ترجمةٌ مُوجَزةٌ للمؤلِّف (١)
اسمُه: محمَّدُ بنُ صالحِ بنِ عبد الله بنِ محمَّدِ بنِ عبد الله بنِ سُلَيمانَ بنِ محمَّدِ بنِ غانِمٍ الشاويُّ البَقْميُّ الأَزْديُّ.
مولدُه: وُلِدَ المؤلِّفُ في البُكَيْريَّةِ، بتاريخ: (٢٣/ ٩/ ١٣٥٠ هـ)، الموافقِ: (٣١/ ١/ ١٩٣٢ م).
نشأتُه: نشأ المؤلِّفُ في البُكَيْريَّةِ بين أبوَيْنِ محافِظَيْنِ ومتديِّنَيْن؛ فقد كان والده فضيلةُ الشيخِ صالحِ بنِ عبد الله الشاويِّ ﵀ عالمًا مِنْ علماء البُكَيْرِيَّة، وكان مِنْ المُوسِرينَ، ولله الحمدُ والمِنَّة؛ ولذلك اعتذَرَ لمَّا كُلِّفَ بالقضاءِ مرَّتَيْن (٢)؛ لأنَّ القضاءَ سوف يَشغَلُهُ عن الاستمرارِ في تحصيلِ العلم، وإلقاءِ الدروس، وعن أعمالِهِ التجاريَّة.
حَفِظَ المؤلِّفُ القرآنَ منذ نعومةِ أَظْفاره؛ حيثُ بدأ بالحفظِ على يد الشيخ عبد الله بن محمد الخُلَيفي ﵀، قبل أن يكونَ إمامًا للحرَمِ المكي، ثم أكمَلَ حِفْظَهُ على الشيخِ المقرئِ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵀ في مسجد تُرْكي (٣).
طلبُهُ للعلم: وبعد أن حَفِظَ القرآنَ بدأ مسيرتَهُ في طلَبِ العلم؛ حيثُ اهتَمَّ به
_________
(١) هذه ترجمةٌ مختصَرةٌ كتَبْتُها عن الوالدِ حفظه الله، وهناك ترجمةٌ موسَّعةٌ جمَعْتُها مِنْ ذِكْرياتِهِ، ومِن الوثائقِ والمراسَلاتِ الموجودةِ لدَيْنا، ولعلَّ اللهَ أن ييسِّرَ لي طبعَها.
(٢) حيثُ عيَّنه المَلِكُ عبد العزيز ﵀ قاضيًا في القَصِيمِ، فامتنَعَ واستشفَعَ بالمشايخ، فسمَحَ له، ثم لمَّا تولَّى الملك سعود ﵀، عيَّنه قاضيًا في الجنوب، فأرسَلَ للمَلِكِ برقيَّةً قال فيها: (إنه بلَغَ سنَّ التقاعُد، وإنَّ ظروفَهُ الصحِّيَّةَ لا تَسمَحُ له)، فأُعفِيَ؛ ﵀ رحمةً واسعة، وأسكَنَهُ فسيحَ جناته.
(٣) هكذا يُسمَّى؛ نسبةً إلى مؤسِّسهِ تُرْكي بن منصور التركي ﵀. ينظر: مساجد البُكَيْريَّة (ص ٦١).
стр. 2
والدُهُ، وأحضَرَهُ إلى مجالسِ العلماء؛ ليتعلَّمَ ويستفيدَ منهم، وكان أوَّلُ ذلك عندما بلَغَ التاسعةَ من عُمُره؛ حيثُ كان يجلسُ مع طلبةِ العلمِ الذين يدرُسُونَ عند والدِهِ فضيلةِ الشيخ صالح بن عبد الله الشاوي ﵀؛ في كُتُبِ شيخِ الإسلام ابن تيميَّة، وكتبِ ابن القيِّم، وكتبِ التفسير، وكتبِ السِّيرةِ النبويَّة؛ ولهذا يُعتبَرُ والدُهُ هو شيخَهُ الأوَّلَ الذي تعلَّم عليه بعضَ العلوم الشرعية.
ولما بلَغَ الحاديةَ عَشْرةَ مِنْ عُمُرِه، رَغِبَ إليه والدُهُ أن ينضمَّ إلى الحَلْقةِ في المسجد الجامع الكبير في البُكَيْريَّة؛ ليدرُسَ على الشيخ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّلِ إمامِ الحرَمِ المكي، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله السُّبَيِّل (١)، والشيخِ العلَّامة محمَّد بن مُقبِلِ المُقبِل، وغيرهم مِنْ علماء ذلك الزمان ﵏.
وفي السنةِ الثالثةَ عَشْرةَ مِنْ عُمُرِهِ، سافر إلى الرياض، وانضمَّ مع طلبةِ العلمِ في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وأخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وغيرِهم من العلماء آنَذَاك ﵏.
ولما قَدِمَ عبد الله ابنُ العمِّ الشيخِ محمَّد بن عثمان الشاوي ﵀ مِنْ الطائف، أقنَعَهُ بالالتحاقِ بدارِ التوحيدِ في الطائف؛ فالتحَقَ ودرَسَ بها، وبعد أن أخَذَ شهادةَ المتوسِّطةِ مِنْ دار التوحيد، عاد إلى الرياض، وأكمَلَ الثانويةَ في المعهدِ العلميِّ بالرياض.
وفي عام (١٣٧٢ هـ) التحَقَ بكلية الشريعة، والتي كانت تسمَّى آنَذَاكَ: «دارَ العُلُومِ الشرعيَّة»، واستمرَّ فيها حتى تخرُّجه عام (١٣٧٦ هـ)، وكان مِنْ ضمن أوَّلِ دُفْعةٍ تخرَّجت في الكلية، وكان مِنْ مشايخِهِ وأساتذتِهِ الذين درَسَ عليهم في
_________
(١) وهو شقيقُ الشيخِ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّل إمامِ الحرَم المكي ﵀.
стр. 3
الكلية: الشيخُ محمَّد الأمين الشِّنْقِيطي، مؤلِّفُ تفسيرِ (أضواء البيان)، والشيخُ عبد العزيز بن باز، والشيخُ عبد الرزَّاق عفيفي، وغيرهم من أهل العلم آنذاك ﵏.
أعمالُه: وبعد تخرُّجه في كلية الشريعة عام ١٣٧٦ هـ، تمَّ تعيينُهُ قاضيًا في المنطقة الشرقية في بَلْدةِ النُّعَيْريَّةِ بتاريخ: (١٥/ ٢/ ١٣٧٧ هـ)، وقام بتأسيسِ المحكمةِ الشرعيَّةِ فيها، وعُيِّنَ رئيسًا لها، واستمَرَّ عمَلُهُ في مَجَالِ القضاء حتى تاريخ: (١٦/ ٨/ ١٣٧٩ هـ).
وفي أثناء وجوده في النُّعَيْريَّةِ قاضيًا تولَّى إمامةَ جامع النُّعَيرِيَّة، وتولَّى الخَطَابةَ يوم الجمعةِ، وفي الأعياد والمناسَبات.
ومن المهامِّ التي تولَّاها أثناءَ عمله قاضيًا في النُّعَيْريَّة: تأسيسُ هيئاتِ الأمرِ بالمعروف، والنهيِ عن المنكَرِ فيها، ثم عُيِّنَ رئيسًا لها، وتولَّى أعمال الحِسْبةِ فيها لفترةٍ وجيزة، حتى تمَّ تعيينُ رئيسٍ مستقِلٍّ لها.
