← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

بلاد الريّ سنة عشرين وأربعمائة وملكوا همذان وعاثوا في نواحيها إلى أستراباذ وقرى الدّينور، خرج إليهم أبو الفتح بن أبي الشوك وقاتلهم فهزمهم وأسر منهم جماعة. ثم عقد الصلح معهم على إطلاق أسراهم ورجعوا عنه. ثم استولى أبو الشوك سنة ثلاثين وأربعمائة على قرميسين من أعمال الجيل، وقبض على صاحبها من الأكراد الترهية وسار اخوه إلى قلعة أرمينية فاعتصم بها من أبي الشوك، وكانت لهم مدينة خولنجان، فبعث إليها عسكرا فلم يظفروا وعادوا عنها. ثم جهّز آخر وبعثهم ليومهم يسابقون جندهم، ومرّوا بأرمينية فنهبوا ربضها، وقاتلوا من ظفروا به، وانتهوا إلى خولنجان فكبسوها على حين غفلة واستأمن إليهم أهلها وتحصّن الحامية بقلعة وسط البلد فحاصروها وملكوها عليهم في ذي القعدة من السنة. (الفتنة بين أبي الفتح بن أبي الشوك وعمه مهلهل) كان أبو الفتح بن أبي الشوك نائبا عن أبيه بالدّينور، واستفحل بها وملك قلاعا عدة، وحمى أعماله من الغزّ فأعجب بنفسه ورأى التفوّق على أبيه. وسار في شعبان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة إلى قلعة بكورا [١] من قلاع الأكراد وصاحبها غائب وبها زوجته فراسلت مهلهلا لتسلم له القلعة نكاية لأبي الفتح، وكانت حلّة مهلهل في نواحي الصّامغان فانتظر حتى عاد أبو الفتح عن القلعة وجمعا العساكر لحصارها، وسار إليها أبو الفتح فوري له عن قصده، ورجع فأتبعه أبو الفتح فقاتله عمّه مهلهل، ثم ظفر به وأسره وحبسه. وجمع أبو الشوك وقصد شهرزور وحاصرها. ثم قصد بلاد مهلهل وطال الأمر ولجّ مهلهل في شأنه وأغرى علاء الدولة بن كاكويه ببلد أبي الفتح فملك عليه الدّينور وقرميسين سنة اثنتين وثلاثين. ثم سار أبو الشوك إلى دقوقا وقدم إليها ابنه سعدي فحاصرها وجاء على أثره فنقبوا سورها وملكها عنوة، ونهب بعض البلد وأخذت أسلحة الأكراد وثيابهم، وأقام أبو الشوك بها ليله. ثم بلغه أنّ أخاه سرخاب بن محمد قد أغار على مواضع من ولايته فخاف على البندنجين. ورجع وبعث إلى جلال الدولة سلطان بغداد يستنجده،

стр. 2802

فبعث إليه العساكر وأقاموا عنده، وسار مهلهل إلى علاء الدولة بن كاكويه يستصرخه على أخيه أبي الشوك على الاعتصام بقلعة السّيروان. ثم بعث الى علاء الدولة يعرض له بالرجوع إلى جلال الدولة صاحب بغداد فصالحه على أن يكون الدّينور لعلاء الدولة ورجع عنه. ثم سار أبو الشوك إلى شهرزور فحاصرها وعاث في سوادها، وحصر قلعة بيزاز شاه فدافعه أبو القاسم بن عيّاض عنها، ووعده بخلاص ابنه أبي الفتح من أخيه مهلهل، فسار من شهرزور إلى نواحي سند من أعمال أبي الشوك، ولما بعث إليه ابن عيّاض بالصلح مع أخيه أبي الشوك امتنع فسار أبو الشوك من حلوان إلى الصّامغان. ونهب ولاية مهلهل كلّها وأجفل مهلهل بين يديه. ثم تردّد الناس بينهما في الصلح وعاد عنه أبو الشوك. (استيلاء نيال أخي طغرلبك على ولاية أبي الشوك) ثم سار إبراهيم نيّال [١] بأمر أخيه طغرلبك من كرمان إلى همذان فملكها، ولحق كرساشف [٢] بن علاء الدولة بالأكراد الجورقان [٣] وكان أبو الشوك حينئذ بالدّينور ففارقها إلى قرميسين وملكها نيال. وسار في اتباعه إلى قرميسين ففارقها إلى حلوان وترك كل من في عسكره من الديلم والأكراد الشاذنجان. وسار إليها نيال وملكها عليهم عنوة واستباحها وفتك في العسكر ولحق فلّهم بأبي الشوك في حلوان فقدّم أهله وذخيرته إلى قلعة السّيروان وأقام. ثم سار نيال إلى الصيمرة فملكها ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لها في الجورقان فانهزموا. وكان عندهم كرساشف بن علاء الدولة فلحق ببلد شهاب الدولة وشرد أهلها في البلاد، ووصل إليها نيال آخر شعبان فملكها وأحرقها، وأحرق دار أبي الشوك. وسارت طائفة من الغزّ في أثر جماعة منهم فأدركوهم بخانقين فغنموا ما معهم، وانتشر الغزّ في تلك النواحي. وتراسل أبو الشوك وأخوه مهلهل وكان ابنه أبو الفتح قد مات في سجن مهلهل. فبعث مهلهل

стр. 2803

ابنه وحلف له أنه لم يقتله، وإن ثبت فاقتل أبا الغنائم بثأره فقبل ورضي، واصطلحا على دفاع نيال عن أنفسهما. وكان أبو الشوك قد أخذ سرخاب أخوه ما عدا قلعة دور بلونه، وتقاطعا لذلك، فسار سرخاب إلى البندنجين وبها سعدي بن أبي الشوك، ففارقها سعدي إلى أبلة ونهبها سرخاب. (وفاة أبي الشوك وقيام أخيه مهلهل مقامه) ثم توفي أبو الشوك فارس بن محمد سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بقلعة السيروان من حلوان وقام مقامه أخوه مهلهل واجتمع إليه الأكراد مائلين إليه عن ابن أخيه سعدي بن أبي الشوك فلحق سعدي بنيال أخي طغرلبك يستدعيه لملك البلاد. ولما استولى مهلهل بعد موت أخيه أبي الشوك وكان نيال عند ما غدا من حلوان ولّى على قرميسين بدر بن ظاهر بن هلال بن بدر بن حسنويه، فسار إليها مهلهل سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فهرب بدر عنها وملكها وبعث ابنه محمدا إلى الدّينور وبها عساكر نيال فهزمهم وملكها. (استيلاء سعدي بن أبي الشوك على أعمالهم بدعوة السلجوقية) ولما ملك مهلهل بعد أخيه أبي الشوك تزوّج بأمّ سعدي وأهله وأساء معاملة الأكراد الشاذنجان فراسل سعدي نيال. وسار إليه بالشاذنجان فبعث معهم عسكرا من الغزّ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة فملك حلوان وخطب فيها لإبراهيم نيال. ورجع إلى مايدشت، فخالفه عمه مهلهل إلى حلوان فملكها، وقطع منها خطبة نيال فعاد سعدي إلى عمّه سرخاب فكبسه ونهب حلله وسيّر إلى البندنجين جمعا فقبضوا على نائب سرخاب ونهبوها، وصعد سرخاب الى قلعة دور بلونة [١] ، وعاد سعدي إلى قرميسين، وبعث مهلهل ابنه بدرا إلى حلوان فملكها، فجمع سعدي وأكثر من الغزّ، وسار فملك

