سمّيناه بالديانة والأمانة شكراً لمن أنعم علينا بالتوحيد ومناضلةً عن الدين وتبصّراً للمستبصرين ومن عند الله التوفيق، واعلم أنّه لو جاز أَنْ يُوجَد شيءٌ من الأَجسام لا من خلق الله لجاز أن يوجد عارياً من دلالة عليه فإذا لم يوجد إلا من خلقه لم يخلُ من دلالة عليه فإن قيل وكيف يعلم أَنَّه مصنوع مخلوق قيل بآثار الحدث فيه فإن قيل فما آثار الحدث قيل الأعراض الّتي لا تعرى الجواهر منها من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون واللون والطعم والرائحة وغير ذلك فإن أنكر الأعراض وحدوثها كُلّم بما ذكرناه في موضعه [١٥] من الفصل الأوّل فبحدوث الأعراض يصحّ حدوث الأجسام وبحدوث الأجسام يصح وجود المحدث البارئ لها سبحانه ولقد قرأتُ في بعض كتب القدماء إن ملكاً من ملوكهم سأَل حكيماً من الحكماء ما أدلُّ الأُمور على الله فقال له الدلائل كثيرة وأوّلها مسألتك [١] عنه لأنّ السؤال لا يقع على لا شيء قال الملك ثم ماذا قال شكّ الشاكّين فيه فإنّما يشكّ فيما هو لا فيما لا هو قال الملك ثم ماذا قال وله
стр. 72
الفطن [١] إليه الذي لا يستطيع الامتناع منه قال الملك زدني قال حدوث الأشياء وتنقّلها على غير مشيّتها قال زدني قال الحياة والموت اللّذان يسمّيهما الفلاسفة النشؤ والبِلَى فلستَ واجداً أحداً أحيا نفسه ولا حيّاً إلا كارهاً للموت ولن ينلْ [٢] منهم يعني لا ينجو قال زدني قال الثواب والعقاب على الحسنة والسيئة الجاريان على ألسنة الناس قال زدني قال أّجِدُ مزيداً، وجاء في الأخبار أن بني إسرائيل اختلفوا في هذا الباب ففزعوا إلى عالم فسألوه بِمَ عرفت البارئ قال بفسخ العزم ونقض الهمّة وكتب الله المنزّلة مملوءة بدلائل الإثبات والتوحيد تأكيداً للحجّة لأنّه موضوع في نفس الفطرة وخاصّةً القرآن وقال الله لرسوله حيث سُئِل عن الدلالة عليه إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ الله من السَّماءِ من ماءٍ فَأَحْيا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها من كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٢: ١٦٤
стр. 73
[١] فدلّ على نفسه بخواص أفعاله ومعجزات آثاره التي لا سعى لغيره في شيءٍ منها وقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ [٢] ٢٣: ١٢- ١٣ إلى قوله فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ٢٣: ١٤ [٣] هل ترى أحداً يدّعى فعل شيء من ذلك وقال أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا به حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ الله [٤] ٢٧: ٦٠- ٦١ إلى آخر الآى الخمس وقوله أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [٥] ٥٦: ٥٨- ٥٩، دلّهم على نفسه بصُنعه بإِعجازهم في آخر الآيات فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٦] ٥٦: ٨٦- ٨٧ وتكلّف غير ما
стр. 74
في كتاب الله فضل لأنّه معرض ممكن لمن تدبّره وتأمّله وقال وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ٥١: ٢١ [١] إنكم توجدوها ولم تحدثوها ولستم تملكون شيئاً من أمرها من الصحة والسقم والشباب وقال سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ٤١: ٥٣ [٢] يعني بما ضمّنها من آثار الصنع وشواهد التدبير ودلائل الحدث ورُوينا في حديث أنّ رجلاً سأل محمّد بن عليّ أو ابنه جعفر بن محمّد يا ابن رسول الله هل رأيت ربّك حين عبدته فقال ما كنت لا أعبدُ ربًّا لم أرَه فقال الرجل وكيف رَأيته قال لم [٣] تَرَه العيون بمشاهدة العيان ولكن رأَتْه القلوب بحقائق الإيمان لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالقياس [٤] معروف بالدلالات موصوف بالصفات له الخلق والأمر يُعزّ بالحقّ ويُذلَ [١٥] بالعدل وهو على كلّ شَيءٍ قدير وسُئِل عليّ بن الحسين رضى الله عنهما متى كان ربّك قال ومتى لم يكن ربّنا وحكى عن بعض
стр. 75
الحكماء أنّه كان يقصّر [١] الناس على هذا القدر من التوحيد ولم يرخص لهم الخوض في أكثر منه فيقول التوحيد أربعة أشياء معرفة الوحدانيّة والإقرار بالربوبيّة وإخلاص الالهيّة والاجتهاد في العبوديّة وكانت حكماء العرب في كفرها وجاهليّتها يُشيرون إليه في أشعارهم ويمدحونه بالآئهِ ونعمائه فمن ذلك قول زيد بن عمرو بن نفيل [طويل]
وَأَنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولاً مناديا
فقلت له فأذهب وهارون فادعو ... إلى الله فرعون الّذي كان طاغيا
وقولا له أأنت سمكت هذه ... بلا عمد حتى استقرت كما هيا
وقولا له أأنت سوّيت هذه ... بلا وتد حتّى استقرّت كماهيا
وقولا له من يرسل الشمس غدوةً ... فتصبح ما مست من الأرض صاحيا
وقولا له من ينبت الحي والثرى ... فتصبح منه البقل يهتز راسيا
وكان يقول [متقارب]
وأسلمت وجهي لمن اسلمت ... له الأرض يحمل صخرا ثقالا
стр. 76
دحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سوقت إلى بلدة ... أطاعت فصبّت عليها سجالا
