← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش ولا يكون الحرب، فأبى أبو جهل وساعده المشركون، وتواقفت الفئتان. وعدّل رسول الله ﷺ الصفوف بيده ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده، وطفق يدعو ويلح وأبو بكر يقاوله ويقول في دعائه اللَّهمّ أن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض اللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، وسعد بن معاذ وقوم معه من الأنصار على باب العريش يحمونه وأخفق [١] رسول الله ﷺ ، ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله. ثم خرج يحرّض الناس، ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول: شاهت الوجوه. ثم تزاحفوا فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز فخرج إليهم عبيدة بن الحرث وحمزة بن عبد المطّلب وعلي بن أبي طالب فقتل حمزة وعلي شيبة والوليد وضرب عتبة عبيدة فقطع رجله فمات وجاء حمزة وعليّ إلى عتبة فقتلاه. وقد كان برز إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من الأنصار فأبوا إلّا قومهم، وجال القوم جولة فهزم المشركون وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا فمن مشاهيرهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب وابنا سعيد بن العاص عبيدة والعاص، والحرث بن عامر بن نوفل وابن عمه طعيمة بن عديّ وزمعة بن الأسود وابنه الحرث وأخوه عقيل بن الأسود وابن عمه أبو البختري بن هشام ونوفل بن خويلد بن أسد وأبو جهل بن هشام، اشترك فيه معاذ ومعوذ ابنا عفراء ووجده عبد الله بن مسعود وبه رمق فحزّ رأسه، وأخوه العاص بن هشام وابن عمهما مسعود بن أمية وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه أبو قيس بن الفاكه، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاصي بن منبه وأميه بن خلف وابنه عليّ وعمير بن عثمان عمّ طلحة. وأسر العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب والسائب بن عبد يزيد من بني المطلب وعمرو بن أبي سفيان بن حرب وأبو العاص بن الربيع وخالد بن أسيد بن أبي العيص وعديّ بن الخيار من بني نوفل وعثمان بن عبد شمس ابن عمّ عتبة بن غزوان وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير وخالد بن هشام ابن المغيرة وابن عمه رفاعة [٢] بن أبي رفاعة وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة والوليد

стр. 1227

بن الوليد أخو خالد وعبد الله وعمرو ابنا أبيّ بن خلف وسهيل بن عمرو في آخرين مذكورين في كتب السير. واستشهد من المسلمين، من المهاجرين: عبيدة بن الحارث بن المطلب وعمير بن أبي وقاص وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة وصفوان بن بيضاء من بني الحرث بن فهر ومهجع مولى عمر بن الخطّاب ﵁ أصابه سهم فقتله، وعاقل بن البكير الليثي حليف بني عديّ من الأنصار. ثم من الأوس: سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر. ومن الخزرج: يزيد بن الحارث [١] بن الخزرج وعمير بن الحمام من بني سلمة سمع رسول الله ﷺ يحض على الجهاد ويرغب في الجنة وفي يده تمرات يأكلهن فقال: بخ بخ أما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم رمى بهنّ وقاتل حتى قتل، ورافع بن المعلّى من بني حبيب بن عبد حارثة وحارثة بن سراقة من بني النجّار وعوف ومعوذ ابنا عفراء. ثم انجلت الحرب وأمر رسول الله ﷺ بقتلى المشركين فسحبوا إلى القليب وطم عليهم التراب، وجعل على النفل [٢] عبد الله بن كعب بن عمرو بن مبدول بن عمر بن غنم بن مازن بن النجّار، ثم انصرف إلى المدينة فلما نزل الصفراء قسم الغنائم كما أمر الله، وضرب عنق النضر بن الحرث بن كلدة من بني عبد الدار، ثم نزل عرق الظبية فضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أميّة وكان في الأسارى ومرّ إلى المدينة فدخلها لثمان بقين من رمضان. غزوة الكدر: وبلغ رسول الله ﷺ بعد رجوعه إلى المدينة اجتماع غطفان فخرج يريد بني سليم بعد سبع ليال من منصرفه، واستخلف على المدينة سبّاع بن عرفطة الغفاريّ أو ابن أمّ مكتوم، فبلغ ماء يقال له الكدر وأقام عليه ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا، وقيل إنه أصاب من نعمهم ورجع بالغنيمة، وإنه بعث غالب بن عبد الله الليثي في سرية فنالوا منهم وانصرفوا بالغنيمة. وأقام رسول الله ﷺ إلى ذي الحجة، وفدى رسول الله ﷺ أكثر أسارى بدر.

стр. 1228

غزوة السويق: ثم إنّ أبا سفيان لما انصرف من بدر نذر أن يغزو المدينة فخرج في مائتي راكب حتى أتى بني النضير ليلا، فتوارى عنه جيّ بن أخطب ولقيه سلام بن مشكم وقراه [١] وأعلمه بخبر الناس، ثم رجع ومرّ بأطراف المدينة فحرق نخلا وقتل رجلين في حرث لهما، فنفر رسول الله ﷺ والمسلمون، واستعمل على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وبلغ الكدر [٢] وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا السويق من أزوادهم ليتخففوا، فأخذها المسلمون فسميت لذلك غزوة السويق. وكانت في ذي الحجة بعد بدر بشهرين. ذي أمرّ: ثم خرج رسول الله ﷺ في شهر المحرم غازيا غطفان واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فأقام بنجد صفر وانصرف ولم يلق حربا. نجران: ثم خرج رسول الله ﷺ آخر ربيع الأوّل يريد قريشا واستخلف ابن أمّ مكتوم فبلغ نجران معدنا في الحجاز ولم يلق حربا. وأقام هنالك إلى جمادى الثانية من السنة الثالثة وانصرف إلى المدينة. قتل كعب بن الأشرف: وكان كعب بن الأشرف رجلا من طيِّئ وأمّه من يهود بني النضير، ولما أصيب أصحاب بدر، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مبشرين إلى المدينة، جعل يقول: ويلكم أحق هذا؟ وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، وإن كان محمد أصاب هؤلاء فبطن الأرض خير من ظهرها. ثم قدم مكّة ونزل على المطّلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية، فجعل يحرّض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بعاتكة ثم شبب بنساء المسلمين. فقال رسول الله ﷺ ومن يقتل كعب بن الأشرف، فانتدب لذلك محمد بن مسلمة وملكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة من بني عبد الأشهل أخو كعب من الرضاعة وعبّاد بن بشر بن وقش والحرث بن بشر بن معاذ وأبو عبس بن جبر من بني حارثة، وتقدّم إليه ملكان بن سلامة وأظهر له انحرافا عن النبيّ ﷺ عن إذن منه، وشكا إليه ضيق الحال ورام أن يبيعه وأصحابه طعاما ويرهنون سلاحهم. فأجاب إلى ذلك ورجع إلى أصحابه،

стр. 1229

فخرجوا وشيعهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد [١] في ليلة قمراء، وأتوا كعبا فخرج إليهم من حصنه ومشوا غير بعيد ثم وضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة معولا كان معه في ثنته [٢] فقتله. وصاح عدوّ الله صيحة شديدة انذعر لها أهل الحصون التي حواليه، وأوقدوا النيران، ونجا القوم وقد جرح منهم الحرث بن أوس ببعض سيوفهم فنزفه الدم وتأخر، ثم وافاهم بجرّة العريض آخر الليل، وأتوا النبيّ ﷺ وهو يصلي، وأخبروه وتفل على جرح الحرث فبرأ. وأذن للمسلمين في قتل اليهود لما بلغه أنهم خافوا من هذه الفعلة، وأسلم حينئذ حويصة بن مسعود، وقد كان أسلم قبله أخوه محيصة بسبب قتل بعضهم. غزوة بني قينقاع: وكان بنو قينقاع لما انصرف رسول الله ﷺ من بدر وقف بسوق بني قينقاع في بعض الأيام فوعظهم وذكرهم ما يعرفون من أمره في كتابهم، وحذّرهم ما أصاب قريشا من البطشة، فأساءوا الردّ وقالوا: لا يغرنك انك لقيت قوما لا يعرفون الحرب فأصبت منهم والله لئن جرّبتنا لتعلمنّ أنّا نحن الناس. فأنزل الله تعالى: «وَإِمَّا تَخافَنَّ من قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ٨: ٥٨» . وقيل بل قتل مسلم يهوديا بسوقهم في حق، فثاروا على المسلمين ونقضوا العهد ونزلت الآية. فسار إليهم رسول الله ﷺ ، واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وقيل أبا لبابة، وكانوا في طرف المدينة في سبعمائة مقاتل منهم ثلاثمائة دارع، ولم يكن لهم زرع ولا نخل إنما كانوا تجار أو صاغة يعملون بأموالهم، وهم قوم عبد الله بن سلام فحصرهم ﵇ خمس عشرة ليلة لا يكلم أحدا منهم حتى نزلوا على حكمه فكتفهم ليقتلوا، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول وألح في الرغبة [٣] حتى حقن له رسول الله ﷺ دماءهم، ثم أمر بإجلائهم وأخذ ما كان لهم من سلاح وضياع [٤] ، وأمر عبادة بن الصامت فمضى بهم إلى ظاهر ديارهم ولحقوا بخيبر، وأخذ رسول الله ﷺ الخمس من الغنائم وهو أول خمس

стр. 1230

أخذه، ثم انصرف إلى المدينة وحضر الأضحى فصلى بالناس في الصحراء وذبح بيده شاتين ويقال أنّهما أوّل أضحيته ﷺ . سرية زيد بن حارثة إلى قردة: وكانت قريش من بعد بدر قد تخوّفوا من اعتراض المسلمين عيرهم في طريق الشام وصاروا يسلكون طريق العراق، وخرج منهم تجّار فيهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية واستجاروا بفرات بن حيان من بكر بن وائل فخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على طريق العراق، وانتهى خبر العير إلى النبيّ ﷺ وما فيها من المال وآنية الفضة، فبعث زيد بن حارثة في سريّة فاعترضهم وظفر بالعير وأتى بفرات بن حيّان العجليّ أسيرا فتعوذ بالإسلام وأسلم. وكان خمس هذه الغنيمة عشرين ألفا. قتل ابن أبي الحقيق: كان سلام بن أبي الحقيق هذا من يهود خيبر وكنيته أبو رافع، وكان يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه ويحزب عليهم الأحزاب، مثلا أو قريبا من كعب بن الأشرف، وكان الأوس والخزرج يتصاولان تصاول الفحلين في طاعة رسول الله ﷺ والذبّ عنه والنيل من أعدائه، لا يفعل أحد القبيلتين شيئا من ذلك إلّا فعل الآخرون مثله. وكان الأوس قد قتلوا كعب بن الأشرف كما ذكرناه، فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل ابن أبي الحقيق نظير ابن الأشرف في الكفر والعداوة، فأذن لهم. فخرج إليهم من الخزج ثم من بني سلمة [١] ثمانية نفر منهم: عبد الله بن عقيل ومسعر بن سنان وأبو قتادة والحرث بن ربعي الخزاعي من حلفائهم في آخرين، وأمر عليهم عبد الله بن عقيل ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، وخرجوا في منتصف جمادى الآخرة من سنة ثلاث، فقدموا خيبر، وأتوا دار ابن أبي الحقيق في علية له بعد أن انصرف عنه سمره ونام، وقد أغلقوا الأبواب من حيث أفضوا كلها عليهم، ونادوه ليعرفوا مكانه بصوته، ثم تعاوروه بسيوفهم حتى قتلوه، وخرجوا من القصر وأقاموا ظاهره حتى قام الناعي على سور القصر فاستيقنوا موته، وذهبوا إلى رسول الله ﷺ بالخبر. وكان أحدهم قد سقط من درج العلية فأصابه كسر في ساقه فمسح عليه رسول الله ﷺ وبرأ [٢] .

