٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام دون الصلاة): (والعمل على هذا عند أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا في أن الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة) (١).
٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في الوليين يزوجان): (والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا: إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز، ونكاح الآخر مفسوخ، وإذا زوجا جميعا فنكاحهما جميعا مفسوخ، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق) (٢).
٥ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في طلاق المعتوه): (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوها يفيق الأحيان، فيطلق في حال إفاقته) (٣).
٦ - وقال أيضًا باب في الوقف -بعد أن ذكر حديث ابن عمر- ﵄ قال: أصاب عمر أرضا بخيبر … -: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافا في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك) (٤).
٧ - وقال أيضًا في (باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) بعد أن ذكر حديث معاوية ﵁ في ذلك: (وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله.
стр. 247
وكذلك روى الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن النبي ﷺ نحو هذا قال: فرفع القتل، وكانت رخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك في القديم والحديث … الخ) (١).
قلت: يلاحظ هنا تورع الترمذي فهو لا يجزم بنقل الإجماع، وإنما يعلق ذلك بعدم العلم، وأما إذا كان الأمر واضحا فإنه يجزم بالإجماع، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله في (باب ما جاء في كم تمكث النفساء): (وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي … الخ) (٢).
٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في وضع اليدين ونصب القدمين في السجود) - بعد أن روى حديث عامر بن سعد، عن أبيه: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين ونصب القدمين … : (وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه) (٣).
٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين): (وهو ما أجمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (٤).
٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في حج الصبي): (وقد أجمع أهل العلم: أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا أدرك، لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق
стр. 248
فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق) (١).
٥ - وقال أيضًا في باب ما جاء في حج الصبي: (وقد أجمع أهل العلم على: أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، هي تلبي (٢)، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية) (٣).
٦ - قال أبو عيسى في باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل؟: (وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة) (٤).
٧ - قال أبو عيسى في باب في الذبح بعد الصلاة: (وقد أجمع أهل العلم: ألا يجزئ الجذع من المعز، وقالوا: إنما يجزئ الجذع من الضأن) (٥).
وأحيانا يقول: هذا قول عامة أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله في باب ما جاء في المني والمذي: (وقد روي عن عليّ، عن النبي ﷺ من غير وجه: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل".
وهو قول عامة اْهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وبه يقول سفيان والشافعي، وأحمد، وإسحاق) (٦).
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في مؤاكلة الجنب الحائض وسؤرها: (وهو قول عامة أهل العلم: لم يروا بمؤاكلة الحائض بأسا، واختلفوا في
стр. 249
فضل وضوئها، فرخص في ذلك بعضهم، وكره بعضهم فضل طهورها) (١).
وأحيانا يقول: عليه العمل ولا يذكر خلافا، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله في باب ما جاء السجود على سبعة أعضاء -بعد أن ذكر حديث العباس بن عبد المطلب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب (٢): وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه"-: (وعليه العمل عند أهل العلم) (٣).
٢ - وقال أيضًا -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه-: (حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم: يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه) (٤).
وأحيانا يذكر أن هذا القول هو قول أكثر أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضع -بعد أن ذكر حديث أبي السنابل بن بَعْكَك قال: وضعت سُبيعة بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين، أو خمسة وعشرين يوما … -: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت فقد حل لها التزويج، وإن لم تكن انقضت عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: تعتد آخر الأجلين.
стр. 250
والقول الأول أصح) (١).
٢ - وقال أيضًا في باب ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر-بعد أن ذكر حديث سلمة بن صخر البياضي، عن النبي ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: "كفارة واحدة"-: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي) (٢).
٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها) -بعد أن ذكر حديث الفريعة بنت مالك بن سنان أنها جاءت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة … -: (والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها.
والقول الأول أصح) (٣).
* * *
الوجه السادس: ذكره لما عليه العمل، وما ليس عليه العمل.
لا يخفى على الناظر في كتاب أبي عيسى اهتمامه البالغ بذلك، لذا فإن الراجح في تسمية كتابه: "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ، ومعرفة الصحيح والمعلول، وما عليه العمل".
стр. 251
وقد اهتم بذلك إجمالا وتفصيلا:
أما تفصيلا: فقلَّ أن يخلوَ باب من ذلك، إلا أبواب التفسير وأبواب الجنة والنار، ونحو ذلك.
وأما إجمالا: فقد قال في أول كتابه العلل الصغير: (جميع ما في هذا الكتاب (١) من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (٢).
وحديث النبي ﷺ أنه قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وقد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب) (٣).
وقد كان ﵀ يتفنن في عرضه لذلك:
كقوله في بعض الأحيان: (والعمل على هذا عند أهل العلم).
وفي بعضها: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم)، بدون أن يقيد ذلك بصحابة أو تابعين (٤).
وفي بعضها: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (٥).
