← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1232

التحفة المكية في توضيح أهم القواعد الفقهية

محمد بن صالح الشاوي

Полный текст (333 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فعليه الوضوء، ولم يتابعه على هذا القول أحد من أهل الفقه علمته إلا أصحابُه ومن قلدهم في ذلك (١)، وقد قال أبو الفرج: إن ذلك استحباب واحتياط منه. وخالف عبد الله بن نافع مالكًا في هذه المسألة فقال: لا وضوء عليه، وقال ابن خواز منداد: اختلفت الرواية عن مالك فيمن توضأ ثم شك هل أحدث أم لا فقد قال: عليه الوضوء، وقد قال: لا وضوء عليه، وهو قول سائر الفقهاء. قال أبو عمر: مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي ومن سلك سبيله البناء على الأصل حدثًا كان أو طهارة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور، وداود بن علي وأبي جعفر الطبري، وقد قال مالك: إنه إنْ عرض له ذلك كثيرًا فهو على وضوئه. وأجمع العلماء أن من أيقن بالحدث وشك في الوضوء أن شكَّه لا يفيد فائدة وأن عليه الوضوء فرضًا، وهذا يدلك على أن الشك عندهم مُلغى، وأن العمل على اليقين عندهم وهذا أصل كبير في الفقه فتدبره وقف عليه). أنواع الشك: جاء في غمز عيون البصائر (٢): (اعلم أن الشك على ثلاثة أضرب: شك طرأ على أصل حرام، وشك طرأ على أصل مباح، وشك لا يعرف أصله. فالأول: مثل: أن يجد شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس فلا تحل، حتى يعلم أنها ذكاةُ مسلم؛ لأن أصلها حرام، وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو كان الغالب فيها المسلمين جاز الأكل؛ عملًا بالغالب المفيد للطهورية.

стр. 37

والثاني: أن يجد ماء متغيرًا واحتمل تغيره بنجاسة، أو طول مكث، يجوز التطهير به عملًا بأصل الطهارة. والثالث: مثل معاملة من أكثر ماله حرام ولم يتحقق المأخوذ من ماله عين الحرام، فلا تحرم مبايعته لإمكان الحلال وعدم التحريم، ولكن يُكره خوفًا من الوقوع في الحرام، كذا في فتح القدير). ومن الأدلة على هذه القاعدة أيضًا: عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، ونحوها قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. وجاء في درر الحكام بشرح مجلة الأحكام (١): («اليقين لا يزول بالشك»: نعم لأن اليقين القوي أقوى من الشك، فلا يرتفع اليقين القوي بالشك الضعيف، أما اليقين فإنما يزول باليقين الآخر، فما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك، وما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. والشك لغة معناه: التردد. واصطلاحًا: تردد الفعل بين الوقوع وعدمه، أي: لا يوجد مرجح لأحد على الآخر، ولا يمكن ترجيح أحد الاحتمالين، أما إذا كان الترجيح ممكنًا لأحد الاحتمالين، والقلب غير مطمئن للجهة الراجحة أيضًا فتكون الجهة الراجحة في درجة الظن، والجهة المرجوحة في درجة الوهم، وأما إذا كان القلب يطمئن للجهة الراجحة فتكون (ظنًّا غالبًا)، والظن الغالب ينزل منزلة اليقين.

стр. 38

واليقين لغة: قرار الشيء، يقال: (يَقِن الماء في الحوض) بمعنى: استقر. واصطلاحًا: هو حصول الجزم أو الظنِّ الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه؟ وقد عرفه البعض بأنه: (هو علم الشيء المستتر عن نظر واستدلال). ويفهم من هذه الإيضاحات؛ أنه لا يوجد الشك في شيء عند وجود اليقين، ولا اليقين حيث يوجد الشك. إذ أنهما نقيضان، ولا يجوز اجتماع النقيضين. والقصد هنا بالشك إنما هو (الشك الطارئ) بعد حصول اليقين في الأمر. فاليقين السابق لا يزول بالشك الطارئ، وأنه لا يزول إلا بيقين مثله. مثال ذلك: إذا سافر رجل إلى بلاد بعيدة فانقطعت أخباره مدة طويلة، فانقطاع أخباره يجعل شكًّا في حياته، إلا أن ذلك الشكَّ لا يزيل اليقين، وهو حياته المتيقنة قبلًا، وعلى ذلك فلا يجوز الحكم بموته، وليس لورثته اقتسام تركته ما لم يثبت موته يقينًا. وبالعكس إذا سافر آخر بسفينة وثبت غرقُها فيحكم بموت الرجل؛ لأن موته ظنُّ غالب والظن الغالب كما تقدم بمنزلة اليقين. مثال آخر: لو أقر شخص بمبلغ لآخر قائلا أظن أنه يوجد لك بذمتي كذا مبلغ، فإقراره هذا لا يترتب عليه حكم؛ لأن الأصل براءة الذمة، والأصل هو المتيقن فما لم يحصل يقين يشغل ذمته لا يثبت المبلغ عليه للمقر له، إذ أن إقراره لم ينشأ منه عن يقين بل عن شك وظن، وهذا لا يزيل اليقين ببراءة ذمة المقر كما لا يخفى).

стр. 39

وعكس ذلك: من كان مدينًا لآخر بيقين، ثم شك في الأداء، فإن الدين لا يسقط ويلزمه أداؤه، لأن الشك لا يزيل اليقين (١). ولا يشترط في تحقق اليقين الاعتراف والتصديق، بل يتصور مع الجحود، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] (٢). ومن صور هذه القاعدة: (ما إذا كان إنسان يعلم أن بَكرًا مدينٌ لعمرو بألف مثلًا، فإنه يجوز له أن يشهد على بكر بالألف، وإن خامره الشك في وفائها، أو في إبراء الدائن له عنها، إذ لا عبرة للشك في جانب اليقين السابق. ومن ذلك: ما إذا كان يعلم أن العين الفلانية كانت ملك بكرٍ، ثم نازعه فيها أحد، فإنه يجوز له أن يشهد لبكر بأن العين ملكه، وإن كان يحتمل أنه باعها لمن ينازعه، لأن امتلاكه للعين يقين، ومنازعة غيره له فيها شك. ومن ذلك: ما لو ادعى زيد على عمرو ألفًا مثلًا، فأقام عمرو بينة على الأداء أو الإبراء، فأقام زيد أيضًا بينة على أن له عليه ألفًا، فإن بينةَ زيد هذه لا تقبل من غير أن يبرهن أن الألف المشهود عليها هي غير تلك الألف التي ادعى عمرو أداءها أو الإبراء عنها، لأن فراغ ذمة عمرو بعد البينة التي أقامها أصبح يقينًا، والألف التي أقام زيد عليها البينة مطلقة، فيحتمل أن تكون هي المرادةُ أو المبروءُ عنها، فلا تشغل ذمة عمرو بمجرد الشك، بعد التيقن بفراغها، ولأن الموجب والمسقط إذا اجتمعا يعتبر المسقط متأخرًا.

