← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1231

المدخل إلي جامع الترمذي

عبد الله السعد

Полный текст (1 281 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٨ - موسى بن عبيدة الربذي، قال عنه: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل (١). بل إن أبا عيسى ﵀ أحيانا ينقل عن الأئمة كلاما في بعض الرواة يقتصد فيه ويرويه بالمعنى، مع أن هذا الإمام قد جرح هذا الراوي جرحا شديدا، كقوله: (محمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعفه، وليس بالحافظ) (٢). قلت: وكلام الإمام أحمد في محمد بن القاسم شديد، قال عبد الله بن أحمد: (سمعتُ أَبي يقول: محمد بن القاسم، يكذب، أحاديثه أحاديث موضوعة، ليس بشيء) (٣). وقال المروذي: وذكر - أي الإمام أحمد - محمد ابن القاسم الأسدي، فقال: (ما يستأهل أن يحدث عنه بشيء، روى أحاديث مناكير) (٤). والمقصود أن الغالب عليه الاقتصاد في الجرح، لذا نادرا ما يستعمل: منكر الحديث، لم يطلقها إلا على عدد قليل فيما وقفت عليه، وهم: ١ - محمد بن أبي حميد، قال أبو عيسى: (محمد بن أبي حميد يضعف، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، ويقال له: حماد بن أبي حميد، ويقال: هو أبو إبراهيم الأنصاري، وهو منكر الحديث) (٥). ٢ - إبراهيم بن عثمان أبو شيبة الواسطي، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (٦).

стр. 72

٣ - حميد بن علي الكوفي الأعرج، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (١). ٤ - عبد الله بن ميمون، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (٢). ٥ - عمرو بن واقد، قال أبو عيسى: (منكر الحديث) (٣). قلت: قال في موضع آخر: (عمرو بن واقد يضعف) (٤)، وهذا مثال آخر يضاف إلى ما تقدم من أنه يقتصد غالبا في عباراته. ٦ - محمد بن الحارث، قال عنه: (بصري، منكر الحديث) (٥). ٧ - زهير بن محمد، قال عنه: (منكر الحديث) (٦). قلت: وهذا لعله في رواية الشاميين عنه، بخلاف رواية أهل العراق عنه فإنها مستقيمة (٧). نعم هناك رواهُ آخرون نقل الترمذي عن البخاري أنه قال فيهم: (منكر الحديث) (٨).

стр. 73

وأما لفظة (كذاب) ونحوها من عبارات الجرح الشديدة، بل حتى (شديد الضعف) أو (متروك)، فلم أقف على أنه استعملها، نعم نقل عن البخاري أنه قال في محمد بن سعيد الشامي: (ترك حديثه) (١)، مع أن محمد بن سعيد وضّاع ومشهور بذلك، وقد صلبه المنصور على الزندقة ومع ذلك لم يقل: (متروك) وإنما قال: (ترك حديثه) وهي ألطف من الأولى من جهتين: الأولى: أنه قيد ذلك في باب الرواية، والثانية: أنه أضاف الترك إلى غيره، ولم ينسب الحكم لنفسه. وكذلك قال أبو عيسى في الحكم بن ظهير: (قد ترك حديثه بعض أهل الحديث) (٢)، والحكم متروك، وقد كذبه يحيى بن معين في رواية عنه، ويقال فيه كما قيل في الذي قبله، بل وزاد هنا أنه قيده ببعض أهل الحديث. وكذلك قال في محمد بن السائب الكلبي، قال: (قد تركه أهل العلم بالحديث) (٣). نعم قد ينقل عن غيره تكذيب أحد الرواة، ومن ذلك: ١ - قال عن محمد بن القاسم الأسدي: (قلت لمحمد: كيف محمد ابن القاسم الأسدي؟ فقال: كان أحمد يرميه بالكذب) (٤). ٢ - ومثله أيضا كوثر بن حكيم، قال: (سألت مُحمدًا فقال: كوثر بن حكيم له مناكير، كان أحمد يرميه بالكذب) (٥). * * *

стр. 74

وكما أن أبا عيسى يقتصد في حكمه على الرواة، فإنه يفعل ذلك أيضا في حكمه على الحديث، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال ﵀: (حدثنا يحيى بن موسى وعبد بن حميد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، عن موسى بن عبيدة، أخبرني مولى ابن سباع، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ﷺ ، فأنزلت عليه هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت في ظهري انقصاما، فتمطأت لها، فقال رسول الله ﷺ : "ما شأنك يا أبا بكر؟ " قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وأينا لم يعمل سوءا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون، فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة". هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا) (١). قلت: فهذا الحديث قد قال عنه: غريب وفي إسناده مقال، مع أن إسناده شديد الضعف؛ لأن موسى بن عبيدة واهي الحديث، وإن كان من أهل الفضل، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل نقله لكلام الحفّاظ فيه، وقد قال عنه أحمد بن حنبل - الذي نقل عنه أبو عيسى تضعيفه -: ما تحل

стр. 75

الرواية عندي عنه. ولا شك أن هذا تضعيف شديد، وقد اكتفى أبو عيسى بنقله عن الإمام أحمد تضعيفه، وهذا تلطف منه. وقد ذكر أيضا أبو عيسى علة أخرى في الإسناد، وهي تجهيل مولى ابن سباع. فأصبح الحديث شديد الضعف، وقد اكتفى من هذا كله بقوله: في إسناده مقال، مع أن المتأمل في كلامه يعلم أن أبا عيسى قد أشار إلى ذلك في أثناء كلامه على هذا الحديث، ولكنه تلطف. ٢ - وقال أيضا: (حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بكر بن نضر، عن عبيد الله ابن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام"، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية. وفي الباب عن عمر بن الخطاب. حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي) (١). قلت: وهذا الحديث منكر، وهذا لا يخفى على أبي عيسى بدليل أنه أعاد هذا الحديث في التفسير فقال: (هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل) (٢). قلت: والشاهد من هذا نقله عن البخاري أنه ضعف علي بن يزيد، ونصُّ عبارة البخاري فيه: منكر الحديث.

