← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وبنو نوفل بن عبد مناف: منهم جبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل الصحابي المشهور، وأبوه مطعم هو الّذي نوّه به النبيّ ﷺ يوم الطائف ومات قبل بدر، وطعيمة بن عديّ قتل يوم بدر كافرا، ومولاه وحشي هو الّذي قتل يوم أحد حمزة بن عبد المطّلب. وبنو المطّلب بن عبد مناف منهم قيس بن مخرمة بن المطّلب صحابي، وابنه عبد الله بن قيس مولى يسار جد محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، ومسطح وهو عوف بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب أحد من تكلم بالإفك وهو ابن خالة أبي بكر الصدّيق، وركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطّلب كان من أشدّ الرجال، وصارعه رسول الله ﷺ فصرعه وكانت آية من آياته. والسائب بن عبد يزيد وكان يشبه رسول الله ﷺ وأسر يوم بدر ومن عقبه الشافعيّ محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب. وأمّا بنو هاشم بن عبد مناف فسيّدهم عبد المطلب بن هاشم، ولم يذكر من عقبه إلّا عقب عبد المطلب هذا، وكان بنوه عشرة عبد الله أبو النبيّ ﷺ وهو أصغرهم، وحمزة، والعبّاس وأبو طالب، والزبير، والمقوّم ويقال اسمه الغيداق، وضرار وحجل، وأبو لهب، وقثم والزبير لا عقب لهما. وعقب حمزة انقرض فيما قال ابن حزم. ومن عقب أبي لهب ابنه عتبة صحابي. وأمّا عقب العبّاس وأبي طالب فأكثر من أن يحصر، والبيت والشرف من بني العبّاس في عبد الله بن العبّاس، ومن بني أبي طالب في علي أمير المؤمنين وبعده أخوه جعفر ﵃ أجمعين، وسنذكر من مشاهيرهم عند ذكر أخبارهم ودولهم ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. هذا آخر الكلام وفي أنساب قريش وانقضى بتمامها الكلام في أنساب مضر وعدنان فلنرجع الآن إلى أخبار قريش وسائر مضر وما كان لهم من الدول الإسلامية. والله المستعان لا ربّ غيره، ولا خير إلّا خيره، ولا معبود سواه ولا يرجى إلّا إياه، وهو حسبي ونعم الوكيل، وأسأله الستر الجميل.

стр. 1192

الخبر عن قريش من هذه الطبقة وملكهم بمكة وأولية أمرهم وكيف صار الملك اليهم فيها ممن قبلهم من الأمم السابقة قد ذكروا عند الطبقة الأولى أن الحجاز وأكناف العرب كانت ديار العمالقة من ولد عمليق بن لاوذ وأنهم كان لهم ملك هنالك، وكانت جرهم أيضا من تلك الطبقة من ولد يقطن بن شالخ بن أرفخشد، وكانت ديارهم اليمن مع إخوانهم حضرموت. وأصاب اليمن يومئذ قحط ففرّوا نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى وعثروا في طريقهم بإسماعيل مع أمّه هاجر عند زمزم، وكان من شأنه وشأنهم معه ما ذكرناه عند ذكر إبراهيم ﵇. ونزلوا على قطورا من بقية العمالقة، وعليهم يومئذ السميدع بن هوثر بثاء مثلثة ابن لاوي بن قطورا بن ذكر بن عملاق أو عمليق. واتصل خبر جرهم من ورائهم من قومهم باليمن وما أصابوا من النجعة بالحجاز فلحقوا بهم، وعليهم مضاض بن عمرو بن سعيد بن الرقيب بن هنء بن نبت بن جرهم، فنزلوا على مكّة بقعيقعان وكانت قطورا أسفل مكّة. وكان مضاض يعشر من دخل مكّة من أعلاها والسميدع من أسفلها، هكذا عند ابن إسحاق والمسعودي أنّ قطورا من العمالقة، وعند غيرهما أنّ قطورا من بطون جرهم وليسوا من العمالقة. ثم افترق أمر قطورا وجرهم وتنافسوا الملك واقتتلوا وغلبهم المضاض وقتل السميدع وانقضت العرب العاربة قال الشاعر: مضى آل عملاق فلم يبق منهمو ... حقير ولاذ وعزّة متشاوس عتوا فأدال الدهر منهم وحكمه ... على الناس هذا وأغذ ومبايس ونشأ إسماعيل صلوات الله عليه بين جرهم وتكلم بلغتهم وتزوّج منهم حرّا بنت سعد بن عوف بن هنء بن نبت بن جرهم، وهي المرأة التي أمره أبوه بتطليقها لما زاره ووجده غائبا فقال لها: قولي لزوجك فليغير عتبته، فطلّقها وتزوّج بنت أخيها مامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف، ذكر هاتين المرأتين الواقدي في كتاب انتقال النور، وتزوّج بعدهما السيدة بنت الحرث بن مضاض بن عمرو بن جرهم. ولثلاثين سنة من عمر إسماعيل قدم أبوه الحجاز فأمر ببناء الكعبة البيت الحرام، وكان الحجر زربا لغنم

стр. 1193

إسماعيل فرفع قواعدها مع ابنه إسماعيل وصيّرها خلوة لعبادته، وجعلها حجا للناس كما أمره الله، وانصرف إلى الشام فقبض هنالك كما مرّ. وبعث الله إسماعيل إلى العمالقة وجرهم وأهل اليمن فآمن بعض وكفر بعض إلى أن قبضة الله ودفن بالحجر مع أمه هاجر ويقال آجر، وكان عمره فيما يقال مائة وثلاثين سنة وعهد بأمره لابنه قيذار: ومعنى قيذار صاحب الإبل وذلك لأنه كان صاحب إبل أبيه إسماعيل كذا قال السهيليّ، قال غيره معناه الملك. ويقال: إنما عهد لابنه نابت فقام ابنه بأمر البيت ووليها، وكان ولده فيما ينقل أهل التوراة كما نقل اثني عشر: قيذار ينابوت ادبيبل [١] مبسام مشمع دوما مسّا حدد [٢] ديما يطور ياقيس قدما [٣] أمّهم السيدة بنت مضاض قاله السهيليّ. وهكذا وقعت أسماؤهم في الإسرائيليات، والحروف مخالفة للحروف العربية بعض الشيء باختلاف المخارج، فلهذا يقع الخلاف بين العلماء في ضبط هذه الألفاظ، وقد ضبط ابن إسحاق تيماء منهم بالطاء والياء وضبطه الدار الدّارقطنيّ بالضاد المعجمة والميم قبل الياء كأنها تأنيث آضم وذكر ابن إسحاق ديما. وقال البكري به سميت دومة الجندل لأنه كان نزلها وذكر أنّ الطوربيطون ابن إسماعيل. ثم هلك نابت بن إسماعيل، وولى أمر البيت جدّه الحرث بن مضاض، وقيل وليها مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هنء ابن نبت بن جرهم، ثم ابنه الحرث بن عمرو. ثم قسمت الولاية بين ولد إسماعيل بمكة وأخوالهم من جرهم ولاة البيت لا ينازعهم ولد إسماعيل إعظاما للحرم أن يكون به بغي أو قتال. ثم بغت جرهم في البيت، ووافق بغيهم تفرّق سبإ ونزول بني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أرض مكّة، فأرادوا المقام مع جرهم فمنعوهم واقتتلوا فغلبهم بنو حارثة، وهم فيما قيل خزاعة، وملكوا البيت عليهم، ورئيسهم يومئذ عمرو بن لحيّ وشرّد بقية جرهم. ولحيّ هذا هو ربيعة بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر، وقيل: إنما ثعلبة بن حارثة بن عامر. وفي الحديث «رأيت عمرو بن لحيّ يجرّ قصبه في النار»

стр. 1194

يعني أحشاءه، لأنه الّذي بحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي وغير دين إسماعيل ودعا الى عبادة الأوثان. وفي طريق آخر رأيت عمرو بن عامر. قال عياض المعروف في نسب أبي خزاعة، هذا هو عمرو بن لحيّ بن قمعة بن إلياس وإنّما عامر اسم أبيه أخو قمعة، وهو مدركة بن إلياس، وقال السهيليّ: كان حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر خلف على أم لحيّ بد أبيه قمعة ولحيّ تصغير واسمه ربيعة تبنّاه حارثة وانتسب إليه فالنسب صحيح بالوجهين، وأسلم بن أفصى بن حارثة أخو خزاعة. وعن ابن إسحاق أنّ الّذي أخرج جرهم من البيت ليست خزاعة وحدها، وإنّما تصدّى للنكير عليهم خزاعة وكنانة. وتولّى كبره بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وبنو غبشان بن عبد عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى بن حارثة فاجتمعوا لحربهم واقتتلوا، وغلبهم بنو بكر وبنو غبشان بن كنانة وخزاعة على البيت ونفوهم من مكّة. فخرج عمرو، وقيل عامر بن الحرث بن مضاض الأصغر، بمن معه من جرهم إلى اليمن بعد أن دفن حجر الركن وجميع أموال الكعبة بزمزم. ثم أسفوا على ما فارقوا من أمر مكّة وحزنوا حزنا شديدا. وقال عمرو بن الحرث وقيل عامر: كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر بلى نحن كنّا أهلها فأزالنا ... صروف اللّيالي والجدود العواثر وكنّا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف فما تحظى لدينا المكاثر ملكنا فعزّزنا فأعظم ملكنا ... فليس لحيّ عندنا ثم فاخر ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤنا منّا ونحن الأصاهر فإن تنثني الدنيا علينا بحالها ... فإنّ لها حالا وفيها التّشاجر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للنّاس تجري المقادر أقول إذا نام الخليّ ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر وبدّلت منها أوجها لا أحبّها ... قبائل منها حمير وبحائر وصرنا أحاديثا وكنّا بغبطة ... بذلك عضّتنا السنون الغوابر فساحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر ونبكي لبيت ليس يؤذي حمامه ... يظلّ بها أمنا وفيها العصافر وفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر ثم غلبت بنو حبشيّة على أمر البيت بقومهم من خزاعة، واستقلوا بولايتها دون بني بكر

стр. 1195

عبد مناة، وكان الّذي يليها لآخر عهدهم عمرو بن الحرث وهو غبشان. وذكر الزبير: أنّ الذين أخرجوا جرهم من البيت من ولد إسماعيل هم إياد بن نزار. ومن بعد ذلك وقعت الحرب بين مضر وإياد فأخرجتهم مضر، ولما خرجت إياد قلعوا الحجر الأسود ودفنوه في بعض المواضع، ورأت ذلك امرأة من خزاعة فأخبرت قومها فاشترطوا على مضر إن دلوهم عليه أنّ لهم ولاية البيت دونهم، فوفّوا لهم بذلك. وصارت ولاية البيت لخزاعة إلى أن باعها أبو غبشان لقصيّ. ويذكر ان من وليها منهم عمرو بن لحيّ ونصب الأصنام وخاطبه رجل من جرهم: يا عمرو لا تظلم بمكّة إنّها بلد حرام سائل بعاد أين هم- وكذاك تحترم الأنام وهي العماليق الذين لهم بها كان السوام وكانت ولاية البيت لخزاعة وكان لمضر ثلاث خصال: الإجازة بالناس يوم عرفة لبني الغوث بن مرّة إخوتهم وهو صوفة، والإفاضة بالناس غداة النحر من جمع إلى منى لبني زيد بن عديّ وانتهى ذلك منهم إلى أبي سيارة عميرة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحرث بن كانس بن زيد فدفع من مزدلفة أربعين سنة على حمار، ونسأ الشهور الحرم، كان لبني مالك بن كنانة وانتهى إلى القلمس كما مرّ. وكان إذا أراد الناس الصدور من مكّة قال: اللَّهمّ إني أحللت أحد الصغرين ونسأت الآخر للعام المقبل قال عمرو بن قيس من بني فراس. ونحن الناسئون على معدّ ... شهور الحلّ نجعلها حراما قال ابن إسحاق: فأقام بنو خزاعة وبنو كنانة على ذلك مدّة الولاية لخزاعة دونهم كما قلناه. وفي أثناء ذلك تشعبت بطون كنانة ومن مضر كلها وصاروا جرما وبيوتات متفرّقين في بطن قومهم من بني كنانة، وكلهم إذ ذاك أحياء حلول بظواهرها. وصارت قريش على فرقتين: قريش البطاح وقريش الظواهر. فقريش البطاح ولد قصيّ بن كلاب وسائر بني كعب بن لؤيّ، وقريش الظواهر من سواهم وكانت خزاعة بادية لكنانة، ثم صار بنو كنانة لقريش، ثم صارت قريش الظواهر بادية لقريش البطاح، وقريش الظواهر من كان على أقل من مرحلة، ومن الضواحي ما كان على أكثر من

