الحديث، سمعت عبدان الأهوازي يقول في حديث "من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة": (هذا حديث دحيم عن ابن أبي فديك أنه سرقه) (٥).

стр. 39

وله ثلاثة أحاديث عند الترمذي أحدها مكرر (١). ١٢ - محمد بن موسى الحرشي، قال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه، فوهّاه وضعفه. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النَّسَائِي: صالح، وأرجو أن يكون صدوقا. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٢). قلت: الراجح أنه لا بأس به، وأما الجواب عن قول أبي داود، فإنه قد يتشدد أحيانا. وهناك شيوخ آخرون قد تُكلم فيهم بعض الشيء بما لا يؤثر كثيرا عليهم. عاشرًا: شيوخه غير المشهورين: روى أبو عيسى عن بعض الشيوخ غير المشهورين، ومنهم: ١ - هريم بن مسعر الأزدي، ليس بالمشهور، روى عن أربعة، وروى عنه ثلاثة، وهم -بالإضافة إلى الترمذي-: جعفر بن محمد الفريابي، وأحمد بن عبد الله بن مالك بن إسماعيل. وهو مقل كما يظهر من شيوخه والرواة عنه، لذا ليس فيه توثيق إلا أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، إلا أنّ رواية الترمذي مع الفريابي عنه مما يقويه، مع تصحيح الترمذي له في موضع واحد (٣)، على خلاف بين النسخ في ذلك، ولأجل ما تقدم وثقه الذهبي (٤)، وأما ابن حجر فقال: مقبول (٥).

стр. 40

٢ - حسين بن محمد الجريري البلخي، أخرج له خمسة أحاديث، وقرنه في اثنين منهما (١)، وصحح له حديثا منها (٢)، وروى عنه حديثا في "الشمائل" (٣)، وقد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، وهذا مما يقويه. ٣ - عبد الرحمن بن الأسود الهاشمي، أبو عمرو البصري، روى له ستة أحاديث (٤)، صحح له حديثا منها (٥)، ومما يقويه رواية بعض الحفاظ عنه، وخاصة النَّسَائِي (٦)، فأقل ما يقال فيه: صدوق إن لم يكن ثقة. ٤ - عيسى بن عثمان بن عيسى التميمي، روى له حديثين وصححهما (٧)، ويظهر أنه مقل؛ فلم يُذكر له شيخ إلا عمه، ولكن روى عنه جمع من الحفاظ، منهم النسائي، وقال: صالح (٨). فهو كما قال ابن حجر: صدوق. ٥ - أحمد بن محمد بن نِيزك بن حبيب البغدادي، أبو جعفر الطوسي، روى له حديثين (٩)، ولم يصحح له، والعلة ليست منه، وقال عنه ابن عقدة: في أمره نظر. وذكره ابن حبان في "الثقات" (١٠)، وأنا أميل إلى قول ابن حبان؛ وذلك لأن ابن عقدة متكلم فيه، ثم لم يبين سبب جرحه له، والذي يظهر أنه مكثر؛ فقد روى عنه جمع، وفيهم عدة من الحفاظ، وعلى رأسهم أبو عيسى.

стр. 41

٦ - علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، انفرد الترمذي بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة، قال ابن حجر: مقبول. قلت: الأقرب أنه لا بأس به إن لم يكن ثقة، وذلك لأربعة أمور: ١ - أن الترمذي روى عنه خمسة أحاديث (١)، صحح أحدها (٢)، وإن كان هذا الحديث من حيث الأصل صحيحا؛ لأنَّه جاء من أوجه أخرى، كما أنه نقل عنه في بيان معنى لحديث، وهذا يدل على أنه من أهل العلم. ٢ - أنه قد روى عنه بعض الحفاظ غير الترمذي، كابن خزيمة - في "التوحيد" (٣)، وقد اشترط فيه الصحة -، والمحاملي (٤). ٣ - أن ابن حبان ذكره في "الثقات" (٥)، وقال الخطيب: ما علمت من حاله إلا خيرا (٦). ٤ - أنه لم يتكلم فيه أحد فيما أعلم. ٧ - بشر بن آدم ابن بنت أزهر بن سعد السمان، وقد اختلف فيه، قال أبو حاتم والدارقطني: ليس بقوي. وقال النَّسَائِي: لا بأس به. وقال مسلمة -وغالبا ما يتابع النَّسَائِي-: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧)،