стр. 76

ويزيد هذا وضوحا ما نقله أبو عيسى نفسه عن البخاري في "العلل الكبير": (سألت محمدا عن إسناد هذا الحديث، فقال: عبيد الله بن زحر ثقة، وعلي بن يزيد ذاهب الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن مولى ثقة، قال محمد: هو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن، مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية) (١). ٣ - وقال أيضا: (حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمن إلا وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، فذلك قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] ". هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة، ويزيد بن أبان الرَّقاشي يضعَّفان في الحديث" (٢). قلت: فهنا جرى على عادته في التلطف في الحكم، ويزيد بن أبان الرقاشي متروك، وموسى تقدم الكلام عليه. ٤ - وقال أيضا: (حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لم يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله ﷺ ، قال: فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان، قال: "هذا وأصحابه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس".

стр. 77

وعبد الله بن جعفر بن نجيح هو والد علي بن المديني، وقد روى علي بن حجر، عن عبد الله بن جعفر الكثير. وحدثنا عليّ بهذا الحديث، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن نجيح. وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء نحوه، إلا أنه قال: "معلق بالثريا") (١). قلت: وهذا الحديث قد يظن أن أبا عيسى لم يضعفه، أو يظن أكثر من هذا بأنه يقويه، ولكن الصواب أن أبا عيسى قد بين ضعف مثل هذا الإسناد في مكان آخر، فقد ذكر بعد أحاديث من هذا الحديث حديثا رواه فقال: (حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة". هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعف يحيى بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي بن المديني) (٢). قلت: فهنا بين ضعف هذا الحديث الذي في إسناده عبد الله بن جعفر بأنه غريب، وأن عبد الله بن جعفر ضعفه يحيى بن معين وغيره. وقد قال ابن معين -في رواية- عن عبد الله بن جعفر: ليس بشيء.

стр. 78

فتبين من هذا أنه يضعف الحديث السابق. ٥ - وقال أيضا: (حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد". هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير ابن محمد. قال ابن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني: لِمَا يروون عنه من المناكير. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة) (١). قلت: وهذا الحديث قد قال عنه أبو عيسى: حديث غريب، وقد بين أبو عيسى بعد ذلك أنه حديث ضعيف عنده، بل قد يذهب إلى أنه منكر، وذلك فيما نقله من كلام الحفاظ في زهير بن محمد، ويؤيد هذا قوله عنه في "العلل الكبير": (منكر الحديث) (٢). وحكم الترمذي هذا إنما هو على هذا الإسناد؛ لأن هذا الحديث قد جاء من وجه آخر، وقد قواه بعض أهل العلم بهذين الوجهين. ٦ - وقال أيضا: (حدثنا عبد القدوس بن محمد العطار البصري،

стр. 79

قال: حدثنا عمرو بن عاصم، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى ابن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا نبشرك؟ قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه". هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه، وإنما روي هذا عن موسى بن طلحة، عن أبيه) (١). قلت: وهذا الإسناد ضعيف، بل لعله شديد الضعف؛ لأن إسحاق بن يحيى بن طلحة ذهب بعض الحفاظ إلى أنه متروك، ولكن أبو عيسى تلطف في العبارة، بدليل قوله عن إسحاق في موضع آخر: (ليس بذاك القوي عندهم، تُكلم فيه من قبل حفظه) (٢). * * * وأئمة النقد في هذا الباب على قسمين: فقسم منهم على هذا المسلك، حتى إنهم أحيانا يكتفون بالإشارة عن العبارة، كأن يشير إلى لسانه بدل أن يقول: يكذب، أو كذاب. والقسم الآخر هم الذين يحكمون على الراوي بحسب ما ظهر منه، ولا يكتفون بالإشارة أو بالاقتصاد في العبارة، وإنما يصفون الراوي بما يستحق، فإن كان كذابا قالوا ذلك، وإن كان ممن يتفرد ولا يتابع على ما رواه قالوا: منكر الحديث، ونحو ذلك من عبارات الجرح الشديدة. فمن أمثلة القسم الأول: الإمام البخاري، فتجد أشد العبارات عنده: فيه نظر (٣)، أو سكتوا

стр. 80

عنه، أو سكتوا عنه وعن رأيه وحديثه، ونادرا ما يستعمل: كذاب. لذا قال البخاري ﵀: (إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا) (١). قال الذهبي معلقا على العبارة السابقة: (قلت: صدق ﵀ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا. وقلَّ أَنْ يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واه. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع. قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته - يعني: البخاري - يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب "التاريخ"، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ : "بئس مولى العشيرة" يعني: حديث عائشة) (٢). وقال ابن حجر: (وللبخاري في كلامه على الرجال توقٍّ زائدٌ وتحرٍّ بليغٌ يظهر لمن تأمل كلامه في الجرح والتعديل؛ فإن أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه، ونحو هذا، وقلّ أَنْ يقول: كذاب، أو وضاع، وإنما يقول: كذبه فلان، رماه فلان، يعني بالكذب) (٣). وممن سار على هذا المنهج أبو زرعة، قال الذهبي: (يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح) (٤).

стр. 81

ومن الأمثلة على ذلك: ١ - سعيد بن المرزبان العبسي، أبو سعد البقال، قال أبو زرعة: لين الحديث ومدلس. قيل: هو صدوق؟ قال: نعم، كان لا يكذب (١). مع أن ابن معين قال: ليس بشيء لا يكتب حديثه (٢)، وقال البخاري عنه: منكر الحديث (٣). وقال النَّسَائِي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه (٤). ٢ - سليمان بن أبي داود الحراني، قال أبو زرعة: لين الحديث (٥). قلت: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (٦)، وقال البخاري: منكر الحديث (٧). ٣ - عمر بن راشد بن شجرة، قال أبو زرعة: لين الحديث (٨). قلت: هو واهي الحديث. ٤ - عمر بن شبيب المسلي، قال أبو زرعة: لين الحديث (٩). قلت: قال ابن معين: ليس بثقة. وفي رواية: ليس بشيء (١٠)، وقال

стр. 82

يعقوب بن سفيان: ليس حديثه بشيء (١)، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث، لا يحتج بروايته (٢). وأبو زرعة لا يخفى عليه حاله فقد بين في موضع آخر أنه واهي الحديث. ٥ - سندل عمر بن قيس، قال أبو زرعة: لين الحديث (٣). قلت: هو متروك الحديث، ولا يخفى على أبي زرعة أنه متروك، ولكن اقتصد في العبارة وتورّع. وممن سار على هذا المنهج أيضا: أبو حاتم الرازي، فإنه يلاحظ على عباراته في الجرح أنه يقتصد فيها كثيرا، خاصة إذا كان الراوي من أهل الصلاح، حتى ولو كان مشهورا بالضعف، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - عبد الواحد بن سليم المالكي، قال عنه: شيخ (٤). مع أن الإمام أحمد والنسائي قد جرحاه جرحا شديدا (٥). ٢ - سعيد بن محمد الوراق، خرّج له الترمذي وابن ماجه، قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي (٦). مع أن بعض الحفاظ قال عنه: ليس بثقة (٧).