стр. 1196

ذلك. وصار من سوى قريش وكنانة من قبائل مضر في الضواحي أحياء بادية، وظعونا ناجعة من بطون قيس، وخندف من أشجع وعبس وفزارة ومرّة وسليم وسعد بن بكر وعامر بن صعصعة وثقيف. ومن تميم والرباب وضبعي بني أسد وهذيل والقارة وغير هؤلاء من البطون الصغار، وكان التقدّم في مضر كلها لكنانة ثم لقريش، والتقدّم في قريش لبني لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وكان سيّدهم قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ كان له فيهم شرف وقرابة وثروة وولد. وكان له في قضاعة ثم في بني عروة بن سعد بن زيد من بطونهم نسب ظئر ورحم كلالة كانوا من أجلها فيه شيعة، وذلك بما كان ربيعة بن حرام بن عذرة قدم مكّة قبل مهلك كلاب بن مرّة. وكان كلاب خلف قصيّا في حجر أمّه فاطمة بنت سعد بن باسل بن خثعمة الأسدي من اليمن فتزوّجها ربيعة وقصيّ يومئذ فطيم فاحتملته إلى بلاد بني عذرة وتركت ابنها زهرة بن كلاب لأنه كان رجلا بالغا، وولدت لربيعة بن حزام رزاح بن ربيعة. ولما شبّ قصيّ وعرف نسبه رجع إلى قومه، وكان الّذي يلي أمر البيت لعهده من خزاعة حليل بن حبشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو، فأصهر إلى قصيّ في ابنته حبي فأنكحه إياها فولدت له عبد الدار وعبد مناف وعبد العزّى وعبد قصيّ. ولما انتشر ولد قصيّ وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، فرأى قصيّ أنه أحق بالكعبة وبأمر مكّة وخزاعة وبني بكر لشرفه في قريش. ولما كثرت قريش سائر الناس واعتزت عليهم وقيل أوصى له بذلك حليل، ولما بدا له ذلك مشى في رجالات قريش ودعاهم الى ذلك فأجابوه، وكتب إلى أخيه رزاح في قومه عذرة مستجيشا بهم فقدم مكّة في إخوته من ولد ربيعة ومن تبعهم من قضاعة في جملة الحاج مجمعا نصر قصيّ. قال السهيليّ: وذكر غير ابن إسحاق أنّ حليلا كان يعطي مفاتيح البيت بنته حبي حين كبر وضعف فكانت بيدها، وكان قصيّ ربما أخذها يفتح البيت للناس ويغلقه. فلما هلك حليل أوصى بولاية البيت إلى قصيّ وأبت خزاعة أن يمضي ذلك لقصيّ، فعند ذلك هاجت الحرب بينه وبين خزاعة وأرسل إلى رزاح أخيه يستنجده عليهم. وقال الطبريّ: لما أعطى حليل مفاتيح الكعبة لابنته حبي لما كبر وثقل قالت: اجعل ذلك لرجل يقوم لك به. فجعله إلى أبي غبشان سليمان بن عمرو بن لؤيّ بن ملكان

стр. 1197

بن قصيّ، وكانت له ولاية الكعبة. ويقال: إنّ أبا غبشان هو ابن حليل باعه من قصيّ بزق خمر، قليل فيه: «أخسر من صفقة أبي غبشان» . فكان من أوّل ما بدءوا به نقض ما كان لصوفة من إجازة الحاج، وذلك أنّ بني سعد بن زيد مناة بن تميم كانوا يلون الإجازة للناس بالحج من عرفة ينفر الحاج لنفرهم ويرمون الجمار لرميهم، ورثوا ذلك من بني الغوث بن مرّة، كانت أمّه من جرهم وكانت لا تلد، فنذرت إن ولدت أن تتصدق به على الكعبة عبدا يخدمها، فولدت الغوث وخلى أخواله من جرهم بينه وبين من نافسه بذلك، فكان له ولولده وكان يقال لهم صوفة. وقال السهيليّ: عن بعض الأخباريين: إنّ ولاية الغوث بن مرّة كانت من قبل ملوك كندة، ولما انقرضوا ورث بالتعدد بنو سعد بن زيد مناة، ولما جاء الإسلام كانت تلك الإجازة منهم لكرب بن صفوان بن حتاب بن شجنة وقد مرّ ذكره في بطون تميم. فلما كان العام الّذي أجمع فيه قصيّ الانفراد بولاية البيت وحضر إخوته من عذرة، تعرّض لبني سعد أصحاب صوفة في قومهم من قريش وكنانة وقضاعة عند الكعبة، فلما وقفوا للإجازة قال: لا نحن أولى بهذا منكم فتناجزا وغلبهم قصيّ على ما كان بأيديهم، وعرفت خزاعة وبنو بكر عند ذلك أنّه سيمنعهم من ولاية البيت كما منع الآخرين، فانحازوا عنه وأجمعوا لحربه وتناجزوا وكثر القتل، ثم صالحوه على أن يحكمّوا من أشراف العرب، وتنافروا إلى يعمر بن عوف بن كعب بن عمرو بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فقضى لقصيّ عليهم، فولي قصيّ البيت وقرّ بمكة وجمع قريشا من منازلهم بين كنانة إليها وقطعها أرباعا بينهم، فأنزل كل بطن منهم بمنزله الّذي صبحهم [١] به الإسلام وسمّي بذلك مجمعا قال الشاعر: قصيّ لعمري كان يدعى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر فكان أوّل من أصاب من بني لؤيّ بن غالب ملكا أطاع له به قومه، فصار له لواء الحرب وحجابة البيت، وتيمنت قريش برأيه فصرفوا مشورتهم إليه في قليل أمورهم وكثيرها، فاتخذوا دار الندوة إزاء الكعبة في مشاوراتهم وجعل بابها إلى المسجد فكانت مجتمع الملاء من قريش في مشاوراتهم ومعاقدهم. ثم تصدّى لإطعام الحاج وسقايته لما رأى أنهم ضيف الله وزوّار بيته، وفرض على قريش خراجا يؤدّونه إليه

стр. 1198

زيادة على ذلك كانوا يردفونه به فحاز شرفهم كله، وكانت الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء له. ولما أسنّ قصيّ وكان بكرة عبد الدار وكان ضعيفا، وكان أخوه عبد مناف شرف عليه في حياة أبيه، فأوصى قصيّ لعبد الدار بما كان له من الحجابة واللواء والندوة والرفادة والسقاية يجبر له بذلك ما نقصه من شرف عبد مناف، وكان أمره في قومه كالدين المتّبع لا يعدل عنه. ثم هلك وقام بأمره في قومه بنوه من بعده. وأقاموا على ذلك مدّة وسلطان مكّة لهم وأمر قريش جميعا، ثم نفس بنو عبد مناف على بني عبد الدار ما بأيديهم ونازعوهم، فافترق أمر قريش وصاروا في مظاهرة بني قصيّ بعضهم على بعض فرقتين. وكان بطون قريش قد اجتمعت لعهدها ذلك اثني عشر بطنا: بنو الحرث بن فهر، وبنو محارب بن فهر، وبنو عامر بن لؤيّ، وبنو عديّ بن كعب، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو تيم بن مرّة، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرّة، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وبنو عبد الدار، وبنو عبد مناف بن قصيّ. فأجمع بنو عبد مناف انتزاع ما بأيدي بني عبد الدار مما جعل لهم قصيّ، وقام بأمرهم عبد شمس أسنّ ولده واجتمع له من قريش: بنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحرث. واعتزل بن عامر، وبنو المحارب الفريقين. وصار الباقي من بطون قريش مع بني عبد الدار وهم: بنو سهم، وبنو جمح، وبنو عديّ، وبنو مخزوم. ثم عقد كل من الفريقين على أحلافه عقدا مؤكدا، وأحشر بنو عبد مناف وحلف قومهم عند الكعبة جفنة مملوءة طيبا غمسوا فيها أيديهم تأكيدا للحلف، فسمّي «حلف المطيّبين» . وأجمعوا للحرب وسوّوا بين القبائل وأنّ بعضها إلى بعض، فعبت بنو عبد الدار لبني أسد، وبنو جمح لبني زهرة، وبنو مخزوم لبني تيم، وبنو عديّ لبني الحرث. ثم تداعوا للصلح على أن يسلموا لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ويختص بنو عبد الدار بالحجابة واللواء فرضي الفريقان وتحاجز الناس. وقال الطبريّ قيل ورثها من أبيه. ثم قام بأمر بني عبد مناف هاشم ليساره وقراره بمكّة، وتقلب أخيه عبد شمس في التجارة إلى الشام، فأحسن هاشم ما شاء في إطعام الحاج وإكرام وفدهم. ويقال: إنه أوّل من أطعم الثريد الّذي كان يطعم فهو

стр. 1199

ثريد قريش الّذي قال فيه النبيّ ﷺ : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. والثريد لهذا العهد ثريد الخبز بعد أن يطبخ في المقلاة والتنور وليس من طعام العرب، إلا أن عندهم طعاما يسمونه البازين يتناوله الثريد لغة، وهو ثريد الخبز بعد أن يطبخ في الماء عجينا رطبا إلى أن يتم نضجه، ثم يدلكونه بالمغرفة حتى تتلاحم أجزاؤه وتتلازج. وما أدري هل كان ذلك الطعام كذلك أو لا إلا أنّ لفظ الثريد يتناوله لغة. ويقال: إن هاشم بن عبد المطلب أوّل من سنّ الرحلتين في الشتاء والصيف للعرب ذكره ابن إسحاق، وهو غير صحيح، لأنّ الرحلتين من عوائد العرب في كل جيل لمراعي إبلهم ومصالحها لأنّ معاشهم فيها، وهذا معنى العرب وحقيقتهم أنه الجيل الّذي معاشهم في كسب الإبل والقيام عليها في ارتياد المرعى وانتجاع المياه والنتاج والتوليد وغير ذلك من مصالحها، والفرار بها من أذى البرد عند التوليد الى القفار ودفئها، وطلب التلول في المصيف للحبوب وبرد الهواء، وتكوّنت على ذلك طباعهم فلا بد لهم منها ظعنوا أو أقاموا وهو معنى العروبية، وشعارها أنّ هاشما لما هلك وكان مهلكه بغزّة من أرض الشام، تخلف عبد المطلب صغيرا بيثرب فأقام بأمره من بعده ابنه المطّلب، وكان ذا شرف وفضل، وكانت قريش تسمّيه الفضل لسماحته، وكان هاشم قدم يثرب فتزوّج في بني عديّ وكانت قبله عند أحيحة بن الجلّاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك سيد الأوس لعهده، فولدت عمرو بن أحيحة، وكانت لشرفها تشترط أمرها بيدها في عقد النكاح، فولدت عبد المطّلب فسمته شيبة، وتركه هاشم عندها حتى كان غلاما. وهلك هاشم فخرج إليه أخوه المطّلب فأسلمته إليه بعد تعسّف واغتباط به، فاحتمله ودخل مكة فرفده على بعيره فقالت قريش: هذا عبد ابتاعه المطّلب، فسمي شيبة عبد المطلب من يومئذ. ثم أنّ المطّلب هلك بردمان من اليمن، فقام بأمر بني هاشم بعده عبد المطلب بن هاشم، وأقام الرفادة والسقاية للحاج على أحسن ما كان قومه يقيمونه بمكّة من قبله، وكانت له وفادة على ملوك اليمن من حمير والحبشة، وقد قدّمناه خبره مع ابن ذي يزن ومع أبرهة. ولمّا أراد حفر زمزم للرؤيا التي رآها، اعترضته قريش دون ذلك، ثم حالوا بينه وبين ما أراد منها، فنذر لئن ولد له عشرة من الولد ثم يبلغوا معه