وفي بعضها: (وذهب أكثر أهل العلم والفقه من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم إلى … ) (٦).
стр. 252
وفي بعضها: (والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (١).
وفي بعض الأحيان يقول: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) (٢).
وفي بعضها: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من التابعين ومن بعدهم) (٣).
وأحيانا: (اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ) (٤).
وقال في موضع آخر: (وهو قول بعض أهل العلم منهم: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وبه يقود أحمد وإسحاق) (٥).
وقال مرة: (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة -، والفقهاء من التابعين ومن بعدهم -مثل سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحق- قالوا: إذا التقى الختانان وجب الغسل) (٦).
وقد يشير الترمذي إلى عدم العمل بالحديث بعبارات أخرى كقوله: (ولا نعرف معنى هذا الحديث) ونحو ذلك، ومن الأمثلة عليه:
١ - قوله ﵀ في أبواب الشهادات عن رسول الله ﷺ (٧): (حدَّثنا قتيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلود حدا ولا مجلودة، ولا ذي غمر لأخيه،
стр. 253
ولا مجرب شهادة، ولا القانع أهل البيت لهم، ولا ظنين في ولاء، ولا قرابة"، قال الفزاري: القانع التابع.
هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.
ولا نعرف معنى هذا الحديث، ولا يصح عندنا من قبل إسناده. والعمل عند أهل العلم أن شهادة القريب جائزة لقرابته.
واختلف أهل العلم في شهادة الوالد للولد، والولد للوالد، فلم يجز أكثر أهل العلم شهادة الولد للوالد ولا الوالد للولد، وقال بعض أهل العلم: إذا كان عدلا فشهادة الوالد للولد جائزة، وكذلك شهادة الولد للوالد، ولم يختلفوا في شهادة الأخ لأخيه أنها جائزة، وكذلك شهادة كل قريب لقرابته. وقال الشافعي: لا تجوز شهادة الرجل على الاخر وإن كان عدلا إذا كان بينهما عداوة، وذهب إلى حديث عبدالرحمن الأعرج، عن النبي ﷺ مرسلًا: "لا تجوز شهادة صاحب حنة"، يعنى: صاحب عداوة، وكذلك معنى هذا الحديث حيث قال: "لا تجوز شهادة صاحب غمر" يعني صاحب عداوة) (١).
قلت: قوله: (ولا نعرف معنى هذا الحديث) يعنى: أنه مخالف لما عليه العمل كما شرح ذلك بعد أن ذكر ما تقدم، لا أنه لا يعرف معناه من حيث اللغة، كيف وهو قد فسره؟!
٢ - مثال آخر: قال ﵀ في باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم
стр. 254
أحدهما: (حدَّثنا أحمد بن منيع، وهناد، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد.
هذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها وهي في العدة أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة، وهو قود مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
حدَّثنا هناد، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحا.
هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قبل داود بن حصين من قبل حفظه.
حدَّثنا يوسف بن عيسى، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي ﷺ ، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي فرُدها عليّ، فرَدّها عليه.
هذا حديث صحيح.
سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر، عن محمد ابن إسحاق هذا الحديث.
وحديث الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبي ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد، ونكاح جديد.
стр. 255
فقال يزيد بن هارون: حديث ابن عباس أجود إسنادا.
والعمل على حديث عمرو بن شعيب) (١).
قلت: وهذا فيه أيضًا نقد للحديث من جهة المتن إذا كان مخالفا للنصوص الأخرى.
* * *
الوجه السابع: ذكره لخلاف أهل العلم في المسائل المتعلقة بالحديث الذي أورده، مع ملاحظة أنه أحيانا يتوسع في ذكر الخلاف كما توسع في أبواب الطلاق، وأحيانا يختصر، بل قد لا يذكر شيئًا، وذلك تبعا للمسألة التي يعالجها، فمثلا في أبواب التفسير (٢)، وأبواب صفة الجنة والنار (٣)، لا يذكر شيئًا من ذلك، لأنها لا علاقة لها بالأحكام.
وأما الأحاديث التي لها علاقة مباشرة بالأحكام فيعتني فيها بهذا الجانب كثيرا، حتى إنه أحيانا يذكر عدة أقوال في المسألة الواحدة، مبتدئا بالصحابة، مع تنصيصه أحيانا على أن هذا قول الصديق أو عمر وغيرهما من الصحابة (٤)، ويلاحظ أيضًا أنه في أحيان قليلة يسند هذه الأقوال، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.
والكلام على هذا يطول، ولكن سوف أضرب بعض الأمثلة على ذلك:
١ - فقد قال تحت (باب ما جاء في أمرك بيدك): (حدَّثنا علي بن نصر بن علي، قال: حدَّثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا حماد بن زيد،
стр. 256
قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك إنها ثلاث؟ فقال: لا، إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرا، إلا ما حدَّثني قتادة عن كثير- مولى ابن سمرة-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث". قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى ابن سمرة فسألته: فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي.
هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حدَّثنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف.
ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا (١)، وكان علي بن نصر حافظا، صاحب حديث.
وقد اختلف أهل العلم في "أمرك بيدك"، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود-: (هي واحدة)، وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم.
وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.
وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، فطلقت نفسها ثلاثا، وأنكر الزوج، وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا في واحدة استحلف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه.
وذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله، وأما مالك بن أنس، فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر) (٢).
стр. 257
قلت: فيلاحظ أنه ذكر ثلاثة أقوال في المسألة، مع بيان أقوال كبار الصحابة كعمر وعثمان، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، ومن أتى من بعدهم من التابعين، وإن لم ينص على قول واحد منهم بعينه، ثم ذكر أقوال أئمة المذاهب المشهورة، فذكر قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وقول أهل المدينة -بذكره لقول الإمام مالك (١) -، ثم ذكر قول أئمة الحديث -بذكره لقول أحمد وإسحاق في المسألة-.
٢ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم) (٢) ثم ذكر حديث أبي بن كعب وزيد بن خالد الجهني في المسألة، ثم ذكر فقه هذه المسألة فقال: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، رخصوا في اللقطة إذا عرفها سنة فلم يجد من يَعْرِفُها أن ينتفع بها، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم: يعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا تصدق بها، وهو قول سفيان الثوري، وعبدالله بن المبارك، وهو قول أهل الكوفة، لم يروا لصاحب اللقطة أن ينتفع بها إذا كان غنيا.
وقال الشافعي: ينتفع بها وإن كان غنيا؛ لأن أبي بن كعب أصاب على عهد رسول الله ﷺ صرة فيها مائة دينار، فأمره النبي ﷺ أن يعرفها ثم ينتفع بها، وكان أبي كثير المال، من مياسير أصحاب النبي ﷺ ، فأمره النبي ﷺ أن يعرفها، فلم يجد من يعرفها، فأمره النبي ﷺ أن يأكلها، فلو كانت اللقطة لم تحل إلا لمن تحل له الصدقة لم تحل لعلي بن أبي طالب؛ لأن علي بن أبي طالب أصاب دينارا على عهد رسول الله ﷺ فعرفه، فلم يجد من يعرفه، فأمره النبي ﷺ بأكله، وكان عليّ لا تحل له الصدقة.
стр. 258
وقد رخص بعض أهل العلم إذا كانت اللقطة يسيرة أن ينتفع بها، ولا يعرفها.
وقال بعضهم: إذا كان دون دينار يعرفها قدر جمعة، وهو قول إسحاق بن إبراهيم) (١).
قلت: فيلاحظ أنه أطال في الشرح والبيان مع ذكر أقوال أهل العلم في المسألة مبتدئا بالصحابة وغيرهم، ثم ذكر قول أئمة المذاهب المشهورة، كالشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وابن المبارك، وقول أهل الكوفة.
٣ - وقال أيضًا: (باب ما جاء الرجل يطلق امرأته البتة.
حدَّثنا هناد، قال: حدَّثنا قبيصة، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبدالله بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي البتة، فقال: "ما أردت بها؟ " قلت: واحدة، قال: "والله؟ " قلت: والله، قال: "فهو ما أردت".
هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢).
وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في طلاق البتة، فروي عن عمر بن الخطاب، أنه جعل البتة واحدة.
وروي عن علي، أنه جعلها ثلاثا.
وقال بعض أهل العلم: فيه نية الرجل، إن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى ثنتين لم تكن إلا واحدة، وهو قول الثوري، وأهل الكوفة.
стр. 259
وقال مالك بن أنس في البتة: إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات.
وقال الشافعي: إن نوى واحدة فواحدة يملك الرجعة، وإن نوى ثنتين فثنتين، وإن نوى ثلاثا فثلاث) (١).
قلت: فيلاحظ هنا أنه ذكر خمسة أقوال مبتدئا بالصحابة، ثم من أتى من بعدهم من أئمة المذاهب المشهورة.
٤ - وقال أيضًا: (باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها) ثم ذكر حديث أبي سعيد: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرم منها". ثم قال: (وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم".
والعمل على هذا عند أهل العلم؛ يكرهون للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم.
واختلف أهل العلم في المرأة إذا كانت موسرة ولم يكن لها محرم، هل تحج؟
فقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحج؛ لأن المحرم من السبيل؛ لقول الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: إذا لم يكن لها محرم فلم تستطع إليه سبيلا، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة.
وقال بعض أهل العلم: إذا كان الطريق آمنا فإنها تخرج مع الناس في الحج، وهو قول مالك بن أنس، والشافعي.
стр. 260
حدَّثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدَّثنا بشر بن عمر، قال: حدَّثنا مالك بن أنس، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم".
هذا حديث حسن صحيح) (١).
