وقابلها على عدة نسخ، وجعل لها علامات، عقب قوله: رواه موسى وعلي ابن عبد الحميد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت ما نصه: حدثنا موسى ابن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن أنس، وساق الحديث بتمامه، وقال الصغاني في الهامش: هذا الحديث ساقط من النسخ كلها إلا في النسخة التي قرئت على الفربري صاحب البخاري وعليها خطه. قلت: وكذا سقطت في جميع النسخ التي وقفت عليها، والله تعالى أعلم بالصواب) (١).
خامسا: مثال على الاختلاف بين النسخ في ذكر بعض الأحاديث:
قال علي بن المفضل المقدسي: (قرأت على أبي طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني، أخبركم أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني بدمشق قراءةً عليه، وأنت تسمع فأقر به، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ فيما أذن لنا فيه، أخبرنا أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق الحافظ بقراءتي عليه، عن أبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي الحافظ فيما رواه عنه من "رسالته التي أجاب بها أبا الحسن الدارقطني الحافظ عن الأحاديث التي غلط فيها مسلم بن الحجاج" قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جرسٌ".
قال الشيخ أدام الله كفايته: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فرواه عن زهير، عن جرير عنه، وزاد في آخره: "أو كلب".
стр. 142
أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا حمزة بن محمد الدقاق قال: قال أبو مسعود الدمشقي، قال أبو الحسن الدارقطني: أخرج مسلمٌ من حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام أن النبي ﷺ أمر بقطع الأجراس، قال: وليس هذا عند شعبة، إنما هو سعيد هكذا كتبه بخطه وبيّض بين سعد والنبي ﷺ ، وقال أبو مسعود: (وهذا حديثٌ لم يخرجه مسلمٌ أصلًا بحال، وقد أخرج هذا الباب في كتاب اللباس، وأخرج حديث سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ"، وأخرج في عقبه حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الجرس مزامير الشياطين"، وأخرج في عقبه حديث أبي بشير الأنصاري: كنا مع النبي ﷺ فقال: "لا يبقين في رقبة بعيرٍ قلادةٌ من وتر إلا قطعت".
هذا جميع ما خرّج في هذا الباب، ولم يخرّج حديث قتادة عن زرارة بحال لا في هذا الموضع ولا في غيره.
قال أبو مسعود: وهذا حديثٌ اختلف فيه على قتادة، فرواه محمد بن بكر، وخالد بن الحارث، وغندر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن عائشة، وتابع الجماعة: سعيد بن بشير، عن قتادة في إسناده مثله، ورواه الأنصاري عن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، تابع فيه الأنصاري، عن سعيد، وقفه العقدي عن هشام، وأسنده عبد الصمد، عن هشام.
قال الشيخ أمده الله بتوفيقه: قال لنا الحافظ السلفي، يحتمل أن هذا الحديث يعني حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن
стр. 143
هشام، عن النبي ﷺ كان في كتاب مسلم فأسقطه مثل ما فعل في غيره، والى هذا أشار الدارقطني.
والعذر عنه أن يقال: "سعيد" قد يتصحف "لشعبة" من حيث الكتابة، خصوصًا وقد اشتركا في قتادة، وروى غندر عنهما جميعًا، ولعله كان في كتاب مسلم القديم الذي كتبه عن شيخه مشكلًا غير مشكول، فذهب عليه حالة نقله إلى تخريجه، إذ الغالب على غندر الرواية عن شعبة، فحين نظر ﵀ إلى الاختلاف الذي فيه على قتادة أسقطه من "صحيحه" ثم لم ينعم النظر فيه مرة أخرى، كما فعل في غيره من الأحاديث المنقحة، فبقي مشكولًا على حاله، والحق مع الدارقطني ﵀، إذ حكى ما رأى، والله أعلم.
قال الشيخ أيده الله: انتهى كلام السلفي، ولا نظن بالدارقطني بعد أن قال هكذا كتبه "بخطه" - يعني مسلمًا - إلا وقد وقف عليه كذلك، وتحقق أنه خطه، اللهم إلا أن يكون رآه في النسخة القديمة التي أسقط منها ما أسقط، ولم يتأمل الجديدة التي ليس هو الآن فيها، كما ذكر أبو مسعود، فلا يصح النقد عليه فيما تنبه لعلته فأسقطه، والله أعلم) (١).
سادسا: ومن أمثلة الاختلاف بين النسخ:
قال الحافظ ابن حجر: (قوله: "باب" كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا، فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضًا؛ لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء) (٢).
стр. 144
وقد يقع الاختلاف المؤثر ولكنه نادر، ومن أمثلة ذلك:
حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة … ".
قال ابن حجر: (قوله: "على سبعين امرأة" كذا هنا من رواية مغيرة، وفي رواية شعيب كما سيأتي في الأيمان والنذور "فقال تسعين"، وقد ذكر المصنف ذلك عقب هذا الحديث، ورجح تسعين بتقديم المثناة على سبعين، وذكر أن ابن أبي الزناد رواه كذلك.
قلت: وقد رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد فقال: "سبعين" وسيأتي في كفارة الأيمان من طريقه، ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان، فقال: "سبعين" بتقديم السين، وكذا هو في "مسند الحميدي" عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء، عن أبي الزناد، وأخرجه الإسماعيلي، والنسائي، وابن حبان، من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزناد، قال: "مائة امرأة"، وكذا قال طاوس عن أبي هريرة كما سيأتي في الأيمان والنذور من رواية معمر، وكذا قال أحمد عن عبد الرزاق من رواية هشام بن حجير عن طاوس: "تسعين"، وسيأتي في كفارة الأيمان، ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق فقال: "سبعين"، وسيأتي في التوحيد من رواية أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: "كان لسليمان ستون امرأة"، ورواه أحمد، وأبو عوانة، من طريق هشام عن ابن سيرين فقال: "مائة امرأة"، وكذا قال عمران بن خالد عن ابن سيرين عند ابن مردويه، وتقدم في الجهاد من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج فقال: "مائة امرأة أو تسع وتسعون" على الشك، فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة، والجمع بينها أن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: "تسعون" ألغى الكسر،
стр. 145
ومن قال: "مائة" جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر، وأما قول بعض الشراح: ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس بحجة عند الجمهور، فليس بكاف في هذا المقام، وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين، والله أعلم) (١).
وإليك دراسة معاصرة للاختلافات بين بعض روايات "الموطأ" في متون الأحاديث واختلاف ألفاظها توصل إلى نفس النتيجة المتقدمة، قال محمد مصطفى الأعظمي ﵀: (ترتيب المواد في كتاب الموطأ:
يتوقع الباحث عندما يقارن بين المخطوطات المختلفة لكتاب واحد برواية واحدة، أن يكون ترتيب الكتاب على نسق واحد، وأحيانًا يحصل الاختلاف في تقديم كتاب أو تأخير كتاب.