стр. 1231

غزوة أحد وكانت قريش بعد واقعة بدر قد توامروا [١] وطلبوا من أصحاب العير أن يعينوهم بالمال ليتجهزوا به لحرب رسول الله ﷺ فأعانوهم، وخرجت قريش بأحابيشها وحلفائها وذلك في شوّال من سنة ثلاث، واحتملوا الظعن التماسا للحفيظة وأن لا يفرّوا، وأقبلوا حتى نزلوا ذا الحليفة قرب أحد ببطن السبخة مقابل المدينة على شفير واد هنالك، وذلك في رابع شوّال. وكانوا في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وقائدهم أبو سفيان ومعهم خمس عشرة امرأة بالدفوف يبكين قتلى بدر. وأشار ﷺ على أصحابه بأن يتحصنوا بالمدينة ولا يخرجوا وإن جاءوا قاتلوهم على أفواه الأزقة، وأقر [٢] ذلك على رأي عبد الله بن أبي بن سلول، وألحّ قوم من فضلاء المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة فلبس لامته وخرج، وقدم أولئك الذين ألحّوا عليه وقالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد. فقال: ما ينبغي لبني إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل. وخرج في ألف من أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بقية المسلمين بالمدينة. فلما سار بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي في ثلث الناس مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام، وسلك رسول الله ﷺ حرّة بني حارثة ومرّ بين الحوائط وأبو خيثمة من بني حارثة يدل به حتى نزل الشعب من أحد مستندا إلى الجبل، وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع المسلمين وتهيأ للقتال في سبعمائة فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا، وأمّر على الرماة عبد الله بن جبير من بني عمرو بن عوف والأوس أخو خوّات، ورتبهم خلف الجيش ينضحون بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من خلفهم، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير من بني عبد الدار، وأجاز يومئذ سمرة بن جندب الفزاري ورافع بن خديج من بني حارثة في الرماة وسنهما خمسة عشر عاما، وردّ أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطّاب ومن بني مالك بن النجار زيد بن ثابت وعمرو بن حرام ومن بني حارثة البراء بن عازب وأسيد بن ظهير، ورد عرابة بن أوس وزيد بن أرقم وأبا سعيد الخدريّ سن جميعهم يومئذ أربعة عشر عاما. وجعلت قريش على ميمنة الخيل خالد بن الوليد،

стр. 1232

وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل. وأعطى ﵇ سيفه بحقه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة من بني ساعدة وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب. وكان مع قريش ذلك اليوم والد حنظلة غسيل الملائكة أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك ابن النعمان في طليعة [١] وكان في الجاهلية قد ترهّب وتنسّك، فلما جاء الإسلام غلب عليه الشقاء وفرّ إلى مكة في رجال من الأوس وشهد أحد مع الكفّار، وكان يعد قريش في انحراف الأوس إليه لما أنه سيدهم، فلم يصدق ظنه، ولما ناداهم وعرفوه، قالوا: لا أنعم الله لك علينا يا فاسق. فقاتل المسلمين قتالا شديدا. وأبلى يومئذ حمزة وطلحة وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس [٢] بلاء شديدا، وأصيب جماعة من الأنصار مقبلين غير مدبرين واشتدّ القتال وانهزم قريش أوّلا، فخلت الرماة عن مراكزهم، وكرّ المشركون كرّة وقد فقدوا متابعة الرماة فانكشف المسلمون واستشهد منهم من أكرمه الله، ووصل العدوّ إلى رسول الله ﷺ ، وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل، وجرح رسول الله ﷺ في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة في رأسه، يقال إن الّذي تولى ذلك عتبة بن أبي وقاص وعمرو بن قميئة الليثي. وشدّ حنظلة الغسيل على أبي سفيان ليقتله فاعترضه شدّاد بن الأسود الليثي من شعوب فقتله وكان جنبا، فأخبر رسول الله ﷺ أن الملائكة غسلته. وأكبت الحجارة على رسول الله ﷺ حتى سقط من بعض حفر هناك، فأخذ علي بيده واحتضنه طلحة حتى قام، ومصّ الدم من جرحه مالك بن سنان الخدريّ والد أبي سعيد، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه ﷺ فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح فندرت ثنيتاه فصار اهتم [٣] . ولحق المشركون رسول الله ﷺ وكرّ دونه نفر من المسلمين فقتلوا كلهم، وكان آخرهم عمّار بن يزيد بن السكن. ثم قاتل طلحة حتى أجهض [٤] المشركون وأبو دجانة يلي النبيّ ﷺ بظهره وتقع فيه النبل فلا يتحرك [٥] ، وأصيبت عين قتادة

стр. 1233

ابن النعمان من بني ظفر فرجع وهي على وجنته، فردها ﵇ بيده فصحت وكانت أحسن عينيه. وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة وقد دهشوا وقالوا: قتل رسول الله ﷺ فقال فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل الناس وقاتل حتى قتل ووجد به سبعون ضربة. وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج منها. وقتل حمزة عمّ النبيّ ﷺ قتله وحشي مولى جبير بن مطعم بن عديّ، وكان قد جاعله على ذلك بعتقه فرآه يبارز سبّاع بن عبد العزى فرماه بحربته من حيث لا يشعر فقتله. ونادي الشيطان ألا أنّ محمدا قد قتل، لأنّ عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمير يظن أنه النبيّ ﷺ ، وضربته أم عمّارة نسيبة بنت كعب بن أبي [١] مازن ضربات فتوفي [٢] منها بدرعيه وخشي المسلمون لما أصابه ووهنوز لصريخ الشيطان. ثم إنّ كعب بن مالك الشاعر من بنى سلمة عرف رسول الله ﷺ فنادى بأعلى صوته يبشّر الناس ورسول الله ﷺ يقول له: أنصت، فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ والزبير والحرث بن الصمة [٣] الأنصاري وغيرهم، وأدركه أبي بن خلف في الشعب، فتناول ﷺ الحربة من الحرث بن الصمة وطعنه بها في عنقه فكرّ أبي منهزما، وقال له المشركون ما بك من بأس، فقال: والله لو بصق عليّ لقتلني وكان ﷺ قد توعّده بالقتل فمات عدوّ الله بسرف [٤] مرجعهم الى مكة. ثم جاء عليّ رسول الله ﷺ بالماء فغسل وجه ونهض فاستوى على صخرة من الجبل وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا. وغفر الله للمنهزمين من المسلمين ونزل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ٣: ١٥٥ (الآية) وكان منهم عثمان بن عفان وعثمان بن أبي عقبة الأنصاري.

стр. 1234

واستشهد في ذلك اليوم حمزة كما ذكرناه وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير في خمسة وستين معظمهم من الأنصار، وأمر رسول الله ﷺ أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم في مضاجعهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. وقتل من المشركين اثنان وعشرون منهم الوليد بن العاص بن هشام وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة وأبو عزّة عمرو بن عبد الله بن جمح، وكان أسر يوم بدر فمنّ عليه وأطلقه بلا فداء على أن لا يعين عليه فنقض العهد وأسر يوم أحد وأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه صبرا، وأبي بن خلف قتله رسول الله ﷺ بيده، وصعد أبو سفيان الجبل حتى أطلّ على رسول الله ﷺ وأصحابه ونادى بأعلى صوته: الحرب: سجال يوم أحد بيوم بدر، أعل هبل. وانصرف وهو يقول موعدكم العام القابل. فقال ﵇ قولوا له هو بيننا وبينكم. ثم سار المشركون إلى مكة ووقف رسول الله ﷺ على حمزة، وكانت هند وصواحبها قد جدّ عنه وبقرن عن كبده فلاكتها ولم تسغها، ويقال إنه لما رأى ذلك في حمزة قال لئن أظفرني الله بقريش لأمثلنّ بثلاثين منهم. ورجع رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة. ويقال إنه قال لعليّ لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا. غزوة حمراء الأسد: ولما كان يوم أحد سادس عشر شوّال، وهو صبيحة يوم أحد، أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج لطلب العدوّ وأن لا يخرج إلّا من حضر معه بالأمس، وفسح لجابر بن عبد الله ممن سواهم، فخرج وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح وصار ﵇ متجلدا مرهبا للعدوّ، وانتهى إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة وأقام بها ثلاثا، ومرّ به هناك معبد بن أبي معبد الخزاعي سائرا الى مكة، ولقي [١] أبا سفيان وكفّار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول الله ﷺ في طلبهم وكانوا يرومون الرجوع إلى المدينة ففتّ ذلك في أعضادهم وعادوا إلى مكة. بعث الرجيع: ثم قدم على رسول الله ﷺ في صفر متمّ الثلاثة من الهجرة نفر من عضل والقارة بني الهون من خزيمة إخوة بني أسد، فذكروا أنّ فيهم

стр. 1235

إسلاما ورغبوا أن يبعث فيهم من يفقههم في الدين، فبعث معهم ستة رجال من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنوي [١] ، وخالد بن البكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح من بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي من بني جحجبا بن كلفة، وزيد بن الدّثنّة، بن بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر، وأمر عليهم مرثدا منهم. ونهضوا مع القوم حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل قريبا من عسفان غدروا بهم، واستصرخوا هذيلا عليهم فغشوهم في رحالهم ففزعوا إلى القتال فأمّنوهم وقالوا: إنا نريد نصيب بكم فداء من أهل مكة، فامتنع مرثد وخالد وعاصم من أمنهم وقاتلوا حتى قتلوا، ورموا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد ابن شهيد وكانت نذرت أن تشرب فيه الخمر لما قتل ابنيها من بني عبد الدار يوم أحد، فأرسل الله الدبر [٢] فحمت عاصما منهم فتركوه إلى الليل فجاء السيل فاحتمله. وأمّا الآخرون فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ولما كانوا بمرّ الظهران انتزع ابن طارق يده من القران وأخذ سيفه فرموه بالحجارة فمات، وجاءوا بخبيب وزيد إلى مكة فباعوهما إلى قريش فقتلوهما صبرا. غزوة بئر معونة: وقدم على رسول الله ﷺ في صفر هذا ملاعب الأسنة أبو براء عمر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال إنّي أخاف [٣] عليهم. فقال أبو براء أنا لهم جار. فبعث رسول الله ﷺ : المنذر بن عمرو بن بني ساعدة في أربعين من المسلمين، وقيل في سبعين، منهم الحرث بن الصمّة، وحرام بن ملحان خال أنس، وعامر [٤] بن فهيرة، ونافع بن بديل بن ورقاء. فنزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم، وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبيّ ﷺ إلى عامر بن الطفيل فقتله، ولم ينظر في كتابه، واستعدى عليهم بني عامر فأبوا لجوار أبي براء إياهم، فاستعدى بني سليم فنهضت منهم عصية ورعل