стр. 42

وقال الذهبي في "المغني": ثقة (١)، وقال في "الكاشف" (٢): صدوق. قلت: الأقرب أنه لا بأس به، والأصل في حديثه القبول، وذلك لأمور: ١ - أن أبا حاتم مع شدته لم يقل عنه: ضعيف، وإنما قال: ليس بقوي. لذا روى عنه. ولأجل هذا وغيره لم يلتفت الذهبي إلى هذا التليين، وقواه كما تقدم. ٢ - أنه لم يُذكر له أحاديث منكرة فيما وقفت عليه. ٣ - أن ممن قواه - غير من تقدم - أبو عيسى الترمذي، فقد خرّج له أربعة أحاديث (٣)، صحح ثلاثة منها (٤). وأيضا قد روى عنه أبو زرعة، وهو غالبا لا يروي إلا عن ثقة، وابن خزيمة أيضا (٥). تنبيه: نقل الذهبي في كتابه "الميزان" (٦) و"المغني في الضعفاء" (٧) عن النَّسَائِي أنه قال: ليس بقوي. وهذا النقل في نفسي منه شيء. ٨ - مكتوم بن العباس، أبو الفضل المروزي، ويقال: الترمذي، روى عن أبي صالح عبد الله بن صالح المصري، ومحمد بن يوسف الفريابي، روى عنه: الترمذي، قال الذهبي: لا يعرف (٨). وقال ابن حجر: مقبول (٩). وخرّج له حديثا واحدا، قال: (حدثني أبو الفضل مكتوم بن العباس،

стр. 43

قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيقول: "هل ترك لدينه من قضاء؟ "، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم"، فلما فتح الله عليه الفتوح، قام فقال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين وترك دينا علي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد رواه يحيى بن بكير، وغير واحد، عن الليث بن سعد) (١). كما أنه روى من طريقه بعض أقوال سفيان الثوري، فقال: (فما كان فيه من قول سفيان الثوري فأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفى، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان. ومنه ما حدثنى به أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابى، عن سفيان) (٢). قلت: قد عرف أبو عيسى مكتوم بن العباس، والذي يظهر أنه يقويه، ويحتج بروايته، وقد تقدم أنه صحح له الحديث الذي خرّجه عنه، وإن كان هذا الحديث قد جاء من أوجه أخرى، كما ذكر أبو عيسى، ويؤيد ما تقدم أنه قد اعتمده في أقوال سفيان الثوري، فمثله أقلّ أحواله أن يكون صدوقا لا بأس به. ٩ - محمد بن الحسين بن أبي حليمة، ليس بالمشهور، لم يُذكر أن أحدا روى عنه سوى الترمذي، روى عنه حديثا مقرونا بغيره (٣).

стр. 44

١٠ - علي بن الحسن الكوفي، ليس بالمشهور، روى عنه الترمذي حديثين (١)، وليس فيه جرح ولا تعديل، لكن قال المزي: أظنه اللاني (٢). وهذا روى عنه النَّسَائِي (٣)، وقال ابن حجر: صدوق (٤). ١١ - محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفي البصري، روى عنه الترمذي (٥)، وليس فيه جرح ولا تعديل، ويحتمل أنه محمد بن عثمان بن أبي صفوان؛ وهذا صدوق. ١٢ - محمد بن خليفة أبو عبيد الله البصري، روى عنه الترمذي حديثا واحدا (٦). وقد سأل الحاكمُ الدارقطنيَّ: فمحمد بن خليفة؟ قال: ثقة (٧). وهذا يحتمل أنه الديرعاقولي، ويحتمل أنه البصري، وهو الأقرب؛ لأنَّه تقدم أنه قال عن الأول: صدوق (٨)، ولأن المزي -وأقره ابن حجر- لم ينقل عن الدارقطني في ترجمة الديرعاقولي إلا قوله: صدوق (٩). * * * وأما تلاميذ أبي عيسى: فعَدَّ المزي منهم قريبا من الثلاثين (١٠). ومن أشهر تلاميذه:

стр. 45

١ - أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي المروزي راوية "الجامع" (١). قال الذهبي: وكانت رحلته إلى ترمذ للقي أبي عيسى في خمس وستين ومائتين، وهو ابن ست عشرة سنة (٢). ٢ - وأبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، صاحب "المسند" الكبير (٣)، وراوي "الشمائل" عنه (٤). واقتصر الذهبي في "الكاشف" على ذكرهما (٥). وقال في "التاريخ": وآخر من روى حديثه عاليا أبو المنجى بن اللتي (٦).

стр. 46

الفصل الرابع في أهم ما تميز به لقد تميز أبو عيسى بعدة مزايا منها: أولا: تفننه في التأليف مع حسن الترتيب وقوة العرض. ثانيا: تيسير المعلومة وتوصيلها للقارئ، حتى قال أبو إسماعيل الهروي: (كتاب أبي عيسى الترمذي عندي أفيد من كتاب البخاري ومسلم. قيل له: لم؟ قال: لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه، وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهما) (١). ثالثا: تمكنه من ناصية الفقه والحديث، وكتابه شاهد على ذلك. رابعا: دفاعه عن معتقد أهل السنة والحديث، وذلك من خلال عرضه لأقوالهم فيما أورده من نصوص ترجح مذهبهم، وعدم ذكره لأقوال مخالفيهم ممن انحرف عن السنة. خامسا: ورعه في الجرح والتعديل. سادسا: استخدامه لجميع المصطلحات الحديثية، بل إنه استخدم مصطلحات لم تذكرها الكتب التي أُلفت في بيان فنّ مصطلح الحديث، لذا فإن طالب العلم إذا درس هذا الكتاب، وفهم مصطلحات الترمذي، تمكن من هذا الفن.

