← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

نعم، الذي روى عن ثابت. قال: كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير. وكأنه ضعفه) (١). وقال: (سألته عن إبراهيم بن الحكم بن أَبان، فقال: ليس بذاك، قد كتبت عنه، وأقمت عليه أياما) (٢). وقال: (سألته عن يزيد بن أبي حكيم، فقال: قد كتبت عنه أقل مما كتبت عن إبراهيم، اتكيت على إبراهيم، ثم حدث إبراهيم بعد بأحاديث منكرة، وضعّف أمره، وقدّم يزيد بن أبي حكيم عليه) (٣). وقال عبد الله بن أحمد: (سئل أبي عن حُديج أخي زهير، قال: ليس لي بحديثه علم. قيل: إنه يحدث عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره، فقال: هذا منكر) (٤). وهذا كله يدل على ما تقدم تقريره، والأمثلة على هذا كثيرة. * * *

стр. 1227

الفصل العشرون: مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص ثمة أربعة مناهج في هذه المسألة من حيث الأصل: فالأول: من يتوسّط، وهو مذهب علي بن المديني، والبخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم، وهو ما تقدم تقريره (١). والثاني: وهم الذين يشدِّدون بعض الشيء، وهو مذهب: يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي بكر البَرْدِيجي، وأبي الفتح الأزدي، وأبي الفضل أحمد بن علي السليماني. فأما يحيى القطان وأحمد بن حنبل: فقال ابن رجب: (قال إسحاق بن هانئ، قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد -: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله - يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام … " الحديث. قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.

стр. 1228

قال أبو عبد الله: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه. وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر. وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك. قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي، الذي يروي حديث المواقيت فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره. وقال أحمد في بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير. وقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث "الأعمال بالنيات"، في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال في زيد بن أبي أُنَيْسة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث. قال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم. وهؤلاء الثلاثة (١) متفق على الاحتجاج بحديثهم في "الصحيح"، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به.

стр. 1229

وكذلك قال في عمرو بن الحارث: له أحاديث مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مَخْلَد، وجماعة خرج لهم في "الصحيح" بعض ما ينفردون به. وأما تصرّف الشيخين والأكثرين، فيدل على خلاف هذا، وعلى أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علة، فليس بمنكر. وقد قال مسلم في أول "كتابه": حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته. فأما من نراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم في أكثره = فيروي عنهما - أو عن أحدهما - العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم. فصرح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث، قبل ما تفرد به، وحكاه عن أهل العلم) (١). قلت: لم يذكر ابن رجب ليحيى بن سعيد القطان إلا مثالًا واحدًا، وهذا لا يكفي في الحكم عليه، ولكنْ ثمة نصوصٌ عن بعض الأئمة تدل على منهجه: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (نا صالح بن أحمد بن حنبل، نا عليّ

стр. 1230

- يعني ابن المديني - قال: سمعت عبد الرحمن قال: قال سفيان: يحيى بن سعيد يريد شقيقا عن عبد الله. قال أبو محمد: يعني أنه لا يرضى إلا برواية الحفاظ المتقنين) (١). وقال ابن أبي حاتم: (أخبرنا صالح، نا عليّ قال: سمعت يحيى وذُكر عنده شيءٌ يروى عن إسماعيل عن عامر: أن المغيرة بن شعبة لما شهد عليه الثلاثة، قال يحيى: ليس بصحيح) (٢). قال ابن أبي حاتم: (أخبرنا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي قال: سمعت يحيى سئل عن حديث عُرَيف بن درهم الجمال، فقال: روى حديثا منكرا عن جَبَلَةَ بن سُحَيْم عن ابن عمر قال: الجزور والبقرة عن سبعة. فتمنّع به ثم حدثنا به) (٣). وقال أبو حاتم عن عُريف هذا: (هو صالح الحديث لا بأس به، حدثنا أبو نعيم عنه) (٤)، وذكره البخاري في "التاريخ" (٥) ونقل كلام القطان ولم يعقب بشيء. وأما الإمام أحمد: فقد جاء عنه ما قد يدل على خلاف ما ذكره ابن رجب؛ من كونه صحّح أو قوّى بعض الأحاديث التي فيها غرابة، ومثاله: ما أخرجه في "المسند" (٦) من طريق بَقِية، ثنا بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي

стр. 1231

وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء. قال ابن عبد الهادي: (قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم. وقد احتج به الإمام أحمد أيضًا في رواية غير واحد من أصحابه، وتكلم فيه البيهقي وابن حزم وغيرهما بغير مستند قوي) (١). والجواب عن ذلك: أن ما نسبه ابن رجب حقّ، فحين تتأمل منهجه تجده أكثر تشددا في هذا الباب من علي بن المديني والبخاري وغيرهما، وخروج بعض الأمثلة عن منهجه العام لا ينافي ما تقدم. وأما أبو حاتم: فقد سأله ابنه (عن حديث رواه عمرو بن عاصم؛ عن همام وحماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أصبتُ حدا فأقِمه علي … فقال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد) (٢). وهذا الحديث خرجه الشيخان من طريق عمرو به (٣). وسأله (عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]

стр. 1232

قال: "يقوم الرجل في رشحه إلى أنصاف أذنيه". ورواه معاذ بن معاذ العَنْبَري، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، موقوف. قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال أبي: جميعا حافظين، ولا أعلم أحدا يسند سوى عيسى بن يونس، وموقوف أشبه) (١). والحديث خرّجه الشيخان من طريق عيسى بن يونس به (٢). وقال: (سمعت أبي وذكر حديثا رواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس؛ قال: جاءت أم سليم - وهي جدة إسحاق - إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؛ بأن زوجها جامعها، أتغتسل؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا وَجدت الماء فلتغتسل". وروى الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن جدته أم سليم؛ قالت: دخلت أم سليم على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله ﷺ ، فقالت له أم سليم: أرأيت إذا رأت المرأة … ؟ قال أبي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم سليم، مرسل. وعكرمة بن عمار، روى عن إسحاق، عن أنس: أن أم سليم … وحديث الأوزاعي أشبه مرسل من الموصل) (٣). قلت: رواية عمر بن يونس عن عكرمة، أخرجها مسلم في "صحيحه" (٤)، ولم أر من تابعه عليها، وذكر الدارقطني أن همامًا تابع

