← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

سجاح [١] بنت الحارث بن سويد من بني عقفان أحد بطون تغلب وكانت تنبأت بعد الوفاة، واتبعها الهذيل بن عمران في بني تغلب وعقبة بن هلال في النمر والسليل بن قيس في شيبان وزياد بن بلال وكان الهذيل نصرانيا فترك دينه إلى دينها، وأقبلت من الجزيرة في هذه المجموع قاصدة المدينة لتغزو أبا بكر والمسلمين، وانتهت إلى الجرف [٢] فدهم بني تميم أمر عظيم لما كانوا عليه من اختلاف الكلمة، فوادعها مالك بن نويرة وثناها عن الغزو وحرّضها [٣] على بني تميم ففرّوا أمامها، ورجع إليها وكيع بن مالك واجتمعت الرباب وضبة فهزموا أصحاب سجاح وأسروا منهم، ثم اصطلحوا. وسارت سجاح فيمن معها تريد المدينة فبلغت النباج فاعترضهم بنو الهجيم [٤] فيمن تأشب [٥] إليهم من بني عمرو وأغاروا عليهم فأسر الهذيل وعقبة، ثم تحاجزوا على أن تطلق أسراهم ويرجعوا ولا يجتازوا عليهم، ورجع عن سجاح مالك بن نويرة ووكيع بن مالك إلى قومهم ويئست سجاح وأصحابها من الجواز عليهم، ونهدت إلى بني حنيفة وسار معها من تميم الزبرقان بن بدر [٦] وعطارد بن حاجب وعمرو بن الأهتم وغيلان بن حريث [٧] وشبث بن ربعي ونظراؤهم، وصانعها مسيلمة بما كان فيه من مزاحمة ثمامة بن أثال له في اليمامة. وزحف شرحبيل بن حسنة والمسلمون إليه فاهدى لها واستأمنها وكانت نصرانية أخذت الدين من نصارى تغلب، فقال لها مسيلمة: نصف الأرض لنا ونصف الأرض لقريش لكنهم لم يعدلوا فقد جعلت نصفهم لك. ويقال إنها جاءت إليه واستأمنته وخرج إليها من الحصن إلى قبة ضربت لها بعد أن جمرها [٨] فدخل إليها وتحرّك الحرس حوالي القبة فسجع لها وسجعت له من أسجاع الفرية، فشهدت له بالنّبوّة وخطبها لنفسه فتزوجته وأقامت عنده ثلاثا ورجعت إلى

стр. 1297

قومها، فعذلوها في التزويج على غير صداق فرجعت إليه فقال لها: ناد في أصحابك إني وضعت عنهم صلاة الفجر والعتمة مما فرض عليهم محمد، وصالحته على أن يحمل لها النصف من غلات اليمامة فأخذته وسألت أن يسلفها النصف للعام القابل، ودفعت الهذيل وعقبة لقضبه فهم على ذلك، وإذا بخالد بن الوليد وعساكره قد أقبلوا فانفضت جموعهم وافترقوا، ولحقت سجاح بالجزيرة فلم تزل في بني تغلب حتى نقل معاوية عام الجماعة بني عقفان عشيرتها إلى الكوفة، وأسلمت حينئذ سجاح وحسن إسلامها. ولما افترق وفد الزبرقان والأقرع على أبي بكر وقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونحن نضمن لك أمرها ففعل وكتب لهم بذلك، وكان طلحة بن عبيد الله يتردّد بينهم في ذلك، فجاء إلى عمر ليشهد في الكتاب فمزقه ومحاه وغضب طلحة، وقال لأبي بكر ﵁: أنت الأمير أم عمر ﵁؟ فقال: عمر غير أن الطاعة لي. وشهد الأقرع والزبرقان مع خالد اليمامة والمشاهد كلها. ثم مضى الأقرع مع شرحبيل إلى دومة. البطاح ومالك بن نويرة لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة وراجع بنو تميم الإسلام أقام مالك بن نويرة متحيرا في أمره واجتمع إليه من تميم بنو حنظلة واجتمعوا بالبطاح، فسار إليهم خالد بعد أن تقاعد عنه الأنصار يسألونه انتظار أبي بكر، فأبي إلا انتهاز الفرصة من هؤلاء، فرجعوا إلى اتباعه ولحقوا به. وكان مالك بن نويرة لما تردّد في أمره فرّق بني حنظلة في أموالهم ونهاهم عن القتال ورجع إلى منزله، ولما قدم خالد بعث السرايا يدعون إلى الإسلام ويأتون بمن لم يجب أن يقتلوه، فجاءوا بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع واختلفت السريّة فيهم، فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلّوا فحبسهم عند ضرار بن الأزور وكانت ليلة ممطرة فنادى مناديه أن أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة كناية [١] عن القتل فبادر ضرار بقتلهم وكان كنانيا. وسمع خالد الواعية فخرج متأسفا وقد فرغوا منهم، وأنكر عليه أبو قتادة فزجره خالد، فغضب ولحق بأبي بكر ويقال: إنهم لما جاءوا بهم إلى خالد خاطبه مالك بقوله: فعل صاحبكم شأن

стр. 1298

صاحبكم فقال له خالد: أو ليس لك بصاحب؟ ثم قتله [١] وأصحابه كلهم ثم قدم خالد على أبي بكر وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة أو يعزله فأبى، وقال: ما كنت أشيم سيفا سلّه الله على الكافرين، وودى مالكا وأصحابه وردّ خالدا إلى عمله. خبر مسيلمة واليمامة لما بعث أبو بكر عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل استعجل عكرمة فانهزم وكتب إلى أبي بكر بالخبر، فكتب إليه لا ترجع فتوهن الناس وامض إلى حذيفة وعرفجة فقاتلوا مهرة وأهل عما فإذا فرغتم فامض أنت وجنودك واستنفروا من مررتم عليه حتى تلقوا المهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت، وكتب إلى شرحبيل يمضي إلى خالد فإذا فرغتم فامض أنت إلى قضاعة فكن مع عمرو بن العاص على من ارتدّ منهم. ولما فرغ خالد من البطاح ورضي عنه أبو بكر بعثه نحو مسيلمة وأوعب معه الناس، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبرّاء بن عازب، وتعجّل خالد إلى البطاح وانتظر البعوث حتى قدمت عليه، فنهض إلى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير يقال أربعون ألف مقاتل متفرقين في قراها وحجرها، وتعجل شرحبيل كما فعل عكرمة بقتال مسيلمة فنكب وجاء خالد فلامه على ذلك. ثم جاء خليط من عند أبي بكر مددا لخالد ليكون ردءا له من خلفه ففرّت جموع كانت تجمعت هنالك من فلال سجاح، وكان مسيلمة قد جعل لها جعلا. وكان الرّجال [٢] بن عنفوة من أشراف بني حنيفة شهد لمسيلمة بأن رسول الله ﷺ أشركه معه في الأمر لأنّ الرجال، كان قد هاجر وأقام مع رسول الله ﷺ وقرأ القرآن وتفقّه في الدين فلما ارتدّ مسيلمة بعثه النبي ﷺ معلما لأهل اليمامة ومشغبا على مسيلمة فكان أعظم فتنة على بني حنيفة

стр. 1299

منه. واتبع مسيلمة على شأنه وشهد له وكان يؤذن لمسيلمة ويشهد له بالرسالة بعد النبي ﷺ :، فعظم شأنه فيهم وكان مسيلمة ينتهي إلى أمره، وكان مسيلمة يسجع لهم بأسجاع كثيرة يزعم أنها قرآن يأتيه، ويأتي بمخارق يزعم أنها معجزات فيقع منها ضدّ المقصود. ولما بلغ مسيلمة وبني حنيفة دنو خالد، خرجوا وعسكروا في منتهى ريف اليمامة [١] واستنفروا الناس فنفروا إليهم، وأقبل خالد ولقيه شرحبيل بن حسنة فجعله على مقدمته، حتى إذا كان على ليلة من القوم هجموا على مجاعة في سرية أربعين أو ستين راجعين من بلاد بني عامر وبني تميم يثأرون فيهم فوجدوهم دون ثنية اليمامة فقتلوهم أجمعين، وقيل له استبق مجاعة بن مرارة إن كنت تريد اليمامة فاستبقى. ثم سار خالد ونازل بني حنيفة ومسيلمة والرجال على مقدمة مسيلمة واشتدت الحرب وانكشف المسلمون حتى دخل بنو حنيفة خباء خالد، ومجاعة بها أسير مع أم متمم [٢] زوجة خالد، فدافعهم عنها مجاعة وقال: نعمت الحرة. ثم تراجع المسلمون وكرّوا على بني حنيفة فقال المحكم بن الطفيل: ادخلوا الحديقة يا بني حنيفة فاني أمنع أدباركم، فقاتل ساعة ثم قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، ثم تذامر المسلمون وقاتل ثابت بن قيس فقتل ثم زيد بن الخطاب ثم أبو حذيفة ثم سالم مولاه ثم البراء أخو أنس بن مالك وكان تأخذه عند الحرب رعدة حتى ينتفض ويقعد عليه الرجال حتى يبول، ثم يثور كالأسد فقاتل وفعل الأفاعيل. ثم هزم الله العدو وألجأهم المسلمون إلى الحديقة وفيها مسيلمة فقال البراء ألقوني عليهم من أعلى الجدار فاقتحم، وقاتلهم على باب الحديقة ودخل المسلمون عليهم، فقتل مسيلمة وهو مزبد متساند لا يعقل من الغيظ، وكان زيد بن الخطاب قتل الرجال بن عنفوة. وكان خالد لما نازل بني حنيفة ومسيلمة ودارت الرحى عليه طلب البراز فقتل جماعة، ثم دعا مسيلمة للبراز والكلام محادثة يجاول فيه غرة وشيطانه يوسوس إليه، ثم ركبه خالد فأرهقه وأدبروا وزالوا عن مراكزهم وركبهم المسلمون فانهزم [٣] . وتطاير الناس عن مسيلمة بعد أن

стр. 1300

قالوا له أين ما كنت تعدنا؟ فقال: قاتلوا على أحسابكم. وأتاه وحشي فرماه بحربته فقتل. واقتحم الناس عليه حديقة الموت من حيطانها وأبوابها فقتل فيها سبعة عشر ألف مقاتل من بني حنيفة، وجاء خالد بمجاعة ووقفه على القتلى ليريه مسيلمة فمرّ بمحكم فقال: هو ذا؟ فقال مجاعة: هذا والله خير منه، ثم أراه مسيلمة رويجل دميم أخينس، فقال خالد: هذا الّذي فعل فيكم ما فعل، فقال مجاعة: قد كان ذلك وإنه والله ما جاءك إلّا سرعان الناس وإنّ جماهيرهم في الحصون فهلم أصالحك على قومي. وقد كان خالد التقط من دون الحصون ما جاء من مال ونساء وصبيان ونادى بالنزول عليها فلما قال له مجاعة ذلك قال له: أصالحك على ما دون النفوس. وانطلق يشاورهم فأفرغ السلاح على النساء ووقفن بالسور ثم رجع إليه وقال أبوا أن يجيزوا يشاورهم فأفرغ السلاح على النساء ووقفن بالسور ثم رجع إليه وقال أبوا أن يجيزوا ذلك، ونظر خالد إلى رءوس الحصون قد اسودّت والمسلمون قد نهكتهم الحرب وقد قتل من الأنصار ما ينيف على الثلاثمائة وستين، ومن المهاجرين مثلها ومن التابعين لهم مثلها أو يزيدون، وقد فشت الجراحات فيمن بقي، فجنح إلى السلم فصالحه على الصفراء والبيضاء، ونصف السبي والحلقة وحائط ومزرعة من كل قرية، فأبوا فصالحهم على الربع فصالحوه. وفتحت الحصون فلم يجد فيها إلّا النساء والصبيان فقال خالد: خدعتني يا مجاعة فقال: قومي ولم أستطع إلّا ما صنعت فعقد له وخيرهم ثلاثا فقال: له سلمة بن عمير لا نقبل صلحا ونعتصم بالحصون ونبعث إلى أهل القرى فالطعام كثير والشتاء قد حضر، فتشاءم مجاعة برأيه وقال لهم لولا أني خدعت القوم ما أجابوا إلى هذا، فخرج معه سبعة من وجوه القوم وصالحوا خالدا وكتب لهم وخرجوا إلى خالد للبيعة والبراءة مما كانوا عليه. وقد أضمر سلمة بن عمير الفتك بخالد فطرده حين وقعت عينه عليه وأطلع أصحابه على غدره فأوثقوه وحبسوه ثم أفلت فاتبعوه وقتلوه. وكان أبو بكر بعث إلى خالد مع سلمة بن وقش إن أظفره الله أن يقتل من جرت عليه الموسى من بني حنيفة، فوجده قد صالحهم فأتم عقده معهم، ووفى لهم وبعث وفدا منهم إلى أبي بكر بإسلامهم فلقيهم وسألهم عن اسجاع مسيلمة فقصّوها عليه، فقال سبحان الله هذا الكلام ما خرج من إلّا ولا برّ فأين يذهب بكم عن أحلامكم وردّهم إلى قومهم.