стр. 83

٣ - أصبغ بن نباتة، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث (١). قلت: وهو متروك. ٤ - أبو حمزة الثمالي، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به (٢). قلت: وهو ضعيف، وقد اتهم بالرفض. ٥ - حماد بن واقد، قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: لين الحديث (٣). قلت: وهو ضعيف. ٦ - حفص بن عمر العدني، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث (٤). قلت: وهو ضعيف. ٧ - روح بن عطاء ابن أبي ميمونة، قال أبو حاتم: لين الحديث. قلت: ضعفه ابن معين (٥)، وقال أحمد: منكر الحديث (٦). ٨ - الحكم بن عبد الملك القرشي البصري، قال عنه أبو حاتم: مضطرب الحديث جدا، وليس بقوي في الحديث (٧). وقال ابن معين: ليس بثقة، وليس بشيء. وقال مرة: ضعيف الحديث. وكذا قال ابن خراش. وقال أبو داود: منكر الحديث. وقال النَّسَائِي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: الأحاديث التي أمليتها للحكم عن قتادة، منه ما

стр. 84

يتابعه عليه الثقات، ومنه ما لا يتابعه، وله غير ما ذكرت ولا أعلمه يروي عن غير قتادة إلا اليسير. وقال العقيلي: روى أحاديث لا يتابع عليها. وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث جدا، له أحاديث مناكير. وقال البزار: ليس بقوي. وقال العجلي: ثقة، روى عن قتادة، ما أدري أهو بصري أو كوفي (١). قلت: أما توثيق العجلي فلا يلتفت إليه، وأما البزار فهو ممن يقتصد في الجرح. ٩ - سعد بن عمران بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف، قال عنه: هو شيخ مثل الواقدي في لين الحديث وكثرة عجائبه (٢). قلت: ولا يخفى أن الواقدي متروك عند جمع من أهل العلم. ١٠ - أبو بكر الهذلي: قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به (٣). قلت: هو متروك. ١١ - الصلت بن دينار، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث، إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث، يكتب حديثه (٤). قلت: قال ابن معين: ليس بشيء (٥). وقال الفلاس: متروك الحديث، يكثر الغلط (٦).

стр. 85

١٢ - طلحة بن عمرو الحضرمي، قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، لين الحديث عندهم (١). قلت: وهو متروك. ١٣ - عبد الله بن الزبير الأسدي، والد أبي أحمد، قال أبو حاتم: لين الحديث (٢). قلت: قال إبراهيم بن موسى: سألت أبا نعيم عن عبد الله بن الزبير فقال: لا يكتب حديثه، ولا تخبر أبا أحمد بذلك. قال أبو زرعة: كان أبو أحمد صديقا لأبي نعيم؛ فكره أن يسوءه في أبيه، وهو ضعيف الحديث (٣). ١٤ - عقبة بن عبد الله الأصم، قال أبو حاتم: لين الحديث، ليس بقوي، وأبو هلال أحب إلينا منه، قال ابنه عبد الرحمن بعد أن نقل ذلك: (قيل لأبي: إن محمد بن عوف حكى عن أحمد بن حنبل أن عقبة الأصم ثقة، فقال: كيف بما يروي عن عطاء، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى عن النظر في النجوم، وحديث آخر جميعا منكرين؟) (٤).

стр. 86

قلت: الراجح أنه واهي الحديث. وقد قال أبو حاتم في جمع من الرواة الذين ذكرهم البخاري في "الضعفاء": يحول من كتاب "الضعفاء"، مع أنه لا يرى توثيقهم. ومن أشد العبارات عنده: منكر الحديث. ومع اقتصاده في العبارة في جانب الجرح وعدم تشدده، إلا أنه في باب التعديل شديد التزكية فقلما يوثق الراوي، وهذا مما ينبغي الانتباه إليه؛ لأنَّه قد يظن أنه شديد أيضا في باب الجرح كما أنه شديد في التعديل، ولكن الأمر بخلاف ذلك، لذا وصفه الأئمة بالتشدد، كالإمام ابن تيمية فقال: (وأبو حاتم شديد التزكية) (١)، وأبي عبد الله الذهبي، فقال: (هو جراح) (٢)، وعبارة

стр. 87

الإمام ابن تيمية أدق من عبارة الذهبي، يعلم هذا مما تقدم. فقد قال أبو حاتم عن الإمام الشافعي وعمرو بن علي الفلاس ومسلم ابن الحجاج، قال عن كل واحد من هؤلاء: (صدوق)، مع أنهم من كبار الأئمة. وقال ابنه عبد الرحمن: (سألت أبي عن عبد الرزاق: أحب إليك أو أبو سفيان المعمري؟ فقال: عبد الرزاق أحب إلي، قلت: فمطرف بن مازن أحب إليك أو عبد الرزاق؟ قال: عبد الرزاق أحب إلي، قلت: فما تقول في عبد الرزاق؟ قال: يكتب حديثه ولا يحتج به) (١). وقال أيضا عن عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري: (هو صدوق متقن، قوي الحديث، غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم). قلت: محصل كلام أبي حاتم أنه ثقة متقن، ولكنه لم يصرح بهذا، بل ذكر من العبارات ما يظن معه أنه دون ذلك. وأما قوله: (لم يكن يحفظ) فلعله يريد أنه لم يكن من كبار الحفاظ، بدليل أن أبا زرعة قال عنه: كان حافظا ثقة. قال ابن أبي حاتم: يعني أنه كان متقنا (٢). وهذا التشدد في التعديل ليس دائما ولكنه كثير، فقد قال ابن أبي حاتم: وسألته عن علي بن نصر، فوثقه وأطنب في ذكره والثناء عليه (٣).

