← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومراده: أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء، والمخلوقون لا يحيطون به علما، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه، أو أخبر به عنه رسوله. فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص، وما أشكل فهمه منها، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه) (١). وينظر أيضًا: ما سيأتي في كلام الإمام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم. * * * المسألة الرابعة: ذكر الترمذي حديث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب … وفيه: (ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثلما بين السماءين". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن تحتها أرضا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة" حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمس مائة سنة، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله". ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. ثم قال: (وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه) (٢).

стр. 212

قلت: قال أبو العباس ابن تيمية: (الحديث يدل على أن الله فوف العرش، ويدل على إحاطة العرش كونه سقف المخلوقات، ومن تأوله على قوله هبط على علم الله كما فعل الترمذي لم يدر كيف الأمر، ولكن لما كان من أهل السنة وعلم أن الله فوق العرش، ولم يعرف صورة المخلوقات، وخشي أن يتأوله الجهمي أنه مختلط بالخلق قال هكذا، وإلا فقول رسول الله ﷺ كله حق يصدق بعضه بعضا، وما علم بالمعقول من العلوم الصحيحة يصدق ما جاء به الرسول ويشهد له) (١). وقال في موضع آخر: (وهذا كله على تقدير صحته فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله. وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل؛ وهو أنه حال بذاته في كل مكان وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك. والتحقيق: أن الحديث لا يدل على شيء من ذلك إن كان ثابتا فإن قوله: "لو أدلى بحبل لهبط" يدل على أنه ليس في المدلي ولا في الحبل ولا في الدلو ولا في غير ذلك، وأنها تقتضي أنه من تلك الناحية؛ وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية؛ بل بتقدير ثبوته يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة، وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع) (٢). وينظر أيضًا: ما سيأتي في كلام العلامة ابن القيم في المسألة التالية.

стр. 213

المسألة الخامسة: قال أبو عيسى: (حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية وابن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إليّ شبرا اقتربت منه ذراعا، وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". هذا حديث حسن صحيح. ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: "من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا"، يعني بالمغفرة والرحمة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا ابن نمير عن الأعمش. هكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إلي العبد بطاعتي وبما أمرت تسارع إليه مغفرتي ورحمتي) (١). قلت: هذا التفسير فيه نظر، والصواب إمرار الحديث على ظاهره، كما هو القاعدة في باقي النصوص. قال أبو إسماعيل الهروي: (باب الهرولة لله ) (٢)، وذكر تحته حديث أبي هريرة السابق. وقال أبو العباس ابن تيمية: (فصل، تقرب العبد إلى الله في مثل قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨]، وقول النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: "من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا" الحديث. وقوله:

стр. 214

"ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" الحديث. وكذلك "القربان" كقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة: ٢٧]، وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، ونحو ذلك. لا ريب أنه بعلوم وأعمال يفعلها العبد، وفي ذلك حركة منه وانتقال من حال إلى حال، ثم لا يخلو مع ذلك: إما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك، وإذا تحركت: فإما أن تكون حركتها إلى ذات الله، أو إلى شيء آخر، وإذا كانت إلى ذات الله بقي النظر في قرب الله إليه ودنوه وإتيانه ومجيئه؛ إما جزاء على قرب العبد، وإما ابتداء كنزوله إلى سماء الدنيا. فالأول: قول المتفلسفة الذين يقولون: إن الروح لا داخل البدن ولا خارجه، وإنها لا توصف بالحركة ولا بالسكون، وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب إلى الملة، فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه إزالة النقائص والعيوب عن نفسه وتكميلها بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة المعنى، ويقولون: الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة؛ فأما حركة الروح فممتنعة عندهم، وكذلك يقولون في قرب الملائكة. والذي أثبتوه من تزكية النفس عن العيوب وتكميلها بالمحاسن حق في نفسه؛ لكن نفيهم ما زاد على ذلك خطأ؛ لكنهم يعترفون بحركة جسمه إلى المواضع التي تظهر فيها آثار الرب كالمساجد والسموات والعارفين، وعند هؤلاء معراج النبي ﷺ إنما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه كعين القضاة وابن الخطيب في "المطالب العالية". الثاني: قول المتكلمة الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش، وإن نسبة العرش والكرسي إليه سواء، وإنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ لكن

стр. 215

يثبتون حركة العبد والملائكة فيقولون: قرب العبد إلى الله حركة ذاته إلى الأماكن المشرفة عند الله، وهي السماوات، وحملة العرش، والجنة، وبذلك يفسرون معراج النبي ﷺ . ويتفق هؤلاء والذين قبلهم في حركة بدن العبد إلى الأماكن المشرفة، كثبوت العبادات، وإنما النزاع في حركة نفسه، ويسلم الأولون حركة النفس بمعنى تحولها من حال إلى حال؛ لا بمعنى الانتقال من موضع إلى موضع، واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح أيضًا عند الآخرين إلى كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات، والمساجد، وأولياء الله، ومواضع أسماء الله وآياته، فهو حركة إلى … (١) الثالث: قول أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون أن الله على العرش، وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء صار يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده، وكان عروجه إلى الله لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود وإن كان بدنه متواضعا، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب. ثم قُرب الرب من عبده: هل هو من لوازم هذا القرب، كما أن المتقرب إلى الشيء الساكن كالبيت المحجوج، والجدار، والجبل، كلما قربت منه قرب منك؟ أو هو قرب آخر يفعله الرب، كما أنك إذا قربت إلى الشيء المتحرك إليك تحرك أيضًا إليك، فمنك فعل، ومنه فعل آخر؟ هذا فيه قولان لأهل السنة مبنيان على ما تقدم من قاعدة الصفات الفعلية، كمسألة النزول وغيرها …