стр. 1301

ردّه الحطم وأهل البحرين لما فرغ خالد من اليمامة ارتحل عنها إلى واد من أوديتها وكانت عبد القيس وبكر بن وائل وغيرهم من أحياء ربيعة قد ارتدّوا بعد الوفاة وكذا المنذر بن ساوى من بعدها بقليل، فأما عبد القيس فردّهم الجارود بن المعلى وكان قد وفد وأسلم ودعا قومه فأسلموا فلما بلغهم خبر الوفاة ارتدوا وقالوا لو كان نبيا ما مات فقال لهم الجارود تعلمون أن الله أنبياء من قبله ولم تروهم وتعلمون أنهم ماتوا ومحمد ﷺ قد مات ثم تشهد فتشهدوا معه وثبتوا على إسلامهم، وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر بن ساوى والمسلمين. وقال ابن إسحاق كان أبو بكر بعث العلاء بن الحضرميّ إلى المنذر وقد كان رسول الله ﷺ ولاه فلما كانت الوفاة وارتدت ربيعة ونصبوا المنذر بن النعمان بن المنذر وكان يسمّى المغرور، فأقاموه ملكا كما كان قومه بالحيرة، وثبت الجارود وعبد القيس على الإسلام، واستمرّ [١] بكر بن وائل على الردّة، وخرج الحطم بن ربيعة أخو بني قيس بن ثعلبة حتى نزل بين القطيف وهجر، وبعث إلى دارين فأقاموا. ليجعل عبد القيس بينه وبينهم، وأرسل إلى المغرور بن سويد أخي النعمان بن المنذر وبعثه إلى جواثى [٢] وقال اثبت فان ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة، فحاصره المسلمون [٣] بجواثى وجاء العلاء بن الحضرميّ لقتال أهل الردة بالبحرين ومر باليمامة فاستنفر ثمامة بن أثال في مسلمة بني حنيفة وكان مترددا، وألحق عكرمة بعمان ومهرة، وأمر شرحبيل بالمقام حيث هو يغاور مع عمرو بن العاص أهل الردّة من قضاعة، عمرو يغاور سعدا وبلق وشرحبيل يغاور كلبا ولفها. ثم مرّ ببلاد بني تميم فاستقبله بنو الرباب وبنو عمرو [٤] ومالك بن نويرة بالبطاح يقاتلهم ووكيع بن مالك يواقف عمرو بن العاص وقيس بن عاصم من المقاعس، والبطون يواقف الزبرقان بن بدر والأبناء عوف وقد أطاعوه على الإسلام وحنظلة متوقفون. فلما رأى

стр. 1302

قيس بن عاصم تلقى الرباب وبني عمر [١] وقدم وجاء بالصدقات إلى العلاء وخرج معه لقتال البحرين، فسار مع العلاء من بني تميم مثل عسكره ونزل هجر وبعث إلى الجارود أن ينازل بعبد القيس الحطم وقومه مما يليه، واجتمع المشركون إلى الحطم إلا أهل دارين، والمسلمون إلى العلاء، وخندقوا واقتتلوا وسمعوا في بعض الليالي ضوضأة شديدة أي جلبة وصياحا وبعثوا من يأتيهم بخبرها فجاءهم بأنّ القوم سكارى، فبيتوهم ووضعوا السيوف فيهم واقتحموا الخندق وفر القوم هرابا فمتمرد وناج ومقتول ومأسور. وقتل قيس بن عاصم الحطم بن ربيعة، ولحق جابر بن بحير وضربه فقطع عصبه ومات، وأسر عفيف بن المنذر والمغرور بن سويد وقال للعلاء: أجرني فقال له العلاء: أنت غررت بالناس، فقال: لكني أنا مغرور، ثم أرسل وأقام بهجر. ويقال إن المغرور اسمه وليس هو بلقب وقتل المغرور بن سويد بن المنذر وقسم الأنفال بين الناس، وأعطى عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمامة بن أثال من أسلاب القوم وثيابهم، وقصد الفلال إلى دارين وركبوا السفين إليها ورجع الآخرون إلى قومهم. وكتب العلاء إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل بالقعود لأهل الردة في السبل وإلى خصفة التميمي والمثنى بن حارثة بمثل ذلك، فرجعوا إلى دارين وجمعهم الله بها. ثم لما جاءته كتب بكر بن وائل وعلم حسن إسلامهم أمر أن يؤتى من خلفه على أهل البحرين ثم لما ندب الناس إلى دارين وأن يستعرضوا البحر، فارتحلوا واقتحموا البحر على الظهر، وكلهم يدعو: يا ارحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا حيّ يا قيوم لا إليه إلّا أنت يا ربنا. ثم أجازوا الخليج يمشون على مثل رمل مشيا فوقها ما يغمر أخفاف الإبل في مسيرة يوم وليلة، فلقوا العدوّ واقتتلوا، وما تركوا بدارين مخبرا وسبوا الذراري واستاقوا الأموال، وبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين. ورجع العلاء إلى البحرين وضرب الإسلام بجرانه. ثم أرجف المرجفون بأن أبا شيبان وثعلبة والحرقد جمعهم مفروق الشيبانيّ على الردة، فوثق العلاء باللهازم وتقاربهم [٢]

стр. 1303

وكانوا مجمعين على نصره، وأقبل العلاء بالناس فرجعوا إلى من أحب المقام، وقفل ثمامة بن أثال فيهم. ومرّوا بقيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل فرأوا خميصة الخطم عليه فقالوا هو قتله! فقال: لم أقتله ولكن الأمير نفلنيها فلم يقبلوا وقتلوه. وكتب العلاء إلى أبي بكر بهزيمة أهل الخندق وقتل الخطم قتله زيد وسميفع [١] فكتب إليه أبو بكر إن بلغك عن بني ثعلبة ما خاض فيه المرجفون فابعث إليهم جندا وأوصهم وشرّد بهم من خلفهم. ردة أهل عمان ومهرة واليمن [٢] نبغ بعمان بعد الوفاة رجل من الأزد يقال له لقيط بن مالك الأزدي يسامى في الجاهلية الجلندي فدفع عنها الملكين اللذين كانا بها، وهما جيفر وعبد [٣] ابنا الجلندي، فارتدّ وادعى النبوة وتغلب على عمان ودفع عنها الملكين، وبعث جيفر إلى أبي بكر بالخبر، فبعث أبو بكر حذيفة بن محصن من حمير وعرفجة البارقي، حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة، وإن اجتمعا فالأمير صاحب العمل، وأمرهما أن يكاتبا كما مرّ، فأمره بالمسير إلى حذيفة وعرفجة ليقاتل معهما عمان ومهرة ويتوجه إذا فرغ من ذلك إلى اليمن، فمضى عكرمة فلحق بهما قبل أن يصلا إلى عمان، وقد عهد إليهم أبو بكر أن ينتهوا إلى رأي عكرمة، فراسلوا جيفرا وعبدا وبلغ لقيطا مجيء الجيوش فعسكر بمدينة دبا وعسكر جيفر وعبد بصحار، واستقدموا عكرمة وحذيفة وعرفجة وكاتبوا رؤساء الدين فقدموا بجيوشهم [٤] ، ثم صمدوا إلى لقيط وأصحابه فقاتلوهم، وقد أقام لقيط عياله وراء صفوفه، وهمّ المسلمون بالهزيمة حتى جاءهم مددهم من بني ناجية وعليهم الحريث [٥] بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سنجار بن صرصار [٦] فانهزم العدوّ وظفر [٧] المسلمون، وقتلوا منهم نحوا من عشرة آلاف وسبوا الذراري والنساء

стр. 1304

وتمّ الفتح، وقسّموا الأنفال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة وكان الخمس ثمانمائة رأس. وأقام حذيفة بعمان وسار عكرمة إلى مهرة وقد استنفر أهل عمان ومن حولها من ناحيته الأزد وعبد القيس وبني سعيد من تميم، فاقتحم مهرة بلادهم وهم على فرقتين يتنازعان الرئاسة فأجابه أحد الفريقين، وسار إلى الآخرين فهزمهم وقتل رئيسهم، وأصابوا منهم ألفي نجيبة. وأفاد المسلمون قوة بغنيمتهم وأجاب أهل تلك النواحي إلى الإسلام وهم أهل نجد والروضة والشاطئ والجزائر والمر واللبان وأهل جيرة وظهور الشحر [١] والفرات وذات الخيم، فاجتمعوا كلهم على الإسلام، وبعث إلى أبي بكر بذلك مع البشير وسارعوا إلى اليمن للقاء المهاجر بن أبي أمية كما عهد إليه أبو بكر. بعوث العراق وصلح الحيرة ولما فرغ خالد من أمر اليمامة بعث إليه أبو بكر في المحرم من سنة اثنتي عشرة فأمره بالمسير إلى العراق ومرج الهند وهي الأبلة منتهى بحر فارس في جهة الشمال قرب البصرة، فيتألف أهل فارس ومن في مملكتهم من الأمم. فسار من اليمامة وقيل قدم على أبي بكر ثم سار من المدينة، وانتهى إلى قرية بالسواد وهي بانقيا وبرسوما وصاحبهما جابان، فجاء صلوبا فصالحهم على عشرة آلاف دينار [٢] فقبضها خالد، ثم سار إلى الحيرة وخرج إليه أشرافها مع إياس بن قبيصة الطائي الأمير عليها بعد النعمان بن المنذر، فدعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو المناجزة، فصالحوه على تسعين ألف درهم، وقيل إنما أمره أبو بكر أن يبدأ بالأبلة ويدخل من أسفل العراق. وكتب إلى عياض بن غنم أن يبدأ بالمضيخ ويدخل من أعلى العراق، وأمر خالدا بالقعقاع بن عمرو التميمي وعياض بن عوف الحمي [٣] ، وقد كان المثنى بن حارثة الشيبانيّ استأذن أبا بكر في غزو العراق فأذن له فكان يغزوهم قبل قدوم خالد، فكتب أبو بكر إليه وإلى حرملة ومدعور وسلمان أن يلحقوا بخالد بالأبلة وكانوا في ثمانية آلاف

стр. 1305

فارس، ومع خالد عشرة آلاف، فسار خالد في أوّل مقدمته المثنى وبعده عدي بن حاتم وجاء هو بعدهما على مسيرة يوم بين كل عسكر، وواعدهما الحفير ليجتمعوا به ويصادموا عدوهم وكان صاحب ذلك الفرج [١] من أساورة الفرس اسمه هرمز وكان يحارب العرب في البرّ والهند في البحر، فكتب إلى أردشير كسرى بالخبر وتعجل هو إلى الكواظم في سرعان أصحابه حتى نزل الحفير، وجعل على مجنبتيه قباذ وأنوشجان يناسبانه في أردشير الأكبر واقترنوا بالسلاسل لئلا يفرّوا، وأروا خالدا أنهم سبقوا إلى الحفير فمال إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها أيضا. وكان للعرب على هرمز حنق لسوء مجاورته وقدم خالد فنزل قبالتهم على غير ماء وقال: جالدوهم على الماء فإنّ الله جاعله لأصبر الفريقين، ثم أرسل الله سحابة فأغدرت من ورائهم. ولما حطوا أثقالهم قدم خالد ودعا إلى النزال [٢] فبرز إليه هرمز وترجلا ثم اختلفا ضربتين فاحتضنه خالد وحمل أصحاب هرمز للغدر به فلم يشغله ذلك عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو فقتلهم وانهزم أهل فارس وركبهم المسلمون، وسميت الواقعة ذات السلاسل. وأخذ خالد سلب هرمز وكانت قلنسوته بمائة ألف، وبعث بالفتح والأخماس إلى أبي بكر. وسار فنزل بمكان البصرة وبعث المثنى بن حارثة في آثار العدو فحاصر حصن المرأة فتحه وأسلمت فتزوجها، وبعث معقل بن مقرن إلى الأبلة ففتحها عتبة بن [٣] غزوان أيام عمر سنة أربع عشرة، ولم يتعرض خالد وأصحابه إلى الفلاحين وتركهم وعمارة البلاد كما أمرهم أبو بكر [٤] . وكان كسرى أردشير لما جاءه كتاب هرمز بمسير خالد أمره بقارن بن فريانس فسار إلى المدار [٥] ولما انتهى إلى المذار [٦] لقيه المنهزمون من هرمز ومعهم قباذ وأنوشجان فتذامروا ورجعوا ونزلوا النهر، وسار إليهم خالد واقتتلوا وبرزقان فقتله معقل بن الأعشى بن النباش وقتل عاصم أنوشجان وقتل عدي قباذ، وانهزمت الفرس وقتل منهم نحو ثلاثين ألفا سوى من غرق ومنعت المياه

стр. 1306

المسلمين من طلبهم. وكانت الغنيمة عظيمة وأخذ الجزية من الفلاحين وصاروا في ذمّة، ولم يقاتل المسلمين من الفرس بعد قارن أعظم منه، وتسمى هذه الوقعة بالثني وهو النهر. ولما جاء الخبر إلى أردشير بالهزيمة بعث الأندرزغر وكان فارسا من مولدي السواد فأرسل في أثره عسكرا مع بهمن حاذويه، وحشد الأندرزغر ما بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية والدهاقين وعسكروا بالولجة، وسار إليهم خالد فقاتلهم وصبروا، ثم جاءهم كمين من خلفهم فانهزموا ومات الأندرزغر عطشا. وبذل خالد الأمان للفلّاحين فصاروا ذمة، وسبى ذراري المقاتلة ومن أعانهم وأصاب اثنين من نصارى بني وائل أحدهما جابر بن بجير والآخر ابن عبد الأسود من عجل فأسرهما، وغضب بكر بن وائل لذلك فاجتمعوا على الليس [١] وعليهم عبد الأسود العجليّ، فكتب أردشير إلى بهمن حاذويه، وقد أقام بعد الهزيمة كتابا يأمره بالمسير إلى نصارى العرب بالليس فيكون معهم إلى أن يقدم عليهم جابان من المرازبة، فقدم بهم على أردشير ليشاوره وخالفه جابان إلى نصارى العرب من عجل وتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من الحيرة وهم مجتمعون على الليس. وسار إليهم خالد حين بلغه خبرهم ولا مشعر لهم بجابان [٢] ، فلما حط الأثقال سار إليهم وطلب المبارزة، فبرز إليه مالك بن قيس فقتله خالد، واشتد القتال بينهم وسائر المشركين ينتظرون قدوم بهمن، ثم انهزموا واستأسر الكثير منهم وقتلهم خالد حتى سال النهر بالدم وسمي نهر الدم، ووقف على طعام الأعاجم وكانوا قعودا للأكل فنفله المسلمين، وجعل العرب يتساءلون عن الرقاق يحسبونه رقاعا. وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا. ولما فرغ من الليس سار إلى أمغيشيا فغزا أهلها وأعجلهم أن ينقلوا أموالهم فغنم جميع ما فيها وخرّبها.