стр. 88

وممن سار على هذا المنهج أيضا إبراهيم الحربي، فإذا أراد أن يجرح راويا قال: غيره أوثق منه، ومن أمثلة ذلك: ١ - عبد الله بن عبد العزيز المدني، قال عنه: غيره أوثق منه (١). ٢ - عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، قال عنه: غيره أوثق منه (٢). ٣ - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه: غيره أوثق منه (٣). ٤ - عبد المهيمن بن عباس الأنصاري، قال عنه: غيره أوثق منه (٤). ٥ - عبيس بن ميمون الرقاشي، قال عنه: معروف وغيره أوثق منه (٥). ٦ - يحيى بن العلاء البجلي، قال عنه: غيره أوثق منه (٦). وهؤلاء ضعفاء وبعضهم متروك. ومن ذلك قوله عن عمر بن قيس المكي سندل: (أمسكوا عنه) (٧)، وهو متروك. ومنهم أيضا البزار، فيستعمل عبارات لينة؛ قال عن محمد بن عبيد الله العرزمي: لين الحديث (٨). قلت: وقد قال الساجي: صدوق منكر الحديث أجمع أهل النقل على

стр. 89

ترك حديثه، وقال الحاكم في المدخل: متروك الحديث بلا خلاف (١). وهذا كثير في كلام البزار، وتتبع ذلك ومناقشته مما يطول. ومنهم أبو أحمد الحاكم، فكثيرا ما يستعمل في حق من تكلم فيه الأئمة عبارة (ليس بالقوي عندهم) ونحوها، وفي أحيان أخرى يصرح بجرح الراوي، وإليك أمثلة على ذلك: ١ - قال في إسماعيل بن يحيى - ويقال ابن يعلى - الثقفى: ليس بالقوي عندهم (٢). ٢ - وقال في تليد بن سليمان المحاربي: ليس بالقوي عندهم (٣). ٣ - وقال في أبي الأشهب جعفر بن الحارث النخعي: ليس بالقوي عندهم (٤). ٤ - وقال في إبراهيم بن يزيد الخوزي: يهِم في الشيء بعد الشيء، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، روى عنه سفيان الثوري والمعتمر بن سليمان (٥). قلت: وإبراهيم متروك الحديث. ٥ - وقال في محمد بن أبي حميد: ليس بالقوي عندهم (٦). قلت: هو منكر الحديث، وهذا مما لا يخفى على أبي أحمد الحاكم فقد نقل هو في ترجمته عن يحيى بن معين أنه قال: ليس بشيء. ٦ - وقال في محمد بن القاسم الأسدي: ليس بالقوي عندهم (٧).

стр. 90

قلت: وهو متروك، وقد نقل أبو أحمد عن الإمام أحمد أنه كذبه. ٧ - وكذلك عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال فيه: ليس بالقوي عندهم (١). قلت: وهو منكر الحديث، تكلم فيه جمهور الحفاظ مع صلاحه في نفسه وفضله. ٨ - وكذلك سليمان بن سلمة الخبائري، قال فيه: ليس بالقوي عندهم (٢). قلت: وهو متروك. ٩ - وقال عن يحيى بن ميمون بن عطاء القرشي: سكتوا عنه (٣). قلت: هو متروك وبعضهم كذبه، وهذا لم يخف على أبي أحمد، فإنه روى بإسناده عن عمرو بن علي أنه قال عن يحيى: كان كذابا، حدث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة. ١٠ - وقال عن سليمان بن أبي داود الجزري: في حديثه بعض المناكير (٤). قلت: ثم روى عن البخاري أنه قال عنه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدا (٥)، وقال أحمد: ليس بشيء (٦). ١١ - وقال عن متوكل بن فضيل الحداد: ليس بالقوي عندهم (٧).

стр. 91

ثم نقل عن مسلم أنه قال: عنده عجائب. وكما ترى هناك فرق بين العبارتين. ١٢ - وقال عن عبد الكريم بن أبي المخارق: ليس بالقوي عندهم (١). قلت: وهو مشهور الضعف. وأحيانا يستعمل أبو أحمد الحاكم عبارة (ليس بالقوي)، و (ليس بالمتين) على بابها: ١ - كقوله عن يزيد بن كيسان: (ليس بالمتين عندهم) (٢)، وهو مختلف فيه، والأصل في حديثه الاستقامة. ٢ - وقوله في بكير بن عامر البجلي: (ليس بالمتين عندهم) (٣)، وهو مختلف فيه أيضا. ٣ - وكذلك قوله في عطاء الخراساني: (ليس بالقوي عندهم) (٤). قلت: وأنا أذهب إلى ذلك فقد تُكُلِّم فيه. بل إنه أحيانا قد يقول مثل هذه العبارة في حق من لا يستحق ذلك: ١ - كقوله في يزيد الرشك: (ليس بالمتين عندهم) (٥)، فيزيد ثقة. ٢ - وقال عن أبي الأحوص مولى بني ليث: (ليس بالمتين عندهم) (٦)، وهو ليس كذلك، إما أن يقال عنه: فيه جهالة، وإما أن يمشى حديثه. ومنهم أيضا أبو بكر البيهقي، ويظهر ذلك لمن تتبع كلامه في الرواة في "السنن الكبرى" وغيرها.