لكنني عند المقارنة بين مختلف النسخ - القديمة نسبيًا - من كتاب الموطأ وبين ما هو مطبوع وجدت اختلافًا شديدًا في ترتيب الكتب، أما الأبواب والأحاديث في داخل الكتاب فيكاد يكون الاتفاق بينها تامًا.
وعندما نقارن ترتيب الكتب والأبواب في المخطوطات القديمة للموطأ نجدها هي الأخرى تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا) (٢).
وقال أيضًا: (بشار عواد والإمام مالك:
لقد ادّعى الدكتور بشار عوّاد بأن الإمام مالكًا، ولو أنه قد بلغ الغاية في الدقة والضبط والإتقان والإمامة والديانة، وهو إمام في الحديث قلّ نظيره، على الرغم من ذلك فإن "الموطأ" من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى، وعدم الالتزام الكامل بالألفاظ وتسلسلها بين رواية وأخرى، فالملاحظ أن الاختلاف بين الموطآت في ألفاظ الحديث كثير إلى
стр. 146
حد يصعب حصره في التعليق على أية رواية من هذه الروايات، وقد جربنا ذلك مثلًا بين رواية يحيى المصمودي ورواية أبي مصعب الزهري، أو محاولة إثبات الخلاف في ألفاظ الحديث بين رواة الحديث عند مالك، فوجدنا أن الأمر يحتاج إلى تسويد مئات الصفحات من الحواشي لتوضيح هذه الاختلافات".
وأقول: بأنه من جانب آخر يَنقل عن الإمام مالك تلامذته قوله: "كل حديث للنبي ﷺ يؤدى على لفظه، وعلى ما روي، وما كان عن غيره فلا بأس إذا أصاب المعنى".
ونقل معن عن الإمام مالك قوله: "أما حديث رسول الله ﷺ فأدّه كما سمعته، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى".
حتى قال معن: "كان مالك يتقي في حديث رسول الله ﷺ الياء والتاء ونحوهما". وروى عنه ابن عمير مثله.
ولحسم هذا الاختلاف أجريت هذه الدراسة التي يضمنها هذا الملحق، بين رواية يحيى بن يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري، لمعرفة مقدار الاتفاق والاختلاف بين روايتيهما علمًا بأن كلتا الروايتين مأخوذتان من المخطوطات المتأخرة، وليستا أصول يحيى الليثي أو أبي مصعب الزهري. وبمرور الزمن يحصل الاختلاف في النسخ جراء أخطاء النساخ. والدليل على ذلك أن يحيى الليثي لم يسمع الموطأ من الإمام مالك إلا مرة واحدة، وقد فاته بعض الأبواب، وعلى هذا فإنه لا يمكن أن أصله كان يشتمل على كل هذه الاختلافات التي نجدها في موطأ يحيى بين رواية عبيد الله، وابن وضاح، وابن فطيس، والوقشي، وتوزري وآخرين، إذن هذه الاختلافات مصدرها الرواة المتأخرون، والنساخ، وليست من أصل رواية الإمام مالك.
стр. 147
وعلى هذا يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه النقطة حين ننظر في هذا الملحق بحثًا عن مواضع الاختلافات بين الروايتين.
ملحوظة: الرقم في بداية الحديث يشير إلى رقم الفقرة في هذه الطبعة، والرقم الآخر يدل على الرقم في طبعة الدكتور بشار عواد لموطأ أبي مصعب الزهري. وما كتب باللون الغامق هو رواية يحيى، وأما ما كتب باللون الفاتح فلرواية الزهري) (١).
وذكر الأعظمي عدة صفحات في المقارنة بين الروايتين يحسن الاطلاع عليها لمن أراد ذلك، ثم قال: (وبعد، فأكتفي بهذا القدر من المقارنة بين روايتي يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري، وقد استغرقت ٣٦ صفحة من هذه الطبعة.
وعلى القارئ أن يحكم بنفسه - في ضوء ما هو موجود أمامه - على ادعاء الدكتور بشار عواد. والله الهادي إلى الطريق المستقيم) (٢).
السبب الثاني: أن بعض الطلاب لا يسمع الكتاب كاملا، بل قد يفوته بعض الأبواب منه، فإما أن يقتصر على ما سمع، فيحصل عنده نقص في روايته، وبعضهم يستدرك ما فاته بالإجازة، فيروي الفوت بالإجازة، أو يحمله عن غيره من الطلاب عن المصنف.
السبب الثالث: أن النساخ متباينون من حيث الضبط والإتقان والعلم، فمن لم يكن ضابطا متقنا قد يسقط منه بعض الأحاديث، أو بعض الأبواب، كما أن منهم من قد يصحف بعض الكلمات، ولا تقابل هذه النسخة مقابلة دقيقة فيحصل التباين بين النسخ.
والذي يقرب لك هذا الأمر أن الكتب المصنفة في هذا الوقت قد يزيد المصنف في طبعة أخرى على الطبعة السابقة، أو يغير فيها ما كتبه في
стр. 148
الطبعة الأولى، كما أنه في أثناء إعداد الكتاب للطبع قد يقع بعض الخطأ أو السقط في الكتاب.
وخلاصة ما تقدم: أن الاختلاف الذي يقع بين الروايات أو النسخ هو أمر يسير مرجعه إلى ما تقدم تقريره، والذي أحب أن أنبه عليه هنا هو أن بعض محققي الكتب إذا وجد أدنى اختلاف ظن أنه وقف على أمر كبير، وشيء عظيم، وبالتالي -حسب نظره- أن هذا الكتاب يحتاج إلى أن يحقق مرة أخرى، وأن في تحقيقه زيادات مهمة على الطبعات الأخرى للكتاب، بينما الأمر خلاف ذلك، وأن الاختلافات لا تعدو أن تكون في أشياء يسيرة أو أمور شكلية، وأنه يمكن التنبيه عليها دون إعادة تحقيق للكتاب …
كما أنه لا يلزم عند إرادة طبع الكتاب -وأعني: دواوين السنة المشهورة- جمع أكبر عدد من النسخ، كما هو الجاري الآن، لذا كان أغلب ما صدر منها لم يأت محققون بشيء جديد، وذلك أن هذه الكتب لم يزل علماء المسلمين منذ أن ألفت وهم يقرؤونها في المحافل العامة، ويتلونها في المجامع الكبيرة، فيحققون ما فيها من إشكال، ويزيلون ما فيها من لبس، ويصوبون ما فيها من خطأ، وبالتالي يكفي في ذلك الرجوع إلى بعض النسخ الصحيحة.
ولو وُجّه هذا الجهد إلى أمور أخرى تتعلق بالكتاب، من شرح، أو إخراج فوائد، أو بيان منهج، لكان أولى.
