← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(لم يكن شأن "جامع الترمذي" أحسن من شأن "الصحيحين" في إغفال اسمه عليه، فقد طبع طبعات كثيرة متعددة في بلاد مصر والشام والهند وغيرها، ولم يثبت على وجه طبعة منه اسمه العلمي الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وتبدو أهمية إثبات اسمه التام الكامل عليه أكثر من أهمية إثبات اسم "الصحيحين" عليهما، لشهرتهما بالصحة وتأليفهما لجمع الحديث الصحيح، فغياب اسمهما الكامل من الذكر على وجهيهما لا يؤثر مئل ما يؤثر غياب اسم "جامع الترمذي"، ويزيد الأمر ضغثا على إبالة أنه أُثبت على "جامع الترمذي" اسم يخالف مضمونه وما أسس تأليفه عليه، فقد أثبت على وجه المطبوع منه بالقاهرة ثم في بيروت "صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي"، وهو خطأ فليس هو مسمى بالصحيح. والعجب أن شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شرح كتاب الترمذي أثبت على وجهه "الجامع الصحيح، وهو سنن الترمذي". انتهى، فالجزء الثاني من هذا الاسم: (وهو سنن الترمذي)، من باب رعاية المعنى والمضمون للكتاب، فلا مانع منه، على أنه قد سمي في بعض الأثبات والفهارس باسم "السنن"، كما في "فهرست ابن عطية". وقد اشتهر به أيضًا - تغليبا في ضمه إلى كتب السنن الثلاثة - كما أشار إليه صاحب "كشف الظنون"، أما الجزء الأول من هذا الاسم وهو (الجامع الصحيح)، فهذا الوصف: (الصحيح) ما كان ينبغي له إثباته على وجه الكتاب، وقد أثبته غير مرة: في وجه الجزء الأول، وفي صفحة ٩٠ من المقدمة، وفي وجه أول الكتاب بعد المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني، من طبعة مصطفى البابي الحلبي. وتابع شيخنا في هذا: من تساهل في إطلاق هذا الوصف على كتاب

стр. 107

الترمذي، فقد أطلق الحاكم عليه اسم (الجامع الصحيح)، وأطلق الخطيب عليه أيضًا اسم (الصحيح)، كما حكاه عنهما الحافظ ابن الصلاح في "مقدمته"، بآخر (النوع الثاني: الحسن)، وتعقبه بقوله: وهذا تساهل، لأن فيها - أي في الكتب المعدود فيها كتاب الترمذي - ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف. انتهى. وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الترمذي: في "الجامع" علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل. انتهى. وقال الذهبي أيضًا: انحطت رتبة "جامع الترمذي" عن "سنن" أبي داود والنسائي، لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. نقله السيوطي في "تدريب الراوي"، في أوأخر الكلام على (الحديث الحسن). فوصف "جامع الترمذي" بلفظ (الصحيح) غير صحيح، فلا يسوغ إثباته عليه. وسماه الحافظ أبو القاسم الإسعردي، المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه "فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي": (المسند الجامع). وهذا لائق به. وسماه قبله الحافظ ابن خير الإشبيلي، المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى، في "فهرست ما رواه عن شيوخه"، بقوله: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل). وهذا الاسم مطابق لمضمون الكتاب، ووقفت عليه بعينه مثبتا على مخطوطتين قديمتين، كتبت إحداهما قبل سنة ٤٧٩، وقبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، والنسخة الأخرى كتبت في سنة ٥٨٢ …

стр. 108

وقد دعيت إلى المشاركة في ندوة أقامها البنك الإسلامي للتنمية في جدة، بعنوان (استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية)، وعقدت في ٢٤/ ٤/ ١٤١١، فلبيت الدعوة وشاركت فيها، وكان من الأساتذة المشاركين فيها الأستاذ الفاضل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. فذكرت له في حديث خاص بيننا أن كتب السنة (الستة) تحتاج في إخراجها ونشرها إلى مزيد عناية خاصة، تواكب تقدم الطباعة وارتقاءها، وذكرت له أن بعضها مثل "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" و"جامع الترمذي": لم تثبت عليها أسماؤها العلمية التي وضعها لها مؤلفوها، لتدل على مضمون كتبهم وتحديد منهجهم في جمعها وتصنيفها، بل قد أُثبت على الترمذي اسم مخالف لمضمونه كل المخالفة، وهو "الجامع الصحيح"! وقلت له: إني تعرضت لهذا الموضوع في رسالتي المسماة "الإسناد من الدين"، التي قدمتها إلى المطبعة من السنة الماضية، وحققت فيها اسم صحيح الإمام البخاري، واسم جامع الإمام الترمذي، وسميت له الاسم العلمي الذي وضعه الإمام الترمذي لكتابه، وهو "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل"، وكانت تجارب التصحيح لطباعة هذه الرسالة معي، فأطلعته على ما كتبته في هذا الصدد فسُرَّ به، وذكر لي أن لديه مخطوطة قديمة من كتاب الترمذي، عليها هذا الاسم بعينه كما يظن. فرجوت منه أن يسعفني بصورة من صفحة العنوان، لأعزز بها ما ذكرته، ولأنشرها في آخر الرسالة، فتكرم بذلك فقدم لي صورة من عنوان نسخة مكتبة فيض الله أفندي، التي سأتحدث عنها بعد قليل، ولم يكتف بهذا فأرسل إلى مقره في أمريكا، وطلب لي سورة من نسخة ثانية قديمة لكتاب الترمذي، تملكها من قريب وعليها العنوان الذي ذكرته، ثم جاءت