стр. 47

سابعا: حسن أدبه مع أهل العلم، ويظهر هذا في عرضه لأقوال أهل العلم، فتجد أن بعضهم يقول قولا خلاف النص، فتجد أبا عيسى لا يجرح هذا القائل، وإنما يكتفي بقوله: وهذا أصح. أي: القول الموافق للحديث. ثامنا: أنه حامل علم البخاري. وسيأتي شرح هذه المزايا في الفصول القادمة.

стр. 48

الفصل الخامس في أنه حامل علم البخاري مما تميز به أبو عيسى أنه نقل كثيرا من علم محمد بن إسماعيل البخاري بعده، فهو حامل علمه، وقد استخرج منه كلاما كثيرا في نقد الرواة والأحاديث، فليس هناك مصدر لكلام البخاري - بعد كتبه - أوسع من كتب الترمذي. قال عمر بن علك: (مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد) (١). وما قاله عمر بن علك ظاهر، ففي "الجامع" و"العلل" لأبي عيسى كلام كثير منقول عن البخاري. ولهذا ميزات كثيرة سيأتي بيانها وشرحها، ومن أهمها -كما سوف يأتي-: أن للبخاري أقوالا تخالف بعض ما ذكره في كتبه، فيعتبر ما نقله أبو عيسى هو القول المتأخر. وسأذكر هنا بعض المباحث المتعلقة بهذا الموضوع: * * * أولا: رواية الترمذي عن البخاري، ونقله من كتبه: نُقُول أبي عيسى عن البخاري بعضها من كتبه رواية عنه، وبعضها أخذها منه مشافهة.

стр. 49

وقد روى أبو عيسى عن البخاري عدة أحاديث. ومن كتبه التي صرح بذكرها الترمذي: ١ - كتاب "الجامع الصحيح": اطّلع أبو عيسى على كتاب "الجامع الصحيح"، وصرح بذكره في بعض المواضع من "جامعه"، ومن ذلك: قال ﵀: (حدثنا هناد، وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج النبي ﷺ لحاجته، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس". قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله نحو حديث إسرائيل. وروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله. وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله. وهذا حديث فيه اضطراب. قال أبو عيسى: سألت عبد الله بن عبد الرحمن: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدا عن هذا، فلم يقض فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن

стр. 50

بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب الجامع. . . الخ) (١). ٢ - كتاب "التاريخ": اطّلع الترمذي أيضا على كتاب "التاريخ" للبخاري، واستفاد منه، بل قال في "العلل الصغير": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ") (٢). قال ابن رجب: (فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري، وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله - رحمه الله تعالى -، وهو جامع لذلك كله) (٣). وذكره أيضا في "جامعه"، فقال: (وأبو لبابة هذا شيخ بصري، قد روى عنه حماد بن زيد غير حديث، ويقال اسمه: مروان. أخبرنا بذلك محمد بن إسماعيل في كتاب "التاريخ") (٤). ٣ - كتاب "الفوائد": قال ﵀: (وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب، ووضعه في كتاب "الفوائد") (٥). وأما ما أخذه عن البخاري مشافهة فهو كثير جدا، وقد قال الترمذي في "العلل الصغير" آخر كتابه "الجامع": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ"، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد).

стр. 51

ثم قال: (ولم أر أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبيرَ أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل) (١). ويعتبر كتابا "الجامع" و"العلل" (٢) للترمذي المصدر الثاني لأقوال البخاري بعد كتبه، فهو من نشر علمه، ويعتبر من أجلّ تلاميذه، حتى الإمام مسلم وهو من تلاميذ البخاري لم يَرو عنه ولا حديثا واحدا في كتابه. * * * ثانيا: ميزات نقول الترمذي عن البخاري: ١ - أنّ في هذه السؤالات التي وجهها أبو عيسى الترمذي لشيخه البخاري كما كبيرا من المعلومات والفوائد فيما يتعلق بالعلل والصناعة الحديثية والحكم على الرواة، ولولا أن الله يسر لأبي عيسى سؤال البخاري لما وصلتنا هذه الفوائد، كما تقدم (٣). ٢ - أن هذه الأقوال تعتبر آخر أقوال البخاري، فإذا وقع خلاف بين أقوال البخاري فإنه يؤخذ بما جاء في "الجامع" و"العلل؛ لأن هذا يعتبر القول الأخير له، لكن ينبغي أن يلاحظ أن لأقواله التي سطرها في كتبه ميزة على غيرها؛ وذلك لأن فيها أقواله المحررة. وأحيانا ينبه الترمذي على بعض المسائل التي يكون للبخاري فيها أكثر من قول، ومن ذلك: قال ﵀: (وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث (٤)، فلم