ومما ينبغي الانتباه له أيضا أنه في بعض كتب السنة تجد الحديث الواحد قد يكرر في أكثر من موضع فتختلف نسخ الكتاب في هذه المواضع؛ فمثلا في بعضها يذكر ثلاث مرات، وفي بعضها خمس، أو أقل أو أكثر، فبعض المحققين يجعل هذا التكرار زوائد، وأن طبعته تفردت بزيادة هذه الأحاديث التي خلت عنها الطبعات السابقة، بينما هو حديث
стр. 149
واحد اختلفت النسخ في تكراره، كما ذكر بعض من طبع "المسند" أن نسخته قد زادت على بعض النسخ بمائة حديث، وعند التحقيق تبين أنها أقل من ذلك بكثير، بل هي بضعة أحاديث، وبعضها إنما لم يتكرر في بعض النسخ، ولا شك أن مثل هذا لا يدعو إلى إعادة طبع الكتاب بأكمله، خاصة مثل كتاب "المسند" الذي فيه نحو ثلاثين ألف حديث، وإنما تستدرك في طبعة أخرى أو تطبع مفردة، وبالله تعالى التوفيق.
* * *
стр. 150
الفصل الخامس في تفنن المؤلف في كتابه
لقد تفنن أبو عيسى في هذا الكتاب أيما تفنن، فقد جمع فيه بين الصناعتين الحديثية والفقهية، أما الحديثية فكل المصطلحات المتعلقة بهذا الأمر موجودة فيه، وليس بين أيدينا اليوم (١) كتاب يجمع هذه المصطلحات سواه، من الصحيح بأنواعه، والحسن بأقسامه، والغريب بصوره الكثيرة، والمعلول مع شرح علته، والمشهور وما يقابله من الفرد، إلى غير ذلك، كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
وأما الصناعة الفقهية فهي ظاهرة في هذا الكتاب أيضا، ففيه بيان فقه النصوص التي أوردها مع ذكر الخلاف العالي بين أهل العلم إذا وجد فيها، مع ذكر ما أجمعوا عليه مما اختلفوا فيه، مع تفسير ما أشكل من النصوص، والجمع بينها وبين ما يخالفها في الظاهر، إلى غير ذلك.
وإليك بيان بعض ما تقدم في النقاط التالية:
أولا: في الصناعة الحديثية:
١ - تفننه في انتخاب أحاديث "الجامع".
٢ - تكملة ذلك بالإشارة إلى ما جاء في الأبواب التي عقدها في هذا
стр. 151
الكتاب من الأحاديث، ولا تخفى الكتب التي ألفت في استخراجها وتخريجها.
٣ - حكمه على كل حديث أودعه في كتابه "الجامع" غالبا، لذا كانت الأحاديث التي لم يحكم عليها قليلة أو نادرة، وبهذا أصبح كتابه أوسع كتاب بين أيدينا من كتب الأئمة المتقدمين في الحكم على الأخبار صحة وضعفا حتى أنه في بعض الأحيان يحكم على الأحاديث التي أشار إليها في الباب ولم يخرّجها.
٤ - تفننه في أحكامه على الآثار التي أوردها، ويظهر هذا عند أدنى تأمل، فمثلا في الحديث الغريب كتابه من أوسع الكتب فيه، لا في الكتب التي جمعت الأحاديث، ولا في الكتب التي تحدثت من الناحية الاصطلاحية عن الغريب، ففي كتابه "العلل الصغير" -الذي كان المقصود منه بيان المصطلحات التي استخدمها في "الجامع"، وبعض المسائل المتعلقة به- قسم الغريب إلى خمسة أقسام مع التمثيل لكل قسم منها، وهذا لا يوجد فيما أعلم في كتاب سواه.
نعم أبو بكر البزار اعتنى بهذا الجانب اعتناء كبيرا، وأكثر من بيان التفرد والغرابة الواقعة في الأحاديث التي خرجها، ولكن تميز عليه أبو عيسى بأمرين: إكثاره من ذلك، وتفننه في بيان أنواع الغريب، مع ملاحظة أنه أقدم منه، ولكن ما ذكره البزار هو في غاية من الأهمية، وخاصة في بيان معرفة درجة الحديث.
ومن الأمثلة على الأحاديث التي وصفها البزار بالغرابة وفيها بيان لمنهجه ما يلي:
١ - قال ﵀: (حدثنا محمد بن المثنى بن عبيد، قال: نا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء،
стр. 152
عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أدلك على خير من كثير من الصلاة والصدقة؟ " قالوا: بلى. قال: "إصلاح ذات البين".
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ بإسناد متصل أحسن من هذا الإسناد لهذا الكلام، وإسناده صحيح، وكلامه عن رسول الله ﷺ غريب) (١).
٢ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: نا بشر بن المفضل، قال: أنا الحسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد".
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ في صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد إلا في هذا الحديث، وإنما يروى عن النبي ﷺ من وجوه في صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وإسناده حسن) (٢).
٣ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، قال: نا إسماعيل بن أبان، قال: نا عبد الله بن مسلم الملائي، عن أبي الجحاف، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي".
وهذا الحديث غريب، لا نعلمه يروى عن أبي الجحاف، عن عاصم إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسند أبو الجحاف، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله إلا هذا الحديث.
حدثنا علي بن المنذر، قال: نا محمد بن فضيل، قال: نا عثمان بن
стр. 153
شبرمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، بنحو من حديث الثوري، عن عاصم.
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عثمان بن شبرمة، إلا محمد بن فضيل، وقد روى هذا الكلام عن عاصم جماعة منهم: فطر، وزائدة، وحماد بن سلمة، وغيرهم) (١).
٤ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن موسى القطان، قال: نا إسماعيل ابن أبان، قال: نا حفص بن عمران، عن سماك، عن الحسن، عن عمران ابن حصين، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طاعة في معصية الله".
وهذا الحديث قد روي عن عمران من غير وجه، فذكرنا هذا الحديث من هذا الطريق عن عمران؛ لأنه كان أعز مخرجا يروى في ذلك عن عمران، ولا نعلم روى هذا الحديث عن سماك إلا حفص بن عمران، وهو رجل من أهل الكوفة، ولا نعلم رواه عن حفص إلا إسماعيل بن أبان وهو رجل يتشيع، وقد روى عنه أهل العلم واحتملوا حديثه، ولا نعلم روى سماك، عن الحسن، عن عمران إلا حديثين هذا أحدهما، وهو غريب، والآخر مشهور) (٢).
٥ - وقال أيضًا: (حدثنا حميد بن الربيع، قال: حدثنا حسين بن علي، قال: نا زائدة، عن سليمان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سويد بن غفلة، عن أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة".
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ من وجه من الوجوه
стр. 154
إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وهو حسن الإسناد، من غريب حديث الأعمش، متصل الإسناد) (١).