стр. 1233

الأوزاعي، ورجّح المرسل (١). قال: (وسألت أبي عن حديث رواه عفان، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي قال: "أكثر عذاب القبر من البول". قال أبي: هذا حديث باطل؛ يعني: مرفوع) (٢). قلت: قد سأل الترمذيُّ البخاريَّ عن حديث أبي عوانة هذا، فقال: (هذا حديث صحيح) (٣). قلت: أبو حاتم الرازي من أعلم الأمة بالعلل، والدليلُ أنه بيّن علل أحاديث خفيت علّتها عن شيوخه، وهو في نقده للرجال موصوف بالشدة، ومنهجه في الغرابة قريب من منهج شيخه الإمام أحمد. وأما أبو جعفر العقيلي: فقد قال: (وروى سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عَجْلان ويزيد بن الهَاد، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون بابا". ولم يتابعهم أحد ممن سَمَّيْنَا (٤) من الأثبات عليه، ولا تابع عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عليه أحد) (٥). قلت: الذين ذكرهم أبو جعفر هنا كلهم من الثقات المشاهير، سوى ابن عَجْلان فإن له بعض الأوهام والأخطاء، ومع ذلك يحتاجون إلى متابع عنده، فإنه أراد بقوله: (ولم يتابعهم أحد ممن سَمَّينَا من الأثبات عليه) أنه

стр. 1234

لا يقبل تفرد أمثال هؤلاء، وهذا بخلاف منهج الشيخين، فإنهما خرّجا هذا الحديث في "صحيحيهما" (١). ولهذا تجد أنه يُكثر في كتابه "الضعفاء" من جرح الراوي بقوله: (لا يتابع على حديثه)، أو (لا يتابع عليه). وأما أبو بكر البَرْدِيجي: فقد قال ابن رجب: (ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث وتعريفه، إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي الحافظ - وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في العلل -: أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا. ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدَّسْتَوائي بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ . وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق، فهو منكر … ثم قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ؛ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي، ينظر في الحديث: فإن كان الحديث يُحفظ من غير طريقهم عن النبي ﷺ ، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، لم يدفع. وإن كان لا يُعرف عن أحد عن النبي ﷺ ، ولا من طريقٍ عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرًا.

стр. 1235

وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ حديثًا، لا يصاب إلا عند الرجل الواحد، لم يضرَّه أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا. وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إني أصبت حدًّا فأقمه عليّ .. الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهْم من عمرو بن عاصم. ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. وهذا الحديث مخرّج في "الصحيحين" من هذا الوجه، وخرّج مسلم معناه أيضًا من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ ، فهذا شاهد لحديث أنس. ولعل أبا حاتم والبَرْدِيجي إنما أنكرا الحديث؛ لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد) (١). قلت: وكلامه هذا واضح في بيان منهجه فلا يحتاج إلى كبير تعليق. وأما أبو الفتح الأزدي: فيكثر من قوله: (منكر الحديث) في حكمه على الرواة، وقد يكون بعض هؤلاء من وثقه غير واحد من الأئمة، وبعضهم يكون فيه جهالة فيقول الأزدي: (منكر الحديث). ومما يستطرف في ذلك قوله في عبد الله بن أبي صالح: (ثقة، إلا أنه روى عن أبيه ما لم يتابع عليه) (٢). قلت: ومعنى قوله (ثقة) يعني في نفسه دون حديثه. وأما أحمد بن علي السُّلَيماني: فقد قال عن الزُّبَير بن بَكَّار - وهو ثقة مشهور -: (منكر الحديث) (٣).

стр. 1236

وقال عن محمد بن يحيى الكِنَاني أبو غسان المدني: (حديثه منكر). وقد قال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: شيخ (١). وكذلك المُخْتار بن فُلْفُل، فقد عدّه من رواة المناكير عن أنس مع أبان بن أبي عياش (٢)، وهو صدوق من رجال مسلم، وقد يكون له أوهام، ولكن لا يعد مع أبان الذي هو متروك. وقال عن إبراهيم بن طَهْمان: (أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير، عن جابر، في رفع اليدين. وحديثه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس "رفعت لي سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار") (٣). وحديث أن هذا علقه البخاري عن إبراهيم (٤). وإبراهيم ثقة مشهور، نعم له بعض الأوهام والغرائب (٥). قلت: ولا أعلم أحدا نص على منهجه في هذا الباب، ولكن تصرفاته تدل على ذلك كما في هذه الأمثلة. وبهذا ينتهي الحديث عن المنهج الثاني؛ منهجِ مَن يتشدَّد في الغرابة والتفرّد. المذهب الثالث: هو أن من الأئمة من يراعي الغرابة ويلتفت إليها، ولكن أحيانا لا يرد الخبر بها. مثل: يحيى بن معين، وأبي بكر ابن خزيمة، وأبي حاتم ابن حبان، ويلحق بهم أبو حفص ابن شاهين، وأبو عبد الله الحاكم.