قلت: بين أبو عيسى ما دلت عليه هذه الأحاديث من عدم جواز سفر المرأة بدون محرم، ثم ذكر بعض المسائل التي تنبني على هذه القضية، مع أقوال أهل العلم في ذلك.
٥ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم): (حدَّثنا علي بن حجر، قال: حدَّثنا عيسى بن يونس، قال: حدَّثنا الحسين المعلم، عن عبدالله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: "من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد".
وفي الباب: عن عبدالله بن عمرو، وأنس، والسائب.
قال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح.
وقد روي هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلا أنه يقول: عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض، فقال: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب".
قال أبو عيسى: حدَّثنا بذلك هناد، قال: حدَّثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، بهذا الحديث.
стр. 261
لا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.
وقد روى أبو أسامة، وغير واحد، عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس.
ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة التطوع.
واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالسا:
فقال بعض أهل العلم: إنه يصلي على جنبه الأيمن.
وقال بعضهم: يصلي مستلقيا على قفاه، ورجلاه إلى القبلة.
وقال سفيان الثوري في هذا الحديث: من صلى جالسا فله نصف أجر القائم، قال: هذا للصحيح ولمن ليس له عذر، فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسا فله مثل أجر القائم.
وقد روي في بعض الحديث مثل قول سفيان الثوري.
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عدي، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، قال: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائما، وجالسا، ومضطجعا) (١).
وكلامه في هذا الباب كثير، والمراد هو بيان منزلته في الفقه واطلاعه على أقوال الصحابة، من الخلفاء الراشدين، وغيرهم ممن اشتهر بالعلم، كابن عباس وابن عمر وعائشة، ومن أتى من بعدهم من التابعين كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وغيرهم (٢)،
стр. 262
وأتباعهم كسفيان الثوري، وأبي حنيفة (١)، ومالك، ومن أتى من بعدهم كسفيان بن عيينة، ووكيع (٢)، وابن المبارك، ومن بعدهم كالشافعي (٣)، وآخرهم الإمام أحمد، وإسحاق، ولا شك أن هذا يدل على اطلاع واسع، وعلم كبير كما تقدم (٤).
ويلاحظ اعتناؤه الشديد بأقوال الصحابة، وخاصة منهم الخلفاء الراشدين (٥)، ولا يخفى أن هذا ينبني عليه مسائل أخرى:
стр. 263
منها: وجوب الأخذ بقول الخلفاء الراشدين، لقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" (١)، وأنهم إذا اختلفوا فيما بينهم فالأولى الأخذ بقول أبي بكر وعمر.
ومنها: أن الصحابة إذا قالوا بقول ولم يقع بينهم اختلاف فإنه يجب المصير إلى هذا القول وعدم إحداث قول يخالف اتفاقهم.
وأبو عيسى عندما ينص على ذلك لعله يشير إلى هذا وغيره من المسائل التي تنبني على مثل ذلك.
كما يلاحظ أن أبا عيسى يذكر أقوالا لبعض الأئمة الذين لم تعتن كثير من كتب الفقه بأقوالهم.
ويستفاد من ذكر الترمذي لهذا الخلاف العالي بين الصحابة ومن أتى من بعدهم أنه إمام مجتهد، ولا يقلد شخصا بعينه، مع ملاحظة انتسابه لأهل الحديث واهتمامه بمذهبهم، فكثيرا ما ينص على أن هذا القول "قول أصحابنا من أهل الحديث" ونحو ذلك، مع اعتنائه بأقوال أحمد وإسحاق منهم خاصة، وبالذات أحمد.
стр. 264
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال في باب ما جاء في المصراة: (والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا، منهم: الشافعي، وأحمد، وإسحق) (١).
٢ - وقال في باب ما جاء فيمن يقول لآخر: يا مخنث: (والعمل على هذا عند أصحابنا، قالوا: من أتى ذات محرم -وهو يعلم- فعليه القتل، وقال أحمد: من تزوج أمه قتل، وقال إسحق: من وقع على ذات محرم قتل) (٢).
٣ - وقال في باب النهي عن المحاقلة والمزابنة: (والعملى على هذا عند أهل العلم، وهو قول الشافعي وأصحابنا) (٣).
٤ - وذكر حديث علي في دعاء الاستفتاح: "وجهت وجهي … "، ثم قال: (والعمل على هذا الحديث عند الشافعي وبعض أصحابنا.
وقال بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم: يقول هذا في صلاة التطوع، ولا يقوله في المكتوبة (٤).
سمعت أبا إسماعيل الترمذي يقول: سمعت سليمان بن داود الهاشمي يقول -وذكر هذا الحديث-، فقال: هذا عندنا مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه) (٥).
٥ - وقال في باب في (باب ما جاء في التمتع): (وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق) (٦).
стр. 265
ومن أمثلة عنايته بأقوال أحمد وإسحاق:
١ - قال في (باب ما جاء في كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه): (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ كرهوا بيع الطعام حتى يقبضه المشتري.