стр. 40

ومن ذلك: ما لو اشترى أحد شيئًا ثم ادعى أن به عيبًا وأراد ردَّه، واختلف التجار أهل الخبرة فقال بعضهم: هو عيب، وقال بعضهم: ليس بعيب، فليس للمشتري الردُّ، لأن السلامة هي الأصل المتيقن فلا يثبت العيب بالشك. ومن ذلك: ما لو طلق الرجل زوجته، وكانت ذات لبن، وتزوجت بآخر بعد عدتها، فحملت منه وأرضعت طفلًا في مدة الحمل، فإن لبنها لم يزل معتبرًا من الزوج الأول، فتثبت به حرمة الرضاع بالنسبة له، لأنه كان متيقنًا أن اللبن منه، فلا نحكم بأنه من الثاني بمجرد الشك الحاصل بسبب حبلها من الزوج الثاني، فإذا ولدت يحكم حينئذ بأن اللبن بعد الولادة من الثاني) (١). وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحتج بهذه القاعدة على فضل الصحابة وعدالتهم فيقول (٢): (ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر من محاسن الصحابة وفضائلهم، لا يجوز أن يدفع بنقولٍ بعضُها منقطع، وبعضها محرَّفٌ، وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد تيقنا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدق ذلك من المنقولات المتواترة من أدلة العقل، من أن الصحابة ﵃ أفضل الخلق بعد الأنبياء، فلا يقدح في هذا أمورٌ مشكوك فيها فكيف إذا علم بطلانُها؟!). (ولا يكاد يخفى على الناظر في هذه القاعدة الجليلة وتطبيقاتها ما تتضمن من التيسير ورفع الحرج من جهة تخليص المكلف من الشك الذي قد يقع له فيورث الحيرةَ والترددَ، وذلك ببيان الطريق إلى ذلك، وهو إلغاء ذلك الشك واعتباره في حكم المعدوم والعمل بما تيقنه أولًا.

стр. 41

ولا يعارض هذا الوجه من التيسير أنه قد يترتب عليه زيادة تكليف، كما إذا شك المصلي هل صلى ثلاثًا أو أربعًا في صلاة الرباعية؟ فإنه يجعلها ثلاثًا ويلزمه الإتيان برابعة؛ لأن مجرد دلالة المكلف على الطريق الذي يخرج بواسطته عن الشك والتردد يعدّ تيسيرًا ولو تضمن زيادة تكليف، ويدرك هذا -تمامًا- من كثرت شكوكُه وسيطر عليه التردد) (١).

стр. 42

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير يعني: أن الصعوبة التي تصادف في شيء تكون سببًا باعثًا على تسهيل وتهوين ذلك الشيء. وبعبارة أخرى يجب التوسيع وقت الضيق، حتى لا يقع الناس في الحرج والمشقة. ومن هنا كانت التسهيلات الشرعية بتجويز عقود القرض، والحوالة، والحجز، والوصية، والسلم، وإقالة البيع، والرهن، والإبراء، والشركة، والصلح، والوكالة، والإجارة، والمزارعة، والمساقاة، وشركة المضاربة، والعارية، والوديعة كلها مستندة على هذه القاعدة، وقد صار تجويزها دفعًا للمشقة وجلبًا للتيسير وتسمى: (رُخَصًا). وفي حديث أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: قال رسول الله ﷺ فِي الهِرَّةِ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» (١). وقد ذكر الشيخ السعدي ﵀ أن هذا الحديث يدل على هذه القاعدة العظيمة، فقال (٢): (وذلك أصل كبير من أصول الشريعة، من جملته: أن هذه الأشياء التي يشق التحرز منها طاهرة، لا يجب غسلُ ما باشرت بفيها أو يدها أو رجلها، لأنه علل ذلك بقوله: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، كما أباح الاستجمار في محل الخارج من السبيلين، ومسح ما أصابته النجاسة من النعلين

стр. 43

والخفين، وأسفل الثوب، وعفا عن يسير طين الشوارع النجس، وأبيح الدم الباقي في اللحم والعروق بعد الدم المسفوح، وأبيح ما أصابه فم الكلب من الصيد، وما أشبه ذلك مما يجمعه علة واحدة، وهي المشقة). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (ومن فوائد هذا الحديث: أن المشقة تجلب التيسير، وجهُه: أن الله تعالى رفع النجاسة عنها لمشقة التحرز منها، حيث إنها من الطوافين، ولو كانت نجسة وهي في البيت تشرب من الإناء، وتشرب من اللبن، وتأكل من الطعام لكان في ذلك مشقة. ومن فوائد هذا الحديث: أن النجاسات التي يشق التحرز منها معفوٌّ عنها، وذكر العلماء من ذلك: يسير الدم النجس غير الخارج من السبيلين يعفى عنه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: جميع النجاسات يعفى عن يسيرها مع مشقة التحرز منها، وما قاله ﵀ على القاعدة. فعلى هذا الذين يستخدمون الحمير؛ والحمار كما تعرفون أنه يبول ويروث أحيانًا، فإذا وقف وبال على أرض صلبة سيصيب صاحبه الرشاش، فيقول شيخ الإسلام ﵀: إن مثل هذا يعفى عنه لمشقة التحرز منه، وأخذَ القول من هذا التعليل؛ «إنها من الطوافين عليكم» (٢). تعريف الرخصة: تقدم أن التيسير المترتب على المشقة يسمى: رُخَصًا. والرخصة لغة: التوسع، واليسر، والسهولة.