стр. 52

يعرفه، وقال: محمد بن إسحاق سمع من عكرمة، وحين رأيته كان حَسَن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعفه بعد) (١). وبناء على ما تقدم يمكن تقسيم أحوال البخاري بالنسبة إلى اجتهاداته واختياراته إلى ثلاثة أقسام: الأول: قبل أن يلتقي به أبو عيسى، فإن له أقوالا تخالف أقواله بعدما التقى به، ومن ذلك ما سبق ذكره قريبا عندما سأله عن حديث ابن مسعود عندما أمره النبي ﷺ أن يأتي له بثلاثة أحجار فأتى له بحجرين وروثة … الحديث، فهذا الحديث قد خرجه في كتابه "الجامع"، ولكن عندما التقى به أبو عيسى وسأله عن الراجح في الاختلاف الذي وقع فيه لم يحكم بشيء. الثاني: عندما التقى به أبو عيسى. والثالثة: بعد لقائه به إلى وفاته. ويدل على الثانية والثالثة كلامه في محمد بن حميد الرازي المتقدم، فذكر قوله حين التقى به، وتغير قوله فيه بعد ذلك. وهذا يفيد أن الإمام البخاري لم يزل جادا في طلب العلم ومجتهدا فيه إلى وفاته، وهذا كما حكي عن الإمام أحمد أنه قال: مع المحبرة إلى المقبرة. لذا اشتهر عنه أنه ألف مؤلفاته ثلاث مرات، وهذا يفيد أنه في كل مرة قد يزيد وقد ينقص وقد يغير، وهذا يؤكد ما تقدم. ومما يؤكد ذلك أنه ذكر في "التاريخ الكبير" وفيات بعض الذين ترجم لهم مع تأخرها.

стр. 53

٣ - أن هذه المادة العلمية تعتبر موثقة لأقواله التي وصلتنا من خلال كتبه، وهذا عند الاتفاق، وأما عند وجود الاختلاف فتعتبر هذه المادة كنسخة أخرى. وقد تكون هذه النقول مما أخذه مشافهة عنه، ومن أمثلة ذلك: قال أبو عيسى ﵀: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: قال بعض أهل الحديث: فقه هذا الحديث أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز مثل السماع، واحتج بأن الأعرابي عرض على النبي ﷺ ، فأقر به النبي ﷺ ) (١). قلت: وهذا قد بوب عليه البخاري في كتابه "الصحيح" (٢)، فيكون ما نقله أبو عيسى تأكيدا لقوله وأنَّه لم يغير قوله في ذلك. ٤ - أن هذه المادة موضحة وشارحة لمنهج البخاري أكثر مما في كتابه "الجامع"، وذلك لأن منهج البخاري في كتابه إنما يؤخذ من تصرفاته وإشاراته، بينما هنا يؤخذ من نصوص أقواله، لذا كم من حديث نقل عنه أبو عيسى تصحيحه، أو تحسينه، أو تضعفيه، أو شرح، وبيان لتعليله؟ ومن الأمثلة على ذلك: المثال الأول: مسألة السماع بين الراوي وشيخه، فقد أعل أحاديث بعدم السماع وردها بذلك، فكان كثيرا ما يقول: لا يعرف له سماع، وفي المقابل عندما يصحح الحديث في بعض الأحيان، من أجل تأكيد هذا التصحيح يقول: فلان سمع من فلان. ومن ذلك:

стр. 54

١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين. وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب. وسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (١). ٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا أبو فروة الرهاوي، عن معقل الكناني، عن عبادة بن نسي، عن أبي سعد الخير، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يكتب على الليل الصيام فمن صام فليتعن ولا أجر له". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: أرى هذا الحديث مرسلا، وما أرى عبادة بن نسي سمع من أبي سعد الخير) (٢). ٣ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف، وجبة صوف، وكمة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حميد بن علي الأعرج الكوفي منكر الحديث، وقد روى عنه عبيد الله بن موسى. قلت له: عبد الله بن الحارث

стр. 55

سمع من ابن مسعود؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (١). ٤ - وقال أيضا: (حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ، قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة وله أربع غدائر. سألت محمدا قلت له: مجاهد سمع من أم هانئ؟ قال: روى عن أم هانئ، ولا أعرف له سماعا منها) (٢). ٥ - وقال أيضا: (حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم فقد تودع منهم". سألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه) (٣). ٦ - قال أبو عيسى: (قال محمد: قتادة لا أرى له سماعا من بشير بن نهيك، وبشير بن نهيك لا أرى له سماعا من أبي هريرة. حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك، قال: أتيت أبا هريرة بكتاب، وقلت له: هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم) (٤). ونقل العلائي ما سبق عن البخاري، ثم قال: (وقد احتج هو ومسلم في كتابيهما بروايته عن أبي هريرة، والجمع بين ذلك أن وكيعا روى عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك قال: أتيت أبا هريرة