стр. 216

وعلى هذا فما روي من قرب الرب إلى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما في "الزهد" لأحمد: أن موسى قال: يا رب، أين أجدك؟ قال: "عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، أقترب إليها كل يوم شبرا، ولولا ذلك لاحترقت". هذا القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال، ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح إلى مكان عال، وأما أهل السنة فعندهم مع التجلي والظهور تقرب ذات العبد إلى ذات ربه، وفي جواز دنو ذات الله القولان، وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع. وعلى مذهب النفاة من المتكلمة لا يكون إتيان الرب ومجيئه ونزوله إلا تجليه وظهوره لعبده، إذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة الباطنة أو الظاهرة، بمنزلة الذي كان أعمى أو أعمش فزال عماه فرأى الشمس والقمر، فيقول: جاءني الشمس والقمر. وهذا قول النفاة من المتفلسفة والمعتزلة والأشعرية؛ لكن الأشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة، ومنهم من يوافقهم في المعنى الذي قصدوه. وأما على مذهب أهل السنة والجماعة من السلف، وأهل الحديث، وأهل المعرفة، ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية والعامة وأهل الكلام أيضًا؛ فإن نزوله وإتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد، وقرب منه، ودنو إليه، وهو قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد، فإن هذا علم، وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل منه، فهو كشف وعمل. ولا ينكر الأشعرية ونحوهم من أهل الكلام أن يكون من العبد حركة، فإن ذلك ممكن، وإنما قد ينكرون حركته إلى الله كما تقدم.

стр. 217

وقد شبه بعضهم مجيء الله بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أي: الموقن به من الموت وما بعده. قلت: هذا مثل قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وجعل في ذلك هو ظهوره وتجليه. قلت: وليس هو مجرد ظهوره وتجليه، وإن كان متضمنا لذلك؛ بل هو متضمن لحركة العبد إليه، ثم إن كان ساكنا كان مجيئه من لوازم مجيء العبد إليه، وإن كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه أيضًا، وإن كان العبد ذاهبا إليه، وهكذا مجيء اليقين ومجيء الساعة، وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست متصلة بالعبد، كما قال النبي ﷺ : "حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه"، فهي حجب تحجب العباد عن الإدراك، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر، فإذا زالت تجلّت الشمس والقمر، وأما حجبها لله عن أن يَرى ويُدركَ فهذا لا يقوله مسلم؛ فإن الله لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة السوداء، ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى مخلوقاته، كما قال: "لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه"، فالبصر يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار. والجهمية لا تثبت له حجبا أصلا؛ لأنه عندهم ليس فوق العرش، ويروون الأثر المكذوب عن علي: أنه سمع قصابا يحلف: لا والذي احتجب بسبع سماوات، فعلاه بالدرة، فقال: يا أمير المؤمنين، أكفر عن يميني؟ قال: لا؛ ولكنك حلفت بغير الله. فهذا لا يعرف له إسناد، ولو ثبت كان عليّ قد فهم من المتكلم أنه

стр. 218

عنى أنه محتجب عن إدراكه لخلقه، فهذا باطل قطعا؛ بخلاف احتجابه عن إدراك خلقه له) (١). وقال ابن القيم: (والذي عندي أن الرحمة لما كانت من صفات الله تعالى، وصفاته قائمة بذاته، فإذا كانت قريبة من المحسنين، فهو سبحانه قريب منهم قطعا، وقد بينا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان، ومن أهل سؤاله بإجابته. ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه، فيقرب ربه منه لما يقرب إليه بإحسانه يقرب تعالى إليه، فإنه من تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سماواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل وهو على عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وهو على عرشه، فإن علوه سبحانه على سماواته من لوازم ذاته، فلا يكون قط إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء البتة، كما قال أعلم الخلق به: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء". وهو سبحانه قريب في علوه، عال في قربه، كما في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" فأخبرهم ﷺ وهو أعلم الخلق به أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته، على عرشه، مطلع على خلقه، يرى أعمالهم، ويعلم ما في بواطنهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر.

стр. 219

والذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟! وبهذا يزول الإشكال عن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نبي الله ﷺ جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ : "هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" … ) وذكر الحديث السابق إلى قوله: ثم قال: ("والذي نفس محمد بيده لو أِنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبطتم على الله" ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] " قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث وقالوا: إنما يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. هذا آخر كلامه. وقد اختلف الناس في هذا الحديث في سنده ومعناه، فطائفة قبلته لأن إسناده ثابت إلى الحسن. قال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبدالرحمن، عن قتادة، حدثنا الحسن، عن أبي هريرة. فهؤلاء كلهم أئمة، وقد صرح قتادة بتحديث الحسن له، وقد صح عن