стр. 2804

حلوان، وتقدّم إلى عمّه مهلهل فلحق بتيرازشاه [١] من قلاع شهرزور واستباح الغزّ سائر تلك النواحي. وحاصر سعدي تيراز شاه ومعه أحمد بن ظاهر قائد نيال، ونهب الغزّ حلوان وأراد مهلهل أن يسير إلى ابن أخيه فتكاسلوا، ثم قطع سعدي البندنجين لأبي الفتح بن دارم على أن يحاصر معه عمّه سرخاب بقلعة دور بلونة، فساروا إليها وكانت ضيّقة المسلك، فدخلوا المضيق فلم يخلصوا، وأسر سعدي وأبو الفتح وغيرهما من الأعيان، ورجع الغزّ عن تلك النواحي بعد أن كانوا ملكوها. (نكبة سرخاب واستيلاء نيال على أعمالهم كلها) ثم إنّ سرخاب لما قبض سعدي ابن أخيه أبي الشوك غاضبه ابنه أبو العسكر واعتزله، وكان سرخاب قد أساء السيرة في الأكراد فاجتمعوا وقبضوا عليه وحملوه إلى نيال، فاقتلع عينه وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فأطلقه أبو العسكر ابنه واستحلفه على السعي في خلاص أبيه سرخاب، فانطلق سعدي، واجتمع عليه كثير من الأكراد، وسار إلى نيال فاستوحش منه، وسار إلى الدسكرة وكاتب أبا كاليجار بالطاعة. ثم سار إبراهيم نيال إلى قلعة كلجان وامتنعت عليهم. ثم حاصروا قلعة دور بلونة فتقدّمت طائفة إلى البندنجين فنهبوها، وسار إبراهيم فيها بالنهب والقتل والعقوبة في المصادرة حتى يموتوا. وتقدّمت طائفة إلى الفتح فهرب وترك حلله، فعرجوا عليها واتبعوه فقاتلهم وظفر بهم، وبعث مستنجدا فلم ينجدوه، فعبر وأمر بنزول حلله إلى جانب الغزّ. وكان سعدي بن أبي الشوك نازلا على فرسخين من باجس فكبسه الغز فهرب وترك حلله وغنمها الغزّ ونهبوا تلك الأعمال والدسكرة والهارونية وقصر سابور، وتقسّم أهلها بين القتل والغرق والهلاك بالبرد. ووصل سعدي الى دبال ولحق منها بأبي الأغرّ دبيس بن مزيد، فأقام عنده وحاصر نيال قلعة السّيروان وضيّق عليها وضربت سراياه في البلاد وانتهت إلى قرب تكريت. ثم استأمن أهل قلعة السّيروان إلى نيال فلمكها وأخذ منها ذخيرة سعدي، وولّى عليها من أصحابه. ثم مات صاحب قلعة السّيروان وبعث

стр. 2805

وزيره إلى شهرزور فملكها، وهرب مهلهل وأبعد في الهرب، وحاصر عسكر نيال قلعة هوازشاه [١] . ثم راسل مهلهل أهل شهرزور بالتوثّب بالغزّ الذين عندهم فقتلوهم ورجع قائد نيال ففتك فيهم. ثم سار الغزّ المقيمون بالبندنجين إلى نهر سليلي [٢] ، وقاتلوا أبا دلف القاسم بن محمد الجاوانيّ فهزمهم وظفر بهم وغنم ما معهم. وسار في ذي الحجّة جمع من الغزّ إلى بلد عليّ بن القاسم فعاثوا فيها، فأخذ عليهم المضيق فأوقع بهم واستردّ ما غنموه. ولم يزل أحمد بن ظاهر قائد نيال محاصرا قلعة تيراز شاه في شهرزور إلى أن دخلت سنة أربعين وأربعمائة، ووقع الموتان في عسكره واستمدّ نيال فلم يمدّه، فرحل عنها إلى مايدشير [٣] ، وبلغ ذلك مهلهلا فبعث أحد أولاده إلى شهرزور فملكها، وأجفل الغزّ من السّيروان، وسارت عساكر بغداد إلى حلوان وحاصروا قلعتها ولم يظفروا فنهبوا مخلّف الغزّ وخرّبوا الأعمال، وسار مهلهل إلى بغداد فأنزل أهله وأمواله بها، وأنزل حلله على ستة فراسخ منها، فسار عسكر من بغداد إلى البندنجين وقاتلوا الغزّ الذين بها فهزمهم الغزّ وقتلوهم جميعا. (بقية أخبار مهلهل وابن أبي الشوك وانقراض أمرهم) ثم سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة فأحسن إليه وأقرّه على أقطاعه السّيروان ودقوقا وشهرزور والصّامغان، وسعى في أخيه سرخاب وكان محبوسا عنده فأطلقه وسوّغه قلعة الماهكي، وكانت له فسار إليها، وأقطع سعدي بن أبي الشوك الرادندبين [٤] ثم بعثه سنة ست وأربعين في عسكر من الغزّ إلى نواحي العراق، فنزل بمايدشت وسار منها إلى أبي دلف الجاوانيّ، فهرب بين يديه وأدركه فنهب أمواله وفلت بنفسه. وكان خالد ابن عمه مع الوزير ومطر ابني

стр. 2806

عليّ بن معن العقيليّ، فوفد أولادهم على سعدي يشكون مهلهلا فوعدهم النصر، ورجعهم من عنده فاعترضهم أصحاب مهلهل فأسرهم بنو عقيل ففداهم مهلهل وأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم، فساروا إلى سعدي وهو بسامرّا. وأتبع عمه مهلهلا وظفر به وأسره وأسر مالكا ابنه، وردّ غنائم بني عقيل ورجع إلى حلوان. واضطربت بغداد واجتمعت عساكر الملك الرحيم ومعهم أبو الأغرّ دبيس بن مزيد يسعى عند سعدي في أبيه. وكان ابن سعدي عنه السلطان طغرلبك رهينة فردّه على أبيه عوضا عن مهلهل، وأمره بإطلاق مهلهل، فامتعض لذلك سعدي وعصى على طغرلبك. وسار إلى حلوان فامتنعت عليه، وأقام يتردّد بين رشقباد والبردان [١] . وأظهر مخالفة طغرلبك، ورجع إلى طاعة الملك الرحيم، فبعث طغرلبك العساكر مع بدران بن مهلهل إلى شهرزور، ووجد إبراهيم بن إسحاق من قوّاده فأوقعوا به، ومضى إلى قلعة رشقباد. وسار بدر بن مهلهل الى شهرزور ورجع إبراهيم بن إسحاق إلى حلوان فأقام بها. ثم نهض سنة ست وأربعين إلى الدسكرة فنهبها واستباحها، وسار إلى رشقباد وهي قلعة سعدي وفيها ذخيرته، وفي القلعة البردان فامتنعت عليه فخرّب أعماله ووهن الديلم في كل ناحية. وبعث طغرلبك أبا عليّ بن أبي كاليجار صاحب البصرة في عسكر من الغزّ إلى الأهواز فملكها، ونهبها الغز ولقي الناس منهم عيثا بالنهب والمصادرة، وأحاطت دعوة طغرلبك ببغداد من كل ناحية. وانقرض الأكراد من أعمالهم واندرجوا في جملة السلطان طغرلبك. (وتلك الأيام نداولها بين الناس، والله يؤتي ملكه من يشاء والله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين) لا رادّ لأمره. (تم طبع الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس أوّله الخبر عن دولة السلجوقية)

стр. 2807

[المجلد الخامس] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تتمة الكتاب الثاني ... ] [تتمة القول في أجيال العرب ... ] [تتمة الطبقة الثالثة من العرب ... ] الخبر عن دولة السلجوقية من الترك المستولين على ممالك الإسلام ودوله بالمشرق كلها الى حدود مصر مستبدّين على الخليفة ببغداد من خلافة القائم الى هذا الزمان وما كان لهم من الملك والسلطان في أقطار العالم وكيف فعلوا بالعلماء وحجروهم وما تفرّع عن دولتهم من الدول قد تقدم لنا ذكر أنساب الأمم والكلام في أنساب الترك وأنهم من ولد كومر بن يافث أحد السبعة المذكورين من بني يافث في التوراة وهم ماواق وماذاي وماغوغ وقطوبال وماشخ وطيراش [١] وعدّ ابن إسحاق منهم ستة ولم يذكر ماذاي وفي التوراة أيضا انّ ولد كومر ثلاثة توغرما وأشكان وريعات ووقع في الإسرائيليات أنّ الافرنج من ريعات والصقالبة من أشكان والخزر من توغرما والصحيح عند نسّابة الإسرائيليين أنّ الخزر هم التركمان وشعوب

