← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

العتيق، ثم عاد وقد أصبح الفرس على مواقفهم وأعادوا الصناديق على الفيلة وأحدقوا الرجال بها يحمونها أن تقطع وضنها، وأقام الفرسان يحمون الرجالة فلم تنفر خيل المسلمين منها. وكان هذا اليوم يوم عماس وكان شديدا، إلا أن الطائفتين فيه سواء وأبلى فيه قيس بن المكشوح وعمرو بن معديكرب، زحفت الفيلة وفرّقت بين الكتائب. وأرسل سعد إلى القعقاع وعاصم أن أكفياني الأبيض وكان بإزائهما، وإلى محمل والذميل [١] أن أكفياني الأجرب وكان بإزائهما، فحملوا على الفيلين فقتل الأبيض ومن كان عليه وقطع مشفر الأجرب وفقئت عينه وضرب سائسه الذميل بالطبرزين فأفلت جريحا، وتحيّر الأجرب بين الطائفتين وألقى نفسه في العتيق واتبعته الفيلة وخرقت [٢] صفوف الأعاجم في اثره، وقصدت المدائن بثوابتها [٣] وهلك جميع من فيها. وخلص المسلمون والفرس فاختلفوا على سواء إلى المساء واقتتلوا بقية ليلتهم وتسمى ليلة الهرير. فأرسل سعد طليحة وعمرا إلى محاضة أسفل السكر يقومون عليها خشية أن يؤتى المسلمون منها، فتشاوروا أن يأتوا الأعاجم من خلفهم، فجاء طليحة وراء العسكر وكبر فارتاع أهل فارس، فأغار عمرو أسفل المخاضة ورجع وزاحفهم الناس دون إذن سعد وأوّل من زاحفهم من الناس دون إذن سعد زاحفهم القعقاع وقومه فحمل عليهم، ثم حمل بنو أسد ثم النخع ثم بحيلة ثم كندة، وسعد يقول في كل واحدة اللَّهمّ اغفر لهم وانصرهم. وقد كان قال لهم إذا كبرت ثلاثا فاحملوا، فلما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضا صلاة العشاء واختلطوا وصليل الحديد كصوت القرن إلى الصباح. وركدت الحرب وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم وأقبل سعد على الدعاء، وسمع نصف الليل صوت القعقاع في جماعة من الرؤساء إلى رستم حتى خالطوا صفه مع الصبح فحمل الناس من كل جهة على من يليهم واقتتلوا إلى قائم ظهيرة، فناجز الفيرزان والهرمزان بعض الشيء وانفرج القلب، وهبت ريح عاصف فقلبت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير

стр. 1332

وقد قام رستم عنه فاستظل في ظل بغل وحمله، وضرب هلال بن علقمة الحمل فوقع أحد العدلين على رستم فكسر ظهره، وضربه هلال ضربة نفحت مسكا وضرب نحو العتيق فرمى بنفسه فيه فاقتحم هلال وجرّه برجله فقتله، وصعد السرير وقال: قتلت رستم ورب الكعبة إليّ إليّ. فأطافوا به وكبروا. وقيل إن هلالا لما قصد رستم رماه بسهم، فأثبت قدمه بالركاب ثم حمل عليه، فقتله واحتز رأسه ونادى في الناس قتلت رستم. فانهزم قلب المشركين وقام الجالنوس على الردم ونادى الفرس إلى العبو، وتهافت المقترنون بالسلاسل في العتيق وكانوا ثلاثين فهلكوا، وأخذ ضرار بن الخطاب راية الفرس العظيمة وهي درفش كابيان فعوض منها ثلاثين ألفا وكانت قيمتها ألف ألف ومائة ألف ألف، وقتل ذلك اليوم من الأعاجم عشرة آلاف في المعركة، وقتل من المشركين في ذلك اليوم ستة آلاف دفنوا بالخندق سوى ألفين وخمسمائة قتلوا ليلة الهرير، وجمع من الأسلاب والأموال ما لم يجمع قبله ولا بعده مثله. ونفل سعد هلال بن علقمة سلب رستم، وأمر القعقاع وشرحبيل باتباع العدوّ وقد كان خرج زهرة بن حيوة قبلهما في آثارهم، فلحق الجالنوس يجمع المنهزمين فقتله وأخذ سلبه، فتوقف سعد من عطائه، وكتب إلى عمر، فكتب إليه: تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بمثل ما صلى به وقد بقي عليك من حربك ما بقي تفسد قلبه أمض له سلبه وفضله على أصحابه في العطاء بخمسمائة. ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وأخذه عبد الرحمن بطائفة من الفرس قد استماتوا فقتلوهم أجمعين، واستمات بعد الهزيمة بضعة وثلاثون رئيسا من المسلمين فقتلوهم أجمعين. وكان ممن هرب من أمراء الفرس الهرمزان وأهودوزاد بيهس [١] وقارن، وممن استمات فقتل شهريار بن كبارا وأسر المدمرون والفردان الأهوازي وحشر شوم الهمدانيّ. وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبمن أصيب من المسلمين، وكان عمر يسأل الركبان حين يصبح إلى انتصاف النهار ثم يرجع إلى أهله، فلما ألفى البشرى قال: من أين؟ فأخبره فقال: حدّثني فقال: هزم الله المشركين. ففرح بذلك. وأقام المسلمون بالقادسية ينتظرون كتاب عمر إلى أن وصلهم بالإقامة. وكانت وقعة القادسية سنة أربع عشرة وقيل خمس عشرة وقيل ست عشرة.

стр. 1333

فتح المدائن وجلولاء بعدها ولما انهزم أهل فارس بالقادسية انتهوا إلى بابل وفيهم بقايا الرؤساء النخيزجان ومهران الأهوازي والهرمزان وأشباههم واستعملوا عليهم الفيرزان. وأقام سعد بعد الفتح شهرين وسار بأمر عمر إلى المدائن وخلف العيال بالعتيق في جند كثيف حامية لهم، وقدّم بين يديه زهرة بن حيوة وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن المعتمر [١] ، ولقيهم بعض عساكر الفرس برستن فهزموهم حتى لحقوا ببابل. ثم جاء سعد وسار في التعبية ونزلوا على الفيرزان ومن معه ببابل، فخرجوا وقاتلوا المسلمين، فانهزموا وافترقوا فرقتين ولحق الهرمزان بالأهواز والفيرزان بنهاوند وبها كنوز كسرى، وسار النخيزجان ومهران إلى المدائن فتحصنوا وقطعوا الجسر. ثم سار سعد من بابل على التعبية وزهرة في المقدمة، وقدم بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن شهاب السبيعي [٢] حتى عبرا ولحقا بأخريات القوم، فقتلا في طريقهما اسوارين من أساورتهم، ثم تقدموا إلى كوثى [٣] وعليها شهريار فخرج لقتالهم فقتل وانهزم أصحابه فافترقوا في البلاد. وجاء سعد فنفل قاتله سلبه. وتقدّم زهرة إلى ساباط فصالحه أهلها على الجزية وهزم كتيبة كسرى، ثم نزلوا جميعا نهرشير [٤] من المدائن، ولما عاينوا الإيوان كبروا وقالوا: هذا أبيض كسرى هذا ما وعد الله. وكان نزولهم عليها ذا الحجة سنة خمس عشرة فحاصروها ثلاثة أشهر ثم اقتحموها، وكانت خيولهم تغير على النواحي وعهد إليهم عمر أن من أجاب من الفلاحين ولم يعن عليهم فذلك أمانة، ومن هرب فأدرك فشأنكم به. ودخل الدهاقين من غربي دجلة وأهل السواد كلهم في أمان المسلمين واغتبطوا بملكهم، واشتد الحصار على نهرشير ونصبوا عليها المجانيق واستلحموهم في المواطن، وخرج بعض المرازبة يطلب البراز، فقاتله زهرة بن حيوة فقتلا معا، ويقال إن زهرة قتله شبيب الخارجي أيام الحجاج. ولما ضاق بهم الحصار ركب إليهم الناس بعض الأيام

стр. 1334

فلم يروا على الأسوار أحدا إلا رجلا يشير إليهم فقال: ما بقي بالمدينة أحد وقد صاروا إلى المدينة القصوى التي فيها الإيوان، فدخل سعد والمسلمون وأرادوا العبور إليهم فوجدوهم جمعوا المعابر عندهم، فأقام أياما من صبر ودلّه بعض العلوم على مخاضة في دجلة فتردّد، فقال له أقدم فلا تأتي عليك ثلاثة إلا ويزدجرد قد ذهب بكل شيء فيها. فعزم سعد على العبور وخطب الناس وندبهم إلى العبور ورغبهم، وندب من يجزى أن لا يجيء الفراض حتى يجيز إليه الناس، فانتدب عاصم بن عمر في ستمائة واقتحموا دجلة فلقيهم أمثالهم من الفرس عند الفراض وشدوا عليهم فانهزموا وقتل أكثرهم وعوروا من الطعن في العيون، وعاينهم المسلمون على الفراض، فاقتحموا في أثرهم يصيحون نستعين باللَّه ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا باللَّه العلي العظيم. وساروا في دجلة وقد طبقوا ما بين عدوتيها وخيلهم سابحة بهم وهم يهيمنون تارة ويتحادثون أخرى حتى أجازوا البحر ولم يفقدوا شيئا، إلا قدحا لبعضهم غلبت صاحبه عليه وجرية الماء وألقته الريح إلى الشاطئ. ورأى الفرس عساكر المسلمين قد أجازوا البحر فخرجوا هاربين إلى حلوان، وكان يزدجرد قدم إليها قبل ذلك عياله، ورفعوا ما قدروا عليه من عرض المتاع وخفيفة ومن بيت المال والنساء والذراري، وتركوا بالمدائن من الثياب والأمتعة والآنية والألطاف ما لا تحصر [١] قيمته، وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف مكرّرة ثلاث مرّات تكون جملتها ثلاث آلاف قنطار من الدنانير، وكان رستم عند مسيره إلى القادسية حمل نصفها لنفقات العساكر وأبقى النصف. واقتحمت العساكر المدينة تجول في سكسكها لا يلقون بها أحدا، وأرز سائر الناس إلى القصر الأبيض حتى توثقوا لأنفسهم على الجزية. ونزل سعد القصر الأبيض واتخذ الإيوان به مصلّى ولم يغير ما فيه من التماثيل، ولما دخله قرأ «كَمْ تَرَكُوا من جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ٤٤: ٢٥» الآية، وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن وأتم الصلاة بنية الإقامة. وسرح زهرة بن حيوة في آثار الأعاجم إلى النهروان وقراها من كل جهة، وجعل على الأخماس عمرو بن عمرو بن مقرّن، وعلى القسم سلمان بن ربيعة الباهلي وجمع ما كان في القصر والإيوان والدور وما نهبه أهل المدائن عند الهزيمة، ووجدوا حلية كسرى ثيابه وخرزاته وتاجه ودرعه التي كان

стр. 1335

يجلس فيها للمباهاة أخذ ذلك من أيدي الهاربين على بغلين، وأخذ منهم أيضا وقر بغل من السيوف وآخر من الدروع والمغافر منسوبة كلها: درع هرقل وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام جور وسياوخش والنعمان بن المنذر وسيف كسرى وهرمز وقباد وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان أحضرها القعقاع وخيّره في الأسياف، فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام، وبعث إلى عمر سيف كسرى والنعمان وتاج كسرى وحليته وثيابه ليراها الناس. وقسّم سعد الفيء بين المسلمين بعد ما خمسه، وكانوا ستين ألفا فصار للفارس اثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، ونفل من الأخماس في أهل البلاد، وقسم في المنازل بين الناس، واستدعى العيالات من العتيق فأنزلهم الدور ولم يزالوا بالمدائن حتى تم فتح جلولاء وحلوان وتكريت والموصل، واختططت الكوفة فتحولوا إليها، وأرسل في الخمس كل شيء يعجب العرب منهم أن يضع إليهم، وحضر إليهم نهار كسرى وهو الغطف وهو بساط طوله ستون ذراعا في مثلها مقدار مزرعة جريت في أرضه وهي منسوجة بالذهب طرقا كالأنهار وتماثيل خلالها بصدف الدر والياقوت وفي حافاتها كالأرض المزدرعة والمقبلة بالنبات ورقها من الحرير على قضبان الذهب وزهره حبات الذهب والفضة وثمره الجوهر، كانت الأكاسرة يبسطونه في الإيوان في فصل الشتاء عند فقدان الرياحين يشربون عليه، فلما قدمت الأخماس على عمر قسمها في الناس، ثم قال أشيروا في هذا القصب، فاختلفوا وأشاروا على نفسه، فقطعه بينهم، فأصاب عليّ قطعة منه باعها بعشرين ألفا ولم تكن بأجودها. وولى عمر سعد بن أبي وقاص على الصلاة والحرب فيما غلب عليه، وولى حذيفة بن اليمان على سقي الفرات، وعثمان بن حنيف على سقي دجلة، ولما انتهى الفرس بالهرب إلى جلولاء، وافترقت الطرق من هنالك بأهل آذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس، وقفوا هنالك خشية الافتراق واجتمعوا على مهران الرازيّ وخندقوا على أنفسهم وأحاطوا الخندق بجسر الحديد، وتقدّم يزدجرد إلى حلوان. وبلغ ذلك سعدا فكاتب عمر بذلك يأمره أن يسرح بجلولاء هاشم ابن أخيه عتبة في اثني عشر ألفا وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وأن يولي القعقاع بعد الفتح ما بين السواد والجبل. فسار هاشم من المدائن لذلك في وجوه المسلمين وأعلام العرب حتى قدم جلولاء فأحاط بهم وحاصرهم في خنادقهم، وزاحفوهم ثمانين يوما ينصرون عليهم في