стр. 1307

فتح الحيرة ثم سافر خالد إلى الحيرة وحمل الرجال والأثقال في السفن، وخرج ابن زيان من [١] الحيرة ومعه الأزادية فعسكر عند الغريّين وأرسل ابنه ليقاطع الماء عن السفن، فوقفت على الأرض. وسار إليه خالد فلقيه على فرات باذقلا [٢] فقتله وجميع من معه، وسار نحو أبيه على الحيرة فهرب بغير قتال لما كان بلغه من موت أردشير كسرى وقتل ابنه. ونزل خالد منزله بالغريّين وحاصر قصور الحيرة وافتتح الديور وصاح القسيسون والرهبان بأهل القصور فرجعوا على الاباية، وخرج إياس بن قبيصة من القصر الأبيض، وعمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن بقيلة، وكان معمرا وسأله خالد عن عجيبة قد رآها، فقال: رأيت القرى ما بين دمشق والحيرة تسافر بينهما المرأة فلا تتزود إلا رغيفا واحدا. ثم جاءه واستقرب منه ورأى مع خادمه كيسا فيه سم فأخذه خالد ونثره في يده، وقال ما هذا؟ قال خشيت أن تكونوا على غير ما وجدت فيكون الموت أحب إليّ من مكروه أدخله على قومي، فقال له خالد: لن تموت حتى تأتي على أجلها. ثم قال: باسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه شيء وابتلع السم فوعك ساعة ثم قام كأنما نشط من عقال. فقال عبد المسيح: لتبلغنّ ما أردتم ما دام أحد منكم هكذا. ثم صالحهم على مائة أو مائتين وتسعين ألفا وعلى كرامة [٣] بنت عبد المسيح لشريك كان النبي ﷺ عرّف بها إذا فتحت الحيرة فأخذها شريك، وافتدت منه بألف درهم وكتب لهم بالصلح وذلك في أول سنة اثنتي عشرة. فتح ما وراء الحيرة كان الدهاقين يتربصون بخالد ما يصنع بأهل الحيرة فلما صالحهم واستقاموا له جاءته الدهاقين من كل ناحية فصالحوه عمّا يلي الحيرة من الفلاليح وغيرها على ألف ألف وقيل على ألفي ألف سوى جباية كسرى، وبعث خالد ضرار بن الأزور وضرار بن

стр. 1308

الخطّاب والقعقاع بن عمرو والمثنى بن حارثة وعيينة بن الشماس فكانوا في الثغور وأمرهم بالغارة، فمخروا السواد كله إلى شاطئ دجلة، وكتب إلى ملوك فارس: «أما بعد فالحمد الله الّذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرّق كلمتكم ولو لم نفعل ذلك كان شرا لكم فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم وإلّا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» . وكتب إلى المرازبة: «أما بعد فالحمد الله الّذي فض حدّتكم وفرق كلمتكم وجفل حرمكم وكسر شوكتم فأسلموا تسلموا وإلا فاعتقدوا مني الذمة وأدّوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر» انتهى. وكان العجم مختلفين بموت أردشير وقد أزالوا بهمن حاذويه فيمن سيره في العساكر، فجبى خالد خراج السواد في خمسين ليلة، وغلب العجم عليه، وأقام بالحيرة سنة يصعد ويصوب، والفرس حائرون فيمن يملكونه ولم يجدوا من يجتمعون عليه لأن سيرين كان قتل جميع من تناسب إلى بهرام جور. فلما وصل كتاب خالد تكلم نساء آل كسرى وولوا الفرّخزاد بن البندوان إلى أن يجدوا من يجتمعون عليه، ووصل جرير ابن عبد الله البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة، وكان مع خالد بن سعيد بن العاص بالشام، ثم قدم على أبي بكر فكلمه أن يجمع له قومه كما وعده النبي ﷺ وكانوا أوزاعا [١] متفرقين في العرب، فسخط ذلك منه أبو بكر فقال: تكلمني [٢] بما لا يعني وأنت ترى ما نحن فيه من فارس والروم. وأمره بالمسير إلى خالد فقدم عليه بعد فتح الحيرة. فتح الأنبار وعين التمر وتسمّى هذه الغزوة ذات العيون ثم سار خالد على تعبيته إلى الأنبار وعلى مقدمته الأقرع بن حابس، وكان بالأنبار شيرزاد صاحب ساباط فحاصرهم ورشقوهم بالنبال حتى فقئوا منهم ألف عين. ثم نحر ضعاف الإبل وألقاها في الخندق حتى ردمه بها وجاز هو وأصحابه فوقها،

стр. 1309

فاجتمع المسلمون والكفار في الخندق، وصالح شيرزاد على أن يلحقوه بمأمنه ويخلي لهم عن البلد وما فيها، فلحق ببهمن حاذويه. ثم استخلف خالد على الأنبار الزبرقان ابن بدر، وسار إلى عين التمر وبها بهرام [١] بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم، وعقبة بن أبي عقبة في جمع عظيم من العرب، وحولهم طوائف من النمر وتغلب وإياد وغيرهم من العرب. وقال عقبة لبهرام: دعنا وخالدا فالعرب أعرف بقتال العرب. فتركه لذلك واتقى به وسار عقبة إلى خالد وحمل خالد عليه وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأخذه أسرا وانهزم العسكر عن غير قتال وأسر أكثرهم. وبلغ الخبر إلى بهرام [٢] فهرب وترك الحصن وتحصن به المنهزمون، واستأمنوا لخالد فأبى، فنزلوا على حكمه فقتلهم أجمعين، وعقبة معهم. وغنم ما في الحصن وسبى عيالهم [٣] وأولادهم وأخذ من البيعة وهي الكنيسة غلمانا كانوا يتعلمون الإنجيل ففرّقهم في الناس منهم: سيرين أبو محمد ونصير أبو موسى وحمران مولى عثمان، وبعث إلى أبي بكر بالفتح والخمس. وقتل من المسلمين عمير ابن رباب السهمي من مهاجرة الحبشة وبشير بن سعد والد النعمان. ولما فرغ خالد من عين التمر وافق وصول كتاب عياض بن غنم وهو على من بإزائه من نصارى العرب بناحية دومة الجندل وهم بهرام [٤] وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وكانت رياسة دومة لأكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة يقتسمانها، وأشار أكيدر بصلح خالد فلم يقبلوا منه فخرج عنهم، وبلغ خالد مسيره فأرسل من اعترضه فقتله وأخذ ما معه، وسار خالد فنزل دومة وعياض عليها من الجهة الأخرى، وخرج الجودي لقتال خالد وأخرج طائفة أخرى لقتال عياض، فانهزموا من الجهتين إلى الحصن فأغلق دونهم وقتل الجودي وافتتح الحصن عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية.

стр. 1310

الوقائع بالعراق وأقام خالد بدومة الجندل فطمع الأعاجم في الحيرة وملأهم عرب الجزيرة غضبا لعقبة، فخرج اسواران إلى الأنبار وانتهيا إلى الحصيد والخنافس، فبعث القعقاع من الحيرة عسكرين حالا بينهما وبين الريف، ثم جاء خالد إلى الحيرة فعجل القعقاع بن عمرو وأبا ليلى بن فدكي إلى لقائهما بالحصيد، فقتل من العجم مقتلة عظيمة، وقتل الأسواران، وغنم المسلمون ما في الحصيد، وانهزمت الأعاجم إلى الخنافس وبها بالبهبوذان من الأساورة. وسار أبو ليلى في اتباعهم فهزم البهبوذان إلى المضيخ [١] وكان بها الهذيل بن عمران وربيعة بن بحير من عرب الجزيرة غضبا لعقبة وجاءا مددا لأهل الحصيد، فكتب خالد إلى القعقاع وأبي ليلى وواعدهما [٢] المضيخ، وسار إليهم فتواقفا هنالك وأغاروا على الهذيل ومن معه من ثلاثة أوجه، فأكثروا فيهم القتل ففر الهذيل في قليل، وكان مع الهذيل عبد العزيز بن أبي رهم من أوس مناة ولبيد بن جرير وكانا أسلما وكتب لهما أبو بكر بإسلامهما فقتلا في المعركة، فوادهما أبو بكر وأوصى بأولادهما، وكان عمر يعتمد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد. ولما فرغ خالد من الهذيل بالمضيخ واعد القعقاع وأبا ليلى إلي الثني شرقي الرصافة ليغير على ربيعة بن بحير التغلبي صاحب الهذيل الّذي جاء معه لمدد الفرس ويبيتهم فلم يلق [٣] منهم أحدا، ثم اتبع الهذيل بعد مفره من المضيخ الى اليسير وقد لحق هنالك بعتاب بن السيد فبيتهم خالد قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار إلى الرصافة وبها هلال بن عقبة فتفرق عنه أصحابه وهرب فلم يلق بها خالد أحدا. ثم سار خالد إلى الرضاب وإلى الفراض [٤] وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة فحميت الروم واستعانوا بمن يليهم من مسالح فارس، واجتمعت معهم تغلب وإياد والنمر وساروا إلى خالد وطلبوا منه العبور، فقال: اعبروا أسفل منا فعبروا وامتاز الروم من العرب، فانهزمت الروم ذلك اليوم وقتل منهم نحو من مائة ألف. وأقام خالد على

стр. 1311

الفراض إلى ذي القعدة، ثم أذن للناس بالرجوع إلى الحيرة، وجعل شجرة بن الأغر على الساقة. وخرج من الفراض حاجا مكتتما بحجة وذهب يتعسف في البلاد حتى أتى مكة فحج ورجع فوافى الحيرة مع جنده، وشجرة بن الأغر. معهم ولم يعلم بحجه إلا من أعلمه به، وعتب به أبو بكر في ذلك لما سمعه وكانت عقوبته إياه أن صرفه من غزو العراق إلى الشام. ثم شن خالد بن الوليد الغارات على نواحي السواد فأغار هو على سوق [١] بغداد، وعلى قطربُّل، وعقرقوما [٢] ، ومسكن، وبادروبا. وحج أبو بكر في هذه السنة واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. بعوث الشام وكان من أوّل عمل أبي بكر بعد عوده من الحج أن بعث خالد بن سعيد بن العاص في الجنود إلى الشام أول سنة ثلاث عشرة، وقيل إنما بعثه الى الشام لما بعث خالد بن الوليد إلى العراق أول السنة التي قبلها، ثم عزله قبل أن يسير لأنه كان لما قدم من اليمن عند الوفاة تخلف عن بيعة أبي بكر أياما وغدا على عليّ وعثمان فعزلهما على الاستكانة لتيم وهما رءوس بني عبد مناف فنهاه عليّ وبلغت الشيخين، فلما ولاه أبو بكر عقد له عمر فعزله وأمره أن يقيم بتيماء ويدعو من حوله من العرب إلى الجهاد حتى يأتيه أمره، فاجتمعت إليه جموع كثيرة، وبلغ الروم خبره فضربوا البعث على العرب الضاحية بالشام من بهرا وسليح وكلب وغسان ولخم وجذام، وسار إليهم خالد فغلبهم على منازلهم وافترقوا. وكتب له أبو بكر بالإقدام فسار متقدما ولقيه البطريق ماهان من بطارقة الروم فهزمه خالد واستلحم الكثير من جنوده، وكتب إلى أبي بكر يستمده، ووافق كتابه المستنفرين وفيهم ذو الكلاع ومعه حمير وعكرمة بن أبي جهل ومن معه من تهامة والشحر [٣] وعمان والبحرين فبعثهم إليه. وحينئذ اهتم ابو بكر بالشام وكان عمرو بن العاص لما بعثه رسول الله ﷺ تسليما إلى عمان وعده أن يعيده إلى عمله عند فراغه من أمر عمان، فلما جاء بعد الوفاة أعاده إليها أبو بكر إنجازا لوعده ﷺ تسليما وهي صدقات سعد هذيم وبني عذرة،