فجعل يصفه بالصفات الّتي يَعجز عنها المخلوقون معرفةً منه باستحالة فعل لا من فاعل وأذكُر أَنّي سألتُ بعضَ الأَعاجم بنواحي سنجار على نواحي المزاح والمهازلة إذ كنت أراه جلف الجثّة ثقيل اللهجة ما الدليل على أنّ لك خالقاً قال عجزي عن خلق نفسي فكأنما ألقمت حجراً وما شبّهتُه إلاّ بخبر عامر بن عبد قيس إذ خرج عليه عثمان بن عفّان رضى الله عنه وهو في شملّة اشعث اغبر في زي الأعاريب فقال أين ربّك يا اعرابي قال بالمرصاد فهال ذلك عثمان فارعد له ومن ذلك قول صرمة بن انس بن قيس قبل الإسلام [خفيف]
وله الراهبُ الحبيس تراه ... رهن يونس وكان ناعم بال
وله هودت يهود وكانت ... كل دين وكل أمر عضال
وله شمس النصارى وقاموا ... كل عيدٍ لهم وكل احتفال
стр. 77
وله الوحش في الجبال تراه ... في حقاف وفي ظلال الرمال
[١٦] يعني أنّ من مخافته هُوِدّت اليهود وحبست الرهبان أنفسها في الصوامع ومن دلائله عرفت الوحوش منافعها ومناكحها وليست بذات عقول مميّزة وإنَما يعرفه كلّ واحد بمقدار فهمه وكيفيّة استدلاله وأنشدني النهريبندي في جامع البصرة [طويل]
ولو حل أقطار السماوات عاقلٌ ... أو احتل في أقصى بلاد تباعد
ولم ير مخلوقاً يدل على هدىً ... ولم يأته وحى من الله قاصد
ولم ير إلاّ نفسه كان خلقها ... دليلاً على بار له لا يعاند
دليلاً على إبداعها واختراعها ... منيراً على مرّ الدهور يشاهد
وفي هذا المقدار مقنَعٌ وبلاغ لمن ناصَح نفسَه وأعطى النَصفة وجانب الجحود والعنود وَمن لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ ٢٤: ٤٠ وإذا صحّ إثبات الباري ووجود الصانع فلنقل الآن في صفاته
القول في جواب من يقول من هو وما هو وكيف هو
стр. 78
أقول أن السؤال عن المائيّة والمنيّة والهويّة محالٌ من وجه التفتيش عن ذاته لأنّ الإشارة إلى هذه الأشياء تصوّرها في الوهم ولا يتصوّر في الوهم غير محدود أو نظير محسوس وهذه من صفات الحدث فإمّا أن أراد السؤال عن إثباته وإثبات صفاته فلا وذلك كقائل يزعم أنه قد ثبت عندي وجود البارئ سبحانه فما هو فالجواب الصواب أنه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ٥٧: ٣ القديم الخالق حتى يُعدُّ جميع أسمائه وصفاته فإن زعم أنه سأل عن هويّة ذاته قيل غير محسوسة ولا موهومة ولا معلومة بالإدراك والإحاطة فإن زعم أن هذا من صفاته الاشيّة والبطلان فهذا من وساوس الجهل وهذيان الخطل ويكلّم في إيجاب الصنعة الصانع والفعل الفاعل بما قد سبق ذكره فإن طلب نظيراً أو شبيهاً بهذه الصفات فهذا يكلّفنا أن نتّخذ إلهين [١] اثنين محسوساً وغير محسوس ثمّ نشبّه الغائب بالشاهد ليتحقّقه وما من إلهٍ إلّا إله واحد وليس يجب علم ما تيقّنّاه لجهل ما جهلنا ألا ترى أنّا إذا آنَسْنا شخصاً في السواد ولم نعلم ما هو ومن هو لم يجب ان
стр. 79
نُبطِل علمنا في ذات الشخص بما خفي علينا من بعض هيئاته كذلك لمّا قامت الدلالة أن يستحيل وجود فعل لا من فاعل ثم وجدنا فعلاً لم نشاهد فاعله لم يجب أن نُبطل علمنا البديهيّ بجهلنا وقد سئل رسول الله ﷺ عن هويّته فنزل الجواب في صفاته قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ١١٢: ١- ٤ [١] فأخبر أنّه أحد لا كأحدٍ وصَمَد لا كصمد لم يلد ولم يولد يعني الملائكة وسائر الناس من الخلائق الروحانيّين بقوله ولم يكن له كفؤاً أحد فنفى النظير والشبيه عنه وقال الرسول عليه السلم فيما رُوِيَ لرجل من الأعراب سأله عنه هو الذي إذا مسّك ضرٌّ فدعوتَه أجابك وإذا أصابتك سنةً فدعوتَه امطر السحاب وأنبت النبات [١٦] وإذا ضلَّتْ راحلتُك بفلاةٍ من الأرض فدعوتَه ردّها إليك فجعل يدلّ على ربّه بدلالة فعله وشهادة الكتاب تُغْنِيْ [٢] عن طلب الأسانيد لمثل هذه الأخبار بقول الله تعالى أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ٢٧: ٦٢
стр. 80
[١] وفي رواية المَقْبريّ عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ [قال] أنّ الشيطان يأتي أحدكم فلا يزال يقول له مَنْ خَلَقَ هذا فتقول الله حتّى يقول فمن خلق اللهَ فإذا سمعتم ذلك فافزعوا إلى سورة الإخلاص فقال أبو هريرة رضى الله عنه فبينا أنا قاعد إذ أتاني آتٍ فقال مَن خلق السماء فقلت الله قال فمن خلق الأرض قلت الله قال فمن خلق الخلق قلتُ الله قال فمن خلق الله فقُمْتُ وقلت صدقَ رسول الله ﷺ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ١١٢: ١- ٤ ولهذا نهى عن التفكّر فيه إذ لا مطلع للوهم والفكر عليه من طلب ما لا سبيل إليه رجع بأحد الأمرَيْن إِمّا شاكًّا وإمّا جاحداً والجحود والشكّ فيه كُفْر وقد قيل تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق لأنّ الخلق يدلّ عليه والخالق لا يُدْرَك ولا أَعلمُ أحداً من أصناف الخلق والأمم إلاّ وهو مقرّ بوجود شيء في الغائب خلاف الحاضر فمن ذلك قول الفلاسفة الهيولي وإنه خلاف الأجرام العلويّة والسُّفليّة ومنهم من يقول بحيٍّ ناطق لا يجوز عليه
стр. 81