стр. 220

الحسن في غير هذا الحديث أنه قال: حدثنا أبو هريرة، ولا ريب أنه عاصره، وقد قال مسلم بن إبراهيم: حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث … ، وقال سالم الخياط: حدثنا الحسن قال: سمعت أبا هريرة. وطائفة أخرى ردت الحديث وأعلته بأنه منقطع، قالوا: والحسن لم ير أبا هريرة فضلا عن أن يسمع منه، قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: الحسن لقي ابن عباس؟ قال: لا، ولم يلق أبا هريرة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا علي بن المديني قال: سمعت سلم بن قتيبة، قال: حدثني شعبة، قال: قلت ليونس بن عبيد: الحسن سمع من أبي هريرة؟ قال: ما رآه قط. حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن الحسن: حدثنا أبو هريرة. قال ابن أبي حاتم منكرا عليه إنه لم يسمع من أبي هريرة: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء: قال علي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ثم ذكر عن أيوب وعلي بن زيد: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وقال عبدالرحمن بن مهدي: سمعت جريرا يسأل بهزا عن الحسن: من لقي من أصحاب النبي ﷺ ؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثا، ولم يسمع من أبي هريرة ولم يره. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره، فقيل له: فمن قال حدثنا أبو هريرة؟ قال: يخطئ، وسمعت أبي يقول: وذكر حديثا حدثه مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة: (أوصاني خليلي)، قال: لم يعمل ربيعة بن

стр. 221

كلثوم شيئا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا، قلت لأبي: إن سالما الخياط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة. قال: هذا مما يبين ضعف سالم. وسمعت أبا الحجاج المزي يقول: قوله: حدثنا أبو هريرة، أي: حدث أهل بلدنا، كما في حديث الدجال: قول الشاب الذي يقتله له: أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه. قال أبو حاتم: والحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: خطبنا ابن عباس، يعني: خطب أهل البصرة. قالوا: وللحديث علة أخرى، وهي أن عبد الرزاق في "تفسيره" رواه عن معمر، عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلا، فاختلف هو وشيبان فيه، هل حدث به عن الحسن؟ والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه، فحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن المعنى: يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، ومراده على معلوم الله ومقدوره وملكه، أي: انتهى علمه وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت، فلا يعزب عنه شيء. وقالت طائفة أخرى: بل هذا معنى اسمه المحيط واسمه الباطن، فإنه سبحانه محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، وإذا كان محيطا بالعالم فهو فوقه بالذات، عال عليه من كل وجه وبكل معنى، فإن الإحاطة تتضمن العلو والسعة والعظمة، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في قبضته فلو وقعت حصاة أو دلي بحبل لسقط في قبضته سبحانه. والحديث لم يقل فيه: إنه لهبط على جميع ذاته، فهذا لا يقوله ولا يفهمه عاقل، ولا هو مذهب أحد من أهل الأرض البتة، لا الحلولية، ولا

стр. 222

الاتحادية، ولا الفرعونية، ولا القائلون بأنه في كل مكان بذاته، وطوائف بني آدم كلهم متفقون على أن الله تعالى ليس تحت العالم. فقوله: "لو دليتم بحبل لهبط على الله" إذا هبط في قبضته المحيطة بالعالم فقد هبط عليه، والعالم في قبضته، وهو فوق عرشه، ولو أن أحدنا أمسك بيده أو برجله كرة وقبضتها يده من جميع جوانبها ثم وقعت حصاة من أعلى الكرة إلى أسفلها لوقعت في يده وهبطت عليه، ولم يلزم من ذلك أن تكون الكرة والحصاة فوقه وهو تحتها، ولله المثل الأعلى، وإنما يؤتى الرجل من سوء فهمه، أو من سوء قصده من كليهما، فإذا هما اجتمعا كمل نصيبه من الضلال. وأما تأويل الترمذي وغيره له بالعلم، فقال شيخنا: هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته، فإنه إنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلا ونقلا وفطرة كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قِبَل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا، ولكن ليبصق عن يساره، أو تحت رجله". وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ﷺ في رؤية الرب تعالى، فقال له أبو رزين: كيف يسعنا وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: "سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله، كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر من ذلك". ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له، فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده له، وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه، لا عن يمينه، ولا عن يساره، ويدعوه من العلو، لا من السفل.

стр. 223

وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم"، واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه. وروى أحمد عن محمد بن سيرين: أن النبي ﷺ كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء، حتى أنزل الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده. فهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي أمر بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وخفض بصره أمامه، فليس في هذا النهي ما ينفي كونه فوق سماواته على عرشه، كما زعم بعض جهال الجهمية، فإنه لا فرق عندهم بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه، فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فليس العبد منهيا عن رفع بصره إلى السماء مطلقا، إنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧]. وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء؛ لكون الرب ليس في السماء، لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك بيانا شافيا، ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلي، وهو إطراقه بين يدي ربه وخشوعه، ورمي بصره إلى الأرض، كما يفعل بين يدي الملوك، فهذا إنما يدل على نقيض قولهم.

стр. 224

فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز التوجه إلى الله تعالى إلا من جهة العلو، وأن ذلك لا ينافي إحاطته بالعالم وكونه في قبضته، وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء، كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر، وأن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم، ولا علوه على مخلوقاته، بل هو فوق خلقه محيط بهم مباين لهم، إنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين فاسدين: أحدهما: أن يظن أنه إذا كان العرش كريا والله فوقه، لزم أن يكون كريا. الاعتقاد الثاني: أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات. وهذان الاعتقادان خطأ وضلال؛ فإن الله سبحانه مع كونه فوق العرش، ومع القول بأن العرش كري، لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجور أن يظن به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها، فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء، وأن السماوات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا، وهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال) (١). * * * قلت: وهذه المواضع لا تخالف ما تقدم تقريره من كون أبي عيسى من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، كيف وقد نقل إجماع أهل العلم على إمرار نصوص الصفات على ظاهرها الذي يليق بالله ، وغير ذلك مما يتعلق بأمور الاعتقاد، هذا مع أن بعض ما تقدم قد ذهب إليه غيره من أهل العلم، كتأويل نصوص الوعيد، وإن كان الأولى عدم ذلك، كما تقدم تقريره.