стр. 44

وفي اصطلاح الفقهاء: هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناء على الأعذار مع قيام الدليل المحرم توسعًا في الضيق. مثال: إن بيع السلم بيع معدوم، وبما أن بيع المعدوم باطل، فكان من الواجب عدم تجويز هذا البيع، إلا أن احتياج الناس قبل الحصول على محصولاتهم للنقود، قد جوز هذا العقد تيسيرًا وتسهيلًا لهم. كذلك للتيسير والتسهيل قد منح للمشتري خيار الغبن والتغرير (١) وجوز سماع شهادة النساء في الأشياء التي لا يمكن اطلاع الرجال عليها. وجعل العقد الذي يحصل في البيع والإجارة والهبة والصلح على المال والإقرار والإبراء وتأجيل الدين وإسقاط الشفعة الناشئ عن إجبار وإكراه غير معتبر. وكذلك اكتفي بأن يشاهد المشتري كومة القمح أو الشعير بدلا من أن يشاهد كل قمحة أو شعيرة يشتريها حتى يزول حق خيار الرؤية؛ لأنه لو لزم أن يرى المشتري كل حبة من الكومة لاستوجب ذلك صعوبة في البيع والشراء. وكذلك اكتفي في الثياب برؤية الثوب من طرفه دون أن يراه المشتري جميعه، وكذلك جوز بيع الوفاء (٢) دفعًا لمماطلة المدين وتسهيلًا للدائن لأن يستوفي دينه. وجوز أيضًا خيار الشرط في البيع لمن له الخيار دفعًا للغرم الذي قد يحصل للبائع والمشتري بعد حصول البيع.

стр. 45

وجوز زواج المرأة بدون النظر إليها؛ لأنه لو لم يجز ذلك لامتنع الكثيرون عن تزويج بناتهم غيرة عليهن من رؤية الخاطبين. وجوز وشرع الطلاق للتسهيل والتوسيع على الناس؛ لأن بقاء الزوجية حال وجود النفور والكراهية بين الزوجين مشقة عظمى وبلية كبرى عليهما معًا. وجوزت الوصية ليتمكن الذي لم يوفق لعمل الخير في حياته من إجرائه بعد وفاته، وأخيرًا يجب أن يعلم أن المشقة تجلب التيسير إذا لم يوجد نصٌّ، وأما إذا وجد النصُّ، فلا يجوز العمل خلاف ذلك النصِّ بداعي جلب التيسير وإزالة المشقة (١). وقد عبر بعض الفقهاء عن هذه القاعدة بعبارة: (إذا ضاق الأمر اتسع). وقد عزا الخطابي هذه العبارة إلى الشافعي ﵁ عند كلامه على الذباب يقع في الماء القليل. ويقرب منها: (الضرورات تبيح المحظورات)، ومن ثم التيمم والمسح وصلاة المتنفل قاعدًا، والرخص جميعها، إسقاطًا وتخفيفًا (٢). قال السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (٣): (قول الشافعي ﵁: (إذا ضاق الأمر اتسع)، وقد أجاب بها في ثلاثة مواضع: أحدها: فيما إذا فقدت المرأة وليَّها في سفر، فولَّت أمرها رجلًا يجوز. قال يونس بن عبد الأعلى: قلت له: كيف هذا؟ قال: إذا ضاق الأمر اتسع.

стр. 46

الثاني: في أواني الخزف المعمولة بالسرجين؟ (١) أيجوز الوضوء منها؟ فقال: إذ ضاق الأمر اتسع حكاه في البحر. الثالث: حكى بعض شراح المختصر أن الشافعي ﵀، سئل عن الذباب يجلس على غائط، ثم يقع على الثوب فقال: إن كان في طيرانه ما يجف فيه رجلاه، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع). ومن معاني هذه القاعدة قولهم: (لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة) (٢). فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية، وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد سقط عنه، إذا قدر على بعضه وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه، وأمثلتها كثيرة جدًّا. وكذلك ما احتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم، والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد فلا أثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة، والمحظورات العارضة. والضرورة تقدر بقدرها، تخفيفًا للشر. فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها (٣). قال علاء الدين المرداوي ﵀ (٤): (ودليل هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، إشارة إلى ما خفف عن هذه

стр. 47

الأمة من التشديد على غيرهم، من الإصر ونحوه، وما لهم من تخفيفات أخر دفعًا للمشقة، كما قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]. وكذلك تخفيف الخمسين صلاة في الإسراء إلى خمس صلوات، وغير ذلك مما لا ينحصر. وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال في صفة نبينا ﷺ : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى في دعائهم: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وغير ذلك. وقال النبي ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة» (١)، وقال ﷺ : «أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة» (٢)، في أحاديث وآثار كثيرة (٣). ويدخل تحت هذه القاعدة: أنواع من الفقه، منها في العبادات: التيمم عند مشقة استعمال الماء على حسب تفاصيل في الفقه، والقعود في الصلاة عند مشقة القيام وفي النافلة مطلقًا، وقصر الصلاة في السفر، والجمع بين الصلاتين، ونحو ذلك. ومن ذلك: رخص السفر وغيرها.

стр. 48

ومن التخفيفات أيضًا: أعذار الجمعة والجماعة، وتعجيل الزكاة، والتخفيفات في العبادات لا تكاد تنحصر، وهي في المعاملات كثيرة جدًّا، وفي المناكحات، والجنايات، وفي كتاب القضاء. ومن التخفيفات المطلقة: فروض الكفايات وسننها، والعمل بالظنون لمشقة الاطلاع على اليقين، إلى غير ذلك). وقد ذكر أبو عبد الله الزركشي ﵀ في تشنيف المسامع بجمع الجوامع صورًا كثيرة لهذه القاعدة فقال (١): (فهذه القاعدة داخلة أيضًا في العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات: ففي العبادات: كون الصلوات خمسًا فقط، وتفريقها على الأوقات، وإباحة القصر والجمع فيها للمسافر، واغتفار الفعل الفاحش في الصلاة للخائف، وكيف أمكنه في حالة شدة الخوف، وإسقاطها بالأعذار من حيض أو صِبا أو جنون، واشتراط الطهارة فيها عن نجاسة تفحُش لا غير، والاكتفاء فيها بالتطهير برشٍّ في بول صبي، أو إبقاء أثر إذا عسِر زواله، واشتراط الوضوء في الأعضاء الأربعة دون جميع البدن، وعند الحدث لا عند كل صلاة، وإقامة التراب بدل الماء في مواضعه، ومسح الخف والرأس مقام الغسل، وأحكام الحيض والاستحاضة، وجعل المطهر الماء العام الموجود المتيسر الحصول، وعدم تنجيسه ببعض النجاسات، وعدم إفساده ببعض المغسولات والمغيرات، وإعادة الطهورية إليه بعد سلبها باستعمال أو تنجس أو غير ذلك، والاكتفاء في القبلة بمجتهد البلد ومحاريب المسلمين وعدم اعتبارها في حق العاجز والخائف، ومسافر يتنفل.