الموت وهو لم يشاهده حيًّا ناطقاً إلاّ ميتاً ومنهم من قال بأنّ جوهرَ الأفلاك من غير الطبائع الأربع وهو لم يشاهد شيئا من عين الطبائع ومن قال بمواضع من الأرض يبلغ طول النهار بها أربعة وعشرين ساعة ومواضع يغيب الشمس عنها ستّة أشهر وهو لم يشاهدها ومن قال بأنّ النطفة تنقلب علقةً والعلقة تنقلب مضغةً ولم يشاهدها عياناً ومن قال بأرض لا بتركب منها حيوان ولا نبات ومن قال من الثنويّة بنور خالصٍ في الغائب وظلمة خالصة غير مماسَّيْن ولا ممتزجّيْن وهو لم يشاهد جسماً إلاّ مؤلّفاً مركّباً في أَشْباهٍ لهذا يطول الكلام بذكرها حتّى تعلم ان قول القائل لا شيء غير ما يعاينه [١] ولا شيء غاب عنه إلاّ كما يشاهده محال باطل وبعد فانّا نجدُ الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والفَرَح والحُزْن واللذّة والكراهية والحبّ والبُغض وغير ذلك من كثير من الأعراض ولا يمكن صفتها بطول ولا لون ولا عَرْضٍ ولا ريح ولا طعم أو صفة من الصفات ثمّ لم يجب إبطالها لعدم صفاتها وكذلك العقل والفهم والنفس والروح
стр. 82
والنوم لا شكّ أنّها أشياء ثابتة ولها ذوات قائمة من الأعراض ثم لا يُحاط بكميتها ولا بكيفيتها غير وجودها فإذا كانت هذه الأشياء قُربها منّا وتمكّنها فينا ونعجز عن الاحاطة بها ولم يجز إنكارها لوجوهها وكيف بمُبْدِعها ومُنْشئها ومُقيمها على مراتبها وكلّ صانع لا شكّ أَعْلى رتبةً من مصنوعاته وأَرفع درجةً فإن قال قائل سَوَّيْتَ بين صفات العقل والروح والنفس وسائر ما ذكرت وبين البارئ الذي يدعونا إليه وتساوي الصفات يوجب تساوي الموصوفات فما ينكر ممّن يزعم أنه هو النفس أو العقل لا من الناس من يقول هو نفس [١٧] الخلائق ومنهم من يقول هو عقولهم قيل إنما يجب تساوي الموصوفات إذا تساوت حدود الصفات فأمّا الألفاظ فمشتركة والمعاني مختلفة ألا ترى أنّا نقول له هو ولغيره هو ونقول هو واحد ولغيره ممّا يتميّز من الأعداد واحد ونقول ذاته ولغيره من الحيوان والنبات ذواتها ونقول قال الله وفعل الله فقال فلان وفعل فلان لأنّ الألفاظ سِمَاتٌ للمعاني لا يمكن العبارة إلاّ بها فإذا جِئْنا إلى التفصيل قلنا فِعْلُ الإِنسان بجارحةٍ وفِعْله ليس بجارحة وفعل
стр. 83
الإنسان بآلةٍ وفِعْله ليس بآلةٍ وفعل الإنسان في زمان ومكان وفعل الله قبل الزمان والمكان فهَلْ بقى بين الفعلَيْن من التشابه غير سمة اللفظ وهكذا سائر الأوصاف ثمّ من الدلائل على أنّ البارئ ﷻ ليس بالنفس ولا بالعقل ولا بالروح كما ذهب إليه من ذهب أن الأنفس متجزّئة قد فرّقت بينها الهياكل والأشخاص والتجزّي تفرُّق والتفرُّق عارض ولا متفرّق إلاّ ومتوهّم تجمعه والتجمّع عارض وقد يعيش عائش ويموت مائت ولا يخلو [١] من أن تبطُل نفسٌ بموت صاحبها أو ترجع إلى كلّيتها أو تنتقل إلى غيره والبطلان والرجوع كلّها أعراض وقد أَوضَحْنا الدلالة على حدث الأعراض وهكذا القول في الأرواح على السواء وكذلك تفاوت العقول واختلافها وما يعرِضُ فيها من الخلل والنقص والسهو والغلط كلّها من دليل الحدث وما العقل في قصور المعرفة إلاّ بمنزلة سَمْع الأذن وبصر العين وشمّ الأنف كلّها موجودة غير معلومة الكيفيّة والكميّة فإن قيل أَلَهُ هُويّة وإن لم نعلمها قيل الهويّة إضافة هو الى
стр. 84
معناه [١] وهو إشارة فإما معنى الهويّة فالذات وأي لعمري له ذات عالمة سميعة بصيرة قادرة حيّة غير معلومة كيفيّتها فإن قيل فهو عالم بذاته قيل له ليس هو غير ذاته فتكون معلومة له غير علمه ويكون له من ذاته علم ومعلوم وقد قال قوم أنه هو الطبائع ومنه حّدّثُ العالم وتركّبه فالطبائع أشياء متنافرة متضادّة مقهورة مجبورة وهذه هي علامات الحدث ثمّ هي غير حيّة ولا عالمة ولا مختارة ولا قادرة فيصحّ منها هذه الأفعال المحكمة المُتْقَنَة فإن أطلقوا عليها هذه الصفات فهي البارئ بزعمهم وإنّما غلطوا في التسمية وإن أَبَوْا في الفعل لا يصحّ إلاّ ممّن هذه صفاتُه واختلف أهل الإسلام في أشياء من هذا الباب فأنكر كثير منهم القول بالأَيْنيّة والمائيّة ولا يخلوان من أن يكونا إياه أو غيره أو بعضه فإن كانا غيره أو بعضه انتقض التوحيد وإن كانا إيّاه فهو إذاً أشياء كثيرة وقال ضرار بن عمرو وأبو حنيفة رضى الله عنهما له أينيّة ومائيَة لأنّه لا يكون شيء موجود إلاّ وله أينيّة ومائيّة وعلّة الأينيّة غير علّة
стр. 85
المائية وذلك أنك تسمع الصوت فتعلم أنّ له مُصوّتاً وتجهل ما هو ثمّ تراه بعد ذلك فتعلم ما هو فعِلْمُك ما هو غير علمك بأينيّته ومعنى المائية عندهما أنه يعلم نفسَه بالمشاهدة لا بدليل كما نعلمه واختلف المُشبّهة فزعمت النصارى أنه جوهر قديم وزعم هشام بن الحكم وابو جعفر الأحول الملقّب بشيطان الطاق انه جسم محدود متناهٍ وقال هشام هو جسم مُصْمَتٌ له قدر من الأقدار من العَرْض كأنه [١٧] سبيكة تلأْلأْ كالدُرّة من جميع أطرافها واحدة ليس بمجوّف ولا متخلخل وحُكى عن مُقاتل أنه قال على صورة إنسان لحمٍ ودمٍ وسُئل هشام كيف معبودُك فأوقد سراجاً وقال هكذا إلاّ أنّه لا ذُبالة له وقال قومٌ جسم فضاء مكان الأشياء كلّها وأكبر من كلّ شيء وقال قوم هو الشمس بعينها وزعم قوم إنه المسيح وقال قوم هو علي بن أبي طالب وذهب قومٌ إلى أشياء كثيرة متبعّضة مختلفة القوى والفعل إلاّ أنّ بعضها متّصل ببعض وبعضها أعلى من بعض فأعلاها البارئ سبحانه ويزعمون أنه لا جسم له ولا صفة ولا يُعرف ولا يعلم ولا يجوز أن يُذْكَر ودونه العقل
стр. 86