стр. 1336

كلها والمدد متصل من هاهنا وهاهنا ثم قاتلهم آخر الأيام فقتلوا منهم أكثر من ليلة الهرير، وأرسل الله عليهم ريحا وظلمة فسقط فرسانهم في الخندق وجعلوه طرقا مما يليهم ففسد حصنه، وشعر المسلمون بذلك فجاء القعقاع إلى الخندق فوقف على بابه، وشاع في الناس أنه أخذ في الخندق، فحمل الناس حملة واحدة انهزم المشركون لها وافترقوا، ومرّوا بالجسرة التي تحصنوا بها فعقرت دوابهم فترجلوا ولم يفلت منهم إلا القليل، يقال إنه قتل منهم يومئذ مائة ألف. واتبعهم القعقاع بالطلب إلى خانقين، وأجفل يزدجرد من حلوان إلى الري واستخلف عليها حشرشوم [١] ، وجاء القعقاع إلى حلوان فبرز إليه حشرشوم وعلى مقدمته الرومي، فقتله القعقاع وهرب حشرشوم من ورائه، وملك القعقاع حلوان وكتب إلى عمر بالفتح واستأذنوا في اتباعهم، فأبى وقال: وددت أنّ بين السواد والجبل سدا حصينا من ريف السواد فقد آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. وأحصيت الغنيمة فكانت ثلاثين ألف ألف، فقسمها سلمان بن ربيعة، يقال: إنه أصاب الفارس تسعة آلاف وتسعة من الدواب. وبعثوا بالأخماس إلى عمر مع زياد ابن أبيه. فلما قدم الخمس قال عمر: والله لا يجنه سقف حتى أقسمه، فجعله في المسجد وبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم يحرسانه، ولما أصبح جاء في الناس ونظر إلى ياقوتة وجوهرة فبكى، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا موطن شكر؟ قال: والله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا فيلقي الله بأسهم بينهم. ومنع عمر من قسمة السواد ما بين حلوان والقادسية فاقرّه حبسا، واشترى جرير بعضه بشاطئ الفرات فردّ عمر الشراء. ولما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن بلغهم أن أدين بن الهرامون جمع جمعا وجاء بهم إلى السهل، فبعث إليه ضرار بن الخطاب في جيش فلقيهم بماسبدان فهزمهم وأسر أدين فقتله، وانتهى في طلبهم إلى النهروان وفتح ماسبدان عنوة وردّ إليها أهلها ونزل بها فكانت أحد فروج الكوفة، وقيل كان فتحها بعد نهاوند والله سبحانه أعلم.

стр. 1337

ولاية عتبة بن غزوان على البصرة كان عمر عند ما بعث المثنى إلى الحيرة بعث قطبة [١] بن قتادة السدوسي [٢] إلى البصرة فكان يغير بتلك الناحية، ثم استمدّ عمر فبعث إليه شريح بن عامر بن سعد ابن بكر فأقبل إلى البصرة ومضى إلى الأهواز، ولقيه مسلحة الأعاجم فقتلوه. فبعث عمر عتبة بن غزوان واليا على تلك الناحية، وكتب إلى العلاء بن الحضرميّ أن يمدّه بعرفجة بن هرثمة وأمره أن يقيم بالتخوم بين أرض العرب وأرض العجم، فانتهى إلى حيال الجسر وبلغ صاحب الفرات خبرهم فأقبل في أربعة آلاف وعتبة في خمسمائة والتقوا فقتلوا الأعاجم أجمعين وأسروا صاحب الفرات، ثم نزل البصرة في ربيع سنة أربع عشرة، وقيل إنّ البصرة بصرت سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت. وأرسل سعد إليها عتبة فأقام بها شهرا وخرج إليه أهل الأبلة، وكانت مرفأ للسفن من الصين، فهزمهم عتبة وأحجرهم في المدينة ورجع إلى عسكره، ورعب الفرس فخرجوا عن الأبلة وحملوا ما خف وأدخلوا المدينة وعبروا النهر، ودخلها المسلمون فغنموا ما فيها واقتسموه. ثم اختط البصرة وبدأ بالمسجد فبناه بالقصب. وجمع لهم أهل دست ميان فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ مرزبانها أسيرا، وأخذ قتادة منطقته فبعث بها إلى عمر، وسأل عنهم فقيل له: انثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة. فرغب الناس في البصرة وأتوها. ثم سار عتبة إلى عمر بعد أن بعث مجاشع بن مسعود في جيش إلى الفرات، واستخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة إلى قدوم مجاشع [٣] ، وجاء ألف بيكان من عظماء الفرس إلى المسلمين ولقيهم المغيرة بن شعبة بالمرغاب وبينما هم في القتال إذ لحق بهم النساء وقد اتخذن خمرهن رايات، فانهزم الأعاجم وكتبوا بالفتح إلى عمر، فردّ عتبة إلى عمله فمات في طريقه، وقيل إن إمارة عتبة كانت سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة فوليها ستة أشهر، واستعمل عمر بعد المغيرة بن شعبة سنتين فلما رمى بما رمى به عزله، واستعمل أبا موسى. وقيل استعمل بعد عتبة أبا سبرة وبعده المغيرة.

стр. 1338

وقعة مرج الروم وفتوح مدائن الشام بعدها لما انهزم الروم بفحل سار أبو عبيدة وخالد إلى حمص واجتمعوا بذي الكلاع في طريقهم وبعث هرقل توذر البطريق للقائهم فنزلوا جميعا مرج الروم، وكان توذر بإزاء بخالد وشمس [١] بطريق آخر بإزاء أبي عبيدة وأمسوا متباريين [٢] . ثم أصبح فلم يجدوا توذر وسار إلى دمشق واتبعه خالد، واستقبله يزيد من دمشق فقاتله، وجاء خالد من خلفه فلم يفلت منهم إلا القليل وغنموا ما معهم. وقاتل شمس [٣] أبو عبيدة بعد مسير خالد فانهزم الروم وقتلوا واتبعهم أبو عبيدة إلى حمص ومعه خالد، فبلغ ذلك هرقل فبعث بطريق حمص إليها وسار هو في الرهاء، فحاصر أبو عبيدة حمص حتى طلبوا الأمان فصالحهم، وكان هرقل يعدهم في حصارهم المدد، وأمر أهل الجزيرة بامدادهم فساروا لذلك. وبعث سعد بن أبي وقاص العساكر من العراق فحاصروا هبت وقرقيسيا فرجع أهل الجزيرة إلى بلادهم. ويئس أهل حمص من المدد فصالحوا على صلح أهل دمشق، وأنزل أبو عبيدة فيها السمط بن الأسود في بني معاوية من كندة الأشعث بن ميناس في السكون والمقداد في بلي وغيرهم، وولى عليهم أبو عبيدة عبادة بن الصامت وصار إلى حماة فصالحوه على الجزية عن رءوسهم والخراج عن أرضهم، ثم سار نحو شيزر فصالحوا كذلك، ثم إلى المعرة كذلك ويقال معرة النعمان وهو النعمان بن بشير الأنصاري. ثم سار إلى اللاذقية ففتحها عنوة ثم سليمة أيضا، ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فاعترضه ميناس عظيم الروم بعد هرقل فهزمهم خالد وأثخن فيهم، ونازل قنسرين حتى افتتحها عنوة وخربها. وأدرب إلى هرقل من ناحيته، وأدرب عياض بن غنم لذلك، وأدرب عمر بن مالك من الكوفة إلى قرقيسيا، وأدرب عبد الله بن المعتمر من الموصل، فارتحل هرقل إلى القسطنطينية من أمدها، وأخذ أهل الحصون بين الإسكندرية [٤] وطرسوس وشعبها أن ينتفع المسلمون بعمارتها. ولما بلغ عمر صنيع خالد قال: «أمّر

стр. 1339

خالد نفسه يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم مني بالرجال» . وقد كان عزل خالدا والمثنى بن حارثة خشية أن يداخلهما كبر من تعظيم فوكلوا إليه، ثم رجع عن رأيه في المثنى عند قيامه بعد أبي عبيد، وفي خالد بعد قنسرين فرجع خالد إلى إمارته. ولما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب وبلغه أن أهل قنسرين غدروا فبعث إليهم السمط الكندي فحاصرهم وفتح وغنم، ووصل أبو عبيدة إلى خناصر [١] حلب وهو موضع قريب منها يجمع أصنافا من العرب، فصالحوا على الجزية ثم أسلموا بعد ذلك. ثم أتى حلب وكان على مقدّمته عياض بن غنم الفهري فحاصرهم حتى صالحوه على الأمان، وأجاز ذلك أبو عبيدة، وقيل صولحوا على مقاسمة الدور والكنائس، وقيل انتقلوا إلى انطاكية حتى صالحوا ورجعوا إلى حلب. ثم سار أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية وبها جمع كبير من فل قنسرين وغيرهم ولقوة قريبا منها فهزمهم وأحجرهم وحاصرهم حتى صالحوه على الجلاء أو الجزية ورحل عنهم، ثم نقضوا فبعث أبو عبيدة إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول وكانت عظيمة الذكر، فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرتب فيها حامية مرابطة ولا يؤخر عنهم العطاء [٢] . ثم بلغ أبا عبيدة أن جمعا بالروم بين معرة مصرين وحلب فسار إليهم فهزمهم وقتل بطارقتهم، وأمعن بل وأثخن فيهم، وفتح معرة مصرين على صلح حلب. وجالت خيوله فبلغت سرمين وتيري وغلبوا على جميع أرض قنسرين وأنطاكية، ثم فتح حلبة ثانية. وسار يريد قورس، وعلى مقدمته عياض، فصالحوه على صلح أنطاكية. وبث خيله ففتح تل نزار وما يليه، ثم فتح منبج على يد سلمان بن ربيعة الباهلي، ثم بعث عياضا إلى دلوك وعينتاب فصالحهم على مثل منبج واشترط عليهم أن يكونوا عونا للمسلمين. وولى أبو عبيدة على كل ما فتح من الكور عاملا وضم إليه جماعة وشحن الثغور المخوفة بالحامية. واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات، وعاد أبو عبيدة إلى فلسطين. وبعث أبو عبيدة جيشا مع ميسرة بن مسروق العبسيّ، فسلكوا درب تفليس إلى بلاد الروم فلقي جمعا للروم ومعهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل

стр. 1340

فأوقع بهم وأثخن فيهم، ولحق به على أنطاكية مالك بن الأشتر النخعي مددا، فرجعوا جميعا إلى أبي عبيدة. وبعث أبو عبيدة جيشا آخر إلى مرعش مع خالد بن الوليد ففتحها على إجلاء أهلها بالأمان وخرّبها، وبعث جيشا آخر مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحرث كذلك. وفي خلل ذلك فتحت قيسارية، بعث إليها يزيد بن أبي سفيان أخاه معاوية بأمر عمر فسار إليها وحاصرهم بعد أن هزمهم، وبلغت قتلاهم في الهزائم ثمانين ألفا وفتحها آخرا وكان علقمة بن مجزز [١] على غزة وفيها القبفار من بطارقة الروم. وقعة أجنادين وفتح بيسان والأردن وبيت المقدس لما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص بعد واقعة مرج الروم نزل عمرو وشرحبيل على أهل بيسان فافتتحها وصالح أهل الأردن، واجتمع عسكر الروم بأجنادين وغزة وبيسان وعليهم أرطبون من بطارقة الروم، فسار عمرو وشرحبيل إليهم واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي. وكان الأرطبون قد أنزل بالرملة جندا عظيما من الروم وبيت المقدس كذلك، وبعث عمر وعلقمة بن حكيم الفراسي ومسرور [٢] بن العكي لقتال أهل بيت المقدس، وبعث أبا أيوب المالكي إلى قتال أهل الرملة، وكان معاوية محاصرا لأهل قيسارية فشغل جميعهم عنه، ثم زحف عمرو إلى الأرطبون واقتتلوا كيوم اليرموك وأشدّ، وانهزم أرطبون إلى بيت المقدس وأفرج له المسلمون الذين كانوا يحاصرونها حتى دخل. ورجعوا إلى عمرو وقد نزل أجنادين. وقد تقدم لنا ذكر هذه الوقعة قبل اليرموك على قول من جعلها قبلها وهذا على قول من جعلها بعدها. ولما دخل أرطبون بيت المقدس فتح عمرو غزة، وقيل كان فتحها في خلافة أبي بكر، ثم فتح سبسطية وفيها قبر يحيى بن زكريا، وفتح نابلس على الجزية، ثم فتح مدينة لدّ، ثم عمواس وبيت حبرين ويافا ورفح وسائر مدائن الأردن. وبعث إلى الأرطبون فطلب أن يصالح كأهل الشام ويتولى العقد عمر وكتبوا إليه بذلك، فسار عن المدينة واستخلف عليّ بن أبي طالب بعد أن عذله في مسيره فأبى، وقد كان واعد أمراء الأجناد هنالك فلقيه

