← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

٩ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع الزُّرَقِي، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فقال: "من المتكلم في الصلاة؟ "، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: "من المتكلم في الصلاة؟ "، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: "من المتكلم في الصلاة؟ "، فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: "كيف قلت؟ "، قال: قلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا، أيهم يصعد بها". وفي الباب عن أنس، ووائل بن حُجْر، وعامر بن ربيعة. قال أبو عيسى: حديث رفاعة حديث حسن. وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع؛ لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا بأكثر من ذلك) (١). قلت: أخرجه البخاري (٢)، وكأن المصنف توقف في تصحيحه؛ لأنه لا يرى للشخص العاطس في الصلاة أن يزيد عن الحمد، وفي هذا الحديث زيادة على الحمد، ولذا حمله على التطوع. ١٠ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن مرزوق البصري، قال: حدثنا

стр. 1192

محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس، قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير. قال الأنصاري: يعني مما يلي من أموره. هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري. حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، نحوه، ولم يذكر فيه قول الأنصاري) (١). قلت: أخرجه البخاري (٢). وقد أخرج المصنف بهذه السلسلة حديث: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. وقال: (حديث أنس حديث حسن صحيح غريب) (٣). وقال في موضع آخر: (محمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، وأبو ثقة) (٤). ولعل عدم تصحيح المصنف له أنه استغربه، فقال: (لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري). وذكر العقيلي عبد الله بن المثنى الأنصاري - والد محمد - في "الضعفاء" (٥)، وقال: (لا يتابع على أكثر حديثه)، وأخرج هذا الحديث في ترجمته. ١١ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن دُرُسْتَ، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الناس يَتَحَرَّوْن

стр. 1193

بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمع صَوَاحِبَاتي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة إن الناس يَتَحَرَّوْن بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريد عائشة، فقُولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس يهدون إليه أينما كان، فذكرتْ ذلك أم سلمة، فأعرض عنها، ثم عاد إليها فأعادت الكلام، فقالت: يا رسول الله، إن صوَاحِبَاتي قد ذكرن أن الناس يَتَحَرَّوْن بهداياهم يوم عائشة، فَأْمُرِ الناس يهدون أينما كنت. فلما كانت الثالثة قالت ذلك. قال: "يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه ما أُنزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". وقد روى بعضهم هذا الحديث عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا. هذا حديث حسن غريب. وقد روي عن هشام بن عروة هذا الحديث، عن عوف بن الحارث، عن رُمَيْثَةَ، عن أم سلمة، شيءٌ من هذا. وهذا حديث قد روي عن هشام بن عروة فيه روايات مختلفة. وقد روى سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، نحو حديث حماد بن زيد) (١). قلت: أخرجه البخاري من طريق سليمان بن حرب وعبد الله بن عبد الوهاب الحَجَبي، عن حماد بن زيد به، الأول مختصر والثاني مطول (٢). وعدم تصحيحه له لما ذكره من الإختلاف الذي وقع فيه، وكونه جاء

стр. 1194

مرسلًا أيضًا، وهذا من احتياطه، وإلا فإن الحديث صحيح، خاصّةً وقد تابعه سليمان بن بلال كما ذكره الترمذي، وقد أخرجه البخاري (١). وأما كونه جاء عن حماد مرسلا، فقد رواه جمعٌ عنه موصولا (٢). وأما أوّل الحديث (كان الناس يتحرون بهداياهم … ) فهذا وإن كان من كلام عروة، ولكن جزما أنه أخذه من عائشة بدليل: (قالت: فاجتمعت صواحباتي)، فهذا مبني على الذي تقدم. وأما الإختلاف الذي وقع على هشام فإنه لا يضر (٣). ١٢ - وقال: (حدثنا محمد بن سهل بن عَسْكَر البغدادي وإبراهيم بن يعقوب، قالا: حدثنا علي بن عيّاش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلّت له الشفاعة يوم القيامة". قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن، غريب من حديث محمد بن المُنْكَدِر، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة) (٤). قلت: هذا الحديث تفرّد به شعيب، وعنه علي بن عيّاش، ورجاله كلهم من الثقات المشهورين، ولذا خرّجه البخاري في "صحيحه" (٥) عن علي بن عيّاش به.

стр. 1195

وفي رواية شعيب عن ابن المُنْكَدِر بعض الكلام، شرحناه في موضع آخر (١)، ولأجل غرابته توقف أبو عيسى في تصحيحه (٢). ١٣ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زادُ إخوانكم من الجن". وفي الباب عن أبي هريرة، وسلمان، وجابر، وابن عمر. قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله، وقال الشعبي: إن النبي ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن". وكأن رواية إسماعيل أصحّ من رواية حفص بن غياث. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. وفي الباب عن جابر، وابن عمر) (٣). وأخرج رواية إسماعيل بن إبراهيم في موضع آخر، وقال: (حسن صحيح) (٤). قلت: هذا الحديث قد خرجه مسلم في "صحيحه" (٥)، وذكر

стр. 1196

الإختلاف الذي وقع فيه، وكأنه يعلّ أيضًا هذه الزيادة (١)، وهذه الزيادة صحيحةٌ جاءت من حديث أبي هريرة في البخاري (٢)، بل وجاءت من حديث عبد الله بن مسعود من وجه آخر من غير طريق الشعبي (٣)، لكن المقصود هنا طريق الشعبي. ١٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : "ناوليني الخمرة من المسجد"، قالت: قلت: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست في يدك". وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن) (٤). قلت: حسّنه، وقد أخرجه مسلم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش به، وأخرجه من طرق أخرى عن ثابت بن عبيد به (٥)، وأخرجه من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة (٦). وقع في بعض النسخ: (حسن صحيح) (٧)، ولكن الذي في "التحفة" (٨) وأكثر النسخ التي وقفتُ عليها: حسن فقط.