وبعد عامَيْنِ تقريبًا من عملِهِ في مجالِ القضاءِ: طلَبَ منه سماحة الشيخ محمدُ بنُ إبراهيم ﵀ الانتقالَ إلى الرياض؛ لتأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْل، والقيامِ بعملِ اللازمِ لها؛ حيثُ لم يكن هناك كتابةُ عَدْلٍ رسميَّةٌ بهذا الاسمِ قبل ذلك في منطقةِ الرياضِ والقَصِيم.
وبعد الانتهاءِ مِنْ عمليَّةِ تأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْلِ: عُيِّنَ رئيسًا لها؛ فكان أوَّلَ رئيسٍ لكتابةِ العَدْلِ بالرياض، وقد رتَّب فضيلتُهُ ما يَلزَمُ لها مِنْ الأنظِمةِ والقوانينِ والموظَّفينَ، وباشَرَ العمَلَ فيها بتاريخ: (١٨/ ٨/ ١٣٧٩ هـ).
وخلالَ فَتْرةِ عملِهِ رئيسًا لكتابة العَدْلِ: كُلِّفَ بالعمَلِ عضوًا قضائيًّا احتياطيًّا بهيئةِ المنازَعاتِ التجاريَّةِ في الفترةِ المسائيَّةِ في حالةِ تغيُّبِ أحدِ أعضاء الهيئة،
стр. 4
وذلك بتاريخ: (٢٨/ ٥/ ١٣٨٩ هـ)، ثم صار بعد ذلك عضوًا رسميًّا، بعد أن طلَبَ أحدُ الأعضاءِ مِنْ الشيخِ محمَّد بن جُبَير ﵀ إعفاءَهُ مِنْ الهيئة، للتفرُّغِ إلى عملِهِ الرسمي.
ومِن الأعمالِ التي تولَّاها: قيامُهُ بعقودِ الأَنكِحةِ بين الناس؛ حيثُ عَمِل مأذونًا للأنكحة، وقد تم تعيينُهُ في هذا العمل بتاريخ: (٥/ ٤/ ١٣٩٢ هـ)، بجانبِ عملِهِ في كتابةِ العَدْلِ بالرياض.
ومِن الأعمالِ التي تولَّاها أيضًا: تعيينُهُ عضوًا مؤسِّسًا في مؤسَّسةِ الجزيرةِ للصِّحَافةِ والطِّبَاعةِ والنَّشْر، ثم انتُخِبَ أيضًا مِنْ قِبَلِ زملائِهِ وعُيِّنَ عضوًا إداريًّا بتاريخ: (١/ ٨/ ١٣٩٨ هـ).
كلُّ ذلك بجانبِ عمَلِهِ في كتابة العَدْل.
ومِن الأعمالِ أيضًا: تعيينُهُ مستشارًا لمعالي وزيرِ العَدْلِ آنذاكَ الشيخ إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، بتاريخ: (١٥/ ٣/ ١٣٩٨ هـ)، وبعد فترةٍ وجيزةٍ مِنْ عمَلِهِ مستشارًا طلَبَ الإعفاءَ والتقاعُدَ المبكِّر، فتحقَّق له ما يريد؛ وذلك بتاريخ: (٩/ ٢/ ١٣٩٩ هـ)؛ لأنه كان يريدُ إراحةَ نفسِهِ مِنْ الأعمالِ الرسميَّة، والتفرُّغَ لكتابةِ البحوث، والعبادةِ، وغير ذلك.
بعد التقاعُد: وبعد التقاعُدِ قرَّر الانتقالَ إلى مكَّةَ المكرَّمةَ حرَسَها الله، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، وكان يصلِّي فيه الصلواتِ الخمسَ، ويحضُرُ الدروسَ والمحاضَرات، وقد ساعَدَهُ ذلك على استعادةِ حِفْظِهِ لكتاب الله.
ولقد رأيتُ مِنْ الوالدِ حفظه الله أثناءَ إقامتِهِ في مكَّةَ عنايةً بكتاب الله؛ تلاوةً وحفظًا، وفهمًا وتدبُّرًا؛ حتى إنه ترَكَ لأبنائِهِ جميعَ أعمالِهِ وتجاراتِه، منذ رُبُعِ قَرْنٍ تقريبًا، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، حتى لا يَشغَلَهُ شيءٌ عن القرآنِ
стр. 5
ومدارَسَتِه، وكان ولا يزال: يَختِمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ مَرَّةً؛ لا يَثْنِيهِ عن ذلك إلا الضرورةُ القاهرة؛ هذا بخلافِ عباداتِهِ الأخرى مِنْ الصلاةِ والقيامِ والطواف، وحضورِ دروسِ الحرَمِ المكي.
مؤلَّفاتُه: لم يَشغَلِ الوالدُ نَفْسَهُ كثيرًا بالتأليف؛ لأنه كان مشغولًا في أوَّلِ حياتِهِ بالوظائفِ الحكوميَّةِ والخَطَابةِ وغيرِها مِنْ الأعمال، وبعد التقاعُدِ شُغِلَ كثيرًا بمجالِ الأعمالِ الحُرَّةِ والتجارةِ، مع الاهتمامِ بالعبادةِ، وغيرِها، ومع ذلك: لم يَغْفُلْ عن تدوينِ بعضِ البحوثِ والكتاباتِ المفيدةِ، والتي جمَعْناها في المؤلَّفات التالية:
١ - النَّفَحَاتُ المَكِّيَّةِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ رَبِّ البَرِيَّةِ.
٢ - دُرُوسٌ وقَبَساتٌ مِنْ الحرَمِ - فوائِدُ ووقَفَاتٌ مُنْتقاةٌ مِنْ دُرُوسِ الحرَمِ المكِّيِّ وغَيْرِهِ.
٣ - نَفَحَاتٌ قرآنيَّة - تَعْلِيقٌ عَلَى بَعْضِ الآيَاتِ القُرآنيَّةِ.
٤ - التُّحْفَةُ المَكِّيَّةُ فِي تَوْضِيحِ أَهَمِّ القَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ.
٥ - الَّلآلِئُ المَكِّيَّةُ مِنْ كَلَامِ خَيْرِ البَرِيَّةِ - شَرْحِ سَبْعُونَ حَدِيثًا نَبَوِيًّا صَحِيحًا.
٦ - تَرَاجِمُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الشَّاوِيِّ.
٧ - خُطْبةُ المِنْبَر.
٨ - رسالتانِ في القَدَرِ والرِّبا، ومقالاتٌ متنوِّعة.
٩ - القَضَاءُ وَالقَدَرُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
١٠ - الرَّدُّ الوَارِف عَلَى مَنْ أَبَاحَ رِبَا المَصَارِف.
المقدمة
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، وقائد الغر المحجَّلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد:
تعتبر القواعد الفقهية من العلوم المساعدة للفقيه في معرفة ما تشابه من المسائل والأحكام الفقهية، وربط ذلك بقواعد كلية تجمع شتاتها وتنظم منثورها.
وهذا العلم من العلوم النافعة التي أبدعها الفقهاء لضبط الأحكام الفقهية غير المتناهية، بتأليف قواعد مختصرة تشتمل على فروع كثيرة، فتسهل على الفقهاء ضبط الفروع المتزاحمة، واستنباط أحكام النوازل.
قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في مقدمة كتابه: تقرير القواعد وتحرير الفوائد (١): (فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد).
ولا يغني هذا العلم عن دراسة الفقه، وإنما غايته زيادة الملكة الفقهية لدى الفقيه بمعرفة الأشباه والنظائر لكل مسألة فقهية، ونظم ذلك في قواعد كلية منضبطة، فيعظم بذلك تصور الفقيه لمسائل الفقه، وهذا بلا شك يسهل حفظ الفروع ويغني العالم بالضوابط عن حفظ أكثر الجزئيات، ويساعد الفقيه على
стр. 8
فهم مناهج الفتوى ويطلعه على حقائق الفقه ومآخذه، ويمكنه من تخريج الفروع بطريقةٍ سليمة منهجية، ويجنبه التناقض الذي قد يترتب على التخريج اعتمادًا على المسائل الجزئية.
فالشريعة تسوي بين المتماثلين في الأحكام الشرعية، وتلحق الشيء بنظيره، كما قال ابن القيم ﵀ (١): (وأما أحكامه الأمرية الشرعية فكلُّها هكذا، تجدها مشتملة على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين، وعدم تسوية أحدهما بالآخر.
وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه، ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها، فمن جوَّز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها؛ ولا قدَّرها حق قدرِها، وكيف يُظن بالشريعة أنها تبيح شيئًا لحاجة المكلف إليه ومصلحته، ثم تحرم ما هو أحوج إليه والمصلحة في إباحته أظهر، وهذا من أمحل المحال.
وقد فطر الله سبحانه عباده على أن حكمَ النظير حكمُ نظيره، وحكمَ الشيء حكمُ مثله، وعلى إنكار التفريق بين المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الذي أنزله الله سبحانه شرعًا وقدرًا يأبى ذلك).
والقواعد الفقهية هي التي تجمع بين المتماثلات، بحيث يستطيع الفقيه معرفة حكم الشيء من خلال أشباهه ونظائره من المسائل، وإن خفي عليه دليل الحكم الخاص في هذا الشيء بعينه، ولا يكون ذلك إلا للفقهاء الكبار الذين عرفوا مقاصد الشريعة، وتناسق أحكامها، وزادت ملكتهم الفقهية من خلال
стр. 9
كثرة المطالعة في الفقه وأصوله، ومعرفة الأدلة من الكتاب والسنة، ومزاحمة العلماء بالركب.
وهذا الكتاب محاولة متواضعة لتقريب أهم القواعد الفقهية للمبتدئين، مع ذكر شيء من المسائل الفرعية التي تنتظمها كل قاعدة.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يكتب لنا وكل من سعى في إخراجه الأجر والمثوبة، إنه خير مسؤول.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قاله وكتبه
محمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عبد اللهِ الشَّاوِي
الخميس: ٠١/ ٠٣/ ١٤٤٣ هـ - الموافق: ٠٧/ ١٠/ ٢٠٢١ م
стр. 10
مقدمات بين يدي القواعد
أولاً: تعريف القواعد الفقهية:
القواعد: جمع: قاعدة.
والقاعدة لغة: الأساس، ومنه قواعد البناء وأساسه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (١).
والقاعدة في الاصطلاح: هي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، وهي قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة، وهي الأساس والأصل لما فوقها (٢).
والفقهية: نسبة إلى الفقه.
والفقه لغة: فهم الشيء والعلم به (٣).
والفقه في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية (٤).
стр. 11
والقاعدة إما أن تطبق على جميع الفروع التي تدخل تحتها، كما سبق في التعريف، وإما أن تشمل غالبَ الجزئيات أو أكثرها، ويخرج عنها بعض الفروع والجزئيات التي تعتبر استثناءات، وقد تطبق عليها قاعدة أخرى، ولذلك عرفها الحموي في حاشيته على الأشباه والنظائر بأنَّها: (حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته) (١).
ومن اختار هذا التعريف اعترض على التعريف الأول من جهتين:
الأولى: أن القاعدة الفقهية أغلبية وليست كلية، لأن القاعدة الفقهية كثيرًا ما يندُّ عنها بعض فروعها وتستثنى منها.
والثانية: أن هذه التعريفات ليست فيها ما يحدد نوع الجزئيات الداخلة تحتها، فهي تعريفات للقاعدة عمومًا لا للقاعدة الفقهية خاصة (٢).
ومن اختار التعريف الأول الذي يفيد انطباقَ القاعدةِ على جميع الجزئيات، رأى أن الأصل فيها أن تكون كذلك، وأن خروج بعض الفروع عنها لا يضرُّ ولا يؤثر، وتكون استثناء من القاعدة، لأن كل قاعدة أو مبدأ أو أصل له استثناء، وهذا الاستثناء لا يغير من حقيقة الأصل أو المبدأ (٣).
ثانيًا: الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:
سبق أن ذكرنا تعريف القاعدة الفقهية، وأنها: الأمر الكلي أو الأغلبي الذي ينطبق على جميع جزئياته أو معظمها.
стр. 12
أما القاعدة الأصولية: فهي قضية أصولية كلية يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
وقد فرق الإمام القرافي بين هذين العلمين، فقال (١): (فإن الشريعة المعظمة المحمدية -زاد الله تعالى منارها شرفًا وعلوًّا- اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة، وخبر الواحد وصفات المجتهدين.
والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه. وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال، فبقي تفصيله لم يتحصل).
وقد لخص بعض الباحثين الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، في النقاط التالية (٢):
١ - أن قواعد الأصول: إنما تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها.
стр. 13
وأما قواعد الفقه: فتتعلق بالأحكام ذاتها.
٢ - أن قواعد الأصول: إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية.
وأما قواعد الفقه: فإنما تراد لتربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد وحكم واحد، هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله.
٣ - إن قواعد الأصول: إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية، وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية.
وأما قواعد الفقه: فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلًا لها.
٤ - إن قواعد الأصول: محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله.
وأما قواعد الفقه: العام والفتوى عند جميع المذاهب ولم تجمع للآن في إطار واحد.
٥ - إن قواعد الأصول: إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء؛ فهي قواعد كلية مطردة كقواعد العربية بلا خلاف.
وأما قواعد الفقه: فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب؛ كالاستثناء بالنص أو الإجماع أو الضرورة أو غير ذلك من أسباب الاستثناء، ولذلك يطلق عليها كثيرون بأنها قواعد أغلبية أكثرية لا كلية مطردة.
٦ - ومع وضوح الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية فقد نجد
стр. 14
قواعد مشتركة بين العلمين، ولكن تختلف فيهما زاوية النظر، حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلًا إجماليًّا يستنبط منه حكم كلي، والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكمًا جزئيًّا لفعل من أفعال المكلفين.
فمثلًا قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد):
ينظر إليها الأصولي من حيث كونها دليلًا يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال.
وينظر إليها الفقيه من حيث تعليل فعل من أفعال المكلفين، فيبين حكمه من خلالها.