стр. 1341

يزيد ثم أبو عبيدة ثم خالد على الخيول عليهم الديباج والحرير فنزل ورماهم بالحجارة، وقال: أتستقبلوني [١] في هذا الزي؟ وإنما شبعتم منذ سنتين والله لو كان على رأس الماءين لاستبدلت بكم فقالوا: إنها بلاد ثمن. وإن علينا السلاح، فسكت ودخل الجابية. وجاءه أهل بيت المقدس وقد هرب أرطبون عنهم إلى مصر، فصالحوه على الجزية وفتحوها له وكذلك أهل الرملة. وولى علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة، وعلقمة بن مجزز على النصف الآخر وأسكنه بيت المقدس، وضم عمرا وشرحبيل إليه فلقياه بالجابية. وركب عمر إلى بيت المقدس فدخلها وكشف عن الصخرة وأمر ببناء المسجد عليها وذلك سنة خمس عشرة وقيل سنة ست عشرة. ولحق أرطبون بمصر مع من أبى الصلح من الروم حتى هلك في فتح مصر، وقيل إنما لحق بالروم وهلك في بعض الصوائف. ثم فرّق عمر العطاء ودون الدواوين سنة خمس عشرة ورتب ذلك على السابقة. ولما أعطى صفوان بن أمية والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو أقل من غيرهم قالوا: لا والله لا يكون أحد أكرم منا. فقال: إنما أعطيت على سابقة الإسلام لا على الأحساب. قالوا فنعم إذا. وخرجوا إلى الشام فلم يزالوا مجاهدين وحتى أصيبوا. ولما وضع عمر الدواوين قال له عليّ وعبد الرحمن ابدأ بنفسك، قال لا بل بعم رسول الله ﷺ ثم الأقرب فالأقرب، ورتب ذلك على مراتب ففرض خمسة آلاف ثم أربعة ثم ثلاثة ثم ألفين وخمسمائة ثم ألفين ثم ألفا واحدا ثم خمسمائة ثم ثلاثمائة ثم مائتين وخمسين ثم مائتين، وأعطى نساء النبي ﷺ عشرة آلاف لكل واحدة وفضل عائشة بألفين، وجعل النساء على ما رتب فلأهل بدر خمسمائة ثم أربعمائة ثم ثلاثمائة ثم مائتين، والصبيان مائة مائة والمساكين جريبين [٢] في الشهر، ولم يترك في بيت المال شيئا. وسئل في ذلك فأبى وقال: هي فتنة لمن بعدي. وسأل الصحابة في قوته من بيت المال، فأذنوا له وسألوه في الزيادة على لسان حفصة ابنته متكتمين عنه، فغضب وامتنع، وسألها عن حال رسول الله ﷺ في عيشه وملبسه وفراشه فأخبرته بالكفاف من ذلك، فقال والله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالترجية وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا

стр. 1342

وتزود الأول فبلغ المنزل واتبعه الآخر مقتديا به كذلك ثم جاء الثالث بعدهما فإن اقتفى طريقهما وزادهما لحق بهما وإلا لم يبلغهما. وفتحت في جمادى من هذه السنة تكريت لأن أهل الجزيرة كانوا قد اجتمعوا إلى المرزبان الّذي كان بها وهم من الروم وإياد وتغلب والنمر ومعهم المشهارجة ليحموا أرض الجزيرة من ورائهم، فسرح إليهم سعد بن أبي وقاص بأمر عمر، كاتبه عبد الله بن المعتمر وعلى مقدمته ربعي بن الأفكل وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة، فحاصروهم أربعين يوما وداخلوا العرب الذين معهم فكانوا يطلعونهم على أحوال الروم، ثم يئس الروم من أمرهم واعتزموا على ركوب السفن في دجلة للنجاة، فبعث العرب بذلك إلى المسلمين وسألوهم الأمان، فأجابوهم على أن يسلموا فأسلموا وواعدوهم الثبات والتكبير وأن يأخذوا على الروم أبواب البحر مما يلي دجلة ففعلوا. ولما سمع الروم التكبير من جهة البحر ظنوا أن المسلمين استداروا من هناك فخرجوا إلى الناحية التي فيها المسلمون فأخذتهم السيوف من الجهتين، ولم يفلت إلا من أسلم من قبائل ربيعة من تغلب والنمر وإياد. وقسمت الغنائم فكان للفارس ثلاثة آلاف درهم وللراجل ألف. ويقال إن عبد الله بن المعتمر بعث ربعي بن الأفكل بعهد عمر إلى الموصل ونينوى وهما حصنان على دجلة من شرقيها وغربيها، فسار في تغلب وإياد والنمر وسبقوه إلى الحصنين فأجابوا إلى الصلح وصاروا ذمة. وقيل بل الّذي فتح الموصل عتبة بن فرقد سنة عشرين وأنه ملك نينوى وهو الشرقي عنوة. وصالحوا أهل الموصل وهو الغربي على الجزية وفتح معها جبل الأكراد [١] وجميع أعمال الموصل وقيل إنما بعث عتبة بن فرقد عياض بن غنم عند ما فتح الجزيرة على ما نذكره والله أعلم. مسير هرقل إلى حمص وفتح الجزيرة وارمينية كان أهل الجزيرة قد راسلوا هرقل وأغروه بالشام وأن يبعث الجنود إلى حمص وواعدوه المدد، وبعثوا الجنود إلى أهل هيت مما يلي العراق، فأرسل سعد عمر بن مالك بن جبير بن مطعم في جند وعلى مقدمته الحرث بن يزيد العامري فسار إلى هيت وحاصرهم، فلما رأى اعتصامهم بخندقهم حجر عليهم الحرث بن يزيد وخرج

стр. 1343

في نصف العسكر وجاء قرقيسيا على غرّة فأجابوه إلى الجزية، وكتب إلى الحرث أن يخندق على عسكر الجزيرة فبيت حتى سألوا المسالمة والعود إلى بلادهم فتركهم ولحق بعمر بن مالك. ولما اعتزم هرقل على قصد حمص وبلغ الخبر أبا عبيدة ضمّ إليه مسالحه وعسكر بفنائها، وأقبل إليه خالد من قنسرين، وكتبوا إلى عمر بخبر هرقل فكتب إلى سعد أن يذهب بل أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو ويسرحهم من يومهم فإن أبا عبيدة قد أحيط به، وان يسرح سهيل بن عدي إلى الرقة فإن أهل الجزيرة هم الذين استدعوا الروم إلى حمص، وأن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين ثم يقصد حران والرها، وأن يسرح الوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وأن يكون عياض بن غنم على أمراء الجزيرة هؤلاء إن كانت حرب. فمضى القعقاع من يومه في أربعة آلاف إلى حمص، وسار عياض بن غنم وأمراء الجزيرة كل أمير إلى كورته، وخرج عمر من المدينة فأتى الجابية يريد حمص مغيثا لأبي عبيدة. ولما سمع أهل الجزيرة خبر الجنود فارقوا هرقل ورجعوا إلى بلادهم، وزحف أبو عبيدة إلى الروم فانهزموا، وقدم القعقاع من العراق بعد الوقعة بثلاث، وكتبوا إلى عمر بالفتح فكتب إليهم أن أشركوا أهل العرب في الغنيمة. وسار عياض بن غنم إلى الجزيرة وبعث سهيل بن عدي إلى الرقة عند ما انقبضوا عن هرقل فنهضوا معه، إلا إياد بن نزار، فإنّهم دخلوا أرض الروم. ثم بعث عياض بن سهيل وعبد الله يضمهما إليه، وسار بالناس إلى حران فأجابوه إلى الجزية. ثم سرح سهيلا وعبد الله إلى الرها فأجابوا إلى الجزية، وكمل فتح الجزيرة. وكتب أبو عبيدة إلى عمر لما رجع من الجابية، وانصرف معه خالد أن يضم إليه عياض بن غنم مكانه ففعل، وولى حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها والوليد بن عقبة على عربها. ولما بلغ عمر دخول إياد إلى بلاد الروم، كتب إلى هرقل بلغني أن حيّا من أحياء العرب تركوا دارنا وأتوا دارك فو الله لتخرجنهم أو لنخرجنّ النصارى إليك، فأخرجهم هرقل وتفرّق منهم أربعة آلاف فيما يلي الشام والجزيرة، وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل منهم إلا الإسلام، فكتب إليه عمر إنما ذلك في جزيرة العرب إلى تل التي فيها مكة والمدينة واليمن فدعهم على أن لا ينصرفوا وليدا ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام. ثم وفدوا إلى عمر في أن يضع عنهم اسم الجزيرة فجعلها الصدقة مضاعفة.

стр. 1344

ثم عزل الوليد عنهم لسطوته وعزتهم، وأمر عليهم فرات بن حيان وهند بن عمر الجملي. وقال ابن إسحاق: إن فتح الجزيرة كان سنة تسع عشرة وإن سعدا بعث إليها الجند مع عياض بن غنم وفيهم ابنه عمر مع عياض بن غنم، ففتح عمر مع عياض الرها، وصالحت حرّان، وافتتح أبو موسى نصيبين، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية فصالحوه على الجزية، ثم كان فتح قيسارية من فلسطين، فتكون الجزيرة على هذا من فتوح أهل العراق والأكثر أنها من فتوح أهل الشام. وأن أبا عبيدة سيّر عياض بن غنم إليها، وقيل بل استخلفه لما توفي، فولاه عمر على حمص وقنسرين والجزيرة فسار إليها سنة ثمان عشرة في خمسة آلاف فانته طائفة إلى الرقة فحاصروها حتى صالحوه على الجزية والخراج على الفلاحين. ثم سار إلى بحران فجهز عليها صفوان بن المعطل وحبيب بن مسلمة، وسار هو إلى الرها فحاصرها حتى صالحوه. ثم رجع إلى حران وصالحهم كذلك، ثم فتح سميساط وسروج ورأس كيفا فصالحوه على منبج كذلك، ثم آمد ثم ميافارقين ثم كفرتوثا [١] ثم نصيبين ثم ماردين ثم الموصل وفتح أحد حصنيها، ثم سار إلى أرزن الروم ففتحها ودخل الدرب إلى بدليس [٢] . ثم خلاط فصالحوه وانتهى إلى اطراف أرمينية، ثم عاد إلى الرقّة ومضى إلى حمص فمات. واستعمل عمر عمير بن سعد الأنصاري ففتح رأس عين وقيل إن عياضا هو الّذي أرسله، وقيل إن أبا موسى الأشعري هو الّذي افتتح رأس عين بعد وفاة عياض بولاية عمر، وقيل إن خالدا حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل الحمام بآمد فأطلى بشيء فيه خمر وقيل لم يسر خالد تحت لواء أحد بعد أبي عبيدة. ولما فتح عياض سميساط بعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة أيضا ورتب فيها الجند وولى عليها، ولما أدرب عياض بن غنم من الجابية. فرجع عمر إلى المدينة سنة سبع عشرة وعلى حمص أبو عبيدة، وعلى قنسرين خالد بن الوليد من تحته، وعلى دمشق يزيد، وعلى الأردن معاوية، وعلى فلسطين علقمة بن مجزز، وعلى السواحل عبد الله بن قيس. وشاع في الناس ما أصاب خالد مع عياض بن غنم من الأموال فانتجعه رجال منهم الأشعث بن قيس وأجازه بعشرة آلاف، وبلغ ذلك