ودون العقل النفس ودون النفس الهيولي ودون الهيولي الأثير ثم الطبائع ويرون كلّ حركة أو قُوّة حسّاسة أَو نَامية منه وسيمرّ بك النقض عليهم مجملاً في باب التوحيد إن شاء الله وأحسن ما أختاره في هذا الفصل أَلاّ يخوض الإنسان في شيء منه إلاّ بإثبات الذات بدلائل الصفات فإمّا ما سِوَى ذلك فيسكت عنه وليقتَدِ نبيّ الله موسى حيثُ قال له الكافر وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قال رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ٢٦: ٢٣- ٢٤ [١] هذا طريق السلامة فإن سأل بعضُ مَنْ لا يعلم كيف هو وأين هو وكم هو فإنّ كيف يوجب التشبيه ولا شبه له وكم استخبار عن العدد وهو واحد وأين طلب المكان وليس بجسم فيُشْغِل الأماكن،
القول في أن البارئ واحد لا غير
أقولُ أنّه لما صحّ وجود البارئ بالدلائل العقليّة وجب ان ينظر أواحد هو أم أكثر لأنّ الفعل قد يفعله الواحد والاثنان وقد يشترك الجماعة في بناء دار ورفع منار ونظرنا فإذا الدلائل على وحدانيّته بإذاء الدلائل على إثباته وذلك أنّه
стр. 87
لو كانا اثنّيْن لم يخلُ من أن يكونا متساوِيَيْن في القوّة والقُدرة والعِلم والإرادة والقِدَم والمشيَّة حتَّى لا يُفْرق بينهما بصفةٍ من الصفات فإن كانا كذلك فهذه صفة الواحد لا يثبت في العقول غيره أو يكون أحدُهما أَقْدم من الآخر وأَقدر فَالإِْلَهُ إِذاً القديمُ القادر إِذ العاجز الحادث لا يستحقّ الإلهيّة أو يكونا معا متقاومين مُتضادَّيْن فأذَنْ لا يجوز وجود خَلقٍ ولا أمرٍ لأنّه لو كانا كذلك لم يخلُقْ أَحدُهما خَلْقاً إلاّ أفناه الآخر ولم يُحْيِ حيّاً إلاّ أماته الآخر فلمّا وجدنا الأمر بخلافه علمنا أنّه واحد قدير وهذا ضمْنُ قول الله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ (إِلَّا الله) لَفَسَدَتا ٢١: ٢٢ ف سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٤٣: ٨٢ [١] وقال قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ١٧: ٤٢ [٢] ولو كانا اثنين لكانا قادرَيْن على التمانع والتقاوم أو عاجزَيْن عن ذلك فإن كانا قادرَيْن لم يتّصل تدبير ولم يتم وجود خَلْق وإنْ كانا عاجزَيْن فوجود الخَلْق عن العاجز
стр. 88
مُحالٌ أَو كان أحدهما عاجزاً والآخر قادراً فهو كما قلناه آنفاً ولو جاز القول باثنين لوجود الشيء وضدّه لجاز القول بعدد أعيان الموجودات لاختلاف أجناسها وأنواعها وأنّها تمام القُدرة جوازها على الشيء وضدّه ففاعل الشيء إذا كان عاجزاً عن ضدّه غير كامل القُدرة والبارئ دلّ على كمال قُدرته بإيجاد الشيء وضدّه ومن هاهنا تفرّقت المجوس والثنويّة والدَهْرية وسائر فرق الضلالة فزعمت المجوس بأنّ فاعل الخير لا يفعل الشرّ وأنّ الشرّير لا يفعل الخير لأنّ الجنس الواحد لا يَقَعُ منه إلا الفعل الواحد كالنّار لا يكون منها إلاّ التسخين والثلج لا يكون منه إلّا التبريد [١٨] فسمّوا الإله الخير هرمز والشرّير الخبيث آهرمَن وأَضافوا كلّ حُسْنٍ وجميل وفعل حميد إلى الخير [١] وكل قبيح وذميم إلى الشرّير الخبيث المضادّ له ثمّ اختلفوا بعد إجماعهم على أنّ الخير منهما قديم لم يزل وزعم بعضهم أن الشرّير قديم أيضاً كقول الثنويّة بقدم الكونين من النور والظلمة وزعمت طائفةٌ أُخرى انّه حادث ثم اختلف الذين قالوا بحدوث الشرير الخبيث كيف
стр. 89
كان حدوثه فزعمت فرقة منهم أنّ القديم الخير تفكّر فكرةً رديئة فاسدة فحدث من فكرته هذا الخبيث الشرير وهذا نقض أصلهم بأنّ جوهر القديم جوهرٌ خير لا يشوبه شيء من الشرور والآفات وزعم آخرون أنّ الخير هفا هَفْوةً فحدث منه هذا الضدّ بلا إرادةٍ منه ولا مشيّة فجعلوا الخير كالمغود الجاهل الذي لا يملك نفسه وأمره وقد أقرّ هذان الصنفان بوقوع الشرّ من الخير المحمود ووجود جنسَيْن مختلفَيْن منه فما حاجتهما إلى إثبات فاعلَيْن مختلفَيْن فإذا جاز وقوع الشرّ من هذا الخير المحمود فما يؤمنهم وقوع الخير من هذا الشرّير المذموم وزعمت فرقة ثالثة منهم أنه لا يدري كيف حدث هذا الشرّير المنازع [١] للخير القديم فأفصحوا بالحَيْرة ونادوا على أنفسهم بالشبهة وبم ينفصون ممّن يعارضهم إذا جاز حدوث شرير فاعل للشرّ لِمَ لَمْ يُجْز حدوث خير فاعل للخير حتّى يكون خالقهم اثنين حادثَيْن وقد زعموا جميعاً أنّ هذا الشرير كايدَ الخير ونازعه الأمر وجمع الخير جنوده من النور والشرير جنوده من أبعاض الظلمة فاقتتلا مدَةً من
стр. 90
الدهر طويلة ثمّ توسّطت الملائكة بينهما ودعَوهما إلى الهُدْنة والموادعة إلى أن يضع بينهما مدّة سبعة آلاف سنة وهي مدّة قوام العالم فاصطلحا على أنْ يكون أكثر الأمر والحكم والغلبة في هذه المدّة المضروبة للجوهر الشرّير فإذا انقضت المدّة أفضى الأمر إلى القديم الخير فأخذ الشرّير يستوثق منه إلى أن ينقضي عالم الشرّ والفتنة والفساد ويصير الحكم إلى الخير المحض وهذا ظاهر الانتقاض والاختلاف وكيف تطمئن النفس إلى عبادة عاجز مغلوب على أمر وكيف يؤمن الشرير الخبيث على الوفاء بالعهود والمواثيق وهل هي منه ألا أفضل الخير وأتم الإحسان فقد وجد من جوهره الخير وهو من غير جنسه كما وجد من جوهر الخير العجز والغلبة وهو شر وليس من جنسه واختلفت الثنوية فزعم ماني وابن أبي العوجاء أن النور خالق الخير والظلمة خالق الشر وأنهما قديمان حيان حساسان وأن فعلهما في الخلق اجتماعهما وامتزاجهما بعد أن لم يكونا ممتزجين فحدث هذا العالم من نفس الامتزاج فأقرّا بحادث حدث في القديم من غير سبب أوجبه ولا إرادة منه فضاهيا المجوس في قولهم أن الخير حدث منه الشر بلا