стр. 49

والعفو عن بعض الأفعال والأقوال، والاكتفاء بما يستطاع في أركان الصلاة، وشروطها في الخوف والأمن وإسقاط الأعذار للجمعة والجماعة. والاستسقاء والكسوفين دون إيجابها، وجعل الجنازة فرض كفاية، كل ذلك تيسيرٌ جلَبَه مشقةُ ما سوى ذلك. وتقريره تعالى نصب الزكوات مع اشتراط الحول، والسوم، وتقليل الواجب ورعاية العشر ونصفه، واعتبار المتمكن للأداء والضمان، وما يعفى عنه من خيل ورقيق وعقار وغير ذلك، وتعيين الأصناف المستحقين، وتجويز التعجيل والتوكُّل. واستحباب صدقة التطوع الشاق تركها على سخي أو متقرب إلى الله تعالى، أو رقيق القلب رحمة من غير تقييد بجنس ولا قدر ولا مصرف ولا زمان ولا مكان. وتقديره الصيام بشهر، وإلى الليل فقط، والعفو عما يشق وإباحة الفطر بالعذر واستحباب صيام التطوع، وكونه بنية من النهار وإباحة الخروج منه لمن يشاء، وتوسيع القضاء وفدية لحواملهم ونحوه.

стр. 50

وتقديره تعالى وجوب الحج بالاستطاعة والمواقيت بأماكنها المقاربة للحرم، وتقليل الأعمال، وتوسيع وجوبه، وتجويز النيابة فيه، وإباحة محظوراته بالعذر، وتقدير كفاراته، وتجويز التحلل بالإحصار والفوات وشبهه. وإيجابه تعالى الجهاد على الكفاية، وفي السنة كلها مرة واحدة، وتجويز المتحرف للقتال والتحيز إلى فئة، والفرار لأكثر من الضعف وإحلال الغنائم، وقبول الجزية ونحوه. وعفوه تعالى عن لغو اليمين وتكفيرها قبل الحنث، والتخيير بينها وبين المنذور لجاجًا. واستحبابه تعالى العتق والتدبير والكتابة من غير وجوب ولا تحريم، وإباحته تعالى الطيبات والتشبع منها، وإباحة الذبائح من كل مناكح ونحوه، وأنواع الصيد. وأما الأموال: فإحلال الله تعالى البيع من غير إيجاب له، وإطلاقه في الأماكن والأزمان، وإثبات الخيار فيه، ثم جعله لازمًا، وإباحة الردِّ بالعيب وخلف الشرط، وتأجيل الثمن في أي جنس، وبأي قدر، والنهي عن العقود المؤدية وإباحة العرايا (١) والقرض، والسلم والحوالة والرهن والصلح، والضمان وإحلاله الإجارة والعارية وتجويز عقد الإرفاق، وجعلها غير لازمة، كالوكالة والقراض والشركة العارية والوديعة. وشرعية الأوقاف والهبات والهدايا والمواريث والوصايا، وإحياء الموات واللقطة، ومن ذلك الشفعة والقسمة وما يوهم ضررًا. وأما النكاح: فإباحته من غير إيجاب وإطلاقه في غير المحارم، وتجويز مثنى وثلاث ورباع ومن غير معاينة، وإطلاق الاستمتاع فيه، وتفويضه للأولياء، وتقرير أنكحة الكفار، وتجويز فسخه بأسباب الفسخ، وإطلاق الصداق في الجنس والقدر وتشطيره، وإسقاطه بالمفارقة، وإيجاب القسم وحسن المعاشرة، وإباحة الخلع والطلاق والرجعة ومطالبة الولي، وتحريم الظهار،

стр. 51

وإعادة الحل للمظاهر بالكفارة، وإيجاب النفقات وجعلها على الموسر قدره وعلى المقتر قدره. وأما الجنايات: فبالعصمة في غير العمد المحض، ورعاية المماثلة، وتحريم المثلة، وتجويز العفو وقتال البغاة. والإعلام بأنه تعالى لم يجعل شفاء فيما حرم، وإنما الخمر داء، وأن التعريض ليس بقذف. وجعل الإمامة والقضاء على الكفاية، واعتماد الظاهر ولو بالاجتهاد وإثابة من أخطأ دون تأثيمه ورد شهادة المتهم وقبول غيرها، واليمين مع الشاهد، ورجل مع امرأتين والنسوة الخلص في مواطن الحاجة، وأمثلة ذلك كثيرة). وأحسن جلال الدين السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (١) الكلام عن هذه القاعدة وذكر الأسباب التي تدعو إلى استعمالها فقال: (واعلم أن أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعة: الأول: السفر: قال النووي: ورُخَصُه ثمانية، منها: ما يختص بالطويل قطعًا وهو القَصر والفطر والمسح أكثر من يوم وليلة. ومنها: ما لا يختص به قطعًا، وهو ترك الجمعة وأكل الميتة. ومنها: ما فيه خلاف، والأصح اختصاصُه به (٢) وهو الجَمع. ومنها: ما فيه خلاف، والأصح عدم اختصاصه به، وهو التنفل على الدابة وإسقاط الفرض بالتيمم.

стр. 52

واستدرك ابن الوكيل رخصةً تاسعة، صرح بها الغزالي وهي: ما إذا كان له نسوة وأراد السفر، فإنه يقرع بينهن، ويأخذ من خرجت لها القرعة، ولا يلزمه القضاء لضراتها إذا رجع. الثاني: المرض: ورخصه كثيرة: التيمم عند مشقة استعمال الماء، وعدم الكراهة في الاستعانة بمن يصب عليه أو يغسل أعضاءه، والقعود في صلاة الفرض وخطبة الجمعة والاضطجاع في الصلاة. والإيماء والجمع بين الصلاتين وهو المختار، والتخلف عن الجماعة والجمعة مع حصول الفضيلة كما تقدم، والفطر في رمضان وترك الصوم للشيخ الهرم مع الفدية، والانتقال من الصوم إلى الإطعام في الكفارة. والخروج من المعتكف وعدم قطع التتابع المشروط في الاعتكاف، والاستنابة في الحج وفي رمي الجمار، وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية، والتحلل على وجه، فإن شرطه فعلى المشهور. الثالث: الإكراه. الرابع: النسيان. الخامس: الجهل. السادس: العسر وعموم البلوى: كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها، كدم القروح والدمامل والبراغيث، والقيح والصديد، وقليل دم الأجنبي وطين الشارع، وأثر نجاسة عسِر زواله، وذرق الطيور (١) إذا عم في المساجد والمطاف وما يصيب الحب في الدوس من روث البقر وبوله.