فإذا حكم حاكم أو قاض بنقض حكمٍ في مسألة مجتهَدٍ فيها؛ كالخلع هل هو فسخٌ للعقد أو طلاق، وقد كان حكم حاكم في مسألة بعينها بأن الخلع فسخ، وأجاز العقد على امرأة خالعها زوجها ثلاث مرات أو بعد طلقتين، ثم جاء حاكم آخر فأراد التفريق بين الزوجين؛ لأنه يرى أن الخلع طلاق فيقال له: لا يجوز ذلك؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله.
ولكن لك في مسألة أخرى متشابهة أن تحكم فيها باجتهادك لا أن تنقض حكمك أو حكم غيرك في مسألة اجتهادية لا نصية.
(فالقواعد الفقهية تشبه أصول الفقه من ناحية، وتخالفها من ناحية أخرى.
أما جهة المتشابه: فهي أن كلًّا منهما قواعد تندرج تحتها جزئيات.
وأما جهة الاختلاف: فهي أن قواعد الأصول عبارة عن المسائل التي تشملها أنواع من الأدلة التفصيلة، يمكن استنباط التشريع منها.
стр. 15
وأما قواعد الفقه: فهي عبارة عن المسائل التي تندرج تحتها أحكام الفقه نفسه، ليصل المجتهد إليها بناء على تلك القضايا المبينة في أصول الفقه، ثم إن الفقيه إن أوردها أحكامًا جزئية فليست قواعد، وإن ذكرها في صور قضايا كلية تندرج تحتها الأحكام الجزئية فهي القواعد.
وكل منهما -القواعد الكلية والأحكام الجزئية- داخل في مدلول الفقه على وجه الحقيقة، وكل منهما متوقف عند المجتهد على دراسة الأصول التي يبني عليها كل ذلك) (١).
ثالثا: أهمية القواعد الفقهية:
قال الإمام القرافي ﵀ (٢): (وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، وبرز القَارحُ على الجَذَعِ (٣)، وحاز قصب السبق من فيها برع.
ومن جعل يُخَرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها.
стр. 16
ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصَّل طِلْبتَه في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان، فبين المقامين شأوٌ بعيد (١)، وبين المنزلتين تفاوتٌ شديد).
وقد لخص بعض الباحثين أهمية دراسة القواعد الفقهية في النقاط التالية (٢):
(أولاً: أنها تضبط المسائل الفقهية المنتشرة المتعددة، وتنظمها في سلك واحد مما يمكِّن من إدراك الروابط والصفات الجامعة بين الجزيئات المتفرقة، فهي كما قال ابن رجب ﵀ (٣):
(فهذه قواعد مهمة وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيَّب، وتنْظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد).
ثانيًا: أن ضبطها يُيَسِّر على الفقيه ضبط الفقه بأحكامه، ويغنيه عن حفظ أكثر الجزئيات؛ إذ إن حفظ جزئيات الفقه وفروعه يستحيل أن يقدر عليه إنسان خلافًا للقواعد، فإن حفظها وإن كَثُرَت داخلٌ تحت الإمكان؛ ولذا قال القرافي يرحمه الله: (من ضبط الفقه بقواعده، استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات).
стр. 17
ثالثًا: أن دراستها تُكَوِّن عند المرء ملكة فقهية تنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة، ومعرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل النازلة؛ ولذا أصبحت القواعد معينا ثَرًّا للفقهاء، ومبعث حركة دائمة ونشاط متجدد، يُبعد الفقه عن أن تتحجر مسائله وتتجمد قضاياه.
قال الإمام السيوطي ﵀ (١): (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يُطَّلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهّد في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لاتنقضي على مَرّ الزمان).
رابعًا: أنها تمكن الفقيه من تخريج الفروع بطريقة سَوِيَّة، وتبعده عن التخبط والتناقض الذي قد يترتب على التخريج من المناسبات الجزئية.
وقد نقل تاج الدين السبكي عن والده قوله (٢): (وكم من آخر مستكثر في الفروع ومداركها قد أفرغ جمامَ ذهنه فيها، غفل عن قاعدة كلية، فتخبطت عليه تلك المدارك وصار حيران، ومن وفقه الله بمزيد من العناية جمع بين الأمرين، فيرى الأمر رأي العين).
خامسًا: إدراك مقاصد الشريعة وأسرارها وحكمها.
سادسًا: اكتساب ملكة التقعيد والتأصيل والاستنباط والتخريج بإدمان النظر في الفروع لمعرفة الأمر الجامع بينها، مما أدى إلى استنباط القاعدة.
стр. 18
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (١): (لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم).
رابعًا: خصائص القواعد الفقهية:
للقواعد الفقهية خصائص تتمّيز بها دون قواعد أصول الفقه، وهي:
١ - الحفظ والضبط للمسائل الكثيرة المتناظرة، بحيث تكون القاعدة وسيلة لمعرفة الأحكام المندرجة تحتها.
٢ - تدل على أن الأحكامَ المتحدة العلة مع اختلافها محققةٌ لجنس واحد من العلل، محققةٌ لجنس واحد من المصالح.
٣ - إن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد يتمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها.
وعلى العكس القواعد الفقهية، فإنها تخدم المقاصد الشرعية العامة والخاصة، وتمهد الطريق للوصول إلى الأحكام وحكمها.
وهذا التفصيل يعطينا فكرة كاملة عن الموضوع، ويكشف عن الفروق الأساسية بين المصطلحين (٢).
стр. 19
خامسًا: مميزات القواعد الفقهية:
تمتاز القواعد الفقهية بمميزات منها:
الميزة الأولى: كثرتها حيث إنها غير محصورة بعدد بل تعدُّ بالآلاف، وهي منثورة في بطون كتب الفقه والأحكام، ولا ينتظمها كتاب واحد.
الميزة الثانية: أنها تمتاز بإيجاز عباراتها، مع عموم معناها، وسعة استيعابها للمسائل الجزئية، إذ تصاغ القاعدة في جملة مفيدة مكونة من كلمتين أو بضع كلمات من ألفاظ العموم، مثل قاعدة: (العادة مُحكَّمة)، وقاعدة: (الأعمال بالنيات)، أو (الأمور بمقاصدها)، وقاعدة: (المشقة تجلب التيسير).
فكل من هذه القواعد تعتبر من جوامع الكلم، إذ يندرج تحت كل منها ما لا يحصى من المسائل الفقهية المختلفة.
الميزة الثالثة: أن لكلًّ منها ضابطًا يضبط فروع الأحكام العملية، ويربط بينها برابطة تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها، قال الأستاذ مصطفى الزرقا: لولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعًا مشتتةً، قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها، وتبرز من خلالها العلل الجامعة (١).
سادسًا: القواعد الخمس الكبرى:
ذكرنا أن القواعد الفقهية غير منحصرة لكثرتها، إلا أن هناك قواعد خمس كبرى، تعدُّ أشهر تلك القواعد الكلية، وأعظمها نفعًا، إذ يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، وهي مما اتفق عليه الفقهاء، واعتنى به الفضلاء قديمًا وحديثًا.
стр. 20
وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى: (الأمورُ بمقاصدها).
القاعدة الثانية: (اليقينُ لا يزول بالشك).
القاعدة الثالثة: (المشقةُ تجلب التيسير).
القاعدة الرابعة: (الضررُ يزال).
القاعدة الخامسة: (العادةُ مُحَكَّمة).