стр. 1345

عمر مع ما بلغه في آمد من تدلكه بالخمر، فكتب إلى أبي عبيدة أن يقيمه في المجلس وينزع عنه قلنسوته ويعقله بعمامته ويسأله من أين أجاز الأشعث؟ فإن كان من ماله فقد أسرف فاعزله واضمم إليك عمله. فاستدعاه أبو عبيدة وجمع الناس وجلس على المنبر وسأل البريد [١] خالدا فلم يجبه، فقام بلال وأنقذ فيه أمر عمر وسأله، فقال: من مالي فأطلقه وأعاد قلنسوته وعمامته. ثم استدعاه عمر فقال من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال والسهمان وما زاد على ستين ألفا فهو لك فجمع ماله فزاد عشرين فجعلها في بيت المال ثم استصلحه. وفي سنة سبع عشرة هذه اعتمر عمر ووسع في المسجد، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على من أبى البيع دورهم لذلك، وكانت العمارة في رجب وتولاها: مخرمة بن نوفل، والأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى وسعيد بن يربوع، واستأذنه أهل المياه أن يبنو المنازل بين مكة والمدينة فأذن لهم على شرط أن ابن السبيل أحق بالظل والماء. غزو فارس من البحرين وعزل العلاء عن البصرة ثم المغيرة وولاية أبي موسى كان العلاء بن الحضرميّ على البحرين أيام أبي بكر ثم عزله عمر بقدامة بن مظعون ثم أعاده، وكان العلاء يناوئ سعيد بن أبي وقاص ووقع له في قتال أهل الردة ما وقع، فلما ظفر سعد بالقادسية كانت أعظم من فعل العلاء، فأراد أن يؤثر في الفرس شيئا فندب الناس إلى فارس وأجابوه، وفرّقهم أجنادا بين الجارود بن المعلى والسوار ابن همام وخليد بن المنذر وأمره على جميعهم وحمله في البحر إلى فارس بغير إذن من عمر لأنه كان ينهي عن ذلك وأبو بكر قبله خوف الغرق. فخرجت الجنود إلى اصطخروا بإزائهم الهربذ في أهل فارس، وحالوا بينهم وبين سفنهم فخاطبهم خليد وقال: إنما جئتم لمحاربتهم والسفن والأرض لمن غلب. ثم ناهدوهم واقتتلوا بطاوس، وقتل الجارود والسوار وأمر خليد أصحابه أن يقاتلوا رجّالة، وقتل من الفرس مقتلة عظيمة، ثم خرج المسلمون نحو البصرة وأخذ الفرس عليهم الطرق فعسكروا

стр. 1346

وامتنعوا، وبلغ ذلك عمر فأرسل إلى عتبة بالبصرة يأمره بإنفاذ جيش كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا، وأمر العلاء بالانصراف عن البحرين إلى سعد بمن معه، فأرسل عتبة الجنود اثني عشر ألف مقاتل فيهم عاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة والأحنف بن قيس وأمثالهم وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم بن عامر بن لؤيّ، فساحل بالناس حتى لقوا خليدا والعسكر، وقد تداعى إليهم بعد وقعة طاوس أهل فارس من كل ناحية، فاقتتلوا وانهزم المشركون وقتلوا. ثم انكفؤا بما أصابوا من الغنائم واستحثهم عتبة بالرجوع فرجعوا إلى البصرة. ثم استأذن عتبة في الحج فأذن له عمر فحج، ثم استعفاه فأبى وعزم عليه ليرجعن إلى عمله فانصرف ومات ببطن نخلة على رأس ثلاث سنين من مفارقة سعد. واستخلف على عمله أبا سبرة بن أبي رهم فأقره عمر بقية السنة. ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها، وكان بينه وبين أبي بكرة منافرة وكانا متجاوزين في مشربتين ينفذ البصر من إحداهما إلى الأخرى من كوتين، فزعموا أن أبا بكرة وزياد بن أبيه وهو أخوه لأمه [١] وآخرين معهما عاينوا المغيرة على حالة قذفوه بها، وادعوا الشهادة ومنعه أبو بكرة من الصلاة، وبعثوا إلى عمر، فبعث أبا موسى أميرا في تسعة وعشرين من الصحابة فيهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر ومعهم كتاب عمر إلى المغيرة: «أما بعد فقد بلغني عنك نبأ عظيم وبعثت أبا موسى أميراً فسلم إليه ما في يدك والعجل» . ولما استحضرهم عمر اختلفوا في الشهادة ولم يستكملها زياد فجلد الثلاثة. ثم عزل أبا موسى عن البصرة بعمر بن سراقة ثم صرفه إلى الكوفة ورد أبا موسى فأقام عليه. بناء البصرة والكوفة وفي هذه السنة وهي اربع عشرة بلغ عمر أن العرب تغيرت ألوانهم ورأى ذلك في وجوه وفودهم فسألهم فقالوا وخومة البلاد غيرتنا، وقيل إن حذيفة وكان معه سعد كتب بذلك إلى عمر فسأل عمر سعدا فقال: غيرتهم وخومة البلاد والعرب لا يوافقها من البلاد إلا ما وافق إبلها، فكتب إليه أن يبعث سلمان وحذيفة شرقية فلم يرضيا إلا

стр. 1347

بقعة الكوفة فصليا فيها ودعيا أن تكون منزل ثبات. ورجع إلى سعد فكتب إلى القعقاع وعبد الله بن المعتمر أن يستخلفا على جند هما ويحضرا، وارتحل من المدائن فنزل الكوفة في المحرم سنة سبع عشرة لسنتين وشهرين من وقعة القاسية ولثلاث سنين وثمانية أشهر من ولاية عمر، وكتب إلى عمر إني قد نزلت الكوفة بين الحيرة والفرات برّيا بحريا بين الجلاء والنصر وخيرت الناس بينهما وبين المدائن ومن أعجبته تلك جعلته فيها مسلحة، فلما استقروا بالكوفة ثاب إليهم ما فقدوه من حالهم. ونزل أهل البصرة أيضا منازلهم في وقت واحد مع أهل الكوفة بعد ثلاث مرات نزلوها من قبل واستأذنوا جميعا في بنيان القصب، فكتب عمر: إن العسكرة أشد لحربكم وأذكر لكم وما أحب أن أخالفكم فابتنوا بالقصب. ثم وقع الحريق في القصرين فاستأذنوا في البناء باللبن فقال: افعلوا ولا يزيد أحد على ثلاثة بيوت ولا تطاولوا في البنيان والزموا السنّة تلزمكم الدولة. وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك، وعلى تنزيل البصرة أبو المحرب عاصم بن الدلف. وكانت ثغور الكوفة أربعة: حلوان وعليها القعقاع، وماسبدان وعليها ضرار بن الخطاب، وقرقيسيا وعليها عمر بن مالك، والموصل وعليها عبد الله بن المعتمر. ويكون بها خلفاؤهم إذا غابوا. فتح الأهواز والسوس بعدهما لما انهزم الهرمزان يوم القادسية قصد خوزستان وهي قاعدة الأهواز فملكها وملك سائر الأهواز، وكان أصله منهم من البيوتات السبعة في فارس، وأقام يغير على أهل ميسان ودست ميسان من ثغور البصرة يأتي إليها من منادر ونهير تيري من ثغور الأهواز. واستمد عتبة بن غزوان سعدا فأمده بنعيم بن مقرن، ونعيم بن مسعود، فنزلا بين ثغور البصرة وثغور الأهواز. وبعث عتبة بن غزوان سلمي بن القين وحرملة بن مريطة [١] من بني العدوية بن حنظلة فنزلا على ثغور البصرة بميسان، ودعوا بني العم بن مالك وكانوا ينزلون خراسان، فأهل البلاد يأمنونهم، فاستجابوا وجاء منهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكلبي فلقيا سلمي وحرملة وواعداهما الثورة بمنادر ونهر تيري. ونهض سلمي وحرملة يوم الموعد في التعبية وأنهضا نعيما والتقوا هم

стр. 1348

والهرمزان [١] وسلمي على أهل البصرة ونعيم على أهل الكوفة، وأقبل إليهما المدد من قبل غالب وكليب وقد ملك منادر ونهر تيري، فانهزم وقتل المسلمون من أهل فارس مقتلة، وانتهوا في اتباعهم إلى شاطئ دجيل وملكوا ما دونها. وعبر الهرمزان جسر سوق الأهواز وصار دجيل بينه وبين المسلمين، ثم طلب الهرمزان الصلح فصالحوه على الأهواز كلها ما خلا [٢] نهر تيري ومنادر وما غلبوا عليه من سوق الأهواز فإنه لا يرد، وبقيت المسالح على نهر تيري ومنادر وفيهما غالب وكليب. ثم وقع بينهما وبين الهرمزان اختلاف في التخم واوافقهما سلمي وحرملة فنقض الهرمزان ومنع ما قبل وكثف جنوده بالأكراد، وبعث عتبة بن غزوان حرقوص بن زهير السعدي لقتاله، فانهزم وسار إلى رامهرمز وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها واتسقت [٣] له البلاد إلى تستر. ووضع الجزية وكتب بالفتح وبعث في أثر الهرمزان جزء بن معاوية فانتهى الى قرية الشغر، ثم الى دورق فملكها وأقام بالبلاد وعمّرها وطلب الهرمزان الصلح على ما بقي من البلاد، ونزل حرقوص جبل الأهواز وكان يزدجرد في خلال ذلك يمد ويحرض أهل فارس حتى اجتمعوا وتعاهدوا مع أهل الأهواز على النصرة، وبلغت الأخبار حرقوصا وجزءا وسلمي وحرملة فكتبوا إلى عمر فكتب إلى سعد أن يبعث جندا كثيفا مع النعمان بن مقرن ينزلون منازل الهرمزان، وكتب إلى أبي موسى أن يبعث كذلك جندا كثيفا مع سعد بن عدي أخي سهيل ويكون فيهم البراء من مالك ومجزأة بن ثور وعرفجة بن هرثمة وغيرهم، وعلى الجندين أبو سبرة بن أبي رهم. فخرج النعمان بن مقرّن في أهل الكوفة فخلّف حرقوصا وسلمي وحرملة إلى الهرمزان وهو برام هرمز، فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشدة ولقيه فانهزم ولحق بتستر، وجاء النعمان إلى رامهرمز فنزلها وجاء أهل البصرة من بعده فلحقهم خبر الواقعة بسوق الأهواز فساروا حتى أتوا تستر، ولحقهم النعمان فاجتمعوا على تستر وبها الهرمزان، وأمدّهم عمر بأبي موسى جعله على أهل البصرة فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل، وزاحفهم المشركون ثمانين زحفا سجالا ثم انهزموا في آخرها، واقتحم المسلمون خنادقهم وأحاطوا بها وضاق عليهم الحصار فاستأمن بعضهم من

стр. 1349

داخل البلد بمكتوب في سهم على أن يدلهم على مدخل يدخلون منه، فانتدب لهم طائفة ودخلوا المدينة من مدخل الماء وملكوها وقتلوا المقاتلة، وتحصّن الهرمزان بالقلعة فأطافوا بها واستنزلوه على حكم عمرو وأوثقوه. واقتسموا الفيء فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف والراجل ألف. وقتل من المسلمين في تلك الليلة البرّاء بن مالك ومجزأة بن ثور قتلهما الهرمزان. ثم خرج أبو سبرة في أثر المنهزمين ومعه النعمان وأبو موسى فنزلوا على السوس، وسار زرّ ابن عبد الله الفقيمي إلى جنديسابور فنزل عليها. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري بالرجوع إلى البصرة وأمر مكانه الأسود بن ربيعة بن مالك صحابي يسمّى المقترب، وأرسل أبو سبرة بالهرمزان إلى عمر في وفد منهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج المذهب وتاجه مرصّعا بالياقوت وحليته ليراه المسلمون، فلما رآه عمر أمر بنزع ما عليه وقال يا هرمزان كيف رأيت أمر الله وعاقبة الغدر؟ فقال: يا عمر إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم. فلما صار الآن معكم غلبتمونا. قال: فما حجتك وما عذرك في الانتقاض مرّة بعد أخرى؟ قال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قالا لا تخف ذلك. ثم استقى فأتي بالماء فقال: أخاف أن أقتل وأنا أشرب فقال لا بأس عليك حتى تشربه، فألقاه من يده وقال لا حاجة لي في الماء وقد أمّنتني. قال: كذبت. قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين فقد قلت له لا بأس عليك حتى تخبرني وحتى تشربه وصدّق الناس. فأقبل عمر على الهرمزان وقال خدعتني لا والله إلا أن تسلم! فأسلم. ففرض له في ألفين وأنزله المدينة واستأذنه الأحنف بن قيس في الانسياح في بلاد فارس وقال: لا يزالون في الانتقاض حتى يهلك ملكهم فأذن له. ولما لحق أبو سبرة بالسوس [١] ونزل عليها وبها شهريار أخو الهرمزان فأحاط بها ومعه المقترب بن ربيعة في جند البصرة، فسأل أهل السوس الصلح فأجابوهم. وسار النعام بن مقرّن بأهل الكوفة إلى نهاوند وقد اجتمع بها الأعاجم، وسار المقترب إلى زرّ بن عبد الله على جنديسابور فحاصروها مدّة ثم رمى السهم بالأمان من خارج على الجزية فخرجوا لذلك، فناكرهم المسلمون فإذا عبد فعل ذلك أصله منهم، فأمضى عمر أمانه. وقيل في فتح السوس إنّ يزدجرد سار بعد وقعة جلولاء فنزل