стр. 1197

١٥ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرني سماك بن حرب، سمع جابر بن سمرة، يقول: كان مؤذن رسول الله ﷺ يمهل فلا يقيم، حتى إذا رأى رسول الله ﷺ قد خرج أقام الصلاة حين يراه. قال أبو عيسى: حديث جابر بن سمرة حديث حسن، وحديث سماك لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). قلت: قد أخرجه مسلم من حديث زهير عن سماك به بنحوه (٢). وكأنه لم يصححه من أجل غرابته. ١٦ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع طاووسا، يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: هي السّنة، فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل، قال: بل هي سنة نبيكم ﷺ . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي ﷺ ، لا يرون بالإقعاء بأسا، وهو قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم، وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين) (٣). قلت: هذا الحديث قد أخرجه مسلم (٤). وكأنه لم يصححه لأن أكثر أهل العلم - كما نقل - يكرهون الإقعاء بين السجدتين.

стр. 1198

١٧ - وقال الترمذي: (حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ صلى على حصير. وفي الباب عن أنس، والمغيرة بن شعبة. قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد حديث حسن) (١). قلت: هذا الحديث قد أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق عيسى بن يونس به (٢)، ومن طرق أخرى عن الأعمش (٣). قلت: لعله حسّنه من أجل ما قيل: إن رواية أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة (٤). ١٨ - وقال الترمذي: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". وفي الباب عن ابن بُحَينة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سَرْجِس، وابن عباس، وأنس. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن. وهكذا روى أيوب، وورقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جُحَادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .

стр. 1199

وروى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ولم يرفعاه. والحديث المرفوع أصح عندنا) (١). قلت: هذا الحديث صحيح وقد أخرجه مسلم (٢)، وإنما توقف المصنف فيه للاختلاف في رفعه ووقفه، مع أنه رجّح الرفع. ولا شك أن رفعه صحيح، وهذا ما صرح به المصنف فقال: (والحديث المرفوع أصح عندنا)، ومع ذلك احتاط فحسّنه ولم يصحّحه. قال أبو نعيم: (صحيح مشهور من حديث عمرو، رواه الجمّ الغفير عنه) (٣). ١٩ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مَرْحُوم بن عبد العزيز العَطَّار، قال: حدثنا أبو نَعَامَة، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج معاوية إلى المسجد فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل حديثا عنه مني، إن رسول الله ﷺ خرج على حَلْقَة من أصحابه فقال: "ما يجلسكم؟ " قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومَنَّ علينا به. فقال: "آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ " قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: "أما إني لم أستحلفكم لتهمة لكم، إنه أتاني جبريل وأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة".

стр. 1200

هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) (١). قلت: إسناد صحيح، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن مرحوم به (٢). ولعل توقّف المصنف في تصحيحه من أجل غرابته، وهذا من احتياطه. وأخرج المصنف بهذا الإسناد عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ : "إن ربكم ليس بأصم ولا غائب … " الحديث بالقصة المعروفة، وقال: (حسن صحيح) (٣)، وفي "التحفة" (٤): (حسن) فحسب. وأخرجه البخاري ومسلم من طرق عن أبي عثمان النهدي به (٥). ٢٠ - وقال الترمذي: (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي الكوفي، قال: حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا عمرو بن قيس المُلَائّي، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كَعْب بن عُجْرة، عن النبي ﷺ قال: "مُعَقِّبات لا يَخِيب قائلهن، يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين". هذا حديث حسن، وعمرو بن قيس المُلَائي ثقة حافظ. وروى شعبة، هذا الحديث عن الحكم ولم يرفعه، ورواه منصور بن المعتمر عن الحكم ورفعه) (٦).

стр. 1201

قلت: هذا الحديث قد خرجه مسلم (١) من طريق أسباط بن محمد به، وأخرجه أيضًا من طريق مالك بن مغول وحمزة الزيات، كلاهما عن الحكم به. ولعله لم يصححه من أجل أن شعبة لم يرفعه، ورفعه منصور وهو إمام، ولكن اختلف عليه أخرجه النسائي عن قتيبة بن سعيد عن أبي الأحوص عن منصور به موقوفا (٢). قال الدارقُطني: (أخرج مسلم من حديث الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب، مرفوعا: "معقبات لا يخيب قائلهن"، من حديث مالك بن مغول، وعَمرو بن قيس، وحمزة الزيات. قال: وقد تابعهم زيد بن أبي أنيسة وليث بن أبي سليم وابن أبي ليلى وقبيصة، عن الثوري، عن منصور. وخالفهم منصور؛ من رواية أبي الأحوص وجرير، عن منصور، عن الحكم، فروياه موقوفا. وكذلك رواه شعبة، عن الحكم، إلا من رواية جعفر الصائغ، عن عبدان، عنه. والصواب، والله أعلم، الموقوف، لأن الذين رفعوه شيوخ لا يقاومون منصورا، وشعبة، والله أعلم) (٣). وذكره البخاري في "الأدب المفرد" (٤) وقال: (رفعه أبن أبي أنيسة، وعمرو بن قيس). وصحّحه أبو نعيم (٥).