стр. 109

الصورة فكان العنوان فيها مطابقا لنسخة فيض الله أفندي، ومطابقا للعنوان الذي أثبته في رسالتي "الإسناد من الدين". وقدم لي أيضًا صورتين لوجه نسختين قديمتين من "صحيح الإمام البخاري"، أثبت عليهما اسم "صحيح البخاري" كما ذكرته في رسالة "الإسناد من الدين"، فتعزز عندي الجزم بصحّة ما كتبته في اسمي هذين الكتابين: "صحيح البخاري"، و"جامع الترمذي"، والحمد والفضل لله تعالى … ... والغريب كل الغرابة أن من خدم "جامع الترمذي" من العلماء المعاصرين: تحقيقا وتقويما لمتنه، أو شرحا وبيانا لمعانيه وأحاديثه، أو ضبطا وتفصيلا لشرحه، كشيخ شيوخنا العلامة محمد يحيى الكاندهلوي، في شرحه المسمى "الكوكب الدري على جامع الترمذي"، وكالعلامة عبدالرحمن المباركفوري، في شرحه "تحفة الأحوذي"، وشيخنا العلامة أحمد شاكر، في تحقيقه لمتن كتاب الترمذي وشرحه الذي لم يتم، وشيخنا العلامة محمد يوسف البنوري، في شرحه المسمى "معارف السنن" الذي لم يكتمل، وصديقنا العلامة الشيخ أحمد معبد، في تحقيقه لكتاب "النفح الشذي"، التي تصلح أن تكون كتابا مستقلا لغزارة علمها وبالغ طولها، لم يتعرضوا بالمرة لذكر اسم الكتاب العلمي. وأغرب من هذا أن من خصص دراسة خاصة واسعة عن الإمام الترمذي و"جامعه"، كالأستاذ الفاضل الدكتور نور الدين عتر في كتابه "الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين"، لم يتعرض لذكر اسم الكتاب هذا فيه، وإنما ذكر في ص ٤٤ جملة من الأسماء المختصرة المختزلة له، فكأنه لم يمر بخاطره هذا الموضوع بالمرة، وإلا لكان بحثَه واستكشفه من النسخ المخطوطة القديمة، فإنه من أهم المباحث وأولها عناية لدارس كتاب "جامع الترمذي".

стр. 110

وكذلك لم يتعرض لاسم "جامع الترمذي" الأستاذ الدكتور أكرم العمري … وقد وقع نحو هذا للشيخ ناصر الألباني … بل إن شيخ شيوخنا الإمام محمد بن جعفر الكتاني لم يتعرض لاسم الكتاب في كتابه الحافل المفيد "الرسالة المستطرفة … "، وكذلك قبله العلامة حاجي خليفة في كتابه العظيم "كشف الظنون … ". بل إن الذين ترجموا للإمام الترمذي من كبار الأئمة المتأخرين، كالحافظ المزي في "تهذيب الكمال"، والحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، و"سير أعلام النبلاء"، و"العبر"، والحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": لم يتعرضوا أيضًا لذكر اسم الكتاب، وذلك مما جعل اسم الكتاب مجهولا خفيا، ولعل الباعث لهم على ذلك طول اسم الكتاب بعض الشيء، فهم يختصرونه بأقل ما يدل عليه، وهذا عذر مسوغ مقبول عند الإحالة إليه والنقل منه، لكثرة ترداد اسمه، أما عند الحديث عن الكتاب فيتعين صناعة ذكر اسمه وعنوانه الذي وضعه المؤلف، لتعرف خطته ونهجه فيه بجلاء ووضوح … ). إلى أن قال (ص ٧٦): (تعزيز صحة اسم جامع الترمذي: ذكرت فيما تقدم كلمة عن اسم "جامع الترمذي" الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي، وأنه "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل". وتعزيزا وتوكيدا لثبوت أن هذا الاسم لكتاب الترمذي هو الذي سماه به مؤلفه، بحثت عن بعض النسخ المخطوطة القديمة منه، فوقفت على نسختين نفيستين جدا، جاء فيهما اسم الكتاب كما ذكرته تماما. وأورد هنا صورتين لوجهي هاتين النسختين، زيادة في الطمأنينة إلى أن الاسم المذكور هو من صنيع الإمام الترمذي نفسه.

стр. 111

وفي شهر هذا الاسم واشتهاره لكتاب الإمام الترمذي نفع كبير جدا، لذا يجب على من يطبع هذا الكتاب بعد الآن أن يثبت هذا الاسم عليه أمانة وصناعة، ومن يخالف فقد خان الأمانة وأضاع هوية الكتاب، فالله حسيبه. ويتبدّى من دراسة هذا العنوان الدقيق المتين، إمامة الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في فقهه ومعرفته بمذاهب الفقهاء والمجتهدين، إلى جانب إمامته الفذة في الحديث وعلومه، وعلله ورجاله ورواياته … ). ثم قال بعد ذلك (ص ٧٨): (لكتاب "جامع الترمذي" نسخ مخطوطة كثيرة منتشرة هنا وهناك، ولكن قلّ أن تجد نسخة منها عليها اسم الكتاب كاملا تاما، كما سماه به مؤلفه، وأغلب النسخ يذكر فيها اسم الكتاب مختصرا بلفظ (الجامع للإمام الترمذي)، أو (جامع الترمذي)، أو نحو هذا وذاك. وقد عثرت على نسختين خطيتين قديمتين، جاء اسم الكتاب عليهما تاما غير منقوص، كما نقله الإمام الحافظ المحدث الضابط المتقن أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي رحمه الله تعالى، في "فهرست ما رواه عن شيوخه" … وهو (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)، وإليك كلمة عن هاتين النسختين: النسخة الأولى: هذه النسخة دخلت في تملك الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي … وهي في مجلد واحد، وفيها نقص بآخرها يبلغ ثلاثة أوراق، وتبلغ صفحاتها ٦٤٨ صفحة، والترقيم حديث. وكلها بخط مشرقي فصيح جميل، ولم يذكر عليها اسم كاتبها، كتبت قبل سنة ٤٨٠، إذ عليها سماعات متعددة، أقدمها سماع في رمضان سنة ٤٧٩، وعورض الأصل بنسخة ابن خلاد الرامهرمزي - صاحب كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"-، فهي أقدم كتابة من النسخة الثانية

стр. 112

التي سيأتي الحديث عنها قريبا، بأكثر من مائة سنة، ومكتوبة قبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، وتوفي سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى. وسند هذه النسخة إلى المؤلف يختلف عن سند النسخة الثانية اختلافا تاما، واتفقت النسختان في العنوان على عبارة واحدة، وهي: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل)، إلا أن هذه النسخة الأولى نقص فيها لفظ (عن رسول الله ﷺ )، كما يراه الناظر في سورة كل من النسختين (١). وأثبت هنا سورة الجزء التاسع من النسخة الأولى، لا الجزء الأول كما هو المعتاد، لوضوح الخط ونضارته في هذا الجزء دون الجزء الأول، وهذا مثال ما جاء في الصفحة المصورة من المخطوطة في الموضع المذكور، وفيه السند من سامع هذه النسخة إلى المؤلف الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: (الجزء التاسع من كتاب الجامع المختصر من السنن ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. تصنيف أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ الترمذي ﵀. سماعا لداود بن محمد بن عبد الله بن يوسف نفعه الله بالعلم. حدثه به أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن الشافعي في المسجد الحرام، عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم المروزي الفقيه، عن أبي زيد محمد ابن أحمد المروزي الفقيه، عن أبي حامد أحمد بن عبد الله المروزي، عن أبي عيسى الحافظ الترمذي.