стр. 1236

وذكوان وقتلوهم عن آخرهم، وكان سرحهم إلى جانب منهم ومعهم المنذر بن أحيحة [١] من بني الجلّاح وعمرو بن أمية الضمريّ فنظرا إلى الطير تحوم على العسكر، فأسرعا إلى أصحابهما فوجداهم في مضاجعهم، فأمّا المنذر بن أحيحة فقاتل حتى قتل، وأما عمرو بن أمية فجز عامر بن الطفيل ناصيته حين علم أنه من مضر لرقبة كانت عن أمه، وذلك لعشر بقين من صفر وكانت مع الرجيع في شهر واحد. ولما رجع عمرو بن أمية لقي في طريقه رجلين من بني كلاب أو بني سليم فنزلا معه في ظل كان فيه معهما عهد من النبيّ ﷺ لم يعلم به عمرو فانتسبا له في بني عامر أو سليم فعدا عليهما لما ناما وقتلهما، وقدم على النبيّ ﷺ فأخبره بذلك فقال لقد قتلت قتيلين لأدينهما. غزوة بني النضير: ونهض رسول الله ﷺ إلى بني النضير مستعينا بهم في دية هذين القتيلين فأجابوا، وقعد ﵇ مع أبي بكر وعمر وعليّ ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرانهم، وأراد بنو النضير رجلا منهم على الصعود إلى ظهر البيت ليلقي على النبيّ ﷺ صخرة، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب منهم. وأوحى الله بذلك إلى نبيّه فقام، ولم يشعر أحدا ممن معه واستبطئوه، واتبعوه إلى المدينة. فأخبرهم عن وحي الله بما أراد به يهود وأمر من أصحابه بالتهيؤ لحربهم. واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم، ونهض في شهر ربيع الأوّل أوّل السنة الرابعة من الهجرة، فتحصنوا منه بالحصون فحاصرهم ست ليال وأمر بقطع النخل وإحراقها، ودس إليهم عبد الله بن أبي والمنافقون إنا معكم قتلتم أو أخرجتم، فغرّوهم [٢] بذلك ثم خذلوهم كرها وأسلموهم. وسأل عبد الله من النبيّ ﷺ أن يكف عن دمائهم ويجليهم بما حملت الإبل من أموالهم إلّا السلاح، واحتمل إلى خيبر من أكابرهم حييّ بن أخطب وابن أبي الحقيق فدانت لهم خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وقسم رسول الله ﷺ أموالهم بين المهاجرين الأوّلين خاصة، وأعطى منها أبا دجانة وسهل بن حنيف كانا فقيرين. وأسلم من بني النضير يامين بن عمير بن جحاش، وسعيد بن وهب فأحرزا أموالهما بإسلامهما. وفي هذه الغزاة نزلت سورة الحشر.

стр. 1237

غزوة ذات الرقاع: وأقام رسول الله ﷺ بعد بني النضير إلى جمادى من السنة الرابعة، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذرّ الغفاريّ، وقيل عثمان بن عفان، ونهض حتى نزل نجدا فلقي بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، إلا أنهم خاف بعضهم بعضا حتى صلّى رسول الله ﷺ بالمسلمين صلاة الخوف، وسميت ذات الرقاع لأنّ أقدامهم نقبت وكانوا يلقون عليها الخرق. وقال الواقدي: لأنّ الجبل الّذي نزلوا به كان به سواد وبياض وحمرة رقاع فسميت بذلك وزعم أنها كانت في المحرم. غزوة بدر الصغرى الموعد: كان أبو سفيان نادى يوم أحد كما قدّمناه بموعد بدر من قابل وأجابوه بأمر رسول الله ﷺ ، فلمّا كان في شعبان من هذه السنة الرابعة خرج لميعاده واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، ونزل في بدر وأقام هناك ثمان ليال وخرج أبو سفيان في أهل مكّة حتى نزل الظهران أو عسفان، ثم بدا له في الرجوع واعتذر بأنّ العام عام جدب. غزوة دومة الجندل: خرج إليها رسول الله ﷺ في ربيع الأوّل من السنة الخامسة وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ. وسببها أنه ﵇ بلغه انّ جمعا تجمعوا بها فغزاهم، ثم انصرفوا من طريقه قبل أن يبلغ دومة الجندل ولم يلق حربا. وفيها وادع رسول الله ﷺ عيينة [١] بن حصن أن يرعى بأراضي المدينة لأنّ بلاده كانت أجدبت، وكانت هذه قد أخصبت بسحابة وقعت فأذن له في رعيها. غزوة الخندق كانت في شوّال من السنة الخامسة، والصحيح أنها في الرابعة، ويقويه أنّ ابن عمر يقول ردّني رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ثم أجازني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فليس بينهما إلّا سنة واحدة وهو الصحيح، فهي قبل دومة الجندل بلا شك. وكان سببها أنّ نفرا من اليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وحيي بن أخطب من بني

стр. 1238

النضير وهود [١] ابن قيس وأبو عمارة [٢] من بني وائل، لما انجلى بنو النضير إلى خيبر خرجوا إلى مكة يحزّبون الأحزاب ويحرّضون على حرب رسول الله ﷺ ويرغبون من اشرأب إلى ذلك بالمال. فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم مضوا إلى غطفان وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع، وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم. ولما سمع بهم رسول الله ﷺ أمر بحفر الخندق على المدينة وعمل فيه بيده والمسلمون معه، ويقال إنّ سلمان أشار به. ثم أقبلت الأحزاب حتى نزلوا بظاهر المدينة بجانب أحد، وخرج ﵇ في ثلاثة آلاف من المسلمين، وقيل في تسعمائة فقط وهو راجل بلا شك [٣] . وخلف على المدينة ابن أم مكتوم فنزل بسطح سلع والخندق بينه وبين القوم وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الآطام، وكان بنو قريظة مواد عين لرسول الله ﷺ فأتاهم حييّ وأغراهم فنقضوا العهد ومالوا مع الأحزاب، وبلغ أمرهم إلي النبيّ ﷺ ، فبعث سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة وخوّات [٤] بن جبير وعبد الله بن رواحة يستخبرون الأمر، فوجدوهم مكاشفين بالغدر والنيل من رسول الله ﷺ ، فشاتمهم سعد بن معاذ وكانوا أحلافه وانصرفوا. وكان ﷺ قد أمرهم إن وجدوا الغدر حقا أن يخبروه تعريضا لئلا يفتوا في أعضاد الناس، فلما جاءوا إليه قالوا يا رسول الله عضل والقارة يريدون غدرهم بأصحاب الرجيع، فعظم الأمر وأحيط بالمسلمين من كل جهة، وهمّ بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأنّ بيوتهم عورة خارج المدينة ثم ثبّتهم الله. ودام الحصار على المسلمين قريبا من شهر ولم تكن حرب. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن والحرث بن عوف أن يرجعا ولهما ثلثا ثمار [٥] المدينة، وشاور في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأبيا، وقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به فلا بدّ منه أم شيء تحبه فتصدقه فتصنعه لك أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: بل

стр. 1239

أصنعه لكم إني رأيت أنّ العرب رمتكم عن قوس واحدة، فقال سعد بن معاذ: قد كنا معهم على الشرك والأوثان ولا يطمعون منا بثمرة إلّا شراء [١] وبيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلّا السيف. فصلب رسول الله ﷺ . وتمادى الأمر، وظهر فوارس من قريش إلى الخندق وفيهم: عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن عبد ودّ من بني عامر بن لؤيّ، وضرار بن الخطّاب من بني محارب فلما رأوا الخندق قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. ثم اقتحموا من مكان ضيق حتى جالت خيلهم بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز، وقتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ودّ، ورجعوا إلى قومهم من حيث دخلوا. ورمي في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم فقطع عنه الأكحل، يقال رماه حبان بن قيس بن العرقة وقيل أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، ويروى أنه لما أصيب جعل يدعو: «اللَّهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقى لها فلا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وأخرجوه، وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة» . ثم اشتدّ الحال وأتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فقال: يا رسول الله اني أسلمت ولم يعلم قومي فمرني بما تشاء، فقال إنما أنت رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإنّ الحرب خدعة. فخرج فأتى بني قريظة وكان صديقهم في الجاهلية، فنقم لهم في قريش وغطفان وأنهم إن لم يكن الظفر لحقوا ببلادهم وتركوكم، ولا تقدرون على التحوّل عن بلدكم ولا طاقة لكم بمحمد وأصحابه، فاستوثقوا منهم برهن أبنائهم حتى يصابروا معكم. ثم أتى أبا سفيان وقريشا فقال لهم: إنّ اليهود قد ندموا وراسلوا محمدا في المواعدة على أن يسترهنوا أبناءكم ويدفعوهم إليه. ثم أتى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش. فأرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة في ليلة سبت إنا لسنا بدار مقام فأعدوا للقتال، فاعتذر اليهود بالسبت، وقالوا: مع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا أبناءكم. فصدّق القوم خبر نعيم، وردوا إليهم بالاباية من الرهن والحث على الخروج، فصدّق أيضا بنو قريظة خبر نعيم وأبوا القتال. وأرسل الله على قريش وغطفان ريحا عظيمة أكفأت قدورهم وآنيتهم وقلعت أبنيتهم وخيامهم، وبعث عليه

стр. 1240

السلام حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم وأصبح وقد ذهب الأحزاب ورجع إلى المدينة. غزوة بني قريظة ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه جبريل بالنهوض إلى بني قريظة وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم، فأمر المسلمين أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة، وخرج وأعطى الراية عليّ بن أبي طالب، واستخلف ابن أمّ مكتوم، وحاصرهم ﷺ خمسا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد إحدى ثلاث إمّا: الإسلام، وإمّا تبييت النبيّ ﷺ ليلة السبت ليكون الناس آمنين منهم، وإمّا قتل الذراري والنساء ثم الاستماتة. فأبوا كل ذلك وأرسلوا إلى النبيّ ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر بن عمرو بن عوف لأنهم كانوا حلفاء الأوس، فأرسله واجتمع إليه الرجال والنساء والصبيان فقالوا: يا أبا لبابة ترى لنا أن ننزل على حكم محمد، قال نعم، وأشار بيده في حلقه أنه الذبح. ثم رجع فندم وعلى أنه أذنب فانطلق على وجهه، ولم يرجع إلى النبيّ ﷺ ، وربط نفسه إلى عمود في المسجد ينتظر توبة الله عليه وعاهد الله أن لا يدخل أرض بني قريظة مكانا خان فيه ربه ونبيّه، وبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال لو أتاني لاستغفرت له فأمّا بعد ما فعل فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه فنزلت توبته، فتولّى ﵇ إطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحل إلا للصلاة. ثم نزل بنو قريظة على حكم النبي ﷺ فأسلم بعضهم ليلة نزولهم وهم نفر أربعة من هذيل إخوة قريظة والنضير، وفرّ عنهم عمرو بن سعد القرظي ولم يكن دخل معهم في نقض العهد فلم يعلم أين وقع. ولما نزل بنو قريظة على حكمه ﷺ طلب الأوس أن يفعل فيهم ما فعل بالخزرج في بني النضير، فقال لهم: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ وكان جريحا منذ يوم الخندق وقد أنزله رسول الله ﷺ في خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فأتى به على حمار فلما أقبل على المجلس قال رسول الله ﷺ لهم: قوموا إلى سيدكم. ثم قالوا: يا سعد إنّ رسول الله ﷺ قد ولّاك حكم مواليك، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، قالوا: نعم. قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتسبى الذراري والنساء وتقسم