٦ - وقال أيضًا: (حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، قال: نا إسحاق ابن إدريس، قال: نا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، بنحوه.
وهذا الحديث عن ثوبان لا نحفظه إلا من هذا الطريق الذي ذكرناه، ولا نعلم رواه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، إلا عباد بن منصور، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد، ولا نعلم حدث بحديث أبان إلا إسحاق بن إدريس، وهو غريب عن أيوب وعن يحيى بن أبي كثير، وهذا الحديث فمتنه عن رسول الله ﷺ غير معروف إلا من هذا الوجه) (٢).
٧ - وقال أيضًا: (حدثنا عبد الله بن الوضاح الكوفي، قال: نا يحيى ابن اليمان، عن عائذ بن نسير، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ ؛ أنه ذكر الحوض فقال: "ترى فيه أباريق عدد نجوم السماء".
وفيه كلام غير هذا، وهو حديث غريب) (٣).
٨ - وقال أيضًا: (حدثنا زكريا بن يحيى، نا شبابة بن سوار، حدثنا مغيرة بن مسلم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من رأى مصابا فقال: الحمد لله … ".
وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر إلا المغيرة بن مسلم، والمغيرة ليس به بأس، بصري مشهور، والحديث غريب) (٤).
стр. 155
٩ - وقال أيضًا: ( … وحدثناه عمر بن الخطاب والعباس بن عبد الله، قالا: نا محمد بن كثير، نا الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين …
وهذا الحديث غريب عن أيوب بن موسى، وليس هو عند عبيد الله) (١).
١٠ - وقال أيضًا: (حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا عمر بن سهل، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد اهتز العرش لموت سعد بن معاذ".
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن مبارك، عن الحسن، عن أنس إلا عمر بن سهل، وعمر بن سهل بصري لا باْس به، انتقل عن البصرة إلى مكة ومات بها، وهو حديث غريب) (٢).
١١ - وقال أيضًا: (حدثنا نصر بن علي، أنا عبد المؤمن بن عباد، نا أيوب، عن محمد، عن أنس، قال: كان يكتبون صدور وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان …
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أيوب إلا عبد المؤمن بن عباد، وهو رجل من أهل البصرة لا بأس به، وقد رواه هشام، عن محمد عن أنس، وهو غريب من حديث أيوب، تفرد به نصر عن عبد المؤمن) (٣).
١٢ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسين بن محمد الذراع، نا عمرو بن النعمان -ثقة-، عن ابن عون، عن محمد، عن أنس، قال: إن كان النبي ﷺ ليلاطفنا حتى إن كان ليقول لأخ لي صغير: "أبا عمير، ما فعل النغير".
стр. 156
وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث ابن عون، عن محمد، عن أنس إلا بهذا الإسناد، وهو غريب من حديث ابن عون) (١).
١٣ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي غالب، قالا: حدثنا سعيد بن سلييان، حدثنا عباد، يعني ابن العوام، عن ابن عون، عن محمد، عن أنس: أن النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر …
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عون، عن محمد، عن أنس، إلا من حديث عباد، عن ابن عون، وهو غريب عن ابن عون) (٢).
١٤ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا محمد بن سلمة الحراني، نا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس، قال: جيء بأبي قحافة يوم فتح مكة …
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن هشام بن حسان، عن محمد، عن أنس، إلا محمد بن سلمة، وهو غريب عن محمد، عن أنس، ولم يكن بالبصرة) (٣).
١٥ - وقاد أيضًا: (حدثنا عيسى بن موسى السامي، نا يحيى بن أبي بكير، نا كنانة بن جبلة، عن سهيل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إذا سجد آدم قال الشيطان … ".
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن لسهيل إلا كنانة بن جبلة، ولا نعلمه يروى عن أنس من غير هذا الوجه، وهو غريب عن أنس) (٤).
١٦ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن مرزوق، نا حرمي بن حفص، نا
стр. 157
الضحاك بن نبراس -ليس به بأس- نا ثابت، عن أنس، قال: بينما رسول الله ﷺ جالسًا مع أصحابه، إذ جاءه رجل عليه ثياب السفر …
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، والضحاك بن نبراس قد روى عن ثابت غير حديث وليس به بأس، غريب من حديث أنس) (١).
١٧ - وقال أيضًا: (حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي، نا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي، نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبي ﷺ : "أي الخلق أعجب إيمانا؟ … ".
غريب من حديث أنس) (٢).
* * *
ومثل البزار في العناية بهذا الجانب أبو القاسم الطبراني، ولكن ليس مثل تفنن البزار ودقته، مع أن ما ذكره في غاية من الأهمية، والأمثلة التي سأذكرها تبين ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا أحمد بن زهير قال: نا عبد الرحمن بن عنبسة البصري قال: نا موسى بن داود الضبي، عن المطلب بن زياد، عن عبيد المكتب، عن المسيب بن نجبة، عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المستشار مؤتمن، فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه".
لم يروه إلا عبد الرحمن بن عنبسة، وهو حديث غريب) (٣).
٢ - وقال أيضًا: (حدثنا إسحاق بن جميل الأصبهاني قال: نا محمد
стр. 158
ابن عمرو بن العباس الباهلي قال: نا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، عن عبد الله بن بديل الخزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".
هكذا رواه عبد الله بن بديل بن ورقاء، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس. ورواه أصحاب الزهري، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. وعن الزهري، عن أنس بن مالك، فإن كان عبد الله بن بديل حفظه فهو حديث غريب، ولا يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه) (١).
٣ - وقال أيضًا: (حدثنا علي بن الحسين الصوفي البغدادي، قال: نا يوسف بن واضح قال: نا قدامة بن شهاب، عن برد بن سنان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش، عن الضبي بن معبد، أنه أهل بحج وعمرة، فذكر ذلك لعمر، فقال: هديت لسنة نبيك ﷺ .
لم يَرو هذا الحديث عن برد بن سنان، إلا قدامة بن شهاب، وخالف بردُ بن سنان، سفيانَ بن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة رواه عن عبد الله بن أبي عامر، عن أبي وائل، عن الضبي، فإن كان برد حفظه فهو غريب عن زر) (٢).
٤ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خيثمة قال: نا الفضل بن سهل الأعرج قال: نا أبو الجواب قال: نا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي جميلة، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم".
لم يَرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا شريك، تفرد به أبو الجواب، فإن كان أبو الجواب حفظه، فهو حديث غريب من حديث عطاء
стр. 159
ابن السائب؛ لأن الناس رووه عن شريك، عن عبد الأعلى الثعلبي، وعن ابن أبي جميلة، عن علي ﵁) (١).