стр. 56

بكتاب، وقلت له هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم. والإجازة أحد أنواع التحمل، فاحتج به الشيخان لذلك، وما ذكره الترمذي ليس فيه إلا نفي السماع فلا تناقض) (١). قلت: وما ذكره العلائي وجيه، إلا أنه يعكر على ذلك ما قاله البخاري في "تاريخه الكبير" أنه سمع (٢). وعلى كلا القولين فإن تحمل بشير بن نهيك عن أبي هريرة صحيح، إما أن يكون سماعا أو إجازة. المثال الثاني: أن البخاري حكم بـ"حسن" على بعض الأحاديث وخرّجها في "صحيحه". ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به) (٣). ٢ - وقال أيضا في ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: (وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حديث عبد الرحمن بن كعب، عن جابر بن عبد الله في شهداء أحد، هو حديث حسن) (٤).

стр. 57

٤ - وقال أيضا في ما جاء في حد السكران: (قال محمد: وحديث أنس في هذا الباب حسن. حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة، يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: كأخف الحدود، فأمر به عمر) (١). قلت: جميع هذه الأحاديث حسنها البخاري هنا، وخرجها في كتابه "الصحيح"، وليعلم أن المتقدمين يطلقون الحسن ويريدون به أشياء، وليس شيئا واحدا كما هو حال المتأخرين الذين يطلقونه على رواية الثقة الذي خف ضبطه، فمثلا الحديث الأول: يعني بالحسن هنا الغرابة، وأن ابن عيينة تفرد به. وعلى هذا لا يكون الحكم بحسن الحديث مخالفا للحكم بصحته. * * * ثالثا: ما خالف فيه الترمذيُّ البخاريَّ، أو استدركه عليه: قد يظن ظانٌّ أن الترمذي إنما يتابع شيخه البخاري في كل شيء، وهذا غير صحيح، بل الترمذي إمام مجتهد، وقد وافق البخاري في مسائل كثيرة، ولكنه خالفه أيضا في مسائل عديدة، واستدرك عليه مسائل أخرى، فمن المسائل التي خالفه فيها: ١ - قال ﵀: (سألت محمد بن إسماعيل، عن محمد - يعني: ابن

стр. 58

فضيل - ورشدين بن كريب أيهما أوثق؟ قال: ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح. وسألت عبد الله بن عبد الرحمن، عن هذا؟ فقال: ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي. والقول عندي ما قال أبو محمد - يعني: الدرامي -، ورشدين أرجح من محمد وأقدم، وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه) (١). ٢ - وقال أيضا: (حدثنا يحيى بن أكثم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة لتأخذ للقوم"، يعني: تجير على المسلمين. وفي الباب عن أم هانئ، وهذا حديث حسن غريب. وسألت محمدا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث) (٢). ٣ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، قال: قام رجل فأثنى على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثو في وجهه التراب وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب. وقال يزيد بن أبي زياد: عن مجاهد، عن ابن عباس، عن المقداد من حديث أبي أسامة، عن زائدة، عن يزيد. سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: رواه جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد أن المقداد مرسل.

стр. 59

ويروى عن يزيد، عن مجاهد، عن ابن عباس. وروى حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد. قال محمد: وحديث يزيد، عن مجاهد مرسلا أصح. ويزيد بن أبي زياد صدوق ولكنه يغلط. قال أبو عيسى: وحديث حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن المقداد هو عندي أصح من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد عن ابن عباس) (١). ٤ - وقال أيضا: (حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام. فسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه نظر. قال أبو عيسى: لا يعرف عن عبيد الله إلا من وجه رواية حفص، وإنما يعرف من حديث عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر، وأبو البزري اسمه يزيد بن عطارد) (٢). قلت: قال الترمذي في "الجامع": حسن صحيح غريب (٣). ٥ - وقال أيضا: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".

стр. 60

قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ . وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد، عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنَّه قد روي من غير وجه. وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح) (١). ٦ - وقال أيضا: (فسألت محمدا عن هذا الحديث أيهما أصح فقال: حديث زيد بن خالد أصح. قال أبو عيسى: وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عندي هو صحيح أيضا؛ لأن هذا الحديث معروف من حديث أبي هريرة وفي حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد زيادة ما ليس في حديث أبي هريرة، وكلاهما عندي صحيح) (٢). ٧ - وقال أيضا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق قال: حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإن لي مخرفا، فأشهدك أني قد تصدقت به عنها. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وبه يقول أهل العلم، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء.