стр. 1200

حتى يمنعوه لينحرنّ أحدهم قربانا للَّه عند الكعبة، فلما كملوا عشرة ضرب عليهم القداح عند هبل الصنم العظيم الّذي كان في جوف الكعبة على البئر التي كانوا ينحرون فيها هدايا الكعبة، فخرجت القداح على ابنه عبد الله والد النبيّ ﷺ ، وتحيّر في شأنه، ومنعه قومه من ذلك، وأشار بعضهم وهو المغيرة بن عبد الله بن مخزوم بسؤال العرّافة التي كانت لهم بالمدينة على ذلك، فألفوها بخيبر وسألوها. فقالت: قرّبوه وعشرا من الإبل وأجيلوا القداح فإن خرجت على الإبل فذلك وإلّا فزيدوا في الإبل حتى تخرج عليها القداح وانحروها حينئذ فهي الفدية عنه وقد رضي إلهكم. ففعلوا وبلغت الإبل مائة فنحرها عبد المطلب، وكانت من كرامات الله به. وعليه قوله ﷺ «أنا ابن الذبيحين» يعني عبد الله أباه وإسماعيل بن إبراهيم جدّه اللذين قرّبا للذبح، ثم فديا بذبح الأنعام. ثم إنّ عبد المطلب زوّج ابنه عبد الله بآمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فدخل بها وحملت برسول الله ﷺ ، وبعثه عبد المطلب يمتار لهم تمرا فمات هنالك، فلما أبطأ عليهم خبره بعث في أثره. وقال الطبريّ: عن الواقدي: الصحيح أنه أقبل من الشام في حي لقريش، فنزل بالمدينة ومرض بها ومات. ثم أقام عبد المطلب في رياسة قريش بمكّة والكون يصغي لملك العرب والعالم يتمخّض بفصال النبوة، إلى أن وضح نور الله من أفقهم، وسرى خبر السماء إلى بيوتهم، واختلفت الملائكة إلى أحيائهم، وخرجت الخلافة في أنصبائهم، وصارت العزّة لمضر ولسائر العرب بهم، وذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ من يَشاءُ ٥: ٥٤. وعاش عبد المطلب مائة وأربعين سنة وهو الّذي احتفر زمزم. قال السهيليّ: ولما حفر عبد المطلب زمزم استخرج منه تمثالي غزالين من ذهب وأسيافا كذلك، كان ساسان ملك الفرس أهداها إلى الكعبة، وقيل سابور. ودفنها الحرث بن مضاض في زمزم لما خرج بجرهم من مكّة، فاستخرجها عبد المطلب، وضرب الغزالين حلية للكعبة فهو أوّل من ذهّب حلية الكعبة بها، وضرب من تلك الأسياف باب حديد وجعله للكعبة. ويقال: إنّ أوّل من كسى الكعبة واتخذ لها غلقا تبّع إلى أن جعل لها عبد المطلب هذا الباب. ثم اتخذ عبد المطلب حوضا لزمزم يسقي منه، وحسده قومه على ذلك وكانوا يخرّبونه بالليل، فلما غمّه ذلك رأى في النوم قائلا يقول: «قل لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حلّ وبلّ فإذا قلتها فقد كفيتهم»

стр. 1201

فكان بعد إذا أرادها أحد بمكروه رمى بداء في جسده، ولما علموا بذلك تناهوا عنه. وقال السهيليّ: أوّل من كسا البيت المسوح والخصف والأنطاع تبّع الحميريّ. ويروى أنه لما كساها انتقض البيت فزال ذلك عنه، وفعل ذلك حين كساه الخصف فلما كساه الملاء والوصائل قبله وسكن. وممن ذكر هذا الخبر قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل. وقال ابن إسحاق: أوّل من كسا البيت الديباج الحجاج. وقال الزبير بن بكار بل عبد الله بن الزبير أوّل من كساها ذلك. وذكر جماعة منهم الدار الدّارقطنيّ: أنّ نتيلة بنت جناب أم العبّاس بن عبد المطلب كانت أضلت العبّاس صغيرا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة، وكانت من بيت مملكة، فوفت بنذرها. هذه أخبار قريش وملكهم بمكّة، وكانت ثقيف جيرانهم بالطائف يساجلونهم في مذاهب العروبية وينازعونهم في الشرف، وكانوا من أوفر قبائل هوازن، لأنّ ثقيفا هو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن، وكانت الطائف قبلهم لعدوان الذين كان فيهم حكيم العرب عامر بن الظرب بن عمرو بن عبّاد بن يشكر بن بكر بن عدوان وكثر عددهم حتى قاربوا سبعين ألفا، ثم بغى بعضهم على بعض فهلكوا وقل عددهم، وكان قسي بن منبّه صهرا لعامر بن الظرب، وكان بنوه بينهم فلما قل عدد عدوان نغلّب عليهم ثقيف وأخرجوهم من الطائف وملكوه إلى أن صبحهم الإسلام به. على ما نذكره والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والبقاء للَّه وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أمر النبوّة والهجرة في هذه الطبقة الثالثة وما كان من اجتماع العرب على الإسلام بعد الاباية والحرب لما استقر أمر قريش بمكة على ما استقر، وافترقت قبائل مضر في أدنى مدن الشام والعراق وما دونهما من الحجاز فكانوا ظعونا واحياء، وكان جميعهم بمسغبة وفي جهد من العيش بحرب بلادهم وحرب فارس والروم على تلول العراق والشام، وأربابهما ينزلون حاميتهم بثغورها، ويجهزّون كتائبهم بتخومها، ويولّون على العرب من رجالاتهم وبيوت العصائب منهم من يسومهم القهر، ويحملهم على الانقياد حتى يؤتوا جباية السلطان الأعظم وإتاوة ملك العرب، ويؤدّوا ما عليهم من الدماء

стр. 1202

والطوائل من يسترهن [١] أبناءهم على السلم وكف العادية، ومن انتجاع الأرباب وميرة الأقوات، والعساكر من وراء ذلك توقع بمن منع الخراج وتستأصل من يروم الفساد. وكان أمر مضر راجعا في ذلك إلى ملوك [٢] كندة بني حجر آكل المرار منذ ولّاه عليهم تبّع حسّان كما ذكرناه، ولم يكن في العرب ملك إلّا في آل المنذر بالحيرة للفرس وفي آل جهينة بالشام للروم وفي بني حجر هؤلاء على مضر والحجاز. وكانت قبائل مضر مع ذلك بل وسائر العرب أهل بغي وإلحاد، وقطع للأرحام، وتنافس في الردى، وإعراض عن ذكر الله، فكانت عبادتهم الأوثان والحجارة، وأكلهم العقارب والخنافس والحيات والجعلان، وأشرف طعامهم أوبار الإبل إذا أمرّوها في الحرارة في الدم، وأعظم عزّهم وفادة على آل المنذر وآل جهينة وبني جعفر [٣] ونجعة من ملوكهم، وإنما كان تنافسهم الموءودة والسائبة والوصيلة والحامي. فلما تأذن الله بظهورهم واشرأبّت إلى الشرف هوادي أيامهم وتم أمر الله في إعلاء أمرهم [٤] وهبت ريح دولتهم وملّة الله فيهم، تبدّت تباشير الصباح من أمرهم وأونس الخير والرشد في خلالهم وأبدل الله بالطيّب الخبيث من أحوالهم وشرهم، واستبدلوا بالذلّ عزّا وبالمآثم متابا وبالشرّ خيرا، ثم بالضلالة هدى وبالمسغبة شبعا وريّا وايالة وملكا. وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه فكان لهم من العز والظهور قبل المبعث ما كان، وأوقع بنو شيبان وسائر بكر [٥] بن وائل وعبس بن غطفان بطيء، وهم يومئذ ولاة العرب بالحيرة وأميرها منهم قبيصة بن إياس ومعه الباهوت [٦] صاحب مسلحة كسرى، فأوقعوا بهم الوقعة المشهورة بذي قار والتحمت عساكر الفرس، وأخبر بها رسول الله ﷺ أصحابه بالمدينة ليومها وقال: «اليوم انتصفت العرب من العجم وبي نصروا» . ووفد حاجب بن زرارة من بني تميم على كسرى في طلب الانتجاع والمسيرة بقومه في اباب [٧] العراق، فطلب الأساورة منه

стр. 1203

الرهن على عادتهم، فأعطاهم قوسه واستكبر عن استرهان ولده، توقعوا [١] منه عجزا عما سواها وانتقلت خلال الخير من العجم ورجالات فارس فصارت أغلب في العرب حتى كان الواحد منهم همّه بخلافه [٢] وشرفه الشرّ والسفسفة على أهل دول العجم. وانظر فيما كتب به عمر إلى أبي عبيدة بن المثنى حين وجهه الى حرب فارس: «انك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والحيرة [٣] تقدم على أقوام قد جرءوا على الشرّ فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون» أهـ. وتنافست العرب في الخلال وتنازعوا في المجد والشرف حسبما هو مذكور في أيامهم وأخبارهم. وكان حظ قريش من ذلك أوفر على نسبة حظهم من مبعثه [٤] وعلى ما كانوا ينتحلونه من هدى آبائهم، وانظر ما وقع في حلف الفضول حيث اجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزّى وبنو زهرة وبنو تميم، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكّة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلّا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى تردّ عليه مظلمته، وسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وفي الصحيح عن طلحة أنّ رسول الله ﷺ قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت» . ثم ألقى الله في قلوبهم التماس الدين وإنكار ما عليه قومهم من عبادة الأوثان، حتى لقد اجتمع منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وزيد بن عمرو بن نفيل من بني عدي بن كعب عمّ عمر بن الخطاب، وعبيد الله بن جحش من بني أسد بن خزيمة، وتلاوموا في عبادة الأحجار والأوثان وتواصوا بالنفر في البلدان بالتماس الحنيفيّة دين إبراهيم نبيهم. فأما ورقة فاستحكم في النصرانية وابتغى من أهلها الكتب حتى علم من أهل الكتاب، وأمّا عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه حتى جاء الإسلام فأسلم وهاجر إلى الحبشة فتنصر وهلك نصرانيا وكان يمرّ بالمهاجرين بأرض الحبشة فيقول: فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر مثل ما يقال في الجر وإذا فتح عينيه فقح وإذا أراد ولم يقدر صأصأ، وأمّا عثمان بن الحويرث فقدم على ملك الروم قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده،