стр. 91
إرادة منه ولا مشية وزعم ديصان أن النور حىّ والظلمة موات فأحال أشدّ الإحالة إذ أجاز من الموات الفعل في خلق الشرور والآفات فناقضوا بأجمعهم في نفس الامتزاج لأنه لو كان بدأبه النور فقد أساء في مخالطة الظلام وإن كان بدوه من الظلام فقد غلب النور وأفسده وعندهم أن النور لا يكون منه ألا الخير والظلمة لا يكون منها [١] إلا الشر فكل خير منسوب إلى النور وكل شر منسوب إلى الظلمة واكتفى من جوابهم بما يومض عن مناقضاتهم كفاء ما يشاكل [١٨] كتابنا هذا بعد أن نستقصيه في كتاب المعدلة ونشبع القول فيه بمشية الله وقد سألهم جعفر بن حرب عن مسألة قليلة الحروف عظيمة الخطر فقال لهم أخبرونا عن رجل قتل رجلا ظلما فسئل أقتلته قال نعم من القائل نعم قالوا النور قال فقد كذب النور والنور عندكم لا يفعل الشر قالوا فهو الظلمة قال فقد صدقت والظلمة لا تفعل الخير وقال هل اعتذر أحد من شيء قط قالوا نعم والاعتذار حسن جميل قال فمن المعتذر قالوا
стр. 92
النور قال فصنع شيئاً يجب الاعتذار منه قالوا فالظلمة قال فقد أحسنت إذا اعتذرت فقطعهم واستعظم قوم القول بإيجاد أعيان لا من سابق فقالوا بقدم البارئ وشيء قديم معه أم الأشياء وآخر الهويات ومادة العالم والأصل الذي حدثت منه الأجسام والأشخاص فأنه جوهر بسيط عار من الأعراض ثم أحدث الصانع فيه أعراضاً من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فتركب من حركاته العالم بأجزائه فهولاء قد أجبوا شيئين قديمين مختلفين إلى الذات والصفة أحدهما حي والآخر ميت ودخلوا في مذاهب الثنوية وناقضوا أصلهم بأن البارئ لم يزل يصنع فيه فأبطلوا قولهم بأنه علة والعلة لا تفارق المعلول وجملة القول في الإعتقاد في المعدوم والموجود أن الموجود ما يعقل أو يعلم أو يحس أو يعرف أو يصح منه تأثير أو فيه أو معه أو به فإذا خلا من هذه المعاني فهو المعدوم ولولا ذلك لكان كيف يعتقد المعتقد المعدوم من الموجود فإن قيل فقد اعتقدتم القديم أفعدم هو وأنتم لا تصفونه بشيء من الحدوث والأعراض قيل افتسوون أنتم بينه وبين الهيولى في المعنى أم لا وأنتم لا تصفونها بشيء من
стр. 93
الحدود والأعراض ونحن إنما نعتقد وجود البارئ بدلائل صنعه وآثاره وليس يصح الهيولى أثر ويوجب اعتقاده موجوداً بل لو وصفتموه بأفعال خاصية وجب اعتقاده وسنزيد إيضاحا لهذه المسألة في فصل ابتداء الخلق إن شاء الله تعالى،
القول بإبطال التشبيه
أقول أن التشبيه يوجب الاتفاق في الحكم والمعنى على قدر المواقع من الاشتباه وذلك يزعم أن حد الجسم أنه طويل عريض عميق يلزمه أن يقتضي على كل ذي طول وعرض وعمق بالتجسيم لأن الاشتباه بينهما واقع في جميع الوجوه فإذا قال جسم لا كالأجسام وأراد أن يبطل الحدود المضروبة فيه فكأنه يقول جسم لا جسم ويلزمه أن يحكم على كل ذي طول بحد من حدود الجسم لأنه من حيث استحق بعض أوصافه استحق الحكومة به كما أنه إذا حد العرض بأنه لا يقوم بنفسه لزمه القول بأن كل ما لا يقوم بنفسه فهو عرض فإن قيل أليس قلتم أنه شيء لا كالأشياء فما تنكرون من يقول أنه جسم لا كالأجسام أو له وجه لا كالوجوه وجارحة لا كالجوارح فإن الشيء اسم عام
стр. 94
للموجود والمعدوم والقديم والمحدث وحده ما قد ذكرناه في موضعه فإذا سمع السامع به لم يذهب به إلى جسم دون عرض ولا إلى قديم دون محدث حتى يفرق به إلى التفسير ما يدل [١٩] على المراد فإذا سمع بالجسم لم يعقل منه إلا المؤلف المركب فلذلك لم يجز إطلاق أسماء المحدثات عليه لأن استواء أحكام المثلين من حيث تماثلا وإلى هذا المعنى ذهب الناشي في قوله [بسيط]
لو كان للَّه شبه من خليقته ... كانت دلائله من خلقه فيه
قد كان مقتضياً من نشو صانعه ... ما يقتضي النشو من آثار ناشيه
لكنه جل عن أوهام واصفه ... فالحس يعدمه والعقل يبديه
стр. 95
الفصل الثالث في صفاته وأسمائه وكيف يجب أن يعتقد القول والفعل منه سبحانه
أقول أنه إذا ثبت وجود البارئ وثبتت وحدانيته بالدلائل التي قامت وجب أن ينظر في صفاته وما يليق به أن يضاف إليه ويعرف به فنظرنا فإذا من صفاته خاص وعام فالخاص ما لا يجوز أن يوصف بضده كالحياة والعلم والقدرة ولا أن يوصف بالقدرة عليها ألا ترى أنه لا يصح القول بأنّه يقدر أن يحيا أو يقدر أن يعلم أو يقدر أن يقدر ولا القول بأنه يعلم كذا ولا يعلم كذا أو يقدر على كذا ولا يقدر على كذا لأن ما كان موصوفاً بنفسه ثم وصف بضدها كان الضد راجعاً إلى نفسه ولا تستقيم الإلهية بغير حياة وقدرة وعلم وهذه تسمى صفات الذات والعام ما يجوز أن يوصف
стр. 96