стр. 21
القاعدة الأولى: الأمورُ بمقاصدها
أو: (العبرة للمقصود لا للتبع).
أو: (العبرة للمقاصد دون الصور).
فيدخل في ذلك العبادات والمعاملات، وتحريمُ الحيل المحرمةِ مأخوذٌ من هذا الأصل، وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح من هذا الأصل، وصورها كثيرة جدًّا (١).
والأمور: بمعنى: الأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالمكلف، وتشمل: العبادات والمعاملات.
معنى هذه القاعدة:
أن الأحكام الشرعية تتعلق بمقاصدها، من حيث الصحة والبطلان، أو النفوذ والاعتداد، فلا تصح العبادة إلا بالنية، ولا يؤخذ في كثير من الأحكام التكليفية بما يصدر عن النائم والناسي من الخطأ؛ لعدم القصد.
ودليل هذه القاعدة: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). رواه البخاري ومسلم.
وفي الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتِك» (٣).
стр. 22
ومن حديث ابن عباس ﵄: «لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استُنفرتم فانفروا» (١).
وهذه القاعدة من أهم القواعد الفقهية وأكثرها استخدامًا، وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى التي يدور عليها الفقه الإسلامي.
قال السيوطي ﵀ (٢): (اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر حديث النية، وقال أبو عبيدة: ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه.
واتفق الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن مهدي، وابن المديني، وأبو داود، والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم، ومنهم من قال: ربعه.
ووجه البيهقي كونه ثلث العلم: بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد: «نية المؤمن خير من عمله» (٣).
وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم، أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده؛ فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث «الأعمال بالنية»، وحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤)، وحديث: «الحلال بين والحرام بين» (٥).
стр. 23
وقال الشيخ سعد الشثري (١): (للنية أثر كبير على أعمال المكلف، ومن هنا قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢)، والنية توضح المراد بالأيمان، وبألفاظ الكنايات، وتعين نوع العبادة المؤداة هل هي مثلًا صلاة الظهر أو نافلتها.
وعلى النية يترتب الثواب والعقاب، فمن فعل الحرام غير قاصد له فلا عقاب له، ومن فعل الطاعة بقصد التقرب إلى الله لنيل الثواب الأخروي استحق الثواب، وكذلك المباحات إذا قصد المكلف بها التقوى على طاعة الله استحق الثواب عليها).
وفي هذه القاعدة: أن الأمور تتبع المقاصد حُسنًا وقبحًا، فإن كان القصد من الطاعة حسنًا كان العمل حسنًا، وإن كان قبيحًا كان قبيحًا، والمكلف مأمور بإخلاص العمل لله وحده، وترك الرياء، وأن يكون عمله وفق ما أراد الله ﵎ منه.
وقد تكون صورة العمل حسنة، إلا أن سوء القصد يجعله سيئًا خبيثًا، وقد تكون صورة العمل سيئة إلا أن حسن القصد يجعله حسنًا مأذونًا فيه، كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة الكهف في قصة نقب السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار.
وانظر إلى هذا الرجل الذي ذكره النبي ﷺ ، فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق الليلة على زانية،
стр. 24
قال: اللهم، لك الحمد على زانية. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غني، قال: اللهم، لك الحمد على غني. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على سارق، فقال: اللهم، لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قُبلت؛ أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته» (١).
فهذا الرجل أعطى صدقته لغير مستحقيها، ومع ذلك فقد تقبل الله صدقته لإخلاصه وحسن قصده ورغبته في الخير.
ومن فروع هذه القاعدة:
تمييز العبادات من العادات بالقصد، كالجلوس في المسجد، فإنه يتردد بين الجلوس للاعتكاف والجلوس للاستراحة، وكالوضوء والغسل يتردد بين التبرد والتنظيف والقربة، فلولا النية لما تميزت العبادة عن غيرها ولا حصلت (٢).
وكذلك تمييز مراتب العبادات بالقصد، لأن القصد النية شرط صحة في العبادات المحضة، وشرط لحصول الثواب في جميع الأعمال.
ومنه أن المعاملات بالكنايات، لا بد لها من نية.
ومنه أن جميع المباحات تتميز عن المعاصي والقربات بالنية (٣).
стр. 25
ويتفرع من هذه القاعدة ثلاث قواعد:
١ - لا ثواب إلا بنية.
٢ - النية شرط لصحة الأعمال.
٣ - العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١): (فالنية روح العمل ولبُّه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي ﷺ قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع.
وأن من نوى بعقد النكاح التحليل كان محلِّلا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك، «وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص.
وعلى هذا فإذا نوى بالعصْر حصول الخمر كان له ما نواه، ولذلك استحق اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحيلَ على ما حرمه الله ورسولُه كان له ما نواه؛ فإنه قصد المحرم وفعل مقدورَه في تحصيله).
стр. 26
وقال أيضًا (١): (أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره؛ فإن القُرُبات كلها مَبْنَاها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقَصْد، ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو دخل الحمام للتنظيف، أو سَبَحَ للتبرُّد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له. ولو أمْسَكَ عن المُفْطِّرات عادة واشتغالًا ولم ينو القربة لم يكن صائمًا. ولو دار حول البيت يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفًا.
ولو أعطى الفقير هبةً أو هدية ولم ينو الزكاة لم تحتسب زكاة. ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له ثوابُه.
وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والإمتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب؛ ولهذا لو جامع أجنبيةً يظنها زوجتَه أو أمَتُه لم يأثم بذلك وقد يُثاب بنيته. ولو جامع في ظُلمةٍ من يظنُّها أجنبية فبانت زوجتُه أو أمَتُه أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام.
ولو أكل طعامًا حرامًا يظنّثه حلالًا لم يأثم به، ولو أكله وهو حلال يظنه حرامًا وقد أقدم عليه أثِم بنيته. وكذلك لو قتل مَنْ يظنه مسلمًا معصومًا فَبَانَ كافرًا حربيًّا أثم بنيته. ولو رمى صيدًا فأصاب معصومًا لم يأثم، ولو رمى معصومًا فأخطأه وأصاب صيدًا أثِم، ولهذا كان القاتل والمقتول من المسلمين في النار (٢) لنية كل واحد منهما قتل صاحبه).
стр. 27
وذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعض المسائل التي تتبع هذه القاعدة، ومن ذلك أفعال شارب الخمر، قال (١): (واختلف العلماء في فعله، هل يؤاخذ به أم لا؟ والصواب أن فعله كفعل المخطئ، لا كفعل المتعمِّد.
فلو قتل إنسانًا لم يُقتصّ منه؛ لأنه لا عقل له، ولكن تؤخذ منه الدية، إلا إذا علمنا أنه تناول المسكر لتنفيذ فعلِه، فإنه يؤاخذ به.
يعني: لو فرضنا أن هذا الرجل يريد أن يقتل شخصًا، فقال: إن قتلته وأنا عاقل قتلوني به، ولكن أشرب مسكرًا وأقتله، وأنا سكران، ففي هذه الحال نقول: إنه يقتل؛ لأنه سَكِرَ من أجل الوصول إلى العمل المحرم، والعبرة في الأمور بمقاصدها، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
وقال صاحب تفسير المنار ﵀ (٣): (والقاعدة الطبيعية الشرعية أن الأمور بمقاصدها، ونحن نرى كثيرًا من الناس يقصدون قراء القرآن في ليالي رمضان أو في المآتم، ليستمعوا إلى فلان القارئ الحسن الصوت لغرض التلذذ بترتيله وتوقيع صوته أو بلاغته، ولا أحد منهم ينتفع بشيء من مواعظ القرآن ونُذُره، وحِكمه وعِبره، ولا عقائده وأحكامه، ومنهم المسلمون وغير المسلمين.