стр. 1204

وأما زيد بن عمرو فما هم أن يدخل [١] في دين ولا اتبع كتابا واعتزل الأوثان والذبائح والميتة والدم ونهى عن قتل الموءودة وقال: أعبد ربّ إبراهيم وصرّح بعيب آلهتهم وكان يقول: اللَّهمّ لو أني أعلم أيّ الوجوه أحب إليك لعبدتك [٢] ولكن لا أعلم ثم يسجد على راحته. وقال ابنه سعيد وابن عمه عمر بن الخطاب: يا رسول الله استغفر الله لزيد بن عمرو قال: نعم انه يبعث أمة واحدة. ثم تحدّث الكهّان والحزاة قبل النبوّة وأنها كائنة في العرب وأن ملكهم سيظهر، وتحدّث أهل الكتاب من اليهود والنصارى بما في التوراة والإنجيل من بعث محمد وأمته، وظهرت كرامة الله بقريش ومكّة في أصحاب الفيل إرهاصا بين يدي مبعثه. ثم ذهب ملك الحبشة من اليمن على يد ابن ذي يزن من بقية التبابعة، ووفد عليه عبد المطلب يهنيه عند استرجاعه ملك قومه من أيدي الحبشة، فبشره ابن ذي يزن بظهور نبيّ من العرب وأنه من ولده في قصة معروفة. وتحيّن الأمر لنفسه كثير من رؤساء العرب يظنه فيه، ونفروا إلى الرهبان والأحبار من أهل الكتاب يسألونهم ببلدتهم على ذلك [٣] ، مثل أمية بن أبي الصلت الشقيّ وما وقع له في سفره إلى الشام مع أبي سفيان بن حرب وسؤاله الرهبان ومفاوضته أبا سفيان فيما وقف عليه من ذلك، يظن أنّ الأمر له أو لأشراف قريش من بني عبد مناف حتى تبين لهما خلاف ذلك في قصة معروفة، (ثم رجمت) الشياطين عن استماع خبر السماء في أمره وأصغى الكون لاستماع أنبائه. المولد الكريم وبدء الوحي ثم ولد رسول الله ﷺ عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، لأربعين سنة من ملك كسرى أنوشروان وقيل لثمان وأربعين، ولثمانمائة واثنتين وثمانين لذي القرنين. وكان عبد الله أبوه غائبا بالشام وانصرف فهلك بالمدينة، وولد سيّدنا رسول الله ﷺ بعد مهلكه بأشهر قلائل، وقيل غير ذلك. وكفله جدّه عبد المطلب بن هاشم وكفالة الله من ورائه، والتمس له الرضعاء واسترضع في بني سعد من بني هوازن، ثم في بني نصر بن سعد أرضعته منهم حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحرث بن شحنة بن رزاح بن ناظرة بن خصفة بن

стр. 1205

قيس [١] ، وكان ظئره [٢] منهم الحارث بن عبد العزى وقد مرّ ذكرهما في بني عامر بن صعصعة، وكان أهله يتوسمون فيه علامات الخير والكرامات من الله، ولما كان من حديث رسول الله ﷺ شق الملكين بطنه واستخراج العلقة السوداء من قلبه وغسلهم حشاه وقلبه بالثلج ما كان، وذلك لرابعة من مولده، وهو خلف البيوت يرعى الغنم فرجع إلى البيت منتقع [٣] اللون، وظهرت حليمة على شأنه فخافت أن يكون أصابه شيء من اللمم [٤] فرجعته إلى أمه. واسترابت آمنة برجعها إياه بعد حرصها على كفالته فأخبرتها الخبر، فقالت: كلّا والله لست أخشى عليه. وذكرت من دلائل كرامة الله له وبه كثيرا. وأزارته أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أخوال جدّه عبد المطلب من بني عديّ بن النجار بالمدينة، وكانوا أخوالا لها أيضا. وهلك عبد المطلب لثمان سنين من ولادته، وعهد به إلى ابنه أبي طالب فأحسن ولايته وكفالته، وكان شأنه في رضاعه وشبابه ومرباه عجبا. وتولّى حفظه وكلاءته من مفارقة أحوال الجاهلية، وعصمته من التلبس بشيء منها حتى لقد ثبت أنه: مرّ بعرس مع شباب قريش، فلمّا دخل على القوم أصابه غشي النوم، فما أفاق حتى طلعت الشمس وافترقوا. ووقع له ذلك أكثر من مرّة. وحمل الحجارة مع عمه العبّاس لبنيان الكعبة وهما صبيان، فأشار عليه العبّاس بحملها في إزاره، فوضعه على عاتقه وحمل الحجارة فيه وانكشف، فلما حملها على عاتقه سقط مغشيا عليه، ثم عاد فسقط فاشتمل إزاره وحمل الحجارة كما كان يحملها. وكانت بركاته تظهر بقومه وأهل بيته ورضعائه في شئونهم كلها. وحمله عمه أبو طالب الى الشام وهو ابن ثلاث عشرة وقيل ابن سبع عشرة، فمرّوا ببحيرا الراهب عند بصرى فعاين الغمامة تظله والشجر [٥] تسجد له، فدعا القوم وأخبرهم بنبوّته وبكثير من شأنه في قصة مشهورة. ثم خرج ثانية الى الشام تاجرا بمال خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى مع غلامها ميسرة ومروا بنسطور الراهب، فرأى ملكين يظلّانه من الشمس فأخبر ميسرة بشأنه، فأخبر بذلك خديجة فعرضت

стр. 1206

نفسها عليه، وجاء أبو طالب فخطبها الى أبيها فزوجه، وحضر الملأ من قريش، وقام أبو طالب خطيبا فقال: «الحمد للَّه الّذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ [١] معدّ وعنصر مضر وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا أمناء بيته وسوّاس حرمه وجعلنا الحكّام على الناس وأنّ ابن أخي محمد بن عبد الله من قد علمتم قرابته وهو لا يوزن بأحد إلّا رجح به فان كان في المال قلّ فإنّ المال ظلّ زائل وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل» . ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وعشرين سنة وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة. وشهد بنيان الكعبة لخمس وثلاثين من مولده حين أجمع كل قريش على هدمها وبنائها، ولما انتهوا إلى الحجر تنازعوا أيهم يضعه وتداعوا للقتال، وتحالف بنو عبد الدار على الموت [٢] ثم اجتمعوا وتشاوروا، وقال أبو أمية حكموا أول داخل من باب المسجد فتراضوا على ذلك. ودخل رسول الله ﷺ فقالوا: هذا الأمين، وبذلك كانوا يسمّونه، فتراضوا به وحكموه. فبسط ثوبا ووضع فيه الحجر وأعطى قريشا أطراف الثوب، فرفعوه حتى أدنوه من مكانه، ووضعه ﵇ بيده [٣] . وكانوا أربعة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمر بن مخزوم، وقيس بن عدي السهمي. ثم استمرّ على أكمل الزكاء والطهارة في أخلاقه، وكان يعرف بالأمين، وظهرت كرامة الله فيه وكان إذا أبعد في الخلاء لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا ويسلم عليه. بدء الوحي ثم بدئ بالرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم تحدّث الناس بشأن ظهوره ونبوّته، ثم حببت إليه العبادة والخلوة بها فكان يتزوّد للانفراد حتى جاء الوحي بحراء لأربعين سنة من مولده وقيل لثلاث وأربعين. وهي حالة يغيب

стр. 1207

فيها عن جلسائه وهو كائن معهم، فأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلمه ويعي قوله، وأحيانا يلقي عليه القول، ويصيبه أحوال الغيبة عن الحاضرين من الغط والعرق وتصببه كما ورد في الصحيح من أخباره، قال: وهو أشدّ علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. فأصابته تلك الحالة بغار حراء وألقى عليه: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ من عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ٩٦: ١- ٥» . وأخبر بذلك كما وقع في الصحيح. وآمنت به خديجة وصدّقته وحفظت عليه الشأن. ثم خوطب بالصلاة وأراه جبريل طهرها، ثم صلّى به وأراه سائر أفعالها. ثم كان شأن الاسراء من مكة الى بيت المقدس من الأرض إلى السماء السابعة الى سدرة المنتهى وأوحى إليه ما أوحى، ثم آمن به عليّ ابن عمه أبي طالب وكان في كفالته من أزمة أصابت قريشا وكفل العبّاس جعفرا أخاه، فجعفر أسنّ [١] عيال أبي طالب. فأدركه الإسلام وهو في كفالته فآمن وكان يصلّي معه، في الشعاب مختفيا من أبيه حتى إذ ظهر عليهما أبو طالب دعاه رسول الله ﷺ فقال: لا أستطيع فراق ديني ودين آبائي، ولكن لا ينهض إليك شيء تكره ما بقيت، وقال لعليّ: الزمه فإنه لا يدعو إلّا لخير. فكان أوّل من أسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ثم أبو بكر، وعليّ بن أبي طالب، كما ذكرنا، وزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، وبلال بن حمامة مولى أبي بكر، ثم عمر بن عنبسة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية. ثم أسلم بعد ذلك قوم من قريش اختارهم الله لصحابته من سائر قومهم وشهد لكثير منهم بالجنة. وكان أبو بكر محبّبا سهلا وكانت رجالات قريش تألفه فأسلم على يديه من بني أميّة عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أمية، ومن عشيرة بنى عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، ومن بني زهرة بن قصيّ سعد بن أبي وقّاص واسمه مالك بن وهب بن مناف بن زهرة وعبد الرحمن بن عوف بن عوف بن عبد الحرث بن زهرة، ومن بني أسد بن عبد العزى الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد وهو ابن صفية عمة النبيّ ﷺ ، ثم أسلم من بني الحرث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال

стр. 1208

بن أهيب بن ضبة بن الحرث، ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب أبو سلمة عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وأخوه قدامة، ومن بني عدي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد الله بن قرط بن رياح [١] بن عدي وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب بن نفيل وأبوه زيد هو الّذي رفض الأوثان في الجاهلية ودان بالتوحيد وأخبر ﷺ أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. ثم أسلم عمير أخو سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵁ ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة حليف بنى زهرة، كان يرعى غنم عقبة بن أبي معيط وكان سبب إسلامه أنّ رسول الله ﷺ حلب من غنمه شاة حائلا فدرّت [٢] . ثم أسلم جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن ملك بن قحافة الخثعميّ، والسائب بن عثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس واسمه مهشم، وعامر بن فهيرة أزدى وفهيرة أمه مولاة أبي بكر. وأفد بن عبد الله بن عبد مناف تميمي من حلفاء بني عدي. وعمار بن ياسر عنسي بن مذحج مولى أبي مخزوم [٣] وصهيب بن سنان من بني النمر بن قاسط حليف بني جدعان. ودخل الناس في الدين أرسالا وفشا الإسلام وهم ينتحلون [٤] به ويذهبون إلى الشعاب فيصلون. ثم أمر رسول الله ﷺ أن يصدع بأمره ويدعوه إلى دينه بعد ثلاث سنين من مبدإ الوحي، فصعد على الصفا ونادى يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، فقال: لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلي. قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم نزل قوله وأنذر عشيرتك الأقربين. وتردّد إليه الوحي بالنذارة [٥] ، فجمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون على طعام

стр. 1209

صنعه لهم عليّ بن أبي طالب بأمره، ودعاهم إلى الإسلام ورغبهم وحذرهم وسمعوا كلامه وافترقوا. ثم إنّ قريشا حين صدع وسبّ الآلهة وعابها نكروا ذلك منه ونابذوه وأجمعوا على عداوته، فقام أبو طالب دونه محاميا ومانعا، ومشت إليه رجال قريش يدعونه الى النصفة عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، وأبو البختري [١] بن هشام بن الحرث ابن أسد بن عبد العزى، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخي الوليد، والعاصي بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن علي بن حذيفة بن سعد بن سهم، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. فكلموا أبا طالب وعادوه فردّهم ردّا جميلا، ثم عادوا إليه فسألوه النصفة فدعا النبي ﷺ الى بيته بمحضرهم وعرضوا عليه قولهم فتلا عليهم القرآن وأيأسهم من نفسه وقال لأبي طالب: يا عمّاه لا أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه. واستعبر وظنّ أنّ أبا طالب بدا له في أمره، فرقّ له أبو طالب وقال يا ابن أخي قل ما أحببت فو الله لا أسلمك أبدا. هجرة الحبشة ثم افترق أمر قريش وتعاهد بنو هاشم وبنو المطلب مع أبي طالب على القيام دون النبيّ ﷺ ووثب كل قبيلة على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم [٢] واشتدّ عليهم العذاب، فأمرهم النبيّ ﷺ بالهجرة إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم، وكان قريش يتعاهدونها بالتجارة فيحمدونها، فخرج عثمان بن عفّان وامرأته رقية بنت النبيّ ﷺ وأبو حذيفة بن كتبة بن ربيعة مراغما لأبيه وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عامر بن لؤيّ والزبير بن العوام ومصعب بن عمير بن عبد شمس وابو سبرة بن أبي رهم [٣] بن عبد العزى العامري من بني عامر بن لؤيّ وسهيل بن بيضاء من بني الحرث بن فهر وعبد الله بن مسعود وعامر بن