стр. 1312

فبعث إليه الآن يأمره باللحاق بخالد بن سعيد لجهاد الروم وأن يقصد فلسطين، وبعث أيضا إلى الوليد بن عقبة وكان على صدقات قضاعة وولاه الأردن، وأمر يزيد ابن أبي سفيان على جمهور من انتدب إليه فيهم سهيل بن عمرو وأشباهه، وأمر أبا عبيدة بن الجراح على جميعهم وعين له حمص، وأوصى كل واحد منهم. ولما وصل المدد إلى خالد بن سعيد وبلغه توجه المراء تعجل للقاء الروم قبلهم فاستطرد له ماهان ودخل دمشق، واقتحم خالد الشام ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى نزل مرج الصفر [١] عند دمشق فانطوت مسالح ماهان عليه وسدوا الطريق دونه وزحف إليه ماهان، ولقي ابنه سعيدا في طريقه فقتلوه وبلغ الخبر أباه خالدا فهرب فيمن معه وانتهى إلى ذي المروة قرب المدينة. وأقام عكرمة ردءا من خلفهم فردّ عنهم الروم فأقام قريبا من الشام. وجاء شرحبيل بن حسنة إلى أبي بكر وافدا من العراق من عند خالد فندب معه الناس وبعثه مكان الوليد إلى أردن، ومرّ بخالد ففصل ببعض أصحابه. ثم بعث أبو بكر معاوية وأمره باللحاق بأخيه يزيد، وأذن لخالد بن سعيد بدخول المدينة. وزحف الأمراء في العساكر نحو الشام، فعبّى هرقل عساكر الروم ونزل حمص بعد أن أشار على الروم بعدم قتال العرب ومصالحتهم على ما يريدون، فأبوا ولجّوا، ثم فرّقهم على أمراء المسلمين، فبعث شقيقه تدارق [٢] في تسعين ألفا نحو عمرو بن العاص بفلسطين، وبعث جرجة بن توذر نحو يزيد بن أبي سفيان، وبعث الدراقص نحو شرحبيل بن حسنة بالأردن، وبعث القيقلان [٣] بن نسطورس في ستين ألفا نحو أبي عبيدة بالجابية. فهابهم المسلمون ثم رأوا أنّ الاجتماع أليق بهم، وبلغ كتاب أبي بكر بذلك فاجتمعوا باليرموك أحدا وعشرين ألفا [٤] . وأمر هرقل أيضا باجتماع جنوده ووعدهم بوصول ملحان إليهم ردءا [٥] ، فاجتمعوا بحيال المسلمين والوادي خندق بينهم، فأقاموا بإزائه ثلاثة أشهر، واستمدوا أبا بكر فكتب

стр. 1313

إلى خالد بن الوليد أن يستخلف على العراق المثنى بن حارثة ويلحق بهم وأمّره على جند الشام. بعوث الشام ولما استمدّ المسلمون أبا بكر بعث إليهم خالد بن الوليد من العراق واستحثّه في السير إليهم، فنفّذ خالد لذلك ووافى المسلمين مكانهم عند ما وافى ماهان والروم أيضا. وولّى خالد قباله وولى الأمراء قبل الآخرين إزاءهم فهزم ماهان، وتتابع الروم على الهزيمة وكانوا مائتين وأربعين ألفا وتقسموا بين القتل والغرق [١] في الواقوصة والهويّ في الخندق، وقتل صناديد الروم وفرسانهم، وقتل تدارق أخو هرقل، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون حمص فارتحل وأخلد [٢] إلى ما وراءها لتكون بينه وبين المسلمين وأصرّ [٣] عليها وعلى دمشق. ويقال إنّ المسلمين كانوا يومئذ ستة وأربعين ألفا: سبعة وعشرين منها مع الأمراء، وثلاثة آلاف من إمداد أهل العراق مع خالد بن الوليد، وستة آلاف ثبتوا مع عكرمة رداء بعد خالد بن سعيد. وأن خالد بن سعيد سماهم [٤] كراديس ستة وثلاثين كردوسا لما رأى الروم تعبّوا كراديس، وكان كل كردوس ألفا وكان ذلك في شهر جمادى، وأن أبا سفيان بن حرب أبلى يومئذ بلاء حسنا بسعيه وتحريضه. قالوا وبينما الناس في القتال قدم البريد من المدينة بموت أبي بكر وولاية عمر، فأسرّه إلى خالد وكتمه عن الناس. ثم خرج جرجه من أمراء الروم فطلب خالدا وسأله عن أمره وأمر الإسلام، فوعظه خالد فاستبصر وأسلم وكانت وهنا على الروم. ثم زحف خالد بجماعة من المسلمين فيهم جرجه فقتل من يومه، واستشهد عكرمة بن أبي جهل وابنه عمرو، وأصيبت عين أبي سفيان، واستشهد سلمة بن هشام وعمرو وأبان ابنا سعيد وهشام بن العاص وهبار [٥] بن سفيان والطفيل بن عمرو، وأثبت

стр. 1314

خالد بن سعيد فلا يعلم أين مات بعد ويقال استشهد في مرج الصّفر في الوقعة الأولى. ويقال إنّ خالدا لما جاء من العراق مددا للمسلمين بالشام طلب من الأدلّاء أن يغوروا به حتى يخرج من وراء الروم، فسلك به رافع بن عمرو الطائي من فزارة في بلاد كلب حتى خرج إلى الشام ونحر فيها الإبل وأغار على مضيخ [١] فوجد به رفقة [٢] فقتلهم وأسلبهم، وكان الحرث بن الأيهم وغسّان قد اجتمعوا بمرج راهط فسلك إليهم واستباحهم، ثم نزل بصرى ففتحها، ثم سار منها إلى المسلمين بالواقوصة فشهد معهم اليرموك. ويقال: إنّ خالدا لمّا جاء من العراق إلى الشام لقي أمراء المسلمين ببصرى فحاصروها جميعا حتى فتحوها على الجزية، ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص، وعمرو بالغور والروم يحلّق مع تدارق أخي هرقل، وكشفوا عن جلّق إلى أجنادين وراء الرملة شرقا، ثم تزاحف الناس فاقتتلوا، وانهزم الروم وذلك في منتصف جمادى الأولى من السنة، وقتل فيها تدارق، ثم رجع هرقل ولقي المسلمين بالواقوصة عند اليرموك، فكانت واقعة اليرموك كما قدّمنا في رجب بعد أجنادين، وبلغت المسلمين وفاة أبي بكر وأنها كانت لثمان بقين من جمادى الآخرة. خلافة عمر ﵁ ولما احتضر أبو بكر عهد إلى عمر ﵄ بالأمر من بعده بعد أن شاور عليه [٣] طلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم وأخبرهم بما يريد فيه، فأثنوا على رأيه، فأشرف على الناس وقال: إني قد استخلفت عمر ولم آل لكم نصحا فاسمعوا له وأطيعوا. ودعا عثمان فأمره فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر، إني استعملت عليكم عمر ابن الخطّاب ولم آل لكم خيرا، فإن صبر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن

стр. 1315

جار وبدّل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» . فكان أوّل ما أنفذه من الأمور عزل خالد عن إمارة الجيوش بالشام وتولية أبي عبيدة، وجاء الخبر بذلك والمسلمون موافقون عدوّهم في اليرموك فكتم أبو عبيدة الأمر كله، فلما انقضى أمر اليرموك كما مرّ سار المسلمون إلى فحل من أرض الأردن وبها رافضة [١] الروم وخالد على مقدمة الناس فقاتلوا الروم. فتح دمشق واقتحموها عنوة وذلك في ذي القعدة ولحقت رافضة الروم بدمشق وعليها ماهان من البطارقة فحاصرهم المسلمون حتى فتحوا دمشق، وأظهر أبو عبيدة إمارته وعزل خالد. وقال سببه أنّ أبا بكر كان يسخط خالد بن سعيد والوليد بن عقبة من أجل فرارهما كما مرّ، فلمّا ولي عمر ﵁ أباح لهما دخول المدينة ثم بعثهما مع الناس إلى الشام، ولما فرغ أمر اليرموك وساروا إلى فحل وبلغ عمر خبر اليرموك فكتب فعزل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص حتى يصير الحرب إلى فلسطين فيتولاها عمرو، وأن خالدا قدم على عمر بعد العزل وذلك بعد فتح دمشق وأنهم ساروا إلى فحل فاقتحموها، ثم ساروا إلى دمشق وعليها نسطاس بن نسطورس فحاصروها سبعين ليلة وقيل ستة أشهر من نواحيها الأربع، خالد وأبو عبيدة ويزيد وعمرو كل واحد على ناحية. وقد جعلوا بينهم وبين هرقل مدينة حمص ومن دونها ذو الكلاع في جيش من المسلمين، وبعث هرقل المدد إلى دمشق وكان فيهم ذو الكلاع فسقّط في أيديهم وقدموا على دخول دمشق وطمع المسلمون فيهم، واستغفلهم خالد في بعض الليالي فتسور سورهم من ناحيته وقتل الوليد وفتح الباب واقتحم البلد وكبّروا وقتلوا جميع من لقوة. وفزع أهل النواحي إلى الأمراء الذين يلونهم فنادوا لهم بالصلح والدخول، فدخلوا من نواحيهم صلحا فأجريت ناحية خالد على الصلح مثلهم. قال سيف: وبعثوا إلى عمر بالفتح فوصل كتابه بأن يصرف جند العراق إلى العراق، فخرجوا وعليهم هاشم بن عتبة وعلى مقدمته القعقاع. وخرج الأمراء إلى فحل وأقام يزيد بن أبي سفيان بدمشق، وكان الفتح في رجب سنة أربع عشرة. وبعث

стр. 1316

يزيد دحية الكلبيّ إلى تدمر، وأبا الأزاهر القشيري إلى حوران والبثنة [١] ، فصالحوهما ووليا عليهما، ووصل الأمراء الى فحل فبيتهم الروم فظفر المسلمون بهم وهزموهم فقتل منهم ثمانون ألفا وكان على الناس في وقعة فحل شرحبيل بن حسنة، فسار بهم إلى بيسان وحاصرها فقتل مقاتلتها وصالحه الباقون فقبل منهم. وكان أبو الأعور السلميّ على طبريّة محاصرا لها، فلما بلغهم شأن بيسان صالحوه فكمل فتح الأردن صلحا ونزلت القوّاد في مدائنها وقراها وكتبوا إلى عمر بالفتح. وزعم الواقدي أنّ اليرموك كانت سنة خمس عشرة وأنّ هرقل انتقل فيها من أنطاكية الى قسطنطينية وأنّ اليرموك كانت آخر الوقائع. والّذي تقدّم لنا من رواية سيف أنّ اليرموك كانت سنة ثلاث عشرة وأن البريد بوفاة أبي بكر قدم يوم هربت الروم فيه، وأن الأمراء بعد اليرموك ساروا إلى دمشق ففتحوها ثم كانت بعدها وقعة فحل، ثم وقائع أخرى قبل شخوص هرقل والله أعلم. خبر المثنى بالعراق بعد مسير خالد الى الشام لما وصل كتاب أبي بكر إلى خالد بعد رجوعه من حجّة بأن ينصرف إلى الشام أميرا على المسلمين بها ويخرج في شطر الناس ويرجع بهم إذا فتح الله عليه وإلى العراق ويترك الشطر الثاني بالعراق مع المثنّى بن حارسة، وفعل ذلك خالد ومضى لوجهه، وأقام المثنى بالحيرة ورتّب المصالح. واستقام أهل فارس بعد خروج خالد بقليل على شهريرار [٢] بن شيرين بن شهريار ممن يناسبه إلى كسرى أبي سابور وذلك سنة ثلاث عشرة، فبعث إلى الحيرة هرمز فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا بعدوة الضرّاء وغار الفيل بين الصفوف فقتله المثنّى وناس معه، وانهزم أهل فارس واتّبعهم المسلمون يقتلونهم حتى انتهوا إلى المدينة، ومات شهريار إثر ذلك وبقي ما دون دجلة من السواد في أيدي المسلمين. ثم اجتمع أهل فارس من بعد شهريار على آزرميدخت ولم ينفذ لها أمر فخلعت، وملك سابور بن شهريار وقام بأمره الفرخزاد بن البندوان وزوّجه آزرميدخت،