стр. 2808

الترك كلهم من ولد كومر ولم يذكر من أيّ ولده الثلاثة والظاهر أنهم من توغرما وزعم بعض النسابة أنهم من طيراش بن يافث ونسبهم ابن سعيد الى ترك بن عامور بن سويل والظاهر أنه غلط وأنّ غامور تصحيف كما مرّ وأمّا سويل فلم يذكر أحد أنه من بني يافث وقد مرّ ذكر ذلك كله (والترك أجناس) كثيرة وشعوب فمنهم الروس والإعلان ويقال إبلان والخفشاخ وهم القفجق والهياطلة والخلج والغزّ الذين منهم السلجوقية والخطا وكانوا بأرض طمعاج ويمك والقور وتزكس واركس والططر ويقال الطغرغر وأنكر وهم مجاورون للروم وأعلم أنّ هؤلاء الترك أعظم أمم العالم وليس في أجناس البشر أكثر منهم ومن العرب في جنوب المعمور وهؤلاء في شماله قد ملكوا عامة الأقاليم الثلاثة من الخامس والسادس والسابع في نصف طوله مما يلي المشرق فأوّل مواطنهم من الشرق على البحر بلاد الصين وما فوقها جنوبا الى الهنك وما تحتها شمالا الى سدّ يأجوج ومأجوج وقد قيل انهم من شعوب الترك وآخر مواطنهم من جهة الغرب بلاد الصقالبة المجاورين للافرنج مما يلي رومة الى خليج القسطنطينية وأوّل مواطنهم من جهة الجنوب بلاد القور المجاورة للنهر ثم خراسان وآذربيجان وخليج القسطنطينية وآخرها من الشمال بلاد فرغانة والشاش وما وراءها من البلاد الشمالية المجهولة لبعدها وما بين هذه الحدود من بلاد غزنة ونهر جيحون وما بحفافيه من البلاد وخوارزم ومفاوز الصين وبلاد القفجق والروس حفافي خليج القسطنطينيّة من جهة الشمال الغربي قد اعتمر لهذه البسائط منهم أمم لا يحصيهم الا خالقهم رحّالة متنقلون فيها مستنجعين مساقط الغيث في نواحيه يسكنون الخيام المتخذة من اللبود لشدّة البرد في بلادهم فقروا عليها ومرّ بديار بكر [١] وخرج اليه صاحبها نصر بن مروان وحمل مائة ألف دينار لنفقته فلما سمع أنه قبضها من الرعايا ردّها عليه ثم مرّ بناهرو وأمنها وأطاف على السور وجعل يمسحه بيده ويمرّ بها على خدوده تبركا بثغر المسلمين ثم مرّ بالرها وحاصرها فامتنعت عليه ثم سار الى حلب فبعث اليه صاحبها محمود ريعول القائد الّذي عنده يخبر بطاعته وخطبته ويستعفيه من الخروج اليه منكرا منه الأذى ويحيّ على خير العمل فقال لا بدّ من خروجه واشتدّ الحصار فخرج محمود ليلا مع أمّه بنت وثاى الهني متطارحا على السلطان فأكرم مقدمها وخلع عليه وأعاده الى بلده.

стр. 2809

غزاة السلطان آلب أرسلان الى خلاط واسر ملك الروم كان ملك الروم بالقسطنطينية لهذا العهد اسمه أرمانوس وكان كثيرا ما يخيف ثغور المسلمين وتوجه في سنة اثنتين وستين في عساكر كثيرة الى الشام ونزل على مدينة منبج واستباحها وجمع له محمود بن صالح بن مرداس الكلابي وابن حسان الطائي قومهما ومن اليهم من العرب فهزمتهم الروم ثم رجع أرمانوس الى القسطنطينية واحتشد الروم والفرنج والروس والكرخ ومن يليهم من العرب والطوائف وخرج الى بلاد كرد من أعمال خلاط وكان السلطان آلب أرسلان بمدينة حوف من أذربيجان منقلبا من حلب فبعث بأهله وأثقاله الى همدان مع وزير نظام الملك وسار هو في خمسة عشر ألف مقاتل وتوجه نحوهم متهيئا ولقيت مقدمته الروس فهزموهم وجاءوا بملكهم أسيرا الى السلطان فجدعه وبعث اسلابهم الى نظام الملك ثم توجّه الى سمرقند ففارقها ألتكير وأرسل في الصلح ويعتذر عن تومق فصالحه ملك شاه وأقطع بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين مكين الى خراسان ثم الى الريّ. (فتنة قاروت بك صاحب كرمان ومقتله) كان بكرمان قاروت [١] بك أخو السلطان البارسلان أميرا عليها فلما بلغه وفاة أخيه سار الى الريّ لطلب الملك فسبقه اليها السلطان ملك شاه ونظام الملك ومعهما مسلم بن قريش ومنصور بن دبيس وأمراء الأكراد والتقوا على نهرمان فانهزم قاروت بك وجيء به الى أمام سعد الدولة كوهراس [٢] فقتله خنقا وأمر كرمان بسير بنيه وبعث اليهم بالخلع وأقطع العرب والأكراد مجازاة لما أبلوا في الحرب وقد كان السلطان البارسلان شافعا فيه على الخليفة فلقيهم خبر وفاة البارسلان في طريقهم فرّوا الى ملك شاه وسبق اليه مسلم بطاعته وأمّا بهاء الدولة منصور بن دبيس فانّ أباه أرسله بالمال الى ملك شاه فلقيه سائرا للحرب فشهدها معه ثم توفي أياز أخو السلطان ملك شاه ببلخ سنة خمس وستين فكفله ابنه ملك شاه الى سنة سبع وستين وتوفي القائم منتصف شعبان منها لخمس وأربعين سنة من خلافته ولم يكن له يومئذ ولد وانما كان له حافد وهو المقتدي عبد الله بن محمد وكان أبوه محمد بن القائم ولي عهده

стр. 2810

وكان يلقب ذخيرة الدين ويكنى ابا العباس وتوفي سنة [١] وعهد القائم لحافده فلما توفي اجتمع أهل الدولة وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونقيب النقباء طراد وقاضي القضاة الدامغانيّ فبايعوه بالخلافة لعهد جدّه اليه بذلك وأقرّ فخر الدولة بن جهير على الوزارة وبعث ابنه عميد الدولة الى السلطان ملك شاه لأخذ بيعته والله الموفق للصواب. استيلاء السلجوقية على دمشق وحصارهم مصر ثم استيلاء تتش ابن السلطان آلب أرسلان على دمشق قد تقدم لنا ملك انسز [٢] الرملة وبيت المقدس وحصاره دمشق سنة احدى وستين ثم عاد عنها وجعل يتعاهد نواحيها بالعيث والإفساد كل سنة ثم سار اليها في رمضان سنة سبع وستين وحاضرها ثم عاد عنها وهرب منها أميرها من قبل المستنصر العلويّ صاحب مصر المعلى بن حيدرة لأنه كثر عسفه بالجند والرعية وظلمه فثاروا به فهرب الى بانياس ثم الى صور ثم الى مصر فحبس ومات بها محبوسا واجتمعت المصامدة بدمشق وولي عليهم أنصار بن يحيى المصمودي ويلقب نصير الدولة وغلت الأقوات عندهم واضطربوا فعاد اليها انسز في شعبان سنة ثمان وستين فاستأمنوا اليه وعوض انتصارا منها بقلعة بانياس ومدينة يافا من الساحل ودخلها في ذي القعدة وخطب بها للمقتدي ومنع من النداء بحيّ على خير العمل وتغلب على كثير من مدن الشام ثم سار سنة تسع وستين الى مصر وحاصرها وضيق عليها واستنجد المنتصر بالبوادي من نواحيها فوعدوه بالنصر وخرج بدر الجمالي في العساكر التي كانت بالقاهرة وجاء أهل البلاد لميعادهم فانهزم أنسز وعساكره ونجا الى بيت المقدس فوجدهم قد [٣] بمخلفه فتحصنوا منه بالمعاقل فافتتحها عليهم عنوة واستباحها حتى قتلهم في المسجد وقد تقدم ضبط هذا الاسم وأنه عند أهل الشأم انسيس والصحيح انسز وهو اسم تركي ثمّ انّ السلطان ملك شاه أقطع أخاه تتش بن آلب أرسلان بلاد الشأم وما يفتحه من تلك النواحي سنة سبعين وأربعمائة فقصد حلب أولا وحاصرها ومعه جموع من

стр. 2811

التركمان وكان بدر الجمالي المستولي على مصر قد بعث العساكر لحصار دمشق وبها أنسز فبعث الى تتش وهو على حلب يستنجده فسار اليه وأخرت عساكر مصر عنه منهزمين ولما وصل الى دمشق قعد انسز على لقائه وانتظر قدومه فلقيه عند السور وعاتبه على ذلك فتساهل في العذر فقتله لوقته وملك البلد واستولى على الشام أجمع كما سيأتي وكان يلقب تاج الدولة ثم سار في سنة اثنتين وسبعين الى حلب فحاصرها أياما وأفرج عنها وملك مراغة والبيرة وعاد الى دمشق وخالفه مسلم بن قريش الى حلب فملكها كما تقدم في أخباره وضمنها للسلطان ملك شاه فولاه إياها وسار مسلم بن قريش فحاصرها آخر سنة أربع وسبعين ثم أفرج عنها فخرج تتش وقصد طرسوس من الساحل فافتتحها ورجع [١] ثم حاصرها مسلم ثانية سنة تسع وسبعين وبلغه أن تاج الدولة تتش سار الى بلاد الروم غازيا فخالفه الى دمشق وحاصرها معه العرب والأكراد وبعث اليه العلويّ صاحب مصر بعده بالمدد وبلغ الخبر الى تتش فكرّ راجعا وسبقه الى دمشق فحاصرها أياما ثم خرج اليه تتش في جموعه فهزمه واضطرب أمره ووصله الخبر بانتقاض أهل حرّان فرحل من مرج الصّفر راجعا الى بلاده ثم سار أمير الجيوش من مصر في العساكر الى دمشق سنة ثمان وسبعين وحاصرها فامتنعت عليه ورجع فلحقوا بأخيه تكش في [٢] فقوي به وأظهر العصيان واستولى على مروالرّوذ ومره الساهجان وغيرهما وسار الى نيسابور طامعا في ملك خراسان وبلغ الخبر الى السلطان فسبقه الى نيسابور فرجع تتش وتحصن بترمذ وحاصره السلطان حتى سأل الصلح وأطلق من كان في أسره من عسكر السلطان ونزل عن ترمذ وخرج اليه فأكرمه ثم عاود العصيان سنة سبع وسبعين [٣] وملك مروالرّوذ ووصل قريبا من سرخس وحاصر قلعة هناك لمسعود ابن الأمير فاخر وتحيل أبو الفتوح الطوسي صاحب نظام وهو بنيسابور على ملطفة وضعوها على شبه خط نظام الملك يخاطب فيها صاحب القلعة بأنه واصل في ركاب السلطان ملك شاه وأنه مصالح للقلعة وتعرّض حاملها لأهل المعسكر حتى أخذوا كتابه بعد الضرب والعرض على القتل وحدّثهم بمثل ما في الصحيفة وانّ السلطان وعساكره في الريّ فأجفلوا لوقتهم الى قلعة