стр. 1202

قلت: رفعُه قوي، وإذا قيل بوقفه فله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وتوقف الترمذي في تصحيحه احتياطٌ منه. ٢١ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى وغير واحد، قالوا: أخبرنا عمر بن يونس، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة، قال: سألت عائشة، بأي شيء كان النبي ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته، فقال: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك على صراط مستقيم". هذا حديث حسن غريب) (١). قلت: لعله لم يصححه من أجل أن بعض الحفاظ تكلم في رواية عكرمة بن عمار عن يحيى، وقد أخرجه مسلم من هذا الطريق (٢). ٢٢ - وقال الترمذي: (حدثنا سُوَيد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا سافر فركب راحلته كبر ثلاثًا، وقال: " ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، ثم يقول: "اللهم إني أسألك في سفري هذا من البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا المسير، واطو عنّا بعد الأرض، اللهم أنت

стр. 1203

الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا". وكان يقول إذا رجع إلى أهله: "آيبون إن شاء الله تائبون، عابدون لربنا حامدون". هذا حديث حسن) (١). هذا الحديث قد أخرجه مسلم (٢). وقد وقع في بعض نسخ الترمذي: (حسن غريب من هذا الوجه) (٣)، فلعله لذلك توقف في صحته. وحماد بن سلمة ليس مقدما في أبي الزبير. قد تكون الغرابة من جهة تفرد البارقي عن ابن عمر، قال ابن عدي: (ليس له كثير حديث) (٤). وروى المصنف للبارقي حديثا آخر عن ابن عمر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٥)، وذكر الإختلاف في رفعه ووقفه، وفي لفظه. ٢٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري، قال: حدثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا رأى الريح قال: "اللهم إني أسألك من

стр. 1204

خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به". وفي الباب عن أبي بن كعب. هذا حديث حسن) (١). أخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن ابن جريج به (٢). ولا أدري لماذا لم يصححه؟ ٢٤ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن محمد بن قيس قاصِّ عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمَة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم". هذا حديث حسن غريب. وقد روي هذا عن محمد بن كعب، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ نحوه. حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرِّجال، عن عمر مولى غُفْرة، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ نحوه) (٣). أخرجه مسلم بنفس الإسناد (٤). ولعلّ سبب عدم تصحيحه له أنه استغربه. ٢٥ - وقال ﵀: (حدثنا نصر بن علي الجَهْضَمِي، قال: حدثنا يزيد

стр. 1205

بن زُرَيع، قال: حدثنا خالد الحَذَّاء، عن أبي مَعْشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "لِيَلِيَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهَيْشَات الأسواق". وفي الباب عن أبي بن كعب، وأبي مسعود، وأبي سعيد، والبراء، وأنس. قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن غريب، وروي عن النبي ﷺ : أنه كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا عنه) (١). قلت: أخرجه مسلم (٢)، ولكن ذكر أبو الفضل ابن الشهيد بإسناده عن الإمام أحمد أنه قال: (هذا حديث منكر). قال أبو الفضل: (قلت: وإنما أنكره أحمد بن حنبل من هذا الطريق، فأما حديث أبي مسعود الأنصاري فهو صحيح) (٣). قلت: وهو ما أشار إليه المصنف بقوله غريب. ٢٦ - وقال: (حدثنا محمود بن غَيْلان، ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليه. قال: وفي الباب عن عبد الله بن الزبير، ونُمَير الخُزَاعي، وأبي هريرة، وأبي حميد، ووائل بن حُجْر.

стр. 1206

قال أبو عيسى: حديث أبن عمر حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث عبيد الله بن عمر إلا من هذا الوجه) (١). قلت: أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق به (٢)، وكأن المصنف توقف في تصحيحه من أجل غرابته من هذا الوجه خاصة، أي طريق عبيد الله، وقد أخرجه مسلم أيضًا من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع به. ومن حديث مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المُعاوي، عن ابن عمر به (٣). * * * النوع الثاني: ما توقف الترمذي في تصحيحه - وظاهره الصحة - مما ليس في "الصحيحين" ولا في أحدهما: ١ - قال الترمذي: (حدثنا محمود بن غَيْلان وأبو عمار، قالا: حدثنا أبو أحمد الزُّبَيري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرا، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وابن عباس، وحفصة، وعائشة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن، ولا نعرفه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، إلا من حديث أبي أحمد. والمعروف عند الناس حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، وقد روي عن أبي أحمد، عن إسرائيل، هذا الحديث أيضًا.