стр. 1317

فغضب وبعث [١] إلى سياوخش وكان من كبار الأساورة وشكت إليه، فأشار عليها بالقبول. وجاءه ليلة العرس فقتل الفرّخزاد ومن معه، ونهض إلى سابور فحاصره ثم اقتحم عليه فقتله، وملكت آزرميدخت وتشاغل بذلك آل ملكها [٢] حتى انتهى شأن أبي بكر وصار السواد في سلطانه، وتشاغل أهل فارس عن دفاع المسلمين عنه. ولما أبطأ خبر أبي بكر على المثنى استخلف المثنى على الناس بشر بن الخصاصية وخرج نحو المدينة يستعلم ويستأذن، فقدم وأبو بكر يجود بنفسه وقد عهد إلى عمر وأخبر الخبر، فأحضر عمر وأوصاه أن يندب الناس مع المثنى وأن يصرف أصحاب خالد من الشام إلى العراق، فقال عمر: يرحم الله أبا بكر علم أنه تستر في إمارة خالد فأمرني بصرف أصحابه ولم يذكره. ولاية أبي عبيد بن مسعود على العراق ومقتله ولما ولي عمر ندب الناس مع المثنى بن حارثة أياما وكان أوّل منتدب أبو عبيد بن مسعود، وقال عمر للناس: إنّ الحجاز ليس لكم بدار إلّا النجعة ولا يقوى عليه أهله إلّا بذلك أين المهاجرون عن موعد الله؟ سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتب أن يورثكموها. فقال: ليظهره على الدين كله فاللَّه مظهر دينه ومعز ناصره ومولى أهله مواريث الأمم. أين عباد الله الصالحون؟ فانتدب أبو عبيد الثقفيّ، ثم سعد بن عبيد الأنصاري، ثم سليط بن قيس، فولّى أبا عبيد على البعث لسبقه، وقال: اسمع من أصحاب النبي ﷺ وأشركهم في الأمر ولا تجتهد مسرعا بل اتئد فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلّا الرجل المكيث الّذي يعرف الفرصة والكف. ولم يمنعني أن أؤمر سليطا إلّا لسرعته إلى الحرب، وفي السرعة إلى الحرب إلّا عن بيان ضياع والله لولا سرعته لأمرته. فكان بعث أبي عبيد هذا أوّل بعث بعثه عمر، ثم بعث بعده يغلي [٣] بن أمية إلى اليمن وأمره بإجلاء أهل نجران

стр. 1318

لوصية رسول الله ﷺ بذلك في مرضه، وقال أخبرهم أنّا نجليهم بأمر الله ورسوله أن لا يترك دينان بأرض العرب ثم نعطيهم أرضا كأرضهم وفاء بذمّتهم كما أمر الله. قالوا: فخرج أبو عبيد مع المثنى بن حارثة وسعد وسليط إلى العراق، وقد كانت بوران بنت كسرى كلما اختلفت الناس بالمدائن عدلت بينهم حتى يصلحوا، فلما قتل الفرّخزاد بن البندوان وملكت آزرميدخت اختلف أهل فارس واشتغلوا عن المسلمين غيبة المثنى كلها، فبعثت بوران إلى رستم تستحثه للقدوم وكان على فرج [١] خراسان، فأقبل في الناس إلى المدائن وعزل الفرخزاد وفقأ عين آزرميدخت ونصبّ بوران، فملكته وأحضرت مرازبة فارس فأسلموا له ورضوا به وتوّجته. وسبق المثنى إلى الحيرة، ولحقه أبو عبيد ومن معه. وكتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثوروا بالمسلمين وبعث في كل رستاق رجلا لذلك، فكان في فرات باذقلا جابان وفي كسكرنرسي، وبعث جندا لمصادمة المثنى فساروا واجتمعوا أسفل الفرات. وخرج المثنى من الحيرة خوفا أن يؤتى من خلفه، فقدم عليه أبو عبيد، ونزل جابان النمارق ومعه جمع عظيم، فلقيه أبو عبيد هناك وهزم الله أهل فارس وأسر جابان ثم أطلق، وساروا في المنهزمين حتى دخلوا كسكر وكان بها نرسي ابن خالة كسرى فجمع الفالة إلى عسكره، وسار إليهم أبو عبيد من النمارق في تعبيته، وكان على مجنبتي نرسي نفدويه وشيرويه [٢] ابنا بسطام خال كسرى. واتصلت هزيمة جابان ببوران ورستم فبعثوا الجالنوس مددا لنرسي وعاجلهم أبو عبيد فالتقوا أسفل من كسكر فاشتدّ القتال وانهزمت الفرس، وهرب نرسي وغنم المسلمون ما في عسكره، وبعث أبو عبيد المثنى وعاصما فهزموا من كان تجمّع من أهل الرساتيق وخرّبوا وسبوا وأخذوا الجزية من أهل السواد وهم يتربصون قدوم الجالنوس. ولمّا سمع به أبو عبيد سار إليه على تعبيته فانهزم الجالنوس وهرب ورجع أبو عبيد فنزل الحيرة، وقد كان عمر قال له: «إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والخزي تقدم على قوم تجرّءوا على الشرّ فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون

стр. 1319

وأحرز لسانك ولا تفش سرّك فإن صاحب السر ما ضبّط متحصن لا يؤتي من وجه يكرهه وإذا ضيّعه كان بمضيعة» . ولما رجع الجالنوس إلى رستم بعث بهمن حادويه ذا الحاجب إلى الحيرة فأقبل ومعه درفش كابيان راية كسرى عرض ثمانية أذرع في طول اثني عشر من جلود النمر فنزل في الناطف على الفرات، وأقبل أبو عبيد فنزل عدوته وقعد إلى أن نصبوا للفريقين جسرا على الفرات، وخيّرهم بهمن حادويه في عبوره أو عبورهم، فاختار أبو عبيد العبور وأجاز إليهم. وماجت الأرض بالمقاتلة ونفرت خيول المسلمين وكراديسهم من الفيلة، وأمر بالتخفيف عن الخيل فترجل أبو عبيد والناس وصافحوا العدوّ بالسيوف، ودافعتهم الفيلة فقطعوا وضنها [١] فسقطت رحالها وقتل من كان عليها، وقابل أبو عبيد فيلا منهم فوطئه بيده وقام عليه فأهلكه. وقاتلهم الناس ثم انهزموا عن المثنى وسبقه بعض المسلمين إلى الجسر [٢] فقطعه، وقال: موتوا أو تظفروا. وتواثب بعضهم الفرات فغرقوا وأقام المثنى وناس معه مثل عروة بن زيد الخيل وأبي محجن الثقفي وأنظارهم، وقاتل أبو زيد الطائي كان نصرانيا قدم الحيرة لبعض أمره فحضر مع المثنى وقاتل حينئذ حميّة، ونادى المثنى الذين عبروا من المسلمين فعقدوا الجسر وأجاز بالناس، وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس فانفضّ أصحابه إلى المدينة وبقي المثنّى في فلّه جريحا. وبلغ الخبر إلى عمر فشق [٣] عليه وعذر المنهزمين، وهلك من المسلمين يومئذ أربعة آلاف قتلى وغرقى وهرب ألفان وبقين ثلاثة آلاف. وبينما بهمن حادويه يروم العبور خلف المسلمين أتاه الخبر بأنّ الفرس ثاروا برستم مع الفيرزان فرجع إلى المدائن، وكانت الوقعة في مدائن سنة ثلاث عشرة. ولما رجع بهمن حادويه أتبعه جابان ومعه مردان شاه [٤] ، وخرج المثنى في أثرهما فلما أشرف عليهما أتياه يظنان أنه هارب فأخذهما أسيرين، وخرج أهل الليس على أصحابهما فأتوا بهم أسرى وعقدوا معه مهادنة وقتل جميع الأسرى.

стр. 1320

ولمّا بلغ عمر ﵁ وقعة أبي عبيد بالجسر ندب الناس إلى المثنى، وكان فيمن ندب بجيلة وأمرهم إلى جرير بن عبد الله لأنه الّذي جمعهم من القبائل بعد أن كانوا مفترقين ووعده النبيّ ﷺ بذلك وشغل عن ذلك أبو بكر بأمر الردّة ووفّى له عمر به وسيّره مددا للمثنى بالعراق، وبعث عصمة بن عبد الله الضبّي، وكتب إلى أهل الردّة بأن يوافوا المثنى وبعث المثنّى الرسل فيمن يليه من العرب، فوافوه [١] في جموع عظيمة حتى نصارى النمر جاءوه وعليهم أنس بن هلال، وقالوا: نقاتل مع قومنا. وبلغ الخبر إلى رستم والفيروزان فبعثا مهران الهمدانيّ إلى الحيرة والمثنى بين القادسية وخفان، فلما بلغه الخبر استبقى فرات باذقلا وكتب بالخبر إلى جرير وعصمة ان يقصدا العذيب مما يلي الكوفة، فاجتمعوا هنالك ومهران قبالتهم عدوة الفرات وتركوا له العبور فأجاز إليهم. وسار إليه المثنّى في التعبية وعلى مجنبتيه مهران مرزبان الحيرة من الأزدبة [٢] ومردان شاه، ووقف المثنى على الرايات يحرّض الناس فأعجلتهم فارس وخالطوهم وركدت حربهم واشتدت، ثم حمل المثنى على مهران فأزاله عن مركزه، وأصيب مسعود أخو المثنّى، وخالط المثنّى القلب ووثب المجنبات على المجنبات قبالتهم فانهزمت الفرس، وسبقهم [٣] المثنّى إلى الجسر فهربوا مصعدين ومنحدرين، واستلحمتهم خيول المسلمين وقتل فيها مائة ألف أو يزيدون، وأحصى مائة رجل من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة. وتبعهم المسلمون إلى الليل، وأرسل المثنّى في آثار الفرس، فبلغوا ساباط فغنموا وسبوا ساباط [٤] واستباحوا القرى وسخّروا السواد بينهم وبين دجلة لا يلقون مانعا. ورجع المنهزمون إلى رستم فاستهانوا ورضوا أن يتركوا ما وراء دجلة. ثم خرج المثنّى من الحيرة واستخلف بشير بن الخصاصية وسار نحو السواد ونزل الليس من قرى الأنبار فسميت الغزاة، غزاة الأنبار الآخرة وغزاة الليس الآخرة، وجاءت إلى المثنّى عيون فدلته على سوق الخنافس وسوق بغداد، وأنّ سوق الخنافس أقرب ويجتمع بها تجّار المدائن والسواد وخفراؤهم ربيعة وقضاعة، فركب إليها وأغار عليها

стр. 1321

يوم سوق، فاشتفّ السوق وما فيها وسلب الخفراء ورجع إلى الأنبار فأتوه بالعلوفة والزاد وأخذ منهم أدلّاء تظهر له المدائن وسار بهم إلى بغداد ليلا، وصبح السوق فوضع فيهم السيف وأخذ ما شاء من الذهب والفضة والجيّد من كل شيء. ثم رجع إلى الأنبار وبعث المضارب العجليّ إلى الركان [١] وبه جماعة من تغلب فهربوا عنه، ولحقهم المضارب فقتل في أخرياتهم وأكثر. ثم سرّح فرات بن حيّان التغلبي وعتيبة ابن النّهاس للإغارة على أحياء من تغلب بصفين، ثم اتبعهما المثنّى بنفسه فوجدوا أحياء صفين قد هربوا عنها فعبر المثنّى إلى الجزيرة، وفني زادهم وأكلوا رواحلهم وأدركوا عيرا من أهل خفان [٢] ، فحضر نفر من تغلب فأخذوا العير ودلّهم أحد الخفراء على حيّ من تغلب ساروا إليه يومهم، وهجموا عليهم فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية واستاقوا الأموال، وكان هذا الحيّ بوادي الرويحلة، فاشترى أسراهم من كان هنالك من ربيعة بنصيبهم من الفيء وأعتقوهم وكانت ربيعة لا تسبي في الجاهلية. ولما سمع المثنّى أنّ جميع من يملك البلاد قد انتجع شاطئ دجلة خرج في اتباعهم فأدركهم بتكريت، فغنم ما شاء وعاد إلى الأنبار، ومضى عتيبة وفرات حتى أغارا على التمر وتغلب بصفّين، وتمكن رعب المسلمين من قلوب أهل فارس وملكوا ما بين الفرات ودجلة. أخبار القادسية ولما دهم أهل فارس من المسلمين بالسواد ما دهمهم وهم مختلفون بين رستم والفيرزان واجتمع عظماؤهم وقالوا لهما إمّا أن تجتمعا وإلّا فنحن لكما حرب فقد عرّضتمونا للهلكة وما بعد بغداد وتكريت إلى المدار [٣] فأطاعا لذلك، وفزعوا إلى بوران يسألونها في ولد من آل كسرى يولّونه عليهم، فأحضرت لهم النساء والسراري وبسطوا عليهنّ العذاب فذكروا لهم غلاما من ولد شهريار بن كسرى اسمه يزدجرد أخذته أمه عند ما قتل شيرويه أبناء أبيه، فسألوا أمه عنه فدلتهم عليه عند أخواله كانت أودعته عندهم حينئذ فجاءوا به ابن إحدى وعشرين سنة فملكوه واجتمعوا عليه، وتباري