стр. 1210

ربيعة العنزي حليف بني عدي وهو من عنز بن وائل ليس من عنزة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة. فهؤلاء الأحد عشر رجلا كانوا أوّل من هاجر إلى أرض الحبشة، وتتابع المسلمون من بعد ذلك، ولحق بهم جعفر بن أبي طالب وغيره من المسلمين. وخرجت قريش في آثار الأوّلين إلى البحر فلم يدركوهم، وقدموا إلى أرض الحبشة فكانوا بها، وتتابع المسلمون في اللحاق بهم، يقال إنّ المهاجرين إلى أرض الحبشة بلغوا ثلاثة وثمانين رجلا. فلما رأت قريش النبيّ ﷺ قد امتنع بعمّه وعشيرته وأنّهم لا يسلمونه طفقوا يرمونه عند الناس ممن يفد على مكة بالسحر والكهانة والجنون والشعر يرومون بذلك صدّهم عن الدخول في دينه، ثم انتدب جماعة منهم لمجاهرته ﷺ بالعداوة والاذاية [١] ، منهم: عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب أحد المستهزءين، وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط أحد المستهزءين، وأبو سفيان من المستهزءين، والحكم بن أبي العاص بن أمية من المستهزءين أيضا، والنضر بن الحرث من بني عبد الدار، والأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزى من المستهزءين وابنه زمعة، وأبو البختري العاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، وأبو جهل بن هشام وأخوه العاص وعمهما الوليد وابن عمهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي وابنا عمه نبيه ومنبه، وأميّة وأبي ابنا خلف بن جمح. وأقاموا يستهزءون بالنبيّ ﷺ ويتعرضون له بالاستهزاء والاذاية حتى لقد كان بعضهم ينال منه بيده، وبلغ عمه حمزة يوما أنّ أبا جهل بن هشام تعرض له يوما بمثل ذلك وكان قوي الشكيمة، فلم يلبث أن جاء إلى المسجد وأبو جهل في نادي قريش، وحتى وقف على رأسه وضربه وشجّه، وقال له: تشتم محمدا وأنا على دينه؟ وثار رجال بني مخزوم إليه فصدهم أبو جهل وقال دعوه فاني سببت ابن أخيه سبّا قبيحا. ومضى حمزة على إسلامه، وعملت قريش أنّ جانب المسلمين قد اعتز بحمزة فكفّوا بعض الشرّ بمكانه فيهم، ثم اجتمعوا وبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشيّ ليسلم إليهم من هاجر إلى أرضه من المسلمين فنكر النجاشيّ رسالتهما وردهما مقبوحين. ثم أسلم عمر بن الخطاب وكان سبب إسلامه أنه بلغه أنّ أخته فاطمة أسلمت مع

стр. 1211

زوجها سعيد ابن عمه زيد، وأن خباب بن الأرت عندهما يعلمهما القرآن، فجاء إليهما منكرا وضرب أخته فشجّها، فلما رأت الدم قالت: قد أسلمنا وتابعنا محمدا فافعل ما بدا لك!، وخرج إليه خباب من بعض زوايا البيت فذكّره ووعظه، وحضرته الانابة فقال له: اقرأ عليّ من هذا القرآن، فقرأ من سورة طه وأدركته الخشية فقال له: كيف تصنعون إذا أردتم الإسلام؟ فقالوا له وأروه الطهور. ثم سأل على مكان النبي ﷺ فدل عليه، فطرقهم في مكانهم، وخرج إليه النبيّ ﷺ فقال: مالك يا ابن الخطّاب؟ فقال: يا رسول الله جئت مسلما، ثم تشهّد شهادة الحق ودعاهم إلى الصلاة عند الكعبة فخرجوا وصلوا هنالك، واعتز المسلمون بإسلامه. وكان النبيّ ﷺ يقول في دعائه: اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأحد العمرين يعنيه أو أبا جهل. ولما رأت قريش فشوّ الإسلام وظهوره أهمهم ذلك، فاجتمعوا وتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في الكعبة، وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم فصاروا في شعب أبي طالب محصورين متجنبين، حاشا أبي لهب فإنه كان مع قريش على قومهم، فبقوا كذلك ثلاث سنين لا يصل إليهم شيء ممن أراد صلتهم إلّا سرا ورسول الله ﷺ مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله والوحي عليه متتابع. إلى أنّ قام في نقض الصحيفة رجال من قريش كان أحسنهم في ذلك أثرا هشام بن عمرو بن الحرث من بني حسل بن عامر بن لؤيّ، لقي زهير بن أبي أمية بن المغيرة وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فعيّره بإسلامه أخواله إلى ما هم فيه، فأجاب إلى نقض الصحيفة. ثم مضى إلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وذكر رحم هاشم والمطلب ثم الى أبي البختري [١] بن هشام وزمعة بن الأسود فأجابوا كلّهم، وقاموا في نقض الصحيفة، وقد بلغهم عن النبي ﷺ أنّ الصحيفة أكلت الأرضة كتابتها كلها حاشا أسماء الله، فقاموا بأجمعهم فوجدوها كما قال، فخزوا ونقض حكمها. ثم أجمع أبو بكر الهجرة وخرج لذلك فلقيه ابن الدغنة [٢] فردّه، ثم اتصل

стр. 1212

بالمهاجرين في أرض الحبشة خبر كاذب بأنّ قريشا قد أسلموا، فرجع إلى مكة قوم منهم عثمان بن عفّان وزوجته وأبو حذيفة وامرأته وعبد الله بن عتبة بن غزوان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ومصعب بن عمير وأخوه والمقداد بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم المؤمنين وسلمة بن هشام بن المغيرة وعمّار بن ياسر وبنو مظعون عبد الله وقدامة وعثمان وابنه السائب وخنيس بن حذافة وهشام بن العاص وعامر بن ربيعة وامرأته وعبد الله بن مخرمة من بني عامر بن لؤيّ وعبد الله بن سهل بن السكران بن عمرو وسعد بن خولة وأبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء وعمرو بن أبي سرح، فوجدوا المسلمين بمكة على ما كانوا عليه مع قريش من الصبر على أذاهم، ودخلوا الى مكة بعضهم مختفيا وبعضهم بالجوار، فأقاموا إلى أن كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن مات بعضهم بمكة. ثم هلك أبو طالب وخديجة وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين فعظمت المصيبة، وأقدم عليه سفهاء قريش بالاذاية والاستهزاء وإلقاء القاذورة [١] في مصلاه. فخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام والنصرة والمعونة وجلس إلى عبد ياليل بن عمر بن عمير وأخويه مسعود وحبيب وهم يومئذ سادات ثقيف وأشرافهم، وكلمهم فأساءوا الردّ، ويئس منهم فأوصاهم بالكتمان فلم يقبلوا وأغروا به سفاءهم فاتبعوه حتى ألجئوه الى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة، فأوى إلى ظله حتى اطمأن ثم رفع طرفه إلى السماء يدعو: «اللَّهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي وقلة حيلتي وهو اني على الناس أنت أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين أنت ربي إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلي عدوّ ملكته أمري إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوّة إلّا بك» . ولما انصرف من الطائف الى مكة بات بنخلة، وقام يصلّي من جوف الليل، فمرّ به نفر من الجنّ وسمعوا القرآن. ثم دخل رسول الله ﷺ إلى مكة في جوار المطعم بن عدي بعد أن عرض ذلك على غيره من رؤساء قريش فاعتذروا بما قبله منهم. ثم قدم عليه الطفيل بن عمرو الدوسيّ فأسلم ودعا قومه فأسلم بعضهم ودعا له رسول الله ﷺ أن يجعل الله له علامة للهداية فجعل في وجهه نورا ثم

стр. 1213

دعا له فنقله إلى سوطه وكان يعرف بذي النور. وقال ابن حزم: ثم كان الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السموات، ولقي من لقي من الأنبياء، ورأى جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء السادسة، وفرضت الصلاة في تلك الليلة. وعند الطبري الإسراء وفرض الصلاة كان أوّل الوحي. ثم كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على وفود العرب في الموسم يأتيهم في منازلهم ليعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إلى نصره ويتلو عليهم القرآن، وقريش مع ذلك يتعرضونهم بالمقابح إن قبلوا منه وأكثرهم في ذلك أبو لهب. وكان من الذين عرض عليهم في الموسم بنو عامر بن صعصعة من مضر وبنو شيبان وبنو حنيفة من ربيعة وكندة من قحطان وكلب من قضاعة وغيرهم من قبائل العرب، فكان منهم من يحسن الاستماع والعذر، ومنهم من يعرض ويصرح بالإذاية، ومنهم من يشترط الملك الّذي ليس هو من سبيله فيردّ ﷺ الأمر إلى الله. ولم يكن فيهم أقبح ردّا من بني حنيفة. وقد ذخر الله الخير في ذلك كله للأنصار، فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بن الأوس، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فلم يبعد ولم يجب، وانصرف الى المدينة فقتل في بعض خروبهم وذلك قبل بعاث. ثم قدم بمكّة أبو الحيسر أنس بن رافع في فتية من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ منهم وكان شابا حدثا: هذا والله خير مما جئنا له، فانتهره أبو الحيسر فسكت. ثم انصرفوا إلى بلادهم ولم يتم لهم الحلف ومات إياس فيقال: إنه مات مسلما. ثم إنّ رسول الله ﷺ لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك [١] ابن النجار، وعوف بن الحرث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمر وبن عامر بن زيد بن مالك بن غضبة بن جشم بن الخزرج، وطبقة بن عامر بن حيدرة بن عمر وبن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد ابن مراد بن يزيد بن جشم، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة، وجابر بن عبد الله بن رئاب بن

стр. 1214

نعمان بن سلمة [١] بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة. وفدعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، وكان من صنع الله لهم أنّ اليهود جيرانهم كانوا يقولون إنّ نبيا يبعث وقد أظل زمانه، فقال بعضهم لبعض هذا والله النبيّ الّذي تحدّثكم به اليهود فلا يسبقونا إليه. فآمنوا وأسلموا وقالوا إنّا قد قدّمنا فيهم [٢] حروبا فنتصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه فعسى الله أن يجمع كلمتهم بك فلا يكون أحد أعز منك، فانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى السلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها ذكر النبيّ ﷺ . حتى إذا كان العام القابل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة الّذي ذكرناهم، ما عدا جابر بن عبد الله فإنه لم يحضرها، وسبعة من غيرهم وهم: معاذ بن الحرث أخو عوف بن الحرث المذكور وقيل إنه ابن عفراء، وذكوان بن عبد قيس بن خالدة، وخالد بن مخلد بن عامر بن زريق، وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهد بن ثعلبة بن صرمة بن أصرم بن عمرو بن عبادة بن عصيبة من بني حبيب، والعبّاس ابن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو ابن عوف هؤلاء عشرة من الخزرج. ومن الأوس: أبو الهيثم مالك بن التيهان وهو من بني عبد الأشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج بن عمر ابن مالك بن أوس، وعويم بن ساعدة من بني عمر وبن عوف بن مالك بن الأوس بن حارثة. فبايع هؤلاء رسول الله ﷺ عند العقبة على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على الطاعة لرسول الله ﷺ وعلى أن لا يشركوا باللَّه شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يفتروا الكذب. فلما حان انصرافهم بعث رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يدعوهم إلى الإسلام ويعلم من أسلم منهم القرآن والشرائع، فنزل بالمدينة على أسعد بن زرارة، وكان مصعب يؤمهم وأسلم على يديه خلق كثير من الأنصار. وكان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابنا الخالة، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير [٣] إلى أسعد بن زرارة وكان جارا لبني عبد الأشهل، فأنكروا عليه فهداهما الله إلى السلام، وأسلم