стр. 1207

وأبو أحمد الزُّبَيري ثقة حافظ. قال: سمعت بُنْدارا، يقول: ما رأيت أحدا أحسن حفظا من أبي أحمد الزُّبَيري، وأبو أحمد اسمه: محمد بن عبد الله بن الزُّبير الأسدي الكوفي) (١). قلت: إنما توقف أبو عيسى في تصحيحه من أجل أنه حديث فرد من هذا الوجه، فلم يروه عن الثوري إلا أبو أحمد الزُّبَيري، والمعروف: حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، كما ذكر أبو عيسى. والحديث فيه علة من حيث الإسناد والمتن، أما الإسناد: فقد رواه عمار بن رُزَيق عند النسائي (٢) عن أبي إسحاق، فقال: (عن إبراهيم بن مُهَاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر). وابراهيم ليس بالقوي. وأما المتن فقد جاء في "الصحيحين" (٣) من حديث نافع، عن ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين إذا طلع الفجر، وكان ساعة لا يدخل فيها على النبي ﷺ . فكيف يقال هنا: رَمَقْتُ النبي ﷺ شهرًا؟ ٢ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحَوْراء، قال: قال الحسن بن علي ﵄: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت".

стр. 1208

وفي الباب عن علي. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحَوْراء السعدي، واسمه رَبِيعة بن شَيْبان، ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئا أحسن من هذا) (١). قلت: والشاهد من هذا أن هذا الخبر لم يصححه أبو عيسى مع ثقة رجاله، فقد رواه عن بريد جمعٌ، وبريد ثقة، وكذا ربيعة بن شيبان. لكن قد يكون عدم تصحيحه له بسبب متنه، فإنه قد جاء فيه ذكر القنوت، والأصح من هذا ما رواه شعبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء، أخرجه أحمد (٢) وغيره. قال ابن خزيمة: (وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج، عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر .. ، وشعبة أحفظُ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يُعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدّعي بعض علمائنا: أن كل ما رواه يونس، عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق؛ هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه، ولو ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر؛ لم يَجُز عندي مخالفة خبر النبي ﷺ ، ولست أعلمه ثابتا) (٣).

стр. 1209

٣ - وقال الترمذي: (حدثنا عُقْبة بن مُكْرَم العَمِّي البصري، قال: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن النَّضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلّهما بعد ما تطلع الشمس". قاد أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن ابن عمر أنه فعله. ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكِلابي، والمعروف من حديث قتادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح") (١). قلت: هذا الحديث حكم عليه بالغرابة ولم يحسّنه، فضلا عن تصحيحه، من أجل تفرُّد عمرو عن همام، وقد بيّن أبو عيسى أن المشهور بهذا الإسناد: "من أدرك ركعة … ". ٤ - وقال الترمذي: (حدثنا عبد الوارث بن عبيد الله العَتَكِي المروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلِّ أربعا قبل الظهر صلّاهنَّ بعدها. قاد أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه. ورواه قيس بن الربيع، عن شعبة، عن خالد الحَذَّاء نحو هذا، ولا نعلم أحدا رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع، وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن النبي ﷺ نحو هذا) (٢).

стр. 1210

قلت: يبدو أن عدم تصحيح أبي عيسى له من أجل تفرد عبد الوارث، وهو ليس بالمكثر، فلم يُذكر له شيخ سوى ابن المبارك ومسلم بن خالد الزِّنْجِي، وقد روى عنه بعض الحفاظ كأبي عيسى ومحمد بن علي بن حمزة الحافظ، قال ابن أبي حاتم: (روى عن عبد الله بن المبارك الكثير، حتى مسائل سأله عنها، وسئل وهو حاضر) (١). وثمة علة في متن الحديث أشار إليها الإمام أحمد في كلامه على رواية قيس عن شعبة. وقد أخرجه مسلم (٢) من طريق هشيم، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلى بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين. وأخرجه أبو داود (٣) من طريق هشيم ويزيد بن زريع، عن خالد، به. وأخرج الترمذي والنسائي بعضه (٤). وأما المتابعة من طريق شعبة، فقد تفرد بها قيس بن الرَّبِيع، ولا يقبل تفرده، ولذا قال أبو عيسى: (لا نعلم أحدا رواه عن شعبة غير قيس).

стр. 1211

وأخرجه ابن ماجه (١) من طريق قيس به، وفي بعض نسخ "السنن": (قال أبو عبد الله: لم يحدِّث به إلا قيس عن شعبة). قال أبو داود: (ذكرت لأحمد حديث قَيْس بن الرَّبِيع، عن شعبة، عن خالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الظهر، فقال أحمد: يرويه غير واحد ليس يذكرون هذا فيه. يعني: يروون حديث خالد، عن عبد الله بن شَقِيق: سألت عائشة عن تطوع رسول الله ﷺ ، أي: فليس هذا فيه) (٢). ٥ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد قال: حدثنا أبو الأَحْوص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل تسع ركعات. وفي الباب عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، والفضل بن عباس. قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه سفيان الثوري، عن الأعمش، نحو هذا، حدثنا بذلك محمود بن غيلان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن الأعمش) (٣). قلت: رجاله ثقات مشاهير، وقد أخرج رواية الثوري النسائي في "الكبرى" (٤)، وأخرجه (٥) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش به. وقد صحّح الترمذي ثلاثة أحاديث بهذا الإسناد (٦)، وخرّج الشيخان