стр. 1237

فأما ابن معين: قال علي بن الحسين بن حبان: (وجدت في كتاب أبي بخط يده: سئل أبو زكريا يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في الشفعة. قال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله. قلت له: تكلم شعبة فيه؟ قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخر مثل هذا لرميت بحديثه) (١). وقال ابن معين في عبد الله بن أبي صالح: ثقة. ونجد علي بن المديني قال عنه: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث (٢). وهذا مثال يوضح الفرق بين منهج ابن معين وأحمد في الغرابة: أخرج الخطيب بإسناده عن أبي الصلت الهروي، قال: (حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه". قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح. قال أبو بكر الخطيب الحافظ: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه. وقال أبو بكر المروذي: سئل أبو عبد الله عن أبي الصلت، فقال:

стр. 1238

روى أحاديث مناكير. قيل له: روى حديث مجاهد عن علي: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"؟ قال: ما سمعنا بهذا. قيل له: هذا الذي ينكر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به. روى عن عبد الرزاق واحدا (١) لا نعرفها ولم نسمعها. قيل لأبي عبد الله: قد كان عند عبد الرزاق من هذه الأحاديث الرديئة؟ قال: لم أسمع منها شيئا. وقال عمر بن الحسن بن علي بن مالك، عن أبيه: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: ثقة صدوق، إلا أنه يتشيع. وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: قد سمع، وما أعرفه بالكذب. قلت: فحديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس؟ فقال: ما سمعت به قط وما بلغني إلا عنه. وقال مرة أخرى: سمعت يحيى وذكر أبا الصلت الهروي، فقال: لم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب، وهذه الأحاديث التي يرويها ما نعرفها. وقال عبد الخالق بن منصور: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت، فقال: ما أعرفه. فقلت: إنه يروي حديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العالم وعلي بابها"؟ فقال: ما هذا الحديث بشيء. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: أحسب عبد الخالق سأل يحيى عن حال أبي الصلت قديما، ولم يكن يحيى إذ ذاك يعرفه، ثم عرفه بعد فأجاب إبراهيم بن الجنيد عن حاله. وأما حديث الأعمش، فإن أبا الصلت كان يرويه عنه، فأنكره أحمد

стр. 1239

ابن حنبل ويحيى بن معين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه فوجد غير أبي الصلت قد رواه عن أبي معاوية. وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يوثق أبا الصلت عبد السلام بن صالح، فقلت - أو قيل له -: إنه حدث عن أبي معاوية، عن الأعمش: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"؟ فقال: ما تريدون من هذا المسكين، أليس قد حدث به محمد بن جعفر الفَيْدي، عن أبي معاوية؟ هذا أو نحوه. وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: ليس ممن يكذب. فقيل له في حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"؟ فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نمير، قال: حدث به أبو معاوية قديما ثم كفَّ عنه. وكان أبو الصلت رجلا موسرا يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، وكانوا يحدثونه بها. وقال عبد المؤمن بن خلف النسفي: سألت أبا علي صالح بن محمد عن أبي الصلت الهروي، فقال: رأيت يحيى بن معين يحسن القول فيه، ورأيت يحيى بن معين عنده وسئل عن الحديث الذي روى عن أبي معاوية - حديث علي: "مدينة العلم" - فقال: رواه أيضًا الفيدي. قلت: ما اسمه؟ قال: محمد بن جعفر) (١). وابن خزيمة وابن حبان يلتفتان إلى الغرابة ولكنهما قد يتساهلان في الحكم، فيقبلان أحيانا ما كان منكرًا عند غيرهما.

стр. 1240

فأما ابن خزيمة: فهاك أمثلة تدل على منهجه في هذه المسألة: قال: (ثنا الحسن بن سعيد أبو محمد القَزَّاز الفارسي - سكن بغداد - بخبر غريب الإسناد، قال: ثنا غسان بن عبيد الموصلي، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبل صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غلول") (١). قال ابن عدي: (وهذا لا أعلم رفعه إلى النبي ﷺ غير غسان بن عبيد عن عكرمة بن عمار، وروي عن أبي حذيفة عن عكرمة مرفوعًا أيضًا، وغيرهما وقفوه على أبي هريرة، ولغسان بن عبيد غير ما ذكرت من الحديث، والضعفُ على حديثه بين) (٢). قلت: تبين أن في صحة هذا الحديث من هذا الوجه نظرًا، وكأن أبا بكر ابن خزيمة عندما لاحظ هذا، ساقه بعد حديث سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن ابن عمر الذي في مسلم (٣)، ثم ذكر بعد حديث غسان حديث كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا بنفس المتن. وقال ابن خزيمة: (ثنا علي بن الحسين الدِّرِهَمي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا معتمر، عن سفيان الثوري، عن مُحَارِب بن دِثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة إلا يوم فتح مكة فإنه شغل، فجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد. حدثنا أبو عمار، ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان، عن مُحَارِب بن دِثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.

стр. 1241

قال أبو بكر: لم يسند هذا الخبر عن الثوري أحد نعلمه غير المعتمر ووكيع. رواه أصحاب الثوري غيرهما، عن سفيان، عن مُحَارِب، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ . فإن كان المعتمر ووكيع مع جلالتهما حفظا هذا الإسناد واتصاله، فهو خبر غريب غريب) (١). قلت: رواية الدِّرْهَمي عن معتمر، تابعه عليها عمرو بن علي الفَلَّاسُ كما في "مسند الرُّوياني" (٢). قال عبد الله بن أحمد: (حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان في حديث محارب، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ ، يعني في يوم فتح مكة أنه صلى الصلوات بوضوء واحد. وقال وكيع: عن أبيه. فقال يحيى: هو مرسل) (٣). وكذلك قال أبو زرعة والترمذي والدارقطني (٤). والحديث مشهور من رواية علقمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، كما في "صحيح مسلم" (٥). وقال ابن خزيمة: (نا محمد بن الوليد بخبر غريب، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه - أو في وضوئه - حتى يغسلها؛ فإنه لا يدري أين أتت يده منه") (٦).