стр. 61

وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا) (١). قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢)، وحسنه الترمذي. * * * ومن أمثلة ما استدركه الترمذي على البخاري: ١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال أهلي وولدي، فقالت: مالي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورَّث"، ولكني أعول من كان رسول الله ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق عليه. سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعلم رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثل هذا إلا حماد بن سلمة. قال أبو عيسى: قد رواه عبد الوهاب بن عطاء. حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن فاطمة. . . الحديث) (٣). * * * رابعا: ما توقف فيه البخاري، ورجح فيه الترمذي: هناك أشياء توقف فيها البخاري، وأما الترمذي فترجح له بعضها على بعض، ومن ذلك:

стр. 62

١ - قال ﵀: (حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، حدثنا علي بن المبارك، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني حية بن حابس التميمي، قال: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: روى علي بن المبارك وحرب ابن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس التميمي، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ . وروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال صاحب كتاب، وشيبان صاحب كتاب، ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء. قال أبو عيسى: وكأن حديث على بن المبارك أشبه لما وافقه حرب ابن شداد) (١). ٢ - وقال: (حدثنا إبراهيم بن سعد الجوهري والحسين بن الحسن المروزي بمكة قالا: حدثنا الأحوص بن جواب، عن سعير بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من صنع إليه معروفا فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء". هذا حديث حسن جيد غريب (٢)، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله.

стр. 63

وسألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه) (١). قلت: فالترمذي هنا عرف الحديث وحكم عليه. وتوقُّفُ البخاري في إجاباته عن أسئلة الترمذي له أمثلة متعددة، ولعل من أسباب ذلك - والله أعلم - أن سؤاله كان شفهيا، وقد يكون من أسباب ذلك أيضا تحري البخاري وتورعه. * * * استفادة البخاري من تلميذه الترمذي، وروايته عنه: قال أبو عيسى: (قال لي محمد بن إسماعيل: ما انتفعتُ بك أكثر مما انتفعتَ بي) (٢). ومن أمثلة ما استفاده البخاري من الترمذي: ١ - قال ﵀: (حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وحسين بن الأسود البغدادي، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد". سألت محمدا، قال: هذا حديث أبي كريب. فقلت له: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة، فجعل يتعجب منه ولم يعرفه إلا من حديثه) (٣). قلت: وهذا كما يدخل في الاستفادة، فإنه يدخل في الاستدراك أيضا. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه

стр. 64

سئل عن الدجال فقال: "ألا إن ربكم ليس بأعور، ألا إن الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية". سألت مُحمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وقد رواه مالك وغير واحد، عن نافع، عن ابن عمر. ما جاء في قتل عيسى ابن مريم ﵇ الدجالَ. حدثنا إبراهيم عن سعيد، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "سيدرك رجال من أمتي عيسى ابن مريم ويشهدون قتال الدجال". سألت مُحمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستحسنه جدا) (١). ٣ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثنا محمد بن ثابت البناني، حدثني أبي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". وبهذا الإسناد عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيلكرم ضيفه. . ." الحديث. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر". سألت محمدا عن هذه الأحاديث فلم يعرف شيئا، وقال: لمحمد بن ثابت عجائب) (٢).

стр. 65

وقد سمع البخاري من الترمذي بعض الأحاديث: ١ - قال بعد أن أخرج قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: "يا علي، لا يحل لأحد يُجنِب في هذا المسجد غيري وغيرك"، قال: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث فاستغربه) (١). ٢ - وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس في قول الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة النخلة. . . الخ، قال: (هذا حديث حسن غريب. وروى بعضهم هذا الحديث عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير مرسلا ولم يذكر فيه عن ابن عباس. حدثني بذلك عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي ﷺ مرسلا) (٢). في بعض النسخ زيادة: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث. وقال في "العلل الكبير" (٣): (سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستغربه وسمعه مني، وذاكرت بهذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن فقال: أخبرنا مروان بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير نحو هذا الحديث، ولم يذكر فيه: عن ابن عباس). * * *

стр. 66

الفصل السادس في ورعه في الجرح والتعديل مما تميز به الترمذي ورعُه في باب الجرح واقتصاده في ذلك، والدليل على ذلك كلامه في هذا الباب كما سوف يأتي، ومن أجل ذلك ظن بعض الناس أنه متساهل في هذا الباب، وهذا ليس في نقد الرواة فقط وإنما أيضا في حكمه على الأحاديث، وسيأتي بإذن الله الجواب عن ذلك. فتجد أنه إذا تكلم في راوٍ كثيرا ما ينص على أن هذا الكلام في حفظه وحسبُ، وليس في دينه وعدالته، فلا يطلق الضعف إلا ويقيده غالبا، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عنه: (هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) (١). ٢ - عبد الله بن عمر العمري، قال عنه: (يضعف من قبل حفظه) (٢)، وقال في موضع آخر: (ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه في الحديث) (٣). ٣ - إسماعيل بن مسلم المكي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (٤)، وقال في موضع آخر: (قد تكلموا فيه من قبل حفظه) (٥). قلت: مع أن كلام الحفاظ في إسماعيل شديد، فبعضهم قال: منكر