٥ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن يحيى، ثنا القاسم بن دينار، نا حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا ابن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رجلًا كان يسب أبا بكر عند النبى ﷺ ، وأبو بكر ساكت …
لم يَرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا سفيان بن عيينة، ولا رواه عن سفيان إلا حسين الجعفي، تفرد به القاسم بن دينار، ورواه الناس عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فإن كان حسين الجعفي حفظه فهو غريب من حديث علي بن زيد، عن ابن المسيب) (٢).
٦ - وقال أيضًا: (حدثنا محمد بن أبان، ثنا علي بن حسان العطار، ثنا يحيى بن سعيد القطان، ثنا قرة بن خالد، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه -وافد بني المنتفق- أنه أتى عائشة هو وصاحب له يطلبان النبي ﷺ فلم يجداه …
لم يَرو هذا الحديث عن قرة بن خالد إلا يحيى بن سعيد، تفرد به علي بن حسان، فإن كان علي بن حسان حفظه فهو غريب من حديث قرة ابن خالد؛ لأن غير علي بن حسان رواه عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير) (٣).
* * *
стр. 160
ومثل الطبراني والبزار أيضًا أبو أحمد عبدالله بن عدي، مع ملاحظة أن ابن عدي نقل أشياء عن أبي عيسى الترمذي من كتابه "العلل الصغير" و"الجامع" في الجرح والتعديل، وبعضها في الغرابة، ومن ذلك:
قوله: (حدثنا حسين بن يوسف الفربري، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا أبو كريب، وأبو هشام الرفاعي، وأبو السائب وحسين بن الأسود قالوا: حدثنا أبو أسامة نحوه بإسناده.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ هذا، وإنما يستغرب من حديث أبي موسى، قال: سألت محمد بن غيلان عنه فقال: هذا حديث أبي كريب، وسألت محمد ابن إسماعيل البخاري عنه فقال: هذا حديث أبي كريب، ثم لم يعرفه إلا من حديثه، فقلت له: حدثنا غير واحد، عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، وقال: ما علمت أن أحدا حدث بهذا غير أبي كريب، قال البخاري: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة.
قال الشيخ -أي: ابن عدي-: وهذا الحديث قد ذكره أبو عيسى الترمذي عن جماعة عن أبي أسامة، بعد أن حكموا أنه حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، وغير من ذكر أبو عيسى قد رواه عن أبي أسامة) (١).
* * *
ومثلهم أيضًا الدارقطني -كما في أطراف الغرائب لابن طاهر-، ومن الأمثلة على ذلك:
(حديث: بينا أنا جالس مع رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل قد توضأ وبقي على ظهر قدمه مثل الظفر … الحديث.
стр. 161
غريب من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده، عن أبي بكر، تفرد به الوازع بن نافع عنه، وتفرد به المغيرة بن سقلاب عن الوازع.
حديث: أنه قام خطيبا، فقال: إن نبي الله ﷺ قام فينا عام أول … الحديث. غريب من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن عبد الله بن عباس، عن عمر عن أبي بكر.
وغريب من حديث سليم بن حيان، عن قتادة، عنه، تفرد به الأصمعي عبد الملك قُريب عنه، وتفرد به بحر بن سويد الحنفي عن الأصمعي، وتفرد به حاتم عن بحر.
ورواه في موضع آخر وقال: تفرد به الأصمعي عن سليم وصله عن ابن عباس) (١).
* * *
ومثلهم أيضًا أبو نعيم الأصبهاني، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها:
قوله: (حدثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابي، ثنا هريم بن مسعر الترمذي، ح وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا إبراهيم بن سلام، قالا: ثنا فضيل بن عياض، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة".
غريب من حديث الفضيل وزياد، صحيح مشهور من حديث عمرو، رواه عنه الجم الغفير) (٢).
* * *
стр. 162
ومع ذلك فهؤلاء الحفاظ -أعني: البزار، والطبراني، وابن عدي، والدارقطني، وأبا نعيم- لم يتفننوا كما فعل أبو عيسى في بيان أنواع الغريب، والجمع بين الصحة والغرابة، والتحسين مع الغرابة، أو الغرابة فقط كما تقدم، وإنما في الغالب يقولون: هذا الحديث لم يروه إلا فلان، أو تفرد به فلان، ونحو ذلك.
ويلاحظ أن هذه التقسيمات للحديث الغريب لم تذكر في كتب المصطلح حتى الموسعة منها، نعم قال ابن طاهر المقدسي في مقدمة كتابه "أطراف الغرائب والأفراد" (١): (اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع … ) ثم ذكرها، ولكنْ أبو عيسى قد سبقه إلى تقسيم الغرائب وتنويعها، ولعل ابن طاهر استفاد فيما ذكره من الترمذي، مع ملاحظة أن ابن طاهر اقتصر على نقل كلام الدارقطني في بيان الغرابة والتفرد الواقع في هذه الأحاديث.
مع أن كتاب أبي عيسى لم يختص بهذه المسألة فقط، ومثل ذلك بيانه للحديث الحسن وتنويعه له إلى أنواع متعددة، منها: ما اشتهر به من قوله: (حسن صحيح)، و (حسن صحيح غريب)، و (حسن) فقط، و (حسن غريب)، وأحيانا يقول: (صحيح حسن غريب)، أو (غريب حسن)، أو (حسن غريب صحيح)، أو (غريب حسن صحيح).
وسيأتي أن أنواع الحسن عنده يمكن أن تقسم إلى ثمانية أقسام، وهذا الذي لم يقرنه مع الصحيح، فتبين أن الحسن أنواعه كثيرة عند أبي عيسى، وهذا مما يشهد على تفننه، وما قيل في "الحسن" يقال في "الصحيح" أيضًا، سواء بسواء، فهو أيضًا أنواعه كثيرة عنده، هذا مع بيان علل الأحاديث
стр. 163
والأخبار التي أوردها في كتابه، وهو كثير، وسوف يأتي الكلام على منهجه في التعليل، ومنهجه في الحديث المنكر والمضطرب، وغير ذلك.
ومن تفننه أيضًا: أن كتابه مليء بالجرح والتعديل، فقد عدل رواة كثرًا، كما جرح آخرين، كما أنه اعتنى بالتمييز بين الرواة عند اتفاقهم في الأسماء، مع اهتمامه بالكنى فبين أسماء الرواة الذين ذكروا بكناهم، كما أنه بين كنية رواة آخرين.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان، واسمه: ذكوان، وأبو هريرة اختلفوا في أسمه، فقالوا: عبد شمس، وقالوا: عبد الله بن عمرو، وهكذا قال محمد بن إسماعيل، وهذا الأصح …
والصُّنَابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق، ليس له سماع من رسول الله ﷺ ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة …
والصُّنابح بن الأعسر الأَحْمَسي صاحب النبي ﷺ ، يقال له: الصُّنَابحي أيضًا) (١).