стр. 113

وحدثه به أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد العطار، عن أبي ذر محمد بن إبراهيم الترمذي، عن أبي عيسى الترمذي). النسخة الثانية: هذه النسخة محفوظة في مكتبة فيض الله أفندي رحمه الله تعالى في إسطنبول، برقم ٣٤٤، في مجلد واحد، وهي نسخة تامة في ٢٦٧ ورقة بخط مغربي فصيح، فرغ من نسخها في شوال من سنة ٥٨٢، ولم يذكر عليها اسم كاتبها، وعلى الزاوية اليسرى العليا من الصفحة السابقة لصفحة العنوان تملك لها بخط مالكها فيض الله أفندي جاء فيه ما يلي: (من كتب الفقير السيد فيض الله المفتي في السلطنة العلية العثمانية عفي عنه). وهذا نص ما جاء على وجه هذه النسخة: (الكتاب الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل. تصنيف الإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمة الله عليه، ومغفرته ورضوانه لديه). وسند سامع هذه النسخة إلى المؤلف مكتوب في أول الكتاب كما يلي: (قال محمد بن علي بن حسنون: أخبرنا الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي المعافري ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع. قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين المبارك بن عبدالجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي ﵁ قراءة عليه وأنا أسمع، فأقر به في شوال سنة تسعين وأربع مائة. قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبدالواحد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن جعفر قراءة عليه فأقر به. قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن أحمد بن شعبة المروزي السنجي قراءة من أصله في منزله في المحرم سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة.

стр. 114

قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب، قال: قرئ على أبي عيسى محمد بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الحافظ وأنا أسمع، قال أبو عيسى: كان جدي مروزيا، انتقل من مرو أيام الليث بن سيار. قال: حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد … ). ثم أورد عبد الفتاح أبو غدة الصور التالية:

стр. 115

وجهُ النسخة الأولى من كتاب جامع الترمذي

стр. 116

وجهُ النسخة الثانية من كتاب جامع الترمذي

стр. 117

ثم قال عبد الفتاح أبو غدة (ص ٨٨): (وبهذا العنوان الواضح الصريح الذي رأيناه، تتبين معالم كتاب الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وتتبين أيضًا دقة مداركه ومقاصده الحديثية والفقهية، في تأليفه الكتاب على هذا الوجه الذي رسمه وربط فيه بين جوانبه وأحاديثه. فهو قد قصد أن يدون فيه الصحيح والمعلول -أي: الضعيف- قصدا أساسيا، وأصدر الحكم من الجمع بينهما في كثير من الأبواب، وقصد أن يذكر فيه أيضًا: ما عليه العمل، إكمالا للفائدة، فإن هذا الجانب قد يبدو أنه فقهي، والحق أنه فقهي وحديثي أيضًا، لأن العمل بالحديث عند العامل به من ذوي العلم محدثا كان أو فقيها: دليل على صحته عنده، ما لم يكن ضعيفا ويرى العمل به في فضائل الأعمال، كما هو مقرر في موضعه من كتب الأصول والفقه والمصطلح، أو قام لديه ما يدعوه إلى الأخذ به. فكتاب "الجامع" للإمام الترمذي كتاب فذ في بابه، وقد تتابعت وكثرت كلمات الثناء عليه من كبار الأئمة المحدثين والنقاد، من أجل كثرة مزاياه وفوائده وعلومه الحديثية) ا. هـ كلام عبدالفتاح أبو غدة. * * *

стр. 118

الفصل الثاني في أسانيد الترمذي من حيث العلو وعدمه أقدم ما عند الترمذي حديث مالك، والحمادين، والليث بن سعد، وقيس بن الربيع، وينزل حتى أنه أكثر عن البخاري، وأصحاب هشام بن عمار، ونحوه. قاله الذهبي في "السير" (١). قلت: يعني أنه يروي عن مالك والحمادين والليث وقيس بواسطة شخص واحد عنهم، فهو يروي عن تلاميذهم. وقوله: (ينزل حتى أكثر عن البخاري) لأنه وإن كان البخاري من شيوخه إلا أنه قد شاركه في جمع من شيوخه، لذا قال الذهبي هنا: (وينزل). وكذا هشام بن عمار فقد روى عنه بواسطة، وهذا يعتبر نزولا؛ لأن هشام تأخرت وفاته إلى سنة خمس وأربعين ومائتين، وجمع من شيوخ الترمذي قد توفوا قبل ذلك، فروايته عنه تعتبر بنزول. فأعلى أسانيده رباعي، نعم له حديث واحد ثلاثي: قال ﵀: (حدَّثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ابن ابنة السدي الكوفي، قال: حدَّثنا عمر بن شاكر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر".

стр. 119

هذا حديث غريب من هذا الوجه، وعمر بن شاكر روى عنه غير واحد من أهل العلم، وهو شيخ بصري) (١). قلت: وهذا إسناد ضعيف، بل هو منكر؛ من أجل عمر بن شاكر وهو ضعيف، وقد أشار أبو عيسى إلى هذا، وأبو حاتم أيضًا بقوله: ضعيف يروي عن أنس المناكير (٢). وقال ابن عدي: يروي عن أنس بنسخة قريبا من عشرين حديثا غير محفوظة (٣). قال أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" (٤): وليس في كتاب الترمذي حديث ثلاثي غير هذا الحديث. * * *

стр. 120

الفصل الثالث في مصادره صرّح الترمذي بمصادره في "العلل" آخر "الجامع" فقال: (وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء؛ فما كان فيه: ١ - من قول سفيان الثوري: فأكثره ما حدثنا به محمد بن عثمان الكوفي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان. ومنه ما حدثني به أبو الفضل مكتوم بن العباس الترمذي، حدثنا محمد ابن يوسف الفريابي، عن سفيان. ٢ - وما كان من قول مالك بن أنس: فأكثره ما حدثنا به إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس. وما كان فيه من أبواب الصوم، فأخبرنا به أبو مصعب المديني، عن مالك بن أنس. وبعض كلام مالك ما أخبرنا به موسى بن حزام، قال: أخبرنا عبد الله ابن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس. ٣ - وما كان فيه من قول ابن المبارك: فهو ما حدثنا به أحمد بن عبدة الآملي، عن أصحاب ابن المبارك، عنه.