стр. 225

وأما ما يتعلق في مسألة النفاق فهو لم ينص صراحة على أن النفاق العملي كله لا يخرج من الملة، وبما أن هذه المسألة كانت تحتاج إلى بعض التفصيل فلذا ذكرتها. وأما ما يتعلق بتأويل بعض النصوص فبعضه قد يكون من باب التفسير باللازم، وليس من قبيل التأويل، وبعضه قد أخطأ فيه كما تقدم، وما من أحد من الناس إلا راد ومردود عليه إلا رسول الله ﷺ ، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 226

الفصل السابع في منهجه في الفقه مما تميز به كتاب "الجامع" كلام مصنفه على فقه الأبواب التي يوردها مع بيان ما دلت عليه الأحاديث من مسائل وأحكام، مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب المشهورين، وهذا لا شك عمل جليل يدل على رسوخه في هذا الفن، واطلاعه الواسع في هذا الباب (١)، وسوف أدلل على هذا إجمالا وتفصيلا: أما من جهة الإجمال: فيلاحظ أن أبا عيسى كثيرا ما يذكر خلاف أهل العلم بعد ذكره للحديث، وإجماعهم إذا أجمعوا. وأوضح من هذا أنه يبين ما عليه العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين وهلم جرا، وما ليس عليه العمل، ولا شك أن هذا لا يكون إلا ممن عنده اطلاع واسع في هذا المجال، وعلم كبير في هذا الجانب. * * * وأما من حيث التفصيل: فالدليل عليه من عدة أوجه: الوجه الأول: علمه بكتاب الله ، ويظهر ذلك من خلال كتابه، فقد عقد أبوابا للقراءات (٢)، فذكر بعض ما جاء عن النبي ﷺ من قراءات في كلام الله ، ومما ذكر في هذا الباب:

стр. 227

١ - قوله في أبواب القراءات: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا معلى بن منصور، عن محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع أبي يحيى، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما روي عن ابن عباس قراءته. ويروى أن ابن عباس، وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي ﷺ لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب) (١). ٢ - وقال أيضًا: (ويقرأ: "غَلَبَتِ" و"غَلَبَتْ" يقول: كانت ﴿غَلَبَتْ﴾ ثم غَلَبَتِ، هكذا قرأ نصر بن علي: "غَلَبَتِ") (٢). ٣ - وقال أيضًا: (وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود: "والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى") (٣). وهذه التعليقات مما يدل على علمه بالقرآن. ثم عقد أبوابا مطولة فيما يتعلق بالتفسير عن رسول الله ﷺ ، ومما ذكر في هذه الأبواب: ١ - (ومن سورة البقرة حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا الهاشم بن القاسم، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلا من المسلمين

стр. 228

على عهد رسول الله ﷺ ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فانزل الله: ﵎ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فلما سمعها معقل فقال: سمعا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك. هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن (١). وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي؛ لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيبا، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل بن يسار، وإنما خاطب الله في هذه الآية الأولياء، فقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن) (٢). فانظر إلى دقة انتزاعه لهذا الحكم من هذا الحديث، ثم أيد ذلك بالآية، وهو لا شك استنباطٌ نفيس، وفي الغالب أن الذين يتكلمون على المسألة إنما يذكرون الأحاديث التي جاءت في: لا نكاح إلا بولي، ولا يذكرون هذا الحديث، ولا دلالة هذه الآية على هذه القضية. ٢ - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن

стр. 229

أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يمين الرحمن ملأى سحًا لا يغيضها الليل والنهار"، قال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع". هذا حديث حسن صحيح. وهذِا الحديث في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وهذا حديث قال الأئمة: نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم، هكذا قال غير واحد من الأئمة، منهم: الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك: أنه تروى هذه الأشياء، ويؤمن بها، ولا يقال: كيف؟) (١). قلت: الحديث لم تذكر فيه الآية، ولكن علاقة الآية وتفسيرها بهذا الحديث ظاهرة، ثم عقب ذلك ببيان مذهب من تقدمه من السلف تجاه صفات الله تعالى، وأنهم يؤمنون بها كما جاءت، وأن هذا قاعدة عامة في كل النصوص التي جاءت في هذا المعنى. وهذا المثال -أعني دخول الحديث في تفسير الآية- ينبغي أن يحتذى ويسار عليه في كل ما جاء من السنة فيما له علاقة بالقرآن وإن كان من طريق غير مباشر، وهذا ما سار عليه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، فقد توسع في ذلك، فكان يذكر أي حديث مما هو على شرطه مما له علاقة بالآية وإن كان من وجه بعيد، لذا أصبح كتاب التفسير في البخاري من أكبر الكتب التي عقدها في كتابه "الجامع الصحيح"، حتى