٢ - وقال أيضًا: (وأبو حميد الساعدي اسمه عبد الرحمن بن سعد بن المنذر.
واسم أبي أسيد: مالك بن ربيعة.
وأبو حَصِين: عثمان بن عاصم الأسدي.
وأبو عبد الرحمن السلمي: عبد الله بن حبيب.
стр. 164
وأبو يعفور: عبد الرحمن بن عبيد بن نِسْطاس.
وأبو يعفور العبدي: واقد، ويقال: وَقْدَان، وهو الذي روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وكلاهما من أهل الكوفة) (١).
٣ - وقال أيضًا: (وقد روى محمد بن يوسف هذا عن سفيان، فقال: عن أبي عروة، عن أبي الخطاب، عن أنس.
وأبو عروة هو: معمر بن راشد، وأبو الخطاب: قتادة بن دعامة) (٢).
٤ - وقال أيضًا: (وأبو المتوكل اسمه: على بن داود، وأبو سعيد الخدري اسمه: سعد بن مالك بن سنان) (٣).
٥ - وقال أيضًا: (وأبو سِنَان اسمه: ضرار بن مرة، وأبو سِنَان الشيباني اسمه: سعيد بن سِنَان، وهو بصري، وأبو سِنَان الشامي اسمه: عيسى بن سِنَان هو القَسْمَلي) (٤).
٦ - وقال أيضًا: (والجريري اسمه: سعيد بن إياس يكنى أبا مسعود، وقد روى هذا غيره أيضًا عن أبي نضرة، وأبو نضرة العبدي اسمه: المنذر بن مالك بن قطعة) (٥)
٧ - وقال أيضًا: (وأبو سعد اسمه: محمد بن ميسر، وأبو جعفر الرازي اسمه: عيسى، وأبو العالية اسمه: رفيع، وكان عبدا أعتقته امرأة سائبة) (٦).
٨ - وقال أيضًا: (وأبو الزعراء اسمه: عبد الله بن هانئ، وأبو الزعراء الذي روى عنه شعبة، والثوري، وابن عيينة، اسمه: عمرو بن
стр. 165
عمرو، وهو ابن أخي أبي الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود) (١).
* * *
ثانيا: ما يتعلق بالناحية الفقهية وتفننه في ذلك
ويتبين في الأمور الآتية:
أولا: اهتمامه بفقه السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
ثانيا: نقله لإجماعهم إذا أجمعوا، ولاختلافهم إذا اختلفوا، حتى أنك قد لا تجد أقوال بعض الأئمة في غير كتاب أبي عيسى، وبذلك كان كتابه من أهم المصادر في ذلك، وبهذا أصبح أيضًا من أقدم من ينقل الإجماع، وخاصة إجماع الصحابة، فلا يخفى أنه قبل ابن جرير، وابن المنذر، وابن حزم، وابن عبدالبر، وغيرهم ممن عرفوا بنقل الإجماع.
ثالثا: بيانه لما عليه العملى وما ليلى عليه العمل.
رابعا: أن ما تقدم ذكره هو ما اطلع عليه أبو عيسى من أقوالهم ثم لخصه لنا بما بثه في كتابه، وأعني بذلك أنه لم يسق الأسانيد إليهم، وإنما يسوق أقوالهم مجردة على وجه التفصيل أو الإجمال مبينا أقوالهم واختلافهم، وذلك لأنه صنع كتابه "الجامع" على وجه الاختصار، فهو ليس مثل عبد الرزاق أو سعيد بن منصمور أو ابن أبي شيبة في نقلهم لأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم بالإسناد إليهم مبينا فيها ألفاظهم، لأنه قد فعل ذلك في كتاب آخر كما قال في كتابه "العلل الصغير": (وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذى فيه الموقوف).
ومن الاختصار والتلخيص الذي فعله في كتابه "الجامع" أيضًا أن
стр. 166
أقوال الأئمة في المسائل والأحكام كقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وابن إسحاق ذكرها بدون أسانيد، ولكنه بين في كتابه العلل الصغير أسانيده إليهم فيها على وجه الإجمال.
خامسا: أن هذا كله بناء على ما فهمه من كلامهم، وهذا مهم، وذلك لأن الفهوم قد تتباين كما هو معلوم، كما أنه ليس كل شيء يسهل تلخيصه، فهذا الذي فعله مقرونٌ بفهمه.
سادسا: من تفننه تنبيهه على المدارس الفقهية كأهل الحديث وغيرهم، كما أنه ينص في بعض الأحيان على قول فقهاء أهل بلد معين، كأهل الكوفة مثلا، وفي بعض الأحيان يذكر مذهب أهل مكة والمدينة.
ويستفاد مما نقله أبو عيسى أن علماء الناس في الغالب كانوا في الحجاز والعراق، ثم بعد ذلك انتشر العلم إلى باقي الأمصار، لذا لم أجد في "كتابه" أنه عزى قولا في مسائل الأحكام إلى أهل الشام أو مصر أو خراسان، وانما إلى أفراد كالأوزاعي في الشام، وابن المبارك في خراسان.
وليس معنى هذا أن هذه البلاد ليس فيها علماء، كيف وقد نزلها الصحابة وهلم جرا؟! ولكن المقصود أن اشتهار العلم في البلاد التي ذكرت كان أكثر وأشهر، ومما يدل على أهمية ذلك أن ابن حبان ألف كتابا سماه "مشاهير فقهاء الأمصار"، وألف الذهبي كتابًا سماه: "الأمصار ذوات الآثار" (١).
وسيأتي ذكر الأمثلة على ذلك في الكلام على منهجه في الفقه.
стр. 167
لذا قال أبو بكر ابن العربي: (وليس في قدر "جامع" أبي عِيسَى مثله حلاوة مقطع، ونفاسة مَنْزَع، وعذوبة مَشْرع، وفيه أربعة عشر عِلْمًا فرائد: صنَّف، ودلّل، وأسند، وصحّح وأشهر، وعدّد الطُّرُق، وجرّح وعدّل، وأسمى وأكنى، ووصل وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبيّن اختلاف العلماء في الإسناد والتأويل، وكل علم منها أصل في بابه، فرد في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة، وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير) (١).
وهناك ميزات أخرى لم يذكرها تقدم ذكرها.
* * *
стр. 168
الفصل السادس في عقيدته
أبو عيسى الترمذي من أئمة الإسلام الكبار، وكتابه "الجامع" من دواوين الإسلام المعروفة، بل من الكتب الستة المشهورة، وكان ﵀ على عقيدة الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة من أئمة المسلمين، وهي عقيدة أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، وليعلم أن عقيدتهم تعرف من طريقين:
١ - من خلال نصوصهم وتبويباتهم التي وضعوها في ثنايا كتبهم على الأحاديث المتعلقة بالاعتقاد، كقول النسائي في كتابه السنن: (كتاب النعوت)، وأحيانا ينكرون على من خالف ظاهر هذه النصوص، ويردون عليه مقالته كما قال أبو داود: (باب في الرد على الجهمية).