стр. 1212

أيضًا أحاديث بهذه الترجمة (١)، فلماذا توقف في تصحيحه هنا؟ ألِغرابته؟ قد يكون ذلك. أم لأنه قد خرّج قبل ذلك (٢) حديثًا عن عائشة في صفة صلاة رسول الله ﷺ في الليل، وأنه كان يصلي إحدى عشر ركعة؛ من طريق المقبري عن أبي سلمة، ومن طريق ابن شهاب عن عروة، كلاهما عنها؟ أم بسبب الأعمش؛ فإنه قد اختلف عليه: إذ رواه زائدة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة بنحوه، أخرجه النسائي (٣). ورواه أبو معاوية، عنه، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم سلمة. أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي (٤). وتقدمت رواية الثوري وأبي الأحوص. قال الأثرم: (وأما حديث الأعمش فقد اضطرب فيه، فقال مرة: عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن أم سلمة، وقال مرة: عن عمارة عن يحيى بن الجزار عن عائشة، وفي الكلام أيضًا اختلاف (٥)، وقد بينَّا ذلك، ويحيى بن الجزار لم يَلق واحدًا منهما) (٦). وقال الدارقطني عن رواية عمارة بن عمير عن يحيى بن الجزار: (أشبه بالصواب) (٧).

стр. 1213

٦ - وقال الترمذي: (حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المُتَوكِّل النَّاجي، عن عائشة، قالت: قام النبي ﷺ بآية من القرآن ليلة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) (١). قلت: لعله حسنه من أجل غرابته إسنادًا ومتنًا. فأما إسنادًا، فأبو المتوكل لا يُعرف سماعه من عائشة، وليس له في الستّة عنها سوى هذا الحديث. وأما المتن، فهذا المعنى لا أعلم أنه جاء إلا في هذا الحديث. نعم، في حديث جَسْرة بنت دجاجة، عن أبي ذر: قام النبي ﷺ حتى أصبح بآية. أخرجه النسائي وابن ماجه (٢)، لكنّ جَسْرة لا يحتج بها. وقد يكون توقف في تصحيحه من أجل الإختلاف الذي وقع فيه، فقد اختلف على إسماعيل: فرواه ابن المبارك في "الزهد" (٣) عن إسماعيل، عن أبي المتوكل أن النبي ﷺ .. مرسلًا. وخالفه زيد بن الحباب، قال عبد الله بن الإمام أحمد في "المسند" (٤): (وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده - وأحسبُني قد سمعته منه في مواضع أخر -: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم

стр. 1214

الناجي (١)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ). ٧ - وقال الترمذي: (حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر وصلّى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب. وفي الباب عن علي، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عباس، وأسامة بن زيد، وجابر. قال أبو عيسى: والصحيح عن أسامة. قال أبو عيسى: وروى علي بن المديني، عن أحمد بن حنبل، عن قتيبة، هذا الحديث. حدثنا عبد الصمد بن سليمان، قال: حدثنا زكريا اللُّؤْلُئي، قال: حدثنا أبو بكر الأَعْيَن، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا قتيبة … بهذا الحديث. وحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ حديث غريب.

стр. 1215

والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، رواه قُرَّة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد، عن أبي الزبير المكي) (١). ٨ - وقال الترمذي: (حدثنا هنّاد، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه نهى عن تلقّي البيوع. وفي الباب: عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عمر، ورجل من أصحاب النبي ﷺ . حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقِّي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقِّي، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ نهى أن يُتلَقّى الجلب، فإن تلقاه إنسان فابتاعه؛ فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق. هذا حديث حسن غريب من حديث أيوب. وحديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) (٢). قلت: رجاله كلهم ثقات مشاهير، وعبد الله بن جعفر وإن كان قد اختلط؛ فالذي يظهر أن سلمة بن شبيب سمع منه قديما؛ وذلك أنه قد سمع ممن هو أقدم منه، وأعني أبا أسامة الذي توفي سنة (٢٠١)، وسمع أيضًا من آخرين هم أكبر من عبد الله بن جعفر.

стр. 1216

على أن عبد الله بن جعفر اختلط سنة (٢١٨) وتوفي سنة (٢٢٠)، وقد ذكر ابن حبّان أن اختلاطه لم يكن بفاحش (١). وتوبع عبد الله بن جعفر؛ أخرجه أبو داود (٢) وأحمد (٣) من طريق عبيد الله بن عمرو به. فما السبب الذي جعل أبا عيسى لا يحكم بصحته ويكتفى بتحسينه فقط؟ هو غرابته من حديث أيوب كما نص على ذلك، وقال الطبراني في "الأوسط" (٤): (لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عبيد الله بن عمرو). والحديث أخرجه مسلم (٥) من رواية هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به. ٩ - وقال الترمذي: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرَّه لَدْغةُ حُمَةٍ تلك الليلة". قال سهيل: فكان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلُدغت جارية منهم فلم نجد لها وجعا. هذا حديث، حسن. وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .

стр. 1217

وروى عبيد الله بن عمر، وغير واحد هذا الحديث عن سهيل، ولم يذكروا فيه عن أبي هريرة). قلت: هذا الحديث صحيح، وإن كان المصنف توقف في تصحيحه بسبب أن عبيد الله بن عمر وغيره رووه عن سهيل ولم يذكروا عن أبي هريرة (١)، فهذا احتياط بالغ من المصنف، إذ قد وصله مالك (٢) وحماد بن زيد (٣) وسفيان (٤)، نعم لم يذكروا: (ثلاثًا). وأخرجه مسلم (٥) من وجه آخر عن أبي صالح، عن أبي هريرة به، وفيه قصة. والأمثلة في هذا كثيرة. * * * وقد جاء عن الأئمة مثل ما جاء عن أبي عيسى من التوقف في تصحيح الحديث الغريب أحيانا: - قال البخاري: (وقال محمد بن عبيد الله: نا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن هشام بن عروة، أن عون بن عبد الله قال له: حدِّثْني عن أبيك، فذهبتُ أحدثه عن السنن فقال: لا، غرائب أحاديثه) (٦).

стр. 1218

- وقال الدُّوري: (حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة، قال يحيى: وهذا غريب، ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي) (١). - وقال ابن أبي حاتم: (وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن هشام بن أبي خَيْرة السَّدُوسي بمصر، قال: حدثنا عمر بن علي بن مُقَدَّم، قال: حدثنا حَنْظَلة السَّدُوسي، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أمرنا ألا نزيد أهل الكتاب على: وعليكم؟ قال أبي: حديث حنظلة إن كان محفوظا فهو غريب) (٢). قلت: أخرجه البزار (٣) عن أحمد بن المقدام العجلي، عن عمر بن علي المقدّمي به، وقال: (لا نعلم رواه عن حنظلة عن أنس إلا عمر بن علي). وقد جاء بهذا اللفظ من طريق أبي أسامة ووكيع (٤) والثوري (٥)، ثلاثتهم عن ابن عون، عن حميد الطويل، عن أنس به، وهذا صحيح، ولكني أظنه مرويًا بالمعنى، واللفظ الأصح هو "قولوا: وعليكم" خرَّجه الشيخان (٦) وغيرهما من طرق عن أنس. - وقال البخاري في "التاريخ": (محمد بن عبد الله، ويقال: ابن حسن. حدثني محمد بن عبيد الله، قال: حدثنا عبد العزيز، عن محمد بن

стр. 1219

عبد الله، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رفعه: "إذا سجد فليضع يديه قبل ركبتيه"، ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا) (١). قلت: محمد بن عبد الله - الملقب بالنَّفْسِ الزَّكِيَّة - قد وثِّق، ومع ذلك أنكر البخاري هذا الحديث؛ وذلك لتفرده بهذا الخبر عن أبي الزِّناد عن الأَعْرج عن أبي هريرة، ولا يخفى أن هذه السلسلة من أصحّ السلاسل وأشهرها، فتفرّد النَّفْس الزَّكِيَّة بهذا مع كونه كان مختفيا في عهد بني أمية وبني العباس يجعله غير محفوظ، وهذا ما حكم به حمزة الكِنَاني الحافظ، فقال: (هو منكر) (٢). - وقال الخلال: (أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، ثنا ابن حنبل، قال: حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الرحمن - قال ابن مهدي: هو ابن علقمة -، قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اعفو اللحى وأحفوا الشوارب". قال أبو عبد الله: هذا غريب) (٣). قلت: يعني من هذا الوجه، وذلك أن هذا الحديث قد خرجه الشيخان (٤) من طرق عن نافع، عن ابن عمر. وعبد الرحمن بن علقمة هو المكي، مُقلّ، ولكن وثّقوه، حتى قال ابن مهدي: كان من الأثبات الثقات.

стр. 1220

ورغم هذا استغرب الإمام أحمد هذا الإسناد. - وقال البخاري في "التاريخ": (حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن مَيْمونة زوج النبي ﷺ ، سمعت النبي ﷺ ، في أولاد الزنا. قال أبو عبد الله: لا يتابع عليه، ولا أدري مَن محمد بن إبراهيم) (١). هكذا في النسخة القديمة، وفي طبعة الناشر المتميز (٢): (محمد بن عبد الرحمن)، وهو الصحيح. قلت: وقوله: (لا يتابع عليه) من أجل غرابته إسنادا ومتنا، ولأجل هذا وآخرين ذكرهما في ترجمته قال البخاري عن محمد بن عبد الله بن عمرو: عنده عجائب. فكل راوٍ يأتي بما يُستنكر إسنادا أو متنا، أو تكثُر في حديثه الغرائب، فإن ذلك مدعاةٌ للقدح فيه. * * *

стр. 1221

الفصل التاسع عشر: مناهج الأئمة في الغرابة على وجه العموم منهج شعبة بن الحجاج: هو الإمام المقدّم في زمانه في معرفة هذا الشأن، وهو الذي وسّع الكلام في الرجال ونقد الأخبار، وعلى يديه تخرج كبار الأئمة من أمثال يحيى القطان، فهو أنجبُ من أخذ عنه هذا الفن، يليه ابن مهدي، وغيره. قال أبو داود الطيالسي: (رأيت رجلا يقول لشعبة: قل: حدثني أو أخبرني. فقال له شعبة: فَقَدْتُكَ وَعَدِمْتُكَ؛ وهل جاء بهذا أحد قبلي؟) (١). قال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي وذكر حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته، قال شعبة: استحلفتَ عبد الله بن دينار: هل سمعتَها من ابن عمر؟ فحلف لي. قال أبي: كان شعبة بصيرًا بالحديث جدا، فهما فيه، كان إنما حلفه لأنه كان ينكر هذا الحديث، حكم من الأحكام عن رسول الله ﷺ لم يشاركه أحد، لم يرو عن ابن عمر أحد سواه علمنا) (٢). قال علي بن المديني: (سألت يحيى بن سعيد عن حكيم بن جبير، فقال: تركه شعبة من أجل هذا الحديث الذي رواه في الصدقة. يعني حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "من سأل الناس