стр. 121

ومنه ما روي عن أبي وهب، عن ابن المبارك. ومنه ما روي عن علي بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك. ومنه ما روي عن عبدان، عن سفيان بن عبد الملك، عن عبد الله بن المبارك. ومنه ما روي عن حبان بن موسى، عن ابن المبارك. ومنه ما روي عن وهب بن زمعة، عن فضالة النسوي، عن عبد الله بن المبارك. وله رجال مسمون سوى من ذكرنا عن ابن المبارك. ٤ - وما كان فيه من قول الشافعي: فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي. وما كان من الوضوء والصلاة، حدثنا به أبو الوليد المكي، عن الشافعي. ومنه ما حدثنا أبو إسماعيل، قال: حدثنا يوسف بن يحيى القرشي البويطي، عن الشافعي. وذكر فيه أشياء عن الربيع عن الشافعي، وقد أجاز لنا الربيع ذلك، وكتب به إلينا. ٥ - وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل واسحاق بن إبراهيم: فهو ما أخبرنا به إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق، إلا ما في أبواب الحج والديات والحدود فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور، أخبرني به محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد، وإسحاق.

стр. 122

وبعض كلام إسحاق أخبرنا به محمد بن فليح، عن إسحاق. وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف. ٦ - وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ: فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل. ومنه ما ناظرت عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا زرعة. وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة. ولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل) (١). * * *

стр. 123

الفصل الرابع في اختلاف نسخه اعلم علمك الله تعالى أن نسخ "جامع الترمذي" متفقة فيما بينها، ومتطابقة في مادتها وأحكامها، وأما الاختلاف الواقع بينها فهو يسير جدا (١)، وأغلبه في أمرين: الأول: اختلاف في أحكام الترمذي على الأحاديث، أو شيء من كلامه عليها. والثاني: انفراد بعض النسخ بزيادة بعض الأحاديث، أو الرواة والكلمات، وأحيانا يكون الاختلاف في مسمى الباب، أو ذكره وعدم ذكره. أما الأول - وهو الغالب في الاختلاف -: فهناك أحاديث وقع اختلاف بين النسخ في حكمه عليها، فمثلا: هل صححه أو اقتصر على تحسينه؟ أو: هل استغربه فقط، أو قال: حسن غريب؟ ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا أحمد بن منيع، وعلي بن حجر، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال النبي ﷺ : "اصنعوا لأهل جعفر طعاما؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم". هذا حديث حسن).

стр. 124

قلت: هكذا وقع في طبعة بشار (١)، و"تحفة الأشراف" (٢)، وكذلك حكم عليه البغوي (٣). ووقع في طبعة الرسالة (٤)، وطبعة التأصيل (٥)، و"تحفة الأحوذي" (٦): (حسن صحيح)، وهو موافق لما نقله المنذري في "مختصر السنن" (٧). ٢ - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا قران بن تمام، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن علي ابن ربيعة الأسدي، قال: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة بن شعبة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال النوح في الإسلام؟ أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه عذب ما نيح عليه". حديث المغيرة حديث حسن صحيح). قلت: هكذا وقع في طبعة بشار (٨)، ووقع في طبعة الرسالة (٩) وطبعة التأصيل (١٠): (غريب حسن صحيح)، وهكذا في "تحفة الأحوذي" (١١) ونسخة دار الكتب العلمية (١٢)، وأما "تحفة الأشراف" ففيها: (حسن صحيح) (١٣). ٣ - وقال أيضًا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو صفوان، عن أسامة ابن زيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أتى رسول الله ﷺ على

стр. 125

حمزة يوم أحد، فوقف عليه فرآه قد مثل به، فقال: "لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها". حديث أنس حديث غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه). قلت: هكذا في طبعة بشار (١) و"تحفة الأشراف" (٢)، وكذا نقله المنذري في "مختصر السنن" (٣)، وأما في الرسالة (٤) والتأصيل (٥) و"تحفة الأحوذي" (٦): (حسن غريب). والأمثلة على هذا كثيرة، وقد ورد في هذا "المدخل" شيء منها في مواضع متفرقة. وأما الثاني - وهو انفراد بعض النسخ بزيادة بعض الأحاديث، أو الرواة والكلمات، ونحو ذلك - فمن أمثلته: ١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: أخبرنا عمرٍو بن عون، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَنْظُر أحدكم ما الذي يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته". هذا حديث حسن) (٧). قلت: الصواب أنه عن أبي هريرة، وأن ذكره قد سقط من الإسناد؛ بدليل أن كل من رواه سوى الترمذي رواه بذكره، وقد وقفت على ثمانية من الرواة كلهم رواه عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.

стр. 126

فقد أخرجه أحمد (١)، وأبو داود الطيالسي (٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣)، وأبو يعلى (٤)، وابن أبي الدنيا في "المتمنين" (٥)، والبيهقي في "الشعب" (٦)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٧)، وابن عدي في "الكامل" (٨)، من طريق أبي عوانة. والذي يظهر أن هذا السقط قديم؛ بدليل أن المزي ذكر هذا الخبر عن الترمذي مرسلا، وكذا ذكره في قسم المراسيل من "التحفة" (٩). وهكذا المباركفوري في "الشرح"، قال: مرسل (١٠). ومما يؤكد ما تقدم أن الترمذي لو رواه مرسلا لقال: مرسل، كعادته. ويؤيده أيضًا أنه وقع في نسخة (س) - من النسخ التي اعتمدت في طبعة الرسالة - مسندا بذكر أبي هريرة. ٢ - وقال أيضًا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفي عبد الرحمن ابن أبي بكر بالحُبْشِي قال: فحمل إلى مكة، فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأني ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

стр. 127

ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك) (١). قلت: هذا الحديث لم نجده في "تحفة الأشراف"، فهل سقط من بعض نسخ "التحفة" أو من الطابِع غفلة، أم أن المزي لم يقف عليه في النسخ التي بين يديه، أو وقف عليه ولكن سها عنه؟ ومن أمثلة زيادة باب في إحدى النسخ: وقع في طبعة أحمد شاكر: (باب ما ذكر في مسح النبي ﷺ بعد نزول المائدة (٢). حدثنا قتيبة، حدثنا خالد بن زياد، عن مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن عبد الله توضأ ومسح على خفيه، قال: فقلت له في ذلك، فقال: رأيت النبي ﷺ توضأ فمسح على خفيه، فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة (٣). حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا نعيم بن ميسرة النحوي، عن خالد بن زياد نحوه (٤).