стр. 1242

قلت: الظاهر أن ابن خزيمة يريد بكونه غريبًا عن غُنْدر، لكن تابع ابنَ الوليد الإمامُ أحمد في "المسند" (١)، وأخرجه الدارقطني من طريق محمد بن الوليد به (٢)، وقال: (تابعه عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة). فكأنه يريد أن ينفي الغرابة. وقال ابن خزيمة: (نا محمد بن ميمون، أخبرنا يحيى، نا سفيان، عن معمر، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه في غسل واحد. قال أبو بكر: هذا خبر غريب، والمشهور: عن معمر، عن قتادة، عن أنس) (٣). ثم أتبعه برواية معمر عن قتادة (٤). قلت: محمد بن ميمون يروي عن ابن عيينة مباشرة، ولم يُذكر (يحيى) في "إتحاف المهرة" (٥)، وهو الصواب. ويريد بكونه غريبًا: عن معمر عن ثابت، وهو مشهور عن معمر عن قتادة، فالظاهر أن ابن عيينة أخطأ، لذا صوّب النسائي عن معمر عن قتادة لا عن ثابت (٦). وقال ابن خزيمة: (حدثنا بُنْدار، نا أبو بكر يعني الحنفي، نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن بلالا كان يقول أول ما أذّن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "قل كما أمرك عمر") (٧).

стр. 1243

قلت: هذا خبر منكر، ويظهر أن الحنفي قد تفرد به، وهذا مما يستدرك به على ابن خزيمة، لأنه خرّجه في "الصحيح". وقال ابن خزيمة: (نا علي بن حُجْر السعدي غير مرة، أخبرنا شريك، عن مُخوَّل بن راشد، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى﴾. نا بُنْدار، نا محمد، عن شعبة، عن مُخوَّل، عن مسلم البَطِين، ح وحدثنا الصنعاني، نا خالد يعني ابن الحارث، أنا شعبة، أخبرني مُخوَّل، قال: سمعت مسلما البَطِين، يحدث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وفي صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون. نا الفضل بن يعقوب الرُّخَامِي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾) (١). قلت: تابع الرُّخَامِيَ المقدامُ بن داود المصري (٢)، وإن كان لا يحتج به، لكنّ الرُّخَامِي ثقة مشهور، وهذه الغرابة عن حماد لا تقبل، والرواة عنه كثر، فلعل الحمل على أسد بن موسى، خاصة وأن له بعض الغرائب. وقال ابن خزيمة: (حدثنا محمد بن حسان الأَزْرق بخبر غريب غريب - إن كان حفظ اتصال الإسناد -، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال أنه قال للنبي ﷺ : لا تسبقني بآمين.

стр. 1244

قال أبو بكر: هكذا أملى علينا محمد بن حسان هذا الحديث من أصله … فقال: عن بلال، والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد: عن أبي عثمان أن بلالا قال للنبي ﷺ ) (١). وقال ابن خزيمة: (نا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحارث، عن محمد بن عَجْلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] قال: فهداهم الله للإسلام. قال أبو بكر: هذا حديث غريب أيضًا) (٢). قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عَجْلان) (٣). من خلال الأمثلة التي سبق ذكرها يتبين اهتمامه الكبير بمسألة الغرابة، وذلك أنه إذا وقف على الغرابة في الإسناد يبيّنها ولا يتركها، لكنه لا يجعلها علة يرد بها الخبر كأصحاب المذهب الأول، كما أنه ليس من أصحاب المذهب الثالث لأنه يلتفت إليها ويهتم بها، لكنه يقبلها وهو الأكثر، وأحيانا يميل إلى قبولها مع شيء من التردد، ويعلق ذلك بحفظ الراوي لهذا الوجه الغريب، وأحيانا يردها. وأما ابن حبان: فقد اهتم بهذه المسألة اهتماما بالغا، فتتبعها في ثلاثة مواضع: الأول: عند بيان حد الحديث الصحيح وما يضاده.

стр. 1245

والثاني: عند حكمه على الرواة. والثالث: عند حكمه على الحديث عمليًّا، ولكنه في الجانب العملي ليس مثل الجانب النظري، فإنه وإن كان نبه على بعض الأحاديث الغريبة التي خرجها في كتابه الصحيح المسمى "التقاسيم والأنواع" إلا أنه لم يعتبرها علة، كما أنه لم ينبه إلى كثير من الغرائب. ومن الأمثلة على ذلك: أول حديث في كتابه، خرّجه من طريق الأوزاعي، عن قُرَّة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أَقْطَع". فهذا حديث منكر؛ وذلك أن وصله غريب جدا، كما رواه الثقات المشاهير عن الزهري. قال أبو داود: (رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلا) (١). قال الدارقطني: (وهو الصواب) (٢). وخرّج من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سهم، عن أبي إسحاق الفَزَارِي، عن مالك بن أنس، عن سالم أبي النَّضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به وإما نهيت عنه، فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله ليس هذا فيه" (٣). قلت: وصلَه غريب عن مالك، وليس هو في "الموطأ"، وقد رواه ابن

стр. 1246

وهب - كما عند الحاكم - عن مالك، عن سالم، عن عبيد الله مرسلا (١). وقال الدارقطني: (رواه أبو إسحاق الفزاري، عن مالك، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه. ولم يأت به عنه غير ابن سهم، وغيره أثبت منه، وحديث ابن وهب أشهر وأثبت عن مالك) (٢). والمشهور في الموصول رواية ابن عيينة عن سالم به، رواه الحميدي وأبو داود والترمذي وصحّحه (٣)، وأخرجه أحمد من حديث ابن لَهيعة عن سالم به (٤). وقال ابن حبان: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بِبُسْتَ ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف بنيسابور، قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لتدخلُنّ الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كَشِرَادِ البعير". قالوا: يا رسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى") (٥). قلت: إسناده حسن إلى المسيب، ولكن لم يثبت له سماع من أبي سعيد، وهو غريب من حديث أبي سعيد، والمشهور حديث أبي هريرة كما عند البخاري (٦).