بضدها ويوصف بالقدرة عليها كالإرادة والرزق والخلق والرحمة وهي صفات الفعل وللمسلمين ومن قبلهم في هذا الفصل تشاجر كثير واختلاف يدعو إلى ضلال من خالف صاحبه في ذلك فقال بعض الناس لا اسم للبارئ ولا صفة ولا ذكر وإنما ينبغي أن ينسب كل عدل ورحمة وفضل وجود إليه بمعرفة القلوب أنه منه وقالت المعتزلة أن صفات الله أقوال وكنايات وهي كلها من قول القائلين ووصف الواصفين وقال قوم لا معنى لصفات الفعل وإنما المعنى لصفات الذات والصفة ما قامت في الموصوف ولا تباينه ولا يجوز أن يوجد الموصوف مع عدمها قالوا فلم يزل الله خالقاً بارئاً رازقاً مريداً متكلّما رحيما حتى أتوا على آخر صفاته وفرق ناس منهم بين الوصف والصفة فجعلوا الصفة ما يلاصق الموصوف كالعرض للجوهر والوصف قول الواصف تلك الصفة فصفات الله غير مخلوقة لأنه بها موصوف وهو غير مخلوق وهو واحد بصفاته كلّها وصفاته لا هو ولا بعضه ولا غيره واحتجوا بأنها ليست هو ولو كانت هو لكان صفة ولدعي فقيل يا علم يا قدرة يا سمع يا بصر ولما قام بذاته
стр. 97
كما أن الصفات لا تقوم بأنفسها ولا هي غيره لأن حد المتغايرين جواز وجود أحدهما مع عدم الآخر [١٩] فلو كان علمه وقدرته وسمعه وبصره غيره لجاز عدم العلم والقدرة وغيرها مع وجود البارئ فيحصل بلا علم ولا قدرة ولاهى بعضه لأن التبعيض من دلائل الحدث والله لا يوصف بالابعاض والأجزاء وقالت المعتزلة في صفات الذات أنها ليست من غير الذات شيئاً فذات البارئ عالمة حكيمة قادرة سميعة بصيرة وهو عالم بذاته قادر بذاته سميع بذاته بصير بذاته وإنما الصفات ما وصف الله به نفسه أو وصفه العباد بها قالوا ولا يجوز أن يكون علمه وقدرته هو ولا غيره لأنها لو كانت هو لكان أشياء كثيرة مختلفة ولعبدت ودعيت فلو كانت غيره لكانت قدماء كثيرة وإن لم يزل مع البارئ وإن كانت محدثة فكان قبل أحداث العلم غير عالم وقبل أحداث القدرة غير قادر وكذلك سائر الصفات فثبت أن ذاته عالمة قادرة إن كان له علم به يعلم وقدرة بها يقدر ولم يخل من أن يكون هي هو أو غيره وقالوا لا فصل بين من زعم أنه هو أو غيره أو بعضه قالوا وقول
стр. 98
القائل لا هو هو نفي وقوله لا غيره رجوع عن ذلك النفي وإثبات له فهولاء يزعمون أنه لو كان له علم لكان معه غيره ومخالفوهم يزعمون ان لو لم يكن له علم لكان جاهلاً قالوا وهو موصوف بالقدم والقدرة والعلم فلو كان عالماً بنفسه قديماً لما جاز أن يوصف بنفسه كما لا يصور المصور بنفسه ولا يكتب المكتوب بنفسه ولا يشتم المشتوم بنفسه وإنما يشتم المشتوم بشتم ويصوّر المصوّر بصورة فصح أنه موصوف بصفات والصفات يشتق منها الأسامي فالقديم من القدم والقدير من القدرة والعالم من العلم كما أن الحمرة للأحمر والصفرة صفة للأصفر ثم هولا هي ولا غيرها قالوا ولو لم يشاهد عالماً إلا بعلم ولا قادراً إلا بقدرة فكذلك ما غاب عنا فقال لهم مخالفوهم أليس الحمرة والصفرة عرضان في الأحمر والأصفر أو ليس العالم منا بعلم علمه عارض فيه فهل [١] إلى تمثيل البارئ بجسم ذي عرض وبم ينفصلون ممن يزعم أنه جسم أو عرض لوجود الفعل منه لأنه لا يظهر الفعل فيما يشاهد إلا من جسم حدث فهل يجب علينا القضاء
стр. 99
بأنه جسم ذو أعراض وأبعاض إذا لم نشاهد الفعل إلا من جسم ذي أعراض وأبعاض كذلك لا يجب القضاء بأنه عالم بعلم إذا لم نشاهد عالماً إلا بعلم فإن قيل إذا أجزت عالماً لا يعلم فأجز جسماً لا بصفات الجسم قيل لو لزم ذا للزمك هو بعينه في إجازتك عالما بعلم لا هو ولا غيره ولا بعضه وأما قولهم أن المصور لا يصور بنفسه والمكتوب لا يكتب بنفسه وإنما يصور بصورة ويكتب بكتابة والصورة والكتابة لا شكّ غيرهما وقولهم من الصفات يشتق الأسامي فالصفات هي الأسامي بعينها ليست أنها أشياء كامنة فيه كالأعراض في الجواهر ولكنه إذا أبدى فعلاً من أفعاله تسمى به أو سماه العباد به والكلام يطول في هذا ويمتد ومتى اعمل الناظر فكره في هذا المقدار [٢٠] تبين له وجه الصواب بحول الله وقوته
القول في الأسامي
أقول أن اختلافهم في الأسامي كاختلافهم في الصفات وعامة المعتزلة على أن الأسامي هي الصفات وأن الاسم غير المسمى وهو قول المسمى وحد الاسم ما دل على المعنى وقالت فرقة أن الاسم والمسمى واحد واحتجّوا بقوله بعالى سَبِّحِ اسْمَ
стр. 100
رَبِّكَ الْأَعْلَى ٨٧: ١ فلو كان الاسم غيره لكان قد أمر بعبادة غيره وقد قال سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ٥٧: ١ فدل على أن اسم الله هو الله وقال اذْكُرُوا الله ٢: ٢٠٣ ثم قال في موضع وَاذْكُرُوا اسْمَ الله ٥: ٤ وناقضهم مخالفوهم بأن الاسم لو كان المسمى لكان إذا غير تغير المسمى وإذا أحرق أو خرق أو غرق أثر ذلك كله في المسمى وكل مسمى سابق اسمه وجائز تبدل الاسم عليه والأسماء مختلفة كثيرة والمسمى واحد غير مختلف وقد قال الله وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ٧: ١٨٠ وما هو له فهو به يدعى وهو غيره لا شك وأجمعت الأمة أنه غير جائز أن يقال له يا حسن على أن يكون حسنه في ذاته وإنما يوصف بحسن القول والفعل وقد أخبر أن له أسماء حسنة في غاية الحسن ونهايته فعقل أنه غير أسمائه وأسماؤه معلومة محدودة معدودة الحروف ولا يجوز إطلاق شيء من ذلك على البارئ وأسماؤه تختلف باختلاف اللغات فكما أن لغة الفرس هي غير لغة العرب ولغة العرب غير لغة الحبش لقول الله تعالى وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ٣٠: ٢٢ كذلك التسمية بها
стр. 101