стр. 1241

الأموال. فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. ثم أنه أمر فأخرجوا إلى سوق المدينة وخندق لهم بها خنادق وضربت أعناقهم فيها وهم بين الستمائة والسبعمائة رجل، وقتلت فيهم امرأة واحدة بنانة امرأة الحكم القرظي وكانت طرحت على خلاد [١] بن سويد بن الصامت رحى من فوق الحائط فقتلته. وأمر ﵇ بقتل من أنبت [٢] منهم. ووهب لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن ياطا فاستحيا منهم عبد الرحمن بن الزبير كانت له صحبة، وبعد أن كان ثابت استوهب من النبيّ ﷺ الزبير وأهله وماله فوهبه ذلك فمر الزبير عليه يده وأبي إلّا الشدّ مع قومه اغتباطا بهم قبحه الله. ووهب ﵇ لأم المنذر بنت قيس من بني النجّار رفاعة بن سموأل القرظي فأسلم رفاعة وله صحبة. وقسم ﷺ أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما، وكانت خيل المسلمين يومئذ ستة وثلاثين فارسا، ووقع في سهم النبيّ ﷺ من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة من بني عمرو بن قريظة فلم تزل في ملكه حتى مات رسول الله ﷺ ، وكان فتح بني قريظة آخر ذي القعدة من السنة الرابعة. ولما ثم أمرهم أجيبت دعوة سعد بن معاذ فانفجر عرقه ومات فكان ممن استشهد يوم الخندق في سبعة آخرين من الأنصار، وأصيب من المشركين يوم الخندق أربعة من قريش فيهم: عمرو بن عبد ودّ وابنه حسل ونوفل بن عبد الله بن المغيرة [٣] ، ولم تغز كفّار قريش المسلمين مذ يوم الخندق. ثم خرج رسول الله ﷺ في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة فقصد بني لحيان يطالب بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن عديّ وأهل الرجيع، وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل، فسلك على طريق الشام أوّلا ثم أخذ ذات اليسار إلى صخيرات اليمام، ثم رجع إلى طريق مكة وأجدّ السير حتى نزل منازل لبني بين أمج وعسفان فوجدهم قد حذروا وامتنعوا بالجبال، وفاتتهم الغرّة فيهم فخرج في مائتي راكب إلى المدينة.

стр. 1242

غزوة الغابة وذي قرد وبعد قفوله والمسلمين إلى المدينة بليال أغار عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله من غطفان فاستلحموا [١] القاح النبيّ ﷺ بالغابة، وكان فيها رجل من بني غفار وامرأته فقتلوا الرجل وحملوا المرأة، ونذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي وكان ناهضا، فعلا ثنية الوداع وصاح بأعلى صوته نذيرا بهم، ثم اتبعهم واستنقذ ما كان بأيديهم، ولما وقعت الصيحة بالمدينة ركب رسول الله ﷺ في أثرهم، ولحق به المقداد بن الأسود وعباد [٢] بن بشر وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل. وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة الأسديّ وأبو قتادة من بني سلمة في جماعة من المهاجرين والأنصار، وأمرّ عليهم رسول الله ﷺ سعد بن زيد وانطلقوا في اتباعهم حتى أدركوهم، فكانت بينهم جولة قتل فيها محرز بن نضلة قتله عبد الرحمن بن عيينة وكان أوّل من لحق بهم. ثم ولّى المشركون منهزمين وبلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له ذو قرد، فأقام عليه ليلة ويومها [٣] ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة ثم قفل إلى المدينة. غزاة بني المصطلق: وأقام رسول الله ﷺ إلى شعبان من هذه السنة السادسة، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة لما بلغه أنهم مجتمعون له وقائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية [٤] أمّ المؤمنين، فخرج إليهم واستخلف أبا ذرّ الغفاريّ، وقيل نميلة بن عبد الله الليثي ولقيهم بالمريسيع [٥] من مياههم ما بين قديد والساحل فتزاحفوا وهزمهم الله وقتل من قتل منهم وسبي النساء والذرية وكانت منهم جويرية بنت الحرث سيدهم، ووقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، وأدّى ﵇ عنها وأعتقها وتزوّجها. وأصيب في هذه الغزاة هشام بن صبابة الليثي من بني ليث بن بكر قتله رجل من رهط عبادة بن الصامت غلطا يظنه من العدوّ، وفي مرجع النبيّ ﷺ من هذه الغزاة، وفيها قال عبد الله بن أبي بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل لمشاجرة وقعت بين جهجاه بن

стр. 1243

مسعود الغفّاريّ أجير عمر بن الخطاب وبين سنان ابن واقد [١] الجهنيّ حليف بني عوف بن الخزرج، فتثاوروا [٢] وتباهوا، فقال ما قال: وسمع زيد بن أرقم مقالته، وبلغها إلى رسول الله ﷺ . ونزلت سورة المنافقين وتبرأ منه ابنه عبد الله، وقال: يا رسول الله أنت والله الأعز وهو الأذل وإن شئت والله أخرجته. ثم اعترض أباه عند المدينة، وقال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ ، فأذن له، وحينئذ دخل، وقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي وإني أخشى أن تأمر غيري فلا تدعني نفسي أن أقاتله، وإن قتلته قتلت مؤمنا بكافر، ولكن مرني بذلك فأنا والله أحمل إليك رأسه. فجزاه رسول الله ﷺ خيرا وأخبره أنه لا يصل إلى أبيه سوء. وفيها قال أهل الافك ما قالوا في شأن عائشة مما لا حاجة بنا إلى ذكره وهو معروف في كتب السير، وقد أنزل الله القرآن الحكيم ببراءتها وتشريفها. وقد وقع في الصحيح أنّ مراجعته وقعت في ذلك بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وهو وهم ينبغي التنبيه عليه، لأن سعد بن معاذ مات بعد فتح بني قريظة بلا شك داخل السنة الرابعة وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد، والملاحاة بين الرجلين كانت بعد غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة. والّذي ذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وغيره أنّ المقاول لسعد بن عبادة إنما هو أسيد بن الحضير [٣] والله أعلم. ولما علم المسلمون أنّ النبيّ ﷺ تزوّج جويرية، أعتقوا كل ما كان في أيديهم من بني المصطلق أصهار [٤] رسول الله ﷺ ، فأطلق بسببها مائة من أهل بيتها، ثم أنّ رسول الله ﷺ بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم بعامين الوليد بن عقبة بن أبي معيط لقبض صدقاتهم، فخرجوا يتلقونه، فخافهم على نفسه ورجع، وأخبر أنهم هموا بقتله. فتشاور المسلمون في غدرهم ثم جاء وفدهم منكرين ما كان من رجوع الوليد قبل لقيهم، وأنهم إنما خرجوا تلقية

стр. 1244

وكرامة وروده. فقبل النبيّ ﷺ ذلك منهم ونزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ٤٩: ٦ الآية. عمرة الحديبيّة ثم خرج رسول الله ﷺ في السادسة وفي ذي القعدة منها معتمرا بعد بني المصطلق بشهرين، واستنفر الأعراب حوالي المدينة فأبطأ أكثرهم فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار، واتبعه من العرب فيما بين الثلاثمائة بعد الألف إلى الخمسمائة، وساق الهدي وأحرم من المدينة ليعلم الناس أنه لا يريد حربا. وبلغ ذلك قريشا فأجمعوا على صدّه عن البيت وقتاله دونها، وقدّموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم، وورد خبرهم إلى النبي ﷺ بعسفان، فسلك على ثنية المرار حتى نزل الحديبيّة من أسفل مكة وجاء من ورائهم، فكر خالد في خيله إلى مكّة. فلما جاء ﷺ إلى مكة بركت ناقته، فقال الناس خلأت، فقال: ما خلأت وما ذاك لها بخلق [١] ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والّذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم نزل واشتكى الناس فقد الماء فأعطاهم سهما من كنانته غرزوه في بعض القلب [٢] من الوادي، فجاش الماء حتى كفى جميع الجيش، يقال نزل به البراء بن عازب. ثم جرت السفراء بين رسول الله ﷺ وبين كفّار قريش، وبعث عثمان بن عفّان بينهما رسولا، وشاع الخبر أنّ المشركين قتلوه، فدعا رسول الله ﷺ المسلمين وجلس تحت شجرة فبايعوه على الموت وأن لا يفرّوا، وهي بيعة الرضوان، وضرب ﵇ بيسراه على يمينه وقال هذه عن عثمان. ثم كان سهيل ابن عمرو آخر من جاء من قريش فقاضى رسول الله ﷺ على أن ينصرف عامه ذلك ويأتي من قابل معتمرا ويدخل مكّة وأصحابه بلا سلاح حاشا السيوف في القرب، فيقيم بها ثلاثا ولا يزيد، وعلى أن يتّصل الصلح عشرة أعوام يتداخل فيه الناس ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أنّ من هاجر من الكفّار إلى المسلمين من رجل أو امرأة أنّ يرد إلى قومه ومن ارتدّ من المسلمين إليهم لم يردوه.

стр. 1245

فعظم ذلك على المسلمين حتى تكلم فيه بعضهم، وقد كان النبيّ ﷺ علم أنّ هذا الصلح سبب لأمن الناس وظهور الإسلام، وأنّ الله يجعل فيه فرجا للمسلمين وهو أعلم بما علمه ربه. وكتب الصحيفة عليّ، وكتب في صدرها هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله ﷺ ، فأبي سهيل عن ذلك وقال لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فأمر رسول الله ﷺ عليّا أن يمحوها، فأبى وتناول هو الصحيفة بيده ومحا ذلك وكتب محمد بن عبد الله. ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب فإنّها قد ثبتت في الصحيح، وما يعترض في الوهم من أنّ كتابته قادحة في المعجزة فهو باطل، لأنّ هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخطّ وأشكالها بقيت الأمية على ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات انتهى. ثم أتى أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده وكان قد أسلم، فقال سهيل: هذا أوّل ما نقاضي عليه. فرده رسول الله ﷺ إلى أبيه وعظيم ذلك على المسلمين، وأخبر النبي ﷺ أبا جندل أنّ الله سيجعل له فرجا، وبينما هم يكتبون الكتاب إذ جاءت سرية من جهة قريش قيل ما بين الثلاثين والأربعين يريدون الإيقاع بالمسلمين، فأخذتهم خيول المسلمين وجاءوا بهم إلى رسول الله ﷺ فأعتقهم فإليهم ينسب العتقيون [١] . ولما تم الصلح وكتابه أمر رسول الله ﷺ أن ينحروا ويحلقوا فتوقفوا، فغضب حتى شكى إلى زوجته أم سلمة فقالت: يا رسول الله ﷺ أخرج وانحر واحلق فإنّهم تابعوك [٢] . فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ خراش بن أمية الخزاعي، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وما فتح من قبله فتح كان أعظم من هذا الفتح. قال الزهري: لما كان القتال حيث لا يلتقي الناس [٣] . فلمّا كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام أحدا يفعل شيئا إلّا دخل عليه [٤] ، فلقد دخل في ذينك السنتين في الإسلام مثلما قبل ذلك أو أكثر.