стр. 1247

وقال ابن حبان: (أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس السَّامِي، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة عن أنس: أن النبي ﷺ أُتي بالبراق ليلة أسري به مُسْرَجًا مُلْجَمًا ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال فَارْفَضَّ عَرَقًا) (١). قلت: هو حديث غريب، قال أبو عيسى الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق) (٢). أخرجه البزار (٣) عن الحسن بن الصباح ومحمد بن عبد الرحيم، عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر، عن سعيد، عن قتادة به. وقال: (وهذا الحديث إنما يرويه سعيد عن قتادة عن أنس عن مالك بن صَعصعة، وإسماعيل بن عمر عنده مختصر). وإسماعيل بن عمر قال ابن حجر: ثقة. فالله أعلم. وقال ابن حبان: (أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة، قال: حدثنا محمد بن سهل بن عَسْكَر، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار") (٤). ذكر ابن عدي في "الكامل" في ترجمة يحيى بن أيوب، أن هذا

стр. 1248

الحديث غير محفوظ، وأنه معروف بيحيى بن أيوب، يتفرد به عن ابن جريج (١). قلت: ورواه ابن وهب، عن ابن جريج فأرسله، أخرجه الحاكم (٢). وقال ابن حبان: (أخبرنا الفضل بن الحُباب الجُمَحي، حدثنا حفص بن عمر الحَوْضِي، حدثنا مُحرّر بن قَعْنَب الباهلي، حدثنا رِيَاح بن عبيدة، عن ذَكْوَان السَّمَّان، عن جابر بن عبد الله، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، فقال: "ناد في الناس: من قال: لا إله إلا إله دخل الجنة"، فخرج فلقيه عمر في الطريق، فقال: أين تريد؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ بكذا وكذا، قال: ارجع، فأبيت، فَلَهَزَني لَهْزَةً في صدري ألمُها، فرجعت ولم أجد بُدًّا، قال: يا رسول الله، بعثت هذا بكذا وكذا؟ قال: "نعم"، قال: يا رسول الله، إن الناس قد طمعوا وخشوا، فقال ﷺ : "اقعد") (٣). قلت: إسناده غريب، ورجاله ثقات عدا مُحرّر بن قَعْنَب، وهو ليس بالمشهور. والمشهور حديث عكرمة بن عمار، عن أبي كثير السُّحَيْمِي، عن أبي هريرة. كما أخرجه مسلم (٤)، وهذا أصح؛ لأنه يبعُد أن تتكرر هذه القصة مرتين. وقال ابن حبان: (أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب غريب، حدثنا أبو داود السِّنْجِي سليمان بن مَعْبَد، حدثنا ابن أبي مريم،

стр. 1249

حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: "الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون بابا، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان") (١). قلت: وجدت ابن لَهيعة تابع يحيى بن أيوب، عند ابن بطة (٢)، قَرَن بينهما: (يحيى بن أيوب وابن لَهيعة قالا: نا ابن الهاد)، ولكن يخشى أن يكون دلّسه، فإنه كان سيء التدليس، وهذا التصريح بالتحديث يحتمل أن يكون ليحيى وليس له، فإنه قُرن معه في الإسناد كما ترى. وقال ابن حبان: (أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي مَعْشَر بخبر غريب، قال: حدثنا محمد بن وهب بن أبي كَرِيمَة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: كنت مستترا بحجاب الكعبة، وفي المسجد رجل من ثقيف وَخَتَنَاهُ قرشيان، فقالوا: ترون أن الله يسمع حديثنا؟ … ) (٣). قلت: استغربه من أجل تفرد زيد بن أبي أُنَيسة بروايته عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق. والمشهور رواية الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود، كما أخرجه مسلم (٤). وقد يكون الخطأ من شيخ ابن حبان الحسين بن محمد، فإن ظاهر

стр. 1250

كلام ابن حبان يدل على أن الغرابة منه، وأنا أذهب إلى هذا، وأن الحسين هو الذي أتى بهذا الإسناد الغريب. ثم وقفت على ما أخرجه الطبراني في "الكبير" (١) عن أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني وأبو عقيل أنس بن سلم الخولاني، قالا: ثنا أبو المعافى محمد بن وهب به. وقال ابن حبان: (أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بخبر غريب، قال: حدثنا قَطَنُ بن نُسَيْر الصيرفي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "يسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع") (٢). قلت: رواه أبو عيسى الترمذي من طريق أبي داود، عن قَطَنبه، ثم قال: (هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن النبي ﷺ ، ولم يذكروا فيه عن أنس. حدثنا صالح بن عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، أن رسول الله ﷺ قال: "ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شِسْع نعله إذا انقطع"، وهذا أصح من حديث قَطَن، عن جعفر بن سليمان) (٣). وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٤) من طريق القواريري، حدثنا جعفر، عن ثابت، عن النبي ﷺ نحوه، ثم قال: (فقال رجل للقواريري: إن لي شيخا يحدث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس؟ فقال القواريري: باطل. وهذا كما قال).