стр. 1350

إصطخر ومعه سباه [١] في سبعين ألفا من فارس فبعثه إلى السوس ونزل الكلبانية وبعث الهرمزان إلى تستر، ثم كانت واقعة أبي موسى فحاصرهم فصالحوه على الجزية وسار الى هرمز ثم إلى تستر. ونزل سباه بين رامهرمز وتستر، وحمل أصحابه على صلح أبي موسى ثم على الإسلام على أن يقاتلوا الأعاجم ولا يقتلوا العرب ويمنعهم هو من العرب، ويلحقوا بأشراف العطاء فأعطاهم ذلك عمر [٢] وأسلموا وشهدوا فتح تستر، ومضى سباه إلى بعض الحصون في زي العجم فغدرهم وفتحه للمسلمين وكان فتح تستر وما بعدها سنة سبع عشرة وقيل ست عشرة. مسير المسلمين الى الجهات للفتح لما جاء الأحنف بن قيس بالهرمزان إلى عمر قال له: يا أمير المؤمنين لا يزال أهل فارس يقاتلون ما دام ملكهم فيهم فلو أذنت بالانسياح في بلادهم فأزلنا [٣] ملكهم انقطع رجاؤهم. فأمر أبا موسى أن يسير من البصرة غير بعيد ويقيم حتى يأتي أمره، ثم بعث إليه مع سهيل بن عديّ بألوية الأمراء الذين يسيرون في بلاد العجم: لواء خراسان للأحنف بن قيس، ولواء أردشير خرة وسابور لمجاشع بن مسعود السلمي، ولواء إصطخر لعثمان بن أبي العاص الثقفي، ولواء فسا ودارابجرد لسارية بن زنيم الكناني، ولواء كرمان لسهيل بن عديّ، ولواء سجستان لعاصم بن عمرو، ولواء مكران للحكم بن عمير التغلبي [٤] . ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثمان عشرة، ويقال سنة إحدى وعشرين أو اثنين وعشرين، ثم ساروا في بلاد العجم وفتحوا كما يذكر بعد. مجاعة عام الرمادة وطاعون عمواس وأصاب الناس سنة ثمان عشرة قحط شديد وجدب أعقب جوعا بعد العهد بمثله مع طاعون أتى على جميع الناس، وحلف عمر لا يذوق السمن واللبن حتى يحيا

стр. 1351

الناس، وكتب إلى الأمراء بالأمصار يستمدّهم لأهل المدينة، فجاء أبو عبيدة بأربعة آلاف راحلة من الطعام، وأصلح عمرو بن العاص بحر القلزم وأرسل فيه الطعام من مصر فرخص السعر، واستقى عمر بالناس فخطب الناس وصلّى. ثم قام وأخذ بيد العبّاس وتوسّل به ثم بكى وحثا على ركبتيه يدعوا إلى أن مطر الناس. وهلك بالطاعون أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو وابنه عتبة في آخرين أمثالهم. وتفانى الناس بالشام، وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرتفع بالمسلمين من الأرض التي هو بها فدعا أبا موسى يرتاد له منزلا ومات قبل رحيله، وسار عمر بالناس إلى الشام وانتهى الى سرغ ولقيه أمراء الأجناد وأخبروه بشدّة الوباء، واختلف الناس عليه في قدومه فقبل إشارة العود ورجع، وأخبر عبد الرحمن بن عوف بما سمع من رسول الله ﷺ في أمر الوباء فقال: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه» . أخرجاه في الصحيحين. ولما هلك يزيد ولّى عمر على دمشق مكانه أخاه معاوية بن أبي سفيان وعلى الأرض شرحبيل بن حسنة، ولمّا فحش أثر الطاعون بالشام أجمع عمر على المسير إليه ليقسّم مواريث المسلمين ويتطوّف على الثغور ففعل ذلك، ورجع واستقضى في سنة ثمان عشرة على الكوفة شريح بن الحرث الكنديّ، وعلى البصرة كعب بن سوار الأزديّ. وحج في هذه السنة ويقال إن فتح جلولاء والمدائن والجزيرة كان في هذه السنة وقد تقدّم ذكر ذلك وكذلك فتح قيسارية على يد معاوية وقيل سنة عشرين. فتح مصر ولما فتح عمر بيت المقدس استأذنه عمرو بن العاص في فتح مصر فأغزاه ثم اتبعه الزبير بن العوّام فساروا سنة عشرين أو إحدى أو اثنين أو خمس فاقتحموا باب إليون ثم ساروا في قرى الريف إلى مصر ولقيهم الجاثليق أبو مريم والأسقف قد بعثه المقوقس، وجاء أبو مريم إلى عمرو فعرض الجزية والمنع وأخبره بما أوصى به رسول الله ﷺ في شأنهم، وأجلّهم ثلاثا ورجعوا إلى المقوقس وأرطبون أمير الروم فأبى من ذلك أرطبون وعزم على الحرب وبيّت المسلمين فهزموه وجنده. ونازلوا عين شمس

стр. 1352

وهي المطريّة وبعثوا لحصار الفرما أبرهة [١] بن الصبّاح، ولحصار الإسكندرية عوف ابن مالك، وراسلهم أهل البلاد وانتظروا عين شمس فحاصرهم عمرو والزبير مدة حتى صالحوهما على الجزية، وأجروا ما أخذوا قبل ذلك عنوة، فجرى الصلح وشرطوا ردّ السبايا فأمضاه لهم عمر بن الخطّاب على أن يجيز السبايا في الإسلام وكتب العهد بينهم ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عمر وبن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم ودمهم وأموالهم وكافّتهم وصاعهم [٢] ومدّهم وعددهم لا يزيد شيء في ذلك ولا ينقص ولا يساكنهم النوب، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف وعليه ممن جنى نصرتهم فإن أبي أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزى بقدرهم [٣] وذمتنا ممّن أبى بريّة وإن نقص نهرهم من غايته [٤] إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله ما لهم وعليه ما عليهم ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه ويخرج من سلطاننا، وعليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلاث جباية ثلث ما عليهم على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين. وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر» هذا نص الكتاب منقولا من الطبري. قال فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح ونزل المسلمون الفسطاط، وجاء أبو مريم الجاثليق يطلب السبايا التي بعد المعركة في أيام الأجل فأبى عمرو من ردّها وقال: أغاروا وقاتلوا وقسّمتهم في الناس، وبلغ الخبر إلى عمر فقال: من يقاتل في أيام الأجل فله الأمن وبعث بهم إلى الرباق [٥] فردّهم عليهم. ثم سار عمرو إلى الإسكندرية فاجتمع له من بينهما وبين الفسطاط من الروم والقبط فهزمهم وأثخن

стр. 1353

فيهم، ونازل الإسكندرية وبها المقوقس وسأله الهدنة إلى مدّة فلم يجبه وحاصرهم ثلاثة أشهر ثم فتحها عنوة وغنم ما فيها وجعلهم ذمة. وقيل إنّ المقوقس صالح عمرا على اثني عشر ألف دينار على أن يخرج من يخرج ويقيم من يقيم باختيارهم وجعل عمرو فيها جندا. ولما تم فتح مصر والإسكندرية أغزى عمرو العساكر إلى النوبة فلم يظفروا، فلما كان أيام عثمان وعبد الله بن أبي سرح على مصر صالحهم على عدّة رءوس في كل سنة ويهدي إليهم المسلمون طعاما وكسوة فاستمرّ ذلك فيها [١] . وقعة نهاوند وما كان بعدها من الفتوحات لما فتحت الأهواز ويزدجرد بمرو كاتبوه واستنجدوه، فبعث إلى الملوك ما بين الباب والسند وخراسان وحلوان يستمدّهم فأجابوه، واجتمعوا إلى نهاوند وعلى الفرس الفيرزان في مائة وخمسين ألف مقاتل. وكان سعد بن أبي وقّاص قد ألّب أقوام عليه من عسكره، وشكوا إلى عمر فبعث محمد بن مسلمة في الكشف عن أمره فلم يسمع إلّا خيرا سوى مقالة من بني عبس، فاستقدمه محمد إلى عمر وخبّره الخبر. وقال: كيف تصلّي يا سعد؟ قال: أطيل [٢] الأولتين وأحذف الأخيرتين. قال: هكذا [٣] الظنّ بك، ثم قال: من خليفتك على الكوفة؟ قال: عبد الله بن عبد الله بن عتبان فأقرّه وشافهه بخبر الأعاجم وأشار بالانسياح ليكون أهيب على العدوّ. فجمع عمر الناس واستشارهم بالمسير بنفسه، فمن موافق ومخالف إلى أن اتفق رأيهم على أن يبعث الجنود ويقيم ردءا لهم، وكان ذلك رأي عليّ وعثمان وطلحة وغيرهم، فولّى على حربهم النعمان بن مقرّن المزني وكان على جند الكوفة بعد انصرافهم من حصار السوس، وأمره أن يصير إلى ماء لتجتمع الجيوش عليه ويسير بهم إلى الفيرزان ومن معه. وكتب إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان أن يستنفر الناس مع النعمان، فبعثهم مع حذيفة بن اليمان ومعه نعيم بن مقرّن، وكتب إلى المقترب وحرملة وزرّ الذين كانوا بالأهواز وفتحوا السوس وجنديسابور أن يقيموا بتخوم أصبهان وفارس ويقطعوا المدد

стр. 1354

عن أهل نهاوند. واجتمع الناس على النعمان وفيهم حذيفة وجرير والمغيرة وابن عمر وأمثالهم، وأرسل النعمان طليحة وعمرو بن معديكرب طليعة، ورجع عمرو من طريقه. وانتهى طليحة إلى نهاوند ونفض الطرق فلم يلق بها أحدا وأخبر الناس، فرحل النعمان وعبّى المسلمين ثلاثين ألفا، وجعل على مقدمته نعيم بن مقرّن وعلى مجنبتيه حذيفة بن اليمان وسويد بن مقرّن وعلى المجردة القعقاع وعلى الساقة مجاشع بن مسعود. ومع الفيرزان كتائبه وعلى مجنبتيه الزردق وبهمن جادويه مكان ذي الحاجب، وقد توافي إليهم بنهاوند كل من غاب من القادسية من أبطالهم. فلما تراءى الجمعان كبر المسلمون وحطت العرب الأثقال وتبادر أشراف الكوفة إلى فسطاط النعمان فبنوه، حذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وعقبة بن عمرو وجرير بن عبد الله وحنظلة الكاتب وبشير بن الخصاصية والأشعث بن قيس ووائل بن حجر وسعيد بن قيس الهمدانيّ. ثم تزاحفوا للقتال يوم الأربعاء والخميس والحرب سجال ثم أحجروهم في خنادقهم يوم الجمعة وحاصروهم أياما، وسئم المسلمون اعتصامهم بالخنادق وتشاوروا، وأشار طليحة باستخراجهم للمناجزة بالاستطراد فناشبهم القعقاع فبرزوا إليه كأنهم حبال حديد قد تواثقوا أن لا يفرّوا وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا، فلمّا بارزوا استطرد لهم حتى فارقوا الخنادق وقد ثبت لهم المسلمون ونزل الصبر، ثم وقف النعمان على الكتائب وحرّض المسلمين ودعا لنفسه بالشهادة، وقال: إذا كبّرت الثالثة فاحملوا. ثم كبّر وحمل عند الزوال وتجاول الناس ساعة وركدت الحرب ثم انفض الأعاجم وانهزموا وقتلوا ما بين الظهر والعتمة حتى سالت أرض المعركة دما تزلق فيه المشاة حتى زلق فيه النعمان وصرع، وقيل بل أصابه سهم، فسجّاه أخوه نعيم بثوب. وتناول الراية حذيفة بعهده وتواصوا بكتمان موته. وذهب الأعاجم ليلا وعميت عليهم المذاهب، وعقرهم حسك الحديد ووقعوا في اللهب الّذي أعدوه في عسكرهم فمات منهم أكثر من مائة ألف منها نحو ثلاثين ألفا في المعركة، وهرب الفيرزان بعد أن صرع إلى همذان واتبعه نعيم بن مقرّن فأدركه بالثنية دونها وقد سدّتها الأحمال وترجل وصعد في الجبل، وكان نعيم قد قدّم القعقاع أمامه فاعترضه وقتله المسلمون على الثنية، ودخل الفلّ همذان وبها خسروشنوم فنزل المسلمون عليها مع نعيم والقعقاع، ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة وغنموا ما فيها