стр. 2812

ربح وخرج أهل الحصن فأخذوا ما في العسكر وجاء السلطان بعد ثلاثة أشهر فحاصره في قلعته حتى افتتحها وحده ودفعه الى ابنه أحمد فتسلمه وحبسه فخرجا من يمينه معه. (سفارة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي عن الخليفة) كان الخليفة المقتدي وكان عميد العراق أبو الفتح بن أبي الليث يسيء معاملة الخليفة فبعث المقتدي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي الى السلطان ملك شاه وزيره نظام الملك بأصفهان شاكيا من العميد فسار الشيخ لذلك ومعه الإمام أبو بكر الشاشي وغيره من الأعيان ورأى الناس عجبا في البلاد التي يمرّ بها من إقبال الخلق عليه وازدحامهم على محفته يتمسحون بها ويلثمون أذيالها وينشرون موجودهم عليها من الدراهم والدنانير لأهلها والمصنوعات لأهل الصنائع والبضائع للتجار والشيخ في ذلك يبكي وينتحب ولما حضر عند السلطان أظهر المحرمة وأجابه الى جميع ما طلبه ورفعت يد العميد عن كل ما يتعلق بالخليفة وحضر الشيخ مجلس نظام الملك فجرت بينه وبين إمام الحرمين مناظرة خبرها معروف. اتصال بني جهير بالسلطان ملك شاه ومسير فخر الدولة لفتح ديار بكر كان فخر الدولة أبو نصر بن جهير وزير المقتدي قد عزل سنة احدى وسبعين على يد نظام الملك ولحق به ابنه عميد الدولة واسترضاه فرضي نظام الملك وشفع الى الخليفة فاعتمد عميد الدولة دون أبيه كما تقدم في أخبار الخلفاء ثم أرسل المقتدي سنة أربع وسبعين فخر الدولة الى ملك شاه يخطب له ابنته فسار الى أصبهان وعقد له نكاحها على خمسين ألف دينار معجلة وعاد الى بغداد ثم عزل المقتدي ابنه عميد الدولة عن الوزارة سنة ست وسبعين وكانوا قد علقوا بخطة من نظام الملك فبعث عن نفسه وعن ملك شاه يطلب حضور بني جهير عندهم فساروا بأهليهم فعظمت حظوظهم عند السلطان وعقد لفخر الدولة على ديار بكر وبعث معه العساكر لفتحها من يد بني مروان وأذن له في اتخاذ الآلة وأن يخطب لنفسه ويكتب اسمه على السّكة فسار في العساكر السلطانيّة. (استيلاء ابن جهير على الموصل) ولما سار فخر الدولة ابن جهير لفتح ديار بكر استنجد ابن مروان مسلم بن قريش وشرط له

стр. 2813

أمرا وتحالفا على ذلك واجتمعا لحرب ابن جهير وبعث السلطان الأمير ارتق بن أكسك في العساكر مددا لابن جهير فجنح ابن جهير الى الصلح وبادر أرتق الى القتال فهزم العرب والأكراد وغنم معسكرهم ونجا مسلم بن قريش الى آمد وأحاطت به العسكر فلما اشتدّ مخنقه راسل الأمير أرتق في الخروج على مال بذله له فقبله وكانت له حراسة الطريق فخرج الى الرقة وسار ابن جهير الى ميافارقين وفارقه منصور بن مزيد وابنه صدقة فعاد منها الى خلاط ولما بلغ السلطان انحصار مسلم في آمد بعث عميد الدولة في جيش كثيف الى الموصل ومعه آقسنقر قسيم الدولة الّذي أقطعه بعد ذلك حلب وساروا الى الموصل فلقيهم أرتق ورجع معهم ولما نزلوا على الموصل بعث عميد الدولة الى أهلها بالترغيب والترهيب فأذعنوا واستولى عليها وجاء السلطان في عساكره الى بلاد مسلم بن قريش وقد خلص من الحصار وهو مقيم قبالة الرحبة فبعث اليه مؤيد الكتاب ولا طف السلطان واسترضاه ووفد اليه بالقوارح وردّه السلطان الى أعماله وعاد لحرب أخيه تتش الّذي ذكرناه آنفا. فتح سليمان بن قطلمش انطاكية والخبر عن مقتله ومقتل مسلم ابن قريش واستيلاء تتش على حلب كان سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق قد ملك قرسة واقتصروا أعمالها من بلاد الروم الى الشأم وكانت انطاكية بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وكان ملكها لعهده الفردروس فأساء السيرة الى جنده ورعاياه وتنكر لابنه وحبسه فداخل الشحنة في تمكين سلمان من البلد فاستدعوه سنة سبع وسبعين فركب إليها البحر وخرج الى البرّ في أقرب السواحل اليها في ثلاثمائة ألف فارس ورجل كثير وسار في جبال واوعار فلما انتهى الى السور وأمكنه الشحنة من تسلم السور دخل البلد وقاتل أهلها فهزمهم وقتل كثيرا منهم ثم عفا عنهم وملك القلعة وغنم من أموالهم ما لا يحصى وأحسن الى أهلها وأمر لهم بعمارة ما خرب وأرسل الى السلطان ملك شاه بالفتح ثم بعث اليه مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمل اليه الفردروس ملك انطاكية من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه بتقرير الطاعة للسلطان وبأنّ الجزية لا يعطيها مسلم فسار مسلم ونهب نواحي انطاكية فنهب سليمان نواحي حلب ثم جمع سليمان العرب والتركمان وسار لنواحي انطاكية ومعه جماهير التركمان وجمع سليمان كذلك والتقيا آخر صفر سنة ثمان وسبعين وانحاز جقّ الى سليمان فانهزمت العرب وقتل مسلم وسار سليمان بن قطلمش الى حلب وحاصرها فامتنعت عليه وأرسل اليه ابن الحثيثي

стр. 2814

العباسي كبير حلب بالأموال وطالبه أن يمهل حتى يكاتب السلطان ملك شاه ودس الى تاج الدولة تتش صاحب دمشق يستدعيه لملكها فجاء لذلك ومعه أرسوس أكسك وكان خائفا على نفسه من السلطان ملك شاه لفعلته في أمر فاستجار بتتش وأقطعه المورس وسار معه لهذه الحرب وبادر سليمان بن قطلمش الى اعتراضهم وهم على تعبية وأبلى أرتق في هذه الحروب وانهزم سليمان وطعن نفسه بخنجر فمات وغنم تتش معسكره وبعث الى ابن الحثيثي العباسي فيما استدعاه اليه فاستمهله الى مشورة السلطان ملك شاه وأغلظ في القول فغضب تتش وداخله بعض أهل البلد فتسوّرها وملكها واستجار ابن الحثيثي بالأمير أرتق فأجاره وسمع له. (استيلاء ابن جهير على ديار بكر) ثم بعث ابن جهير سنة ثمان وسبعين ابنه زعيم الرؤساء ابا القاسم الى حصار آمد ومعه جناح الدولة اسلار فحاصرها واقتلع شجرها وضيق عليها حتى جهدهم الجوع وغدر بعض العامة في ناحية من سورها ونادى بشعار السلطان واجتمع اليه العامة لما كانوا يلقون من عسف العمال النصارى فبادر زعيم الرؤساء الى البلد وملكها وذلك في المحرّم وكان أبوه فخر الدولة محاصرا لميافارقين ووصل اليه سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد بمدد العساكر فاشتدّ الحصار وسقطت من السور ثلمة في سادس جمادى فنادوا بشعار السلطان ومنعوا ابن جهير من البلد واستولى على أموال بني مروان وبعثها مع ابنه زعيم الرؤساء الى السلطان فسار مع كوهراس الى بغداد ثم فارقه الى السلطان بأصبهان ولما انقضى أمر ميافارقين بعث فخر الدولة جيشا الى جزيرة ابن عمر فحاصرها وقام بعض أهلها بدعوة السلطان وفتحوا مما يليهم بابا قريبا دخل منه العسكر فملكوا البلد وانقرضت دولة بني مروان من ديار بكر والبقاء للَّه ثم أخذ السلطان ديار بكر من فخر الدولة بن جهير وسار الى الموصل فأقام بها الى أن توفي سنة ثلاث وثمانين. (استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية آقسنقر عليها) لما ملك تاج الدولة تتش مدينة حلب وكان بها سالم بن ملك بن مروان ابن عم مسلم بن قريش وامتنع بالقلعة وحاصره تتش سبعة عشر يوما حتى وصل الخبر بمقدم أخيه السلطان ملك شاه وقد كان ابن الحثيثي كتب اليه يستدعيه لما خاف من تتش فسار من أصبهان