стр. 1251

وقال ابن حبان: (أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد الدَّغُولِي بخبر غريب من كتابه، قال: حدثنا محمد بن داود بن دينار الكِرْماني، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، قال: حدثنا مالك بن أنس وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عُرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، ولم أحتلم، فلم يقْبلني، ثم عُرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني) (١). قلت: وجه الغرابة كونه من طريق مالك، وهو منكر عن مالك، فأين أصحابه عن هذا الحديث!؟ والمشهور أنه من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع به، أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقال ابن حبان: (أخبرنا الفضل بن الحُبَابِ الجُمَحِي بالبصرة، حدثنا القَعْنَبي، حدثا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وآمنوا بي وبما جئت به، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله". تفرد به الدَّرَاوَرْدِي) (٣). قلت: أخرجه مسلم (٤) من حديث روح بن القاسم والدراوردي، كلاهما عن العلاء به. وقال ابن حبان: (أخبرنا ابن قتيبة، حدثنا غالب بن وزير الغَزِّي،

стр. 1252

حدثنا وكيع، قال: حدثني الأعمش، عن المَعْرُور بن سُوَيد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "تعبد عابد من بني إسرائيل، فعبد الله في صومعته، ستين عاما، فأمطرت الأرض، فاخضرت، فأشرف الراهب من صومعته، فقال: لو نزلت فذكرت الله لازددت خيرا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض لقيته امرأة، فلم يزل يكلمها وتكلمه حتى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحم، فجاءه سائل، فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين أو الرغيف، ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزنية، فرجحت الزنية بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته، فرجحت حسناته فغفر له". قال أبو حاتم: سمع هذا الخبر غالب بن وزير عن وكيع ببيت المقدس، ولم يحدث به بالعراق، وهذا مما تفرد به أهل فلسطين عن وكيع) (١). قلت: هذا حديث منكر، ويظهر أن غالب تفرد به عن وكيع (٢). فيلاحظ عليه - كما مر في الأمثلة - أنه قد اعتنى بهذا الأمر اعتناء بالغا. وكذلك في حكمه على الرجال الثقات: فقال في "المشاهير": (حُصَيْن بن نُمَير أبو عمر، من الأثبات في الروايات، وكان يغرب) (٣). وقال عن علي بن المبارك: (من المتقنين وأهل الفضل في الدين، ممن يغرّب فيجود) (٤).

стр. 1253

وقال عن عبيد الله بن شَوْذَب: (كان متيقظا، يغرب) (١). وقال في "الثقات" عن عبيد الله الأشجعي: (يغرب ويتفرد) (٢). وقال عن حمدان بن ذي النون: (مستقيم الحديث، يغرب) (٣). وقال عن داود بن حماد الجَرْمي: (وكان صاحب حديث حافظا، يغرب) (٤). وقال عن سفيان بن مِسْكِين: (تفقدت حديثه على أن أرى فيه شيئًا يغرب، فلم أره إلا مستقيم الحديث) (٥). وقال عن إبراهيم بن الأَشْعث البخاري: (يغرب ويتفرد، ويخطئ ويخالف) (٦). وقد لاحظ هذا أيضًا على الرواة الضعفاء، فكثيرا ما يقول: (لا يقبل إذا انفرد). قال عن إبراهيم بن مُهاجِر: (كثير الخطأ، تستحب مجانبة ما انفرد من الروايات، ولا يعجبني الاحتجاج بما وافق الأثبات؛ لكثرة ما يأتي من المقلوبات) (٧). وقال عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي: (كان ممن يخطئ، حتى خرخ عن حد الاحتجاج به إذا انفرد) (٨). وقال عن إبراهيم بن علي الرافعي: (كان يخطئ، حتى خرج عن حد

стр. 1254

من يحتج به إذا انفرد) (١). وقال عن إبراهيم بن عمر بن أبان: (ليس ممن يحتج بخبره إذا انفرد) (٢). وقال عن عطاء الجمَّال: (يروي عن علي ما لا يتابع عليه، وليس من العدالة بالمحل الذي يعتمد عليه عند الانفراد) (٣). وقال في مقدمة "المجروحين": (فمن لم يحفظ سنن النبي ﷺ ، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثقات من المحدثين ولا الضعفاء من المتروكين، ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته … ) (٤). وقال في مقدمة "الصحيح": (وإني أمثِّل للاعتبار مثالا يُستدرك به ما وراءه: وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرا عن "أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ " لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه، والاعتبار بما روى غيره من أقرانه، فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر: هل رواه أصحاب حماد عنه، أو رجل واحد منهم وحده؟ فإن وجد أصحابه قد رووه، علم أن هذا قد حدث به حماد، وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه، ألزق ذلك بذلك الراوي دونه، فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه، يجب أن يتوقف فيه، ولا يلزق به الوهن، بل ينظر: هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد ذلك، عُلم أن الخبر له أصل يرجع إليه، وإن لم يوجد ما وصفنا، نُظر حينئذ: هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟ فإن وجد ذلك، علم أن الخبر له

стр. 1255

أصل، وإن لم يوجد ما قلنا، نُظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟ فإن وجد ذلك، صحَّ أن الخبر له أصل، ومتى عدم ذلك، والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة، عُلم أن الخبر موضوع لا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه) (١). ولكن عند التطبيق كأنه لم يلتزم ما نظّر له، بل تساهل في بعض ما خرّج من الغرائب، حتى صحّح أحاديثَ منكرة إسنادًا ومتنًا كما تقدم، وليست بكثيرة بالنسبة لسائر الأحاديث التي خرجها في كتابه "التقاسيم والأنواع". ويلحق بهما يحيى بن محمد بن صاعد (٢). وأما أبو عبد الله الحاكم: ففي كتابه "المستدرك" في أحيانٍ كثيرة لا يلتفت إلى الغرابة والتفرد، وأحيانا يلتفت ولكنه لا يجعلها علة. ولقد خرّج من طريق حبيب بن الشهيد، ثنا حميد بن هلال، ثنا هِصَّان بن كاهِل - وفي حديث ابن أبي عدي كاهِن - قال: جلست مجلسا فيه عبد الرحمن بن سَمُرة ولا أعرفه، فقال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﵌: "ما على الأرض نفس تموت لا تشرك بالله شيئًا، تشهد أني رسول الله، يرجع ذلك إلى قلب موقن، إلا غفر الله لها". قال: فقلت: أأنت سمعت من معاذ، فعنّفني القوم، فقال: دعوه فإنه لم يُسِئِ القول، نعم، أنا سمعته من معاذ بن جبل، وزعم معاذ أنه سمعه من رسول الله ﷺ . قال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وقد تداوله الثقات، ولم يخرجاه

