القول في الدليل ،
أقول أن من الدليل ما يوافق المدلول عليه بوجه أو وجوه كثيرة كرؤيتنا بعض الجسم والبعض يدل على الكل متصلاً كان أو منفصلاً ومنها ما لا يوافق المدلول عليه بوجه من الوجوه وسبب من الأسباب كالصوت يدل على المصوت ولا يشبهه والفعل يدلّ على الفاعل ولا يشبهه والدخان يدل على النار ولا يشبهها ويلزم من يزعم أنّ الدليل لا بدّ أن يوافق المدلول عليه بجهة من جهاته وإن خالفه في أكثرها فإما إذا لم يكن بينهما مناسبة وارتفع الاشتباه ارتفع التعلق وإذا سقط تعلق الدليل بالمدلول عليه بطل أن يكون دليلاً إلا أن لا شيء في الغائب إلا جسم أو عرض لأنه لا يرى في الشاهد غير حدث وإن ينكر ما في العالم الأعلى لأن ما في العالم الأسفل مخالف له فلا يكون دليلاً عليه فإن زعم زاعم أنه كذلك لا شيء في جسم أو عرض أو حدث غير أنه مخالف لما في الشاهد طولب بالفرق لأن المخالفة تقطع التعلق والاشتباه والزم معارضه من عارضه بأن لا شيء في الغائب إلا وهو حادث ولا في الشاهد إلا غير حادث
стр. 37
القول في الحدود ،
أقول أن الشيء اسم عام يطلق على الجوهر والعرض وما يدرك بالبديهة والحاسة والاستدلال من جميع ما مضى وانقضى وما هو ثابت في الحال وما سيكون فيما بعد وحدّ الشيء ما يصح أن يعلم أو يذكر أو يوجد أو يخبر عنه فإذا كان هذا حد الشيء فقد ثبت أن المعدوم شيء لأنه يصح الخبر عنه وأنكر قوم أن يكون المعدوم شيئاً وجعلوا حد الشيء أن يكون مثبتاً موجوداً لأن الموجود والمثبت يعمان الأشياء كما يعم الشيء ولا نقيض لهما قالوا فلو كان حدّ الشيء المعلوم لوجد له [٩] نقيض وهو المجهول وزعم بعضهم أن حد الشيء المثبت لا غير ولا شيء منفي والمعدوم غير مثبت واحتج بعضهم بكتاب الله أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ١٩: ٦٧ [١] فنفى أن يكون الإنسان قبل ان يخلق شيئا وبقوة تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ٧٦: ١ [٢] والشيء يذكر قبل الوجود ولو لم يكن شيئا غير المثبت الموجود
стр. 38
أوجب أن يكون ما يخبر عنه من أخبار العالم والقرون مذ قامت الدنيا باطلاً هذراً فإن قيل أن ذلك قد خرج مرة إلى الوجود قيل وما يدريك أن ما هو كائن بعد غير خارج إلى الوجود وقيل إذا خرج إلى الوجود فهو شيء قيل فما خرج عن الوجود فلا شيء فإن قيل محال تقدم الاسم على المسمى قيل ذلك في الخواصّ فامّا العامّ فغير ممتنع لأنا نقول سيكون في الدنيا أمور وأسباب وحيوان فتقدم أسماءها قبل وجود شخصها وقد كان أبو الهذيل يغايظهم بقوله في المعدوم أنه جسم خياط على رأسه قلنسوة يرقص ونقيض الموجود المعدوم ونقيض المثبت المنفي وليس نقيض الشيء لا شيء لأن المنفي والمعدوم شيئان قد نفى وعدم ولا شيء لا يوصف بالعدم والنفي فإن قيل فجسم هو أم عرض أم حركة أم سكون قيل هو شيء معلوم مقدور عليه لا غير وحد الجسم أن يكون طويلاً عريضاً عميقاً مؤلفاً مركباً من أجزاء وأبعاض شاغلاً للمكان حاملاً للأعراض ولا يوجد بتة خالياً منها أو من بعضها فإن أنكر منكر أن يكون الموصوف بهذه الصفات جسماً سلم له وسوهل في التسمية بما شاء وطولب بالفرق
стр. 39
بينه وبين ما لا يوجد بهذه الصفات وكان هشام بن الحكم يزعم في حد الجسم أنه ما قام بنفسه لأنه كان يقول البارئ جل وعز عن قوله جسم فالجسم في اللغة ما غلظ وكثف وكذلك يقولون للجثة العظيمة جسيمة وإنما أطلق هذا الاسم على ما الموصوف به معناه فإن غير اسمه لم يتغير معناه وإنما يتبين الفرق عند تفصيل الأسماء والأشخاص وحد العرض أن لا يقوم بنفسه ولا يوجد إلا في جسم فإن أنكره منكر قوبل بما يقابل به منكر الجسم وطولب بالفرق بينه وبين غيره ثم كلم على ما أشار إليه من المعنى وقد زعم قوم أن لا عرض في العالم وأن الأشياء كلها أعراض مجتمعة متفرقة وحد الجوهر حد بعينه لأنه جسم ولأن ما خلا عن حدود الجسم والعرض والجزء لم يضبطه الوهم ولا يتصور في الظن الذي هو اضعف أجزاء العلوم ودخل في خبر الامتناع وقد يسمى الجوهر الطينة والمادة والهيولى والجزء والعنصر والاسطقس واختلف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ من الأجسام فقال كثير من الناس أنه لا يزال مجزأ حتى يصير في الصغر الى حيث
стр. 40
لا يجوز أن يتجزأ ولا يكون له ثلث ولا ربع ولا نصف قالوا ولولا ذلك لما كان للأجسام تناه ولما كان شيء أكبر من شيء ولا أصغر منه ولما جاز لقائل أن يقول أن الله قادر على أن يرفع من الجسم كل اجتماع خلقه فيه فأقلّ الاجتماع بين جزءين قال ابن بشار النظام وهشام بن الحكم انه يتجزّأ تجزّؤا بلا نهاية ولم يتهيأ بالفعل فأنه موهوم واحتجوا بأنه كما لا يجوز أن يخلق الله شيئاً لا شيء أكبر منه فكذلك لا يجوز [٩] أن يخلق شيئاً لا شيء أصغر منه وقالوا لو كان قول من قال أن الجزء لا يتجزأ صحيحاً كان في نفسه لا طول له ولا عرض فإذا حدث له ثان حدث لهما طول فلن يعدوا الطول أن يكون لأحدهما دون الآخر أو لهما معاً فلما ثبت أنه لهما [١] علم أنه يتجزأ وقال الحسين النجار الجزء يتجزأ حتى يعود إلى جزء لا يقبله الوهم فيبطل حينئذ وقال قوم لا ندرى كيف القول فيه واختلفوا في جواز الرؤية عليه وحلول الأعراض فيه من اللون والحركة والسكون وغير ذلك فأجازه