стр. 1215

بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد الرجال والنساء. ولم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها المسلمون رجال ونساء حاشا بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، بطون من الأوس وكانوا في عوالي المدينة، فأسلم منهم قوم سيدهم أبو قيس صيفي بن الأسلت الشاعر فوقف بهم عن الإسلام حتى كان الخندق فأسلموا كلهم . العقبة الثانية ثم رجع مصعب المذكور ابن عمير إلى مكة وخرج معه إلى الموسم جماعة ممن أسلم من الأنصار للقاء النبي ﷺ في جملة قوم منهم لم يسلموا بعد، فوافوا مكة وواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، ووافوا ليلة ميعادهم إلى العقبة متسللين عن رحالهم سرّا ممن حضر من كفّار قومهم، وحضر معهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وأسلم تلك الليلة، فبايعوا رسول الله ﷺ على أن يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم وأن يرحل إليهم هو وأصحابه. وحضر العبّاس بن عبد المطّلب، وكان على دين قومه بعد، وإنما توثق للنبيّ ﷺ وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الإخلاص والتوثق لرسول الله ﷺ وكان أوّل من بايع. وكانت عدّة الذين بايعوا تلك الليلة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين، واختار منهم رسول الله ﷺ اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي. فمن الخزرج من أهل العقبة الأولى: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة ابن الصامت. ومن غيرهم سعد بن الربيع بن عمر بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس، ومالك بن مالك، وثعلبة بن كعب بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عديّ بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبد الله بن عمرو بن حرام [١] أبو جابر، وسعد بن عبادة بن دليم [٢] بن حارثة بن لودان بن عبد، ودّ بن يزيد بن ثعلبة بن الخزرج بن

стр. 1216

ساعدة. وثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن حضر بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة بن الحارث [١] بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. وقد قدّم أبو الهيثم بن التيهان مكان رفاعة هذا والله أعلم. ولما تمت هذه البيعة أمرهم رسول الله ﷺ بالرجوع إلى رحالهم فرجعوا، ونمي الخبر إلى قريش فغدت الجلة [٢] منهم على الأنصار في رحالهم فعاتبوهم، فأنكروا ذلك وحلفوا لهم، وقال لهم عبد الله بن أبي بن سلول ما كان قومي ليتفقوا على مثل هذا وأنا لا أعلمه، فانصرفوا عنه وتفرّق الناس من منى، وعلمت قريش صحة الخبر فخرجوا في طلبهم، فأدركوا سعد بن عبادة فجاءوا به إلى مكة يضربونه ويجرّونه بشعره حتى نادى بجبير بن مطعم والحرث بن أميه وكان يجيرهما ببلده فخلصاه مما كان فيه. وقد كانت قريش قبل ذلك سمعوا صائحا يصيح ليلا على جبل أبي قبيس: فأن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف فقال أبو سفيان السعدان سعد بكر وسعد هذيم فلما كان في الليلة القابلة سمعوه يقول: أيا سعد: سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين [٣] الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف فإنّ ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات فارف فقال هما والله سعد بن عبادة وسعد بن معاذ. ولما فشا الإسلام بالمدينة وطفق أهلها يأتون رسول الله ﷺ بمكّة، تعاقدت على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم فأصابهم من ذلك جهد شديد. ثم نزل قوله تعالى: «وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ٨: ٣٩» . فلما تمت بيعة الأنصار على ما وصفناه أمر رسول الله ﷺ أصحابه ممن هو بمكّة بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا وأوّل من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد ونزل في

стр. 1217

قبا، ثم هاجر عامر بن ربيعة حليف بني عدي [١] بامرأته ليلى بنت أبي خيثمة بن غانم، ثم هاجر جميع بني جحش من بني أسد بن خزيمة ونزلوا بقبا على عكاشة بن محصن وجماعة من بني أسد حلفاء بني أمية كانت فيهم زينب بنت جحش أم المؤمنين وأختاها حمنة وأم حبيبة، ثم هاجر عمر بن الخطّاب وعياش [٢] بن أبي ربيعة في عشرين راكبا فنزلوا في العوالي في بني أمية بن زيد وكان يصلّي بهم سالم مولى أبي حذيفة. وجاء أبو جهل بن هشام فخادع عياش بن أبي ربيعة وردّه إلى مكة فحبسوه حتى تخلص بعد حين ورجع. وهاجر مع عمر أخوه وسعيد ابن عمه زيد وصهره على بنته حفصة أم المؤمنين خنيس [٣] بن حذافة السهمي وجماعة من حلفاء بني عدي، نزلوا بقبا على رفاعة بن عبد المنذر من بني عوف بن عمرو. ثم هاجر طلحة بن عبيد الله فنزل هو وصهيب بن سنان على حبيب بن أساف في بني الحرث بن الخزرج بالسلم، وقيل بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة. ثم هاجر حمزة بن عبد المطّلب ومعه زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وحليفه أبو مرثد كناز بن حصين الغنوي فنزلوا في بني عمر وبن عوف بقبا على كلثوم بن الهدم، ونزل جماعة من بني المطلب بن عبد مناف فيهم مسطح بن اثاثة ومعه خباب بن الأرت مولى عتبة بن غزوان في بني المسجلان بقبا، ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع في بني الحرث بن الخزرج، ونزل الزبير بن العوّام وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى على المنذر بن محمد بن عتبة بن أحيحة الجلاح في دار بني جحجبا، ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ في بني عبد الأشهل، ونزل أبو حذيفة بن عتبة ومولاه سالم وعتبة ابن غزوان المازني على عباد بن بشر من بني عبد الأشهل، ولم يكن سالم عتيق أبي حذيفة وإنّما أعتقته امرأة من الأوس كانت زوجا لأبي حذيفة اسمها بثينة بنت معاذ فتبناه ونسب اليه. ونزل عثمان بن عفان في بني النجّار على أوس أخي حسّان بن ثابت. ولم يبق أحد من المسلمين بمكّة مع رسول الله ﷺ إلّا أبو بكر وعلي بن أبي طالب فإنّهما أقاما بأمره وكان ﷺ ينتظر أن يؤذن له في الهجرة.

стр. 1218

الهجرة ولما علمت قريش أنّ رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأنصار من غيرهم وأنه مجمع على اللحاق بهم وأنّ أصحابه من المهاجرين سبقوه إليهم تشاوروا ما يصنعون في أمره، واجتمعت لذلك مشيختهم في دار الندوة: عتبة وشيبة وأبو سفيان من بني أمية وطعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر من بني نوفل والنضر بن الحارث من بني عبد الدار وأبو جهل من بني مخزوم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج من بني سهم وأمية بن خلف من بني جمح، ومعهم من لا يعدّ من قريش. فتشاوروا في حبسه أو إخراجه عنهم، ثم اتفقوا على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى شابا جلدا فيقتلونه جميعا فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميعهم. واستعدوا لذلك من ليلتهم وجاء الوحي بذلك إلى النبيّ ﷺ ، فلمّا رأى أرصدهم على باب منزله أمر علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ويتوشح ببرده، ثم خرج رسول الله ﷺ عليهم فطمس الله تعالى على أبصارهم ووضع على رءوسهم ترابا وأقاموا طول ليلهم، فلما أصبحوا خرج إليهم عليّ فعلموا أنّ النبيّ ﷺ قد نجا، وتواعد رسول الله ﷺ مع أبي بكر الصدّيق، واستأجر عبد الله بن أريقط الدولي من بني بكر بن عبد مناف ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى، وكان كافرا وحليفا للعاص بن وائل، لكنهما وثقا بامره [١] وكان دليلا بالطرق. وخرج رسول الله ﷺ من خوخة في ظهر دار أبي بكر ليلا، وأتيا الغار الّذي في جبل ثور بأسفل مكّة فدخلا فيه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وراعي غنمه يريح غنمه عليهما ليلا ليأخذ حاجتهما من لبنها، وأسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام. وتقفّى [٢] عامرا بالغنم أثر عبد الله [٣] ، ولما فقدته قريش اتبعوه ومعهم القائف فقاف الأثر حتى وقف عند الغار وقال هنا انقطع الأثر! وإذا بنسج العنكبوت على فم الغار فاطمأنوا إلى ذلك ورجعوا، وجعلوا مائة ناقة لمن ردّهما عليهم.

стр. 1219

ثم أتاهما عبد الله بن أريقط بعد ثلاث براحلتهما [١] فركبا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة، وأتتهما أسماء بسفرة لهما وشقت نطاقها وربطت السفرة فسميت ذات النطاقين. وحمل أبو بكر جميع ماله نحو ستة آلاف درهم، ومرّوا بسراقة بن مالك بن جعشم فاتبعهم ليردّهم، ولمّا رأوه دعا عليه رسول الله ﷺ فساخت قوائم فرسه في الأرض، فنادى بالأمان وأن يقفوا له. وطلب من النبي أن يكتب له كتابا فكتبه أبو بكر بأمره، وسلك الدليل من أسفل مكّة على الساحل أسفل من عسفان [٢] وأمج وأجاز قديدا الى العرج ثم إلى قبا من عوالي المدينة. ووردوها قريبا من الزوال يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأوّل، وخرج الأنصار يتلقونه وقد كانوا ينتظرونه حتى إذا [٣] قلصت الظلال رجعوا إلى بيوتهم. فتلقوه مع أبي بكر في ظلّ نخلة، ونزل ﵇ بقبا على سعد بن خيثمة، وقيل على كلثوم بن الهدم [٤] ، ونزل أبو بكر بالسخ في بني الحرث بن خزرج على خبيب بن أسد، وقيل على خارجة بن زيد. ولحق بهم عليّ ﵁ من مكّة بعد أن ردّ الودائع للناس التي كانت عند النبيّ ﷺ ، فنزل معه بقبا. وأقام رسول الله ﷺ هنالك أياما ثم نهض لما أمر الله وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلّاها في المسجد هنالك ورغب إليه رجال بني سالم أن يقيم عندهم، وتبادروا إلى خطام ناقته اغتناما لبركته. فقال ﵇: خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة، ثم مشى والأنصار حواليه إلى أنّ مرّ بدار بني بياضة، فتبادر إليه رجالهم يبتدرون خطام الناقة، فقال: دعوها فإنّها مأمورة. ثم مرّ بدار بني ساعدة فتلقّاه رجال وفيهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ودعوه كذلك وقال لهم مثل ما قال للآخرين. ثم إلى دار بني حارثة [٥] بن الخزرج فتلقّاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة. ثم مرّ ببني عديّ بن النجار أخوال عبد المطلب ففعلوا وقال لهم مثل ذلك، إلى أن أتي دار بني مالك بن النجار فبركت ناقته على باب مسجده اليوم وهو يومئذ لغلامين منهم في حجر معاذ بن عفراء اسمهما سهل وسهيل وفيه خرب ونخل وقبور للمشركين ومربد، ثم

стр. 1220

بركت الناقة وبقي على ظهرها ولم ينزل فقامت ومشت غير بعيد ولم يثنها، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مكانها الأوّل فبركت واستقرّت ونزل رسول الله ﷺ عنها. وحمل أبو أيوب رحله إلى داره فنزل عليه وسأل عن المربد وأراد أن يتخذه مسجدا، فاشتراه من بني النجّار بعد أن وهبوه إياه فأبى من قبوله، ثم أمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطعت، وبني المسجد باللبن وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد، وعمل فيه المسلمون حسبة [١] للَّه . ثم وداع اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة شرط فيه لهم وعليهم. ثم مات أسعد بن زرارة وكان نقيبا لبني النجّار فطلبوا إقامة نقيب مكانه، فقال أنا نقيبكم، ولم يخص بها منهم آخر دون آخر فكانت من مناقبهم. ثم لما رجع عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبي بكر بمكانه فخرج ومعه عائشة أخته وأمها أم رومان ومعهم طلحة بن عبيد الله [٢] فقدموا المدينة وتزوّج رسول الله ﷺ عائشة بنت أبي بكر وبنى بها في منزل أبي بكر بالسنح. وبعث رسول الله ﷺ أبا رافع إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة فحملاهنّ [٣] إليه من مكة، وبلغ الخبر بموت أبي أحيحة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل من مشيخة قريش. ثم آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين جعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة ومعاذ بن جبل، وبين أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد، وبين عمر بن الخطّاب وعثمان بن مالك من بني سالم [٤] ، وبين أبي عبيدة بن الجرّاح وسعد بن معاذ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وبين عثمان بن عفّان وأوس بن ثابت أخي حسان، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر بن وقش من بني عبد الأشهل، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان العنسيّ حليف بني عبد الأشهل وقيل بل ثابت بن قيس بن شمّاس، وبين أبي ذر الغفاريّ