стр. 1256

جميعًا بهذا اللفظ، والذي عندي - والله أعلم - أنهما أهملاه لهِصَّان بن كاهِل، ويقال: ابن كاهِن، فإن المعروف بالرواية عنه حميد بن هلال العدوي فقط، وقد ذكر ابن أبي حاتم، أنه روى عنه قُرَّة بن خالد أيضًا، وقد أخرجا جميعًا عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد، فيلزمهما بذلك إخراج مثله، والله أعلم) (١). وخرّج من طريق محمد بن سابق، ثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء". قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بهؤلاء الرواة عن آخرهم، ثم لم يخرّجاه، وأكثر ما يمكن أن يقال فيه: أنه لا يوجد عند أصحاب الأعمش، وإسرائيل بن يونس السبيعي كبيرهم وسيدهم، وقد شارك الأعمش في جماعة من شيوخه، فلا ينكر له التفرد عنه بهذا الحديث) (٢). وقد قال الترمذي - وقد خرجه من طريق ابن سابق -: (هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن عبد الله من غير هذا الوجه) (٣). ومثل الحاكم ابن شاهين (٤)، ولا يخفى أنهما من الحفاظ الكبار، فهما منتبهان للغرابة - مع تساهل عند الحاكم -، ولكنهما عند الحكم يتساهلان في قبول هذه الغرائب. المذهب الرابع: وهو منهج الذين لا يلتفتون إلى الغرابة أو التفرد،

стр. 1257

حيث إنهم لا يرونها علة، بل قد يعيبون في بعض الأحيان من يعل الحديث بها (١). قال القاضي أبو يعلى: (ومعنى قول أحمد: ضعيف: على طريقة أصحاب الحديث؛ لأنهم يضعفون بما لا يوجب تضعيفه عند الفقهاء؛ كالإرسال، والتدليس، والتفرد بزيادة في حديث لم يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده) (٢). ومثله عند ابن عقيل في "الواضح في أصول الفقه" (٣). وقال ابن دقيق العيد في تعريف الحديث الصحيح: (ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين: على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرر من الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا. وزاد أصحاب الحديث: أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء؛ فإن كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء. وبمقتضى ذلك حُدَّ الحديث الصحيح بأنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده، بنقل العدل الضابط عن العدد الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا. ولو قيل في هذا: الحديث الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا .. إلى آخره، لكان حسنًا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعًا مانعًا) (٤).

стр. 1258

وسار على هذا جمعٌ من المحدثين ممن تأخر: منهم: أبو جعفر ابن جرير الطبري، كما في كتابه "تهذيب الآثار"، قال: (وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما غير صحيح، وذلك أنه خبر لا يعرف له مخرج عن علي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه) (١). والأمثلة على ذلك كثيرة في كتابه "تهذيب الآثار". وكذلك أبو محمد بن حزم (٢)، وابن القطان الفاسي، وغيرهم. معنى قولِ أحمدَ: ضعيفٌ، على طريقةِ أصحابِ الحديث، وقولُه: والعملُ عليه. كلامُ فقيهٍ يُعَوِّلُ على ما يقوله الفقهاءُ من إلغاءِ التضعيفِ من المحدّثين؛ لأنَّهم يُضعِّفونَ. مما لا يوجبُ ضعفًا عند الفقهاءِ؛ كالإرسالِ والتدليسِ والتفرّدِ بالروايةِ، وهذا موجودٌ في كتبهم، يقولون: وهذا الحديث تفرَّدَ به فلانٌ وحده. والمنهج الذي سار عليه علي بن المديني والبخاري ومن وافقهما هو أقرب المناهج، والله أعلم. * * *

стр. 1259

الفصل الحادي والعشرين: اختلاف منهج المحدثين في الغرابة من أسباب اختلافهم في الحكم على الراوي قلت: وإن من أوضح ما يبين هذه المسألة ما تقدم في اختلاف الحكم على عبد الملك بن أبي سليمان: قال يحيى بن معين: حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقد أنكره عليه الناس، ولكن عبد الملك ثقة صدوق لا يُرد على مثله. وأما أحمد فقال: حديث منكر (١). ومما يوضح أيضًا هذه المسألة، الاختلاف في عبد الله بن أبي صالح: فيحيى بن معين قال عنه: ثقة. ومعنى هذا أن حديثه صحيح عنده، وهو لم يرو إلا حديثًا واحدًا. وأما علي بن المديني فقال: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث (٢). فهذا مرجعه إلى اختلاف منهجهم في الغرابة. والله أعلم. * * *

стр. 1260

فصل: مصطلح "أصح ما في الباب" استعمل الترمذي في هذا المعنى ألفاظًا مختلفة: من الألفاظ التي استعملها أبو عيسى في "الجامع". ١ - قوله: (أحسن شيء في الباب وأصح). ومثاله: ما أخرجه من حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ : "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا" الحديث. قال أبو عيسى: (وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي، ومعقل بن أبي الهيثم - ويقال: معقل بن أبي معقل -، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف. حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح) (١). وأخرج أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم. قال أبو عيسى: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن حديدة، وأم سلمة. حديث أبي هريرة حديث حسن.