٢ - من خلال إيرادهم لهذه الأحاديث وترتيبها وجمع النظير إلى ما يماثله، وبذلك يتبين معتقدهم فيها، ومقصودهم من ذكرها، قال ابن القيم: (مسلم بن الحجاج يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها، ولم يذكر لها تراجم كما فعل البخاري … الخ) (١).
وأما ما يتعلق ببيان عقيدة أبي عيسى الترمذي فأقول وبالله تعالى التوفيق: إن ذلك يعرف من جهتين -إجمالًا وتفصيلًا-:
الجهة الأولى: جهة الإجمال، ويعرف ذلك من خلال الأمور الآتية:
стр. 169
١ - بيانه لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد قرر أبو عيسى ذلك في كتابه تقريرا ظاهرا بينا، بل ونص على انتسابه إليهم وذلك في ثنايا الأبواب، فقال في بيان مذهب أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن أتى من بعدهم من علماء المسلمين في صفات الله : (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث (١) وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويُؤْمَن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) (٢).
وقال في موضع آخر -بعد أن ذكر حديثا فيه رؤية الله ، ثم ذكر أن مذهب أهل العلم في ذلك الإيمان بالرؤية وغيرها من صفات الله -ثم قال: (وهذا الذي اختاره أهل الحديث) (٣)، وسوف يأتي كلامه بتمامه في موضعه.
٢ - ذكرُ العلماء له ضمن أهل السنة، ومنهم أبو القاسم اللالكائي، فقد قال: (باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة .... إلى أن قال: ومن أهل خراسان: … أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي) (٤).
стр. 170
وذكره الذهبي أيضًا ضمن الأئمة الذين ذكر أقوالهم في كتابه "العلو" (١).
٣ - كتابه "الجامع"، فإنه يشهد بذلك أيضًا، فكل أحاديث الكتاب وتبويباته بيان للوحي الذي أنزله الله على رسوله، وما أوجبه على عباده، فسائر أبواب الشريعة مذكورة في هذا الكتاب، لذا قال ﵀: (من كان هذا الكتاب -يعني: "الجامع"- في بيته، فكأنما في بيته نبي يتكلم) (٢).
لذا كان يقول أيضًا في مفتتح كل كتاب: (أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ ) (٣)، (أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ ) (٤)، (أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ ) (٥) .... وهلم جرّا.
بل سمى كتابه: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) (٦).
الجهة الثانية: جهة التفصيل:
فأقول وبالله تعالى التوفيق: إن أبا عيسى شرح ذلك وبينه في كتابه بيانا واضحًا، وسوف أذكر بعض ذلك:
فقد روى في كتابه حديث عمر المسمى بحديث جبريل (٧)، وفيه بيان مراتب الدين، بذكر أركان الإسلام والإيمان والإحسان.
قال القاضي عياض: (هذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع
стр. 171
وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعةٌ إليه، ومتشعبة منه … إذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاث) (١).
وقال أبو العباس القرطبي في شرح هذا الحديث: (وقوله: "أتاكم يعلمكم دينكم" أي: قواعد دينكم أو كليات ديتكم، قال القاضي: … ) ونقل كلامه السابق، ثم قال: (فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم الكتاب؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن) (٢).
وقال الحافظ ابن رجب: (وهو حديث عظيم جدا، يشتمل على شرح الدين كله، ولهذا قال النبي ﷺ في آخره: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله دينا) (٣).
* * *
ثم فصل أبو عيسى ذلك في كتابه، موضحًا هذه المراتب الثلاث:
فأما ما يتعلق بالمرتبة الأولى، وهي مرتبة الإسلام، فذكر حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وواشاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" (٤)، وفيه بيان الدرجة الأولى من درجات الدين وهي الإسلام، وتضمن ذكر أركانه الخمسة.
стр. 172
وعقد أبوابًا فيها تفصيل هذه الأركان الخمسة، فذكر ما يتعلق بالشهادتين في ثنايا الكتاب، وليست مجموعة في أبواب معينة، بل كل ما في الكتاب هو شرح لها، لأن جميع الدين يعود إليها، وسوف يأتي بيان شيء من ذلك في الدرجة الثانية. وأما الركن الثاني وهو الصلاة فافتتح كتابه بالحديث عنها وأركانها وشروطها، لذا ابتدأ بالطهارة وما يتعلق بها، ثم الصلاة وصفتها وأنواعها، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج (١)، وأطال النفس في ذلك (٢).
* * *
وأما المرتبة الثانية، وهي مرتبة الإيمان، وأركانه ستة:
فأما الركن الأول وهو الإيمان بالله ، فقد عقد أبو عيسى كتابا لذلك ضمن "جامعه"، فقال: (أبواب الإيمان عن رسول الله ﷺ ) (٣).
وما في هذا الكتاب من أحاديث وآثار هو بيان للإيمان بالله، فكان الباب الأول من أبواب الإيمان: (باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس يقولوا لا إله إلا الله)، ثم ذكر حديث أبي هريرة: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (٤).
стр. 173
ثم ذكر في الباب الثاني: (باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة)، ثم ذكر حديث أنس -وهو تأكيد للأول وتفسير له-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" (١).
وفي الباب الثالث: (باب ما جاء بني الإسلام على خمس) (٢)، وذكر حديث ابن عمر الذي فيه ذكر الأركان الخمسة، الذي تقدم ذكره، وفيه أيضًا أن من تركها أو بعضها فإنه يقاتل على ذلك (٣)؛ لأن الإسلام مبني عليها، وقد جاء النص على ذلك صريحا كما في حديث أبي هريرة السابق، ففيه: (إلا بحقها) ومن حقها الزكاة كما في الصلاة، لذا قال أبو بكر ﵁: (والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه) (٤)، وكذلك في حديث أنس السابق فإن فيه: أن من امتنع من أكل ذبائح المسلمين فإنه يقاتل.
ثم ذكر بابا في بيان صفة الإيمان والإسلام (باب ما وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام) فذكر حديث عمر المسمى بحديث جبريل (٥).
ثم عقد بابا في أن الأعمال من الإيمان، فقال: (باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان) (٦).
ثم عقد بابا في (استكمال الإيمان والزيادة والنقصان)، وذكر ما يدل
стр. 174
على ذلك من الأحاديث، ومنها حديث أبي هريرة في بيان شعب الإيمان (١).