стр. 41
قوم ونفاه آخرون والقدماء مختلفون في هذا الفصل على خلاف قول أهل الإسلام فيزعم بعضهم أنه يرى قبل الاسطقسات الأربعة اسطقسات آخر صاغر الأجزاء غير متجزئة في غاية الصغر منها تركيب الاسطقسات التي منها تركيب العالم وأما ارسطاطاليس يقول أما التجزئة بالقوة فإنها [١] بلا نهاية وأما بالفعل فلها نهاية وقال بعضهم لا يتجزأ لا يقبل الانفعال مع اختلاف كثير بينهم، وحد الزمان حركة الفلك ومدى ما بين الأفعال هذا قول المسلمين وحكى عن افلاطن أنه يرى الزمان كوناً في الوهم وحكى ارسطاطاليس في كتاب السماع الطبيعي أن جميع القدماء كانوا يقولون بسرمدية الزمان ألا رجلاً واحداً يعنى افلاطن وروى عنه افلوطرخس [٢] أنه قال جوهر الزمان هو حركة السماء هذا وفاق قول المسلمين وبعضهم يقول أن الزمان ليس بشيء مع اختلاف كثير بينهم وإنما ذكر ما ذكر من مذاهبهم لتطمئن نفس الناظر إلى خلاف القائلين بالعقل والتمييز وليستفيد يقينا بما
стр. 42
يعضده من وفاق قولهم لأن في الإجماع قوة وهو من أوكد أسباب الاستظهار [١] عليهم، وحدّ المكان ما اعتمد عليه الجسم أو أحاط به أو حله العرض وهذا أراده ارسطاطاليس حيث قال المكان نهاية المحتوى الذي يماس ما يحتوي عليه واختلفوا في الخلاء والفضاء فقال قوم العالم لا خلاء فيه وإن الهواء جسم منتشر بسيط ويمتحن بالآلة التي هي على هيئة [٢] الرطل في أسفلها نقب فإذا شدّ اعلاها لم يخرج الماء من أسفلها وإذا فتح سال فعقل أن الماء دفعة دافع وهو الهواء الداخل في الكوز وقال آخرون لا يخلو الأجسام من خلاء وهو الفرج بين الأجزاء واستدلوا بالماء الذي يصب على الأرض فيغوص فيها وفرق قوم بين الفضاء والخلاء فقالوا الخلاء هو الفراغ من الجسم والفضاء هو المحتوى على الخلاء بلا نهاية ويزعم قوم أن الخلاء والفضاء شيء واحد ويقول آخرون أنه ليس بشيء وحد المتغايرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر وقال بعضهم حدهما ما اختلف أوصافهما وحدّ
стр. 43
الضدين ما لا يجوز وجود أحدهما إلا مع عدم الآخر وحد الموجود ما ثبت علما أو حسّا أو وهما وهو معنى الشيء وحدّ الاسم ما دلّ على المسمّى بالتمييز من جنسه والصفة كالاسم في بعض الأحوال إلا أن خاصية حدها الأخبار عما في الشيء كالعلم في العالم وقد يفرق قوم بين الوصف والصفة فيجعلون الصفة ما هو ملازم للموصوف والوصف قول الواصف ذلك وحد الإرادة ما يضطمره الإنسان [١٠] في قلبه من فعل أو قول أو حركة وحد القول ما يبديه القائل بلسانه وقد يقال للإشارة قول على المجاز وحد المعنى عقد القلب على ما أبدى بلفظه فزعم ابن كلاب أن معنى القول نفس القول ولو كان كذلك ما سأل السامع القائل ما معنى قولك وحد الحركة زوال وانتقال وهي على ضروب فمنها الحركة الذاتية والمكانية وقد قيل الحركة اختلاف وتغيير وحد السكون لبث واستقرار وزعم بعضهم أن السكون ليس بشيء وحد الجنس ما يجمع أشياء مختلفة الصور كالحيوان والنبات وقد قيل الجنس ما استوعب الأنواع وحد النوع تخصيص النظائر من الجنس والشخص تمييز الذات من النوع والشخص تحت النوع
стр. 44
والنوع تحت الجنس وهذا المقدار من هذا الباب لإغناء بأحد عن مطالعته فانّه كالمادّة للنظر والآلة للجدل،
القول في الأضداد ،
أقول أن قول من يزعم أن الشيء لا يعرف إلا بضده محال لأن معرفة الشيء بحدوده ودلائله بل شكله ونظيره أسكن [١] من معرفته بضده ونديده لأن الشيء يدل على جنسه ونوعه ما لا يدل على ضده ولكن الضدين لا يجتمعان وعند صحة الشيء فساد ضده ولا يقع التضاد إلا بين الموجودات فبطل قول القائل أن ضد الجسم لا جسم وضد العرض لا عرض وضد الزمان لا زمان وضد المكان لا مكان وضد الشيء لا شيء لأن الأضداد أشياء متنافية وقول القائل لا جسم ولا عرض لا شيء في الحقيقة فكيف يضاد الشيء بلا شيء ولكن الأجسام والأعراض أشياء مضادة كالأسود ضد الأبيض والقديم ضد المحدث لأن القديم الموجود لا إلى أول والحادث ما يوجد بعد أن لم يكن [٢]
القول في حدث الأعراض ،
أقول أنّ معرفة حدث الأعراض
стр. 45
من أوائل العلوم القائمة في النفس البديهة وما المنكر لها إلا بمنزلة المنكر للظاهر المحسوس لمعاينتنا تعاقب الألوان المتضادة على الأجسام كالسواد بعد البياض والبياض بعد السواد وكذلك الروائح المتضادّة [١] كالكريهة والطيّبة وسائر الحالات الّتي لا يخلوا الجواهر منها كالحر والبرد والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة والحركة والسكون والاجتماع والاقتران والافتراق والطعوم الملاذّ والمكاره وما نجده من أنفسنا من الحب والبغض والإرادة والكراهية والشوق والملامة والجبن والشجاعة والقوة والضعف والشبيبة والمشيب والنوم واليقظة والجوع والشبع وما نراه من حال القيام والقعود والقرب والبعد والحياة والموت والفرح والحزن والرضا والغضب وسائر العوارض التي تطرأ على الأجسام وبعد أن لم يكن وتزول [٢] بعد أن كانت وهذا باب يستكمل جميع أوصاف العالم وما فيه لو تكلفه متكلف لأنه الدليل على الحدث والكون وقليل الشيء يدل على كثيره فإن زعم زاعم أن هذه الأعراض