стр. 92

وهناك أيضا غير من تقدم من الحفاظ. ومعرفة مناهج النقاد في الاقتصاد في الجرح والتعديل في غاية من الأهمية في الحكم على الراوي، فقد يذهب البعض عند وقوفه على كلام هؤلاء الأئمة وهو لا يعرف منهجهم إلى أن هذا الراوي ليس بشديد الضعف، وبالتالي قد يتقوى بغيره، وهو ليس كذلك. أو يظن أن هؤلاء الأئمة تساهلوا في حكمهم على هذا الراوي كما وُصف أبو عيسى بذلك، كما سوف يأتي، وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، وإنما هذا من باب الورع والاقتصاد في الجرح، وأن الضرورة ألجأتهم إلى ذلك في سبيل الذب عن الدين والسنة، وإلا لما تكلموا، وأضرب مثالا على ذلك بثوير بن أبي فاختة، قال عنه أبو عيسى في "الجامع": (وثوير يكنى أبا جهم، وهو رجل كوفي، وقد سمع من ابن عمر، وابن الزبير، وابن مهدي كان يغمزه قليلا) (١). قلت: وثوير واهي الحديث، وقد لا يكتب حديثه. وأما ما يتعلق بحكم ابن مهدي عليه، فقال عمرو بن علي الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان سفيان يحدث عنه (٢). وقال الآجري عن أبي داود: ضرب ابن مهدي على حديثه (٣). فإذا عرفنا منهج الترمذي وغيره ممن يقتصدون في الجرح حتى في نقلهم عن بعض الأئمة -مثل ما تقدم قبل قليل في كلام ابن مهدي في ثوير ابن أبي فاختة- يتبين لنا حكم هذا الراوي حقيقة، كما أنه يتيسر للباحث توجيه كلام هؤلاء الأئمة إذا وجد في الراوي، وأن هذا ليس من قبيل التساهل.

стр. 93

ويتبين أيضا من هو مقتصد في كلامه ممن هو متساهل في نقده، فمثلا الحاكم قد قال عن هذا الراوي في كتابه "المستدرك": (لم ينقم عليه غير التشيع) (١). وهذا تساهل واضح (٢)، لذا تعقبه الذهبي بقوله: بل هو واهي الحديث. والخلاصة أن الغالب على منهج أبي عيسى في الجرح والتعديل هو الاعتدال والتوسط، مع اقتصاد في العبارة، وورع في النقد. ومما يوضح ذلك أيضا قوله في آخر "الجامع": (قال علي - ابن المديني -: ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبى بكر بن عياش، ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة. قال أبو عيسى: وإن كان يحيى بن سعيد قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث عن حفظه مرة هكذا ومرة هكذا لا يثبت على رواية واحدة تركه. وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة) (٣). * * *

стр. 94

الفصل السابع في مؤلفاته ألف أبو عيسى عدة مؤلفات، منها: ١ - "الجامع" (١)، وسيأتي الكلام عليه. ٢ - "أسماء الصحابة" (٢)، وهو مطبوع. ٣ - "الأسماء والكنى" (٣)، وبعضهم يجعله هو نفس كتابه "أسماء الصحابة". ٤ - "التاريخ"، نقل ابن نقطة من "تاريخ بخارى" لغنجار قوله: (وهو صاحب "الجامع" و"التاريخ") (٤). وقال ابن نديم: (وله من الكتب: "كتاب التاريخ") (٥). ٥ - "التفسير"، ذكره الخزرجي في "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" (٦)، فقال: (أحد الأئمة الأعلام، وصاحب "الجامع" و"التفسير"). وقول الخزرجي يحتمل أنه أفرد كتابا في التفسير، ويحتمل أنه يقصد كتاب التفسير الذي في "جامعه"، وهذا هو الأقرب.

стр. 95

٦ - "الزهد"، قال ابن حجر: (ولأبي عيسى كتاب "الزهد" مفرد لم يقع لنا) (١). ٧ - "الشمائل" (٢)، وهو مشهور جدا، ولعله أول من أفرد ذلك بالتصنيف. قال ابن كثير عن كتابه هذا: (قد صنف الناس في هذا قديما وحديثا كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة، ومن أحسن مَنْ جمع في ذلك فأجاد وأفاد الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ﵀، أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بـ "الشمائل") (٣). ٨ - "العلل الصغير"، وهو مطبوع، وهو الذي في آخر "الجامع" (٤). ٩ - "العلل الكبير" (٥)، والموجود منه بترتيب أبي طالب القاضي، وأغلبه موجود في "الجامع"، وليس كله (٦). ١٠ - الكتاب الذي فيه الموقوف، ذكره الترمذي في العلل آخر "الجامع"، فقال: ( … وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف) (٧).

стр. 96

قال ابن رجب: (كأنه ﵀ له كتاب مصنف أكبر من هذا (١)، فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، مذكورة كلها بالأسانيد) (٢). وهذا يدل على أنه لم يقف عليه. * * *

стр. 97

الباب الثاني وفيه فصول حول كتاب "الجامع" الفصل الأول: في الاسم الصحيح للكتاب. الفصل الثاني: في أسانيد الترمذي من حيث العلو وعدمه. الفصل الثالث: في مصادره. الفصل الرابع: في اختلاف نسخه. الفصل الخامس: في تفنن المؤلف في كتابه. الفصل السادس: في عقيدته. الفصل السابع: في منهجه في الفقه. الفصل الثامن: في منهجه في التمييز بين الصحيح والمعلول. الفصل التاسع: في الرجال الذين خرّج لهم وقد وصفوا بالترك.

стр. 98

الفصل الأول في الاسم الصحيح للكتاب اختلف في اسم هذا الكتاب، ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى أمرين: الأول: اختلاف النسخ الخطية في اسمه (١). الثاني: اختلاف أهل العلم في تسميته، فقد سموه بعناوين متعددة، منها: ١ - "الجامع"، وممن سماه بذلك: الإدريسي (٢)، وغنجار (٣)، والسمعاني (٤)، والمزي (٥)، والذهبي (٦)، وابن كثير (٧)، وغيرهم. ٢ - "الجامع الكبير"، ممن سماه بذلك: ابن الأثير الجزري في "أسد الغابة" (٨)، وغيره. وذكر ابن الأثير في "جامع الأصول" إسناده إلى كتاب الترمذي من طريق المحبوبي قال: أخبرنا الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي بكتاب "الجامع الكبير" (٩).

стр. 99

٣ - "الجامع الصحيح"، وممن سماه بذلك: الحاكم (١)، والبرقاني (٢)، والخطيب البغدادي (٣)، وغيرهم. وهناك من اقتصر على تسميته بـ "الصحيح"، ومنهم: ابن النديم (٤)، وياقوت الحموي (٥)، وابن الأثير (٦). ٤ - "الجامع الكبير المختصر في السنن المسندة"، سماه بذلك التجيبي (٧)، وغيره. ٥ - "السنن"، وممن سماه بذلك: الخليلي (٨). ٦ - "المسند الجامع"، كذا سماه الإسعردي (٩). ٧ - "المسند الصحيح"، روى ابن نقطة بإسناده من طريق نجيب بن ميمون الواسطي الهروي، عن أبي علي منصور بن عبد الله بن خالد الذهلي، عن أبي عيسى الترمذي قال: (صنفت هذا الكتاب - يعني "المسند الصحيح" - فعرضته على علماء الحجاز … ) (١٠). ٨ - "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل"، سماه بذلك ابن خير الإشبيلي (١١)، وصوبه عبدالفتاح أبو غدة (١٢).