стр. 53

ومن ذلك: العفو عما لا يدركه الطرفُ وما لا نفس له سائلة (١)، وريق النائم، وفم الهرة. ومن ذلك: مشروعية الاستجمار بالحجر وإباحة الاستقبال والاستدبار في قضاء الحاجة في البنيان. وجواز المسح على العمامة لمشقة استيعاب الرأس، ومسح الخف في الحضر لمشقة نزعه في كل وضوء، ومن ثم وجب نزعه في الغسل لعدم تكرره. وأنه لا يحكم على الماء بالاستعمال ما دام متردّدا على العضو، ولا يضره التغيير بالمكث والطين والطحلب وكل ما يعسر صونه عنه، وإباحة الأفعال الكثيرة والاستدبار في صلاة شدة الخوف، وإباحة النافلة على الدابة في السفر وفي الحضر على وجهٍ، وإباحة القعود فيهما مع القدرة، وكذا الاضطجاع والإبراد بالظهر في شدة الحر، ومن ثم لا إبراد بالجمعة لاستحباب التبكير إليها. والجمع في المطر، وترك الجماعة والجمعة بالأعذار المعروفة وعدم وجوب قضاء الصلاة على الحائض لتكررها بخلاف الصوم وبخلاف المستحاضة لندرة ذلك، وأكل الميتة ومال الغير مع ضمان البدل إذا اضطُر، وأكل الولي من مال اليتيم بقدر أجرة عمله إذا احتاج، وجواز تقديم نية الصوم على أوله، ونية صوم النفل بالنهار، وإباحة التحلل من الحج بالإحصار والفوات، ولبس الحرير للحكة والقتال، وبيع نحو الرمان والبيض في قشره، والموصوف في الذمة وهو السلم، مع النهي عن بيع الغرر. ومشروعية الخيار لما كان البيع يقع غالبا من غير ترَوٍّ ويحصل فيه الندم فيشق على العاقد، فسهل الشارع ذلك عليه بجواز الفسخ في مجلسه، وشرع له

стр. 54

أيضًا شرطه ثلاثة أيام، ومشروعية الرد بالعيب، والتحالف، والإقالة والحوالة، والرهن، والضمان والإبراء، والقرض، والشركة، والصلح، والحجر، والوكالة، والإجارة، والمساقاة، والمزارعة، والقراض، والعارية، الوديعة للمشقة العظيمة في أن كل أحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه، ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه، ولا يأخذه إلا بكماله، ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه، فسهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير، بطريق الإجارة أو الإعارة أو القراض، وبالاستعانة بالغير وكالة، وإيداعًا، وشركة وقراضًا ومساقاة، وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثق على الدين برهن وضامن وكفيل وحجر، وبإسقاط بعض الدين صلحًا، أو كله إبراء. ومن التخفيف: جواز العقود الجائزة؛ لأن لزومها يشق، ويكون سببًا لعدم تعاطيها ولزوم اللازم، وإلا لم يستقر بيع ولا غيره. ومنه: إباحة النظر عند الخطبة، وللتعليم، والإشهاد والمعاملة والمعالجة وللسيد. ومنه: جواز العقد على المنكوحة من غير نظر، لما في اشتراطه من المشقة التي لا يحتملها كثير من الناس في بناتهم وأخواتهم من نظر كل خاطب فناسب التيسير لعدم اشتراطه، بخلاف المبيع فإن اشتراط الرؤية فيه لا يفضي إلى عسر ومشقة. ومنه: إباحة أربع نسوة فلم يقتصر على واحدة تيسيرًا على الرجال وعلى النساء أيضًا لكثرتهن ولم يزد على أربع لما فيه من المشقة على الزوجين في القسم وغيره. ومنه: مشروعية الطلاق، لما في البقاء على الزوجية من المشقة عند التنافر، وكذا مشروعية الخلع والافتداء والفسخ بالعيب ونحوه، والرجعة في العدة لما كان الطلاق يقع غالبًا بغتة في الخصام والجرح ويشق عليه التزامه فشرعت له

стр. 55

الرجعة في تطليقتين: ولم تشرع دائمًا لما فيه من المشقة على الزوجة إذا قصد إضرارها بالرجعة والطلاق كما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ. ومنه: مشروعية الإجبار على الوطء أو الطلاق في المولي. ومنه: مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيرًا على المكلفين لما في التزام موجب ذلك من المشقة عند الندم. وكذا مشروعية التخيير في كفارة اليمين لتكرره بخلاف كفارة الظهار والقتل والجماع لندرة وقوعها، ولأن المقصود الزجر عنها. ومشروعية التخيير في نذر اللجاج: بين ما التزم والكفارة لما في الالتزام بالنذور لجاجًا من المشقة. ومنه: مشروعية التخيير بين القصاص والدية تيسيرًا على هذه الأمة على الجاني والمجني عليه، وكان في شرع موسى صلى الله عليه وآله القصاص متحتمًا ولا دية. وفي شرع عيسى صلى الله عليه وآله الدية ولا قصاص. ومنه: مشروعية الكتابة، ليتخلص العبد من دوام الرقِّ لما فيه من العسر، فيرغب السيد الذي لا يسمح بالعتق مجانًا، بما يبذل له من النجوم. ومنه: مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط منه في حال الحياة وفسح له في الثلث دون ما زاد عليه دفعًا لضرر الورثة، فحصل التيسير ودفع المشقة في الجانبين. ومنه: إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن ولو كلفوا الأخذ باليقين لشق وعسر الوصول إليه. فقد بان بهذا أن هذه القاعدة يرجع إليها غالب أبواب الفقه.

стр. 56

السابع: النقص: فإنه نوع من المشقة إذ النفوس مجبولة على حب الكمال، فناسبه التخفيف في التكليفات. فمن ذلك: عدم تكليف الصبي، والمجنون، وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال: كالجماعة، والجمعة، والجهاد والجزية، وتحمل العقل، وغير ذلك وإباحة لبس الحرير، وحل الذهب، وعدم تكليف الأرقاء بكثير، مما على الأحرار، ككونه على النصف من الحر في الحدود والعدد وغير ذلك). فوائد تتعلق بهذه القاعدة: وهذه الفوائد ذكرها الإمام السيوطي ﵀ في كتاب الأشباه والنظائر (١)، وهي مما يضبط هذه القاعدة، ويحدد طرق ومسارات استخدامها. الفائدة الأولى: أقسام المشقة: وقد قسم السيوطي ﵀ المشقة إلى قسمين: القسم الأول: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالبًا، كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل الجناة، فلا أثر لهذه في إسقاط العبادات في كل الأوقات. القسم الثاني: المشقة التي لا تنفك عنها العبادات غالبًا، فهذه على مراتب: الأولى: مشقة عظيمة فادحة: كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف ومنافع الأعضاء فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعًا؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة، أو عبادات يفوت بها أمثالها.