وقد رخص بعض أهل العلم فيمن ابتاع شيئًا مما لا يكال ولا يوزن، مما لا يؤكل ولا يشرب، أن يبيعه قبل أن يستوفيه، وإنما التشديد عند أهل العلم في الطعام، وهو قول أحمد وإسحق) (١).
٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة): (وقال أحمد وإسحاق: للبلوغ ثلاث منازل: بلوغ خمس عشرة، أو الاحتلام، فإن لم يعرف سنه ولا احتلامه فالإنبات -يعني العانة-) (٢).
وفي أحيان قليلة يقتصر على قول أحمد كما سبق، ومن أمثلة ذلك أيضًا:
قال في (باب ما جاء في كسب الحجام) -بعد أن ذكر حديث ابن محيصة عن أبيه في النهي عن إجارة الحجام-: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وقال أحمد: إن سألني حجام نهيته، واَخذ بهذا الحديث) (٣).
وأحيانا ينص الترمذي على أن هذا القول يقول به أهل البلد الفلاني، مما يدل على اطلاعه، ومعرفته بما عليه العمل في بعض البلاد دون بعض، ومن أمثلة ذلك:
قوله في (باب ما جاء في الترجيع في الأذان): (وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي) (٤).
стр. 266
ويقرب من هذا تنصيصه في كثير من المواضع على أن هذا قول أهل الكوفة.
* * *
الوجه الثامن: تحريره لمحل النزاع في بعض المسائل، فيبين محل الاختلاف ومحل الاتفاق:
ومن الأمثلة على ذلك:
قال في (باب ما جاء في كم تقصر الصلاة): (حدثنا أحمد بن منيع، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن أبي إسحق الحضرمي، قال: حدَّثنا أنس بن مالك قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين. قال: قلت لأنس: كم أقام رسول الله ﷺ بمكة؟ قال عشرا.
وفي الباب عن ابن عباس، وجابر.
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح.
وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين، قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة.
وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يوما أتم الصلاة.
وروي عنه ثنتا عشرة.
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعا صلى أربعا.
وروى عنه ذلك: قتادة وعطاء الخراساني.
ورَوى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا.
واختلف أهل العلم بعدُ في ذلك:
стр. 267
فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة.
وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة.
وأما إسحق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس، قال: لأنه روى عن النبي ﷺ ، ثم تأوله بعد النبي ﷺ إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة.
ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون) (١).
* * *
الوجه التاسع: أنه يذكر في بعض الأحيان التعليل عند ذكر الخلاف مع توجيه بعض الأقوال، كما يعتني في بعض المسائل -بعد ذكر الاختلاف- بالشرح والبيان، وتبيين سبب الاختلاف، وأن الحديث منسوخ، أو أن ترك أهل الحديث للحديث إنما هو لضعفه، وغير ذلك من الفوائد الفقهية المتعددة.
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله في باب المنديل بعد الوضوء: (وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء، ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري) (٢).
стр. 268
٢ - وقوله في باب ما جاء في التثويب في الفجر: (وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب:
فقال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، وهو قول ابن المبارك، وأحمد.
وقال إسحاق في التثويب غير هذا، قال: هو شيء أحدثه الناس بعد النبي ﷺ إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح.
وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي ﷺ .
والذي فسر ابن المبارك، وأحمد، أن التثويب: أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم.
وهو قول صحيح، ويقال له: التثويب أيضًا.
وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه.
وروي عن عبدالله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم.
وروي عن مجاهد، قال: دخلت مع عبدالله بن عمر مسجدا وقد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبدالله بن عمر من المسجد، وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه.
وإنما كره عبدالله بن عمر التثويب الذي أحدثه الناس بعد) (١).
стр. 269
٣ - وقال أيضًا في باب ما جاء البيعان بالخيار ما لم يتفرقا: (حدَّثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، قال: حدَّثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يختارا". قال: فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له.
حدَّثنا محمد بن بشار، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدَّثني قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن عبدالله بن الحارث، عن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما".
وهذا حديث صحيح.
وفي الباب عن أبي برزة، وعبدالله بن عمرو، وسمرة، وأبي هريرة، وعبدالله بن عباس.
حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: الفرقة بالأبدان لا بالكلام.
وقد قال بعض أهل العلم: معنى قول النبي ﷺ : "ما لم يتفرقا"، يعني: الفرقة بالكلام.
والقول الأول أصح؛ لأن ابن عمر هو روى عن رسول الله ﷺ ، وهو أعلم بمعنى ما روى، وروي عنه أنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى ليجب له.
وهكذا روي عن أبي برزة الأسلمي أن رجلين اختصما إليه في فرس
стр. 270
بعدما تبايعا وكانوا في سفينة، فقال: لا أراكما افترقتما، وقال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
وقد ذهب بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم إلى أن الفرقة بالكلام، وهو قول الثوري.