стр. 100

وهذا الاسم الأخير هو الصحيح، وذلك لأمور ثلاثة: الأمر الأول: أن هذا الاسم جاء في عدة نسخ، وهي نسخ قديمة نسبيا، وهذه النسخ قد رويت من أكثر من طريق عن أبي عيسى الترمذي، كما سيأتي. والأمر الثاني: أن هذا الاسم مطابق للمسمى، وذلك أن الترمذي قد جعل هذا الكتاب شاملا لأبواب الشريعة، ولم يجعله خاصا لأحاديث الأحكام، وأضاف إلى ذلك كلام الفقهاء من الصحابة والتابعين وهلم جرا، وضم إلى ذلك كلام الحفاظ على الأحاديث والرجال، فهو بهذه الصفة يكون جامعا، لذا سمي بـ"الجامع". قال أبو سليمان الخطابي: (وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارا، وقصصا، ومواعظَ، وآدابا … ) (١). فما قاله الخطابي في "وصف الجوامع" منطبق على كتاب أبي عيسى لأنه لم يقتصر على السنن المتعلقة بالاْحكام، وإنما جمع إلى ذلك ما يتعلق بالإيمان والعلم والمناقب والفضائل والتفسير والزهد وصفة القيامة والجنة وجهنم … الخ، فهو بهذه المثابة كتاب جامع. ويؤيد تسميته بـ"الجامع" أن بعض شيوخ الترمذي سموا كتبهم بهذه التسمية، فالبخاري قد سمى كتابه "الصحيح" بـ "الجامع"، وقد قال أبو عيسى في باب الاستنجاء يالحجرين: (وسألت محمدا - أي: البخاري - عن هذا الحديث (٢) فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي

стр. 101

إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتاب "الجامع") (١). قلت: ومن المعلوم العلاقة الوثيقة بين الترمذي وشيخه البخاري. وأما وصفه بالمختصر: فهو وصف مطابق لحال كتاب أبى عيسى، ويدل لهذا أمور: ١ - أنه لم يمسند جميع الأحاديث التي في الباب، لذا يقول اختصارا: وفي الباب عن فلان وفلان .. حتى أنه فى بعض الأحيان يذكر ثمانية عشر راويا أو أكثر (٢). ٢ - أنه يختصر الحديث نفسه، فكثيرا ما يقول: وفي الحديث قصة، اختصارا للحديث ولا يسوقه مطولا، وإنما يذكر موضع الشاهد. ٣ - أن لأبي عيسى كتابا أكبر من ذلك ذكر فيه الآثار الموقوفة، قال في كتابه "العلل الصغير": ( … وقد بينا هذا على وجهه في الكتاب الذي فيه الموقوف) (٣). فيعتبر كتاب "الجامع" بالنسبة لهذا الكتاب الذي أشار إليه مختصرا. وقال أيضًا في آخر "الجامع": (وقد وضعنا هذا الكتاب على الاختصار لما رجونا فيه من المنفعة) (٤). قال ابن رجب: (وقد ذكر الترمذي ﵀ أنه إنما وضع كتابه هذا على الاختصار، لما رجا فيه من المنفعة، وهو تقريبه على طلبة العلم، وكان قد وعد بكتاب أكبر منه يستوعب فيه الأحاديث والآثار) (٥).

стр. 102

وقال أبو عمر ابن عبدالبر: (ثلاثة كتب مختصرة في معناها، أُوثِرُها وأُفَضِّلُها: مصنف أبي عيسى الترمذي في السنن، و"الأحكام في القرآن" لابن بكير، و"مختصر ابن عبدالحكم") (١). وأما قوله: (من السنن عن رسول الله ﷺ ) لأن النصوص التي أوردها كلها أحاديث عن رسول الله ﷺ فهي سنن. وأما قوله: (ومعرفة الصحيح والمعلول) لأنه قد بين في هذا الكتاب صحة كثير من الأحاديث، كما أنه ساق أحاديث كثيرة وبين ضعفها وعلتها، ووجه تعليلها، فهو كتاب علل، لذا جلّ مادة كتاب "العلل الكبير" له موجودة في كتابه "الجامع" مفرقة على الأبواب. وقال أبو عيسى في كتابه "العلل الصغير": (وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ"). قال ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (٢): (والذين صنفوا منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين. ومنهم من لم يشترط الصحة، وجمع الصحيح، وما قاربه، وما فيه بعض لين وضعف، وأكثرهم لم يثبتوا ذلك، ولم يتكلموا على التصحيح والتضعيف. وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي ﵀، وقد بين … أنه لم يسبق إلى ذلك، واعتذر بأن هؤلاء الأئمة الذين سماهم صنفوا ما لم يسبقوا إليه، فإذا زيد في التصنيف بيان العلل ونحوها كان فيه تأس بهم في تصنيف ما لم يسبق إليه.

стр. 103

وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة، وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدًا سبق الترمذي إليها (١). وقال في موضع آخر (٢): (وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان قصده ﵀ ذكر العلل). وأما قوله: (وما عليه العمل) فلأنه كثيرا ما يبين ذلك عندما يسوق الحديث، فيقول بعده: والعمل على هذا، لذا قال في كتابه "العلل الصغير" (٣): (جميع ما في هذا الكتاب - أي: "الجامع" - من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين). والأمر الثالث: أن التسميات الأخرى جميعها فيها نظر؛ فمثلا: ١ - تسميته بالجامع الصحيح: فهذا غير صحيح؛ لأنه لم يشترط الصحة في كتابه هذا، كيف وقد بين ضعف كثير من الاْحاديث وشرح عللها؟! ٢ - وأما تسميته بالجامع الكبير: فهذا بعيد، وذلك أن كتاب أبي عيسى مختصر كما تقدم ذكره، ويضاف إلى ما سبق أن كتاب البخاري وهو أكبر منه سماه ﵀: "الجامع المسند الصحيح المختصر … "، ومثله مسلم في بعض التسميات: "المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ ".