стр. 230

بلغت الأحاديث بالمكرر أكثر من خمس مائة حديث (٤٤٧٤ - ٤٩٧٧)، هذا غير ما ذكره عن الصحابة والتابعين وما فسره هو. وهذا ما سار عليه الإمام ابن كثير في تفسيره، بل وتوسع في ذلك. وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن رسول ﷺ قد فسر لأمته جميع القرآن (١)، فاستشكل ذلك بعض أهل العلم، وقال: إن أحاديث التفسير قليلة، ولكن ما قاله أبو العباس ابن تيمية هو الصحيح، ويوضح مقصوده أن الصلاة مثلا ذكرت في القرآن في مواضع كثيرة، وكذا الزكاة، وقبل ذلك الإسلام والإيمان والإحسان، ولا يخفى أن كل هذه الكلمات قد بينها النبي ﷺ بقوله وفعله، فكل أحاديث الصلاة القولية والعملية هي تفسير لكلمة "الصلاة" التي جاءت في القرآن، وعلى هذا قس، لذا نُقل عن الشافعي أنه قال: جميع السنة شرح للقرآن، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا (٢). وبناء على ما سبق يكون أبو عيسى قد جمع في هذا الموضع بين علوم: التفسير والحديث والاعتقاد. وإليك أمثلة أخرى من استنباطات أبي عيسى من القرآن: ١ - قال ﵀: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم: سفيان، وغيره. وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.

стр. 231

وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ يتيمم أحب إلي. قال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]) (١). ٢ - وقال أيضًا: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، حل له أن ينكح ابنتها، وإذا تزوج الرجل الابنة فطلقها قبل أن يدخل بها لم يحل له نكاح أمها لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) (٢). ٣ - وقال أيضًا: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني"، يقول: اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]، قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب) (٣). * * * الوجه الثاني: الكم الكبير الذي أودعه من الأحاديث في هذا الكتاب، ولا شك أنه قد انتقاها من عشرات الآلاف من الأحاديث، مع ملاحظة أن هذه الأحاديث هي في شتى جوانب الشريعة، فعدد كتب "الجامع" (٤٧)، وعدد الأبواب (٢١٥٠) تقريبا، وعدد الأحاديث (٤٣١٨) (٤). لذا كانت أحاديث الأحكام في كتاب "الجامع" كثيرة حتى بلغت قريبا من نصف الكتاب: (٢٠١٧) حديث.

стр. 232

مع ملاحظة أن هذه الأحاديث قد انتقاها بعناية، ليس من حيث الصناعة الحديثية فحسب، بل من الناحية الفقهية أيضًا، ولا شك أن هذا يدل على فقه وعلم. ومن أمثلة ذلك: ١ - قال في باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور: (حدثنا علي بن حجر، وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور. هذا حديث في إسناده اضطراب، وقد روي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث. وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد، وإسحاق. وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه. حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر ابن زيد الصنعاني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر وثمنه. هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كثير أحد روى عنه غير عبد الرزاق). ثم قال: (باب. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: نهي عن ثمن الكلب، إلا كلب الصيد.

стр. 233

هذا حديث لا يصح من هذا الوجه، وأبو المهزم اسمه: يزيد بن سفيان، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج (١). وقد روي عن جابر، عن النبي ﷺ نحو هذا، ولا يصح إسناده أيضًا) (٢). قلت: كاد الترمذيُّ أن يستوعب أحاديث الباب كلها، مع الكلام عليها حديثا حديثا من حيث الصناعة الحديثية. * * * الوجه الثالث: الأحاديث التي يذكرها إجمالا بعد الحديث الذي يسوقه مسندا، وذلك بقوله: (وفي الباب). وهذا علم قائم برأسه، وهو من مزايا كتابه (٣)،، فلا يكاد يخلو باب من هذا، مع ملاحظة أنه أحيانا يذكر أحاديث كثيرة جدا، كما فعل في (باب في تعظيم الكذب على رسول الله ﷺ ) (٤)، و (باب ما جاء في كل مسكر حرام) (٥)، أشار في كل واحد منهما إلى (١٩) حديثا في الباب، وفي (باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر) (٦) أشار إلى (١٨) حديثا، وفي (باب ما جاء في الصرف) (٧) أشار إلى (١٢) حديثا، وأحيانا يذكر أقل من ذلك، وفي أحيان كثيرة يشير إلى ثلاثة أحاديث -كما في أول باب من كتابه-، أو أربعة -كما في الباب الرابع-، أو خمسة -كما في الباب السادس-، والمقصود أنه لا يكاد يخلو باب من ذلك.

стр. 234

وهذه الأحاديث التي في الباب على قسمين: الأول: أن تكون بلفظ الحديث الذي ساقه، أو بمعناه. والثاني: أن تكون مما يدخل في بيان حكم هذه المسألة، ولا يكون بنفس اللفظ. ولا يخفى أن هذا يدل على فقه أبي عيسى، وهي فائدة كبيرة أيضًا لطالب العلم، فيقف على هذه الأحاديث بدلالة أبي عيسى له عليها. لذا اعتنى بتتبعها جمع من الحفاظ، وعلى رأسهم ابن سيد الناس في "شرحه" ولكنه لم يتم ذلك؛ لأنه ما أكمل شرحه للكتاب، ومنهم ابن رجب، والظاهر أنه أتم جميع الكتاب؛ لأنه شرح "العلل الصغير" من "جامعه"، ومنهم العراقي في إكماله لشرح ابن سيد الناس، ولكنه لم يتمه، وأتم بعضا منه ابنه أبو زرعة، ومنهم ابن حجر، فقد ذكر السخاوي أن للحافظ ابن حجر كتابا في ذلك، فقال -وهو يعدد مصنفات الحافظ-: (تخريج ما يقول فيه الترمذي: "وفي الباب"، كتب مِنْ أوائله قدرَ ستة كراريس، لو كمُلَ لجاء في مجلد ضخم، سماه "العُجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي: وفي الباب") (١). وقد اعتنى بذلك في هذا الوقت بعض أهل عصرنا، فبلغت قريبا من (٤٠٠٠) حديث (٢)، وفي إشارة الترمذي إلى هذه الأحاديث فائدتان: الأولى: الدلالة عليها. والثانية: إشارته إلى فقهها، وذلك بإدراجه لها تحت هذا الباب.