стр. 1221

والمنذر بن عمرو بن بني ساعدة، وبين حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزّى، وعويم بن ساعدة من بني عمرو بن عوف، وبين سلمان الفارسيّ وأبي الدرداء، وعمير بن بلتعة من بني الحرث بن الخزرج [١] وبين بلال بن حمامة وأبي رويحة الخثعميّ [٢] . ثم فرضت الزكاة ويقال وزيد في صلاة الحاضر [٣] ركعتين فصارت أربعا بعد أن كانت ركعتين سفرا وحضرا. ثم أسلم عبد الله بن سلام وكفر جمهور اليهود، وظهر قوم من الأوس والخزرج منافقون يظهرون الإسلام مراعاة لقومهم من الأنصار ويصرّون الكفر، وكان رءوسهم من الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول والجدّ بن قيس، ومن الأوس الحرث بن سهيل بن الصامت وعبّاد بن حنيف ومربع بن قيظي وأخوه أوس من أهل مسجد الضرار. وكان قوم من اليهود أيضا تعوذوا بالإسلام وهم يبطنون الكفر منهم: سعد بن حنيس [٤] وزيد بن اللصيت [٥] ورافع بن خزيمة ورفاعة بن زيد ابن التابوت وكنانة بن خبورا [٦] . الغزوات الأبواء: ولما كان شهر صفر بعد مقدم النبيّ ﷺ المدينة خرج في مائتين من أصحابه يريد قريشا وبني ضمرة، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، فبلغ ودّان والأبواء ولم يلقهم. واعترضه مخشى بن عمر وسيد بني ضمرة بن عبد منات بن كنانة وسأله موادعة قومه فعقد له، ورجع إلى المدينة ولم يلق حربا. وهي أوّل غزاة غزاها بنفسه، ويسمى بالأبواء وبودّان المكانان اللذان انتهى إليهما، وهما متقاربان بنحو ستة أميال، وكان صاحب اللواء فيها حمزة بن عبد المطّلب. بواط: ثم بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة فيها أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش ذاهبة إلى مكة، فخرج في ربيع الآخر لاعتراضها واستعمل على المدينة

стр. 1222

السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الطبري: سعد بن معاذ فانتهى إلى بواط ولم يلقهم ورجع إلى المدينة. غزوة العشيرة: ثم خرج في جمادى الأولى غازيا قريشا، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد فسلك عن جانب من الطريق إلى أن لقي الطريق بصخيرات اليمام إلى العشيرة من بطن ينبع، فأقام هنالك بقية جمادى الأولى وليلة من جمادى الثانية ووداع بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا. بدر الأولى [١] وأقام بعد العشيرة نحو عشر ليلا ثم أغار كرز بن جابر الفهريّ على سرح المدينة، فخرج في طلبه حتى بلغ ناحية بدر، وفاته كرز فرجع الى المدينة. البعوث: وفي هذه الغزوات كلها غزا بنفسه وبعث فيما بينها بعوثا نذكرها (فمنها) : بعث حمزة بعد الأبواء، بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين إلى سيف البحر فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهنيّ [٢] ولم يكن قتال. ومنها بعث عبيدة بن الحرث بن المطلب في ستين راكبا وثمانين من المهاجرين فبلغ ثنية المرار [٣] ولقي بها جمعا عظيما من قريش كان عليهم عكرمة بن أبي جهل وقيل مكرز بن حفص بن الأحنف ولم يكن بينهم قتال. وكان مع الكفّار يومئذ من المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان، خرجا مع الكفار ليجد السبيل إلى اللحاق بالنبيّ ﷺ فهربا إلى المسلمين وجاءا معهم. وكان بعث حمزة وعبيدة متقاربين، واختلف أيهما كان قبل إلا أنهما أوّل راية عقدها رسول الله ﷺ . وقال الطبريّ إنّ بعث حمزة كان قبل ودّان في شوال لسبعة أشهر من الهجرة. ومنها بعث سعد [٤] بن أبي وقّاص في ثمانية رهط من المهاجرين يطلب كرز بن جابر حين أغار على سرح المدينة فبلغ المرار ورجع. ومنها بعث عبد الله بن جحش إثر مرجعه من بدر الأولى في شهر رجب بعثه بثمانية من المهاجرين وهم أبو حذيفة بن عتبة وعكاشة بن محصن بن أسد بن خزيمة وعتبة

стр. 1223

بن غزوان بن مازن بن منصور وسعد بن أبي وقاص وعامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي وواقد بن عبد الله بن زيد مناة بن تميم وخالد بن البكير بن سعد بن ليث وسهيل بن بيضا [١] بن فهر بن مالك، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ولا يكره أحدا من أصحابه، فلما قرأ الكتاب بعد يومين وجد فيه أن تمضي حتى تنزل نخلة بين مكّة والطائف وترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم، فأخبر أصحابه وقال: حتى ننزل النخلة بين مكة والطائف ومن أحب الشهادة فلينهض ولا أستكره أحدا. فمضوا كلهم وضل لسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان في بعض الطريق بعير لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ونفر الباقون إلى نخلة، فمرّت بهم عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرميّ وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل والحكم بن كيسان مولاهم وذلك آخر يوم من رجب، فتشاور المسلمون وتحرج بعضهم الشهر الحرام ثم اتفقوا واغتنموا الفرصة فيهم، فرمى واقد بن عبد الله [٢] عمرو بن الحضرميّ فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل، وقدموا بالعير والأسيرين وقد أخرجوا الخمس فعزلوه. فأنكر النبيّ ﷺ فعلهم ذلك في الشهر الحرام، فسقط في أيديهم ثم أنزل الله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ٢: ٢١٧» الآية إلى قوله «حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ٢: ٢١٧» . فسرّى عنهم وقبض النبيّ ﷺ الخمس وقسم الغنيمة وقبل الفداء في الأسيرين، وأسلم الحكم بن كيسان منهما، ورجع سعد وعتبة سالمين إلى المدينة. وهذه أوّل غنيمة غنمت في الإسلام وأوّل غنيمة خمست في الإسلام وقتل عمرو بن الحضرميّ هو الّذي هيج [٣] وقعة بدر الثانية. صرف القبلة: ثم صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، خطب بذلك على المنبر وسمعه بعض الأنصار فقام فصلّى ركعتين إلى الكعبة، قاله ابن حزم. وقيل على رأس ثمانية عشر شهرا، وقيل ستة عشر، ولم يقل غير ذلك. غزوة بدر الثانية: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة إلى رمضان من السنة

стр. 1224

الثانية، ثم بلغه أنّ عيرا لقريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكّة معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش عميدهم أبو سفيان ومعه عمرو بن العاصي ومخرمة بن نوفل، فندب ﵇ المسلمين إلى هذه العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج، ولم يحتفل في الحشد لأنه لم يظن قتالا، واتصل خروجه بأبي سفيان، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم فنفروا وأرعبوا إلّا يسيرا منهم أبو لهب. وخرج ﷺ لثمان خلون من رمضان واستخلف على الصلاة عمرو بن أمّ مكتوم وردّ أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى إلى مصعب بن عمير، ودفع إلى عليّ راية، وإلى رجل من الأنصار أخرى يقال كانتا سوداوين. وكان مع أصحابه ﷺ يومئذ سبعون بعيرا يعتقبونها فقط. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة من بني النجّار، وراية الأنصار يومئذ مع سعد بن معاذ فسلكوا نقب المدينة إلى ذي الحليفة ثم انتهوا إلى صخيرات يمام [١] ثم إلي بئر الروحاء، ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء. وبعث ﵇ قبلها بسبس بن عمرو الجهنيّ حليف بني ساعدة وعديّ بن أبي الزغباء [٢] الجهنيّ حليف بني النجّار إلى بدر يتجسّسون أخبار أبي سفيان وغيره. ثم تنكّب عن الصفراء يمينا وخرج على وادي دقران، فبلغه خروج قريش ونفيرهم، فاستشار أصحابه، فتكلّم المهاجرون وأحسنوا، وهو يريد ما يقوله الأنصار وفهموا ذلك. فتكلّم سعد بن معاذ وكان فيما قال: «لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك فسر بنا يا رسول الله على بركة الله» فسرّ بذلك، وقال: «سيروا وأبشروا فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين» . ثم ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر وبعث عليّا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون الخبر فأصابوا غلامين لقريش، فأتوا بهما وهو ﵇ قائم يصليّ، وقالوا: نحن سقاة قريش فكذّبوهما كراهية في الخبر ورجاء أن يكونا من العير للغنيمة وقلّة المؤنة، فجعلوا يضربونهما فيقولان نحن من العير. فسلّم رسول الله ﷺ وأنكر عليهم، وقال للغلامين: أخبر اني أين قريش. فأخبراه أنّهم وراء الكثيب [٣]

стр. 1225

وأنّهم ينحرون يوما عشرا من الإبل ويوما تسعا. فقال ﵇: القوم بين التسعمائة والألف. وقد كان بسبس وعديّ الجهنيّان مضيا يتجسّسان ولا خبر حتى نزلا وأناخا قرب الماء واستقيا في شنّ لهما ومجدي بن عمرو بن جهينة بقربهما، فسمع عديّ جارية من جواري الحي تقول لصاحبتها العير تأتي غدا أو بعد غد وأعمل لهم وأقضيك الّذي لك وجاءت إلى مجدي بن عمرو فصدقها، فرجع بسبب وعديّ بالخبر. وجاء أبو سفيان بعدهما يتجسّس الخبر فقال لمجدي هل أحسست أحدا فقال راكبين أناخا يميلان لهذا التل فاستقيا الماء، ونهضا فأتى أبو سفيان مناخهما وفتت من أبعار رواحلهما، فقال هذه والله علائف يثرب فرجع سريعا وقد حذر وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا وأوصى إلى قريش بأنّا قد نجونا بالعير فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ونقيم به ثلاثا وتهابنا العرب أبدا، ورجع الأخنس بن شريق بجميع بني زهرة وكان حليفهم ومطاعا فيهم، وقال: إنّما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت فارجعوا. وكان بنو عديّ لم ينفروا مع القوم، فلم يشهد بدرا من قريش عدويّ ولا زهريّ. وسبق رسول الله ﷺ قريشا إلى ماء بدر وثبطهم عنه مطر نزل وبله مما يليهم وأصاب مما يلي المسلمين دهس [١] الوادي، وأعانهم على السير، فنزل ﵇ على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح: «آللَّه أنزلك بهذا المنزل فلا نتحوّل عنه أم قصدت الحرب والمكيدة؟ فقال ﵇: لا بل هو الرأي والحرب. فقال يا رسول الله ليس هذا بمنزل، وإنّما نأتي أدنى ماء من القوم فنزله ونبني عليه حوضا فنملؤه ونغوّر القلب كلها فنكون قد منعناهم الماء. فاستحسنه رسول الله ﷺ . ثم بنوا له عريشا يكون فيه رسول الله ﷺ حتى يأتيه [٢] من ربه النصر، ومشى يريهم مصارع القوم واحدا واحدا، ولما نزل قريش مما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ يحزر [٣] له أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم فارسان الزبير والمقداد، فحزرهم وانصرف وخبّرهم الخبر، ورام حكيم بن حزام