стр. 128

قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب) (١). وقال بشار عواد معروف: (أضاف العلامة أحمد شاكر، بعد هذا بابا من نسخة السندي، ساق فيه طريقين لحديث جرير بن عبد الله، في المسح على الخفين، احتلا الرقمين (٦١١ و ٦١٢)، وقد تقدم هذا الحديث برقم (٩٤)، وصرح العلامة بأن هذا الباب لم يرد في شيء من النسخ، وهو كذلك، فالصواب حذفه، لأن الترمذي لم يذكره في هذا الموضع، ولا أشار إلى ذلك أحد ممن نقل عنه). قلت: أسلوب هذا الباب يشبه أسلوب الترمذي، ولم يتقدم هذا الباب بهذا المسمى، وإنما الذي تقدم (باب في المسح على الخفين) وذكر فيه هذا الحديث بالإسناد الأول فقط، ولكنه قدم المتن وأخر الإسناد، ثم قال: وروى بقية عن إبراهيم بن أدهم عن مقاتل بن حيان عن شهر بن حوشب عن جرير. ثم قال: وهذا حديث مفسر … الخ. والخلاصة أنه لم يتقدم هذا الباب بأكمله، وإنما الذي تقدم بعض ما ذكر هنا، وهذا مما يقوي أنه من صنيع الترمذي، خاصة أنه ذكرها ضمن أبواب كأن فيها استدراكا لأبواب لم يذكرها في الطهارة والصلاة وكان من المناسب أن تذكر فيهما. قال أحمد شاكر في التعليق على باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل - رقم (٤٢٥) -: (هذا الباب والأبواب بعده إلى آخر الباب رقم (٤٣٢) كلها في الطهارة، ذكرها الترمذي في أواخر الصلاة كما ترى،

стр. 129

والظاهر أنه نسي أن يذكرها في موضعها، ولم يرد أن يخلي كتابه منها، فكتبها أو أملاها هنا). وكونه لم يأت في أكثر النسخ لا يعني عدم صحة هذه الزيادة، وأيضا كون المزي في "تهذيب الكمال" عندما ترجم لنعيم بن ميسرة النحوي لم يذكر من ضمن شيوخه خالد بن زياد، وذلك لأنه لم يقف على هذه الزيادة أصلا، والدليل على ذلك أنه لم يذكرها في تحفة الأشراف. ٣ - مثال آخر: قال الترمذي في (باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور): (حدثنا أبو بكر محمد بن زنجويه البغدادي، وغير واحد قالوا: حدثنا الحسين بن محمد قال: حدثنا سليمان بن قرم، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء"). قلت: حديث جابر ﵁، لم يثبت في ط التأصيل (١/ ٢٧٦)، وهو مثبت في بقية الطبعات: أحمد شاكر، وبشار، وعصام هادي، والرسالة (١). وقال محققو ط التأصيل: (بعده - أي بعد قول الترمذي: وفي الباب عن جابر وأبي سعيد - في حاشيتي الأصل، (س) بخط مغاير فيهما: "حدثنا أبو بكر بن محمد بن زنجويه .... ) فذكروا الحديث ثم قالوا: (وقال في حاشية الأصل: "ليس في رواية الشيخ"، ونسبه في حاشية الآخر لنسخة، وقال المزي في "تحفة الأشراف" (٢٥٧٦): "ليس في السماع، ولم يذكره أبو القاسم"، والحديث ثابت في (ف ٦/ ٢)، وفي (ف ١/ ٢)، ووقع في (خ/ ١) بعد قوله: "من قبل حفظه"، ورقم على أوله "لا"، وعلى آخره "إلى"، والحديث وإن كان في (ف ٦) وهي من رواية السنجي، عن المحبوبي، إلا أنها لم يتابعها على إثباته نسخة أخرى من رواية المحبوبي،

стр. 130

لذا وضعناه في الحاشية، لا سيما وقد قال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ١٤٧): "هو عند الترمذي، لكن ليس داخلا في الرواية"، ولم يرد عند ابن الأثير في كتابه "جامع الأصول"، ولا عند ابن العربي في "عارضة الأحوذي"، ولا عند المباركفوري في "تحفة الأحوذي". أما في الرسالة فقال محققوه قولا قريبا مما سبق بعد أن أثبتوا الحديث قالوا: (تنبيه: هذا الحديث اختلفت النسخ في إيراده وحذفه، فقد ورد في نسخة (س) و (ل)، ونسخة في هامش (د)، وجاء في نسخة (ب) على هامشها دون تصحيح أو إشارة إلى نسخة أخرى، واستدركه الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" ٢/ ٢٦٤ على الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وقال: ليس في السماع، ولم يذكره أبو القاسم. ونسبه الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ١/ ٢١٦ إلى الترمذي، وقال العراقي في "تخريج الإحياء" ١/ ١٤٧: هو عند الترمذي، ولكن ليس داخلا في الرواية. ولم يرد هذا الحديث في نسخة (ب) وهي نسخة مقروءة عليها سماعات، وكذا لم يرد عند ابن الأثير في كتابه "جامع الأصول"، ولا عند ابن العربي في "عارضة الأحوذي"، ولا عند المباركفوري في "تحفة الأحوذي"). وقال أحمد شاكر بعد أن أثبت الحديث: (الزيادة من (ع) ويؤيد صحتها أن الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص ٨٠) نسبه إلى الترمذي). وذكر بشار عواد أنه مثبت في بعض النسخ دون بعض، وذكر قول المزي، وعزو الحافظ ابن حجر الحديث للترمذي. والأمثلة على ذلك كثيرة. * * *

стр. 131

أسباب الاختلاف بين النسخ: مرد هذا الاختلاف إلى أسباب، منها: السبب الأول: أن المصنف غالبا إذا صنف كتابه فإنه لا يزال يزيد فيما صنف أبوابا، أو أحاديث، أو يحذف بعض الأحاديث أو الأبواب، ولهذا يحصل تباين بين نسخ الكتاب (١)، ومن المعلوم أن الرواة الذين سمعوا هذه الكتب كثر، فبعضهم يتلقى النسخة المتقدمة، وبعضهم يحضر العرض الأخير للكتاب، فتختلف الروايات لذلك، وهذا ما وقع في موطأ مالك، وصحيح البخاري، وسنن أبي داود، وجامع أبي عيسى، وغيرها من كتب السنة المشهورة. قال القاضي عياض: (قال عتيق الزبيري: وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظر فيه سنة، ويسقط منه، حتى بقي هذا، ولو بقي قليلًا لأسقطه كله. وقال القطان: كان علم الناس في زيادة، وعلم مالك في نقصان، ولو عاش مالك لأسقط علمه كله، يعني: تحريًا. وقال سليمان بن بلال: لقد وضع مالك الموطأ وفيه أربعة آلاف حديث -أو قال أكثر-، فمات وهي ألف حديث ونيف، يلخصها عامًا عامًا بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين، وأمثل في الدين) (٢).