وهكذا روي عن مالك بن أنس، وروي عن ابن المبارك أنه قال: كيف أرد هذا، والحديث فيه عن النبي ﷺ صحيح؟! وقوى هذا المذهب.
ومعنى قول النبي ﷺ : "إلا بيع الخيار"، معناه: أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع، فإذا خيره فاختار البيع فليس له خيار بعد ذلك في فسخ البيع، وإن لم يتفرقا، هكذا فسره الشافعي، وغيره.
ومما يقوي قول من يقول: الفرقة بالأبدان لا بالكلام، حديث عبدالله بن عمرو، عن النبي ﷺ .
حدثنا بذلك قتيبة، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله".
هذا حديث حسن.
ومعنى هذا: أن يفارقه بعد البيع خشية أن يستقيله، ولو كانت الفرقة بالكلام، ولم يكن له خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى، حيث قال ﷺ : "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله") (١).
٤ - وقال أيضًا في باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود: (وقد اختلف أهل العلم في هذا:
стр. 271
فقال بعضهم: طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود.
وقال بعضهم: كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام.
وقال أحمد بن حنبل: قد روي عن النبي ﷺ في هذا حديثان ولم
يقض فيه بشيء.
وقال إسحاق: أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إلي، لأنه يأتي على جزأيه (١) وقد ربح كثرة الركوع والسجود.
قال أبو عيسى: وإنما قال إسحاق هذا، لأنه كذا وصف صلاة النبي ﷺ بالليل، ووصف طول القيام، وأما بالنهار فلم يوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل) (٢).
٥ - قوله في باب ما جاء ويل للأعقاب من النار-بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ويل للأعقاب من النار"-: (وفقه هذا الحديث: أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفين أو جوربين) (٣).
* * *
الوجه العاشر: أنه يعلق على الحديث بما يبين دلالته، وإن كان منسوخا بين ذلك أيضا.
стр. 272
فيبين أحيانا هل الحكم الوارد في الحديث للوجوب أم الاستحباب؟ أو للتحريم أم الكراهة؟ ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قوله في باب النهي عن البول قائما: (ومعنى النهي عن البول قائما على التأديب لا على التحريم) (١).
٢ - وقوله في باب المضمضة من اللبن: (وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن، وهذا عندنا على الاستحباب، ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن) (٢).
وأحيانا ينبه على تقييد الحكم الوارد في بعض الأحاديث، ومن الأمثلة على ذلك:
قوله في باب ما جاء فيمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر": (ومعنى هذا الحديث عندهم لصاحب العذر، مثل الرجل ينام عن الصلاة أو ينساها، فيستيقظ ويذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها) (٣).
قلت: وهذا القيد مهم جدا، وتنبيه المصنف عليه دليل على فقهه ﵀.
وأحيانا يجمع بين النصين إذا كان ظاهرهما الاختلاف، ومن الأمثلة على ذلك:
قوله في باب ما جاء في بيعة النبي ﷺ بعد أن ذكر حديث جابر في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، قال
стр. 273
جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت.
وحديث يزيد بن أبي عبيد، قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. مع حديث ابن عمر: كنا نبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فيقول لنا: "فيما استطعتم"- ثم قال: (ومعنى كلا الحديثين صحيح، قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: لا نزال بين يديك ما لم نقتل، وبايعه اَخرون، فقالوا: لا نفر) (١).
وإذا كان الحديث منسوخا بين ذلك، ومن الأمثلة عليه:
١ - قوله في باب ما جاء أن الماء من الماء: (وإنما كان الماء من الماء في أول الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبي بن كعب، ورافع بن خديج) (٢).
٢ - وقوله في باب في ترك الوضوء مما غيرت النار -بعد أن ذكر حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أكل من عُلالة شاة ثم صلى العصر ولم يتوضأ-: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم، مثل سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: رأوا ترك الوضوء مما مست النار.
وهذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار) (٣).
٣ - وقوله في باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن
стр. 274
بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه، أنهم كانوا يطبقون (١).
والتطبيق منسوخ عند أهل العلم.
قال سعد بن أبي وقاص: كنا نفعل ذلك، فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع الأكف على الركب) (٢).
وأحيانا يفسر الحديث بمذهب من رواه، ومن أمثلة ذلك:
قوله في: (باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة.
حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ "، فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ "، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
وفي الباب عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، وجابر بن عبدالله.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
وابن أكيمة الليثي اسمه عمارة، ويقال: عمرو بن أكيمة.
وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف: قال: قال الزهري: فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
стр. 275
وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وروى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، هي خداج، غير تمام"، فقال له حامل الحديث: إني أكون أحيانا وراء الإمام، قال: اقرأ بها في نفسك، وروى أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة قال: أمرني النبي ﷺ أن أنادي أن "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب".