стр. 235

وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك، هذا غير الفوائد التي تستفاد منها من حيث الصناعة الحديثية. * * * الوجه الرابع: التبويبات التي بَوَّب بها على النصوص التي أودعها في كتابه، فهذه التبويبات فيها اختيارات واستنباطات له، كما سوف يأتي، وقد ذكر أبوابا كثيرة في كتابه "الجامع" حتى بلغت: (٢١٣٤) بابا تقريبا. واستعراض هذه التبويبات لوحدها يستفيد منه الباحث مسائل كثيرة، ويفتح له فوائد عديدة؛ فهي فقه قائم بذاته، ولا يخفى أن صناعة التبويب صناعة دقيقة ليس كل أحد يحسنها، فعلى من بَوَّب أن يكون تبويبه مناسبا للنص الذي أودعه تحت هذا الباب، كما أنه لا بد أن يكون مختصرا جامعا، لذا من جاء بعد الأئمة كالنووي مثلا عندما بَوَّب كتاب مسلم أطال جدا في التبويبات، فأصبح في بعض الأحيان أقرب إلى الشرح منه إلى التبويب، ولما كانت تبويبات البخاري مختصرة ودالة على المقصود مع دقتها قيل: (فقه البخاري في تراجمه) (١). وينبغي أن يلاحظ أن هذه التبويبات على أنواع، وليست نوعا واحدا، فأحيانا يُشار فيها إلى الاختلاف، وأحيانا يكون فيها النص على اختيار المُبوِّب، وفي بعض الأحيان يُشار إلى معنى لطيف في الخبر المذكور تحت الباب (٢). فمن تبويبات الترمذي الدقيقة: قوله في كتاب الطلاق: (باب ما جاء فيمن يُحدِّث نفسه بطلاق امرأته)، ثم ساق بإسناده إلى رسول الله ﷺ

стр. 236

أنه قال: "تجاوز الله لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به، أو تعمل به" (١). فهذا الحديث عام، ويدخل فيه مسائل كثيرة، فاستفاد منه الترمذي حكم هذه المسألة المهمة، لذا قال بعد ذلك: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به) (٢). ومن تبويباته الجميلة أيضًا: قوله: (باب ما جاء في مداراة النساء) (٣)، ثم ساق بإسناده إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "إن المرأة كالضلع، إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج". فاستفاد الترمذي من هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان أن يداري امرأته، في معاشرته لها، فأصبح هذا التبويب كالشرح للحديث. وأما طريقته في التبويب: ففي الغالب الأعم يقول: باب ما جاء في كذا، وهذا خبر وليس فيه بيان الحكم؛ والسبب في ذلك أنه بعد إيراده للحديث يذكر ما دلّ عليه الحديث مع بيان أقوال أهل العلم، وأحيانا يبين اختياره في الباب الذي يعقده كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهذا قليل، ولكنه موجود، ولا شك أن المنهج الصحيح أن طالب العلم يستدل أولا ثم يعتقد، فلعله قصد ذلك (٤).

стр. 237

ومن التبويبات التي صرح فيها الترمذي باختياره: ١ - قوله: (باب ما جاء في إيجاب التشميت لحمد العاطس)، ثم روى عن أنس بن مالك: أن رجلين عطسا عند النبي ﷺ ، فشمت أحدَهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: يا رسول الله، شمت هذا ولم تشمتني؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه حمد الله، وإنك لم تحمده" (١). وهذا الحكم الذي ذكره المصنف من إيجاب التشميت على السامع بشرط إذا حمد العاطس أخذه من مجموع الأحاديث التي ذكرها تحت (باب ما جاء في تشميت العاطس) (٢)، فقد دل حديث عليّ، وحديث أبي هريرة، وفيهما: "ويشمته إذا عطس"، على وجوب ذلك على السامع، وأما اشتراط الحمد فأخذه الترمذي من حديث أنس الذي أورده تحت هذا الباب. ٢ - قوله: (باب ما لا يجوز من الأضاحي)، ثم روى حديث البراء بن عازب، رفعه قال: "لا يُضحَّى بالعرجاء بَيِّنٌ ظَلْعُها، ولا بالعوراء بَيِّنٌ عورها، ولا بالمريضة بَيِّنٌ مرضها، ولا بالعَجْفاء التي لا تُنْقي". وقال: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز عن البراء، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم) (٣). قلت: والفائدة من هذا التبويب أن أبا عيسى صَرَّح بأن هذه الأربع هي التي لا تُجزئ فقط، ويلحق بها ما كان مثل أحدها، أو أشد منها، مثل العمياء؛ لأنه إذا كانت العوراء لا تجزئ فالعمياء من باب أولى، وكذلك العرجاء إذا كانت لا تجزئ فالتي لا تمشى لا تجزئ من باب أولى. وفائدة ذلك أن ما نهي عن التضحية به غير هذه الأربعة يكون مجزئا مع الكراهة، كما جاء في حديث عليّ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن

стр. 238

نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء). لذا بوب الترمذي على حديث عليّ هذا: (باب ما يكره من الأضاحي) (١)، وبوب على ما سبق بأنه لا يجوز، فغاير بينهما، وفي هذا فائدة عظيمة -كما سبق-، وهي أن كل ما جاء النهي عنه غير الأربعة وما يلحق بها فإنه على سبيل الكراهية وليس على سبيل التحريم، وهذا يؤخذ من حديث البراء، عندما ذكر النهي عن هذه الأربعة فقط، وبمثل هذا صرح أبو بكر ابن خزيمة أيضًا في صحيحه (٢). ٣ - قوله: (باب ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال)، ثم ساق من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ (٣). قلت: وهذا دليل ظاهر على جواز لبس الأحمر للرجال، وهذا ما أشار إليه الترمذي، ولا يخفى الخلاف في هذه المسألة. وقد يبوب الترمذي أحيانا على الحديث، ثم يختار قولا قد يكون أخص مما بوب عليه، ومن أمثلة ذلك: قوله: (باب في كراهية رد السلام غير متوضئ) ثم ذكر حديث ابن عمر: أن رجلا سلم على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه، ثم قال: (وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك) (٤). قلت: يلاحظ أن اختياره أخص مما بوب به عليه.

стр. 239

ومن منهج الترمذي: أن المسألة إذا كان فيها حديثان، وكل حديث يدل على قول فيها فإنه يورد كل حديث في باب مستقل، ويذكر أسماء العلماء الذين عملوا بكل حديث من الحديثين في الباب الذي أورده فيه، ومن أمثلة ذلك: ١ - قال ﵀: (باب الوضوء من مس الذكر. حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن بُسْرَة بنت صفوان، أن النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". … وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال محمد: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، وهو حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة. وقال محمد: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول، عن رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحا. باب ترك الوضوء من مس الذكر حدثنا هناد، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي الحنفي، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "وهل هو إلا مضغة منه؟ أو بضعة منه؟ ". … وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ وبعض التابعين:

стр. 240

أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة، وابن المبارك. وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب. وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة، ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة. وحديث ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن) (١). ٢ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في التغليس بالفجر حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، قال: وحدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء، -قال الأنصاري: فيمر النساء- متلففات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وقال قتيبة: متلفعات. … وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، يستحبون التغليس بصلاة الفجر. باب ما جاء في الإسفار بالفجر حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة -وهو ابن سليمان-، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر".

стр. 241

وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين الإسفار بصلاة الفجر، وبه يقول سفيان الثوري، وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يَضِحَ الفجر فلا يُشَكُّ فيه ولم يروا أن معنى الإسفار: تأخير الصلاة) (١). ٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في إفراد الإقامة حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، ويزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة. … وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. باب ما جاء أن الإقامة مثنى مثنى. حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا عقبة بن خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد، قال: كان أذان رسول الله ﷺ شفعا شفعا في الأذان والإقامة. … وقال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى. وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة) (٢). ٤ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل، قال:

стр. 242

سمعني أبي وأنا في الصلاة، أقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، فقال لي: أي بني محدث، إياك والحدث، قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، قال: وقد صليت مع النبي ﷺ ، ومع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يرون أن يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قالوا: ويقولها في نفسه. باب من رأى الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. حدثنا أحمد بن عبدة، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثني إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ : منهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وبه يقول الشافعي) (١). وأما إذا كان الخلاف بين العلماء في فهم حديث واحد، أو بسبب أن بعض العلماء لم يبلغه أو لم يصح عنده فإنه يذكر الخلاف في ذلك في باب واحد، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها:

стр. 243

١ - قال ﵀: (باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل. حدثنا علي بن حجر، وأحمد بن محمد بن موسى، قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن أشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: "إن عامة الوسواس منه". … وقد كره قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعض أهل العلم منهم ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال: إن عامة الوسواس منه، فقال: ربنا الله لا شريك له. وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء. قال أبو عيسى: حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الآملي، عن حبان، عن عبد الله بن المبارك) (١). ٢ - وقال أيضًا: (باب الوضوء من القيء والرعاف. حدثنا أبوعبيدة بن أبي السفر، وإسحاق بن منصور، قال أبوعبيدة: حدثنا، وقال إسحاق: أخبرنا، عبدالصمد بن عبدالوارث قال: حدثني أبي، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبدالرحمن ابن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد المخزومي، عن أبيه، عن معدان ابن أبي طلحة، عن أبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه. وقال إسحاق بن منصور: معدان بن طلحة. وابن أبي طلحة أصح.

стр. 244

وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من التابعين: الوضوء من القيء والرعاف، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوء، وهو قول مالك، والشافعي) (١). ٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده. حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن معبد، من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلا صلى خلف الصف وحده -والشيخ يسمع- فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة. … وقد كره قوم من أهل العلم أن يصلي الرجل خلف الصف وحده، وقالوا: يعيد إذا صلى خلف الصف وحده، وبه يقول أحمد، وإسحاق. وقد قال قوم من أهل العلم: يجزئه إذا صلى خلف الصف وحده، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي. وقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى حديث وابصة بن معبد أيضًا، قالوا: من صلى خلف الصف وحده يعيد، منهم: حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، ووكيع) (٢).