مختلفة فإذا اختلف الاسم وهو واسمه واحد فذاك الاختلاف شائع فيه لا شك اللَّهمّ إلا أن ينكر أن لا يكون له غير اسم واحد وأن لا يختلف ذلك الاسم باختلاف اللغات فهذا جاحد ضرورة لا غير وقوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ٨٧: ١ أي اذكره باسمه وصفته لأنه غير ممكن ذكر شيء إلا باسمه ثم قوله سبح للَّه واذكروا الله واذكر ربك على ما يتعارفه الناس أن الشيء إذا لم يكن ذكراً في نفسه لم يكن ذكره إلا باسمه وقول القائل الله معلوم أنه اسم عربي لمعرفة معناه واشتقاقه وغير جائز القول بأن الله عربي أو عجمي فإن قال قائل إذا كان الأسماء والصفات من أقوال العباد وكناياتهم فلم يكن له اسم ولا صفة قبل الخلق وكان عطلاً غفلاً إلى أن سماه العباد قيل قد قلنا أن صفاته على وجهين صفة ذات وصفة فعل فما كان من صفات الذات لم يزل بها موصوفاً وإن لم يصفه بها واصفه كما أنه لم يزل واحداً فرداً وإن لم يكن خلق يوحده وعالماً وإن لم يكن المعلوم موجوداً وقادراً وقديماً فإما القول بأنه لم يزل مدعواً أو معبوداً أو مشكوراً فالشاكر والعابد والداعي
стр. 102
ليسوا لم يزالوا وكذلك القول بأنه لم يزل خالقاً رازقاً يقتضي أزلية المخلوق والمرزوق اللَّهمّ إلا على جهة القدرة على الخلق والرزق فإنه يستقيم له ذلك وكذلك لو قال لم يزل سميعاً بصيراً على معنى سيبصر وسيسمع وأجمع المسلمون أن الله حي قادر قديم سميع بصير واحد فرد عالم حكيم متكلم جواد فاعل مختار موجود رحيم عدل متفضل غني واختلفوا في تفصيل هذه الصفات وعللها فزعمت طائفة أنه عالم لأن له علماً وزعم آخرون أنه عالم بذاته لأنه يدرك الأشياء كما هي وقد تقدم حجج [١] الفريقين مجملاً وكذلك قولهم في القدم والقدرة فمن أبى [٢] القول بأن حد القديم والقادر أن يكون له قدم وقدرة قال حد القديم الموجود لا إلى أول وحد القادر الذي لا يمتنع الفعل عليه باختياره وأجمع هؤلاء أنه موجود [٢٠] بعينه وذاته ولا يوجد لأنه لو كان موجوداً بوجود لم يخل ذلك الوجود من أن يكون موجوداً أو ليس بموجود فإن كان غير موجود فقد
стр. 103
دخل في باب العدم وإن كان موجوداً فقد وجب أن يوجد بوجود آخر إلى ما لا نهاية والقول بما ليس له نهاية يؤدي الى قول أهل الدهر وقالت طائفة أنه حي بحياة عالم بعلم وزعم آخرون أن معنى الحي وجود الأفعال منه على اتفاق واتساق واختلفوا في ذاته ألها نهاية أم لا فقال أكثرهم أنه غير متناه لأنه لا بجسم ولا عرض ولا حد له فيقتضي النهاية وهو مبدع النهايات والحدود وزعم هشام بن حكم أنه متناه وكذلك يلزم كل مجسم وقد قال أصحاب القضاء أنه غير متناهي الذات واختلفوا أذاته مرئيّة أم غير مرئيّة فمن قال بالتشبيه أو رأى الرؤية العلم قال هو مرئيّ كما هو موجود معلوم ومن أبى ذلك قال غير مرئيّ كما هو غير محسوس ولا ملموس بقى الاختلاف في التوفيق بين الرؤية والعلم واللمس والتفريق بينهما واختلفوا في الكلام فمن قال هو من صفات الذات قال غير محدث ولا مخلوق لأن الله لم يزل متكلما بكلام لا هو هو ولا هو غيره ولا بعضه ومن قال من صفات الفعل قال هو محدث لأن الكلام يقتضي متكلماً واختلفوا في الإرادة
стр. 104
بحسب اختلافهم في الكلام واختلفوا في المكان فقال أكثرهم أنه بكل مكان حافظاً مدبراً وعالماً وقادراً وليست ذاته بجسم فيشغل الأماكن ولا بعرض فيحل الأجسام ومن كان بهذه الصفة فغير محتاج إلى المكان وقال هشام بن الحكم والمشية أنه في كل مكان ذو مكان وذلك مطّرد على أصله لما يراه جسماً وقال قوم أنه في السماء فوق العرش بذاته بلا نهاية لا ككون الشيء على الشيء بالمماسة والاظلال وزعم ابن كلّاب انه على العرش لا في مكان وإذا أجازوا أن يخلق الله جسماً لا في مكان وأن يقيم العالم لا في مكان فما ينكرون من كونه لا في مكان وليس هو بجسم ولا عرض واختلفوا في العلم فقال قوم عالم بما كان قبل ان كان وبما يكون قبل أن يكون ولا يجوز أن يخفى عليه شيء إلا بأنه استفاد علماً أو أحدثه لنفسه بل ذاته متنبهة عالمة وزعم قوم من الإمامية أن الله لا يعلم ما هو كائن حتى يكون قالوا ولو كان يعلم أن من يخلقه يكفر به ويعصيه ويؤذيه لما خلقه وأجازوا فسخ الخبر والبداء وأول من أبدع هذا الرأي في هذه الأمة المختار بن أبي عبيد كان يزعم أنه يعلم ما يحدث من جهة الوحي فيخبر
стр. 105
أصحابه بكوائن فإن اتفقت فهو ما أراد وإن خالف قد ابدأ لربكم وكان جهم بن صفوان ينفى الصفات كلها عن الله سبحانه وينكر القول بأنه شيء زعم فراراً من التشبيه ويقول علم الله محدث وجملة الرد على هؤلاء أن الجاهل منقوص ومستحق المذمة لا يستحق الإلهيّة وأجاز المعتزلة كون ما علم الله أنه لا يكون لأن علم الله ليس بعلة ككون الشيء ولا حامل للمعلوم على الكون كما أنه لم يزل عالماً بخلقه العالم قبل خلقه ثم لم يجز القول بأن علمه علة الخلق وحامل له على إيجاده قالوا ومما علم الله أنه لا يكون أمور علم أنها لا يكون لاستحالة كونها [fol ٢١] ككون إله معه أو كون شريك أو كون غالب يغلبه أو كون نهاية وانقضاء له ومنها أمور علم أنها لا تكون لاستحالة كونها فلا يجوز كونها بحال قالوا وغير جائز أن يأمر عبداً بما يعلم أنه لا يكون منه ما يأمره به ولا يقدر عليه لاستحالته أو لعجزه وإنما يجوز الأمر لمن علم أنه قادر على الفعل لأن القدرة هي التي تقتضي التكليف لا العلم وقال مخالفوهم لا يجوز كون خلاف ما علم الله ويجوز الأمر بخلاف ما علم لأنه لو جاز كون خلاف