стр. 57

الثانية: مشقة خفيفة لا وقع لها، كأدنى وجع في إصبع، وأدنى صداع في الرأس، أو سوء مزاج خفيف، فهذه لا أثر لها، ولا التفات إليها، لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها. الثالثة: متوسطة بين هاتين المرتبتين. فما دنا من المرتبة العليا، أوجب التخفيف، أو من الدنيا، لم يوجبه كحُمَّى خفيفة ووجع الضرس اليسير، وما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه ولا ضبط لهذه المراتب، إلا بالتقريب. الفائدة الثانية: أنواع تخفيفات الشرع: قال الشيخ عز الدين: تخفيفات الشرع ستة أنواع: الأول: تخفيف إسقاط، كإسقاط الجمعة والحج، والعمرة، والجهاد بالأعذار. الثاني: تخفيف تنقيص، كالقصر. الثالث: تخفيف إبدال، كإبدال الوضوء، والغسل بالتيمم، والقيام في الصلاة بالقعود والاضطجاع، أو الإيماء، والصيام بالإطعام. الرابع: تخفيف تقديم، كالجَمْع، وتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر في رمضان، والكفارة على الحنث. الخامس: تخفيف تأخير، كالجمْع، وتأخير رمضان للمريض والمسافر، وتأخير الصلاة في حق مشتغل بإنقاذ غريق، أو نحوه من الأعذار الآتية. السادس: تخفيف ترخيص، كصلاة المستجمر، مع بقية النجوِ، وشرب الخمر للغصةِ، وأكل النجاسة للتداوي، ونحو ذلك.

стр. 58

واستدرك العلائي سابعًا: وهو: تخفيف تغيير، كتغير نظم الصلاة في الخوف. الفائدة الثالثة: أقسام الرخص: الرخص أقسام: ما يجب فعلُها: كأكل الميتة للمضطر، والفطر لمن خاف الهلاك بغلبة الجوع والعطش وإن كان مقيمًا صحيحًا، وإساغة الغُصَّة بالخمر. وما يندب: كالقصر في السفر والفطر لمن يشق عليه الصوم في سفر، أو مرض، والإبراد بالظهر، والنظر إلى المخطوبة. وما يباح: كالسلم. وما الأولى تركها: كالمسح على الخف، والجمع والفطر لمن لا يتضرر، والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل، وهو قادر عليه. وما يكره فعلها: كالقصر في أقل من ثلاثة مراحل). وينبغي أن يعلم أن هذا التيسير ينبغي أن تكون أتت به الشريعة لا عن الهوى، وإلا لتعطلت الكثير من الأحكام بدعوى المشقة، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): (المشقة تجلب التيسير، ولكن التيسير في حدود الشريعة، فليس كل ما شقَّ جاز أن ييسَّر وإلا لقلنا: إن الربا يجوز إذا دعا ضعف الاقتصاد إليه وما أشبه ذلك، لكن نقول: المشقة تجلب التيسير في حدود الشريعة، بمعنى: أن الشريعة تلاحظ المشقة فتيسر).

стр. 59

القاعدة الرابعة: الضرر يزال وأصلها قوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١). قال ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم (٢): (واختلفوا: هل بين اللفظين -أعني: الضر والضرار- فرق أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أن بينهما فرقًا، ثم قيل: إن الضرر هو الاسم، والضرار الفعل، فالمعنى: أن الضرر نفسه منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك. وقيل: الضرر: أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل على غيره ضررًا بلا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع، ورجح هذا القول طائفة، منهم ابن عبد البر، وابن الصلاح. وقيل: الضرر: أن يضر بمن لا يضره، والضرار: أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز. وبكل حال فالنبي ﷺ إنما نفى الضرر والضرار بغير حق.

стр. 60

فأما إدخال الضرر على أحد بحقٍّ، إما لكونه تعدى حدود الله، فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطعا، وإنما المراد: إلحاق الضرر بغير حق). وقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١): (فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقَّاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به). وقولهم: (الضرر يزال): أي: تجب إزالته، لأن الإخبار في كلام الفقهاء للوجوب (٢)، فيجب رفع الضرر بعد وقوعه، وهذه إحدى القواعد بشأن الضرر، من حظر وقوعه، ووجوب إزالته بعد الوقوع (٣). ومن فروع هَذِه الْقَاعِدَة: شرع الزواجر من الْحُدُود، وَالضَّمان، وردُّ المغصوب مَعَ قيام عينه، وضمانُه بالتلف، وارتكابُ أخف الضررين، والتطليق بالإضرار والإعسار، وَمنع الْجَار من إِحْدَاث مَا يضر بجاره وَنَحْو ذَلِك (٤). فهذه القاعدة أيضًا كثيرة التوغل في أبواب الفقه كالحدود، فهي لدفع الضرر عن الضروريات الخمسِ المعتبرة بالإجماع (٥). قال علاء الدين المرداوي ﵀ في التحبير شرح التحرير (٦): (وهذه

стр. 61

القاعدة فيها من الفقه ما لا حصر له، ولعلها تتضمن نصفَه، فإن الأحكام إما لجلب المنافع أو لدفع المضار، فيدخل فيها دفع الضروريات الخمس التي هي: حفظ الدين، والنفس، والنسب، والمال، والعرض، كما سبق ذلك وشرحه، وغير ذلك). وهذه القاعدة ترجع إلى تحصيل المقاصد، وتقريرها بدفع المفاسد أو تخفيفها. وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف ﵀ (١): (وهذا بيان المبادئ الخاصة بدفع الضرر، وأمثلة مما تفرع على كل مبدأ منها: ١ - الضرر يزال شرعًا: من فروعه: ثبوتُ حقِّ الشفعة للشريك أو الجار، وثبوت الخيار للمشتري في ردِّ المبيع بالعيب وسائر أنواع الخيارات، والجبر على القسمة إذا امتنع الشريك، ووجوب الوقاية والتداوي من الأمراض، وقتل الضار من الحيوان، وتشريع العقوبات على الجرائم من حدود وتعازير وكفارات. ٢ - الضرر لا يزال بالضرر: من فروعه: لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره، ولا يجوز للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر. ٣ - يُتحمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: من فروعه: يقتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم، تقطع اليد لتأمين الناس على أموالهم، يهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام، يحجز على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل،