стр. 245

الوجه الخامس: نقله للإجماعات التي وقعت بين أهل العلم. قد أولى أبو عيسى الترمذي هذا الجانب اهتماما كبيرا في كتابه "الجامع"، ويعتبر من أوائل الذين ينقلون إجماع أهل العلم، فهو أقدم من أبي بكر ابن المنذر (١)، ومن المعلوم أن الذين ينقلون الإجماع إنما يعتمدون غالبا على ابن المنذر ومن أتى من بعده، فأبو عيسى أقدم منه، فهو كما اهتم بالخلاف اهتم أيضًا بالإجماع، وأضاف إلى ذلك الاهتمام بما عليه العمل، وبما ليس عليه العمل كما سوف يأتي. وهذا يدل على اطلاع واسع، لذا قل في الأمة من ينقلى الإجماع، ولا شك أن طريقة عرضه للخلاف تؤهله لهذا الأمر (نقل الإجماع)، فهو كما تقدم يبتدئ بأقوال الصحابة وبالذات كبارهم، ثم التابعين، ومن أتى من بعدهم إلى أصحاب المذاهب المشهورة، وأحيانا لا ينقل الإجماع، ولكن ينص على أن هذا القول هو قول الأكثر، وأحيانا يذكر أن هذا قول بعض أهل العلم، وإليك أمثلة على ذلك: ١ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد: (وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك: بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئا من المسجد) (٢). ٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في كراهية أن يبادر الإمام في الركوع والسجود): (وبه يقول أهل العلم: أن مَن خلف الإمام يتبعون الإمام فيما يصنع، ولا يركعون إلا بعد ركوعه، ولا يرفعون إلا بعد رفعه، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا) (٣).

стр. 246

٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة): (والعمل على هذا عند أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة) (١). ٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في الوليين يزوجان): (والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا: إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا زوجا جميعا فنكاحهما جميعا مفسوخ، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق) (٢). ٥ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في طلاق المعتوه): (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوها يفيق الأحيان، فيطلق في حال إفاقته) (٣). ٦ - وقال أيضًا باب في الوقف -بعد أن ذكر حديث ابن عمر- ﵄ قال: أصاب عمر أرضا بخيبر … -: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك) (٤). ٧ - وقال أيضًا في (باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) بعد أن ذكر حديث معاوية ﵁ في ذلك: (وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله.

стр. 247

وكذلك روى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ نحو هذا قال: فرفع القتل، وكانت رخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث … الخ) (١). قلت: يلاحظ هنا تورع الترمذي فهو لا يجزم بنقل الإجماع، وإنما يعلق ذلك بعدم العلم، وأما إذا كان الأمر واضحا فإنه يجزم بالإجماع، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قوله في (باب ما جاء في كم تمكث النفساء): (وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي … الخ) (٢). ٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين في السجود) - بعد أن روى حديث عامر بن سعد، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين ونصب القدمين … : (وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه) (٣). ٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين): (وهو ما أجمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (٤). ٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في حج الصبي): (وقد أجمع أهل العلم: أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك، لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق

стр. 248

فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) (١). ٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في حج الصبي: (وقد أجمع أهل العلم على: أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، هي تلبي (٢)، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية) (٣). ٦ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل؟: (وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة) (٤). ٧ - قال أبو عيسى في باب في الذبح بعد الصلاة: (وقد أجمع أهل العلم: ألا يجزئ الجذع من المعز، وقالوا: إنما يجزئ الجذع من الضأن) (٥). وأحيانا يقول: هذا قول عامة أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قوله في باب ما جاء في المني والمذي: (وقد روي عن عليّ، عن النبي ﷺ من غير وجه: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل". وهو قول عامة اْهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وبه يقول سفيان والشافعي، وأحمد، وإسحاق) (٦). ٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في مؤاكلة الجنب الحائض وسؤرها: (وهو قول عامة أهل العلم: لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسا، واختلفوا في

стр. 249

فضل وضوئها، فرخص في ذلك بعضهم، وكره بعضهم فضل طهورها) (١). وأحيانا يقول: عليه العمل ولا يذكر خلافا، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قوله في باب ما جاء السجود على سبعة أعضاء -بعد أن ذكر حديث العباس بن عبد المطلب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب (٢): وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه"-: (وعليه العمل عند أهل العلم) (٣). ٢ - وقال أيضًا -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه-: (حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم: يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه) (٤). وأحيانا يذكر أن هذا القول هو قول أكثر أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضع -بعد أن ذكر حديث أبي السنابل بن بَعْكَك قال: وضعت سُبيعة بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين يوما … -: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت فقد حل لها التزويج، وإن لم تكن انقضت عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: تعتد آخر الأجلين.

стр. 250

والقول الأول أصح) (١). ٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر-بعد أن ذكر حديث سلمة بن صخر البياضي، عن النبي ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: "كفارة واحدة"-: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي) (٢). ٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها) -بعد أن ذكر حديث الفريعة بنت مالك بن سنان أنها جاءت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة … -: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها. والقول الأول أصح) (٣). * * * الوجه السادس: ذكره لما عليه العمل، وما ليس عليه العمل. لا يخفى على الناظر في كتاب أبي عيسى اهتمامه البالغ بذلك، لذا فإن الراجح في تسمية كتابه: "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ، ومعرفة الصحيح والمعلول، وما عليه العمل".
следующие страницы →