стр. 2815

منتصف تسع وسبعين وفي مقدمته برسق وبدران وغيرهما من الأمراء ومرّ بالموصل في رجب ثم سار الى هراة وبها ابن الشاطي فملكها وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأقطعه معها مدينة الرحبة وأعمالها. حرّان وسروج والرّقة وخابور وزوّجه أخته زليخا خاتون ثم سار الى الرها وافتتحها من الروم وكانوا اشتروها من ابن عطيّة كما مرّ وسار الى قلعة جعفر فملكها وقتل من كان بها من بني قشير وكان صاحبها جعفر أعمى وكان يخيف السابلة هو وولده فأزال ضررهم ثم ملك منبج وعبر الفرات الى حلب فأجفل تتش عن المدينة ودخل [١] ومعه الأمير أرتق ورجع الى دمشق فلما وصل السلطان الى حلب ملكها ثم الى القلعة فملكها من سالم بن ملك على أن يعطيه قلعة جعفر فلم تزل بيد عقبه الى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد ثم بعث اليه نصر بن علي بن منقذ الكناني بالطاعة فأقره على شيراز [٢] وتسلم منه اللاذقية وبعرطاف وجامية [٣] ورجع ثم رجع السلطان بعد أن ولى على حلب قسيم الدولة آق سنقر ورغب اليه أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثي فأخرجه عنهم الى ديار بكر وتوفي بها ثم رجع السلطان الى بغداد فدخلها في ذي الحجة من سنته ونزل بدار المملكة وأهدى للخليفة هدايا كثيرة واجتمع بالخليفة ليلا ثم دخل اليه في مجلسه نهارا وأفيضت عليه الخلع وسلم أمراء السلجوقية على الخليفة ونظام الملك قائم يقرّ بهم واحدا واحدا ويعرف بهم ثم صرّح المقتدي للسلطان ملك شاه بالتفويض وأوصاه بالعدل فقبل يده ووضعها على عينيه وخلع الخليفة على نظام الملك وجاء الى مدرسته التي فيها الحديث وأملى. (خبر الزفاف) قد قدّمنا أنّ السلطان ملك شاه زوّج ابنته من الخليفة المقتدي سنة أربع وسبعين بخطبة الوزير ابن جهير فلما كان سنة ثمانين في المحرّم نقل جهازها للزفاف الى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي أكثرها ذهب وفضة ومعه ثلاث عماريات ومعها أربع وسبعون بغلا مجللة بأنواع الديباج المكيّ وقلائدها الذهب وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة مملوءة بالحليّ والجواهر ومهد عظيم من ذهب وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة

стр. 2816

كوهراس والأمير أرتق وغيرهما من الأمراء والناس ينثرون عليهم الدنانير والثياب وبعث الخليفة وزيره أبا شجاع الى زوجة السلطان تركمان خاتون ومعه خادمه ظفر بمحفة لم ير مثلها ومعهم ثلاثمائة من الشمع الموكف ومثلها مشاعل وأوقدت الشموع في دكاكين الحريم الخلافيّ وقال الوزير لخاتون سيدنا أمير المؤمنين يقول أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة الى داره فقالت سمعا وطاعة ومشى بين يديها أعيان الدولة مع كل واحد الشمع والمشاعل يحملها الفرسان ثم جاءت المأمون من بعدهم في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر ما لا يحدّ ويحيط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك على مراكب رائعة وأولم الخليفة وليمة لم يسمع بمثلها ثم أطلع للناس من الغد سماط مائدة عليها أربعون ألفا من السكر وخلع على أعيان العسكر وعلى جميع الحواشي. (استيلاء السلطان ملك شاه على ما وراء النهر) كان صاحب سمرقند لهذا العهد من الخانية أحمد خان بن خضر خان أخى شمس الملك الّذي كان أميرا عليها وعمته خاتون زوجة ملك شاه وكان رديء السيرة فبعثوا الى السلطان يسألونه الرجوع الى ايالته وجاء بذلك مفتي سمرقند أبو طاهر الشافعيّ قدم حاجا وأسر ذلك الى السلطان فسار من أصبهان سنة اثنتين وثمانين ومعه رسول الروم بالخراج المقدر عليهم فاستعجم وأحضر للفتح ولما انتهى الى خراسان جمع العساكر وعبر النهر بجيوش لا تحصى وأخذ ما في طريقه من البلاد ثم انتهى الى بخارى فملكها وما جاورها ثم سار الى سمرقند فحاصرها وأخذ بهجتها ثم رماها بالمنجنيق وثلم سورها ودخل من الثلمة وملك البلد واختفى أحمد خان ثم جيء به أسيرا فأطلقه وبعث به الى أصبهان وولى على سمرقند أبا طاهر عميد خوارزم وسار الى كاشغر فبلغ الى نور وكمن وبعث الى كاشغر بالخطبة وضرب السكة فأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وخلع عليه وأعاده الى بلده ورجع السلطان الى خراسان وكان بسمرقند عساكر يعرفون بالحكليّة فأرادوا الوثوب بالعميد نائب السلطان فلاطفهم ولحق ببلده خوارزم. (عصيان سمرقند وفتحها ثانيا) كان مقدّم الحكلية بسمرقند اسمه عين الدولة وخاف السلطان لهذه الحادثة فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر وكانت مملكته تعرف بارياسي فاستحضره وملكه ثم شكر له يعقوب وحمل أعداءه من الرعية على طلب الثأر منه وقتله بفتاوى الفقهاء واستبدّ بسمرقند وسار السلطان ملك شاه اليها سنة اثنتين وثمانين لما انتهى

стр. 2817

الى بخارى هرب يعقوب الى فرغانة ولحق بولايته وجاء بعسكره مستأمنين الى السلطان فلقوه بالطواويس من قرى بخارى ووصل السلطان الى سمرقند وولى عليها الأمير انز [١] وأرسل العساكر في طلب يعقوب وأرسل الى ملك كاشغر بالجدّ في طلبه وشعب على يعقوب عساكره ونهبوا خزائنه ودخل على أخيه كاشغر مستجيرا به وبعث السلطان في طلبه منه فتردّد بين المخافة والأنفة ثم غلب عليه الخوف فقبض على أخيه يعقوب وبعثه مع ابنه وأصحابه الى السلطان وأمرهم أن يسملوه في طريقه فان قنع السلطان بذلك والا أسلموه اليه فلما قربوا على السلطان وعزموا على تسليمه بلغهم الخبر بأن طغرل بن نيال أسرى من ثمانين فرسخا بعساكر لا تحصى فكبس ملك كاشغر وأسره فأطلقوا يعقوب ثم خشي السلطان شأن طغرل بن نيال وكثرة عساكره فرجع على البلد ودس تاج الملك في استصلاح يعقوب فشفع له وردّ الى كاشغر وردّ الطغرل ورجع هو الى خراسان ثم قدم الى بغداد سنة أربع وثمانين العزمة الثانية ووجد عليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب الشام وقسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب وبوران صاحب الرها وعمال الأطراف وأقام صنيع الميلاد ببغداد وتأنق بما لم يعهد مثله وأمر وزيره نظام الملك وأمراءه ببناء الدور ببغداد لنزلهم ورجع الى أصبهان. (استيلاء تتش على حمص وغيرها من سواحل الشام) لما قدم السلطان سنة أربع وثمانين وفد عليه أمراء الشام كما قدّمنا فلما انصرفوا من عنده أمر أخاه تاج الدولة تتش أن يذهب دولة العلويين من ساحل الشام ويفتح بلادهم وأمر آق سنقر وبوران أن يسيرا لانجاده فلما رجعوا الى دمشق سار الى حمص وبها صاحبها ابن ملاعب وقد عظم ضرره وضرر ولده على الناس فحاصرها وملكها ثم سار الى قلعة عرفة فملكها عنوة ثم الى قلعة افامية فاستأمن اليه خادم كان بها فأرسل الى أمراء تتش في إصلاح حاله فسدّوا عليه المذاهب فأرسل الى وزير آقسنقر يسعى له عند صاحبه وعمل له على ثلاثين ألف دينار ومثلها عروضا فجنح الى مصالحته واختلف مع تتش على ذلك وأغلظ كل منهما لصاحبه في القول فرحل آق سنقر مغاضبا واضطرّ الباقون الى الرحيل وانتقض أمرهم.