стр. 1322

المزاربة في طاعته وعيّن المسالح والجنود لكل ثغر ومنها الحيرة والأبلّة والأنبار وخرجوا إليها من المدائن. وكتب المثنّى بذلك إلى عمر، وبينما هو ينتظر الجواب انتقض أهل السواد وكفروا وخرج المثنّى إلى ذي قار، ونزل الناس في عسكر واحد. ولمّا وصل كتابه إلى عمر قال: «والله لأضربنّ ملوك العجم بملوك العرب» ، فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وشرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلّا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس، وكتب إلى المثنّى يأمره بخروج المسلمين من بين العجم والتفرّق في المياه بحيالهم، وأن يدعو الفرسان وأهل النجدات من ربيعة ومضر ويحضرهم طوعا وكرها، فنزل المسلمون بالحلة [١] وسروا [٢] إلى عصيّ وهو جبل البصرة متناظرين، وكتب إلى عمّاله على العرب أن يبعثوا إليه من كانت له نجدة أو فرس أو سلاح أو رأي وخرج إلى الحج، فحجّ سنة ثلاث عشرة، ورجع فجاءته أفواجهم إلى المدينة، ومن كان أقرب إلى العراق انضمّ إلى المثنّى، فلمّا اجتمعت عنده إمداد العرب خرج من المدينة واستخلف عليها عليّا وعسكر على صرار من ضواحيها، وبعث على المقدمة طلحة وجعل على المجنبتين عبد الرحمن والزبير وانبهم أمره على الناس، ولم يطق أحد سؤاله، فسأله عثمان. فأحضر الناس واستشارهم في المسير إلى العراق فقال العامة: سر نحن معك فوافقهم، ثم رجع إلى أصحاب رسول الله ﷺ وأحضر عليّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن واستشارهم فأشاروا بمقامه وأن يبعث رجلا بعده آخر من الصحابة بالجنود حتى يفتح الله على المسلمين ويهلك عدوّهم، فقبل ذلك ورأى فيه الصواب. وعين لذلك سعد بن أبي وقّاص وكان على صدقات هوازن فأحضره وولّاه حرب العراق وأوصاه وقال: «يا سعد بن أم سعد لا يغرّنك من الله أن يقال خال رسول الله وصاحب رسول الله فإنّ الله لا يمحو السيء بالسيئ ولكنه يمحو السيء بالحسن وليس بين الله وبين أحد نسب إلّا بطاعته فالناس في دين الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمر الّذي رأيت رسول الله ﷺ يلزمه فألزمه وعليك بالصبر» . ثم سرحه في أربعة آلاف ممن اجتمع إليه فيهم: حميضة بن النعمان بن حميضة على

стр. 1323

بارق، وعمرو بن معديكرب وأبو سبرة بن أبي رهم على مذحج، ويزيد بن الحرث الصدائي على عذرة، وخبب ومسلية وبشر بن عبد الله الهلاليّ على قيس عيلان، والحصين بن نمير ومعاوية بن حديج على السكون وكندة. ثم أمر بعد خروجه بألفي يماني وألفي فخرى. وسار سعد وبلغه في طريقه بزرود [١] أنّ المثنّى مات من جراحة انتقضت، وأنه استخلف على الناس بشير بن الخصاصية، وكانت جموع المثنى ثلاثة آلاف، وكذلك أربعة آلاف من تميم والرباب وأقاموا، وعمر ضرب على بني أسد أن ينزلوا على حدّ أرضهم، فنزلوا في ثلاثة آلاف وأقاموا بين سعد والمثنّى، وسار سعد إلى سيراف فنزلها، واجتمعت إليه العساكر ولحقه الأشعث بن قيس ومعه ثلاثون ألفا، ولم يكن أحد أجرأ على الفرس من ربيعة، ثم عبّى سعد كتائب من سيراف وأمّر الأمراء وعرّف على كل عشرة عريفا، وجعل الرايات لأهل السابقة ورتّب المقدمة والساقة والمجنبات والطلائع وكل ذلك بأمر عمر ورأيه، وبعث في المقدمة زهرة بن عبد الله بن قتادة الحيوي من بني تميم فانتهى إلى العذيب، وعلى اليمامة عبد الله بن المعتمر، وعلى المسيرة شرحبيل بن السمط وخليفة بن خالد بن عرفطة حليف بني عبد شمس وعاصم بن عمر التميمي، وسواد بن مالك التميمي على الطلائع، وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة. ثم سار على التعبية ولقيه المهنّي [٢] بن حارثة الشيبانيّ بسيراف، وقد كان بعد موت أخيه المثنّى سار بذي قار إلى قابوس واستلحمه ومن معه ورجع إلى ذي قار. وجاء إلى سعد بالخبر ليعلمه بوصية المثنّى إليه أن لا تدخلوا بلاد فارس وقاتلوهم على حدّ أرضهم بادئ حجر من ارض العرب، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم وإلّا رجعتم إلى فئة ثم تكونوا أعلم بسبيهم وأجرأ على أرضهم إلى أن يردّ الله الكرب. فترحم سعد ومن معه على المثنّى وولّى أخاه المهنّى على عمله وتزوّج سلمى زوجته، ووصله كتاب عمر بمثل رأي المثنّى يسأله عن سيراف. ونزل العرب ثم أتى القادسية فنزلها بحيال القنطرة بين العتيق والخندق، ووصله كتاب عمر يؤكد عليهم في الوفاء بالأنبار ولو كان إشارة أو ملاعبة، وكان زهرة في المقدمة فبعث سريّة للإغارة على الحيرة عليها بكر بن عبد الله الليثي، وإذا أخت مرزبان الحيرة تزفّ إلى زوجها فحمل

стр. 1324

بكير على ابن الأزادية فقتله وحملوا الأثقال والعروس في ثلاثين امرأة ومائة من التوابع ومعهم ما لا يعرف قيمته، ورجع بالغنائم فصبح سعد بالعذيب فقسّمه في المسلمين. ولما رجع سعد إلى القادسية أقام بها شهرا يشنّ الغارات بين كسكر والأنبار ولم يأته خبر عن الفرس، وقد بلغت أخبارهم إلى يزدجرد وأنّ ما بين الحيرة والفرات قد نهب وخرّب، فأحضر رستم ودفعه لهذا الوجه، فتقاعد عنه وقال: ليس هذا من الرأي. وبعث الجيوش يعقب بعضها بعضا أولى من مصادمة مرّة، فأبى يزدجرد إلا مسيره لذلك. فعسكر رستم بساباط وكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إليه لا يكترثنك ما يأتيك عنهم واستعن باللَّه وتوكل عليه، وابعث رجالا من أهل الراي والجلد يدعونه فإن الله جاعل ذلك وهنا لهم. فأرسل سعد نفرا منهم: النعمان بن مقرّن، وقيس بن زرارة [١] ، والأشعث بن قيس، وفرات بن حيّان وعاصم بن عمر، وعمرو بن معديكرب، والمغيرة بن شعبة، والمهنّى بن حارثة. فقدموا على يزدجرد وتركوا رستم، واجتمعوا واجتمع الناس ينظرون إليهم وإلى خيولهم ويردّوهم، فأحضرهم يزدجرد وقال لترجمانه: سلهم ما جاء بكم وما أولعكم بغزونا وبلادنا من أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فتكلّم النعمان بن مقرّن بعد أن استأذن أصحابه، وقال ما معناه: إنّ الله رحمنا وأرسل إلينا رسولا صفته كذا يدعونا إلى كذا ووعدنا بكذا فأجابه منّا قوم وتباعد قوم ثم أمر أن نجاهد من خالفه من العرب فدخلوا معه على وجهين مكره اغتبط وطائع ازداد حتى اجتمعنا عليه وعرفنا فضل ما جاء به ثم أمرنا بجهاد من يلينا من الأمم ودعائهم إلى الإنصاف فإن أبيتم فأمر أهون من ذلك وهو الجزية فإن أبيتم فالمناجزة، فقال يزدجرد: لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم وقد كان أهل الضواحي يكفونا أمركم ولا تطمعوا أن تقوموا للفرس فإن كان بكم جهد أعطيناكم قوتا وكسوناكم وملّكنا عليكم ملكا يرفق بكم. فقال قيس بن زرارة: هؤلاء أشراف العرب والأشراف يستحيون من الأشراف وأنا أكلمك وهم يشهدون، فأمّا ما ذكرت من سوء الحال فكما وصفت وأشد ثم ذكر

стр. 1325

من عيش العرب ورحمة الله بهم بإرسال النبيّ ﷺ مثل ما قال النعمان إلخ. ثم قال له: اختر إمّا الجزية عن يد وأنت صاغر أو السيف وإلّا فنجّ نفسك بالإسلام. فقال يزدجرد: لو قتل أحد الرسل قبلي لقتلتكم. ثم استدعى بوقر من تراب وحمل على أعظمهم، وقال: ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه اني مرسل رستم حتى يدفنكم أجمعين في خندق القادسية ثم يدوّخ بلادكم أعظم من تدويخ سابور. فقام عاصم بن عمر فحمل التراب على عنقه، وقال: أنا أشرف هؤلاء. ولما رجع إلى سعد فقال: أبشر فقد أعطانا الله تراب أرضهم وعجب رستم من محاورتهم، وأخبر يزدجرد بما قاله عاصم بن عمر، فبعث في أثرهم إلى الحيرة فأعجزوهم. ثم أغار سواد بن مالك التميمي بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على الفراض فاستاق ثلاثمائة دابة بين بغل وحمار وثور وآخرها سمكا وصبح بها العسكر، فقسّمه سعد في الناس، وواصلوا السرايا والبعوث لطلب اللحم، وأمّا الطعام فكان عندهم كثيرا. وسار رستم إلى ساباط في ستين ألفا وعلى مقدمته الجالنوس في أربعين ألفا وساقته عشرون ألفا وفي الميمنة الهرمزان وفي المسيرة مهران بن بهرام الرازيّ، وحمل معه ثلاثة وثلاثين فيلا ثمانية عشر في القلب وخمسة عشر في الجنبين. ثم سار حتى نزل كوثى، فأتى برجل من العرب، فقال له رستم: ما جاء بكم وما تطلبون؟ فقال: نطلب وعد الله بأرضكم وأبنائكم إن لم تسلموا. قال رستم: فإن قتلتم دون ذلك، قال من قتل دخل الجنة ومن بقي أنجزه الله وعده، قال رستم: فنحن إذا وضعنا في أيديكم، فقال: أعمالكم وضعتكم وأسلمكم الله بها فلا يغرنّك من ترى حولك فلست تحاول الناس [١] إنما تحاول القضاء والقدر. فغضب وأمر به فضربت عنقه. وسار فنزل الفرس وفشا من عسكره المنكر وغصبوا الرعايا أموالهم وأبناءهم حتى نادى رستم منهم بالويل، وقال: صدق والله العربيّ. وأتى ببعضهم فضرب عنقه. ثم سار حتى نزل الحيرة ودعا أهلها فعزرهم [٢] وهمّ بهم، فقال له ابن بقيلة: لا تجمع علينا أن تعجز عن نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا، وأرسل سعد السرايا إلى السواد وسمع بهم رستم فبعث لاعتراضهم الفرس، وبلغ ذلك سعدا فأمدّهم بعاصم بن عمر فجاءهم وخيل فارس تحتوشهم، فلما رأوا عاصم هربوا، وجاء عاصم بالغنائم.