стр. 1355

وجمعوه إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع. ووليّ على الجند حذيفة بعهد النعمان إليه. ثم جاء الهربذ صاحب بيت النار إلى حذيفة فأمّنه وأخرج له سفطين مملو أين [١] جوهرا نفيسا كانا من ذخائر كسرى أودعهما عنده البخرجان [٢] فنقلهما المسلمون، وبعث الخمس مع السائب إلى عمر وأخبره بالواقعة وبالفتح بمن استشهد فبكى، وبالسفطين فقال ضعهما [٣] في بيت المال والحق بجندك. قال السائب: ثم لحقني رسوله بالكوفة فردني إليه فلما رآني قال: ما لي وللسائب ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها فباتت الملائكة تسحبني إلى السفطين يشتعلان نارا يتوعدوني بالكي إن لم أقسّمهما فخذهما عني وبعهما في أرزاق المسلمين. فبعتهما بالكوفة من عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم وباعهما عمرو بأرض الأعاجم بضعفهما، فكان له بالكوفة مال. وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف والراجل ألفين ولم يكن للفرس من بعدها اجتماع. وكان أبو لؤلؤة قاتل عمر من أهل نهاوند حصل في أسر الروم وأسره الفرس منهم، فكان إذا لقي سبّي نهاوند بالمدينة يبكي ويقول: أكل عمر كبدي. وكان أبو موسى الأشعري قد حضر نهاوند على أهل البصرة فلما انصرف مرّ بالدينور فحاصرها خمسة أيام، ثم صالحوه على الجزية. وسار إلى أهل شيروان [٤] فصالحوه كذلك. وبعث السائب بن الأقرع إلى الصيمرة [٥] ففتحها صلحها. ولما اشتدّ الحصار بأهل همذان بعث خسروشنوم إلى نعيم والقعقاع في الصلح على قبول الجزية فأجابوه إلى ذلك ثم اقتدى أهل الماهين وهم الملوك الذين جاءوا لنصرة يزدجرد وأهل همذان، وبعثوا إلى حذيفة فصالحوه. وأمر عمر بالانسياح في بلاد الأعاجم، وعزل عبد الله بن عبد الله بن عتبان عن الكوفة وبعثه في وجه آخر. وولّى مكانه زياد بن حنظلة حليف بني عبد قصيّ واستعفى فأعفاه، وولّى عمار بن ياسر، واستدعى ابن مسعود من حمص فبعثه معه معلما لأهل الكوفة، وأمدّهم بأبي موسى، وأمدّ

стр. 1356

أهل البصرة مكانه بعبد الله بن عبد الله، ثم بعثه إلى أصبهان مكان حذيفة، وولّى على البصرة عمرو بن سراقة. ثم انتقض أهل همذان فبعث إلى نعيم بن مقرّن فحاصرهم، وصار بعد فتحها إلى خراسان، وبعث عتبة بن فرقد وبكر بن عبد الله إلى أذربيجان يدخل أحدهما من حلوان والآخر من الموصل، ولما وصل عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى أصبهان، وكان من الصحابة من وجوه الأنصار حليف بني الحبلي فأمدّه بأبي موسى، وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحيّ وعصمة بن عبد الله، فسار إلى نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ما سقت دجلة. فسار عبد الله بمن معه ومن تبعه من عند النعمان نحو أصبهان، وعلى جندها الأسبيدان وعلى مقدمته شهريار بن جادويه في جمع عظيم برستاق أصبهان، فاقتتلوا وبارز عبد الله بن ورقاء شهريار فقتله، وانهزم أهل أصبهان وصالحهم الأسبيدان على ذلك الرستاق، ثم ساروا إلى أصبهان وتسمى جي [١] وملكها الفادوسفان [٢] ، فصالحهم على الجزية والخيار بين المقام والذهاب وقال: ولكم أرض من ذهب. وقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز فدخل معه أصبهان وكتبوا إلى عمر بالفتح. فكتب إلى عبد الله أن يسير إلى سهيل بن عديّ لقتال كرمان، فاستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ولحق بسهيل قبل أن يصل كرمان، وقد قيل: إنّ النعمان بن مقرّن حضر فتح أصبهان أرسله إليها عمر من المدينة واستجاش له أهل الكوفة فقتل في حرب أصبهان، والصحيح أنّ النعمان قتل بنهاوند. وافتتح أبو موسى قم وقاشان. ثم ولّى عمر على الكوفة سنة إحدى وعشرين المغيرة بن شعبة وعزل عمّارا. فتح همذان كان أهل همذان قد صالح عليهم خسروشنوم القعقاع ونعيما وضمنهما ثم انتقض فكتب عمر إلى نعيم أن يقصدها فودّع حذيفة ورجع إليها من الطريق على تعبيته، فاستولى على بلادها أجمع حتى صالحوا على الجزية، وقيل إن فتحها كان سنة أربع وعشرين فبينما نعيم يجول في نواحي همذان إذ جاء الخبر بخروج الديلم وأهل الريّ

стр. 1357

وإسفنديار أخو رستم بأهل آذربيجان، فاستخلف نعيم على همذان يزيد بن قيس الهمدانيّ وسار إليهم فاقتتلوا وانهزم الفرس وكانت واقعتها ومثل نهاوند وأعظم. وكتبوا إلى عمر بالفتح فأمر نعيما بقصد الري والمقام بها بعد فتحها. وقيل إنّ المغيرة بن شعبة أرسل من الكوفة جرير بن عبد الله إلى همذان ففتحها صلحها وغلب على أرضها، وقيل تولّاها بنفسه وجرير على مقدمته. ولما فتح جرير همذان بعث البرّاء بن عازب إلى قزوين ففتح ما قبلها، وسار إليها فاستنجدوا بالديلم فوعدوهم ثم جاء البرّاء في المسلمين فخرجوا لقتالهم والديلم وقوف على الجبل ينظرون، فيئس أهل قزوين منهم وصالحوا البرّاء على صلح أبهر قبلها. ثم غزا البرّاء الديلم وجيلان [١] . فتح الريّ ولما انصرف نعيم من واقعته سار إلى الري وخرج إليه أبو الفرخان من أهلها في الصلح وأبى ذلك ملكها سياوخش بن مهران بن بهرام جوبين، واستمدّ أهل دنباوند [٢] وطبرستان وقومس [٣] وجرجان فأمدّوه [٤] والتقوا مع نعيم فشغلوا به عن المدينة، وقد كان خلفهم أبو فرخان. ودخل المدينة من الليل ومعه المنذر بن عمر وأخو نعيم فلم يشعروا وهم موافقون لنعيم إلّا بالتكبير من ورائهم، فانهزموا وقتلوا وأفاء الله على المسلمين بالريّ مثل ما كان بالمدائن، وصالحه أبو الفرخان الزبيني [٥] على البلاد فلم يزل شرفهم في عقبه. وأخرب نعيم مدينتهم العتيقة وأمر ببناء أخرى. وكتب إلى عمر بالفتح وصالحه أهل دنباوند على الجزية فقبل منهم. ولما بعث بالأخماس إلى عمر كتب إليه بإرسال أخيه سويد إلى قومس ومعه هند بن عمرو الجملي، فسار فلم يقم له أحد وأخذها سلما وعسكر بها. وكاتبه الفلّ الذين بطبرستان وبالمفاوز فصالحوه على الجزية، ثم سار إلى جرجان وعسكر فيها ببسطام وصالحه ملكها على الجزية، وتلقاه مرزبان صول قبل جرجان فكان معه حتى جبى

стр. 1358

الخراج وأراه مروجها وسدّها، وقيل كان فتحها سنة ثلاثين أيام عثمان، ثم أرسل سويد إلى الأصبهبذ صاحب طبرستان على الموادعة فقبل وعقد له بذلك. فتح أذربيجان ولما افتتح نعيم الريّ أمره عمر أن يبعث سماك بن خرشة الأنصاري إلى أذربيجان ممدّا لبكير بن عبد الله [١] ، وكان بكير بن عبد الله عند ما سار إلى أذربيجان لقي بالجبال أسفنديار بن فرّخزاد مهزوما من واقعة نعيم من ماح رود [٢] دون همذان وهو أخو رستم فهزمه بكير وأسره. فقال له: أمسكني عندك فأصالح لك على البلاد وإلا فرّوا إلى الجبال وتركوها، وتحصّن من تحصّن إلى يوم ما فأمسكه وسارت البلاد صلحا إلّا الحصون. وقدم عليه سماك وهو في مثل ذلك وقد افتتح ما يليه وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه، وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدّم، فأذن له أن يتقدّم نحو الباب وأن يستخلف على ما افتتح، فاستخلف عتبة بن فرقد وجمع له عمر أذربيجان كلها، فولّى عتبة سماك بن خرشة [٣] على ما افتتحه بكير. وكان بهرام بن الفرّخزاد قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره مقتصدا [٤] معترضا له فلقيه عتبة وهزمه، وبلغ خبر الإسفنديار وهو أسير عند بكير فصالحه واتبعه أهل أذربيجان كلهم. وكتب بكير وعتبة بذلك إلى عمر وبعثوا بالأخماس فكتب عمر لأهل أذربيجان كتاب الصلح، ثم غزا عتبة بن فرقد شهرزور والصامغان ففتحهما بعد قتال على الجزية والخراج، وقتل خلقا من الأكراد، وكتب إلى عمر أن فتوحي بلغت أذربيجان فولّاه إياه وولى هرثمة بن عرفجة الموصل. فتح الباب ولما أمر عمر بكير بن عبد الله بغزو الباب والتقدم إليها، بعث سراقة بن عمرو على حربها فسار من البصرة، وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة وعلى إحدى

стр. 1359

مجنبتيه ابن أسيد الغفاريّ وعلى الأخرى بكير بن عبد الله المتقدم والى المقاسم سلمان بن ربيعة الباهليّ، وردّ أبا موسى الأشعري إلى البصرة مكان سراقة، ثم أمدّ سراقة بجبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة، وسار سراقة من أذربيجان، فلما وصل عبد الرحمن بن ربيعة في مقدّمته على الباب والملك بها يومئذ شهريار من ولد شهريرار الّذي أفسد بني إسرائيل وأغزى الشام منهم، فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتي فحضر وطلب الصلح والموادعة على أن تكون جزيته النصر والطاعة للمسلمين، قال: ولا تسومونا الجزية فتوهنونا لعدوّكم. فسيّره عبد الرحمن إلى سراقة فقبل منه وقال: لا بدّ من الجزية على من يقيم ولا يحارب العدوّ. فأجاب، وكتبوا إلى عمر فأجاز ذلك. فتح موقان وجبال ارمينية ولما فرغ سراقة من الباب بعث [١] أمراء إلى ما يليه من الجبال المحيطة بأرمينية، فأرسل بكير بن عبد الله إلى موقان، وحبيب بن مسلمة إلى تفليس، وحذيفة بن اليمان إلى جبال اللان [٢] ، وسلمان بن ربيعة إلى الوجه الآخر. وكتب بالخبر الى عمر فلم يرج تمام ذلك لأنه فرج عظيم، ثم بلغه موت سراقة واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة، فأقرّه عمر على فرج الباب وأمره ب غزو الترك . ولم يفتح أحد من أولئك الأمراء إلّا بكير بن عبد الله فإنه فتح موقان، ثم تراجعوا على الجزية دينارا عن كل حالم. غزو الترك ولما أمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك سار حتى الباب وسار معه شهريار فغزا بلنجر وهم قوم من الترك ففرّوا منه وتحصّنوا، وبلغت خيله على مائتي فرسخ من بلنجر وعاد بالظفر والغنائم. ولم يزل يردّد الغزو فيهم إلى أيام عثمان فتذامر الترك وكانوا يعتقدون أن المسلمين لا يتقلون لأنّ الملائكة معهم، فأصابوا في هذه الغزاة رجلا من المسلمين على غرّة فقتلوه وتجاسروا، وقاتل عبد الرحمن فقتل وانكشف أصحابه، وأخذ الراية أخوه سلمان فخرج بالناس ومعه أبو هريرة الدوسيّ فسلكوا على جيلان إلى جرجان.