стр. 1246

ولما رجع ﷺ إلى المدينة لحقه أبو بصير [١] عتبة بن أسيد بن جارية [٢] هاربا وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة وهو ثقفي من حلفاء بني زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف عمّ عبد الرحمن بن عوف والأخنس بن شريق سيد بني زهرة رجلا من بني عامر بن لؤيّ مع مولى لهم، فأسلمه النبيّ ﷺ فاحتملاه. فلما نزلوا بذي الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين، ثم ضرب به العامري فقتله وفرّ الآخر، وأتى أبو بصير إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله قد وفت ذمتك وأطلقني الله فقال ﵇: ويلمه [٣] مسعر حرب لو كان له رجال. ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده، وخرج إلى سيف البحر على طريق قريش إلى الشام، وانضاف إليه جمهور من يفرّ عن قريش ممن أراد الإسلام فآذوا قريشا وقطعوا على رفاقهم وسابلتهم، فكتبوا إلى النبيّ ﷺ أن يضمهم بالمدينة. ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وجاء فيها أخواها عمارة والوليد، فمنع الله من ردّ النساء وفسخ ذلك الشرط المكتتب، ثم نسخت براءة ذلك كلّه وحرم الله حينئذ على المسلمين إمساك الكوافر في عصمتهم فانفسخ نكاحهن. إرسال الرسل الى الملوك ثم بعث رسول الله ﷺ فيما بين الحديبيّة ووفاته رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله ، فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أخا بني عامر بن لؤيّ إلى هوذة [٤] بن عليّ صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرميّ إلى المنذر ابن ساوى أخي بني عبد القيس صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندي [٥] بن عامر بن جلندي صاحب عمان، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية فأدّى إليه كتاب رسول الله

стр. 1247

صلى الله عليه وسلم وأهدى المقوقس إلى رسول الله ﷺ أربع جوار منهن مارية أم إبراهيم ابنه. وبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبيّ إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم، فوصل إلى بصرى وبعثه صاحب بصرى إلى هرقل، وكان يرى في ملاحمهم أنّ ملك الختان قد ظهر، فقرأ الكتاب وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم [١] الروم السلام على من اتبع الهدى. أمّا بعد أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيّين. وفي رواية «إثم الأكّارين عليك تعيا بجمله» . فطلب من في مملكته من قوم النبي ﷺ فأحضروا له من غزّة، وكان فيهم أبو سفيان فسأله كما وقع في الصحيح، فأجابه وسلم [٢] أحواله وتفرّس صحة أمره، وعرض على الروم أتباعه فأبوا ونفروا فلاطفهم بالقول وأقصر. ويروى عن ابن إسحاق أنه عرض عليهم الجزية، فأبوا فعرض عليهم أن يصالحوا بأرض سورية. قالوا وهي أرض فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب وما كان وراء الدرب فهو الشام فأبوا. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب الأسدي أخا بني أسد بن خزيمة إلى الحرث بن شمر الغساني صاحب دمشق، وكتب معه: «السلام على من اتبع الهدى وآمن به أدعوك إلى أن تؤمن باللَّه وحده لا شريك له يبقى لك ملكك» . فلما قرأ الكتاب قال: من ينزع ملكي أنا سائر إليه. فقال النبيّ ﷺ : باد ملكه. قال: وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه كتابا: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشيّ الأصحم عظيم الحبشة، سلام عليك فاني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أنّ عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الطيبة البتول الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فاني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر

стр. 1248

من المسلمين فإذا جاءوك قاقرهم ودع التجري وإني أدعوك وجنودك إلى الله فلقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدي» . فكتب إليه النجاشيّ «إلى محمد رسول الله من النجاشيّ الأصحم ابن الحرّ [١] سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته أحمد الله الّذي لا إله إلّا هو الّذي هدانا للإسلام أمّا بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فما ذكرت من أمر عيسى فو ربّ السماء والأرض ما نزيد بالرأي على ما ذكرت أنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرّبنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا فقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت للَّه رب العالمين وقد بعثت إليك بابني أرخا [٢] الأصحم فإنّي لا أملك إلّا نفسي إن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإنّي أشهد أنّ الّذي تقول حق والسلام عليك يا رسول الله» . فذكر أنه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فغرقت بهم. (وقد جاء) أنه أرسل إلى النجاشي [٣] ليزوّجه أم حبيبة، وبعث إليها بالخطبة جاريته فأعطتها أوضاحا وفتخا ووكلت خالد بن سعيد بن العاص فزوّجها، ودفع النجاشي إلى خالد بن سعيد أربعمائة دينار لصداقها، وجاءت إليها بها الجارية فأعطتها منها خمسين مثقالا، فردت الجارية ذلك بأمر النجاشي. وكانت الجارية صاحبة دهنه وثيابه وبعث إليها نساء النجاشي بما عندهن من عود وعنبر وأركبها في سفينتين مع بقية المهاجرين، فلقوا النّبي ﷺ بخيبر، وبلغ أبا سفيان تزويج أم حبيبة منه فقال: ذلك الفحل الّذي لا يقدع أنفه. وكتب رسول الله ﷺ في هذه السنة إلى كسرى، وبعث بالكتاب عبد الله بن حذافة السهميّ وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن باللَّه ورسله أمّا بعد فإنّي رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيّا أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس.» فمزّق كسرى كتاب النبيّ ﵌، فقال رسول الله ﵌ مزّق الله ملكه. وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله «وآمن باللَّه ورسله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإنّي أنا رسول الله إلى

стр. 1249

الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين فإن أبيت فإثم الأريسيين عليك:» قال فلما قرأه مزّقه، وقال يكتب إليّ هذا وهو عبدي! قال: ثم كتب كسرى إلى باذان وهو عامله على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الّذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني، به فبعث باذان قهرمانه بانويه وكان حاسبا كاتبا بكتاب فارس ومعه خرخسرة من الفرس، وكتب إليه معهما أن ينصرف إلى كسرى، وقال لقهرمانه: اختبر الرجل وعرّفني بأمره. وأوّل ما قدما الطائف سألا عنه فقيل هو بالمدينة. وفرح من سمع بذلك من قريش وكانوا بالطائف، وقالوا قطب له كسرى وقد كفيتموه. وقدما على رسول الله ﷺ بالمدينة فكلمه بانويه [١] وقال: إنّ شاهنشاه قد كتب إلى الملك باذان أنّ يبعث إليك من يأتيه بك وبعثني لتنطلق معي ويكتب معه فينفعك وإن أبيت فهو من علمت ويهلك قومك ويخرب بلادك. وكانا قد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فنهاهما رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالا: أمرنا به ربّنا يعنون به كسرى. فقال لهما: لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي لم أؤخرهما إلى غد. وجاءه الوحي بأنّ الله سلّط على كسرى ابنه شيرويه فقتله [٢] ليلة كذا من شهر كذا لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع، فدعاهما وأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟ يحزنانه عاقبة هذا القول، فقال اذهبا وأخبراه بذلك عني وقولا له إنّ ديني وسلطاني يبلغ ما بلغ ملك كسرى وإن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك وملكتك على قومك من الأنباء، وأعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان بعض الملوك أهداها له. فقدما على باذان وأخبراه فقال ما هذا كلام ملك ما أرى الرجل إلّا نبيا كما يقول ونحن ننتظر مقالته. فلم ينشب [٣] بأذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: «أما بعد فإنّي قد قتلت كسرى ولم أقتله إلّا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتسخيرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الّذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه» . فلمّا بلغ باذان الكتاب وأسلمت الأبناء معه من فارس ممن كان منهم باليمن، وكانت حمير تسمي خرخسرة ذا المفخرة للمنطقة التي

стр. 1250

أعطاه إياها النّبي ﷺ والمنطقة بلسانهم المفخرة، وقد كان بانويه قال لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه، فقال: هل معه شرط؟ قال: لا (قال الواقدي) وكتب إلى المقوقس عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام فلم يسلم. غزوة خيبر ثم خرج رسول الله ﷺ غازيا إلى خيبر في بقية المحرم آخر السنة السادسة [١] وهو في ألف وأربعمائة راجل ومائتي فارس، واستخلف نميلة بن عبد الله الليثي، وأعطى راية لعليّ بن أبي طالب، وسلك على الصهباء حتى نزل بواديها إلى الرجيع، فحيل بينهم وبين غطفان وقد كانوا أرادوا إمداد يهود خيبر، فلما خرجوا ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب لحس سمعوه من ورائهم فانصرفوا وأقاموا في أماكنهم. وجعل رسول الله ﷺ يفتح حصون خيبر حصنا حصنا فافتتح أوّلا منها حصن ناعم، وألقيت على محمود بن سلمة من أعلاه رحى فقتلته. ثم افتتح القموص حصن ابن أبي الحقيق، وأصيبت منهم سبايا كانت منهنّ صفية بنت حييّ ابن أخطب، وكانت عروسا عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق فوهبها ﵇ لدحية، ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس ووضعها عند أمّ سلمة حتى اعتدّت وأسلمت ثم أعتقها وتزوّجها. ثم فتح حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر أكثر طعاما وودكا منه. وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم حصرهما بضع عشرة ليلة. ودفع إلى عليّ الراية في حصار بعض حصونهم ففتحه، وكان أرمد فتفل في عينه ﷺ فبرأ. وكان فتح بعض خيبر عنوة وبعضها وهو الأكثر صلحا على الجلاء، فقسّمها ﷺ وأقر اليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم ولهم النصف من كل ما تخرج من زرع أو تمر يقرّهم على ذلك ما بدا له، فبقوا على ذلك الى آخر خلافة عمر فبلغه أنّ النبيّ ﷺ قال في مرضه الّذي مات فيه: «لا يبقى دينان بأرض العرب، فأمر باجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب» . وأخذ المسلمون ضياعهم من مغانم خيبر فتصرّفوا فيها، وكان متولي قسمتها بين أصحابها جابر بن صخر من بني