стр. 104

وحتى كتاب أبي داود بين أنه قد اختصره، فقال في "رسالته إلى أهل مكة" (١): (ولم أكتب في الباب إلا حديثا أو حديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته … وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك). ومثله ابن خزيمة، فقد سمى كتابه: "مختصر المختصر من المسند الصحيح"، وكتابه أكبر من كتاب الترمذي؛ لأن القطعة الموجودة وهي ربع الكتاب فيها أكثر من (٣٠٠٠) حديث. وبناء على ما تقدم يبعد أن يسمي الترمذي كتابه بـ "الجامع الكبير". ٣ - وأما تسميته بـ "السنن": فهذا من باب التوسع، والتسمية بالمعنى، وقد مضى القول في هذا. * * * نقل بعض كلام أهل العلم في تسمية كتاب الترمذي بـ "الجامع": ١ - قال محمد بن عبدالرحمن الإدريسي - كما في "فضائل الكتاب الجامع" للإسعردي (٢) -: (صنف كتاب "الجامع"). ٢ - وقال ابن خير الإشبيلي في "فهرست شيوخه" (٣): (مصنف الإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، الحافظ، وهو "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" … الخ). ٣ - وسماه بـ"الجامع" الإسعردي في جزئه "فضائل الكتاب الجامع

стр. 105

لأبي عيسى الترمذي"، وقال في مقدمته (١): ( … فجمعت في هذه الأوراق فضائل جامعه). وقال أيضًا (٢): (مما صنف أبو عيسى غير "المسند الجامع": "العلل" … الخ). ٤ - وقال ابن خلكان في ترجمة الترمذي من "وفيات الأعيان" (٣): (صنف كتاب "الجامع"). ٥ - وقال الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (٤): (وعلامة ما أخرجه الترمذي في "الجامع": ت). وقال في ترجمة الترمذي (٥): (صاحب "الجامع"). ٦ - وقال الذهبي في ترجمة الترمذي من "السير" (٦): (مصنف "الجامع" (٧). ٦ - وقال صاحب "كشف الظنون" (٨): (نقل عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه، فيقال: "جامع الترمذي"، ويقال له: "السنن" أيضًا، والأول أكثر). وغير هذا كثير، ولعبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى كلام جميل في ترجيح ما تقدم ذكره من تسمية كتاب أبي عيسى ومناقشة المسميات الأخرى وبيان ضعفها، فقال في كتابه "تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي" (٩):

стр. 106

(لم يكن شأن "جامع الترمذي" أحسن من شأن "الصحيحين" في إغفال اسمه عليه، فقد طبع طبعات كثيرة متعددة في بلاد مصر والشام والهند وغيرها، ولم يثبت على وجه طبعة منه اسمه العلمي الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وتبدو أهمية إثبات اسمه التام الكامل عليه أكثر من أهمية إثبات اسم "الصحيحين" عليهما، لشهرتهما بالصحة وتأليفهما لجمع الحديث الصحيح، فغياب اسمهما الكامل من الذكر على وجهيهما لا يؤثر مئل ما يؤثر غياب اسم "جامع الترمذي"، ويزيد الأمر ضغثا على إبالة أنه أُثبت على "جامع الترمذي" اسم يخالف مضمونه وما أسس تأليفه عليه، فقد أثبت على وجه المطبوع منه بالقاهرة ثم في بيروت "صحيح الترمذي بشرح الإمام ابن العربي"، وهو خطأ فليس هو مسمى بالصحيح. والعجب أن شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شرح كتاب الترمذي أثبت على وجهه "الجامع الصحيح، وهو سنن الترمذي". انتهى، فالجزء الثاني من هذا الاسم: (وهو سنن الترمذي)، من باب رعاية المعنى والمضمون للكتاب، فلا مانع منه، على أنه قد سمي في بعض الأثبات والفهارس باسم "السنن"، كما في "فهرست ابن عطية". وقد اشتهر به أيضًا - تغليبا في ضمه إلى كتب السنن الثلاثة - كما أشار إليه صاحب "كشف الظنون"، أما الجزء الأول من هذا الاسم وهو (الجامع الصحيح)، فهذا الوصف: (الصحيح) ما كان ينبغي له إثباته على وجه الكتاب، وقد أثبته غير مرة: في وجه الجزء الأول، وفي صفحة ٩٠ من المقدمة، وفي وجه أول الكتاب بعد المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني، من طبعة مصطفى البابي الحلبي. وتابع شيخنا في هذا: من تساهل في إطلاق هذا الوصف على كتاب

стр. 107

الترمذي، فقد أطلق الحاكم عليه اسم (الجامع الصحيح)، وأطلق الخطيب عليه أيضًا اسم (الصحيح)، كما حكاه عنهما الحافظ ابن الصلاح في "مقدمته"، بآخر (النوع الثاني: الحسن)، وتعقبه بقوله: وهذا تساهل، لأن فيها - أي في الكتب المعدود فيها كتاب الترمذي - ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف. انتهى. وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الترمذي: في "الجامع" علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل. انتهى. وقال الذهبي أيضًا: انحطت رتبة "جامع الترمذي" عن "سنن" أبي داود والنسائي، لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. نقله السيوطي في "تدريب الراوي"، في أوأخر الكلام على (الحديث الحسن). فوصف "جامع الترمذي" بلفظ (الصحيح) غير صحيح، فلا يسوغ إثباته عليه. وسماه الحافظ أبو القاسم الإسعردي، المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه "فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي": (المسند الجامع). وهذا لائق به. وسماه قبله الحافظ ابن خير الإشبيلي، المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى، في "فهرست ما رواه عن شيوخه"، بقوله: (الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل). وهذا الاسم مطابق لمضمون الكتاب، ووقفت عليه بعينه مثبتا على مخطوطتين قديمتين، كتبت إحداهما قبل سنة ٤٧٩، وقبل ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد ولد سنة ٥٠٢، والنسخة الأخرى كتبت في سنة ٥٨٢ …