стр. 132

وقال ابن حزم: (آخر ما روي عن مالك موطأ أبي مصعب، وموطأ حذافة، وفيهما زيادة على الموطآت نحو من مائة حديث) (١).

стр. 133

وقال ابن العربي: (ذكر القاضي ابن المنتاب أن مالكا روى مائة ألف حديث، جمع منها في موطئه عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالاعتبار والآثار حتى عادت إلى خمسمائة) (١). قلت: وهذا فيه نظر، قال البخاري عن ابن المديني: له - أي: مالك - نحو ألف حديث (٢). يعني بذلك: الأحاديث المرفوعة دون الآثار، والآثار نحو ذلك، فما نقل عن ابن المنتاب لا شك أنه غير صحيح، وقد يكون وقع في هذا النقل خطأ أو تصحيف. وإنما ذكرت "الموطأ" دون غيره؛ لأن الاختلاف فيه أكثر بكثير من غيره، وبدراسة هذا الاختلاف يتبين أنه ليس بمؤثر، لأن مؤلف أي كتاب له الحق أن يزيد بعض الأشياء كأحاديث أو تبويبات أو غيرها، أو يحذف بعض ما ذكره، كما أن بعض الزيادات مرجعها إلى تلاميذ المؤلف، فبعض التلاميذ يعتني بأقوال شيخه في حكمه على الحديث - كما في رواية ابن العبد لسنن أبي داود - أو أقواله الفقهية - كما في رواية أبي مصعب الزهري (٣) فيضمها إلى الكتاب. وأما الاختلاف بين متون الأحاديث وألفاظها فهذه لا تكاد توجد، فالألفاظ واحدة، وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فانظر إلى النسخة اليونينية لصحيح البخاري فإنه قد بذل جهدا كبيرا في استقصاء الاختلافات بين

стр. 134

روايات البخاري، فتبين أن معظمها في زيادة بعض الأحرف، أو حذفها، كالواو والفاء ونحو ذلك، واذا أردت أن تتأكد زيادة على ما تقدم فانظر في شرح ابن حجر على البخاري المسمى "فتح الباري"؛ فإنه اعتنى بالاختلاف الموجود بين الروايات اعتناء بالغا، فسوف تجد أن محصلها هو ما تقدم، نعم قد يقع الاختلاف في كلمة - ويكون المعنى واحدا -، أو في راوي الحديث. وأحيانا يكون سبب الاختلاف من المصنف نفسه، وذلك عندما لا يذكر اسم شيخه كاملا وإنما يقتصر على اسمه الأول، كما يقع للبخاري كثيرا، وقد يكون له أكثر من شيخ يشتركون في هذا الاسم، فيختلف الشراح وغيرهم في تعيين اسم هذا الراوي. وقد عقد ابن حجر في "مقدمة الفتح" فصلا طويلا في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها، وقد ذكر ما جاء من الاختلاف بين أهل العلم في تعيين هؤلاء الرواة. وهذه بعض الأمثلة على ما سبق: أولا: أمثلة على الاختلاف في راوي الحديث: ١ - قال الإمام البخاري (٣٤٣٨): (حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ : "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى، فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط". قال ابن حجر: (قوله (عن ابن عمر) كذا وقع في جميع الروايات التي وقعت لنا من نسخ البخاري، وقد تعقبه أبو ذر في روايته فقال: كذا وقع في جميع الروايات المسموعة عن الفربري "مجاهد عن ابن عمر"، قال: ولا أدري أهكذا حدث به البخاري أو غلط فيه الفربري؛ لأني رأيته في

стр. 135

جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد عن ابن عباس، ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن كثير، وقال فيه: ابن عباس، قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن محمد بن كثير قال: وتابعه نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل، وكذا رواه يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن الطبراني، عن أحمد بن مسلم الخزاعي، عن محمد بن كثير، وقال: رواه البخاري عن محمد بن كثير فقال: مجاهد عن ابن عمر، ثم ساقه من طريق نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل فقال: ابن عباس. انتهى. وأخرجه ابن منده في "كتاب الإيمان" من طريق محمد بن أيوب بن الضريس وموسى بن سعيد الدنداني، كلاهما عن محمد بن كثير فقال فيه: ابن عباس، ثم قال: قال البخاري، عن محمد بن كثير، عن ابن عمر، والصواب عن ابن عباس. وقال أبو مسعود في "الأطراف": إنما رواه الناس عن محمد بن كثير فقال: مجاهد عن ابن عباس، ووقع في البخاري في سائر النسج: مجاهد عن ابن عمر وهو غلط، قال: وقد رواه أصحاب إسرائيل منهم: يحيى بن أبي زائدة، وإسحاق بن منصور، والنضر بن شميل، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، عن إسرائيل فقالوا: ابن عباس، قال: وكذلك رواه ابن عون، عن مجاهد، عن ابن عباس. ورواية ابن عون تقدمت في ترجمة إبراهيم ﵇، ولكن لا ذكر لعيسى ﵇ فيها، وأخرجها مسلم عن شيخ البخاري فيها وليس فيها لعيسى ذكر، إنما فيها ذكر إبراهيم وموسى حسب، وقال محمد بن إسماعيل التيمي: ويقع في خاطري أن الوهم فيه من غير البخاري؛ فإن الإسماعيلي أخرجه

стр. 136

من طريق نصر بن علي عن أبي أحمد وقال فيه: عن ابن عباس، ولم ينبه على أن البخاري قال فيه: عن ابن عمر، فلو كان وقع له كذلك لنبه عليه كعادته، والذي يرجح أن الحديث لابن عباس لا لابن عمر ما سيأتي من إنكار ابن عمر على من قال: إن عيسى أحمر وحلفه على ذلك، وفي رواية مجاهد هذه "فأما عيسى فأحمر جعد"، فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد عن ابن عباس لا عن ابن عمر، والله أعلم) (١). ٢ - وقال البخاري أيضًا (٤٠): (حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا … ) الحديث. قال ابن حجر: (قوله "حدثنا عمرو بن خالد" هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحراني نزيل مصر، أحد الثقات الأثبات، ووقع في رواية القابسي، عن عبدوس، كلاهما عن أبي زيد المروزي، وفي رواية أبي ذر، عن الكشميهني: "عمر بن خالد" بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه من القدماء أبو على الغساني، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد، ولا في جميع رجاله، بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة) (٢). ٣ - قال البخاري (٦٨): (حدثنا محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا). قال ابن حجر: (قوله: "سفيان" هو الثوري، وقد رواه أحمد في