стр. 1251

سلمة، وزيد بن ثابت [١] من بني النجار، واستشهد من المسلمين جماعة تنيف على العشرين من المهاجرين والأنصار منهم عامر بن الأكوع وغيره. وفي هذه الغزاة حرّمت لحوم الحمر الأهلية فاكفئت القدور وهي تفور بلحمها. وفيها أهدت اليهودية زينب بنت الحرث امرأة سلام بن مشكم [٢] إلى النبيّ ﷺ شاة مصلية، وجعلت السمّ في الذراع منها وكان أحب اللحم إليه، فتناوله ولاك منه مضغة ثم لفظها، وقال: إنّ هذا العظم يخبرني أنه مسموم، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور وازدرد لقمته فمات منها. ثم دعا باليهودية فاعترفت ولم يقتلها لإسلامها حينئذ على ما قيل، ويقال إنه دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها. قدوم مهاجرة الحبشة: وكان مهاجرة الحبشة قد جاء جماعة منهم [٣] إلى مكة قبل الهجرة حين سمعوا بإسلام قريش ثم هاجروا إلى المدينة، وجاء آخرون منهم قبل خيبر بسنتين، ثم جاء بقيتهم إثر فتح خيبر. بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي في شأنهم ليقدمهم عليه، فقدم جعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس وبنوهما عبد الله ومحمد وعون، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية وامرأته أمينة بنت خلف وابناهما سعيد، وأمّ خالد وعمرو بن سعيد بن العاص، ومعيف [٤] بن أبي فاطمة حليف أبي سعيد بن العاص ولي بيت المال لعمر، وأبو موسى الأشعري حليف آل عتبة بن ربيعة والأسود بن نوفل بن خويلد ابن أخى خديجة-، وجهم بن قيس بن شرحبيل بن عبد الدار وابناه عمر وخزيمة، والحرث بن خالد بن صخر بن تميم، وعثمان بن ربيعة بن أهبان من بني جمح، ومحنية بن حذاء [٥] الزبيدي حليف بني سهم ولي لرسول الله ﷺ الأخماس، ومعمر بن عبد الله بن نضلة من بني عدي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عامر بن لؤيّ، وأبي عمرو مالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس، فكان هؤلاء آخر من بقي بأرض الحبشة. ولما قدم جعفر على النبيّ ﷺ

стр. 1252

يوم فتح خيبر قبل ما بين عينيه والتزمه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟! فتح فدك ووادي القرى ولما اتصل بأهل فدك شأن أهل خيبر بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه الأمان على أن يتركوا الأموال، فأجابهم إلى ذلك فكانت خالصة لرسول الله ﷺ ، مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله. ثم انصرف عن خيبر إلى وادي القرى فافتتحها عنوة وقسمها، وقتل بها غلامه مدغما، قال فيه لما شهد له الناس بالجنة: كلا إنّ [١] الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا ثم رحل إلى المدينة في شهر صفر. عمرة القضاء وأقام ﷺ بعد خيبر إلى انقضاء شوال من السنة السابعة ثم خرج في ذي القعدة لقضاء العمرة التي عاهده عليها قريش يوم الحديبيّة وعقد لها الصلح، وخرج ملأ من قريش عن مكة عداوة للَّه ولرسوله وكرها في لقائه، فقضى عمرته وتزوّج بعد إحلاله بميمونة بنت الحرث من بني هلال بن عامر [٢] خالة ابن عباس وخالد بن الوليد، وأراد أن يبني بها، وقد تمت الثلاث التي عاهده قريش على المقام بها وأوصوا إليه بالخروج وأعجلوه عن ذلك، فبنى بها بسرف. غزوة جيش الأمراء وأقام رسول الله ﷺ بعد منصرفه من عمرة القضاء إلى جمادى الأولى من السنة الثامنة ثم بعث الأمراء إلى الشام، وقد كان أسلم قبل ذلك عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة وهم من كبراء قريش. وقد كان عمرو بن العاص مضى عن قريش إلى النجاشي يطلبه في المهاجرين الذين عنده، ولقي هنالك عمرو بن أمية الضمريّ وافد النبي ﷺ ، فغضب

стр. 1253

النجاشي لما كلمه في ذلك، فوفقه الله ورئي [١] الحق فأسلم وكتم إسلامه، ورجع إلى قريش ولقي خالد بن الوليد فأخبره فتفاوضا، ثم هاجرا إلى النبيّ ﷺ فأسلما. وبعث رسول الله ﷺ خالدا مع بعث الشام وأمّر على الجيش مولاه زيد بن حارثة وكانوا نحوا من ثلاثة آلاف، وقال إن أصابه قدر فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن أصابه قدر فالأمير عبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه أميرا عليهم. وشيعهم ﷺ وودّعهم، ونهضوا حتى انتهوا إلى معان من أرض الشام، فأتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم قد نزل مؤاب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب البادين هنالك من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهرا وبلي والقيس وعليهم مالك بن زاحلة من بني أراشة. فأقام المسلمون في معان ليلتين يتشاورون في الكتب إلى رسول الله ﷺ وانتظار أمره ومدده، ثم قال لهم عبد الله بن رواحة أنتم إنما خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة إلّا بهذا الدين الّذي أكرمنا الله به، فانطلقوا إلى [٢] جموع هرقل عند قرية مؤتة ورتبوا الميمنة والميسرة، واقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح والراية في يده، فأخذها جعفر بن أبي طالب وعقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذها بيساره فقطعت فقتل كذلك وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأخذها عبد الله بن رواحة وتردّد عن النزول بعض الشيء ثم صمم إلى العدوّ فقاتل حتى قتل. فأخذ الراية ثابت بن أفرم [٣] من بني العجلان وناولها لخالد بن الوليد فانحاز بالمسلمين، وأنذر النبيّ ﷺ بقتل هؤلاء الأمراء قبل ورود الخبر وفي يوم قتلهم، واستشهد مع الأمراء جماعة من المسلمين يزيدون على الشعرة أكرمهم الله بالشهادة، ورجعوا إلى النبيّ ﷺ ، فأحزنه موت جعفر ولقيهم خارج المدينة وحمل عبد الله بن جعفر بين يديه على دابته وهو صبي وبكى عليه واستغفر له وقال: أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة، فسمي ذا الجناحين.

стр. 1254

فتح مكة كان رسول الله ﷺ حين عقد الصلح بينه وبين قريش في الحديبيّة أدخل خزاعة في عقده المؤمن منهم والكافر، وأدخلت قريش بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة في عقدها وكانت بينهم تراث في الجاهلية ودخول كان فيها الأوّل للأسود بن رزن [١] من بني الدئل بن بكر بن عبد مناة وثارهم [٢] عند خزاعة لما قتلت حليفهم مالك بن عباد الحضرميّ، وكانوا قد عدوا [٣] على رجل من خزاعة فقتلوه في مالك بن عباد حليفهم، وعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الأسود بن رزن فقتلوهم وهم أشراف بني كنانة، وجاء الإسلام فاشتغل الناس به ونسوا أمر هذه الدماء، فلمّا انعقد هذا الصلح من الحديبيّة وأمن الناس بعضهم بعضا، فاغتنم بنو الدئل هذه الفرصة في إدراك الثأر من خزاعة بقتلهم بني الأسود بن رزن، وخرج نوفل بن معاوية الدّؤلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة وليس كلهم تابعه، وخرج معه بعضهم وخرجوا منهم وانحجزوا في دور مكة ودخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ورجع بنو بكر وقد انتقض العهد فركب بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم في وفد من قومهم إلى رسول الله ﷺ مستغيثين مما أصابهم به بنو الدئل بن عبد مناة وقريش، فأجاب ﷺ صريخهم وأخبرهم: بأنّ أبا سفيان يأتي يشدّ العقد ويزيد في المدّة وأنه يرجع بغير حاجة وكان ذلك سببا للفتح وندم قريش على ما فعلوا، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليؤكد العقد ويزيد في المدّة، ولقي بديل بن ورقاء بعسفان فكتمه الخبر وورّى له عن وجهه، وأتى أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت دونه فراش النبيّ ﷺ وقالت لا يجلس عليه مشرك، فقال لها قد أصابك بعدي شرّيا بنية. ثم أتى المسجد وكلّمن النبيّ ﷺ فلم يجبه، فذهب إلى أبي بكر وكلمه أن يتكلم في ذلك فأبى، فلقي عمر فقال: والله لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم به، فدخل على عليّ بن أبي طالب وعنده فاطمة وابنه الحسن صبيّا

стр. 1255

فكلمه فيما أتى له فقال عليّ: ما نستطيع أن نكلمه في أمر عزم عليه، فقال لفاطمة يا بنت محمد أما تأمري [١] ابنك هذا ليجير بين الناس فقالت لا يجير أحد على رسول الله، فقال له عليّ يا أبا سفيان أنت سيد بني كنانة فقم وأجر وارجع إلى أرضك، فقال ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: ما أظنه ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان في المسجد فنادى: ألا إني قد أجرت بين الناس ثم ذهب إلى مكة وأخبر قريشا، فقالوا ما جئت بشيء وما زاد ابن أبي طالب على أن لعب بك. ثم أعلم رسول الله ﷺ أنه سائر إلى مكة، وأمر الناس بأن يتجهزوا، ودعا الله أن يطمس الأخبار عن قريش، وكتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة بالخبر مع ظعينة قاصدة إلى مكة، فأوحى الله، إليه بذلك فبعث عليّا والزبير والمقداد إلى. الظعينة فأدركوها بروضة خاخ وفتشوا رحلها فلم يجدوا شيئا، وقالوا: رسول الله أصدق، فقال عليّ: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقينّ الحوائج، فأخرجته من بين قرون رأسها. فلما قرئ على النبيّ ﷺ قال ما هذا يا حاطب؟ فقال يا رسول الله والله ما شككت في الإسلام ولكني ملصق في قريش فأردت عندهم يدا يحفظوني [٢] بها في مخلف أهلي وولدي، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإنّي قد غفرت لكم. وخرج ﷺ لعشر خلون من رمضان من السنة الثامنة في عشرة آلاف فيهم: من سليم ألف رجل وقيل سبعمائة، ومن مزينة ألف، ومن غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف من قريش وأسد وتميم وغيرهم، ومن سائر القبائل جموع وكتائب الله من المهاجرين والأنصار. واستخلف أبا رهم الغفاريّ على المدينة، ولقيه العبّاس بذي الحليفة وقيل بالجحفة مهاجرا، فبعث رحله إلى المدينة وانصرف معه غازيا، ولقيه بنيق [٣] العقاب أبو سفيان بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية مهاجرين واستأذنا فلم يؤذن لهما، وكلمته أم سلمة فأذن لهما، وأسلما فسار حتى نزل مرّ الظهران، وقد طوى الله أخباره عن قريش إلّا أنهم يتوجسون الخيفة.