стр. 46
أجسام طولب بالفصل بين الحامل والمحمول ولا بدّ من التفصيل بينهما ثم من الدليل على أن العرض غير الجسم جواز الاختلاف عليه وعين الجسم باقية كالبسرة الخضراء مثلاً تراها تصفر [f ١٠ v] فتبطل خضرتها ثم تحمر بعد صفرتها وعينها قائمة وكالراضي يغضب فيختلف حاله وعينه لا تختلف والشاب يشيب والحي يموت فلما لم يجز أن يقال لمن قد شاب أنه ليس بذاك الشاب ولمن مات أنه ليس بذاك الحي مع ورود حال وارتفاع حال أخرى عقل أن العرض ليس بجسم ولا بعض الجسم لأنه لو كان كذلك لتغير الجسم كما تغير الأعراض الحادثة فإذا ثبت أن الأعراض غير الأجسام وجب إن ننظر أحادثة هي أم قديمة فلما رأيناها كائنة بعد أن لم تكن وزائلة بعد أن كانت دلنا ذلك على حدوثها وكونها كوجودنا الجواهر متفرقة بعد أن كانت مجتمعة ومجتمعة بعد أن كانت متفرقة ولن يخلو أن [تكون] مجتمعة بأنفسها أو باجتماع فيها فإن كانت مجتمعة بأنفسها لم يجز وجودها متفرقة ما دامت أنفسها قائمة فعلمنا أنها مجتمعة باجتماع ثم نظرنا أذلك الاجتماع جوهر أو عرض فدلنا أنه لو كان
стр. 47
جوهراً لكان مجتمعاً باجتماع آخر ثم كذلك إلى ما لا نهاية فلما بطل ما قلنا علمنا أنه مجتمع باجتماع هو عرض لا جوهر وكذلك القول في الحركة والسكون فإن قيل أن الأعراض كانت كامنة في الجسم ثم ظهرت بعد ظهورها حادث أم غير حادث مع استحالة أن يكون الاجتماع والافتراق والحركة والسكون كامنة في الجسم فيكون الجسم في حال واحدة ووقت واحد ساكناً متحرّكا ومجتمعا متفرّقا فإن التجئوا إلى مذهب من يقول بالهيولى وأنه كان جوهراً قديماً لم يزل خالياً من الأعراض ثم حدثت فيه الأعراض فحدث فيه هذا العالم بما فيه قيل لا يخلو حدوث الأعراض فيه من أن يكون كانت كامنة فظهرت أو كانت في جوهر آخر فانتقلت أو لم تكن بتة فأحدثت فلما استحال كمون الأعراض في الجوهر الذي يزعمونه خالياً من الأعراض أن يكون مثل أجسام العالم أو دونها أو أعظم منها أو يكون جزءاً لا يتجزأ أو كيف ما كان فإن الصغر والكبر والمثل أعراض لم ينفك منها ولم ينفك من الحوادث فحادث، واعلم أن أحكام هذا الفصل من الفرض الواجب والحق اللازم وخاصة معرفة حدث الأعراض وإن
стр. 48
الجوهر لا ينفك منها لأنها الدليل الظاهر على الحدث والحادث والاختراع ونسأل الله التوفيق والتسديد وأن يعصمنا برحمته ويزيدنا بصيرة في طاعته،
القول على أهل العنود ومبطلي النظر ،
أقول أن طائفة من الجاحدين سماهم السوفسطانية معنى هذه اللفظة عندهم المموّهون الممخرقون وقد سماهم ارسطاطاليس الملحدين أبطلوا العلوم كلها رأساً وزعموا أن لا حقيقة لشيء من العلوم والمعلومات فأنكروا موجود الحواس ومعقول البدائه ومستنبطات الاستدلال وزعموا أن الأشياء على الخيلولة والحسبان وكما يراه النائم في المنام وقد أعرض كثير من الناس عن مناظرتهم وعيت على من اشتغل بالرد عليهم لأن ما أنكروه ضرورة المشاعر والبدائه التي يستغنى فيها عن الدليل لأنها أصل العلوم ومتى ذهب ذاهب يدل على صحته فقد أوجب الدليل لما لا يحتاج فيه حتى يقوده ذلك الى ما لا نهاية له وناقضهم من ناقضهم مرئي [١] العامة فساد مذهبهم فقال الحس أوجدكم [١١] ما تدعون أم النظر
стр. 49
قادكم إلى ما تزعمون فإن ادعوا الحس كذبهم العيان وإن ادعوا النظر قالوا لعلكم غالطون في نظر عقولكم ولعل نظر مخالفيكم يدل على خلاف نظركم فإن سلموا الأمر لزمهم أن لا يناظروا مخالفاً ولا يخطؤا مخطئا ولا يحمدوا محسناً ولا يذموا مسيئاً وهذا خلف من القول ووهن في الرأي وإن ادعوا ترجيح نظرهم فقد اثبتوا النظر ونقضوا الأصل الذي بنوا عليه مذهبهم وقد احتبس هذا الرأي صنفان من هذه الأمة مقلد مبطل النظر ومدعي أن لا دليل على النافي فلزمهما من ذلك ما لزم أصحاب العنود وقيل لهم أبنظر وحجّة أفسدتم نظر العقول وحججها أم بغير حجة فإن قالوا بنظر فكيف يبطلون النظر وهم يثبتونه وإن زعموا بغير نظر فالسؤال والجواب من النظر ولا يلقى به من ليس من أهل النظر وكل كلام من غير نظر فجحود أو عنود أو سهو أو غلط أو عبث وبمثله يقابل الزاعم أن لا دليل على النافي ثم نفيت الدليل مع أنك مع نفيك ما نفيته أحد المدعيين إذ أنت لو عارضك خصمك بمثل قولك وابطل دعواك ثم إذا طالبته بتصحيح مذهبه أحال على مذهبك فهل غير إثبات الدعويين
стр. 50
أو إسقاطهما ولنظار أهل الإسلام وفقهائهم حجاج كثيرة في هذا الباب وليس هذا من غرض هذا الكتاب ومما يستدل به على وجوب النظر أنه لما لم تكن الأشياء كلها موجودة حقاً ولا كلها باطلة حقاً ولكن حقاً وباطلاً ثم وجد الاختلاف فيها شائعاً على النظار إما من عالم معاند أو جاهل عاجز ولم يكن الأخذ به على اختلافه وجب عليه بالنظر الذي يميز بين الحق والباطل وأيضاً لما لم تكن الأشياء كلها ظاهرة لأنها لو ظهرت لما جهل شيء ولا كانت خفية لأنها لو خفيت كلها لما علم شيء وكان منها ظاهر جلي وباطن خفي وجب طلب علم ما خفي منها ولا يوجد ذلك إلا بالنظر،