стр. 62

والمكاري المفلس، يباع مال المدين جبرًا عنه إذا امتنع عن بيعه وأداءِ دينه، تسعَّر أثمان الحاجياتِ إذا غلا أربابها في أثمانِها، يباع الطعام جبرًا على مالكه، إذا احتكر واحتاج الناس إليه وامتنع من بيعه، يُمنع اتخاذُ حانوت حداد بين تجار الأقمشة. ٤ - يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما: من فروعه: يحبس الزوج إذا ماطل في القيام بنفقة زوجته، يحبس القريب إذا امتنع عن الإنفاق على قريبه، وتطلق الزوجة للضرر وللإعسار، إذا اضطر المريض إلى تناول الميتة أو مال الغير تناوله، إذا عجز مريض الصلاة عن التطهير، أو ستر العورة أو استقبال القبلة صلى كما قدر؛ لأن ترك هذه الشروط أخف من ترك الصلاة. ٥ - دفعُ المضار مقدم على جلب المنافع: ولذا جاء في الحديث: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (١). ومن فروعه: يمنع أن يتصرف المالك في ملكه إذا كان تصرفه يضر بغيره، يكره للصائم أن يبالغ في المضمضة، أو الاستنشاق. ٦ - الضرورات تبيح المحظورات: من فروعه: من اضطر في مخمصة إلى ميتة أو دم أو أي محرم فلا إثم عليه في تناوله، من لم يستطع الدفاع عن نفسه إلا بالإضرار بغيره فلا إثم عليه في الدفاع به، من امتنع من أداء دينه يؤخذ الدين من ماله بغير إذنه. ٧ - الضرورات تقدَّر بقدرها: من فروعه: ليس للمضطر أن يتناول من المحرم إلا قدر ما يسدُّ الرَّمق، ولا يعفى من النجاسة إلا القدر الذي لا يمكن الاحتراز عنه، وأحكام الرخص تبطل إذا زالت أسبابها، فالتيمم يبطل إذا تيسر التطهر بالماء، والفطر يحرم في رمضان إذا أقام المسافر الصحيح، وكل ما جاز لعذر يبطل بزواله).

стр. 63

أنواع الضرر المذموم: قال ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم (١): (إن الضرر المنهي عنه وهو الضرر بغير حق وهو على نوعين: أحدهما: ألّا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع: منها في الوصية، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وفي حديث أبي هريرة المرفوع: «إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره الموت، فيضار في الوصية، فيدخل النار»، ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ … إلى قوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٣، ١٤]، وقد خرجه الترمذي وغيره بمعناه (٢). وقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا هذه الآية (٣). والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخصَّ بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له، فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النبي ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ» (٤).

стр. 64

وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث، فتنقص حقوق الورثة، ولهذا قال النبي ﷺ : «الثلث والثلث كثير» (١). ومتى وصَّى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصَّى به إلا بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارة أو لم يقصد. وأما إن قصد المضارَّةَ بالوصية لأجنبي بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارة، وهل تُرَدُّ وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا؟ حكى ابن عطية رواية عن مالك أنها تُرد، وقيل: إنه قياس مذهب أحمد. ومنها: الرجعة في النكاح، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة، فإنه آثم بذلك، وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصرِ الطلاق في ثلاث يُطلق الرجل امرأته، ثم يتركها حتى يقارب انقضاءَ عدتها، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويفعل ذلك أبدًا بغير نهاية، فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسَكة، فأبطل الله ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات. ومنها: في الإيلاء، فإن الله جعل مدة المُؤلي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناعه من وطء زوجته، فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء، كان ذلك توبته، وإن أصرَّ على الامتناع لم يمكَّن من ذلك، وفيه قولان للسلف والخلف:

стр. 65

أحدهما: أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة. والثاني: أنه يوقف، فإن فاء، وإلا أمر بالطلاق، ولو ترك الوطء لقصد إضرار بغير يمين مدة أربعة أشهر، فقال كثير من أصحابنا: حكمُه حكم المؤلي في ذلك، وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد. وكذا قال جماعة منهم: إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر، ثم طلبت الفرقة فرق بينهما؛ بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب. واختلفوا: هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟ ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر، فإنه يفسخ نكاحُه، مع اختلافهم في تقدير المدة. ولو أطال السفر من غير عذر، وطلبت امرأته قدومه، فأبى، فقال مالك وأحمد وإسحاق: يفرقُ الحاكم بينهما، وقدره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين. ومنها في الرضاع، قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال مجاهد في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. قال: لا يَمنع أمَّه أن ترضعه ليحزنَها، وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان والسدي وغيرهم: إذا رضيت ما يرضى به غيرها، فهي أحقُّ به، وهذا هو المنصوص عن أحمد، ولو كانت الأم في حبال الزوج. وقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله منعُها من إرضاعه، إلا ألّا يمكن ارتضاعُه من غيرها، وهو قول الشافعي وبعض أصحابنا، لكن إنما يجوز ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة للاستمتاع، لا مجرد إدخال الضرر عليها.

стр. 66

وقوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لزم الأب إجابتُها إلى ذلك، وسواء وجد غيرها أو لم يوجد، هذا منصوص الإمام أحمد. فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة، ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل، لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلبت، لأنها تقصد المضارة، وقد نصَّ عليه الإمام أحمد. ومنها في البيع، قد ورد النهي عن بيع المضطر (١). وقال عبد الله بن معقل: بيع الضرورة ربا. وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه (٢)، فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإن كان المشتري مسترسلًا لا يحسن أن يماكس، فباعه بغبن كثير، لم يجز أيضًا. قال أحمد: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنَه فيما لا يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يساوي درهما بخمسة، ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ بذلك.

стр. 67

ولو كان محتاجًا إلى نقد، فلم يجد من يقرضه، فاشتري سلعة بثمن إلى أجل في ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة، ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولان للسلف، ورخص أحمد في رواية، وقال في رواية: أخشى أن يكون مضطرًّا؛ فإن باع السلعة من بائعها له، فأكثر السلف على تحريم ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. ومن أنواع الضرر في البيوع: التفريق بين الوالدة وولدها في البيع، فإن كان صغيرًا، حرم بالاتفاق، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (١)، فإن رضيت الأم بذلك، ففي جوازه اختلاف، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًّا، وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال. والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في مُلكه بما فيه مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرًا له، فيتضرر الممنوع بذلك. فأما الأول: وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره، فإن كان على غير الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارًا في يوم عاصف، فيحترق ما يليه، فإنه متعدٍّ بذلك، وعليه الضمان، وإن كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء قولان مشهوران:

стр. 68

أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور. فمن صور ذلك: أن يفتح كُوَّةً في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناء عاليًا يشرف على جاره ولا يستره، فإنه يُلزم بستره، نصَّ عليه أحمد، ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي، قال الروياني منهم في كتاب الحلية: يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنت، وقصد الفساد، قال: وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر. وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا حديثًا طويلًا في حق الجار، وفيه: «ولا يستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه الريح إلا بإذنه» (١). ومنها: أن يحفر بئرًا بالقرب من بئر جاره فيذهب ماؤها، فإنها تطمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد. ومنها: أن يحدث في ملكه ما يضر بملك جاره من هزٍّ أو دقٍ ونحوهما، فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحد الوجوه للشافعية. وكذا إذا كان يضرُّ بالسكان، كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك. ومنها: أن يكون له ملك في أرض غيره، ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنه يجبر على إزالته ليندفعَ به ضررُ الدخول، وخرج أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه حدث سمرة بن جندب أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة

стр. 69

يدخل إلى نخله، فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي ﷺ أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا أمرًا رغبه فيه، فأبى، فقال: أنت مضارٌّ، فقال النبي ﷺ للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله» (١)، وقد روي عن أبي جعفر مرسلًا. قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث: كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر، يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا أجبره السلطان، ولا يضر بأخيه في ذلك، فيه مرفق له. وأما الثاني: -وهو منع الجار من الانتفاع بملكه، والارتفاق به- فإن كان ذلك يضر بمن انتفع بملكه، فله المنع كمن له جدارٌ واهٍ لا يحتمل أن يُطرح عليه خشب، وأما إن لم يضر به، فهل يجب عليه التمكين، ويحرم عليه الامتناع أم لا؟ فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في ملكه، وإن أضر بجاره، قال هنا: للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه، ومن قال هناك بالمنع، فاختلفوا هاهنا على قولين: أحدهما: المنع هاهنا وهو قول مالك. والثاني: أنه لا يجوز المنع، وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار دار جاره، ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وعبد الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة.

стр. 70

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره»، قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم (١). وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يُجري ماء جاره في أرضه، وقال: لتمرنَّ به ولو على بطنك (٢). وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قني في باطن أرضه، نقله عنه حرب الكرماني. ومما ينهى عن منعه للضرر منع الماء والكلأ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ» (٣). وفي سنن أبي داود (٤): أن رجلًا قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: «الماء» قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الملح» قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «أن تفعل الخير خير لك». وفيه أيضًا أن النبي ﷺ ، قال: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ» (٥).

стр. 71

وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقًا، سواء قيل: إن الماء لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانًا بغير عوض للشرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذله للزروع. وأما النهي عن منع النار، فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار، وهو بعيد، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها لمن يستدفئ بها، أو ينضج عليها طعاما ونحوه، لم يبعد. وأما الملح فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة، فإن الملح من المعادن الظاهرة، لا يُملك بالإحياء ولا بالإقطاع، نصَّ عليه أحمد. وفي سنن أبي داود (١): أن النبي ﷺ أقطع رجلًا الملح، فقيل له: يا رسول الله، إنه بمنزلة الماء العِدِّ (٢)، فانتزعه منه. ومما يدخل في عموم قوله ﷺ : «لا ضرر»: أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم ألبتة، فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضًا.

стр. 72

ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، وأمر بالفدية. وفي المسند (١) عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة». ومن حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: «إني أرسلت بحنيفية سمحة» (٢). ومن هذا المعنى ما في الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ : رأى رجلًا يمشي، قيل: إنه نذر أن يحج ماشيًا، فقال: «إن الله لغني عن مشيه، فليركب»، وفي رواية: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» (٣). وفي السنن عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال النبي ﷺ : «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا فلتركب» (٤). وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكل حال، وهو رواية عن أحمد والأوزاعي.

стр. 73

وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعي. وقيل: بل عليه -مع ذلك- كفارة يمين، وهو قول الثوري وأحمد في رواية. ومما يدخل في عمومه أيضًا: أن من عليه دين لا يطالب به مع إعساره، بل ينظر إلى حال إيساره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وعلى هذا جمهور العلماء خلافًا لشريح في قوله: إن الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية. والجمهور أخذوا باللفظ العام، ولا يكلف المدين أن يقضي مما عليه في خروجه من ملكه ضرر، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد).

стр. 74

القاعدة الخامسة: العادة محكَّمة العادة: هي اطرادُ وقوع الشيء دائمًا، أو في وقت دون وقت: فالأول: كدوران الشمس والنجوم في أفلاكها، كما قال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]. والثاني: كطلوعها من المشرق، وغروبها في المغرب، وكوقوع المطر في الشتاء، وزيادة نيل مصر في أيامه، وأشباه ذلك، حتى لو قال قائل: دليل نبوتي أن الشمس لا تطلع اليوم من المشرق، أو أنها لا تغرب في المغرب، بل تجول في أطراف الفلك ونحو ذلك، فوقع الأمر كما قال، لدلَّ ذلك على صدقه، وما ذاك إلا لانخراق العادة المطردةِ على يديه (١). يعني: أن العادة عامة كانت أو خاصة تُجعل حَكَمًا لإثبات حكم شرعي لم ينص على خلافه بخصوصه، فلو لم يرِد نصٌّ يخالفها أصلا، أو ورد ولكن عامًّا، فإن العادة تعتبر (٢). فقولهم: العادة محكَّمة: أي: معمولٌ بها شرعًا. (يعني الفقهاء بهذه القاعدة: أنه يُرجع في تحديد المراد من بعض الألفاظ الشرعية، والألفاظ التي يتعامل بها الناس، وبناء الأحكام الشرعية عليها إلى عادة الناس وما تعارفوا عليه، وذلك إذا لم يرد الشرعُ بتحديده، ولم يتضمن المعنى اللغوي للفظ تحديدًا وتقديرًا له. قال السبكي: واشتهر عند الفقهاء أن ما

стр. 75

ليس له ضابط في اللغة ولا في الشرع يُرجع فيه إلى العرف، وعند الأصوليين أن العرف مقدم على اللغة. وقيدت العادة المعتبرة بألَّا تخالف نصًّا شرعيًّا، وبأن تطَّردُ وتغلبُ، وقيد العرف بأن يكون سابقًا لإنشاء التصرف، أو مقارنًا له، واشترط بعضهم أن يكون العرف عامًّا كما اشترط فيه -فيما يجري بين الناس من المعاملات- ألا يُصرّح بخلافه) (١). دليل القاعدة: أشار الفقهاء والأصوليون إلى حديث: «ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن»، لكنه لا يصحّ، وليس له إسناد (٢)، وإنما هو منقولٌ عن ابن مسعود موقوفًا عليه (٣).
следующие страницы →