стр. 1222

وله ما يغنيه، كان يوم القيامة خموشا في وجهه". قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب". قال علي: قال يحيى: وقد حدّث عن حكيم بن جبير سفيان الثوري وزائدة. قال علي: ولم ير يحيى بحديثه بأسا) (١). وقال أبو حاتم الرازي: (حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سواء، قال: ذكرت لشعبة حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر؛ كنت أبيع الإبل بالبقيع. فقال: من حدث به؟ قلت: حماد بن سلمة، فقال: وكيف سمع حماد هذا، ولعله إنما جلس إلى سماك مجلسين أو ثلاثة، وقد جلست إلى سماك أكثر من مئة مجلس ولم أسمع هذا؟!) (٢). منهج يحيى بن سعيد القطان: قال أحمد بن حنبل: (لم يكن في زمان يحيى القطان مثله، كان تعلم من شعبة) (٣). قال الثوري: (كان يحيى بن سعيد يريد: شقيقا عن عبد الله. قال أبو محمد - ابن أبي حاتم - يعني: أنه لا يرضى إلا برواية الحفاظ المتقنين) (٤). وقال ابن المديني: (سألت يحيى عن أحاديث عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير. فضعّفها، وقال: ليست بصحاح) (٥).

стр. 1223

وقال أيضًا: (سألت يحيى عن حديث سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، في القصار لا يضمن. قال: هذا غلط، خالف أصحاب إبراهيم؛ منصور وسليمان. قال يحيى: وكان هشام يوقفه على حماد) (١). وقال عمرو بن علي: (سمعت يحيى سئل عن حديث عُرَيف بن درهم الجمّال، فقال: روى حديثا منكرا عن جَبَلَةَ بن سُحَيم عن ابن عمر، قال: الجزور والبقرة عن سبعة. فتمنّع به ثم حدثنا به) (٢). قال حماد بن زاذان أبو زياد القطان: (سألنا يحيى بن سعيد عن حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قال: كنتَ ردف علي، هذا الحديث لا أدري كيف هو؟ قلت: يرون أن علي بن ربيعة كان ردف عليّ، تنكره؟ قال: علي بن ربيعة كان حدثا، وما أدري. قلت: تنكره؟ قال: إي والله) (٣). قلت: هذا الاستنكار من يحيى ليس من أجل التفرد والغرابة فقط، وإنما لأن عليّ بن ربيعة كان صغيرًا في عهد عليّ، وليس بينهما صلة من قرابة ونحوها؛ فلذا يستبعد أن يردفه معه على الدابة، وقوّى ذلك عند يحيى القطان: أن الإسناد فيه لين، لكن جاءت أوجه أخرى بهذا المعنى عن علي بن ربيعة يقوي بعضها بعضا، ومثل هذا الإرداف في الواقع قد يحصل أحيانا حتى للصغير كما هو معلوم، فهذا من هذا الباب. وسوف يأتي بيان منهج يحيى في الغرابة وتشدّده فيها.

стр. 1224

منهج الإمام أحمد: المتتبع لمنهجه في هذا الباب، يجد أنه أحيانا يرد الخبر بسبب غرابته وتفرد الراوي به، ولهذا يكثر من قوله: (منكر الحديث)، كما أنه تكلم في جمع من الرواة فقال عنهم: (يروون المنكرات)، مع أنهم وُثِّقوا من غيره، ولذا فمنهجه قريب من منهج شيخه يحيى القطان، وإليك بعض ما يجلّي هذا الأمر: قال ابن رجب: (قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي الذي يروي حديث المواقيت، فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره. وقال أحمد في بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير. وقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث "الأعمال بالنيات": في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال في زيد بن أبي أُنَيسة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث. قال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب؟ قال: نعم. وهؤلاء الثلاثة متفق على الاحتجاج بحديثهم في "الصحيح"، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به. وكذلك قال في عمرو بن الحارث: له أحاديث مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مَخْلد، وفي جماعة خرج لهم في "الصحيح" بعض ما ينفردون به) (١).