القول في مراتب النظر وحدوده ،
أقول أن العلماء الذين وطّئوا للنظار سبيل النظر ومهدوا لهم سبيل الجدل أضربوا في ذلك حد من تعداه أو قصر دونه تبين تنكبه [١] وتعسفه وخلل مذهبه وفساد بينته فجعلوا السؤال أربعة أقسام لا يقع فيها صدق ولا كذب لأنها استخبار عن مائيّة [٢] المذهب
стр. 51
أولاً ثم عن الدليل ثم عن العلة ثم عن تصحيح العلة وذلك نهاية فصول النظر واستقرار صحة الدعوى وفسادها وقابلوا أقسام السؤال بعددها من الجواب وكلها أخبار تحتمل الصدق والكذب لأنّ الصدق الإخبار عن الشيء بما فيه والكذب الإخبار عنه بما ليس فيه والسؤال ليس بإخبار فيحتمل الصدق والكذب وانّما يوجب السؤال أحد الشيئين إما الجهل به وإما إمتحان المسئول عنه والجواب يوجب القبول والتسليم والرد والإنكار بمعارضة أو مطالبة بالدليل والدليل يوجب العلة والعلة تحقق الجواب إذا طردت صحت وحيثما انتهى الخصم وسلم انتهى الكلام،
[١١] القول في علامات الانقطاع ،
أقول المناقضة والانتقال والعجز عن بلوغ الغاية وجحد الضرورة ودفع المشاهدة والاستعانة بالغير والسكوت للعجز كلها من دلائل الانقطاع وكل سائل مخير في سؤاله متفقهاً كان [أو] متعنتاً أحق في سؤاله أو أحال وليست كذلك حال المجيب بل عليه القصد للحق وتعريف السائل وجه سؤال من إصابة وإحالة ولا عليه أن يجيبه عن مسألة هي فرع
стр. 52
لمسألة يخالفه فيها حتى يقرره بإيجابها وتأخذ ميثاقه على القول بها لأن الخلاف إذا كان واقعاً في الأصل لم يطرد القياس في الفرع وذلك في التمثيل كسائل عن الرسالة منكر للتوحيد وإنما تصح النبوة بصحة التوحيد لأنه الموجب لها وكل سؤال يرجع إلى السائل بمثل ما يريد أن يلزمه المسئول فغير لازم لأنّ المعارضة فيه قائمة فطلب الدليل على الدليل والعلة على العلة إلى ما لا نهاية له فاسد لأن محصول الظواهر المحسوس ومحصول البواطن المعقول وما لا نهاية له غير موجود ولا معلوم ولا موهوم وقد يستحسن لابن الهذيل قوله إن صحة الصحيح وانتقاض المنقوض في جميع ما اختلف فيه المختلفون يعلم في ثلاثة أوجه أحدهما إجراء [١] العلة في المعلول والثاني نقض العلة بالتفسير والثالث جحد الاضطرار فأما ترك إجراء ١ العلة في المعلول فكقول الرجل فرسي هذا جواد فيقال ولم قلت ذلك قال لأني أجريته كذا فرسخاً فيقال له أكل فرس جرى في اليوم كذا فرسخاً فهو جواد فإن قال نعم أجرى علّته وان
стр. 53
قال لا فقد نقضها وهو يحتاج إلى علة أخرى وأما نقض الجملة بالتفسير فكقول القائل إذا اشتد حر الصيفة اشتد [١] برد الشتوة التي تليها وإذا اشتد برد الشتوة اشتد حر الصيفة التي تليها ثم يقول وقد يشتد حر الصيف ولا يشتد برد الشتاء الذي يليه فيكون قد نقض بهذا التفسير الجملة التي تقدمت لأنها لو صحت لم يشتد حر الصيف إلا باشتداد برد الشتاء أبداً وأما جحد الاضطرار ففي البدائه والحواس وذلك كسؤالنا الدهرية عن شيخ رأيناه على كرسي في هيئته وخضابه أيزعمون أنه لم يزل هكذا قاعداً في مكانه بحالة التي هو عليها من الكسوة والخضاب فإن قالوا نعم جحدوا الاضطرار بشهادة العقول بإبطالهم، وأعلم أن السكوت بعد استقرار الحق أبلغ من الكلام في الذبّ عنه وزيادة البياني هجنه وربما أورثت فرصة لأن الإفراط نقص وعلم بفلج [٢] الحجة ودحوصها [٣] أبلغ من إفصاحك
стр. 54
بها لأن الشاهد شاهد القلب لا شاهد اللسان وليس كل من لزمه قول مناظره أو عجز عن جوابه في الوقت وجب عليه المصير إلى مذهب خصمه ولكن بعد التبين والتثبيت واستبراء الحال والرجوع إلى الأصول الموطودة والأعلام المنصوبة فإذا انكشف الغطاء عن وجهه وصرح المحض عن زبده وأومض الحق سيره فلا يسع حينئذ غير الإقرار والانقياد له وليس من الحق تكليف الخصم إظهار ما هو خفي في نفسه لأنه غير ممكن كما يمكنه إخفاء ما هو ظاهر في نفسه ولأن ذلك [١٢] إزالة الشيء عن وجهه فهذه مقدمات قدمناها نظراً للناظر في كتابنا ونصحاً لمن احتاط لدينه وتحرز من تمويه الملحدين وتلبيس الممخرقين وخطرات المجان ووساوس الخلعاء الذين أفسد الفراغ فكرهم وأخمدت الكفاية قرائحهم وحلت عن الدقائق عقولهم وعاشت بصنوف الشهوات نفوسهم وملكهم الهزل وركبهم الجهل واسترقهم الباطل وهجرتهم الفكر وعميت عليهم مواقع النظر فاحتالوا في إسقاط التكليف عنهم ليمرحوا في ميادين الشهوات وليركبوا ما يهوونه من اللذات بإنكار علوم الأصول من البديهة
стр. 55
والحواس والله المستعان وهو خير معين، وبعد فإنّ لأهل الإسلام أصولا من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليها ما يقوم لهم الحجة بها بينهم ويقنعون بشهادتها ودلائلها وكذلك أهل كل ملة ودين وكتاب غير أن ذلك لتصحيح فروع دينهم وشرائع ملتهم فلذلك أضربنا عن ذكره صفحا
стр. 56
الفصل الثاني في إثبات البارئ وتوحيد الصانع بالدلائل البرهانية والحجج الإضطرارية