ثم عقد أبوابا أخرى كثيرة تتعلق بهذا الأمر العظيم، وهي:
(باب ما جاء "الحياء من الإيمان")، (باب ما جاء في حرمة الصلاة)، (باب ما جاء في ترك الصلاة)، (باب "لا يزني الزاني وهو مؤمن")، (باب ما جاء "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده")، (باب ما جاء "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا")، (باب في علامة المنافق)، (باب ما جاء "سباب المؤمن فسوق")، (باب فيمن رمى أخاه بكفر)، (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله)، (باب افتراق هذه الأمة) (٢).
* * *
ومن الإيمان بالله تعالى: الإيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته، ونعوت كماله، وقد اعتنى أبو عيسى ببيان ذلك في عدة مواضع من كتابه، ومن ذلك:
١ - قوله: (باب في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة) (٣).
وهذا فيه إثبات هذه الصفة العظيمة وهي نزوله إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة.
٢ - وقوله: (باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن) (٤).
٣ - وقوله أيضًا: (باب ما جاء في رحمة الناس) (٥).
стр. 175
وفي هذا الإشارة إلى أنها غير رحمة الله التي هي صفة من صفاته، لذا ذكر حديث جرير وفيه: "من لم يرحم الناس لا يرحمه". وذكر أيضًا حديث عبد الله بن عمرو: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
في هذه الأحاديث رحمتان: رحمة تتعلق بالله، ورحمة تتعلق بالناس، وأن من رحم الناس فإن الله يرحمه.
٤ - وقال أيضًا: (وقد روي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا، ما يذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذكر القَدَم وما أشبه هذه الأشياء.
والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل لسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء، وقالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث، أن يرووا هذه الأشياء كما جاءت ونؤمن بها، ولا تفسر، ولا تتوهم، ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) (١).
٥ - وقال أيضًا في موضع آخر: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟
هكذا روي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل
стр. 176
العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه.
وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد هاهنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.
وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله ﵎ في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) (١).
* * *
كما أنه بين في مواضع من "جامعه" أن العبادة حق لله وحده لا شريك له، وهذا يكون بإخلاص العبادة له ، فذكر حديث: "إنما الأعمال بالنية" وبوب عليه: (باب ما جاء من يقاتل رياء وللدنيا) (٢).
وعقد بابا أيضًا فقال: (باب ما جاء في الرياء والسمعة)، وذكر تحته أحاديث في ذلك (٣).
ثم عقد بعد ذلك بابين آخرين في بيان هذا الأمر (٤)، فذكر في الأول
стр. 177
منهما: وعيد القراء المراؤون باعمالهم، وذكر في الثاني: حديث من أسر عمله، ثم علم هذا العمل فأعجبه ذلك، ثم قال: (وقد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث: إذا اطُّلع عليه فأعجبه إنما معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير؛ لقول النبي ﷺ : "أنتم شهداء الله في الأرض"، فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا، لما يرجو بثناء الناس عليه، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير ويكرم ويعظم على ذلك فهذا رياء.
وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله فيكون له مثل أجورهم، فهذا له مذهب أيضًا).
ثم أشار إلى هذا في موضع آخر أيضًا فقال: (باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر)، وذكر حديث أبي كبشة الأنماري، وفيه: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء … " (١).
ثم ذكر (باب ما جاء في هَمِّ الدنيا وحبها) (٢)، وذكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل"، وذكر حديثين آخرين، وهذا فيه أن الواجب على العبد التعلق بالله وإفراده بذلك.
وذكر أيضًا إحسان العبد الظن بربه ، فقال: (باب في حسن الظن بالله) (٣)، وذكر حديث أبي هريرة: "أنا عند ظن عبدي بي … " الحديث.
стр. 178
وذكر في أواخر أبواب الإيمان: (باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) (١)، فذكر حديث عبادة بن الصامت: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار"، وهذا فيه إشارة إلى الموت على التوحيد.
وذكر أيضًا أن الحلف لا يكون إلا بالله، لذا بوب: (باب في كراهية الحلف بغير الله) وذكر حديث ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ عمر وهو يقول: وأبي، وأبي، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، فقال عمر: (فوالله ما حلفت به بعد ذلك ذاكرًا ولا آثرًا) (٢).
وعقد أيضًا أبوابا تتعلق بالولاء والبراء، فقال: (باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين) (٣)، وقال أيضًا: (باب ما جاء في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب) (٤).
* * *
وأما الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة:
فذكر ﵀ أبوابًا كثيرة تتعلق بالملائكة، منها ما يتعلق بأصل وجودهم، ومنها ما يتعلق بصفاتهم وأعمالهم، وبعض الأحكام الخاصة بهم.
فأما ما يتعلق بالأمر الأول، وهو أصل وجودهم: فقد تقدم حديث عمر في مراتب الدين، وفيه: "وأن تومن بالله وملائكته".
وقال أيضًا: (باب سورة الملائكة) (٥)، وهذا أيضًا يتعلق بالإيمان بهم.
стр. 179
وهذا الأمر أكثر من أن يحصى في "جامعه"، وما سوف يأتي مما يتعلق بصفاتهم وأعمالهم يدخلى في ذلك أيضًا.
أما ما يتعلق بصفاتهم الخلقية:
فقد ذكر أبو عيسى عدة أحاديث متعلقة بذلك، ومنها:
١ - فذكر حديث جابر، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال: " … ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية" (١).
٢ - وفي (باب ما وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام) ذكر حديث عمر في مراتب الدين، وفيه: كنا عند رسول الله ﷺ ، فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي ﷺ فألزق ركبته بركبته .... وقال ﷺ في آخر الحديث: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم" (٢).
٣ - وفي (باب من سورة الأنعام) ذكر حديث مسروق، قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم الفرية على الله: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، أليس يقول الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] قالت: أنا أول من سأل عن هذا رسول الله ﷺ قال: "إنما ذاك جبريل، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها كير هاتين المرتين،
стр. 180
رأيته منهبطًا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" … الحديث (١).
٤ - وفي (باب ما جاء في فتنة الدجال) (٢) ذكر حديث النواس بن سمعان ﵁، وفيه: " … فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى ابن مريم بشرقي دمشق عند المنارة البيضاء بين مَهْرُودَتَين واضعا يديه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، قال: ولا يجد ريح نفسه -يعني: أحدًا- إلا مات، وربح نفسه منتهى بصره" (٣).
وأما ما يتعلق بأعمالهم:
١ - فقد قال: (باب ما جاء إن لله ملائكة سياحين في الأرض) (٤) وذكر فيه حديث أبي صالح عن أبي هريرة -أو عن أبي سعيد الخدري-، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن كُتَّاب الناس، فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى بغيتكم … ".
٢ - وفي باب: (باب ما جاء في فضل التأمين) (٥) ذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملاثكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
٣ - وفي باب: (باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة) (٦) ذكر حديث أبي هريرة، وفيه: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".