стр. 1326

ثم أرسل سعد عمرو بن معديكرب وطليحة الأسديّ طليعة فلما ساروا فرسخا وبعضه، لقوا المسالح فرجع عمرو، ومضى طليحة حتى وصل عسكر رستم وبات فيه وهتك أطناب خيمة أو خيمتين واقتاد بعض الخيل وخرج يعدو به فرسه، ونذر به الفرس فركبوا في طلبه إلى أن أصبح وهم في أثره فكرّ على فارس فقتله ثم آخر وأسر الرابع، وشارف عسكر المسلمين فرجعوا عنه، ودخل طليحة على سعد بالفارسي ولم يخلف بعده فيهم مثله فأسلم ولزم طليحة. ثم سار رستم فنزل القادسية بعد ستة أشهر من المدائن، وكان يطاول خوفا وتقيّة، والملك يستحثّه وكان رأى في منامه كأن ملكا نزل من السماء ومعه النبيّ ﷺ ودفعه النبي إلى عمر فحزن لذلك أهل فارس في سيره. ولمّا وصل القادسية وقف على العتيق حيال عسكر المسلمين والناس يتلاحقون حتى اغتموا من كثرتهم، وركب رستم غداة تلك الليلة وصعد مع النهر وصوّب [١] حتى وقف على القنطرة، وأرسل إلى زهرة فواقفه وعرض له بالصلح. وقال: كنتم جيراننا وكنّا نحسن إليكم ونحفظكم ويقرّر صنيعهم مع العرب ويقول زهرة: ليس أمرنا بذلك [٢] وإنما طلبنا الآخرة وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا دعانا الى دين الحق فأجبناه. وقال: قد سلطتكم على من لم يدن به وأنا منتقم بكم منهم وأجعل لكم الغلبة. فقال رستم: وما هو دين الحق. فقال: الشهادتان وإخراج الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الله وأنتم إخوان في ذلك. فقال رستم: فإن أجبنا إلى هذا ترجعون؟ فقال: إي والله فانصرف عنه رستم. ودعا رجال فارس وذكر ذلك لهم فأنفوا، وأرسل الى سعد أن ابعث لنا رجلا نكلمه ويكلمنا، فبعث إليهم ربعي بن عامر وحبسوه على القنطرة حتى أعلموا رستم، فجلس على سرير من ذهب وبسط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب، وأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقة ورمحه مشدودة بعصب، وقدم حتى انتهى الى البساط ووطئه بفرسه، ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما وجعل الحبل فيهما، فلم يقبلوا ذلك وأظهروا التهاون. ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها، وأشاروا إليه بوضع سلاحه فقال: لو أتيتكم فعلت كذا فأمركم وإنما دعوتموني، ثم أقبل يتوكأ على رمحه ويقارب خطوه حتى أفسد ما مرّ عليه من البسط،

стр. 1327

ثم دنا من رستم وجلس على الأرض وركز رمحه على البساط وقال: إنّا لا نقعد على زينتكم. فقال له الترجمان: ما جاء بكم، فقال: الله بعثنا لنخرج عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وأرسلنا بدينه الى خلقه فمن قبله قبلنا منه وتركناه وأرضه ومن أبى قاتلناه حتى نفىء إلى الجنّة أو الظفر. فقال رستم: هل لكم أن تؤخر هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ قال: نعم كم أحب إليك يوما أو يومين، قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: إنّ مما سنّ لنا رسول الله ﷺ أن لا نمكّن الأعداء أكثر من ثلاث فانظر في أمرك وأمرهم واختر إمّا الإسلام وندعك وأرضك أو الجزية فنقبل ونكف عنك وإن احتجت إلينا نصرناك أو المنابذة في الرابع أن تنبذ [١] وأنا كفيل بهذا عن أصحابي. قال أسيّدهم أنت؟ قال: لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجيز بعضهم عن بعض يجيز أدناهم على أعلاهم. فخلا رستم برؤساء قومه وقال: رأيتم كلاما قط مثل كلام هذا الرجل؟ فأروه الاستخفاف بشأنه وثيابه. فقال: ويحكم إنما انظر إلى الرأي والكلام والسيرة والعرب تستخف اللّباس وتصون الأحساب. ثم أرسل إلى سعد أن ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم حذيفة بن محصن [٢] ففعل كما فعل الأول ولم ينزل عن فرسه وتكلم وأجاب مثل الأول، فقال له: ما قعد بالأول عنا؟ فقال: أميرنا يعدل بيننا في الشدة والرخاء وهذه نوبتي. فقال رستم: والمواعدة إلى متى؟ فقال: إلى ثلاث من أمس وانصرف. وحاص رستم بأصحابه يعجبهم من شأن القوم. وبعث في الغد عن آخر فجاءه المغيرة بن شعبة فلمّا وصل إليهم وهم على زيهم وبسطهم على غلوة من مجلس رستم فجاء المغيرة حتى جلس معه على سريره فأنزلوه، فقال: لا أرى قوما أسفه منا معشر العرب لا نستعبد بعضا بعضا فظننتكم كذلك وكان أحسن بكم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض مع أني لم آتكم وإنما دعوتموني فقد علمت أنكم مغلوبون ولم يقم ملك على هذه السيرة. فقالت السفلة: صدق والله العربيّ، وقالت الأساطين [٣] : لقد رمانا بكلام لا تزال عبيدنا ينزعون إليه قاتل الله من يصغر أمر هذه الأمة. ثم تكلم رستم فعظم من

стр. 1328

أمر فارس بل من شأن فارس وسلطانهم وصغر أمر العرب وقال: كانت عيشتكم سيئة وكنتم تقصدونا في الجدب فنردّكم بشيء من التمر والشعير ولم يحملكم على ما صنعتم إلى ما بكم من الجهد ونحن نعطي أميركم كسوة وبغلا وألف درهم وكل رجل منكم حمل تمر وتنصرفون فلست أشتهي قتلكم. فتكلم المغيرة وخطب فقال: أما الّذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق والاختلاف فنعرفه ولا ننكره والدنيا دول والشدة بعدها الرخاء ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان شكركم قليلا عما أوتيتم وقد أسلمكم ضعف [١] الشكر إلى تغير الحال وأن الله بعث فينا رسولا، ثم ذكر مثل ما تقدّم إلى التخيير بين الإسلام أو الجزية أو القتال، ثم قال، وإن عيالنا ذاقوا طعام بلادكم فقالوا لا صبر لنا عنه. فقال رستم: إذا تموتون دونها، فقال المغيرة: يدخل من قتل منا الجنة ويظفر من بقي منا بكم. فاستشاط غضبا وحلف أن لا يقع الصلح أبدا حتى أقتلكم أجمعين. وانصرف المغيرة وخلا رستم بأهل فارس وعرض عليهم مصالحة القوم، وحذّرهم عاقبة حربهم، فلجّوا. وبعث إليه سعد يعرض عليه الإسلام ويرغب، فأجابه بمثل ما كان يقول لأولئك من الامتنان على العرب والتعريض بالمطامع، فلم يتفق شيء من رأيهم. فقال رستم: تعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل اعبروا وأرسل إليهم سعد بذلك وأرادوا القنطرة، فقال سعد: لا ولا كرامة لا نردّ عليكم شيئا غلبناكم عليه فأبى. فأتوا [٢] يسكرون العتيق بالتراب والقصب والبرادع حتى جعلوا جسرا. ثم عبر رستم ونصب له سريره وجلس عليه وضرب طيارة وعبر عسكره، وجعل الفيلة في القلب والمجنبتين عليها الصناديق والرجال والرايات أمثال الحصون، وجعل الجالنوس بينه وبين الميمنة والفيرزان بينه وبين الميسرة، ورتب يزدجرد الرجال بين المدائن والقادسية وما بينه وبين رستم رجلا على كل دعوة تنتقل إليه ينبئهم أخبار رستم في أسرع وقت. ثم أخذ المسلمون مصافهم واختط سعد قصره، وكان به عرق النساء وأصابته معه دماميل لا يستطيع معها الجلوس فصعد على سطح القصر راكبا على وسادة في صدره وأشرف على الناس، وعاب ذلك عليه بعض الناس فنزل واعتذر إليهم وأراهم القروح في جسده فعذروه، واستخلف خالد بن عرفطة على الناس

стр. 1329

وحبس من شغب عليه في القصر وقيدهم، وكان فيهم أبو محجن الثقفي، وقيل إنما حبسه بسبب الخمر. ثم خطب الناس وحثهم على الجهاد وذكرهم بوعد الله، وذلك في المحرم سنة أربع عشرة، وأخبرهم أنه استخلف خالد بن عرفطة. وأرسل جماعة من أهل الرأي لتحريض الناس على القتال مثل المغيرة وحذيفة وعاصم وطليحة وقيس وغالب وعمرو، ومن الشعراء الشماخ والحطيئة والعبديّ بل وعبدة بن الطيب وغيرهم ففعلوا، ثم أمر بقراءة الأنفال فهشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها، فلما فرغت القراءة قال سعد: الزموا مواقفكم فإذا صليتم الظهر فإنّي مكبر تكبيرة فكبّروا واستعدّوا، فإذا سمعتم الثانية فكبّروا وأتموا عدّتكم، فإذا سمعتم الثالثة فكبّروا ونشطوا الناس، فإذا سمعتم الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوّكم وقولوا لا حول ولا قوّة إلا باللَّه. فلما كبر الثالثة برز أهل النجدات فأنشبوا القتال وخرج أمثالهم من الفرس فاعتوروا الطعن والضرب، وارتجزوا الشعر، وأول من أسر في ذلك اليوم هرمز من ملوك الكبار [١] وكان متوّجا أسره غالب بن عبد الله الأسدي [٢] فدفعه إلى سعد ورجع إلى الحرب. وطلب البراز أسوار منهم فبرز إليه عمرو بن معديكرب فأخذه وجلده الأرض فذبحه وسلب سواريه ومنطقته. ثم حملوا الفيلة على المسلمين وأمالوها على بحيلة فثقلت عليهم، فأرسل سعد إلى بني أسد أن يدافعوا عنهم، فجاءه طليحة بن خويلد وحمل بن مالك فردّوا الفيلة، وخرج على طليحة عظيم منهم فقتله طليحة، وعير الأشعث بن قيس كندة بما يفعله بنو أسد فاستشاطوا ونهودا معه فأزالوا الذين بإزائهم. وحين رأس الفرس ما لقي الناس والفيلة من بني أسد حملوا عليهم جميعا وفيهم ذو الحاجب والجالنوس. وكبر سعد الرابعة فزحف المسلمون وثبت بنو أسد، ودارت رحى الحرب عليهم وحملت الفيول على الميمنة والميسرة ونفرت خيول المسلمين منها فأرسل سعد إلى عاصم بن عمر هل من حيلة لهذه الفيلة؟ فبعث الرماة يرشقونها بالنبل واشتدّ لردّها آخرون يقطعون الوضن، وخرج عاصم بجميعهم ورحى الحرب على أسد، واشتدّ عواء الفيلة ووقعت الصناديق فهلك أصحابها، ونفس عن أسد أن أصيب منهم

стр. 1330

خمسمائة وردّوا فارس إلى مواقفهم. ثم اقتتلوا إلى هدء من الليل وكان هذا اليوم الأول وهو يوم الرماة. ولما أصبح دفن القتلى وأسلم الجرحى إلى نساء يقمن عليهم، وإذا بنواصي الخيل طالعة من الشام. كان عمر بعد فتح دمشق عزل خالد بن الوليد عن جند العراق وأمر أبا عبيدة أن يؤمر عليهم هاشم بن عتبة يردّهم إلى العراق، فخرج بهم هاشم وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، فقام القعقاع على الناس صبيحة ذلك اليوم يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يقطعوا أعشارا بين كل عشرين مدّ البصر وكانوا ألفا، فسلم على الناس وبشرهم بالجنود وعرضهم على القتال، وطلب البراز فخرج إليه ذو الحاجب فعرفه القعقاع ونادى بالثأر لأصحاب الجسر، وتضاربا فقتله القعقاع وسرّ الناس بقتله، ووهنت الأعاجم لذلك. ثم طلب البراز فخرج إليه الفيرزان والبندوان. وأكثر المسلمون القتل في الفرس وأخذوا الفيلة عن القتال لأن نوابتها تكسرت بالأمس، فاستأنفوا حملها، وجعل القعقاع إبلا وجعل عليها البراقع وأركبها عشرة عشرة، وأطاف عليها الخيول تحملها، وحملها على خبل الفرس فنفرت منها وركبتهم خيول المسلمين، ولقي الفرس من الإبل أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة. وبرز القعقاع يومئذ في ثلاثين فارسا في ثلاثين حملة فقتلهم، كان آخرهم بزرجمهر الهمدانيّ، وبارز الأعور بن قطنة [١] شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه. ولما انتصف النهار تزاحف الناس فاقتتلوا إلى انتصاف الليل وقتلوا عامة أعلام فارس، ثم أصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم بين الصفين ومن المسلمين ألفا جريح وقتيل ومن المشركين عشرة آلاف، فدفن المسلمون موتاهم وأسلموا الجرحى إلى النساء ووكلوا النساء والصبيان بحفر القبور، وبقي قتلى المشركين بين الصفين. وبات القعقاع يسرب أصحابه إلى حيث فارقهم بالأمس، وأوصاهم إذا طلعت الشمس أن يقبلوا مائة مائة يجدّد بذلك الناس، وجاء بينهما يلحق هاشم بن عتبة. فلما ذر قرن الشمس أقبل أصحابه القعقاع فتقدموا والمسلمون يكبرون، فتزاحفت الكتائب عنا وهربا، وما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى لحق هاشم فعبّى أصحابه سبعين سبعين وكان فيهم قيس بن المكشوح فلما خالط القلب كبر وكبر المسلمون ثم كبر فخرق الصفوف إلى