стр. 2818

(ملك اليمن) كان فيمن حضر عند السلطان ببغداد كما قدّمناه عثمان حق أمير التركمان صاحب قرمسيس وغيرها فأمره السلطان أن يسير في جموع التركمان للحجاز واليمن فيظهر أمرهم هناك وفوّض الى سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد فولى عليهم أمير اسمه ترشك وسار الى الحجاز فاستولى عليه وأساء السيرة فيه حتى جاء أمير الحجاز محمد بن هاشم مستغيثا منهم ثم ساروا سنة خمس وثمانين الى اليمن وعاثوا في نواحيه وملكوا عدن وأساءوا السيرة في أهلها وأهلكوا ترشك سابع دخولها وأعاده أصحابه الى بغداد فدفنوه بها. (مقتل الوزير نظام الملك) ثم ارتحل السلطان ملك شاه الى بغداد سنة خمس وثمانين فانتهى الى أصبهان في رمضان وخرج نظام الملك من بيته بعد الإفطار عائدا الى خيمته فاعترضه بعض الباطنيّة في صورة متظلّم فلما استدناه لسماع شكواه طعنه بخنجر فأشواه وعثر الباطني في أطناب الخيام ودخل نظام الملك الخيمة فمات لثلاثين سنة من وزارته واهتاج عسكره فركب اليه السلطان وسكن الناس ويقال أن السلطان ملك شاه وضع الباطني على قتله لما وقع منه ومن بنيه من الدالة والتحكم في الدولة وقد كان السلطان دس على ابنه جمال الدين من قتله سنة خمس وسبعين كان بعض حواشي السلطان سعى به فسطا به جمال الدين وقتله فأحقد السلطان بذلك وأخذ عميد خراسان فقتله خنقا فدس لخادم من خدم جمال الدين بذلك وأنهم إذا تولوا قتله بأنفسهم كان أحفظ لنعمتهم فسقاه الخادم سما ومات وجاء السلطان الى نظام الملك وأغراه به وما زال بطانة السلطان يغضون منه ويحاولون السعاية فيه الى أن ولى حافده عثمان بن جمال الملك على مرو وبعث السلطان اليها كردن من أكابر المماليك والأمراء شحنة ووقعت بينه وبين عثمان منازعة في بعض الأيام فأهانه وحبسه ثم أطلقه وجاء الى السلطان شاكيا فاستشاط غضبا وبعث فخر الملك البارسلان الى نظام الملك وأغراه به وما زال يقول إن كنت تابعا فقف عند حدّك وان كنت شريكي في سلطاني فافعل ما بدا لك وقرّر عليه فعل حافده وسائر بنيه في ولايتهم وأرسل معه نكبرذ من خواصه ثقة على ما يؤدّيه من القول ويجيبه الآخر فانبسط لسان نظام الملك يعدّد الوسائل منه والمدافعة عن السلطان وجمع الكلمة وفتح الأمصار في كلام طويل حملته عليه الدالة وقال في آخره ان شاء فله مؤيد مرو آتي ومتى

стр. 2819

أطعت هذه زالت تلك فليأخذ حذره ثم زاد في انبساطه وقال قولوا عني ما أردتم فان توبيخكم نتأ في عضدي ومضى نكبرذ فصدّق السلطان الخبر وجاء الآخرون وحاولوا الكتمان فلم يسعهم لما وشي نكبرذ بجلية القول فصدّقوه كما صدّقه ومات نظام الملك بعدها بقليل ومات السلطان بعده بنحو شهر وكان أصل نظام الملك من طوس من أبناء الدهاقين اسمه أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ذهبت نعمة آبائه وماتوا فنشأ يتيما ثم تعلم وحذق في العلوم والصنائع وعلق بالخدم السلطانية في بلاد خراسان وغزنة وبلخ ثم لازم خدمة أبي علي بن شاذان وزير البارسلان ومات ابن شاذان فأوصى به السلطان البارسلان وعرّفه كفايته فاستخدمه فقام بالأمور أحسن قيام فاستوزره ثم هلك السلطان البارسلان وهو في وزارته ثم استوزره ملك شاه بعد أبيه وكان عالما جوادا صفوحا مكرما للعلماء وأهل الدين ملازما لهم في مجلسه شيّد المدارس وأجرى فيها الجرايات الكثيرة وكان يملي الحديث وكان ملازما للصلوات محافظا على أوقاتها وأسقط في أيامه كثيرا من المكوس والضرائب وأزال لعن الأشعريّة من المنابر بعد أن فعله الكندوي من قبله وحمل عليه السلطان طغرلبك وأجراهم مجرى الرافضة وفارق امام الحرمين وأبو القاسم القشيري البلاد من أجل ذلك فلما ولى آلب أرسلان حمله نظام الملك على ازالة ذلك ورجع العلماء الى أوطانهم ومناقبه كثيرة وحسبك من عكوف العلماء على مجلسه وتدوينهم الدواوين باسمه فعل ذلك أمام الحرمين وأشباهه وأمّا مدارسه فقد بنى النظاميّة ببغداد وناهيك بها ورتب الشيخ أبا إسحاق الشيرازي للتدريس بها وتوفي سنة ست وسبعين فرتب ابنه مؤيد الملك مكانه أبا سعيد المتولي فلم يرضه نظام الملك وولى فيها الإمام أبا نصر الصباغ صاحب الشامل ومات أبو نصر في شعبان من تلك السنة فولى أبو سعيد من سنة ثمان وسبعين ومات فدرس بعده الشريف العلويّ أبو القاسم الدبوسي وتوفي سنة اثنتين وثمانين وولى تدريسه بعدها أبو عبد الله الطبري والقاضي عبد الوهاب الشيرازي بالنوبة يوما بيوم ثم ولى تدريسها الإمام أبو حامد الغزالي سنة أربع وثمانين واتصل حكمها على ذلك وفي أيامه عكف الناس على العلم واعتنوا به لما كان من حسن أثره في ذلك والله أعلم. وفاة السلطان ملك شاه وولاية ابنه محمود ثم لما سار السلطان بعد مقتل نظام الملك الى بغداد ودخلها آخر رمضان وكان معه في الدولة أبو الفضل الهروستماني وزير زوجته الخاتون الجلالية من الملوك الخانية فيما وراء النهر وكان

стр. 2820

أشدّ الناس سعاية في نظام الملك وعزم السلطان أن يستوزره لأوّل دخوله بغداد فعاقت المنيّة عن ذلك وطرقه المرض ثالث الفطر وهلك منتصف شوّال سنة خمس وثمانين وكانت زوجته تركمان خاتون الجلالية عنده في بغداد وابنها محمود غائبا في أصبهان فكتمت موته وسارت بشلوه الى أصبهان وتاج الملك في خدمتها وقدّمت بين يديها قوام الدين كربوقا الّذي ولى الموصل من بعد وأرسلته بخاتم السلطان الى مستحفظ القلعة فملكها وجاءت على أثره وقد أفاضت الأموال في الأمراء والعساكر ودعتهم الى بيعة ولدها محمود وهو ابن أربع سنين فأجابوا الى ذلك وبايعوه وأرسلت الى المقتدر في الخطبة له فأجابها على أن يكون الأمير أنز قائما بتدبير الملك ومجد الملك مشيرا وله النظر في الأعمال والجباية فنكرت ذلك أمّه خاتون وكان السفير أبا حامد الغزالي فقال لها أنّ الشرع لا يجيز ولاية ابنك فقبلت الشرط وخطب له آخر شوّال سنة خمس وثلاثين وأرسلت تركمان خاتون الى أصبهان في القبض على بركيارق فحبس بأصبهان وكان السلطان ملك شاه من أعظم ملوك السلجوقية ملك من الصين الى الشام ومن أقصى الشام الى اليمن وحمل اليه ملوك الروم الجزية ومناقبه عظيمة مشهورة. منازعة بركيارق لأخيه محمود وانتظام سلطانه كان بركيارق أكبر أولاد السلطان ملك شاه وكانت أمّه زبيدة بنت ياقوتي بن داود وياقوتي عمّ ملك شاه ولما حبس بركيارق وخافت عليه أمّه زبيدة دست لمماليك نظام الملك فتعصبوا له وكانت خاتون غائبة ببغداد مع ابنها محمود لفقد سلطانه فوثب المماليك النظامية على سلاح لنظام الملك بأصبهان وأخرجوا بركيارق من محبسه وخطبوا له وبلغ الخبر الى خاتون فسارت من بغداد وطلب العسكر تاج الملك في عطائهم فهرب الى قلعة بوجين لينزل منها الأموال وامتنع فيها ونهب العسكر خزائنه وساروا الى أصبهان وقد سار بركيارق والنظامية الى الري فأطاعه أرغش النظامي في عساكره وفتحوا قلعة طغر عنوة وبعثت خاتون العساكر لقتال بركيارق فنزع اليه سبكرد وكمستكن الجاندار وغيرهما من أمراء عساكره ولقيهم بركيارق فهزمهم وسار في أثرهم الى أصفهان فحاصرهم بها وكان عز الملك بن نظام الملك بأصبهان وكان واليا على خوارزم فحضر عند السلطان قبل مقتل أبيه وبقي هناك بعد وفاة السلطان فخرج الى بركيارق ومعه جماعة من إخوانه فاستوزره بركيارق وفوّض اليه الأمور كما كان أبوه.