بل سمعت بأذني من غير المسلمين من يستمع القرآن ويعجب من شدة تأثيره وتغلغله في أعماق القلب وهو لا يؤمن به، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، هذا الاستفهام للإنكار، يعني: أن السماع
стр. 28
النافع للمستمع هو ما عقل به ما يسمعه وفقهه وعمل بمقتضاه، فمن فقد هذا كان كالأصم الذي لا يسمع).
وقد ذكر السيوطي ﵀ أن هذه القاعدة تجري أيضًا في علم العَروض، فإن الشعر عند أهله: كلام موزون مقصود به ذلك: أما ما يقع موزونًا اتفاقًا، لا عن قصد من المتكلم، فإنه لا يسمى شعرًا، وعلى ذلك خرج ما وقع في كلام الله تعالى كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، أو كلام رسول الله ﷺ كقوله: «هل أنتِ إلا إصبع دميتِ، وفي سبيل الله ما لقيتِ» (١).
وهذه القاعدة أيضًا من أهم قواعد الحنفية التي ذكروها في إبطال الشرك وإن سمي بغير اسمه، وفرعوا عليها عدة أحكام، وقالوا: إنما يبنى اللفظ على المقصود لا على ظاهر اللفظ.
فلما كان قصد القبورية من زياراتهم للقبور؛ الطواف بها، وأكل ترابها، والتمسح والتبرك بها، والنذر لها، ودعاء أهلها، وطلب الحوائج وكشف الكرب منهم، كان ذلك شركًا صريحًا، وإن تستروا بستار التوسل، والكرامة، والولاية، والزيارة، لأن الأمور بمقاصدها.
قال شيخ القرآن الفنجفيري ﵀ في الرد على المبتدعة والقبورية (٢): (وها أنا في زمان تبدلت الشريعة، وجعلوا العبادة ذريعة للمعيشة، ووضعوا الألفاظ الصحيحة للنية الردية، فاستحلوا الرشوة باسم الهدية، والقتل بالرهبة، والزنى بالنكاح، والربا بالمنافع، والمُغنِّي بالحادي، والمطرب بالقوَّال،
стр. 29
والمداهن بالمصلح، والخداعة بالسياسة، والكتمان بالمصلحة، والشرك بالله العظيم بتعظيم الأولياء الكرام، والعبادة للقبور والشيوخ بالتعظيم لهم، والجحد لصفات الله تعالى بالتنزيه، وإثبات الصفات له تعالى بالتجسيم، والبدعة بالسنة، فبدلوا دين الله تعالى وشرائعه، وحرفوا الكلم عن مواضعه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]).
مجمل ما تدخل فيه هذه القاعدة من أبواب الفقه:
ذكر الشافعي ﵀ أن النية تدخل في سبعين بابًا من الفقه، وعقب السيوطي ﵀ على ذلك بقوله (١): (قلت: وهذا ذكر ما يرجع إليه من الأبواب إجمالًا:
من ذلك: ربع العبادات بكماله، كالوضوء، والغسل فرضًا ونفلًا، والتيمم، وإزالة النجاسة على رأي، وغسل الميت على رأي، والأواني في مسألة الضبة بقصد الزينة أو غيرها.
والصلاة بأنواعها: فرض عين وكفاية، وراتبة وسنة، ونفلا مطلقا، والقصر، والجمع، والإمامة والاقتداء وسجود التلاوة والشكر، وخطبة الجمعة على أحد الوجهين، والأذان على رأي.
وأداء الزكاة، واستعمال الحلي أو كنزه، والتجارة، والقنية، والخلطة على رأي، وبيع المال الزكوي، وصدقة التطوع.
والصوم فرضًا ونفلًا، والاعتكاف.
والحج والعمرة كذلك، والطواف فرضًا واجبًا وسنة، والتحلل للمحصر،
стр. 30
والتمتع على رأي، ومجاوزة الميقات، والسعي، والوقوف على رأي، والفداء، والهدايا، والضحايا فرضًا ونفلًا، والنذور، والكفارات، والجهاد والعتق والتدبير، والكتابة، والوصية، والنكاح، والوقف، وسائر القرب، بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى، وكذلك نشر العلم تعليمًا وإفتاءً وتصنيفًا، والحكم بين الناس وإقامة الحدود، وكل ما يتعاطاه الحكام والولاة، وتحمل الشهادات وأداؤها.
بل يسري ذلك إلى سائر المباحات إذا قصد بها التقوى على العبادة أو التوصل إليها، كالأكل، والنوم، واكتساب المال وغير ذلك، وكذلك النكاح والوطء إذا قصد به إقامة السنة أو الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح، وتكثير الأمة، ويندرج في ذلك ما لا يحصى من المسائل.
ومما تدخل فيه من العقود ونحوها: كنايات البيع والهبة، والوقف، والقرض، والضمان، والإبراء، والحوالة، والإقالة، والوكالة، وتفويض القضاء، والإقرار، والإجارة والوصية، والعتق، والتدبير، والكتابة، والطلاق، والخلع، والرجعة، والإيلاء، والظهار، والأيمان، والقذف، والأمان.
ويدخل أيضًا فيها في غير الكنايات في مسائل شتى: كقصد لفظ الصريح لمعناه، ونية المعقود عليه في المبيع والثمن، وعوض الخلع، والمنكوحة، ويدخل في بيع المال الربوي ونحوه وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به بطل.
وفي القصاص في مسائل كثيرة: منها تمييز العمد وشبهه من الخطأ، ومنها إذا قتل الوكيل في القصاص، إن قصد قتله عن الموكل، أو قتله بشهوة نفسه.
وفي الردة، وفي السرقة: فيما إذا أخذ آلات الملاهي بقصد كسرها وإشهارها
стр. 31
أو بقصد سرقتها، وفيما إذا أخذ الدائن مال المدين بقصد الاستيفاء، أو السرقة، فلا يقطع في الأول، ويقطع في الثاني.
وفي أداء الدين: فلو كان عليه دينان لرجل، بأحدهما رهن، فأدى أحدهما ونوى به دين الرهن، انصرف إليه والقول قوله في نيته، وفي اللقطة بقصد الحفظ أو التمليك.
وفيما لو أسلم على أكثر من أربع: فقال: فسخت نكاح هذه، فإن نوى به الطلاق كان تعيينًا لاختيار النكاح، وإن نوى الفراق أو أطلق حمل على اختيار الفراق. وفيما لو وطئ أمة بشبهة، وهو يظنها زوجته الحرة، فإن الولد ينعقد حرًّا.
وفيما لو تعاطى فعل شيء مباح له، وهو يعتقد عدم حلِّه: كمن وطئ امرأة يعتقد أنها أجنبية، وأنه زان بها، فإذا هي حليلته أو قتل من يعتقده معصومًا، فبان أنه يستحق دمه، أو أتلف مالًا لغيره، فبان ملكه. قال الشيخ عز الدين: يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله، لأن العدالة إنما شرطت لتحصل الثقة بصدقه، وأداء الأمانة، وقد انخرمت الثقة بذلك، لجرأته بارتكاب ما يعتقده كبيرة.