أقول أن الدلائل التي تدل على إثبات الله غير محصاة ولا متناهية في أوهام الخلائق لأنها بعدد أجزاء أعيان الموجودات من الحيوان والنبات وغير ذلك مما خفي من الأبصار لأنه ما من شيء وإن صغر جسمه ولطف شخصه إلا وفيه عدة دلائل تعبر عن ربوبيته وتصرح عن إلهيّته تصريحاً ينتفى مع أدناها الشبهة ويزاح العلة وإلى هذا المعنى نظر بعض المحدثين وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ولن يجوز غير ما قلنا لأنه لما كان هو خالق الخلق وصانع الصنع ومخترع الأعيان ومخرجها من العدم إلى الوجود لم نخل من آثار خلقه واختراعه فهي الدلائل المقترنة بها الشاهدة على صانعها ومنشئها فمن الدليل على إثبات البارئ سبحانه
стр. 57
وتعالى أنه خلاف بين الأوائل والأواخر إن الأرض منها عامر مسكون معلوم وعامر مسكون غير معلوم وخراب مجهول غير مسكون وأن عظم المسكون المعلوم منها العرب وفارس والروم والهند وهم ذوو [١] الآداب والأخلاق من سائر أهل الأرض لهم السير والسنن والآئين والحكمة والهمة والنظر والخصال المحمودة والعلوم المأثورة من الطبّ والتنجيم والحساب والخطّ والهندسة والفراسة والكهانة والأديان والكتب وغير ذلك مما يستعملونها في معاملاتهم وموضوعاتهم وما سواهم رعاع وهمج سافلو الرتبة عن رتب من قدمنا ذكرهم وناقصوا الحظ من حظوظهم إما بهيمي الطبع في قلة التمييز والفطنة وإما سبعية في الجفوة والغلظة حتى أن منهم من ينزو بعضهم على بعض ومنهم من يأكل بعضهم بعضاً لعلل قد ذكرها القدماء ليس هذا موضع شرحها بقول الله سبحانه وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ١٦: ٨ [٢] ثم إن هذه الأمم [٣] المحمودة أخلاقهم مع اختلاف أصنافهم وافتراق ديارهم وتفاوت آرائهم في المذاهب
стр. 58
التي ابتجلوا والأديان [١٢] التي اعتقدوا لم يختلفوا في وجود آثار الصانع الحكيم في هذا العالم وما يشاهدونه في أجزائه وأبعاضه واختلاف طباعه وتعاقب أعراضه فإذا صح وجود البارئ الأزلي القديم الأول السابق ببدائه العقول وشهادة النفوس واضطرار الفطرة والجاء الخلقة بذلك بني تأسيسهم وعليه بني تركيبهم إلا من شد من جاهل أو جاحد مئوف في نفسه أو مغلوب على عقله إذ غير مفهوم ولا موهوم أثر من غير مؤثر ولا صنع من غير صانع ولا حركة من غير محرك كما يجحد الضرورة وجود كتاب بلا كاتب وبناء بلا بان وصورة بلا مصور فسبحان من لا انتهاء له إذ لا ابتداء له منه البداية وإليه النهاية مبدع القوى وممدّ الموادّ وسابق العلل ومنش ئ البسائط ومركب العناصر وحافظ النظام ومدبر الأفلاك ومحدث الزمان والمكان ومحيل الأركان الحكيم العدل القائم بالقسط الناظر للخلق البريء من المعايب الغني عن اجتلاب المنافع مدبر الأمور ومدهر الدهور أرخى على الأوهام ستور ربوبيته وضرب على مطالع العقول حجب إلهيّته فليس يعرف إلا بما عرف به الخلق نفسه ولا يدرك أحد
стр. 59
من صفاته كنهة الأبصار عن بدائع صنعه خاسئة والبصائر عن ملاحظتها نابئة والقلوب في آثار الدلائل عليه حائرة والنفوس مع حيرة القلوب إليه والهة والعقول عند محافطة الأشراف عليه مضمحلة متلاشية معبود في كل زمان معروف بكل لسان مذكور بكل اللغات موصوف بتضاد الصفات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٤٢: ١١ نحمده على ما هدانا ولدينه اجتبانا ونشهد أن لا إله إلا الله نتميز به عن المشركين ونتزيل عدد الجاحدين ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق غير حادس ولا ساحر ولا كاهن ولا شاعر ولا محتال ولا متنب كذاب ولا مريد دنيا ولا قائل بالهوى فأبلغ وأدى وانذر وأهدى وصدع بأمر الله حتى أتاه اليقين فصلوات الله على روحه غادية وبردات [١] رحمته مترادفة على آله أجمعين، هذا التحميد الذي وجب أن نصدر به كتابنا أخرناه إلى حيث قدرنا أنه أولى به وأليق، ومن الدليل على إثبات البارئ سبحانه وله النفوس وفزع القلوب إذا حزبت الحوادث إليه اضطرارا إذ لا يوجد
стр. 60
مضطرّ وقد عضّته نائبة ولد غته ناكبة يفزع إلى حجر أو شجر أو مدد أو شيء من الخلائق إلا إليه ويدعوه بما هو معروف عنده من اسم أو صفة هذا مشاهد عياناً كما تفزع النفس عند المكاره المخوفة إلى طلب المهرب والنجاة وكما يفزع الطفل إلى ثدي أمه ضرورة وخلقه كذاك الله في معرفة خلقه إياه لأن أثر الدلالة في الخلق عليه أعظم من أثر الطبع إلى ما لا يلائمه وينافره ولا يمكن الملحد المنكر وان غلا وتعمّق في الإلحاد الامتناع [١] في معرفة الله وإجراء ذكره واسمه على لسانه شاء أم أبى في حال عمده ونسيانه لأن قلبه ولسانه على ذلك الخلق كما أنّ طبعه على الميل إلى المحبوب والازورار عن المكروه حبل [١٣] ومن الدليل على إثبات البارئ جل وعز أنه لا يخلو لسان أمة من الأمم في أقطار الأرض وآفاقها إلا وهم يسمونه بخواص من أسمائه عندهم ومستحيل وجود اسم لا مسمى له كاستحالة وجود دليل على غير مدلول عليه بل المدلول موجب لدليل كذلك المسمى موجب الاسم وما هو في التمثيل إلّا بمنزلة
стр. 61