стр. 2821

(مقتل تاج الملك) وهو أبو الغنائم المرزبان بن خسرو فيروز كان وزيرا لخاتون وابنها ولما هرب الى قلعة بوجين خوفا من العسكر كما قدمنا وملكت خاتون أصبهان عاد اليها واعتذر بأن صاحب القلعة حبسه فقبلت عذره وبعثته مع العساكر لقتال بركيارق فلما انهزموا حل أسيرا عنده وكان يعرف كفاءته فأراد أن يستوزره وكان النظامية ينافرونه ويتهمونه بقتل نظام الملك وبذل فيهم أموالا فلم يغنه ووشوا به فقتلوه في المحرّم سنة ست وثمانين وكان كثير الفضائل جمّ المناقب وانما غطى على محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك وهو الّذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي والمدرسة بإزائها ورتب بها أبا بكر الشاشي مدرّسا. (مهلك محمود) ثم هلك السلطان محمود وهو محاصر بأصبهان لسنة من ولايته واستقل بركيارق بالملك. (منازعة تتش بن آلب أرسلان وأخباره الى حين انهزامه كان تاج الدولة تتش أخو السلطان ملك شاه صاحب الشام وسار الى لقاء أخيه ملك شاه ببغداد قبيل موته فلقيه خبر موته بهيت فاستولى عليها وعاد الى دمشق فجمع العساكر وبذل الأموال وأخذ في طلب الملك فبدأ بحلب ورأى صاحبها قسيم الدولة آق سنقر اختلاف ولد ملك شاه وحقرهم فأطاع تاج الدولة تتش وتبعه في طاعته وبعث الى باغي يسار صاحب انطاكية وإلى مران صاحب الرها وحرّان يشير عليهما بمثل ذلك فأجابا وخطبوا لتاج الدولة تتش في بلادهم وساروا معه الى الرحبة فملكها ثم الى نصيبين فملكها واستباحها وسلمها لمحمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وساروا الى الموصل وقدم عليه الكافي بن فخر الدولة ابن جهير من جزيرة ابن عمر فاستوزره وكانت الموصل قد ملكها علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش وأمّه صفيّة عمة ملك شاه وأطلقت تركمان خاتون عمه إبراهيم فجاء وملك الموصل من يده كما تقدم في أخبار بني المقلّد فبعث اليه تتش في الخطبة وأن يهيئ له الطريق الى بغداد فامتنع وزحف لحربه فانهزم العرب وسيق إبراهيم أسيرا الى تتش في جماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموالهم واستولى تتش على الموصل وغيرها واستناب عليها علي بن مسلم وهو ابن صفيّة عمة أبيه وبعث الى بغداد في الخطبة ووافقه كوهراس [١] الشحنة وحزر الجواب بانتظار الرسل من العسكر فسار تتش الى ديار بكر

стр. 2822

فملكها ثم سار الى آذربيجان وزحف بركيارق يعتذر من سعيه مع تتش فعزله بركيارق بسعاية كمستكن الجاندار بقسيم الدولة وأقام عوضه شحنة ببغداد الأمير مكرد وأعطاه أقطاعه وسار الى بغداد ثم ردّه من دقوقا لكلام بلغه عنه وقتله وولى على شحنة بغداد فتكين حب. مقتل إسماعيل بن ياقوتي كان إسماعيل بن ياقوتي بن داود بن عمّ ملك شاه وخال بركيارق أميرا على أذربيجان فبعثت تركمان خاتون اليه فأطمعته في الملك وأنها تتزوج به فجمع جموعا من التركمان وغيرهم وسار لحرب بركيارق فلقيه عند كرخ ونزع عنه مكرد الى بركيارق فانهزم إسماعيل الى أصبهان فخطبت له خاتون وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود وأرادت العقد معه فمنعها الأمير أنز مدبر الدولة وصاحب العسكر وخوفهم وفارقهم ثم أرسل أخته زبيدة أمّ بركيارق فأصلحت حاله مع ابنها وقدم عليه فأكرمه واجتمع به رجال الدولة كمستكن الجاندار وآق سنقر وبوران وكشفوا سرّه في طلب الملك ثم قتلوه وأعلموا بركيارق فأهدر دمه. (مهلك توران شاه بن قاروت بك) كان توران شاه بن قاروت بك صاحب فارس وأرسلت خاتون الجلالية الأمير أنز لفتح فارس سنة سبع وثمانين فهزمه أولا ثم أساء السيرة مع الجند فلحقوا بتوران شاه وزحف الى أنز فهزمه واستردّ البلد من يده وأصاب توران شاه في المعركة بسهم هلك معه بعد شهرين. (وفاة المقتدي وخلافة المستظهر وخطبته لبركيارق) ثم توفي المقتدي منتصف محرّم سنة سبع وثمانين وكان بركيارق قد قدم بغداد بعد هزيمة عمه تتش فخطب له وحملت اليه الخلع فلبسها وعرض التقليد على المقتدي فقرأه وتدبره وعلم فيه وتوفي فجأة وبويع لابنه المستظهر بالخلافة فأرسل الخلع والتقليد الى بركيارق وأخذت عليه البيعة للمستظهر. استيلاء تتش على البلاد بعد مقتل آق سنقر ثم هزيمة بركيارق لما عاد تتش منهزما من أذربيجان جمع العساكر واحتشد الأمم وسار من دمشق الى حلب سنة سبع وثمانين واجتمع قسيم الدولة آق سنقر وبوران [١] وجاء كربوقا مددا من عند

стр. 2823

بركيارق وساروا لحرب تتش ولقوة على ستة فراسخ من حلب فهزمهم وأخذ آق سنقر أسيرا فقتله ولحق كربوقا وبوران بحلب واتبعهما تتش فحاصرهما وملك حلب وأخذهما أسيرين وبعث الى حرّان والرها في الطاعة فامتنعوا فبعث اليهم برأس بوران وملك البلدين وبعث بكربوقا الى حمص فحبسه بها وسار الى الجزيرة فملكها ثم الى ديار بكر وخلاط فملكها ثم الى أذربيجان ثم سار الى همدان ووجد بها فخر الدولة ابن نظام الملك جاء من خراسان الى بركيارق فلقيه الأمير قماج من عسكر محمود بأصبهان فنهب ماله ونجا الى همذان فصادف بها تتش فأراد قتله وشفع فيه باغي يسار وأشار بوزارته لميل الناس الى بيته واستوزره وكان بركيارق قد سار الى أقسيس فحالفه تتش الى أذربيجان وهمذان فسار بركيارق من نصيبين وعبر دجلة من فوق الموصل الى أربل فلما تقارب العسكران أشرف الأمير يعقوب بن أنق [١] من عسكر تتش فكبس بركيارق وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه الا برسق وكمستكن الجاندار والبارق من أكابر الأمراء فلجئوا الى أصبهان وكانت خاتون أم محمود قد ماتت فمنعه محمود وأصحابه من الدخول ثم خرج اليه محمود وأدخله الى أصبهان واحتاطوا عليه وأرادوا أن يسلموه فرفض محمود فأبقوه. مقتل تتش واستقلال بركيارق بالسلطان ثم مات محمود منسلخ شوّال سنة سبع وثمانين واستولى بركيارق على أصبهان وجاء مؤيد الملك الأمراء واستمالهم فرجعوا الى بركيارق وكشف جمعه وبعث تاج الملك تتش بعد هزيمة بركيارق يوسف بن أنق التركماني شحنة الى بغداد في جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وزحف اليه صدقة بن مزيد صاحب الحلّة فقاتله في يعقوب وانهزم صدقة الى الحلّة ودخل يوسف بن أنق بغداد وأقام بها وكان تتش لما هرم بركيارق سار الى همذان وقد تحصن بها بعض الأمراء فاستأمن اليه واستولى على همذان وسار في نواحي أصبهان وإلى مرو وراسل الأمراء بأصبهان يستميلهم بالمقاربة والوعد وبركيارق مريض فلما أفاق من مرضه خرج الى جرباذقان واجتمع اليه من العسكر ثلاثون ألفا ولقيه تتش فهزمه بركيارق وقتله بعض أصحاب آق سنقر بثأر صاحبه وكان فخر الملك بن نظام الملك أسيرا عنده فانطلق عند هزيمته واستقامت أمور بركيارق وبلغ الخبر الى يوسف يوسف بن أبق التركماني الكامل ١٠/ ٢٤٤) .