стр. 1360

فتح خراسان ولما عقدت الألوية للأمراء للانسياح في بلاد فارس كان الأحنف بن قيس منهم بخراسان وقد تقدم، أن يزدجرد سار بعد جلولاء إلى الريّ وبها أبان جادويه من مرازبته فأكرهه على خاتمه، وكتب الضحّاك بما اقترح من ذخائر يزدجرد وختم عليها وبعث بها إلى سعد، فردّها عليه على حكم الصلح الّذي عقد له. ثم سار يزدجرد والناس معه إلى أصبهان ثم إلى كرمان ثم رجع إلى مرو من خراسان فنزلها وأمن من العرب، وكاتب الهرمزان وأهل فارس بالأهواز والفيرزان وأهل الجبال فنكثوا [١] جميعا وهزمهم الله وخذلهم وأذن عمر للمسلمين بالانسياح في بلادهم. وأمّر الأمراء كما قدّمناه وعقد لهم الألوية، فسار الأحنف إلى خراسان سنة ثمان عشرة وقيل اثنتين وعشرين فدخلها من الطبسين [٢] ، وافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان [٣] العبديّ، ثم سار إلى مرو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور مطرّف بن عبد الله بن الشخّير، وإلى سرخس الحرث بن حسّان، ودرج يزدجرد من مرو الشاهجان إلى مروالروذ فملكها الأحنف ولحقه مدد أهل الكوفة هنالك، فسار الى مروالروذ واستخلف على الشاهجان حارثة بن النعمان الباهلي وجعل مدد الكوفة في مقدّمته، والتقوا هم ويزدجرد على بلخ فهزموه وعبر النهر فلحقهم الأحنف وقد فتح الله عليهم، ودخل أهل خراسان في الصلح ما بين نيسابور وطخارستان. وولّى على طخارستان ربعي بن عامر، وعاد الى مروالروذ فنزلها وكتب إلى عمر بالفتح، فكتب إليه أن يقتصر على ما دون النهر. وكان يزدجرد وهو بمروالروذ قد استنجد ملوك الأمم وكتب إلى ملك الصين وإلى خاقان ملك الترك وإلى ملك الصغد، فلما عبر يزدجرد النهر مهزوما أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمروالروذ ونزل المشركون عليه، ثم رحل ونزل سفح الجبل في عشرين ألفا من أهل البصرة وأهل الكوفة وتحصن العسكران بالخنادق وأقاموا

стр. 1361

يقاتلون [١] أياما، وصحبهم الأحنف ليلة وقد خرج فارس من الترك يضرب بطبله ويتلوه اثنان كذلك، ثم يخرج العسكر بعدهم عادة لهم، فقتل الأحنف الأوّل ثم الثاني ثم الثالث فلما مرّ بهم خاقان تشاءم وتطير ورجع أدراجه فارتحل وعاد إلى بلخ، وبلغ الخبر إلى يزدجرد وكان على مرو الشاهجان محاصرا لحارثة بن النعمان ومن معه فجمع خزائنه وأجمع اللحاق بخاقان على بلخ، فمنعه أهل فارس وحملوه على صلح المسلمين والركون إليهم وأنهم أوفى ذمة من الترك، فأبى من ذلك وقاتلهم فهزموه واستولوا على الخزائن، ولحق بخاقان وعبروا النهر إلى فرغانة، وأقام يزدجرد ببلد الترك أيام عمر كلها إلى أن كفر أهل خراسان أيام عثمان. ثم جاء أهل فارس إلى الأحنف ودفعوا إلى الخزائن والأموال وصالحوه واغتبطوا بملكة المسلمين، وقسّم الأحنف الغنائم فأصاب الفارس ما أصابه يوم القادسية. ثم نزل الأحنف بلخ وأنزل أهل الكوفة في كورها الأربع ورجع إلى مروالروذ فنزلها، وكتب بالفتح إلى عمر. وكان يزدجرد لما عبر النهر لقي رسوله الّذي بعثه إلى ملك الصين قد رده إليه يسأله أن يصف له المسلمين الذين فعلوا به هذه الأفاعيل مع قلّة عددهم، ويسأل عن وفائهم ودعوتهم وطاعة أمرائهم ووقوفهم عند الحدود ومآكلهم وشرابهم وملابسهم ومراكبهم، فكتب إليه بذلك كله. وكتب إليه ملك الصين أن يسالمهم فإنّهم لا يقوم لهم شيء بما قام نردبل [٢] ، فأقام يزدجرد بفرغانة بعهد من خاقان. ولمّا وصل الخبر إلى عمر خطب الناس وقال: ألا وإنّ ملك المجوسية قد ذهب فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم، ألا وإنّ الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون فلا تبدّلوا فيستبدل الله بكم غيركم، فإنّي لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتي إلّا من قبلكم [٣]

стр. 1362

فتوح فارس ولما خرج الأمراء الذين توجهوا إلى فارس من البصرة افترقوا وسار كل أمير إلى جهته وبلغ ذلك أهل فارس فافترقوا إلى بلدانهم وكانت تلك هزيمتهم وشتاتهم. وقصد مجاشع بن مسعود من الأمراء سابور وأردشيرخرة فاعترضه الفرس دونهما بتوّج فقتلهم وأثخن فيهم، وافتتح توّج واستباحها وصالحهم على الجزية وأرسل بالفتح والأخماس إلى عمر، فكانت واقعة توّج هذه ثانية لواقعة العلاء بن الحضرميّ عليهم أيام طاوس ثم دعوا إلى الجزية فرجعوا وأقرّوا بها. إصطخر: وقصد عثمان بن أبي العاص إصطخر فزحفوا إليه يحور [١] ، فهزمهم وأثخن فيهم وفتح جور وإصطخر ووضع عليهم الجزية وأجابه الهربذ إليها، وكان ناس منهم فرّوا فتراجعوا إليها. وبعث بالفتح والخمس إلى عمر. ثم فتح كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها، ولحق به أبو موسى فافتتحها مدينة شيراز وأرّجان على الجزية والخراج، وقصد عثمان جنابة [٢] ففتحها ولقي الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها. ثم نقض شهرك في أوّل خلافة عثمان فبعث عثمان بن أبي العاص ابنه وأخاه الحكم وأتته الأمداد من البصرة وعليه عبيد الله بن معمر وشبل بن معبد والتقوا بأرض فارس، فانهزم شهرك وقتله الحكم بن أبي العاصي وقيل سوار بن همّام العبديّ وقيل إن ابن شهرك حمل على سوار فقتله. ويقال إن إصطخر كانت سنة ثمان وعشرين وقيل تسع وعشرين. وقيل إنّ عثمان بن أبي العاص أرسل أخاه الحكم من البحرين إلى فارس في ألفين، فسار إلى توّج وعلى مجنبته الجارود وأبو صفرة والد المهلب، وكان كسرى أرسل شهرك في الجنود إلى لقائهم، فالتقوا بتوّج وهزمهم إلى سابور وقتل شهرك وحاصروا مدينة سابور حتى صالح عليها ملكها واستعانوا به على قتال إصطخر، ثم مات عمر ﵁، وبعض عثمان بن عفّان عبيد الله بن معمر مكان عثمان بن أبي العاص وأقام محاصرا إصطخر وأراد ملك سابور الغدر به، ثم أحصر وأصابت عبيد الله حجارة منجنيق فمات بها. ثم فتحوا المدينة فقتلوا بها بشرا كثيرا منهم.

стр. 1363

بسا ودرابجرد: وقصد سارية بن زنيم الكناني من أمراء الانسياح مدينة بسا [١] ودارابجرد فحاصرهم، ثم استجاشوا بأكراد فارس واقتتلوا بصحراء، وقام عمر على المنبر ونادى يا سارية الجبل، يشير إلى جبل كان إزاءه أن يسند إليه، فسمع ذلك سارية ولجأ إليه ثم انهزم المشركون، وأصاب المسلمون مغانمهم وكان فيها سفط جوهر فاستوهبه سارية من الناس، وبعث به مع الفتح إلى عمر، ولما قدم به الرسول سأله عمر فأخبره عن كل شيء ودفع إليه السفط فأبى إلا أن يقسّم على الجند فرجع به وقسمه سارية. كرمان: وقصد سهيل بن عديّ من أمراء الانسياح كرمان ولحق به عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وحشد أهل كرمان واستعانوا بالقفص وقاتلوا المسلمين في أدنى أرضهم فهزموهم بإذن الله، وأخذ المسلمون عليهم الطريق بل الطرق ودخل النسير [٢] بن عمرو العجليّ [٣] إلى جيرفت وقتل في طريقه مرزبان كرمان، وعبد الله بن عبد الله مفازة شيرزاد وأصابوا ما أرادوا من إبل وشاء. وقيل إنّ الّذي فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ. ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر وقال: أقطعني الطبسين، فأراد أن يفعل فقال إنها رستاقان فامتنع. سجستان: وقصد عاصم بن عمرو من الأمراء سجستان ولحق به عبد الله بن عمير وقاتلوا أهل سجستان في أدنى أرضهم فهزموهم وحصروهم وبزرنج ومخروا أرض سجستان، ثم طلبوا الصلح [٤] على مدينتهم وأرضها، على أن الفدافد حمى، وبقي أهل سجستان على الخراج [٥] وكانت أعظم من خراسان وأبعد فروجا يقاتلون القندهار والترك وأمما أخرى، فلما كان زمن معاوية هرب الشاة من أخيه نبيل [٦] ملك الترك إلى بلد من سجستان يدعى آمل، وكان على سجستان سلم بن زياد بن أبي سفيان فعقد له وأنزله آمل، وكتب إلى معاوية بذلك فأقرّه بغير نكير وقال: إن هؤلاء قوم غدر وأهون ما يجيء منهم إذا وقع اضطراب أن يغلبوا على بلاد آمل

стр. 1364

بأسرها، فكان كذلك. وكفر الشاه بعد معاوية وغلب على بلاد آمل واعتصم منه زنبيل بمكانه، وطمع هو في زرنج فحاصرها حتى جاءت الأمداد من البصرة فأجفلوا عنها. مكران: وقصد الحكم بن عمرو التغلبي من أمراء الانسياح بلد مكران ولحق به شهاب بن المخارق وجاء سهيل بن عديّ وعبد الله بن عبد الله بن عتبان وانتهوا جميعا الى دوين [١] وأهل مكران على شاطية [٢] وقد أمدّهم أهل السند بجيش كثيف، ولقيهم المسلمون فهزموهم وأثخنوا فيهم بالقتل، واتبعوهم أياما حتى انتهوا الى النهر ورجعوا إلى مكران فأقاموا بها وبعثوا إلى عمر بالفتح والأخماس مع صحّار العبديّ، وسأله عمر عن البلاد فأثنى عليها شرّا، فقال: والله لا يغزوها جيش لي أبدا وكتب إلى سهيل والحكم أن لا يجوز مكران أحد من جنودكما. خبر الأكراد كان أمر أمراء الانسياح لما فصلوا إلى النواحي، اجتمع ببيروذ [٣] بين نهر تيري ومنادر من أهل الأهواز جموع من الأعاجم أعظمهم الأكراد، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى تخوم البصرة ردءا للأمراء المنساحين، فجاء إلى بيروذ وقاتل تلك الجموع قتالا شديدا وقاتل المهاجر بن زياد حتى قتل [٤] . ثم وهن الله المشركين فتحصّنوا منه في قلّة وذلّة، فاستخلف أبو موسى عليهم أخاه الربيع بن زياد وسار الى أصبهان مع المسلمين الذين يحاصرونها حتى إذا فتحت رجع إلى البصرة. وفتح الربيع بن زياد بيروذ وغنم ما فيها ولحق به بالبصرة وبعثوا إلى عمر بالفتح والأخماس، وأراد ضبّة بن محصن العنزي أن يكون في الوفد فلم يجبه أبو موسى، فغضب وانطلق شاكيا إلى عمر بانتقائه ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه وأنه أجاز الحطيئة بألف وولّى زياد بن أبي سفيان أمور البصرة، واعتذر أبو موسى وقبله عمر. وكان عمر قد اجتمع إليه جيش من المسلمين فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي

стр. 1365

ودفعهم الى الجهاد على عادته وأوصاهم، فلقوا عدوا من الأكراد المشركين فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فأبوا وقاتلوهم وهزموهم وقتلوا وسبوا وقسّموا الغنائم، ورأى سلمة جوهرا في سفط فاسترضى المسلمين وبعث به إلى عمر فسأل الرسول عن أمور الناس حتى أخبره بالسفط فغضب وأمر به فوجئ في عنقه، وقال: أسرع قبل أن تفترق الناس ليقسّمه سلمة فيه فباعه سلمة وقسمه في الناس وكان الفص يباع بخمسة دراهم وقيمته عشرون ألفا. مقتل عمر وأمر الشورى وبيعة عثمان ﵁ كان للمغيرة بن شعبة مولى من نصارى العجم اسمه أبو لؤلؤة وكان يشدد عليه في الخراج، فلقي يوما عمر في السوق فشكى إليه وقال: أعدني على المغيرة فإنه يثقل عليّ في الخراج درهمين في كل يوم، قال: وما صناعتك؟ قال نجّار حدّاد نقاش، فقال: ليس ذلك كثير على هذه الصنائع وقد بلغني انك تقول أصنع رحى تطحن بالريح فاصنع لي رحى. قال: أصنع لك رحى يتحدّث الناس بها أهل المشرق والمغرب، وانصرف، فقال عمر: توعدني العلج. فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة واستوت الصفوف ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر برأسين نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات إحداها تحت سرّته، وقتل كليبا بن أبي البكير الليثي، وسقط عمر فاستخلف عبد الرحمن بن عوف في الصلاة واحتمل الى بيته. ثم دعا عبد الرحمن وقال: أريد أن أعهد إليك، قال: أتشير عليّ بها قال: لا. قال: والله لا أفعل. قال: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. ثم دعا عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن معهم، وقال انتظروا طلحة ثلاثا فإن جاء وإلّا فاقضوا أمركم، وناشد الله من يفضي إليه الأمر منهم أن يحمل أقاربه على رقاب الناس، وأوصاهم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان أن يحسن إلى محسنهم وبعفو [١] عن مسيئهم، وأوصى بالعرب فإنّهم مادّة الإسلام أن تؤخذ صدقاتهم في فقرائهم، وأوصى بذمة رسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، ثم قال: اللَّهمّ قد بلغت لقد تركت الخليفة من بعدي