الحامل والعرض المحمول فكما يستحيل وجود عرض إلا في جوهر كذلك يستحيل وجود اسم إلا لمسمى فمن ذلك قول العرب له الله مفرداً من غير أن يشاركوه في هذا الاسم بأحد من معبوداتهم لأنه خاص لهم عندهم وكانوا يطلقون على غيره على التنكير وأما الرب بالتعريف والرحمن فلم يكونوا يجيزونه إلا للَّه تعالى وإنما تسمى [١] مسيلمة الكذاب بالرحمن مضادة للَّه جل وعز ومعاندة لرسوله عليه السلم ذلك مشهور مستفيض في قوافي أوائلهم قبل قيام الإسلام فمن ذلك قول بعضهم في الجاهليّة [طويل]
ألاَ ضَرَبَتْ تِلكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ... ألا قَطَعَ الرَّحمنُ منها يَمِينَهَا
فأضاف فعل القطع إلى الرحمن لأنه أراد به الدعاء وعلم أنه لا يجيب الدعاء إلا الله وقول أمية بن ابى الصلت [بسيط]
والحَيَةُ الحَتْفَةُ الرِّقشاء أخرجها ... مِنْ جُحرها آمنات الله والقَسَمُ
إذا دَعَا باسمه الإنسان أو سَمِعَتْ ... ذَاتَ الإله يُرَى في سَعْيِهَا زَرَمُ
стр. 62
وإنما أتينا بهذا البيت حجة لإثبات اسم الإلهيّة لا لرقية الحية وقول زيد بن عمرو، [طويل]
إلى الله أهدى مدحتي وثنايايا [١] ... وقولا رضينا لابني الدهر باقيا
إلى المَلِكَ الأعلَى الذي ليس فوقَهُ ... إلهٌ ولا ربٌّ سواه مُدَانِيا
وقول فارس هرمز وايزد ويزدان ويزعمون أن عبادتهم النار يقرب إلى البارئ لأنها أقوى الإسطقسات وأعظم الأركان كما قال مشركو العرب في عبادتهم الأوثان ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله ٣٩: ٣ زلفى ولا يجوز أن يكون غير هذا حالة من يعبد شيئاً من دون الله لأنه يعلم أن معبوده من خشب أو حجر أو نحاس أو ذهب أو شيء من الجواهر غير خالقه ولا صانعه ولا مدبر أمره ولا محوله ولقد دخلت بيت نار خوز وهي كورة من كور فارس قديمة البناء وسألتهم عن ذكر البارئ في كتابهم فأخرجوا إلى صحفاً زعموا أنها الأبسطا وهو الكتاب الذي جاءهم به زردشت فقرءوا علي بلسانهم وفسروه علي بمفهومهم الفارسيّة
стр. 63
فيكمازهم بهسته هرمز وبشتاسبندان فيكمازهم رستخيز قالوا وهرمز هو البارئ بلسانهم وبشتاسبندان الملائكة ومعنى رستخيز فني فقم وقول الأعاجم بلسان الدرية خذاي وخذاوند وخذايكان وقد سمعت غير واحد قال في تأويله خذست وخوذ بوذ منعاه أنه هو بذاته لم يكونه مكون ولا يحدثه محدث وقول الهند والسند شيتاوابت ومهاديو وأسماء كثيرة غير هذه يصفونه بخواص أفعاله [١٣] وقول الزنوج ملكوي وجلوي قالوا معناه الربّ الأعظم وقول الترك بير تنكرى يعنون الرب واحد وزعم بعضهم أن تنكري اسم لخضرة السماء فإن كان كما ذكروا فإنهم قد ءامنوا بالمعنى المطلوب من الإلهية وإنما شكوا في الصفة وقال بعضهم تنكري هو السماء واسم البارئ عندهم بالغ بايات معناه الغنى الأعظم وقول الروم والقبط والحبشة وما يدانيها من البلدان بالسريانية لأن عامتهم نصارى لاها ربا قدوسا ولا فرق بين السريانية والعربية إلا في أحرف يسيرة فكأن السريانية سلخت من العربية والعربية سلخت من السريانية وقول اليهود بالعبرانية ايلوهيم ادناي اهيا شراهيا
стр. 64
ومعنى ايلوهيم الله وأوّل [١] التوراة برشيت بارا ايلوهيم يقول أول شيء خلقه الله هذا الذي عليه معظم الأمم والأجيال من أهل الكتاب وغيرهم فأما أقاطيع الناس في مجاهيل الأقاليم فمن يحيط بلغاتهم إلا الذي خلقهم وقسم بينهم ألسنتهم وسمعت قوما من برجان يسمونه ادفوا فسألتهم عن اسم الصنم فقالوا فع وسألت القبط من صعيد مصر عن اسم البارئ بلغتهم فزعموا أحد شنق كذا ظني والله أعلم، ومن الدليل على إثبات البارئ سبحانه هذا العالم بما فيه من عجيب النظم وبديع الترتيب ومحكم الصنع ولطيف التدبير والاتساق والإتقان فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما أنه لم يزل كما هو وإما أنه لم يكن فكان بنفسه وإما أنه كونه مكون هو غيره فلما استحال أن يكون قديماً لم يزل لمقارنة الحوادث إياها وإن لم يخل من حادث فحادث مثله واستحال أن يكون الشيء نفسه لاستحالة الكائن أن يبقى نفسه فكيف يجوز توهم المعدوم من أن يتركب فيصير عالماً لم يبق غير الوجه الثالث وهو أنّ كوّنه مكوّنٌ هو غيره غير معدوم ولا محدث وهو
стр. 65
البارئ ﷻ واعلم أن البارئ ليس بمحسوس فيحصره الحواسّ ولا معلوم بالإحاطة فيدرك كيفيّته وكميته وأينيّته ولا مقيّس بنظير له أو شبيه فُيعلم بأكثر الظنّ والحزر ولا موهوم بصورة من الصّوَر لكنّه معروف بدلائل أفعاله وآيات آثاره موجود في العقول لا غير ولا تُوجَدُ آثاره وأفعاله إلاّ في خَلْقه ومن الدليل على إثبات البارئ سبحانه تفاضل الخلق في الدرجات والطباع والهمم والإرادات والصُوَر والأخلاق وتمايز الأشخاص والأنواع من أجناس الحيوان والنبات فلو أنها مكونة [١] بالطباع لاستوت أحوالها وتكافأت أسبابها وكانت تكون في أنفسها مختارة ولما يُوجَد فيها ناقص ولا عاجز ولا مذموم ولا متأخّر عن درجة صاحبه فلمّا وجدنا الأمر بخلافه علمنا أنّ مدبّراً دبّره ومرتّباً رتّبه وهو البارئ سبحانه، وقد قلنا في صدر هذه المقالة إن عدد الدلائل عليه تعالى وتقدّس غير محصاة ولا متقصّاة لأنّك لو عمدتَ إلى أصغر شخص من أشخاص الحيوان وأعملت فكرك في تعداد ما يوجدك من آثار صنع الصانع فيه لرجعت حسيرا عييّا
стр. 66