стр. 1226

وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش ولا يكون الحرب، فأبى أبو جهل وساعده المشركون، وتواقفت الفئتان. وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف بيده ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده، وطفق يدعو ويلح وأبو بكر يقاوله ويقول في دعائه اللَّهمّ أن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، وسعد بن معاذ وقوم معه من الأنصار على باب العريش يحمونه وأخفق [١] رسول الله ﷺ ، ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله. ثم خرج يحرّض الناس، ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول: شاهت الوجوه. ثم تزاحفوا فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز فخرج إليهم عبيدة بن الحرث وحمزة بن عبد المطّلب وعلي بن أبي طالب فقتل حمزة وعلي شيبة والوليد وضرب عتبة عبيدة فقطع رجله فمات وجاء حمزة وعليّ إلى عتبة فقتلاه. وقد كان برز إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من الأنصار فأبوا إلّا قومهم، وجال القوم جولة فهزم المشركون وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا فمن مشاهيرهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب وابنا سعيد بن العاص عبيدة والعاص، والحرث بن عامر بن نوفل وابن عمه طعيمة بن عديّ وزمعة بن الأسود وابنه الحرث وأخوه عقيل بن الأسود وابن عمه أبو البختري بن هشام ونوفل بن خويلد بن أسد وأبو جهل بن هشام، اشترك فيه معاذ ومعوذ ابنا عفراء ووجده عبد الله بن مسعود وبه رمق فحزّ رأسه، وأخوه العاص بن هشام وابن عمهما مسعود بن أمية وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه أبو قيس بن الفاكه، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاصي بن منبه وأميه بن خلف وابنه عليّ وعمير بن عثمان عمّ طلحة. وأسر العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب والسائب بن عبد يزيد من بني المطلب وعمرو بن أبي سفيان بن حرب وأبو العاص بن الربيع وخالد بن أسيد بن أبي العيص وعديّ بن الخيار من بني نوفل وعثمان بن عبد شمس ابن عمّ عتبة بن غزوان وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير وخالد بن هشام ابن المغيرة وابن عمه رفاعة [٢] بن أبي رفاعة وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة والوليد

стр. 1227

بن الوليد أخو خالد وعبد الله وعمرو ابنا أبيّ بن خلف وسهيل بن عمرو في آخرين مذكورين في كتب السير. واستشهد من المسلمين، من المهاجرين: عبيدة بن الحارث بن المطلب وعمير بن أبي وقاص وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة وصفوان بن بيضاء من بني الحرث بن فهر ومهجع مولى عمر بن الخطّاب ﵁ أصابه سهم فقتله، وعاقل بن البكير الليثي حليف بني عديّ من الأنصار. ثم من الأوس: سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر. ومن الخزرج: يزيد بن الحارث [١] بن الخزرج وعمير بن الحمام من بني سلمة سمع رسول الله ﷺ يحض على الجهاد ويرغب في الجنة وفي يده تمرات يأكلهن فقال: بخ بخ أما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم رمى بهنّ وقاتل حتى قتل، ورافع بن المعلّى من بني حبيب بن عبد حارثة وحارثة بن سراقة من بني النجّار وعوف ومعوذ ابنا عفراء. ثم انجلت الحرب وأمر رسول الله ﷺ بقتلى المشركين فسحبوا إلى القليب وطم عليهم التراب، وجعل على النفل [٢] عبد الله بن كعب بن عمرو بن مبدول بن عمر بن غنم بن مازن بن النجّار، ثم انصرف إلى المدينة فلما نزل الصفراء قسم الغنائم كما أمر الله، وضرب عنق النضر بن الحرث بن كلدة من بني عبد الدار، ثم نزل عرق الظبية فضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أميّة وكان في الأسارى ومرّ إلى المدينة فدخلها لثمان بقين من رمضان. غزوة الكدر: وبلغ رسول الله ﷺ بعد رجوعه إلى المدينة اجتماع غطفان فخرج يريد بني سليم بعد سبع ليال من منصرفه، واستخلف على المدينة سبّاع بن عرفطة الغفاريّ أو ابن أمّ مكتوم، فبلغ ماء يقال له الكدر وأقام عليه ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا، وقيل إنه أصاب من نعمهم ورجع بالغنيمة، وإنه بعث غالب بن عبد الله الليثي في سرية فنالوا منهم وانصرفوا بالغنيمة. وأقام رسول الله ﷺ إلى ذي الحجة، وفدى رسول الله ﷺ أكثر أسارى بدر.

стр. 1228

غزوة السويق: ثم إنّ أبا سفيان لما انصرف من بدر نذر أن يغزو المدينة فخرج في مائتي راكب حتى أتى بني النضير ليلا، فتوارى عنه جيّ بن أخطب ولقيه سلام بن مشكم وقراه [١] وأعلمه بخبر الناس، ثم رجع ومرّ بأطراف المدينة فحرق نخلا وقتل رجلين في حرث لهما، فنفر رسول الله ﷺ والمسلمون، واستعمل على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وبلغ الكدر [٢] وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا السويق من أزوادهم ليتخففوا، فأخذها المسلمون فسميت لذلك غزوة السويق. وكانت في ذي الحجة بعد بدر بشهرين. ذي أمرّ: ثم خرج رسول الله ﷺ في شهر المحرم غازيا غطفان واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فأقام بنجد صفر وانصرف ولم يلق حربا. نجران: ثم خرج رسول الله ﷺ آخر ربيع الأوّل يريد قريشا واستخلف ابن أمّ مكتوم فبلغ نجران معدنا في الحجاز ولم يلق حربا. وأقام هنالك إلى جمادى الثانية من السنة الثالثة وانصرف إلى المدينة. قتل كعب بن الأشرف: وكان كعب بن الأشرف رجلا من طيِّئ وأمّه من يهود بني النضير، ولما أصيب أصحاب بدر، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مبشرين إلى المدينة، جعل يقول: ويلكم أحق هذا؟ وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، وإن كان محمد أصاب هؤلاء فبطن الأرض خير من ظهرها. ثم قدم مكّة ونزل على المطّلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية، فجعل يحرّض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بعاتكة ثم شبب بنساء المسلمين. فقال رسول الله ﷺ ومن يقتل كعب بن الأشرف، فانتدب لذلك محمد بن مسلمة وملكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة من بني عبد الأشهل أخو كعب من الرضاعة وعبّاد بن بشر بن وقش والحرث بن بشر بن معاذ وأبو عبس بن جبر من بني حارثة، وتقدّم إليه ملكان بن سلامة وأظهر له انحرافا عن النبيّ ﷺ عن إذن منه، وشكا إليه ضيق الحال ورام أن يبيعه وأصحابه طعاما ويرهنون سلاحهم. فأجاب إلى ذلك ورجع إلى أصحابه،

стр. 1229

فخرجوا وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد [١] في ليلة قمراء، وأتوا كعبا فخرج إليهم من حصنه ومشوا غير بعيد ثم وضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة معولا كان معه في ثنته [٢] فقتله. وصاح عدوّ الله صيحة شديدة انذعر لها أهل الحصون التي حواليه، وأوقدوا النيران، ونجا القوم وقد جرح منهم الحرث بن أوس ببعض سيوفهم فنزفه الدم وتأخر، ثم وافاهم بجرّة العريض آخر الليل، وأتوا النبيّ ﷺ وهو يصلي، وأخبروه وتفل على جرح الحرث فبرأ. وأذن للمسلمين في قتل اليهود لما بلغه أنهم خافوا من هذه الفعلة، وأسلم حينئذ حويصة بن مسعود، وقد كان أسلم قبله أخوه محيصة بسبب قتل بعضهم. غزوة بني قينقاع: وكان بنو قينقاع لما انصرف رسول الله ﷺ من بدر وقف بسوق بني قينقاع في بعض الأيام فوعظهم وذكرهم ما يعرفون من أمره في كتابهم، وحذّرهم ما أصاب قريشا من البطشة، فأساءوا الردّ وقالوا: لا يغرنك انك لقيت قوما لا يعرفون الحرب فأصبت منهم والله لئن جرّبتنا لتعلمنّ أنّا نحن الناس. فأنزل الله تعالى: «وَإِمَّا تَخافَنَّ من قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ٨: ٥٨» . وقيل بل قتل مسلم يهوديا بسوقهم في حق، فثاروا على المسلمين ونقضوا العهد ونزلت الآية. فسار إليهم رسول الله ﷺ ، واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وقيل أبا لبابة، وكانوا في طرف المدينة في سبعمائة مقاتل منهم ثلاثمائة دارع، ولم يكن لهم زرع ولا نخل إنما كانوا تجار أو صاغة يعملون بأموالهم، وهم قوم عبد الله بن سلام فحصرهم ﵇ خمس عشرة ليلة لا يكلم أحدا منهم حتى نزلوا على حكمه فكتفهم ليقتلوا، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول وألح في الرغبة [٣] حتى حقن له رسول الله ﷺ دماءهم، ثم أمر بإجلائهم وأخذ ما كان لهم من سلاح وضياع [٤] ، وأمر عبادة بن الصامت فمضى بهم إلى ظاهر ديارهم ولحقوا بخيبر، وأخذ رسول الله ﷺ الخمس من الغنائم وهو أول خمس

стр. 1230

أخذه، ثم انصرف إلى المدينة وحضر الأضحى فصلى بالناس في الصحراء وذبح بيده شاتين ويقال أنّهما أوّل أضحيته ﷺ . سرية زيد بن حارثة إلى قردة: وكانت قريش من بعد بدر قد تخوّفوا من اعتراض المسلمين عيرهم في طريق الشام وصاروا يسلكون طريق العراق، وخرج منهم تجّار فيهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية واستجاروا بفرات بن حيان من بكر بن وائل فخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على طريق العراق، وانتهى خبر العير إلى النبيّ ﷺ وما فيها من المال وآنية الفضة، فبعث زيد بن حارثة في سريّة فاعترضهم وظفر بالعير وأتى بفرات بن حيّان العجليّ أسيرا فتعوذ بالإسلام وأسلم. وكان خمس هذه الغنيمة عشرين ألفا. قتل ابن أبي الحقيق: كان سلام بن أبي الحقيق هذا من يهود خيبر وكنيته أبو رافع، وكان يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه ويحزب عليهم الأحزاب، مثلا أو قريبا من كعب بن الأشرف، وكان الأوس والخزرج يتصاولان تصاول الفحلين في طاعة رسول الله ﷺ والذبّ عنه والنيل من أعدائه، لا يفعل أحد القبيلتين شيئا من ذلك إلّا فعل الآخرون مثله. وكان الأوس قد قتلوا كعب بن الأشرف كما ذكرناه، فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل ابن أبي الحقيق نظير ابن الأشرف في الكفر والعداوة، فأذن لهم. فخرج إليهم من الخزج ثم من بني سلمة [١] ثمانية نفر منهم: عبد الله بن عقيل ومسعر بن سنان وأبو قتادة والحرث بن ربعي الخزاعي من حلفائهم في آخرين، وأمر عليهم عبد الله بن عقيل ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، وخرجوا في منتصف جمادى الآخرة من سنة ثلاث، فقدموا خيبر، وأتوا دار ابن أبي الحقيق في علية له بعد أن انصرف عنه سمره ونام، وقد أغلقوا الأبواب من حيث أفضوا كلها عليهم، ونادوه ليعرفوا مكانه بصوته، ثم تعاوروه بسيوفهم حتى قتلوه، وخرجوا من القصر وأقاموا ظاهره حتى قام الناعي على سور القصر فاستيقنوا موته، وذهبوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر. وكان أحدهم قد سقط من درج العلية فأصابه كسر في ساقه فمسح عليه رسول الله ﷺ وبرأ [٢] .
следующие страницы →