стр. 1366

على أنقى من الراحلة. ثم دعي أبا طلحة الأنصاري فقال: قم على باب هؤلاء ولا تدع أحدا يدخل إليهم حتى يقضوا أمرهم. ثم قال: يا عبد الله بن عمر اخرج فانظر من قتلني؟ قال يا أمير المؤمنين: قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة. قال: الحمد للَّه الّذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد للَّه سجدة واحدة. ثم بعث إلى عائشة يستأذنها في دفنه مع رسول الله ﷺ وأبي بكر فأذنت له. ثم قال: يا عبد الله إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، فان تساووا فكن مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. ثم أذن للناس فدخل المهاجرون والأنصار فقال لهم: أهذا عن ملأ منكم؟ فقالوا: معاذ الله. وجاء علي وابن عباس فقعدوا عند رأسه، وجاء الطبيب فسقاه نبيذا فخرج متغيّرا ثم لبنا فخرج كذلك، فقال له: أعهد. قال: قد فعلت. ولم يزل يذكر الله إلى أن توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وصلّى عليه صهيب وذلك لعشر سنين وستة أشهر من خلافته. وجاء أبو طلحة الأنصاري ومعه المقداد بن الأسود، وقد كان أمرهما عمر أن يجمعا هؤلاء الرهط الستة في مكان ويلزماهم أن يقدّموا للناس من يختاروه [١] منهم وإن اختلفوا كان الاتباع للاكثر وإن تساووا حكّموا عبد الله بن عمر أو اتبعوا عبد الرحمن بن عوف، ويؤجلوهم في ذلك ثلاثا يصلي فيهم بالناس صهيب ويحضر عبد الله بن عمر معهم مشيرا ليس له شيء من الأمر وطلحة شريكهم ان قدم في الثلاث ليال. فجمعهم أبو طلحة والمقداد في بيت المسوّر بن مخرمة وقيل في بيت عائشة، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فحصبهما سعد وأقامهما وقال: تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أهل الشورى. ثم دار بينهما الكلام وتنافسوا في الأمر، فقال: عبد الرحمن أيّكم يخرج منها نفسه ويجتهد فيوليها أفضلكم وأنا أفعل ذلك؟ فرضي القوم وسكت علي. فقال: ما تقول على شريطة أن تؤثر الحق ولا تتبع الهوى ولا تخصّ ذا رحم ولا تألوا الأمّة نصحا وتعطينا العهد بذلك. قال: وتعطوني أنتم مواثيقكم على أن تكونوا معي على من خالف وترضوا من اخترت وتواثقوا. ثم قال لعليّ: أنت أحق من حضر بقرابتك وسوابقك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد في نفسك فمن ترى أحق فيه بعدك من هؤلاء؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان فقال له مثل ذلك فقال: عليّ.

стр. 1367

ودار عبد الرحمن لياليه كلها يلقى أصحاب رسول الله ﷺ ومن يوافي المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس ويشيرهم إلى صبيحة الرابع، فأتى منزل المسوّر بن مخرمة وخلا فيه بالزبير وسعد أن يتركا الأمر لعلي أو عثمان [١] فاتفقا على عليّ، ثم قال له سعد بايع لنفسك وأرحنا فقال: قد خلعت لهم نفسي على أن أختار ولو لم أفعل ما أريدها [٢] . ثم استدعى عبد الرحمن عليا وعثمان فناجى كلّا منهما إلى أن رضوا بل إلى أن صلّوا الصبح ولا يعلم أحد ما قالوا. ثم جمع المهاجرين وأهل السابقة من الأنصار وأمراء الأجناد حتى غص المسجد بهم، فقال: أشيروا عليّ، فأشار عمّار بعلي ووافقه المقداد. فقال ابن أبي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان ووافقه عبد الله بن أبي ربيعة، فتفاوضا وتشاتما ونادى سعد: يا عبد الرحمن افرغ قبل أن يفتتن الناس. فقال: نظرت وشاورت فلا تجعلنّ أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ثم قال لعليّ: عليك عهد الله وميثاقه لتعلمنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أرجو أن أجتهد بل أن أفعل بمبلغ علمي وطاقتي. وقال لعثمان مثل ذلك فقال: نعم. فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، وقال: اللَّهمّ اشهد أني قد جعلت ما في عنقي من ذلك في عنق عثمان فبايعه الناس. ثم قدم طلحة في ذلك اليوم فأتى عثمان، فقال له عثمان: أنت على الخيار في الأمر وإن أبيت رددتها. فقال: أكلّ الناس بايعوك؟ قال: نعم. قال: رضيت، ولا أرغب عما أجمعوا عليه. وكانت العجم بالمدينة يستروح بعضها الى بعض، ومرّ أبو لؤلؤة بالهرمزان وبيده الخنجر الّذي طعن به عمر فتناوله من يده وأطال النظر فيه ثم ردّه إليه، ومعهم جفينة نصرانيّ من أهل الحيرة. فلما طعن عمر من الغداة قال عبد الرحمن بن أبي بكر لعبيد الله بن عمر: اني رأيت هؤلاء الثلاثة يتناجون فلما رأوني افترقوا وسقط منهم هذا الخنجر، فعدا عبيد الله عليهم فقتلهم ثلاثتهم، وأمسكه سعد بن أبي وقاص وجاء به الى عثمان بعد البيعة وهو في المسجد فاشار عليّ بقتله، وقال عمرو بن العاص: لا يقتل عمر بالأمس ويقتل ابنه اليوم، فجعلها عثمان دية واحتملها وقال انا وليّه. ثم قال عثمان وصعد المنبر وبايعه الناس كافّة، وولّى لوقته سعد بن أبي

стр. 1368

وقاص على الكوفة وعزل المغيرة وذلك بوصيّة عمر لأنه أوصى بتولية سعد، وقال لم أعزله عن سوء ولا خيانة منه. وقيل إنما ولّاه وعزل المغيرة بعد سنة وأنه أقرّ لأول أمره عمّال عمر كلهم. نقض أهل الاسكندرية وفتحها لما سار هرقل إلى القسطنطينية وفارق الشام واستولى المسلمون على الإسكندرية وبقي الروم بها تحت أيديهم، فكاتبوا هرقل فاستنجدوه فبعث إليهم عسكرا مع منويل الخصيّ ونزلوا بساحل الاسكندرية لمنعهم المقوقس من الدخول إليه، فساروا إلى مصر ولقيهم عمرو بن العاص والمسلمون فهزموهم واتبعوهم إلى الاسكندرية، وأثخنوا فيهم بالقتل وقتل قائدهم منويل الخصيّ، وكانوا قد أخذوا في مسيرهم إلى مصر أموال أهل القرى فردّها عمرو عليهم بالبينة ثم هدم سور الاسكندرية ورجع الى مصر. ولاية الوليد بن عقبة الكوفة وصلح أرمينية وأذربيجان وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة لأنه اقترض من عبد الله بن مسعود من بيت المال قرضا، وتقاضاه ابن مسعود فلم يوسر سعد [١] فتلاحيا وتناجيا بالقبيح وافترقا يتلاومان، وتداخلت [٢] بينهما العصبية، وبلغ الخبر عثمان فعزل سعدا واستدعى الوليد بن عقبة من الجزيرة، وكان على غربها منذ ولّاه عمر، فولّاه عثمان على الكوفة فكان مكان سعد. ثم عزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان فنقضوا، فغزاهم الوليد وعلى مقدّمته عبد الله بن شبيل الأحمسيّ فأغار على أهل موقان والبرزند والطيلسان ففتح وغنم وسبى، وطلب أهل كور أذربيجان الصلح فصالحهم على صلح حذيفة ثمانمائة درهم وقبض المال. ثم بث سراياه وبعث سلمان بن ربيعة الباهلي الى أهل أرمينية في اثني عشر ألفا فسار فيها وأثخن، ثم انصرف إلى الوليد وعاد الوليد إلى الكوفة وجعل طريقة على

стр. 1369

الموصل، فلقيه كتاب عثمان بأن الروم أجلبوا على معاوية بالشام فابعث إليهم رجلا من أهل النجدة والبأس في عشرة آلاف عند قراءة المكتوب [١] ، فبعث الوليد الناس مع سلمان بن ربيعة ثمانية آلاف ومضوا إلى الشام ودخلوا أرض الروم مع حبيب بن مسلمة، فشنوا عليهم الغارات واستفتحوا الحصون، وقيل إنّ الّذي أمدّ حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة هو سعيد بن العاص، وذلك أنّ عثمان كتب إلى معاوية أن يغزي حبيب بن مسلمة في أهل الشام أرمينية فبعثه وحاصر قاليقلا حتى نزلوا على الجلاء أو الجزية، فجلى كثير الى بلاد الروم وأقام فيها فيمن معه أشهرا. ثم بلغه أن بطريق أرميناقس وهي بلاد مطلية وسيواس وقونية إلى خليج قسطنطينية قد زحف إليه في ثمانين ألفا، فاستنجد معاوية فكتب إلى عثمان فأمر سعيد بن العاص بإمداد حبيب فأمدّه بسلمان في ستة آلاف، وبيّت الروم فهزمهم وعاد الى قاليقلا، ثم سار في البلاد فجاء بطريق خلاط وبيده أمان عيّاض بن غنم وحمل ما عليهم من المال فنزل حبيب خلاط، ثم سار منها فصالحه صاحب السيرجان [٢] ثم صاحب أردستان [٣] ثم صالح أهل ديبل بعد الحصار، ثم أهل بلاد السيرجان كلهم. ثم أتى أهل شمشاط فحاربوه فهزمهم وغلب على حصونهم، ثم صالحه بطريق خرزان [٤] على بلاده وسار إلى تفليس فصالحوه وفتح عدّة حصون ومدن تجاورها. وسار ابن ربيعة الباهلي إلى أرّان فصالح أهل البيلقان على الجزية والخراج، ثم أهل بردعة كذلك وقراها. وقاتل أكراد البوشنجان وظفر بهم وصالح بعضهم على الجزية، وفتح مدينة شمكور وهي التي سميت بعد ذلك المتوكليّة، وسار سلمان حتى فتح فلية وصالحه صاحب كسكر على الجزية وملك شروان وسائر ملوك الجبال الى مدينة الباب وانصرفوا. ثم غزا معاوية الروم وبلغ عمّورية ووجد ما بين انطاكية وطرسوس من الحصون خاليا فجمع فيها العساكر حتى رجع وخرّبها.

стр. 1370

ولاية عبد الله بن أبي سرح على مصر وفتح افريقية وفي سنة ست وعشرين عزل عثمان عمرو بن العاص عن خراج مصر واستعمل مكانه عبد الله بن أبي سرح أخاه من الرضاعة، فكتب إلى عثمان يشكو عمرا فاستقدمه واستقل عبد الله بالخراج والحرب وأمره بغزو افريقية. وقد كان عمرو بن العاص سنة إحدى وعشرين سار من مصر إلى برقة فصالح أهلها على الجزية ثم سار إلى طرابلس فحاصرها شهرا، وكانت مكشوفة السور [١] من جانب البحر وسفن الروم في مرساها فحسر القوم في بعض الأيام وانكشف أمرها لبعض المسلمين المحاصرين فاقتحموا البلد بين البحر والبيوت فلم يكن للروم ملجأ إلّا سفنهم، وارتفع الصياح فأقبل عمرو بعساكره فدخل البلد ولم تفلت الروم إلا بما خفّ في المراكب، ورجع إلى مدينة صبرة وكانوا قد آمنوا بمنعة طرابلس فصبحهم المسلمون ودخلوها عنوة، وكمل الفتح ورجع عمرو إلى برقة فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار جزية وكان أكثر أهل برقة لواتة. وكان يقال إنّ البربر ساروا بعد قتل ملكهم جالوت الى المغرب وانتهوا إلى لوبية ومراقية كورتان من كور مصر، فصارت زنانة ومغيلة من البربر الى المغرب فسكنوا الجبال وسكنت لواتة برقة وتعرف قديما انطابلس، وانتشروا إلى السوس ونزلت هوّارة مدينة لبدة ونزلت نفوسة مدينة صبرة وجلوا من كان هنالك من الروم، وأقام الأفارق وهم خدم الروم وبقيتهم على صلح يؤدونه إلى من غلب عليهم إلى أن كان صلح عمرو بن العاص. ثم إنّ عبد الله بن أبي سرح كان أمره عثمان بغزو افريقية سنة خمس وعشرين، وقال له: إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس من الغنائم. وأمر عقبة بن نافع بن عبد القيس على جند وعبد الله بن نافع بن الحرث على آخر وسرحهما، فخرجوا إلى افريقية في عشرة آلاف وصالحهم أهلها على مال يؤدّونه ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة أهلها. ثم إن عبد الله بن أبي سرح [٢] استأذن عثمان في ذلك واستمدّه، فاستشار عثمان الصحابة فأشاروا به، فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن
следующие страницы →