стр. 108

وقد دعيت إلى المشاركة في ندوة أقامها البنك الإسلامي للتنمية في جدة، بعنوان (استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية)، وعقدت في ٢٤/ ٤/ ١٤١١، فلبيت الدعوة وشاركت فيها، وكان من الأساتذة المشاركين فيها الأستاذ الفاضل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. فذكرت له في حديث خاص بيننا أن كتب السنة (الستة) تحتاج في إخراجها ونشرها إلى مزيد عناية خاصة، تواكب تقدم الطباعة وارتقاءها، وذكرت له أن بعضها مثل "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" و"جامع الترمذي": لم تثبت عليها أسماؤها العلمية التي وضعها لها مؤلفوها، لتدل على مضمون كتبهم وتحديد منهجهم في جمعها وتصنيفها، بل قد أُثبت على الترمذي اسم مخالف لمضمونه كل المخالفة، وهو "الجامع الصحيح"! وقلت له: إني تعرضت لهذا الموضوع في رسالتي المسماة "الإسناد من الدين"، التي قدمتها إلى المطبعة من السنة الماضية، وحققت فيها اسم صحيح الإمام البخاري، واسم جامع الإمام الترمذي، وسميت له الاسم العلمي الذي وضعه الإمام الترمذي لكتابه، وهو "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل"، وكانت تجارب التصحيح لطباعة هذه الرسالة معي، فأطلعته على ما كتبته في هذا الصدد فسُرَّ به، وذكر لي أن لديه مخطوطة قديمة من كتاب الترمذي، عليها هذا الاسم بعينه كما يظن. فرجوت منه أن يسعفني بصورة من صفحة العنوان، لأعزز بها ما ذكرته، ولأنشرها في آخر الرسالة، فتكرم بذلك فقدم لي صورة من عنوان نسخة مكتبة فيض الله أفندي، التي سأتحدث عنها بعد قليل، ولم يكتف بهذا فأرسل إلى مقره في أمريكا، وطلب لي سورة من نسخة ثانية قديمة لكتاب الترمذي، تملكها من قريب وعليها العنوان الذي ذكرته، ثم جاءت

стр. 109

الصورة فكان العنوان فيها مطابقا لنسخة فيض الله أفندي، ومطابقا للعنوان الذي أثبته في رسالتي "الإسناد من الدين". وقدم لي أيضًا صورتين لوجه نسختين قديمتين من "صحيح الإمام البخاري"، أثبت عليهما اسم "صحيح البخاري" كما ذكرته في رسالة "الإسناد من الدين"، فتعزز عندي الجزم بصحّة ما كتبته في اسمي هذين الكتابين: "صحيح البخاري"، و"جامع الترمذي"، والحمد والفضل لله تعالى … ... والغريب كل الغرابة أن من خدم "جامع الترمذي" من العلماء المعاصرين: تحقيقا وتقويما لمتنه، أو شرحا وبيانا لمعانيه وأحاديثه، أو ضبطا وتفصيلا لشرحه، كشيخ شيوخنا العلامة محمد يحيى الكاندهلوي، في شرحه المسمى "الكوكب الدري على جامع الترمذي"، وكالعلامة عبدالرحمن المباركفوري، في شرحه "تحفة الأحوذي"، وشيخنا العلامة أحمد شاكر، في تحقيقه لمتن كتاب الترمذي وشرحه الذي لم يتم، وشيخنا العلامة محمد يوسف البنوري، في شرحه المسمى "معارف السنن" الذي لم يكتمل، وصديقنا العلامة الشيخ أحمد معبد، في تحقيقه لكتاب "النفح الشذي"، التي تصلح أن تكون كتابا مستقلا لغزارة علمها وبالغ طولها، لم يتعرضوا بالمرة لذكر اسم الكتاب العلمي. وأغرب من هذا أن من خصص دراسة خاصة واسعة عن الإمام الترمذي و"جامعه"، كالأستاذ الفاضل الدكتور نور الدين عتر في كتابه "الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين"، لم يتعرض لذكر اسم الكتاب هذا فيه، وإنما ذكر في ص ٤٤ جملة من الأسماء المختصرة المختزلة له، فكأنه لم يمر بخاطره هذا الموضوع بالمرة، وإلا لكان بحثَه واستكشفه من النسخ المخطوطة القديمة، فإنه من أهم المباحث وأولها عناية لدارس كتاب "جامع الترمذي".

стр. 110

وكذلك لم يتعرض لاسم "جامع الترمذي" الأستاذ الدكتور أكرم العمري … وقد وقع نحو هذا للشيخ ناصر الألباني … بل إن شيخ شيوخنا الإمام محمد بن جعفر الكتاني لم يتعرض لاسم الكتاب في كتابه الحافل المفيد "الرسالة المستطرفة … "، وكذلك قبله العلامة حاجي خليفة في كتابه العظيم "كشف الظنون … ". بل إن الذين ترجموا للإمام الترمذي من كبار الأئمة المتأخرين، كالحافظ المزي في "تهذيب الكمال"، والحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، و"سير أعلام النبلاء"، و"العبر"، والحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": لم يتعرضوا أيضًا لذكر اسم الكتاب، وذلك مما جعل اسم الكتاب مجهولا خفيا، ولعل الباعث لهم على ذلك طول اسم الكتاب بعض الشيء، فهم يختصرونه بأقل ما يدل عليه، وهذا عذر مسوغ مقبول عند الإحالة إليه والنقل منه، لكثرة ترداد اسمه، أما عند الحديث عن الكتاب فيتعين صناعة ذكر اسمه وعنوانه الذي وضعه المؤلف، لتعرف خطته ونهجه فيه بجلاء ووضوح … ). إلى أن قال (ص ٧٦): (تعزيز صحة اسم جامع الترمذي: ذكرت فيما تقدم كلمة عن اسم "جامع الترمذي" الذي سماه به مؤلفه الإمام الترمذي، وأنه "الجامع المختصر من السنن عن رسول الله ﷺ ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل". وتعزيزا وتوكيدا لثبوت أن هذا الاسم لكتاب الترمذي هو الذي سماه به مؤلفه، بحثت عن بعض النسخ المخطوطة القديمة منه، فوقفت على نسختين نفيستين جدا، جاء فيهما اسم الكتاب كما ذكرته تماما. وأورد هنا صورتين لوجهي هاتين النسختين، زيادة في الطمأنينة إلى أن الاسم المذكور هو من صنيع الإمام الترمذي نفسه.
следующие страницы →