стр. 67

الحديث، وبعضهم قال: متروك، وبعضهم قال: ليس بشيء، وبعضهم قال: واه جدا، فكلامهم فيه شديد، ولم يستثن الإمام أحمد من روايته إلا ما رواه عن الحسن في القراءات (١). ٤ - حارثة بن أبي الرجال، قال عنه: (قد تكلم فيه من قبل حفظه) (٢). ٥ - أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه) (٣). قلت: وحارثة وأبو معشر قريبان من إسماعيل بن مسلم. ٦ - زيد بن جَبيرة، قال عنه: (وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه) (٤). قلت: وهو متروك. ٧ - محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، قال عنه: (وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه) (٥). ٨ - إبراهيم بن يزيد الخوزي، قال عنه: (وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه) (٦). قلت: هو متروك، ولا يخفى هذا على الترمذي، وإنما هذا من تورعه فيما يظهر، فقد قال عنه البخاري: سكتوا عنه (٧). وربما قيد الضعف بأنه في الحديث، كما قال في موسى بن عبيدة

стр. 68

الربذي، قال: (يضعف في الحديث من قبل حفظه، وهو صدوق) (١). قلت: أي صدوق في نفسه (٢). وربما استخدم عبارة "يضعف في الحديث"، وهي عبارة لينة في حق بعض المتروكين، أو شديدي الضعف، ومن ذلك: ١ - أشعث بن سعيد، قال عنه: (يضعف في الحديث) (٣). ٢ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: (يضعف في الحديث) (٤). ٣ - حسين بن قيس الرحبي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (٥). ٤ - محمد بن عبيد الله العرزمي، قال عنه: (يضعف في الحديث من قبل حفظه) (٦). قلت: وهؤلاء كلهم متروكون. ومثل قوله: "يضعف في الحديث": (ليس بالقوي في الحديث)، وقد وجدت له أربعة رواة استعمل فيهم هذا الحكم، وهم: ١ - بشر بن رافع، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (٧). قلت: هو ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث منكرة.

стр. 69

٢ - أبو جناب يحيى بن أبي حية، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (١). ٣ - سهيل بن عبد الله بن أبي حازم القطعي، قال عنه: (ليس بالقوي في الحديث) (٢). ٤ - عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، قال عنه: (ليس هو بالقوي في الحديث) (٣). قلت: وهو منكر الحديث، واهي الحديث، وقد حدث بحديث باطل، وهو حديث السوق. هذا كل ما وجدت له من خلال البحث في الحاسوب ممن قال عنهم: "ليس بالقوي في الحديث". ويلاحظ في هذه الأمثلة أن التقييد هو الأكثر، وهذا من ورعه كما تقدم، مع أنه يلاحظ على استعمالات الأئمة لهذه العبارة: (ليس بالقوي) أنهم يطلقونها ولا يقيدونها، وذلك لأن المقصود معروف، وهو عدم القوة في الحديث؛ فلذا لم يحتاجوا إلى تقييدها، وتقييد الترمذي لهذه العبارة إنما هو لورعه. ويؤيد هذا أن بعض من قال عنهم ذلك من المتروكين أو ضعفهم ظاهر، كعمرو بن دينار قهرمان ابن الزبير، وبشر بن رافع. ويوضح ما تقدم بصورة أوضح وأظهر قوله في "العلل الكبير" (٤) عن صالح المري: (رجل صالح ثقة، تفرد بأحاديث عن الثقات، يخاف عليه الغلط).

стр. 70

وهذا تلطف منه في العبارة، وليس تساهلا، بدليل أنه نقل عن البخاري قبل ذلك أنه قال: (هو ضعيف الحديث ذاهب الحديث)، وهذا تضعيف شديد من البخاري له. ويلاحظ أيضا أن أبا عيسى كثيرا ما ينسب الحكم إلى أهل العلم أو أهل الحديث أو بعض الحفاظ الذين ينقل عنهم، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - خارجة بن مصعب، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك) (١). ٢ - الخليل بن مرة، قال عنه: (ليس بالقوي عند أصحاب الحديث، قال محمد بن إسماعيل: هو منكر الحديث) (٢). ٣ - حسين بن قيس، وهو أبو علي الرحبي، قال عن البخاري: (منكر الحديث، روى عنه، سليمان التيمي ويقول: عن حنش، وهو حنش ابن قيس، وهو أبو علي الرحبي، وضعفه جدا) (٣). ٤ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، نقل عن البخاري أنه قال عنه: (صدوق، إلا أنه لا يُدْرَى صحيح حديثه من سقيمه. قال: وضعف حديثه جدا) (٤). ٥ - سويد بن سعيد، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (٥). ٦ - جابر الجعفي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (٦). ٧ - إسماعيل بن مسلم المكي، نقل عن البخاري أنه ضعفه جدا (٧).