стр. 137

مسنده عن ابن عيينة، لكن محمد بن يوسف الفريابي، وإن كان يروي عن السفيانين، فإنه حين يطلق يريد به الثوري، كما أن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به إلا الفريابي، وإن كان يروي عن محمد بن يوسف البيكندي أيضًا، وقد وهم من زعم أنه هنا البيكندي) (١). ثانيا: أمثلة على الاختلاف في الكلمة ويكون المعنى واحدا أو متقاربا: ١ - قال البخاري (٣٤٢٤): ( … عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة … ) الحديث. قال ابن حجر: (قوله: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة" في رواية الحموي والمستملي "لأطيفن" وهما لغتان، طاف بالشيء وأطاف به: إذا دار حوله وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع) (٢). ٢ - وقال أيضًا (١٣): ( … عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"). قال ابن حجر: (قوله: "لا يؤمن" أي: من يدعي الإيمان، وللمستملي: "أحدكم"، وللأصيلي: "أحد"، ولا بن عسا كر: "عبد"، وكذا لمسلم عن أبي خيثمة) (٣). ٣ - وقال أيضًا (٢٠): ( … عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"). قال ابن حجر: (قوله: "أنا أعلمكم" كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه، وفي رواية الأصيلي: "أعرفكم"،

стр. 138

وكأنه مذكور بالمعنى حملا على ترادفهما هنا، وهو ظاهر هنا وعليه عمل المصنف) (١). وقد يكون الاختلاف بين الصحابة ﵃ في لفظ الحديث، ومن أمثلة ذلك: ١ - عن أبي أيوب أنه قال - وهو في أرض الروم -: إن رسول الله ﷺ قال: "من قال غدوة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكن له بقدر عشر رقاب، وأجاره الله من الشيطان، ومن قالها عشية كان له مثل ذلك" (٢). عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كن كعدل أربع رقاب، وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك" (٣). ٢ - قال الشافعي: (قال لي قائل: قد اختلف في التشهد، فروى ابن مسعود عن النبي: أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، فقال في مُبْتَدَاه ثلاث كلمات: "التحيات لله"، فبأي التشهد أخذت؟ فقلت: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عبد الرحمن ابن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر، وهو يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: "التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات

стр. 139

الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". قال الشافعي: فكان هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغارا، ثم سمعناه بإسناد وسمعنا ما خالفه، فلم نسمع إسنادا في التشهد - يخالفه ولا يوافقه - أثبت عندنا منه، وإن كان غيره ثابتا. فكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله إلا على ما علمهم النبي ﷺ . فلما انتهى إلينا من حديث أصحابنا حديث يثبته عن النبي صرنا إليه، وكان أولى بنا. قال: وما هو؟ قلت: أخبرنا الثقة - وهو حي بن حسان - عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن سعيد بن جبير وطاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، فكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله". قال الشافعي: فقال: فأنَّى ترى الرواية اختلفت فيه عن النبي؟ فروى ابن مسعود خلاف هذا، وروى أبو موسى خلاف هذا، وجابر خلاف هذا، وكلها قد يخالف بعضها بعضا في شيء من لفظه، ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه، وكذلك تشهّد عائشة، وكذلك تشهّد ابن عمر، ليس فيها شئ إلا في لفظه شئ غير ما في لفظ صاحبه، وقد يزيد بعضها الشيء على بعض؟

стр. 140

فقلت له: الأمر في هذا بين، قال: فأبنه لي، قلت: كل كلام أريد به تعظيم الله، فعلمهم رسول الله، فلعله جعل يعلمه الرجل فيحفظه، والآخر فيحفظه، وما أُخذ حفظا فأكثر ما يحترس فيه منه إحالة المعنى، فلم تكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شئ من كلامه يحيل المعنى فلا تسع إحالته، فلعلّ النبي أجاز لكل امرئ منهم كما حفظ، إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئا عن حكمه، ولعل صن اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا، وعلى ما حضرهم وأجيز لهم … ) (١). ثالثا: مثال على الاختلاف بين النسخ في صيغ التحمل: قال البخاري (٢٤): حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن الحياء من الإيمان". قال ابن حجر: (قوله: "حدثنا عبد الله بن يوسف" هو التنيسي نزيل دمشق، ورجال الإسناد سواه من أهل المدينة. قوله: "أخبرنا" وللأصيلي: حدثنا مالك) (٢). قلت: والصواب "أخبرنا" لأن هذا هو الذي يستعمله عبدالله بن يوسف في روايته عن مالك، كما علم بالتتغ. رابعا: مثال على زيادة حديث في بعض النسج: قال ابن حجر: (تنبيه: وقع في النسخة البغدادية التي صححها العلامة أبو محمد بن الصغاني اللغوي بعد أن سمعها من أصحاب أبي الوقت،

стр. 141

وقابلها على عدة نسخ، وجعل لها علامات، عقب قوله: رواه موسى وعلي ابن عبد الحميد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت ما نصه: حدثنا موسى ابن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن أنس، وساق الحديث بتمامه، وقال الصغاني في الهامش: هذا الحديث ساقط من النسخ كلها إلا في النسخة التي قرئت على الفربري صاحب البخاري وعليها خطه. قلت: وكذا سقطت في جميع النسخ التي وقفت عليها، والله تعالى أعلم بالصواب) (١). خامسا: مثال على الاختلاف بين النسخ في ذكر بعض الأحاديث: قال علي بن المفضل المقدسي: (قرأت على أبي طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهاني، أخبركم أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني بدمشق قراءةً عليه، وأنت تسمع فأقر به، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ فيما أذن لنا فيه، أخبرنا أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق الحافظ بقراءتي عليه، عن أبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي الحافظ فيما رواه عنه من "رسالته التي أجاب بها أبا الحسن الدارقطني الحافظ عن الأحاديث التي غلط فيها مسلم بن الحجاج" قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها جرسٌ". قال الشيخ أدام الله كفايته: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فرواه عن زهير، عن جرير عنه، وزاد في آخره: "أو كلب".