стр. 1256

وخشي العبّاس تلافي قريش إن فاجأهم الجيش قبل ان يستأمنوا، فركب بغلة النبيّ ﷺ وذهب يتجسس، وقد خرج أبو سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم ابن حزام يتحسسون الخبر، وبينما العبّاس قد أتى الأراك ليلقى من السابلة من ينذر أهل مكة إذ سمع صوت أبي سفيان وبديل وقد أبصرا نيران العساكر، فيقول بديل: نيران بني خزاعة، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. فقال العبّاس: هذا رسول الله ﷺ بالناس والله إن ظفر بك ليقتلنك واصباح قريش فارتدف خلفي. ونهض به إلى المعسكر ومر بعمر فخرج يشتدّ إلى رسول الله ﷺ يقول: الحمد للَّه الّذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، فسبقه العبّاس على البغلة ودخل على أثره فقال: يا رسول الله هذا عدوّ الله أبو سفيان أمكن الله منه بلا عهد فدعني أضرب عنقه، فقال العبّاس: قد أجرته فزأره عمر، فقال العباس: لو كان من بني عديّ ما قلت هذا ولكنه من عبد مناف، فقال عمر: والله لإسلامك كان أحب إليّ من إسلام الخطّاب لأني أعرف أنه عند رسول الله ﷺ كذلك. فأمر رسول الله ﷺ العبّاس أن يحمله إلى رحله ويأتيه به صباحا، فلما أتى به قال له ﷺ : ألم يأن لك أن تعلم أنّ لا إله إلّا الله؟ فقال بأي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد علمت لو كان معه إله غيره أغنى عنا، فقال: ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله، قال أبي أنت وأمي ما أحملك وأكرمك وأوصلك امّا هذه ففي النفس منها شيء [١] . فقال له العبّاس: ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك فأسلم. فقال العبّاس: يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا. قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. ثم أمر العبّاس أن يوقف أبا سفيان بخطم الوادي ليرى جنود الله ففعل ذلك، ومرّت به القبائل قبيلة قبيلة، إلى أن جاء مركب رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، عليهم الدروع البيض، فقال من هؤلاء؟ فقال العبّاس: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. فقال: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما: فقال: يا أبا سفيان إنها النبوّة، فقال: هي إذا! فقال له العبّاس: النجاء إلى قومك. فأتى مكة

стр. 1257

وأخبرهم بما أحاط بهم وبقول النبيّ ﷺ من أتى المسجد أو دار أبي سفيان أو أغلق بابه. ورتب الجيش وأعطى سعد بن عبادة الراية فذهب يقول: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة وبلغ ذلك النبيّ ﷺ فأمر عليّا ان يأخذ الراية منه، ويقال أمر الزبير. وكان على الميمنة خالد بن الوليد وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وعلى الميسرة الزبير، وعلى المقدّمة أبو عبيدة بن الجرّاح. وسرّب رسول الله ﷺ الجيوش من ذي طوى، وأمرهم بالدخول إلى مكة: الزبير من أعلاها، وخالد من أسفلها، وأن يقاتلوا من تعرض لهم. وكان عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو قد جمعوا للقتال، فناوشهم أصحاب خالد القتال، واستشهد من المسلمين كرز بن جابر من بني محارب، وخنيس بن خالد من خزاعة، وسلمة بن جهينة، وانهزم المشركون وقتل منهم ثلاثة عشر وأمّن النبيّ ﷺ سائر الناس. وكان الفتح لعشر بقين من رمضان، وأهدر دم جماعة من المشركين سمّاهم يومئذ منهم: عبد العزّى بن خطل من بني تميم، والأدرم بن غالب كان قد أسلم وبعثه رسول الله ﷺ مصدقا ومعه رجل من المشركين فقتله وارتدّ ولحق بمكّة وتعلق يوم الفتح بأستار الكعبة فقتله سعد بن حريث المخزومي وابو برزة الأسلميّ. ومنهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبيّ ﷺ ثم ارتدّ ولحق بمكة ونميت عنه أقوال، فاختفى يوم الفتح وأتى به عثمان بن عفّان وهو أخوه من الرضاعة فاستأمن له فسكت ﵇ ساعة ثم أمّنه، فلما خرج قال لأصحابه هلّا ضربتم عنقه، فقال له بعض الأنصار هلا أومأت إليّ، فقال: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ولم يظهر بعد إسلامه إلّا خير وصلاح واستعمله عمر وعثمان. ومنهم الحويرث بن نفيل [١] من بني عبد قصيّ كان يؤذي رسول الله ﷺ بمكّة فقتله علي بن أبي طالب يوم الفتح. ومنهم مقيس بن صبابة كان هاجر في غزوة الخندق ثم عدا على رجل من الأنصار كان قتل أخاه قبل ذلك غلطا ووداه فقتله وفرّ إلى مكّة مرتدّا، فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثي وهو ابن عمه. ومنهم قينتا ابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبيّ ﷺ فقتلت إحداهما

стр. 1258

واستؤمن للأخرى فأمنها. ومنهم مولاة لبني عبد المطلب اسمها سارة واستؤمن لها فأمّنها رسول الله ﷺ . واستجار رجلان من بني مخزوم بأمّ هانئ بنت أبي طالب يقال إنّهما الحرث بن هشام وزهير بن أبي أميّة أخو أمّ سلمة فأمنتهما، وأمضى رسول الله ﷺ أمانها فأسلما. ثم دخل رسول الله ﷺ المسجد وطاف بالكعبة وأخذ المفتاح من عثمان بن طلحة بعد أن مانعت دونه أم عثمان ثم أسلمته، فدخل الكعبة ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة وأبقى له حجابة البيت فهي في ولد شيبة إلى اليوم. وأمر بكسر الصور داخل الكعبة وخارجها، وبكسر الأصنام حواليها، ومرّ عليها وهي مشدودة بالرصاص يشير إليها بقضيب في يده وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ١٧: ٨١، فما بقي منهم [١] صنم إلا خرّ على وجهه. وأمر بلالا فأذن على ظهر الكعبة ووقف رسول الله ﷺ بباب الكعبة ثاني يوم الفتح وخطب خطبته المعروفة، ووضع مآثر الجاهلية إلّا سدانة البيت وسقاية الحاج، وأخبر أنّ مكة لم تحلّ لأحد قبله ولا بعده، وإنما أحلّت له ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس [٢] ، ثم قال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا إنّ كل مأثورة أو دم أو مال يدعى في الجاهلية فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج، ألا وإن قتل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا فيهما الدية مغلظة منها أربعون في بطونها أولادها، يا معشر قريش إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب» . ثم تلا رسول الله ﷺ : «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ من ذَكَرٍ وَأُنْثى ٤٩: ١٣» إلى آخر الآية. يا «معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون إني فاعل فيكم؟» قالوا: خيرا أخ كريم، ثم قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» . وأعتقهم على الإسلام وجلس لهم فيما قيل على الصفا فبايعوه على السمع والطاعة للَّه ولرسوله فيما استطاعوا، ولمّا فرغ من بيعة الرجال بايع النساء، أمر عمر بن الخطاب أن يبايعهن واستغفر لهن رسول الله ﷺ لأنه كان لا يمس امرأة حلالا ولا حراما.

стр. 1259

وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن واتبعه عمير بن وهب من قومه بأمان النبيّ ﷺ له فرجع وأنظره أربعة أشهر، وهرب ابن الزبير الشاعر إلى نجران ورجع فأسلم، وهرب هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ زوج امّ هانئ إلى اليمن فمات هنالك كافرا. ثم بعث النبيّ ﷺ السرايا حول مكة ولم يأمرهم بقتال، وفي جملتهم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فقتل منهم وأخذ ذلك عليه، وبعث إليهم عليّا بمال فودى لهم قتلاهم وردّ عليهم ما أخذ لهم. ثم بعث رسول الله ﷺ خالدا إلى العزّى بيت بنخلة كانت مضر من قريش تعظمه وكنانة وغيرهم، وسدنته بنو شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم فهدمه. ثم ان الأنصار توقفوا إلى أن يقيم ﷺ داره بعد أن فتحها فأغمهم ذلك وخرجوا له، فخطبهم ﷺ وأخبرهم أنّ المحيا محياهم والممات مماتهم فسكتوا لذلك واطمأنوا. غزوة حنين وأقام رسول الله ﷺ بمكّة خمس عشرة ليلة وهو يقصر الصلاة فبلغه أنّ هوازن وثقيف جمعوا له وهم عامدون إلى مكة وقد نزلوا حنينا، وكانوا حين سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ بالمدينة يظنون أنه إنما يريدهم، فاجتمعت هوازن إلى مالك بن عوف من بني النضير [١] ، وقد أوعب معه بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وبني جشم بن معاوية، وبني سعد بن بكر وناسا من بني هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية والأحلاف، وبني مالك بن ثقيف بن بكر، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب. وفي جشم دريد بن الصمة بن بكر بن علقمة ابن خزاعة بن أزية بن جشم رئيسهم وسيدهم شيخ كبير ليس فيه إلا ليؤتم برأيه ومعرفته. وفي ثقيف سيدان ليس لهم في الأحلاف إلّا قارب بن الأسود بن مسعود ابن معتب [٢] ، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحرث بن مالك وأخوه أحمر. وجميع أمر النّاس إلى مالك بن عوف. فلمّا أتاهم أنّ رسول الله ﷺ وفتح مكة أقبلوا عامدين اليه، وأسار

стр. 1260

مالك مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم يرى أنه أثبت لموقفهم، فنزلوا بأوطاس، فقال دريد بن الصمة لمالك: ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير، فقال: أموال الناس وأبناءهم سقنا معهم ليقاتلوا عنها، فقال راعي ضأن: والله وهل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسلاحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم سأل عن كعب وكلاب وأسف لغيابهم وأنكر على مالك رأيه ذلك، وقال: لم تصنع بتقديم بيضة [١] هوازن إلى نجور الخيل شيئا أرفعهم إلى ممتنع بلادهم، ثم ألق الصبيان على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت لغيرك كنت قد أحرزت [٢] أهلك ومالك. وأبى عليه مالك واتبعه هوازن. ثم بعث النبيّ ﷺ عبد الله بن أبي حدرد [٣] الأسلمي يستعلم خبر القوم فجاءه وأطلعه على جليّة الخبر وأنّهم قاصدون إليه، فاستعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية مائة درع وقيل أربعمائة وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف الذين صحبوه من المدينة وألفان من مسلمة الفتح، واستعمل على مكّة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ومضى لوجهه. وفي جملة من اتبعه عباس بن مرداس، والضحاك بن سفيان الكلابيّ، وجموع من عبس وذبيان، ومزينة وبني أسد. ومرّ في طريقه بشجرة سدر خضراء، وكان لهم في الجاهلية مثلها يطوف بها الأعراب ويعظمونها ويسمّونها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم: قلتم كما قال قوم موسى اجعل لنا آلها كما لهم آلهة، والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم واجرم من ذلك [٤] . ثم نهض حتى أتى وادي حنين من أودية تهامة أوّل يوم [٥] من شوّال من السنة الثامنة وهو وادي حزن [٦] ، فتوسطوه في غبش الصبح وقد كمنت هوازن في جانبيه فحملوا