وأعجزتك حجج الباري جلّ وعز وحيّرتْك آثار صُنعه وذلك في المثل كناظر في بَعُوضةٍ أو نملةٍ [١٤] أو ذُباب كيف بنى البارئ جلّ وعزّ جسمه في لطفه وصغر أجزائه وكيف أطلق له القوائم والأجنحة وكيف ركّب فيه من الأعضاء ما لو فُرِّقَتْ لما كان الطَرْف يدركها ولا الوهم يمسّها ولا الحاسّة تحدها وكيف ركّب فيه من الطبائع ما تمّ به قوام أركانه واستواء نظامه وكيف أودعه معرفة ما فيه صلاحه من طلب منافعه واجتناب مضارّه وكيف سلك في جوفه مداخل غذائه ومنافذ طعامه مع خفّة جسمه وقلّة ذاته وكيف حمل عليه الأعراض وصبغه بألوان الصِبْغ وكيف ركّب الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والصوت والصورة وكيف ركّب فيه العين بل كيف ركّب في عينه البصر هذا في صغار هوّام ما يتولّد وإن كان طبع الزمان علّةً لبعثه وإثارته فإنه لم يتركب هذا التركيب العجيب والنضيد الأنيق إلاّ من تدبير قادر حكيم وكذلك لو نظر إلى أدون نبت من النبات وما جُمع فيه من اختلاف ألوانه من نوره وورقه وفرقه وجذعه وعرقه واختلاف طعوم أجزائه ورائحتها ومنافعها ومضارها
стр. 67
لدلّ ذلك على تدبير قادر حكيم وكيف لو رجع إلى نفسه فنظر إلى كمال صورته وحسن هيئته [١] واعتدال بنيته مع ما خُصَّ به من الحكمة والعلم والفطنة والبحث والفكرة بلطيف الأُمور وجليلها وحذقه بأنواع الصناعات وحسن اهتدائه إليها وخبرته بالأمور الغامضة واستيلائه على جميع الحيوان بفضل عقله وزيادة فطنته ثم هو مع ما وصفناه به من الكمال والتمام مبني [٢] على الضعف والحاجة إلى ما صغير ما في العالم وكبيره مضمن بالنَصَب والتعب عاجز عن دفع ما يحلّ به من الآفات جاهل بأسباب كونه وتصرفه في نشوه ونمائه وزيادته ونقصانه محتاج إلى ما يقيمه ويعينه لدلّه ذلك على تدبير قادر حكيم وكذلك إذا نظر إلى هذا العالم وما يرى فيه من شواهد التدبير وآثار التركيب في الهيئة والشكل والصُور مع اتّصال بعضه في بعض وحاجة بعضه إلى بعض من اعتقاب الحرّ والبرد واختلاف الليل والنهار واتفاق الأركان وتقاومها على تضادّها وتباينها علم أنّه من تدبير
стр. 68
قادر حكيم ولو جاز لمتوّهم أن يتوهّم حدوث هذا العالم من غير محدث لجاز لغيره أن يتوهّم وجود بناء من غير بانٍ وكتابةٍ من غير كاتب ونقش من غير نقّاش وصورةٍ من غير مصوّر ولساغ له إذا نظر إلى قصر مشيّد وبناء وثيق أن يظنّ أنّه انساب إلى كومة من الترب مجتمعة لم يجمعها جامعٌ فاختلط بها من غير خالط حتّى التفّت ونديت ثم انسبكت لبنا على أكمل التقدير وآنق التربيع من غير سابق ولا ضارب ثم تأسّس أساس القصر وتمكنت قواعده وارتفعت ساقاته وأعراقه حتّى إذا تطاولت حيطانه وتكاملت أركانه وتطايرت اللبن وتراكمت على حواشيها وتناضدت أحسن التراكم والتناضد ثم تساقطت الجذوع والجوائز من أشجارها على قدر البيوت والخطط والمحتطّة للأبنية بلا حاصد لها ولا عاضد ثم انتجرت بلا ناجر [١٤] وانتشرت بلا ناشر واسفنت بلا سافن فلما تهيّأ منه الكمال واستقام المائل ترفّعت بأنفسها فانغرزت في مغارزها وتسقفت فوق بيوتها وفاقت أساطينها تحتها ثم انطبقت عليها صفائحها وانتصبت أبوابها فانغلقت بذاتها ثم تكلّس القصر وتسيّع وتبلّط وتجصًّص وتنقّش بأنواع
стр. 69
التزاويق والنقوش واستوى أمره وشاد بناؤه واجتمع متفرّقه على أحسن التقدير وأكمل التدبير حتَّى لا تعرّى منه ناحية ولا لبنة ولا قصبة إلا ومفهوم للناظر إليه موضع الحكمة والحاجة إليه من غير فاعل فعله ولا صانع صنعه ولا ساعٍ سعى فيه ولا مدبّر دبّره وكذلك [١] لو نظر إلى سفينة مشحونة موقّرة بألوان الحمولات وأصناف السِلَع راكدة في لُجّة البحر أو سائرة أنها تركّبت ألواحها وأعضادها وتسمّرت مساميرها ودُسُرها وانضمّت حتّى اسفنت بذاتها ثم نقلت الحمولة إلى نفسها حتّى امتلأَت ثم ركدت في الماء فسافرت عند الحاجة وكذلك لو نظر إلى ثوب منسوج أو ديباج منقوش أنه انحلج قطنه وخلص قزّه ثم انغزل وانفتل وانصبغ والتأمت الوشائع [٢] وامتدّت الأشراع والتفّت إلى منوالها وانضمّت الخيوط بعضها إلى بعض فانتسج وانتقش فإذا لم يجُزْ هذا المتوهّم فكيف يتوّهمه على هذا العالم العجيب النظم الباهر التركيب فإن ذهب ذاهبٌ إلى الفرق بين تركيب العالم وتركيب
стр. 70
ما يركبّه الإنسان بأنّ العادة لم تجوّز بابتناء الدور وانتساج الأثواب وانصباغ الأواني ولم يوجد مثل ذلك في الامتحان والطبائع قيل فكيف جوّزتم ما هو أعجب ممّا ذكرنا وأعظم من غير فاعل مختار ولا حكيم قادر فإن زعم أنّ تركيبّ هذا العالم على هذا النظم ولتركيب [١] من فعل الطبائع فالطبائع إذاً أحياء قادرة حكيمة عالمة ولم يبق بيننا وبينه من الخلاف إلى تحويل الاسم وتغيير الصفة وإن أنكر حياة الطبيعة وحكمتها وقدرتها فكيف يجوز وجود فعل محكم متّقن من غير حكيم حيٍّ قادر فإن زعم بالحدّ والاتّفاق على هذا الاتّساق غيرُ موهوم وإنّما وقوعه في النوادر ولو جاز ذلك لجاز أن من له ساحة ولا بناء فيها ولا عمارة يتّفق اتّفاق ليلة فتُصبح مبنيّة دوراً مغروسة أشجاراً على أحسن الابنية واعجب التركيب ولا محيص للملحد من حجج الله وآياته فكيف وهو حجّة بنفسه ولغيره وليس نورد من هذا الباب هاهنا إلا ما يضاهي الفصل وما يصّح ويجلّ دون ما يغمض ويدقّ لأن من عزمنا أن نبالغ في الاستقصاء والإيضاح لهذه المسائل في كتاب