стр. 142

أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا حمزة بن محمد الدقاق قال: قال أبو مسعود الدمشقي، قال أبو الحسن الدارقطني: أخرج مسلمٌ من حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام أن النبي ﷺ أمر بقطع الأجراس، قال: وليس هذا عند شعبة، إنما هو سعيد هكذا كتبه بخطه وبيّض بين سعد والنبي ﷺ ، وقال أبو مسعود: (وهذا حديثٌ لم يخرجه مسلمٌ أصلًا بحال، وقد أخرج هذا الباب في كتاب اللباس، وأخرج حديث سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لا تصحب الملائكة رفقةً فيها كلبٌ ولا جرسٌ"، وأخرج في عقبه حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الجرس مزامير الشياطين"، وأخرج في عقبه حديث أبي بشير الأنصاري: كنا مع النبي ﷺ فقال: "لا يبقين في رقبة بعيرٍ قلادةٌ من وتر إلا قطعت". هذا جميع ما خرّج في هذا الباب، ولم يخرّج حديث قتادة عن زرارة بحال لا في هذا الموضع ولا في غيره. قال أبو مسعود: وهذا حديثٌ اختلف فيه على قتادة، فرواه محمد بن بكر، وخالد بن الحارث، وغندر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد، عن عائشة، وتابع الجماعة: سعيد بن بشير، عن قتادة في إسناده مثله، ورواه الأنصاري عن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، تابع فيه الأنصاري، عن سعيد، وقفه العقدي عن هشام، وأسنده عبد الصمد، عن هشام. قال الشيخ أمده الله بتوفيقه: قال لنا الحافظ السلفي، يحتمل أن هذا الحديث يعني حديث غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن

стр. 143

هشام، عن النبي ﷺ كان في كتاب مسلم فأسقطه مثل ما فعل في غيره، والى هذا أشار الدارقطني. والعذر عنه أن يقال: "سعيد" قد يتصحف "لشعبة" من حيث الكتابة، خصوصًا وقد اشتركا في قتادة، وروى غندر عنهما جميعًا، ولعله كان في كتاب مسلم القديم الذي كتبه عن شيخه مشكلًا غير مشكول، فذهب عليه حالة نقله إلى تخريجه، إذ الغالب على غندر الرواية عن شعبة، فحين نظر ﵀ إلى الاختلاف الذي فيه على قتادة أسقطه من "صحيحه" ثم لم ينعم النظر فيه مرة أخرى، كما فعل في غيره من الأحاديث المنقحة، فبقي مشكولًا على حاله، والحق مع الدارقطني ﵀، إذ حكى ما رأى، والله أعلم. قال الشيخ أيده الله: انتهى كلام السلفي، ولا نظن بالدارقطني بعد أن قال هكذا كتبه "بخطه" - يعني مسلمًا - إلا وقد وقف عليه كذلك، وتحقق أنه خطه، اللهم إلا أن يكون رآه في النسخة القديمة التي أسقط منها ما أسقط، ولم يتأمل الجديدة التي ليس هو الآن فيها، كما ذكر أبو مسعود، فلا يصح النقد عليه فيما تنبه لعلته فأسقطه، والله أعلم) (١). سادسا: ومن أمثلة الاختلاف بين النسخ: قال الحافظ ابن حجر: (قوله: "باب" كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا، فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضًا؛ لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء) (٢).

стр. 144

وقد يقع الاختلاف المؤثر ولكنه نادر، ومن أمثلة ذلك: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة … ". قال ابن حجر: (قوله: "على سبعين امرأة" كذا هنا من رواية مغيرة، وفي رواية شعيب كما سيأتي في الأيمان والنذور "فقال تسعين"، وقد ذكر المصنف ذلك عقب هذا الحديث، ورجح تسعين بتقديم المثناة على سبعين، وذكر أن ابن أبي الزناد رواه كذلك. قلت: وقد رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد فقال: "سبعين" وسيأتي في كفارة الأيمان من طريقه، ولكن رواه مسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان، فقال: "سبعين" بتقديم السين، وكذا هو في "مسند الحميدي" عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء، عن أبي الزناد، وأخرجه الإسماعيلي، والنسائي، وابن حبان، من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزناد، قال: "مائة امرأة"، وكذا قال طاوس عن أبي هريرة كما سيأتي في الأيمان والنذور من رواية معمر، وكذا قال أحمد عن عبد الرزاق من رواية هشام بن حجير عن طاوس: "تسعين"، وسيأتي في كفارة الأيمان، ورواه مسلم عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق فقال: "سبعين"، وسيأتي في التوحيد من رواية أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: "كان لسليمان ستون امرأة"، ورواه أحمد، وأبو عوانة، من طريق هشام عن ابن سيرين فقال: "مائة امرأة"، وكذا قال عمران بن خالد عن ابن سيرين عند ابن مردويه، وتقدم في الجهاد من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج فقال: "مائة امرأة أو تسع وتسعون" على الشك، فمحصل الروايات ستون وسبعون وتسعون وتسع وتسعون ومائة، والجمع بينها أن الستين كن حرائر وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: "تسعون" ألغى الكسر،

стр. 145

ومن قال: "مائة" جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر، وأما قول بعض الشراح: ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من مفهوم العدد، وليس بحجة عند الجمهور، فليس بكاف في هذا المقام، وذلك أن مفهوم العدد معتبر عند كثيرين، والله أعلم) (١). وإليك دراسة معاصرة للاختلافات بين بعض روايات "الموطأ" في متون الأحاديث واختلاف ألفاظها توصل إلى نفس النتيجة المتقدمة، قال محمد مصطفى الأعظمي ﵀: (ترتيب المواد في كتاب الموطأ: يتوقع الباحث عندما يقارن بين المخطوطات المختلفة لكتاب واحد برواية واحدة، أن يكون ترتيب الكتاب على نسق واحد، وأحيانًا يحصل الاختلاف في تقديم كتاب أو تأخير كتاب. لكنني عند المقارنة بين مختلف النسخ - القديمة نسبيًا - من كتاب الموطأ وبين ما هو مطبوع وجدت اختلافًا شديدًا في ترتيب الكتب، أما الأبواب والأحاديث في داخل الكتاب فيكاد يكون الاتفاق بينها تامًا. وعندما نقارن ترتيب الكتب والأبواب في المخطوطات القديمة للموطأ نجدها هي الأخرى تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا) (٢). وقال أيضًا: (بشار عواد والإمام مالك: لقد ادّعى الدكتور بشار عوّاد بأن الإمام مالكًا، ولو أنه قد بلغ الغاية في الدقة والضبط والإتقان والإمامة والديانة، وهو إمام في الحديث قلّ نظيره، على الرغم من ذلك فإن "الموطأ" من الأمثلة الواضحة على رواية الحديث بالمعنى، وعدم الالتزام الكامل بالألفاظ وتسلسلها بين رواية وأخرى، فالملاحظ أن الاختلاف بين الموطآت في ألفاظ الحديث كثير إلى
следующие страницы →