стр. 1261

وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: حديث أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، أحسن شيء في هذا الباب وأصح) (١). ٢ - قوله: (هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن). ومثاله: ما أخرجه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول". قال أبو عيسى: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وفي الباب عن أبي المليح عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس) (٢). وأخرج أيضًا حديث علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". قال أبو عيسى: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وفي الباب عن جابر، وأبي سعيد) (٣). ثم أخرج حديث أبي سعيد في أبواب الصلاة، وقال: (وفي الباب عن علي، وعائشة. وحديث علي بن أبي طالب أجود إسنادا وأصح من حديث أبي سعيد، وقد كتبناه في أول كتاب الوضوء) (٤). ٣ - قوله: (أصح شيء في الباب). مثاله: ما أخرجه من حديث ابن مسعود ﵁ في التشهد، وقال: (وفي الباب عن ابن عمر، وجابر، وأبي موسى، وعائشة.

стр. 1262

حديث ابن مسعود قد روي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث عن النبي ﷺ في التشهد) (١). ٤ - قوله: (أحسن شيء روي في الباب). ومثاله: ما أخرجه من حديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كبّر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة. قال أبو عيسى: (وفي الباب عن عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو. حديث جد كثير حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ ) (٢). ويأتي هذا المصطلح عند الترمذي على ضربين: الضرب الأول: عندما يحكم على الحديث الذي يذكره في الباب بالصحة أو بالضعف، ثم يقوله: (هذا أصح شيء في هذا الباب). فإن كان حكم على الحديث بالصحة فعندئذ يكون معنى العبارة: أنّ هذا الحديث صحيح، وهو أصح شيء في الأحاديث التي وردت في هذا الباب. ومثاله: ما جاء في (باب ما يقول إذا دخل الخلاء) (٣)، وساق الترمذي بإسناده من حديث أنس: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبيث، أو: الخبث والخبائث".

стр. 1263

قال الترمذي: (وفي الباب عن علي، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود. حديث أن أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب). ثم ساق حديث أنس من طريق آخر، وقال: (هذا حديث حسن صحيح) (١). قلت: وفي هذا فائدة مهمة - بالإضافة إلى صحته - أنه أصح شيء في هذا الباب، ويؤيد هذا أنّ الشيخين خرّجاه (٢). وأما إذا حكم على الحديث بالضعف، فيكون معنى العبارة: أن جميع الأحاديث ضعيفة، لكنّ أقوها هذا الحديث. ومثاله: ما جاء في (باب في التسمية عند الوضوء) (٣)، وساق بإسناده من حديث رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٤). ثم قال: (وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وأنس. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد. قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن). قلت: بناء على هذا فجميع أحاديث الباب لا يصح منها شيء، وأقوى شيء في الباب حديث رباح، وهو أيضًا لا يصح.

стр. 1264

الضرب الثاني: عندما يستعمل هذه العبارة ولا يحكم على الحديث بحكم معين من الصحة أو الضعف، فيكون حكم هذا الحديث محتملا التصحيحَ والتضعيف، ولكنه يكون أقوى أحاديث الباب. فقد تكون أحاديث الباب ضعيفة، ومنها هذا الحديث، وقد يكون فيها ما هو ثابت؛ فيكون حديث الباب أصح هذه الأحاديث. ومن ذلك: ما جاء في (باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول)، قال الترمذي: (حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول … ") الحديث (١). قلتُ: وهو حديث صحيح، أخرجه الشيخان (٢). ثم قال الترمذي: (وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، ومعقل بن أبي الهيثم، ويقال: معقل بن أبي معقل، وأبي أمامة، وأبي هريرة، وسهل بن حنيف. قال أبو عيسى: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح). قلتُ: وبعض هذه الأحاديث لا يثبت إسناده، ولكنّ حديث أبي أيوب أصح هذه الأحاديث، وقد تقدم أن الشيخين خرّجاه. كيف يُعرف حكم الترمذي على الحديث إذا لم ينص على حكمه؟ أقول - وبالله تعالى التوفيق -:

стр. 1265

إذا قال الترمذي: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن) وما في معناها من العبارات المتقدمة، فهنا احتمالان: الأول: أن تكون الأحاديث التي وردت في الباب منها الصحيح عند الترمذي أو غيره من الحفاظ، ومنها ما دون ذلك؛ وعلى هذا يُعرف أن هذا الحديث صحيح. وخلافه أن تكون كلّ الأحاديث التي وردت في هذا الباب ضعيفة، وبالتالي يكون هذا الحديث ضعيفًا عند الترمذي، ولكنّه الأقوى. والاحتمال الثاني: أن تكون الأحاديثُ مختلفًا فيها من حيث الصحة والضعف، أو تكون صحتها غيرَ ظاهرة، أو يكون ضعفها كذلك غير ظاهر، وفي هذه الحالة يعسر معرفة مراد الترمذي، ولكن قد يُعرف بأمور أخرى خارجية، منها: ١ - تتبّع أحكامه على هذه السلسلة التي جاء بها هذا الحديث في كتابه "الجامع". ٢ - تتبع كلام الحفاظ على حديث الباب؛ لأن كلامهم في الغالب متفق، فالحديث الصحيح الذي تتبين صحَّته يتفقون على صحته غالبًا، كما يتفقون على ضعف الحديث الذي يتبين ضعفه، إنما يحدث الخلاف غالبًا في الحديث الذي لا تكون صحتُه بينة، فعندئذ تختلف فيه الأنظار، أو الحديث الذي تكون فيه علّة، قد يراها بعضهم كذلك ولا يراها غيرهم. * * * ومما قاله الترمذي في هذا المعنى: (أشهر حديث في الباب). فقد أخرج حديث أبي سعيد ﵁ في استفتاح الصلاة، ثم قال: (وفي الباب عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وجابر، وجبير بن مطعم، وابن عمر.
следующие страницы →