قال: وأما مفاسد الآخرة فلا يعذب تعذيب زان ولا قاتل، ولا آكل مالًا حرامًا لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب المفاسد في الغالب، كما أن ثوابها مرتب على ترتب المصالح في الغالب.
قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيب من ارتكب صغيرة، لأجل جرأته وانتهاك الحرمة، بل عذابًا متوسطًا بين الصغيرة والكبيرة.
стр. 32
وعكس هذا: من وطئ أجنبية وهو يظنها حليلة له، لا يترتب عليه شيء من العقوبات المؤاخذات المترتبة على الزاني اعتبارًا بنيته ومقصده.
وتدخل النية أيضًا: في عصير العنب بقصد الخَليَّة والخمريَّة، وفي الهجر فوق ثلاثة أيام فإنه حرام، إن قصد الهجر وإلا فلا.
ونظيره أيضًا: ترك الطيب والزينة فوق ثلاثة أيام لموت غير الزوج، فإنه إن كان بقصد الإحداد حرم وإلا فلا.
وتدخل أيضًا في نية قطع السفر، وقطع القراءة في الصلاة، وقراءة القرآن جنبا بقصده، أو بقصد الذكر.
وفي الصلاة بقصد الإفهام، وفي غير ذلك وفي الجعالة إذا التزم جُعلًا لمعين، فشاركه غيره في العمل إن قصد إعانته، فله كل الجعل، وإن قصد العمل للمالك فله قسطُه، ولا شيء للمشارك، وفي الذبائح.
فهذه سبعون بابًا، أو أكثر، دخلت فيها النية كما ترى.
فعلم من ذلك فساد قول من قال إن مراد الشافعي بقوله: تدخل في سبعين بابًا من العلم؛ المبالغة، وإذا عددت مسائل هذه الأبواب التي للنية فيها مدخل لم تقصر عن أن تكون ثلث الفقه أو ربعه).
стр. 33
القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك
وهذه القاعدة تدخل في كافة الأبواب الفقهية وكافة العبادات والمعاملات.
قيل: هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر (١)؛ فمن حصل له الشك في شي منها رجع إلى الأصل المتيقن.
ولذلك قالوا: الأصل الطهارة في كل شي والأصل الإباحة، إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه.
وقالوا: الأصل براءة الذمم من الواجبات ومن حقوق الخلق، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك.
وقالوا: الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده، حتى يتيقن البراءة والأداء (٢).
فمن كان على يقين من الوضوء ثم شك في الحدث فإن وضوءه لا ينقض.
وإذا كان الماء طاهرًا يقينًا، ثم شك في نجاسته، فهذا الشك لا يزيل طهورية الماء لأن اليقين لا يزول بالشك (٣).
كذلك لو توضأ الإنسان لصلاة الظهر، ثم جاءت صلاة العصر وشكّ هل
стр. 34
أحدث أم لم يحدث؟ فالأصل أنه على طهارة؛ لأن الطهارة يقين والحدث شكّ واليقين لا يزول بالشك.
وكذلك إذا كان في الصلاة فشك أنه خرج منه ريح، فإنه يطرح الشك ويبقى على يقين الطهارة.
وقد دل على ذلك حديث عباد بن تميم ﵁، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: «لا ينفتل، أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» (١).
هذا الحديث يدل على أن الأشياء يحكم ببقائها على ماهي عليه حتى يُتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ.
وهناك أدلة أخرى على هذه القاعدة منها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدْرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشكَّ وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمسًا شَفعْن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيما للشيطان». أخرجه مسلم (٢).
فإن من شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا فإنه يعتبرها ثلاثًا؛ لأن اليقين هو تعلق الصلاة بالذمة، ثم تيقن أداء ثلاث ركعات فبرأت منها الذمة، وشك في أداء الرابعة فبقيت في الذمة، وهكذا كل ما كان الشك في عدده أو أجزائه بني على الأقل؛ لأنه هو المتيقن حصولُه.
стр. 35
وكذلك من شكَّ في طلوع الفجر وهو يريد الصوم، فإنه يجوز له الأكل والشرب؛ لأن اليقين في حقه بقاءُ الليل.
ومن شك في غروب الشمس وهو صائم فليس له أن يفطر؛ لأن اليقين في حقِّه بقاء النهار (١).
قال ابن عبد البر ﵀ في التمهيد (٢): (وفي هذا الحديث من الفقه أصل عظيم جسيم مطَّرد في أكثر الأحكام، وهو أن اليقين لا يزيله الشك، وأن الشيء مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك معه.
وذلك أن الأصل في الظهر أنها فرض بيقين أربع ركعات، فإذا أحرم بها ولزمه إتمامها وشك في ذلك، فالواجب الذي قد ثبت عليه بيقين لا يخرجه منه إلا يقين، فإنه قد أدى ما وجب عليه من ذلك.
وقد غلط قوم من عوام المنتسبين إلى الفقه في هذا الباب، فظنوا أن الشك أوجب على المصلي إتمام صلاته والإتيان بالركعة، واحتجوا لذلك بأعمال الشك في بعض نوازلهم، وهذا جهل بيِّن وليس كما ظنوا، بل اليقين بأنها أربع، فرض عليه إقامتها، وأوجب عليه إتمامها.
وهذا واضح والكلام لوضوحه يكاد يستغنى عنه … ألا ترى أن رسول الله ﷺ لم ينقله من يقين طهارته إلى شك، بل أمره أن يبني على يقينه في ذلك حتى يصحَّ عنده يقين يصير إليه، والأصل في هذا وفي البناء على اليقين في الصلاة سواء، إلا أن مالكًا ﵀ قال: من شك في الحدث بعد يقينه بالوضوء
стр. 36
فعليه الوضوء، ولم يتابعه على هذا القول أحد من أهل الفقه علمته إلا أصحابُه ومن قلدهم في ذلك (١)، وقد قال أبو الفرج: إن ذلك استحباب واحتياط منه.
وخالف عبد الله بن نافع مالكًا في هذه المسألة فقال: لا وضوء عليه، وقال ابن خواز منداد: اختلفت الرواية عن مالك فيمن توضأ ثم شك هل أحدث أم لا فقد قال: عليه الوضوء، وقد قال: لا وضوء عليه، وهو قول سائر الفقهاء.
قال أبو عمر: مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي ومن سلك سبيله البناء على الأصل حدثًا كان أو طهارة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور، وداود بن علي وأبي جعفر الطبري، وقد قال مالك: إنه إنْ عرض له ذلك كثيرًا فهو على وضوئه.
وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث وشك في الوضوء أن شكَّه لا يفيد فائدة وأن عليه الوضوء فرضًا، وهذا يدلك على أن الشك عندهم مُلغى، وأن العمل على اليقين عندهم وهذا أصل كبير في الفقه فتدبره وقف عليه).
أنواع الشك:
جاء في غمز عيون البصائر (٢): (اعلم أن الشك على ثلاثة أضرب:
شك طرأ على أصل حرام، وشك طرأ على أصل مباح، وشك لا يعرف أصله.