стр. 71
سمّيناه بالديانة والأمانة شكراً لمن أنعم علينا بالتوحيد ومناضلةً عن الدين وتبصّراً للمستبصرين ومن عند الله التوفيق، واعلم أنّه لو جاز أَنْ يُوجَد شيءٌ من الأَجسام لا من خلق الله لجاز أن يوجد عارياً من دلالة عليه فإذا لم يوجد إلا من خلقه لم يخلُ من دلالة عليه فإن قيل وكيف يعلم أَنَّه مصنوع مخلوق قيل بآثار الحدث فيه فإن قيل فما آثار الحدث قيل الأعراض الّتي لا تعرى الجواهر منها من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون واللون والطعم والرائحة وغير ذلك فإن أنكر الأعراض وحدوثها كُلّم بما ذكرناه في موضعه [١٥] من الفصل الأوّل فبحدوث الأعراض يصحّ حدوث الأجسام وبحدوث الأجسام يصح وجود المحدث البارئ لها سبحانه ولقد قرأتُ في بعض كتب القدماء إن ملكاً من ملوكهم سأَل حكيماً من الحكماء ما أدلُّ الأُمور على الله فقال له الدلائل كثيرة وأوّلها مسألتك [١] عنه لأنّ السؤال لا يقع على لا شيء قال الملك ثم ماذا قال شكّ الشاكّين فيه فإنّما يشكّ فيما هو لا فيما لا هو قال الملك ثم ماذا قال وله
стр. 72
الفطن [١] إليه الذي لا يستطيع الامتناع منه قال الملك زدني قال حدوث الأشياء وتنقّلها على غير مشيّتها قال زدني قال الحياة والموت اللّذان يسمّيهما الفلاسفة النشؤ والبِلَى فلستَ واجداً أحداً أحيا نفسه ولا حيّاً إلا كارهاً للموت ولن ينلْ [٢] منهم يعني لا ينجو قال زدني قال الثواب والعقاب على الحسنة والسيئة الجاريان على ألسنة الناس قال زدني قال أّجِدُ مزيداً، وجاء في الأخبار أن بني إسرائيل اختلفوا في هذا الباب ففزعوا إلى عالم فسألوه بِمَ عرفت البارئ قال بفسخ العزم ونقض الهمّة وكتب الله المنزّلة مملوءة بدلائل الإثبات والتوحيد تأكيداً للحجّة لأنّه موضوع في نفس الفطرة وخاصّةً القرآن وقال الله لرسوله حيث سُئِل عن الدلالة عليه إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ الله من السَّماءِ من ماءٍ فَأَحْيا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها من كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٢: ١٦٤
стр. 73
[١] فدلّ على نفسه بخواص أفعاله ومعجزات آثاره التي لا سعى لغيره في شيءٍ منها وقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ [٢] ٢٣: ١٢- ١٣ إلى قوله فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ٢٣: ١٤ [٣] هل ترى أحداً يدّعى فعل شيء من ذلك وقال أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا به حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ الله [٤] ٢٧: ٦٠- ٦١ إلى آخر الآى الخمس وقوله أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [٥] ٥٦: ٥٨- ٥٩، دلّهم على نفسه بصُنعه بإِعجازهم في آخر الآيات فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٦] ٥٦: ٨٦- ٨٧ وتكلّف غير ما
стр. 74
في كتاب الله فضل لأنّه معرض ممكن لمن تدبّره وتأمّله وقال وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ٥١: ٢١ [١] إنكم توجدوها ولم تحدثوها ولستم تملكون شيئاً من أمرها من الصحة والسقم والشباب وقال سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ٤١: ٥٣ [٢] يعني بما ضمّنها من آثار الصنع وشواهد التدبير ودلائل الحدث ورُوينا في حديث أنّ رجلاً سأل محمّد بن عليّ أو ابنه جعفر بن محمّد يا ابن رسول الله هل رأيت ربّك حين عبدته فقال ما كنت لا أعبدُ ربًّا لم أرَه فقال الرجل وكيف رَأيته قال لم [٣] تَرَه العيون بمشاهدة العيان ولكن رأَتْه القلوب بحقائق الإيمان لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالقياس [٤] معروف بالدلالات موصوف بالصفات له الخلق والأمر يُعزّ بالحقّ ويُذلَ [١٥] بالعدل وهو على كلّ شَيءٍ قدير وسُئِل عليّ بن الحسين رضى الله عنهما متى كان ربّك قال ومتى لم يكن ربّنا وحكى عن بعض
стр. 75
الحكماء أنّه كان يقصّر [١] الناس على هذا القدر من التوحيد ولم يرخص لهم الخوض في أكثر منه فيقول التوحيد أربعة أشياء معرفة الوحدانيّة والإقرار بالربوبيّة وإخلاص الالهيّة والاجتهاد في العبوديّة وكانت حكماء العرب في كفرها وجاهليّتها يُشيرون إليه في أشعارهم ويمدحونه بالآئهِ ونعمائه فمن ذلك قول زيد بن عمرو بن نفيل [طويل]
وَأَنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولاً مناديا
فقلت له فأذهب وهارون فادعو ... إلى الله فرعون الّذي كان طاغيا
وقولا له أأنت سمكت هذه ... بلا عمد حتى استقرت كما هيا
وقولا له أأنت سوّيت هذه ... بلا وتد حتّى استقرّت كماهيا
وقولا له من يرسل الشمس غدوةً ... فتصبح ما مست من الأرض صاحيا
وقولا له من ينبت الحي والثرى ... فتصبح منه البقل يهتز راسيا
وكان يقول [متقارب]
وأسلمت وجهي لمن اسلمت ... له الأرض يحمل صخرا ثقالا