стр. 1225

قال المرُّوذي: (قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق، كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه، فقد حدث عن الزهري بأحاديث، كأنه أراد تفرد بها. ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحِلف - حلف المطيبين - فأنكره أبو عبد الله، وقال: ما رواه غيره) (١). قال أبو داود: (قلت لأحمد في سماع عبد الرزاق من عبيد الله. فقال: قال عبد الرزاق: رأيته بمكة وهشام بن حسان يسأله. قال أحمد: فلعمري لقد روى عنه - يعني عبد الرزاق - أحاديث غرائب) (٢). قال عبد الله: (سمعته يقول: روى أسامة بن زيد عن نافع أحاديث مناكير). وفي موضع قال: (قال أبي: روى أسامة بن زيد عن نافع أحاديث مناكير. قلت له: إن أسامة حسن الحديث، قال: إن تدبرت حديثه فستعرف النكرة فيها) (٣). وقال: (سألت أبي عن خالد بن مخلد فقال: له أحاديث مناكير) (٤). قال المرُّوذي: (سألته عن صالح بن حَيَّان، قال: ليس هو بذاك. وأنكر حديثه) (٥). وقال: (سألته عن الدَّرَاوَرْدِي، فقال: ما أدري ما أقول لك فيه، أحاديثه، كأنه ينكر بعضها) (٦). وقال: (قلت: الحكم بن عَطِيَّة، كيف هو؟ قال: البصري؟ قلت:

стр. 1226

نعم، الذي روى عن ثابت. قال: كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير. وكأنه ضعفه) (١). وقال: (سألته عن إبراهيم بن الحكم بن أَبان، فقال: ليس بذاك، قد كتبت عنه، وأقمت عليه أياما) (٢). وقال: (سألته عن يزيد بن أبي حكيم، فقال: قد كتبت عنه أقل مما كتبت عن إبراهيم، اتكيت على إبراهيم، ثم حدث إبراهيم بعد بأحاديث منكرة، وضعّف أمره، وقدّم يزيد بن أبي حكيم عليه) (٣). وقال عبد الله بن أحمد: (سئل أبي عن حُديج أخي زهير، قال: ليس لي بحديثه علم. قيل: إنه يحدث عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره، فقال: هذا منكر) (٤). وهذا كله يدل على ما تقدم تقريره، والأمثلة على هذا كثيرة. * * *

стр. 1227

الفصل العشرون: مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء في الغرابة والتفرد على وجه الخصوص ثمة أربعة مناهج في هذه المسألة من حيث الأصل: فالأول: من يتوسّط، وهو مذهب علي بن المديني، والبخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود، والترمذي، والدارقطني، وغيرهم، وهو ما تقدم تقريره (١). والثاني: وهم الذين يشدِّدون بعض الشيء، وهو مذهب: يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي بكر البَرْدِيجي، وأبي الفتح الأزدي، وأبي الفضل أحمد بن علي السليماني. فأما يحيى القطان وأحمد بن حنبل: فقال ابن رجب: (قال إسحاق بن هانئ، قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد -: قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله - يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام … " الحديث. قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.

стр. 1228

قال أبو عبد الله: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه. وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر. وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك. قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي، الذي يروي حديث المواقيت فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره. وقال أحمد في بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير. وقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث "الأعمال بالنيات"، في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال في زيد بن أبي أُنَيْسة: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث. قال الأَثْرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث إن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم. وهؤلاء الثلاثة (١) متفق على الاحتجاج بحديثهم في "الصحيح"، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به.

стр. 1229

وكذلك قال في عمرو بن الحارث: له أحاديث مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مَخْلَد، وجماعة خرج لهم في "الصحيح" بعض ما ينفردون به. وأما تصرّف الشيخين والأكثرين، فيدل على خلاف هذا، وعلى أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علة، فليس بمنكر. وقد قال مسلم في أول "كتابه": حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته. فأما من نراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم في أكثره = فيروي عنهما - أو عن أحدهما - العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم. فصرح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث، قبل ما تفرد به، وحكاه عن أهل العلم) (١). قلت: لم يذكر ابن رجب ليحيى بن سعيد القطان إلا مثالًا واحدًا، وهذا لا يكفي في الحكم عليه، ولكنْ ثمة نصوصٌ عن بعض الأئمة تدل على منهجه: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: (نا صالح بن أحمد بن حنبل، نا عليّ

стр. 1230

- يعني ابن المديني - قال: سمعت عبد الرحمن قال: قال سفيان: يحيى بن سعيد يريد شقيقا عن عبد الله. قال أبو محمد: يعني أنه لا يرضى إلا برواية الحفاظ المتقنين) (١). وقال ابن أبي حاتم: (أخبرنا صالح، نا عليّ قال: سمعت يحيى وذُكر عنده شيءٌ يروى عن إسماعيل عن عامر: أن المغيرة بن شعبة لما شهد عليه الثلاثة، قال يحيى: ليس بصحيح) (٢). قال ابن أبي حاتم: (أخبرنا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي قال: سمعت يحيى سئل عن حديث عُرَيف بن درهم الجمال، فقال: روى حديثا منكرا عن جَبَلَةَ بن سُحَيْم عن ابن عمر قال: الجزور والبقرة عن سبعة. فتمنّع به ثم حدثنا به) (٣). وقال أبو حاتم عن عُريف هذا: (هو صالح الحديث لا بأس به، حدثنا أبو نعيم عنه) (٤)، وذكره البخاري في "التاريخ" (٥) ونقل كلام القطان ولم يعقب بشيء. وأما الإمام أحمد: فقد جاء عنه ما قد يدل على خلاف ما ذكره ابن رجب؛ من كونه صحّح أو قوّى بعض الأحاديث التي فيها غرابة، ومثاله: ما أخرجه في "المسند" (٦) من طريق بَقِية، ثنا بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي
следующие страницы →