стр. 1261

على المسلمين حملة رجل واحد، فولّى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، وناداهم ﷺ فلم يرجعوا. وثبت معه أبو بكر وعمر وعلي والعبّاس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر والفضل وقثم ابنا العبّاس وجماعة سواهم، والنبيّ ﷺ على بغلته البيضاء دلدل والعباس آخذ بشكائمها وكان جهير الصوت فأمره رسول الله ﷺ أن ينادي بالأنصار وأصحاب الشجرة قيل وبالمهاجرين، فلمّا سمعوا الصوت وذهبوا ليرجعوا فصدّهم ازدحام الناس [١] عن أن يثنوا رواحلهم، فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبيّ ﷺ ، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة فاستقبلوا هوازن والناس متلاحقون [٢] ، واشتدّت الحرب وحمي الوطيس وقذف الله في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله ﷺ فلم يملكوا أنفسهم، فولّوا منهزمين ولحق آخر الناس وأسرى هوازن مغلولة بين يديه، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم واستحرّ [٣] القتل في بني مالك من ثقيف فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا في جملتهم: ذو الخمار وأخوه عثمان ابنا عبد الله بن ربيعة بن الحرث بن حبيب سيداهم، وامّا قارب بن الأسود سيد الأحلاف من ثقيف ففرّ بقومه منذ أوّل الأمر وترك رايته فلم يقتل منهم أحد، ولحق بعضهم بنخلة. وهرب مالك بن عوف النصري مع جماعة من قومه فدخلوا الطائف مع ثقيف، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس [٤] واتبعتهم طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من نخلة فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه، يقال قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يربوع بن سماك بن عوف بن امرئ القيس. وبعث ﷺ إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن أبا عامر الأشعري عم أبي موسى فقاتلهم، وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة فأخذ أبو موسى الراية وشدّ على قاتل عمه فقتله. وانهزم المشركون واستحرّ [٥] القتل في بني رباب من بني نصر بن معاوية، وانفضت جموع أهل هوازن كلها. واستشهد

стр. 1262

من المسلمين يوم الخميس أربعة منهم أيمن بن أم أيمن أخو أسامة لأمه [١] ، ويزيد بن زمعة بن الأسود، وسراقة بن الحرث من بني العجلان، وأبو عامر الأشعري. حصار الطائف وغزوة تبوك ثم أمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فحبست بالجعرانة بنظر مسعود ابن عمرو الغفاريّ، وسار من فوره إلى الطائف فحاصر بها ثقيف خمس عشرة ليلة، وقاتلوا من وراء الحصون، وأسلم من كان حولهم من الناس وجاءت وفودهم إليه. وقد كان مرّ في طريقه بحصن مالك بن عوف النصري [٢] فأمر بهدمه، ونزل على أطم لبعض ثقيف فتمنع فيه صاحبه فأمر بهدمه فأخرب وتحصنت ثقيف. وقد كان عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة من ساداتهم ذهبا إلى جرش يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات للحصار لمّا أحسوا من قصد رسول الله ﷺ إياهم فلم يشهدا الحصار ولا حنينا قبله، وحاصرهم المسلمون بضع عشرة أو بضعا وعشرين ليلة واستشهد بعضهم بالنبل ورماهم ﷺ بالمنجنيق، ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا إلى سور الطائف فصبوا عليهم سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا منهم قوما، وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم [٣] ، ورغب إليه ابن الأسود بن مسعود في ماله وكان بعيدا من الطائف وكفّ عنه، ثم دخل إلى الطائف وتركهم ونزل أبو بكرة فأسلم. واستشهد من المسلمين في حصاره: سعيد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة أخو أمّ سلمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي في آخرين قريبا من اثني عشر فيهم أربعة من الأنصار. ثم انصرف رسول الله ﷺ من الجعرانة وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين، فخيّرهم بين العيال والأبناء والأموال فاختاروا العيال والأبناء، وكلموا المسلمين في ذلك بأمر رسول الله ﷺ فقال ﷺ ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون والأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله

стр. 1263

صلى الله عليه وسلم. وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أن يراد عليهم ما وقع لهما من الفي وساعدهم قومهم [١] ، وامتنع العبّاس بن مرداس كذلك. وخالف بنو سليم وقالوا: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فعوّض رسول الله ﷺ من لم تطب نفسه عن نصيبه. وردّ عليهم نساءهم وأبناءهم بأجمعهم. وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بنى ذكر وأنثى فيهنّ الشيما أخت النبيّ صل يا لله عليه وسلم من الرضاعة وهي بنت الحرث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر من هوازن، وأكرمها رسول الله ﷺ وأحسن إليها وخيّرها فاختارت قومها فردّها اليهم. وقسم الأموال بين المسلمين، ثم أعطى من نصيبه من خمس الخمس قوما يستألفهم على الإسلام من قريش وغيرهم، فمنهم من أعطاه مائة مائة، ومنهم خمسين خمسين، ومنهم ما بين ذلك، ويسمّون المؤلفة وهم مذكورون في كتب السير يقاربون الأربعين، منهم أبو سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية ومالك بن عوف وغيرهم، ومنهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر والأقرع بن حابس وهما من أصحاب المائة، وأعطى عبّاس بن مرداس دونهما، فأنشده أبياته المعروفة يتسخط فيها، فقال اقطعوا عني لسانه فأتموا إليه المائة. ولمّا أعطى المؤلفة قلوبهم وجد الأنصار في أنفسهم إذ لم يعطهم مثل ذلك وتكلّم شبانهم مع ما كانوا يظنون أنه إذا فتح الله عليه بلده يرجع إلى قومه ويتركهم، فجمعهم ووعظهم وذكّرهم وقال: «إنما أعطي قوما حديثي عهد بالإسلام أتألفهم عليه، أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاء والبعير وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الأنصار شعبا وسلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار» فرضوا وافترقوا. ثم اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة الى مكة، ثم رجع الى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة من السنة الثامنة لشهرين ونصف من خروجه، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد شابا ينيف عمره على عشرين، وكان غلبه الورع والزهد فأقام الحج بالمسلمين في سنته وهو أوّل أمير أقام حجّ الإسلام المشركون على مشاعرهم. وخلف بمكة معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن،

стр. 1264

وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندي [١] من الأزد بعمان مصدقا فأطاعوا له بذلك. واستعمل ﷺ مالك بن عوف على من أسلم من قومه ومن سلم منهم وماله حوالي الطائف من ثقيف، وأمره بمغادرة الطائف من التضييق عليهم ففعل حتى جاءوا مسلمين كما يذكر بعد. وحسن إسلام المؤلفة قلوبهم ممن أسلم يوم الفتح أو بعده وإن كانوا متفاوتين في ذلك. ووفد على النبي ﷺ كعب بن زهير فأهدر دمه وضاقت به الأرض، وجاء فأسلم وأنشد النبي ﷺ قصيدته المعروفة بمدحه التي أوّلها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول إلخ. وأعطاه بردة في ثواب مدحه فاشتراها معاوية من ورثته بعد موته وصار الخلفاء يتوارثونها شعارا. ووفد في سنة تسع على رسول الله ﷺ بالمدينة بنو أسد فأسلموا وكان منهم ضرار بن الأزور، وقالوا: قدمنا يا رسول الله قبل أن يرسل إلينا فنزلت «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ٤٩: ١٧» (الآية) . ووفد فيها وفدتين في شهر ربيع الأول ونزلوا على رويفع بن ثابت البلوي. وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد منصرفه من الطائف في ذي الحجة إلى شهر رجب من السنة التاسعة. ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم: «وكان في غزواته كثيرا ما يوري بغير الجهة التي يقصدها على طريقة الحرب إلا ما كان من هذه الغزاة لعسرها بشدّة الحرب، وبعد البلاد وفصل الفواكه وقلّة الظلال وكثرة العدو الذين يصدّون. وتجهز الناس على ما في أنفسهم من استثقال ذلك، وطفق المنافقون يثبطونهم عن الغزو، وكان نفر منهم يجتمعون في بيت بعض اليهود، فأمر طلحة بن عبيد الله أن يخرّب عليهم البيت فخرّبها [٢] . واستأذن ابن قيس من بني سلمة في القعود فأذن له وأعرض عنه، وتدرّب كثير من المسلمين بالإنفاق والحملان وكان من أعظمهم في ذلك عثمان بن عفّان يقال إنه أنفق فيها ألف دينار وحمل على تسعمائة بعير ومائة فرس وجهز ركابا. وجاء بعض المسلمين يستحمل رسول الله ﷺ فلم يجد ما يحملهم عليه فنزلوا باكين لذلك، وحمل بعضهم يامين بن عمير النضري وهما أبو ليلى بن كعب من بني مازن بن النجّار وعبد الله بن المغفل المزني. واعتذر المخلفون من الأعراب

стр. 1265

فعذرهم رسول الله ﷺ . ثم نهض وخلّف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل بل سبّاع بن عرفطة وقيل بل عليّ ابن أبي طالب، وخرج معه عبد الله بن أبي بن سلول في عدد وعدّة، فلما سار ﷺ تخلّف هو فيمن تخلّف من المنافقين. ومرّ ﷺ على ديار ثمود فأمر أن لا يستعمل ماؤها ويعلف ما عجن منه للإبل، وأذن لهم في بئر الناقة، وأمر أن لا يدخلوا عليهم بيوتهم إلّا باكين، ونهى أنّ يخرج أحد منفردا عن صاحبه، فخرج رجلان من بني ساعدة خنق [١] أحدهما فمسح عليه فشفي، والآخر رمته الريح في جبل طي فردّوه بعد ذلك إلي النبيّ ﷺ . وضلّ ﷺ ناقته في بعض الطريق، فقال أحد المنافقين محمد يدّعي علم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: والله لا أعلم إلّا ما علّمني الله وأن الناقة بموضع كذا. وكان قد أوحى إليه بها فوجدوها ثم، وكان قائل هذا القول زيد بن اللصيت من بني قينقاع وقيل إنه تاب بعد ذلك. وفضح الوحي قوما من المنافقين كانوا يخذلون الناس ويهوّلون عليهم أمر الروم، فتاب منهم مخشى بن جهير [٢] ودعا أن يكفر عنه بشهادة يخفي مكانه فقتل يوم اليمامة. ولمّا انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحينة بن رؤبة صاحب أيلة وأهل جرباء وأذرح فصالحوا على الجزية وكتب لكل كتابا. وبعث ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك [٣] صاحب دومة الجندل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا وأخبر أنه يجده يصيد البقر، واتفق أن بقر الوحوش باتت تهدّ القصر بقرونها فنشط أكيدر لصيدها وخرج ليلا، فوافق وصوله خالدا، فأخذه وبعث به إلى رسول الله ﷺ فعفا عنه وصالحه على الجزية وردّه. وأقام بتبوك عشرين ليلة، ثم انصرف، وكان في طريقه ماء قليل نهى أن يسبق إليه أحد، فسبق رجلان واستنفدا ما فيه فنكر عليهما ذلك، ثم وضع يده تحت وشله فصب ما شاء الله أن يصب ونضح به الوشل [٤] ودعا فجاش الماء حتى كفى العسكر.
следующие страницы →