стр. 71

٨ - موسى بن عبيدة الربذي، قال عنه: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل (١). بل إن أبا عيسى ﵀ أحيانا ينقل عن الأئمة كلاما في بعض الرواة يقتصد فيه ويرويه بالمعنى، مع أن هذا الإمام قد جرح هذا الراوي جرحا شديدا، كقوله: (محمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، وليس بالحافظ) (٢). قلت: وكلام الإمام أحمد في محمد بن القاسم شديد، قال عبد الله بن أحمد: (سمعتُ أَبي يقول: محمد بن القاسم، يكذب، أحاديثه أحاديث موضوعة، ليس بشيء) (٣). وقال المروذي: وذكر - أي الإمام أحمد - محمد ابن القاسم الأسدي، فقال: (ما يستأهل أن يحدث عنه بشيء، روى أحاديث مناكير) (٤). والمقصود أن الغالب عليه الاقتصاد في الجرح، لذا نادرا ما يستعمل: منكر الحديث، لم يطلقها إلا على عدد قليل فيما وقفت عليه، وهم: ١ - محمد بن أبي حميد، قال أبو عيسى: (محمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث) (٥). ٢ - إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (٦).

стр. 72

٣ - حميد بن علي الكوفي الأعرج، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (١). ٤ - عبد الله بن ميمون، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (٢). ٥ - عمرو بن واقد، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (٣). قلت: قال في موضع آخر: (عمرو بن واقد يضعف) (٤)، وهذا مثال آخر يضاف إلى ما تقدم من أنه يقتصد غالبا في عباراته. ٦ - محمد بن الحارث، قال عنه: (بصري، منكر الحديث) (٥). ٧ - زهير بن محمد، قال عنه: (منكر الحديث) (٦). قلت: وهذا لعله في رواية الشاميين عنه، بخلاف رواية أهل العراق عنه فإنها مستقيمة (٧). نعم هناك رواهُ آخرون نقل الترمذي عن البخاري أنه قال فيهم: (منكر الحديث) (٨).

стр. 73

وأما لفظة (كذاب) ونحوها من عبارات الجرح الشديدة، بل حتى (شديد الضعف) أو (متروك)، فلم أقف على أنه استعملها، نعم نقل عن البخاري أنه قال في محمد بن سعيد الشامي: (ترك حديثه) (١)، مع أن محمد بن سعيد وضّاع ومشهور بذلك، وقد صلبه المنصور على الزندقة ومع ذلك لم يقل: (متروك) وإنما قال: (ترك حديثه) وهي ألطف من الأولى من جهتين: الأولى: أنه قيد ذلك في باب الرواية، والثانية: أنه أضاف الترك إلى غيره، ولم ينسب الحكم لنفسه. وكذلك قال أبو عيسى في الحكم بن ظهير: (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) (٢)، والحكم متروك، وقد كذبه يحيى بن معين في رواية عنه، ويقال فيه كما قيل في الذي قبله، بل وزاد هنا أنه قيده ببعض أهل الحديث. وكذلك قال في محمد بن السائب الكلبي، قال: (قد تركه أهل العلم بالحديث) (٣). نعم قد ينقل عن غيره تكذيب أحد الرواة، ومن ذلك: ١ - قال عن محمد بن القاسم الأسدي: (قلت لمحمد: كيف محمد ابن القاسم الأسدي؟ فقال: كان أحمد يرميه بالكذب) (٤). ٢ - ومثله أيضا كوثر بن حكيم، قال: (سألت مُحمدًا فقال: كوثر بن حكيم له مناكير، كان أحمد يرميه بالكذب) (٥). * * *

стр. 74

وكما أن أبا عيسى يقتصد في حكمه على الرواة، فإنه يفعل ذلك أيضا في حكمه على الحديث، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ ، فأنزلت عليه هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصاما، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ : "ما شأنك يا أبا بكر؟ " قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة". هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا) (١). قلت: فهذا الحديث قد قال عنه: غريب وفي إسناده مقال، مع أن إسناده شديد الضعف؛ لأن موسى بن عبيدة واهي الحديث، وإن كان من أهل الفضل، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل نقله لكلام الحفّاظ فيه، وقد قال عنه أحمد بن حنبل - الذي نقل عنه أبو عيسى تضعيفه -: ما تحل

стр. 75

الرواية عندي عنه. ولا شك أن هذا تضعيف شديد، وقد اكتفى أبو عيسى بنقله عن الإمام أحمد تضعيفه، وهذا تلطف منه. وقد ذكر أيضا أبو عيسى علة أخرى في الإسناد، وهي تجهيل مولى ابن سباع. فأصبح الحديث شديد الضعف، وقد اكتفى من هذا كله بقوله: في إسناده مقال، مع أن المتأمل في كلامه يعلم أن أبا عيسى قد أشار إلى ذلك في أثناء كلامه على هذا الحديث، ولكنه تلطف. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن نضر، عن عبيد الله ابن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام"، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية. وفي الباب عن عمر بن الخطاب. حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (١). قلت: وهذا الحديث منكر، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل أنه أعاد هذا الحديث في التفسير فقال: (هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (٢). قلت: والشاهد من هذا نقله عن البخاري أنه ضعف علي بن يزيد، ونصُّ عبارة البخاري فيه: منكر الحديث.
следующие страницы →