فالأول: مثل: أن يجد شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس فلا تحل، حتى يعلم أنها ذكاةُ مسلم؛ لأن أصلها حرام، وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل؛ عملًا بالغالب المفيد للطهورية.
стр. 37
والثاني: أن يجد ماء متغيرًا واحتمل تغيره بنجاسة، أو طول مكث، يجوز التطهير به عملًا بأصل الطهارة.
والثالث: مثل معاملة من أكثر ماله حرام ولم يتحقق المأخوذ من ماله عين الحرام، فلا تحرم مبايعته لإمكان الحلال وعدم التحريم، ولكن يُكره خوفًا من الوقوع في الحرام، كذا في فتح القدير).
ومن الأدلة على هذه القاعدة أيضًا: عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، ونحوها قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].
وجاء في درر الحكام بشرح مجلة الأحكام (١): («اليقين لا يزول بالشك»: نعم لأن اليقين القوي أقوى من الشك، فلا يرتفع اليقين القوي بالشك الضعيف، أما اليقين فإنما يزول باليقين الآخر، فما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك، وما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين.
والشك لغة معناه: التردد.
واصطلاحًا: تردد الفعل بين الوقوع وعدمه، أي: لا يوجد مرجح لأحد على الآخر، ولا يمكن ترجيح أحد الاحتمالين، أما إذا كان الترجيح ممكنًا لأحد الاحتمالين، والقلب غير مطمئن للجهة الراجحة أيضًا فتكون الجهة الراجحة في درجة الظن، والجهة المرجوحة في درجة الوهم، وأما إذا كان القلب يطمئن للجهة الراجحة فتكون (ظنًّا غالبًا)، والظن الغالب ينزل منزلة اليقين.
стр. 38
واليقين لغة: قرار الشيء، يقال: (يَقِن الماء في الحوض) بمعنى: استقر.
واصطلاحًا: هو حصول الجزم أو الظنِّ الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه؟
وقد عرفه البعض بأنه: (هو علم الشيء المستتر عن نظر واستدلال).
ويفهم من هذه الإيضاحات؛ أنه لا يوجد الشك في شيء عند وجود اليقين، ولا اليقين حيث يوجد الشك.
إذ أنهما نقيضان، ولا يجوز اجتماع النقيضين.
والقصد هنا بالشك إنما هو (الشك الطارئ) بعد حصول اليقين في الأمر.
فاليقين السابق لا يزول بالشك الطارئ، وأنه لا يزول إلا بيقين مثله.
مثال ذلك: إذا سافر رجل إلى بلاد بعيدة فانقطعت أخباره مدة طويلة، فانقطاع أخباره يجعل شكًّا في حياته، إلا أن ذلك الشكَّ لا يزيل اليقين، وهو حياته المتيقنة قبلًا، وعلى ذلك فلا يجوز الحكم بموته، وليس لورثته اقتسام تركته ما لم يثبت موته يقينًا.
وبالعكس إذا سافر آخر بسفينة وثبت غرقُها فيحكم بموت الرجل؛ لأن موته ظنُّ غالب والظن الغالب كما تقدم بمنزلة اليقين.
مثال آخر: لو أقر شخص بمبلغ لآخر قائلا أظن أنه يوجد لك بذمتي كذا مبلغ، فإقراره هذا لا يترتب عليه حكم؛ لأن الأصل براءة الذمة، والأصل هو المتيقن فما لم يحصل يقين يشغل ذمته لا يثبت المبلغ عليه للمقر له، إذ أن إقراره لم ينشأ منه عن يقين بل عن شك وظن، وهذا لا يزيل اليقين ببراءة ذمة المقر كما لا يخفى).
стр. 39
وعكس ذلك: من كان مدينًا لآخر بيقين، ثم شك في الأداء، فإن الدين لا يسقط ويلزمه أداؤه، لأن الشك لا يزيل اليقين (١).
ولا يشترط في تحقق اليقين الاعتراف والتصديق، بل يتصور مع الجحود، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] (٢).
ومن صور هذه القاعدة:
(ما إذا كان إنسان يعلم أن بَكرًا مدينٌ لعمرو بألف مثلًا، فإنه يجوز له أن يشهد على بكر بالألف، وإن خامره الشك في وفائها، أو في إبراء الدائن له عنها، إذ لا عبرة للشك في جانب اليقين السابق.
ومن ذلك: ما إذا كان يعلم أن العين الفلانية كانت ملك بكرٍ، ثم نازعه فيها أحد، فإنه يجوز له أن يشهد لبكر بأن العين ملكه، وإن كان يحتمل أنه باعها لمن ينازعه، لأن امتلاكه للعين يقين، ومنازعة غيره له فيها شك.
ومن ذلك: ما لو ادعى زيد على عمرو ألفًا مثلًا، فأقام عمرو بينة على الأداء أو الإبراء، فأقام زيد أيضًا بينة على أن له عليه ألفًا، فإن بينةَ زيد هذه لا تقبل من غير أن يبرهن أن الألف المشهود عليها هي غير تلك الألف التي ادعى عمرو أداءها أو الإبراء عنها، لأن فراغ ذمة عمرو بعد البينة التي أقامها أصبح يقينًا، والألف التي أقام زيد عليها البينة مطلقة، فيحتمل أن تكون هي المرادةُ أو المبروءُ عنها، فلا تشغل ذمة عمرو بمجرد الشك، بعد التيقن بفراغها، ولأن الموجب والمسقط إذا اجتمعا يعتبر المسقط متأخرًا.
стр. 40
ومن ذلك: ما لو اشترى أحد شيئًا ثم ادعى أن به عيبًا وأراد ردَّه، واختلف التجار أهل الخبرة فقال بعضهم: هو عيب، وقال بعضهم: ليس بعيب، فليس للمشتري الردُّ، لأن السلامة هي الأصل المتيقن فلا يثبت العيب بالشك.
ومن ذلك: ما لو طلق الرجل زوجته، وكانت ذات لبن، وتزوجت بآخر بعد عدتها، فحملت منه وأرضعت طفلًا في مدة الحمل، فإن لبنها لم يزل معتبرًا من الزوج الأول، فتثبت به حرمة الرضاع بالنسبة له، لأنه كان متيقنًا أن اللبن منه، فلا نحكم بأنه من الثاني بمجرد الشك الحاصل بسبب حبلها من الزوج الثاني، فإذا ولدت يحكم حينئذ بأن اللبن بعد الولادة من الثاني) (١).
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحتج بهذه القاعدة على فضل الصحابة وعدالتهم فيقول (٢): (ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر من محاسن الصحابة وفضائلهم، لا يجوز أن يدفع بنقولٍ بعضُها منقطع، وبعضها محرَّفٌ، وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد تيقنا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدق ذلك من المنقولات المتواترة من أدلة العقل، من أن الصحابة ﵃ أفضل الخلق بعد الأنبياء، فلا يقدح في هذا أمورٌ مشكوك فيها فكيف إذا علم بطلانُها؟!).
(ولا يكاد يخفى على الناظر في هذه القاعدة الجليلة وتطبيقاتها ما تتضمن من التيسير ورفع الحرج من جهة تخليص المكلف من الشك الذي قد يقع له فيورث الحيرةَ والترددَ، وذلك ببيان الطريق إلى ذلك، وهو إلغاء ذلك الشك واعتباره في حكم المعدوم والعمل بما تيقنه أولًا.