стр. 106
ما علم كان عاجزاً جاهلاً وهذه هي مناظرة بين الفريقين مليحة مفيدة قالوا لهم أليس في قولكم أن الله لم يزل عالماً بأن فرعون لا يؤمن قالوا بلى قالوا فكان فرعون يقدر أن يؤمن وقد علم الله أنه لا يؤمن قالوا نعم قالوا فكان فرعون يقدر على إبطال علم الله وتجهيله قالوا لو علم الله أن فرعون لا يقدر أن يؤمن كما علم انّه لا يؤمن ثمّ قلنا أنه آمن أو يؤمن لكنا مبطلين مجهلين ولكنا قلنا علم الله أنه لا يؤمن وعلم أنه يقدر أن لا يؤمن ولم يؤمن فلم نكن مبطلين ولا مجهلين ثم قلبوا عليهم السؤال فقالوا أليس الله عالماً بأنه يقيم القيامة في وقتها وهو القادر على أن لا يقيمها قالوا بلى قالوا فهل يجوز القول بأن الله قادر على إبطال [علمه] علمه وتجهيل نفسه إذا كان قادراً على أن لا يفعل ما علم أنه يفعله وعلى أن يفعل ما علم أنه لا يفعله قالوا وليس علم الله أن فرعون لا يؤمن وأمره بأن يؤمن فهل أمره بتجهيل علم الله فيه واختلفوا في جواز وصف الله بالقدرة على المحال كإدخال العالم في جوزة أو بيضة فقال الجمهور من أهل العلم لا يجوز ذلك لأنه يقتضي العلم مقدوراً كما يقتضي العلم معلوماً فكل ما هو غير مقدور
стр. 107
عليه محال إجازة القدرة عليه وزعم بعضهم أنه قادر عليه واختلفوا في وصف الله تعالى بالقدرة على الظلم والجور فأحاله قوم لأن ذلك مذموم لا يفعل إلا عن نقص أو حاجة ولو جاز ذلك لم يكن مأموماً أن يقع ولجاز وصفه بالقدرة على الجهل والعجز وكان أبو هذيل يقول هو قادر على ذلك ولكن لا يفعله لرحمته وحكمته وليس يفعل الظلم والكذب غير مقدور عليه فيكون محالاً واختلفوا في قدرة الله تعالى هل هي علم الله أم غيره وكذلك الحيرة فالقدم وسائر صفات الذات وزعمت طائفة أن علم الله ليس قدرته ولا غيرها لأنه لو كان العلم والقدرة لكان ما علم فقد قدر عليه وهو يعلم نفسه ولا يصلح القول بأنه يقدر على نفسه ولو كان علمه غير قدرته لكن يجوز وجود أحدهما مع عدم الآخر ولو جاز هذا لجاز أن يكون البارئ في حال عالماً غير قادر أو قادرا غير عالم وزعم داود بن على أنّ علمه غير قدرته وأما المعتزلة فليس من قولهم أن له علماً وقدرة حتى يلزمهم التفصيل بينهما واختلفوا في التعديل والتجويز من خلقه أفعال العباد وما هم يكتسبوه من المعاصي والمآثم وقضائه إياها عليهم وإرادته منهم وعقوبته لهم
стр. 108
عليها بعد أن أوجدها منهم فقال قوم كل ذلك منه وفعله وهو عدل وحكمة لأن الخلق خلقه والأمر أمره لا يكون منه ظلم ولا جور ولو جاز حدوث حادث بغير مراده أو مشيته وإيجاده لكان عاجزاً مغلوباً وقال آخرون لو كان كما يزعمون لما كان الخلق ملومين ولا معاقبين ولا من يفعل بهم هذا حكيماً ولا عالماً [٢١] ولا رحيماً وهذا من باب الحير والقدر والاختلاف فيه قائم مذ وجد في العالم حيان ناطقان ولا يجوز غير ذلك لتكافئ الدلالة وأعدل الأمور أوساطها فقد قيل الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس لا يزداد على طول النظر ألا حيرة ودهشاً ومن طاوعته نفسه بالإمساك عن الخوض فيه والاقتصار على ما في الكتاب رجوت أن يكون من الفائزين
стр. 109
الفصل الرابع في تثبيت الرسالة وإيجاب النبوة
أقول أن منكري الرسل صنفان أحدهما المعطلة الذين ينكرون إثبات البارئ سبحانه فلا وجه للكلام معهم إلا بعد إقرارهم بالتوحيد والثاني البراهمة أقروا بالصانع وأنكروا الرسالة واحتجوا بأن الرسول لا يأتي إلا بما في العقل أو بخلافه فإن كان يأتى بموجب العقل فما في العقل كاف مما يجب للَّه تعالى على العباد من معرفته وتوحيده وشكره وعبادته واستعمال الحسن واستقباح القبيح وأن كان يأتي بخلافه فلا وجه لقبوله لأن الخطاب وقع على نوى العقول والقضيّة لها والتمييز اودعتاها فأجابهم المسلمون بأن الرسول أبداً لا يأتي إلّا بما في العقول إيجابه أو تجويزه وحاشا للَّه ولرسوله أن يأتوا بخلاف ما في العقول ولكن من الأشياء مما يغمض ويلطف حتى يخطئه العقل أو يخفى ويحتجب حتى
стр. 110
يقصر دونه العقل كانتفاع الإنسان بما ينزع إليه نفسه ويشتاق إليه طبعه من ملاذ الاغذية والملاهي المقوّية فإنه حسن في العقل الأخذ منها بقدر الحاجة بل واجب وغير حسن إذا كان لا يملكها الإنتفاع بشيء منها إلا بعد الإذن من مالكها فصار فعل العقل في حال خلاف فعله في حال فدل أن العقل لا يستغني بنفسه ولم يضامه شيء من السمع مع أن العقل محتاج إلى الرياضة والتمييز والسمع والتجارب لا غير موهوم لو أن أكمل الخلق عقلاً وأوفاهم فطنة غيب عن الناس وليداً حتى لم يسمع شيئاً إلى أن بلغ فأدرك أنه يمكنه استخراج علم الفلسفة والهندسة والطبّ والتنجّم وغير ذلك فدل هذا كله أن العقل غير مكتف به ولا بد من معلم ومعرف وهاد ومذكر ولا يجوز أن يقع العلم بهذه الأشياء إلهاماً ضرورياً لأنا ليس نشاهد ذلك في أجناسها وأمثالها وأن لا يكون كلها بالاستخراج والاستنباط من غير مقدمة وأصل سابق فإن قيل إذا كان البارئ مريداً لصلاح خلقه غير بخيل [١] ولا عاجز ولا يمسه تكلف ولا علاج فيما يفعله فهلا جعل خلقه رسلا وألهمهم من