واختار أكثر أصحاب الحديث ألا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة، وقالوا: يتتبع سكتات الإمام.
وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام.
فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم: القراءة خلف الإمام.
وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وروي عن عبدالله بن المبارك أنه قال: أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرءون، إلا قوما من الكوفيين، وأرى أن من لم يقرأ صلاته جائزة.
وشدد قوم من أهل العلم (١) في ترك قراءة فاتحة الكتاب، وإن كان خلف الإمام، فقالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وحده كان أو خلف الإمام.
وذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ .
وقرأ عبادة بن الصامت بعد النبي ﷺ خلف الإمام، وتأول قول النبي ﷺ : "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب".
стр. 276
وبه يقول الشافعي، وإسحاق، وغيرهما.
وأما أحمد بن حنبل فقال: معنى قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، إذا كان وحده.
واحتج بحديث جابر بن عبدالله حيث قال: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام.
قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ تأول قول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، أن هذا إذا كان وحده.
واختار أحمد مع هذا القراءة خلف الإمام، وألا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام.
حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا أن يكون وراء الإمام.
هدا حديث حسن صحيح) (١).
وكذلك إذا كان في ظاهر الحديث إشكال فإنه يوجه ذلك الحديث، ومن الأمثلة على ذلك:
قوله في باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض -بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد"-: (لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة.
وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ﷺ
стр. 277
قال: "من أتى حائضا فليتصدق بدينار"، فلو كان إتيان الحائض كفرا لم يؤمر فيه بالكفارة.
وضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده) (١).
* * *
الوجه الحادي عشر: ترجيحاته، فإنه قد نص في مسائل كثيرة على القول الراجح عنده بعد ذكره للخلاف، وقد سبقت عدة أمثلة على ذلك (٢)، ومن ذلك أيضًا ما يلي:
١ - قال ﵀ في باب ما جاء في الأذان في السفر: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم اختاروا الأذان في السفر.
وقال بعضهم: يجزئ الإقامة، إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس.
والقول الأول أصح، وبه يقول أحمد، وإسحاق) (٣).
٢ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في لبن الفحل): (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم: كرهوا لبن الفحل، والأصل في هذا حديث عائشة.
وقد رخص بعض أهل العلم في لبن الفحل.
والقول الأول أصح) (٤).
٣ - وقال أيضًا في (باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلا بمثل
стр. 278
وكراهية التفاضل فيه): (والعمل على هذا عند أهل العلم: لا يرون أن يباع البر بالبر إلا مثلا بمثل، والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل، فإذا اختلفت الأصناف فلا بأس أن يباع متفاضلا إذا كان يدا بيد، ولا بأس أن يباع البر بالشعير متفاضلا إذا كان يدا بيد، وهذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال الشافعي: والحجة في ذلك قول النبي ﷺ : "بيعوا الشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد".
وقد كره قوم من أهل العلم: أن تباع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل، وهو قول مالك بن أنس، والقول الأول أصح) (١).
٤ - وقال أيضًا في (باب ما جاء في الصرف): (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، إلا ما روي عن ابن عباس، أنه كان لا يرى بأسا أن يباع الذهب بالذهب متفاضلا، والفضة بالفضة متفاضلا، إذا كان يدا بيد، وقال: إنما الربا في النسيئة، وكذلك روي عن بعض أصحابه شيء من هذا.
وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله حين حدثه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ .
والقول الأول أصح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وروي عن ابن المبارك أنه قال: ليس في الصرف اختلاف) (٢).
стр. 279
٥ - قوله في باب الوضوء بالنبيذ: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم: سفيان، وغيره.
وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ يتيمم أحب إلي.
قال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]) (١).
٦ - قوله في باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء -بعد أن ذكر حديث أنس: "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء": (وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عمر.
وبه يقول أحمد، وإسحاق يقولان: يبدأ بالعشاء وإن فاتته الصلاة في الجماعة.
سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يقول في هذا الحديث: يبدأ بالعشاء إذا كان طعاما يخاف فساده.
والذي ذهب إليه بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أشبه بالاتباع، وإنما أرادوا ألا يقوم الرجل إلى الصلاة وقلبه مشغول بسبب شيء.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء.
وروي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا وضع العشاء
стр. 280
وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء" قال: وتعشى ابن عمر وهو يسمع قراءة الإمام) (١).
وغير ذلك من اختياراته التي نص عليها في أثناء كتابه، وهي كثيرة (٢).
ويلاحظ في ترجيحاته ﵀ استعماله للأدب مع أقوال أهل العلم حتى مع من خالفه، فلا يشنع على القول الضعيف، وإنما يكتفي ببيان الصحيح في كثير من الأحيان، وربما ذكر مع الترجيح حجة القول المخالف والجواب عنها، ومن أمثلة ذلك:
١ - قوله في باب ما جاء في تأخير الظهر في شدة الحر: (وقد أختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
قال الشافعي: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجدا ينتاب أهله من البعد، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر.
قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر، هو أولى وأشبه بالاتباع.
وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد والمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي.
стр. 281
قال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي ﷺ : "يا بلال أبرد، ثم أبرد".
فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد) (١).
٢ - وقوله في (باب ما جاء في الرجل يصلي ومعه رجال ونساء): (والعمل عليه عند أهل العلم، قالوا: إذا كان مع الإمام رجل وامرأة قام الرجل عن يمين الإمام والمرأة خلفهما.
وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث في إجازة الصلاة إذا كان الرجل خلف الصف وحده، قالوا: إن الصبي لم يكن له صلاة، وكان أنس خلف النبي ﷺ وحده (٢).
وليس الأمر على ما ذهبوا إليه، لأن النبي ﷺ أقامه مع اليتيم خلفه، فلولا أن النبي ﷺ جعل لليتيم صلاة لما أقام اليتيم معه، ولأقامه عن يمينه.
وقد روي عن موسى بن أنس، عن أنس أنه صلى مع النبي ﷺ ، فأقامه عن يمينه.
وفي هذا الحديث دلالة أنه إنما صلى تطوعا أراد إدخال البركة عليهم) (٣).
٣ - قوله في باب ترك الوضوء من القُبلة -بعد أن ذكر حديث عائشة:
стр. 282
أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ-: (وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.
وقال مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين.
وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة، عن النبي ﷺ في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد.
قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني، قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب ابن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
وقد روي عن إبراهيم التيمي، عن عائشة، أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ.
وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء) (١).
стр. 283
ذكر بيان الترمذي للألفاظ الغريبة في الحديث
من الأمور التي اعتنى بها أبو عيسى في كتابه بيانُ معاني الألفاظ الغريبة في الأحاديث النبوية، وذلك إما من قبله، وإما من خلال النقل عن أهل العلم، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - قال ﵀: (حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه".
ومعنى قوله: "لا يثوي عنده" يعني: الضيف لا يقيم عنده حتى يشتد على صاحب المنزل، والحرج هو الضيق، إنما قوله: "حتى يحرجه"، يقول: حتى يضيق عليه) (١).
٢ - وذكر حديث أبي هريرة في ساعة الاستجابة يوم الجمعة، وفيه أنه قال: فلقيت عبدالله بن سلام فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم بتلك الساعة، فقلت: أخبرني بها ولا تضنن بها علي … الخ، ثم قال: (ومعنى قوله أخبرني بها ولا تضنن بها علي: لا تبخل بها علي، والضن: البخل، والظنين: المتهم) (٢).
٣ - وذكر حديث ابن عباس: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإن لي مخرفا،
стр. 284
فأشهدك أني قد تصدقت به عنها. ثم قال: (ومعنى قوله: "إن لي مخرفا" يعني: بستانا) (١).
٤ - وقال: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ ، قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، قال: "الحمو الموت".
وفي الباب عن عمر، وجابر، وعمرو بن العاص.
حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح، وإنما معنى كراهية الدخول على النساء على نحو ما روي عن النبي ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان".
ومعنى قوله: الحمو، يقال: الحمو هو أخ الزوج، كأنه كره له أن يخلو بها) (٢).
٥ - وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". ثم قال: (وتفسير حديث النبي ﷺ العجماء جرحها جبار، يقول: هدر لا دية فيه.
ومعنى قوله: العجماء جرحها جبار، فسر ذلك بعض أهل العلم قالوا: العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار، يقول: إذا احتفر الرجل معدنا فوقع فيها إنسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل، فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد في دفن أهل الجاهلية فمن وجد ركازا أدى منه الخمس إلى السلطان وما بقي فهو له) (٣).
стр. 285
٦ - وذكر حديث ابن عمر قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فجاض الناس جيضة، فقدمنا المدينة، فاختبأنا بها وقلنا: هلكنا، ثم أتينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرارون، قال: "بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم". ثم قال: (ومعنى قوله: فجاض الناس جيضة، يعني: أنهم فروا من القتال، ومعنى قوله: "بل أنتم العكارون"، والعكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف) (١).
٧ - وذكر حديث البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من منح منيحة لبن، أو ورق، أو هدى زقاقا، كان له مثل عتق رقبة". ثم قال: (ومعنى قوله: "من منح منيحة ورق" إنما يعني به: قرض الدراهم، قوله: "أو هدى زقاقا": يعني به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل) (٢).
٨ - وذكر حديث عبدالله بن سرجس، قال: كان النبي ﷺ إذا سافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكاَبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء المنظر في الأهل والمال". ثم قال: (ويروى "الحور بعد الكون" أيضًا، قال: ومعنى قوله: "الحور بعد الكون"، أو "الكور"، وكلاهما له وجه، يقال: إنما هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر) (٣).