стр. 1331

العتيق، ثم عاد وقد أصبح الفرس على مواقفهم وأعادوا الصناديق على الفيلة وأحدقوا الرجال بها يحمونها أن تقطع وضنها، وأقام الفرسان يحمون الرجالة فلم تنفر خيل المسلمين منها. وكان هذا اليوم يوم عماس وكان شديدا، إلا أن الطائفتين فيه سواء وأبلى فيه قيس بن المكشوح وعمرو بن معديكرب، زحفت الفيلة وفرّقت بين الكتائب. وأرسل سعد إلى القعقاع وعاصم أن أكفياني الأبيض وكان بإزائهما، وإلى محمل والذميل [١] أن أكفياني الأجرب وكان بإزائهما، فحملوا على الفيلين فقتل الأبيض ومن كان عليه وقطع مشفر الأجرب وفقئت عينه وضرب سائسه الذميل بالطبرزين فأفلت جريحا، وتحيّر الأجرب بين الطائفتين وألقى نفسه في العتيق واتبعته الفيلة وخرقت [٢] صفوف الأعاجم في اثره، وقصدت المدائن بثوابتها [٣] وهلك جميع من فيها. وخلص المسلمون والفرس فاختلفوا على سواء إلى المساء واقتتلوا بقية ليلتهم وتسمى ليلة الهرير. فأرسل سعد طليحة وعمرا إلى محاضة أسفل السكر يقومون عليها خشية أن يؤتى المسلمون منها، فتشاوروا أن يأتوا الأعاجم من خلفهم، فجاء طليحة وراء العسكر وكبر فارتاع أهل فارس، فأغار عمرو أسفل المخاضة ورجع وزاحفهم الناس دون إذن سعد وأوّل من زاحفهم من الناس دون إذن سعد زاحفهم القعقاع وقومه فحمل عليهم، ثم حمل بنو أسد ثم النخع ثم بحيلة ثم كندة، وسعد يقول في كل واحدة اللَّهمّ اغفر لهم وانصرهم. وقد كان قال لهم إذا كبرت ثلاثا فاحملوا، فلما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضا صلاة العشاء واختلطوا وصليل الحديد كصوت القرن إلى الصباح. وركدت الحرب وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم وأقبل سعد على الدعاء، وسمع نصف الليل صوت القعقاع في جماعة من الرؤساء إلى رستم حتى خالطوا صفه مع الصبح فحمل الناس من كل جهة على من يليهم واقتتلوا إلى قائم ظهيرة، فناجز الفيرزان والهرمزان بعض الشيء وانفرج القلب، وهبت ريح عاصف فقلبت طيارة رستم عن سريره فهوت في العتيق، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير

стр. 1332

وقد قام رستم عنه فاستظل في ظل بغل وحمله، وضرب هلال بن علقمة الحمل فوقع أحد العدلين على رستم فكسر ظهره، وضربه هلال ضربة نفحت مسكا وضرب نحو العتيق فرمى بنفسه فيه فاقتحم هلال وجرّه برجله فقتله، وصعد السرير وقال: قتلت رستم ورب الكعبة إليّ إليّ. فأطافوا به وكبروا. وقيل إن هلالا لما قصد رستم رماه بسهم، فأثبت قدمه بالركاب ثم حمل عليه، فقتله واحتز رأسه ونادى في الناس قتلت رستم. فانهزم قلب المشركين وقام الجالنوس على الردم ونادى الفرس إلى العبو، وتهافت المقترنون بالسلاسل في العتيق وكانوا ثلاثين فهلكوا، وأخذ ضرار بن الخطاب راية الفرس العظيمة وهي درفش كابيان فعوض منها ثلاثين ألفا وكانت قيمتها ألف ألف ومائة ألف ألف، وقتل ذلك اليوم من الأعاجم عشرة آلاف في المعركة، وقتل من المشركين في ذلك اليوم ستة آلاف دفنوا بالخندق سوى ألفين وخمسمائة قتلوا ليلة الهرير، وجمع من الأسلاب والأموال ما لم يجمع قبله ولا بعده مثله. ونفل سعد هلال بن علقمة سلب رستم، وأمر القعقاع وشرحبيل باتباع العدوّ وقد كان خرج زهرة بن حيوة قبلهما في آثارهم، فلحق الجالنوس يجمع المنهزمين فقتله وأخذ سلبه، فتوقف سعد من عطائه، وكتب إلى عمر، فكتب إليه: تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بمثل ما صلى به وقد بقي عليك من حربك ما بقي تفسد قلبه أمض له سلبه وفضله على أصحابه في العطاء بخمسمائة. ولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وأخذه عبد الرحمن بطائفة من الفرس قد استماتوا فقتلوهم أجمعين، واستمات بعد الهزيمة بضعة وثلاثون رئيسا من المسلمين فقتلوهم أجمعين. وكان ممن هرب من أمراء الفرس الهرمزان وأهودوزاد بيهس [١] وقارن، وممن استمات فقتل شهريار بن كبارا وأسر المدمرون والفردان الأهوازي وحشر شوم الهمدانيّ. وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبمن أصيب من المسلمين، وكان عمر يسأل الركبان حين يصبح إلى انتصاف النهار ثم يرجع إلى أهله، فلما ألفى البشرى قال: من أين؟ فأخبره فقال: حدّثني فقال: هزم الله المشركين. ففرح بذلك. وأقام المسلمون بالقادسية ينتظرون كتاب عمر إلى أن وصلهم بالإقامة. وكانت وقعة القادسية سنة أربع عشرة وقيل خمس عشرة وقيل ست عشرة.

стр. 1333

فتح المدائن وجلولاء بعدها ولما انهزم أهل فارس بالقادسية انتهوا إلى بابل وفيهم بقايا الرؤساء النخيزجان ومهران الأهوازي والهرمزان وأشباههم واستعملوا عليهم الفيرزان. وأقام سعد بعد الفتح شهرين وسار بأمر عمر إلى المدائن وخلف العيال بالعتيق في جند كثيف حامية لهم، وقدّم بين يديه زهرة بن حيوة وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن المعتمر [١] ، ولقيهم بعض عساكر الفرس برستن فهزموهم حتى لحقوا ببابل. ثم جاء سعد وسار في التعبية ونزلوا على الفيرزان ومن معه ببابل، فخرجوا وقاتلوا المسلمين، فانهزموا وافترقوا فرقتين ولحق الهرمزان بالأهواز والفيرزان بنهاوند وبها كنوز كسرى، وسار النخيزجان ومهران إلى المدائن فتحصنوا وقطعوا الجسر. ثم سار سعد من بابل على التعبية وزهرة في المقدمة، وقدم بين يديه بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن شهاب السبيعي [٢] حتى عبرا ولحقا بأخريات القوم، فقتلا في طريقهما اسوارين من أساورتهم، ثم تقدموا إلى كوثى [٣] وعليها شهريار فخرج لقتالهم فقتل وانهزم أصحابه فافترقوا في البلاد. وجاء سعد فنفل قاتله سلبه. وتقدّم زهرة إلى ساباط فصالحه أهلها على الجزية وهزم كتيبة كسرى، ثم نزلوا جميعا نهرشير [٤] من المدائن، ولما عاينوا الإيوان كبروا وقالوا: هذا أبيض كسرى هذا ما وعد الله. وكان نزولهم عليها ذا الحجة سنة خمس عشرة فحاصروها ثلاثة أشهر ثم اقتحموها، وكانت خيولهم تغير على النواحي وعهد إليهم عمر أن من أجاب من الفلاحين ولم يعن عليهم فذلك أمانة، ومن هرب فأدرك فشأنكم به. ودخل الدهاقين من غربي دجلة وأهل السواد كلهم في أمان المسلمين واغتبطوا بملكهم، واشتد الحصار على نهرشير ونصبوا عليها المجانيق واستلحموهم في المواطن، وخرج بعض المرازبة يطلب البراز، فقاتله زهرة بن حيوة فقتلا معا، ويقال إن زهرة قتله شبيب الخارجي أيام الحجاج. ولما ضاق بهم الحصار ركب إليهم الناس بعض الأيام

стр. 1334

فلم يروا على الأسوار أحدا إلا رجلا يشير إليهم فقال: ما بقي بالمدينة أحد وقد صاروا إلى المدينة القصوى التي فيها الإيوان، فدخل سعد والمسلمون وأرادوا العبور إليهم فوجدوهم جمعوا المعابر عندهم، فأقام أياما من صبر ودلّه بعض العلوم على مخاضة في دجلة فتردّد، فقال له أقدم فلا تأتي عليك ثلاثة إلا ويزدجرد قد ذهب بكل شيء فيها. فعزم سعد على العبور وخطب الناس وندبهم إلى العبور ورغبهم، وندب من يجزى أن لا يجيء الفراض حتى يجيز إليه الناس، فانتدب عاصم بن عمر في ستمائة واقتحموا دجلة فلقيهم أمثالهم من الفرس عند الفراض وشدوا عليهم فانهزموا وقتل أكثرهم وعوروا من الطعن في العيون، وعاينهم المسلمون على الفراض، فاقتحموا في أثرهم يصيحون نستعين باللَّه ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا باللَّه العلي العظيم. وساروا في دجلة وقد طبقوا ما بين عدوتيها وخيلهم سابحة بهم وهم يهيمنون تارة ويتحادثون أخرى حتى أجازوا البحر ولم يفقدوا شيئا، إلا قدحا لبعضهم غلبت صاحبه عليه وجرية الماء وألقته الريح إلى الشاطئ. ورأى الفرس عساكر المسلمين قد أجازوا البحر فخرجوا هاربين إلى حلوان، وكان يزدجرد قدم إليها قبل ذلك عياله، ورفعوا ما قدروا عليه من عرض المتاع وخفيفة ومن بيت المال والنساء والذراري، وتركوا بالمدائن من الثياب والأمتعة والآنية والألطاف ما لا تحصر [١] قيمته، وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ألف ألف مكرّرة ثلاث مرّات تكون جملتها ثلاث آلاف قنطار من الدنانير، وكان رستم عند مسيره إلى القادسية حمل نصفها لنفقات العساكر وأبقى النصف. واقتحمت العساكر المدينة تجول في سكسكها لا يلقون بها أحدا، وأرز سائر الناس إلى القصر الأبيض حتى توثقوا لأنفسهم على الجزية. ونزل سعد القصر الأبيض واتخذ الإيوان به مصلّى ولم يغير ما فيه من التماثيل، ولما دخله قرأ «كَمْ تَرَكُوا من جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ٤٤: ٢٥» الآية، وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينهن وأتم الصلاة بنية الإقامة. وسرح زهرة بن حيوة في آثار الأعاجم إلى النهروان وقراها من كل جهة، وجعل على الأخماس عمرو بن عمرو بن مقرّن، وعلى القسم سلمان بن ربيعة الباهلي وجمع ما كان في القصر والإيوان والدور وما نهبه أهل المدائن عند الهزيمة، ووجدوا حلية كسرى ثيابه وخرزاته وتاجه ودرعه التي كان

стр. 1335

يجلس فيها للمباهاة أخذ ذلك من أيدي الهاربين على بغلين، وأخذ منهم أيضا وقر بغل من السيوف وآخر من الدروع والمغافر منسوبة كلها: درع هرقل وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام جور وسياوخش والنعمان بن المنذر وسيف كسرى وهرمز وقباد وفيروز وهرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان أحضرها القعقاع وخيّره في الأسياف، فاختار سيف هرقل وأعطاه درع بهرام، وبعث إلى عمر سيف كسرى والنعمان وتاج كسرى وحليته وثيابه ليراها الناس. وقسّم سعد الفيء بين المسلمين بعد ما خمسه، وكانوا ستين ألفا فصار للفارس اثنا عشر ألفا وكلهم كان فارسا ليس فيهم راجل، ونفل من الأخماس في أهل البلاد، وقسم في المنازل بين الناس، واستدعى العيالات من العتيق فأنزلهم الدور ولم يزالوا بالمدائن حتى تم فتح جلولاء وحلوان وتكريت والموصل، واختططت الكوفة فتحولوا إليها، وأرسل في الخمس كل شيء يعجب العرب منهم أن يضع إليهم، وحضر إليهم نهار كسرى وهو الغطف وهو بساط طوله ستون ذراعا في مثلها مقدار مزرعة جريت في أرضه وهي منسوجة بالذهب طرقا كالأنهار وتماثيل خلالها بصدف الدر والياقوت وفي حافاتها كالأرض المزدرعة والمقبلة بالنبات ورقها من الحرير على قضبان الذهب وزهره حبات الذهب والفضة وثمره الجوهر، كانت الأكاسرة يبسطونه في الإيوان في فصل الشتاء عند فقدان الرياحين يشربون عليه، فلما قدمت الأخماس على عمر قسمها في الناس، ثم قال أشيروا في هذا القصب، فاختلفوا وأشاروا على نفسه، فقطعه بينهم، فأصاب عليّ قطعة منه باعها بعشرين ألفا ولم تكن بأجودها. وولى عمر سعد بن أبي وقاص على الصلاة والحرب فيما غلب عليه، وولى حذيفة بن اليمان على سقي الفرات، وعثمان بن حنيف على سقي دجلة، ولما انتهى الفرس بالهرب إلى جلولاء، وافترقت الطرق من هنالك بأهل آذربيجان والباب وأهل الجبال وفارس، وقفوا هنالك خشية الافتراق واجتمعوا على مهران الرازيّ وخندقوا على أنفسهم وأحاطوا الخندق بجسر الحديد، وتقدّم يزدجرد إلى حلوان. وبلغ ذلك سعدا فكاتب عمر بذلك يأمره أن يسرح بجلولاء هاشم ابن أخيه عتبة في اثني عشر ألفا وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وأن يولي القعقاع بعد الفتح ما بين السواد والجبل. فسار هاشم من المدائن لذلك في وجوه المسلمين وأعلام العرب حتى قدم جلولاء فأحاط بهم وحاصرهم في خنادقهم، وزاحفوهم ثمانين يوما ينصرون عليهم في
следующие страницы →