стр. 2824

استيلاء كربوقاالموصل قد كناأنّ تاج الدولة تتش أسر قوام الدولة أباكربوقا وحبسه بعد ما قتل آق سنقر بوران فأقام محبوسا بحلب الى أن قتل تتش واستولى رضوان ابنه على حلب فأمره السلطان بركيارق بإطلاقه لأنه كان من جهة الأمير أنز [١] فأطلقه رضوان وأطلق أخاه التوسطاش [٢] فاجتمعت عليهما العساكر وكان بالموصل علي بن شرف الدولة مسلم منذ ولاه عليها تتش بعد وقعة المضيع وكان بنصيبين أخوه محمد بن مسلم ومعه مروان بن وهب [٣] وأبو الهيجاء الكردي وهو يريد الزحف الى الموصل فكاتب كربوقا واستدعاه للنصرة ولقيه على مرحلتين من نصيبين فقبض عليه كربوقا وسار الى نصيبين وحاصرها أربعين يوما وملكها ثم سار الى الموصل فامتنعت عليه فتحوّل عنها الى بلد [٤] وقتل بها محمد بن شرف الدولة تغريقا وعاد الى حصار الموصل ونزل منها على فرسخ واستنجد علي بن مسلم بالأمير مكرس [٥] صاحب جزيرة ابن عمر فجاء لانجاده واعترضه التوسطاش فهزمه ثم سار الى طاعة كربوقا وأعانه على حصار الموصل ولما اشتدّ بصاحبه علي بن مسلم الحصار بعد تسعة أشهر هرب عنها ولحق بصدقة بن مزيد ودخل كربوقا الى الموصل وعاث التوسطاش في أهل البلد ومصادرتهم واستطال على كربوقا فأمر بقتله ثالثة دخوله سنة تسع وثمانين وسار كربوقا الى الرحبة فملكها وعاد فأحسن السيرة في أهل الموصل ورضوا عنه واستقامت أموره. استيلاء أرسلان أرغون اخي السلطان ملك شاه على خراسان ومقتله كان أرسلان أرغون مقيما عند أخيه السلطان ملك شاه ببغداد فلما مات وبويع ابنه محمود سار الى خراسان في سبعة من مواليه واجتمعت عليه جماعة وقصد نيسابور فامتنعت عليه فعاد الى مرو وكان بها شحنة الأمير قودر [٦] من موالي السلطان ملك شاه وكان أحد الساعين في قتل

стр. 2825

نظام الملك فمال الى طاعة أرغون وملكه البلد وسار الى بلخ وكان بها فخر الملك بن نظام الملك ففرّ عنها ووصل الى همدان ووزر لتاج الدولة تتش كما مرّ وملك ارسلان أرغون بلخ وترمذ ونيسابور وسائر خراسان وأرسل الى السلطان بركيارق وزيره مؤيد الملك في تقرير خراسان عليه بالضمان كما كانت لجدّه داود ما عدا نيسابور فأعرض عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش ثم عزل بركيارق مؤيد الملك عن الوزارة بأخيه فخر الملك واستولى فخر الملك البارسلان على الأمور فقطع ارسلان مراسلة بركيارق فبعث حينئذ عمه بورسوس [١] في العساكر لقتاله فانهزم ارسلان الى بلخ وأقام بورسوس بهراة وسار أرسلان الى مرو وفتحها عنوة وخرّبها واستباحها وسار اليه بورسوس من هراة سنة ثمان وثمانين وكان معه مسعود بن تأخر [٢] الّذي كان أبوه مقدّم عساكر داود ومعه ملك شاه من أعاظم الأمراء فبعث اليه ارسلان واستماله فمال اليه ووثب لمسعود بن تأخر وابنه فقتلهما في خيمته فضعف أمر بورسوس وانفض الناس عنه وجيء به أسيرا الى أخيه أرسلان أرغون فحبسه بترمذ ثم قتله في محبسه بعد سنة وقتل أكابر خراسان وخرب أسوارها مثل سودان ومرو الشاهجان وقلعة سرخس ونهاوند ونيسابور وصادر وزيره عماد الملك بن نظام الملك على ثلاثمائة ألف دينار ثم قتله واستبدّ بخراسان وكان مرهف الحدّ كثير العقوبة لمواليه وأنكر على بعضهم يوما بعض فعلاته وهو في خلوة وضربه فطعنه الغلام بخنجر معه فقتله وذلك في المحرّم من سنة تسعين. ولاية سنجر على خراسان ولما قتل ارسلان أرغون ملّك أصحابه من بعده صبيا صغيرا من ولده وكان السلطان بركيارق قد جهز العساكر لخراسان للقتال ومعه الأتابك قماج ووزيره علي بن الحسن الطغرائي وانتهى اليه مقتل أرسلان بالدامغان فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا الى نيسابور فملكها في جمادى سنة تسعين وأربعمائة وملك سائر خراسان وسار الى بلخ وكان أصحاب أرسلان قد هربوا بابنه الّذي نصبوه للملك الى جبل طخارستان وبعثوا يستأمنون له ولهم فأمنهم السلطان وجاءوا بالصبي في آلاف من العساكر فأكرمه السلطان وأقطعه ما

стр. 2826

كان لأبيه أيام ملك شاه وانفض عنه العسكر الذين كانوا معه وافترقوا على أمراء السلطان وأفردوه فضمته أم السلطان اليها وأقامت من يتولى رتبته وسار السلطان الى ترمذ فملكها وخطب له بسمرقند ودانت له البلاد وأقام على بلخ سبعة أشهر ثم رجع وترك أخاه سنجر نائبا بخراسان. ظهور المخالفين بخراسان لما كان السلطان بخراسان خالف عليه محمود بن سليمان من قرابته ويعرف بأمير أميران وسار إلى بلخ واستمدّ صاحب غزنة من بني سبكتكين فأمدّه بالعساكر والخيول على أن يخطب له فيما يفتحه من خراسان فقويت شوكته فسار اليه الملك سنجر وكبسه فانهزم وجيء به أسيرا فسلمه ولما انصرف السلطان عن خراسان سار نائب خوارزم واسمه أكنجي في اتباعه وسبق الى مرو فتشاغل بلذاته وكان بها الأمير تورد قد تشاغل عن السلطان واعتذر بالمرض فداخل بارقطاش من الأمراء في قتل أكنجي صاحب خوارزم فكبسه في طائفة من أصحابه وقتلوه وساروا الى خوارزم فملكوها مظهرين أنّ السلطان ولاهما عليها وبلغ الخبر الى السلطان وكان قد بلغه في طريقه خروج الأمير أنز بفارس عن طاعته فمضى الى العراق وأعاد داود الحبشي ابن التونطاق في العساكر لقتالهما فسار الى العراق من هراة وأقام في انتظار العسكر فعاجلاه فهرب أمامهما وهرب جيحون وتقدّم بارقطاش قبل تودن وقاتله فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر الى تودن فثار به عسكره ونهبوا أثقاله ولحق بسنجار فقبض عليه صاحبها ثم أطلقه فلحق بالملك سنجر ببلخ فقتله وأفرغ هو طاعته في نظمه وجمع العساكر على طاعته ثم مات قريبا وبقي بارقطاش أسيرا عند داود الى أن قتل. بداية دولة بني خوارزم شاه كان أبو شكين مملوكا لبعض أمراء السلجوقية واشتراه من بعض أهل غرشفان فدعى أبا شكين غرشه [١] ونشأ على حال مرضية وكان مقدما وولد له ابنه محمد فأحسن تأديبه وتقدّم هو بنفسه ولما سار الأمير داود الحبشي الى خراسان كما مرّ سار محمد في جملته فلما مهد

стр. 2827

خراسان وأزال الخوارج نظر فيمن يوليه خوارزم وكان نائبها أكنجي قد قتله كما مرّ فوقع اختياره على محمد بن أبي شكين فولاه ولقبه خوارزم شاه فحسنت سيرته وارتفع محله وأقرّه السلطان سنجر وزاده عناية بقدر كفايته واضطلاعه وغاب في بعض الأيام عن خوارزم فقصدها بعض ملوك الأتراك وكان طغرلتكين محمد الّذي كان أبوه أكنجي نائبا بخوارزم وبادر محمد بن أبي شكين الى خوارزم بعد أن استمدّ السلطان سنجر وسار بالعساكر مددا له وتقدم محمد بن أبي شكين فتأخر الأتراك الى منقشلاع ورحل طغرلتكين الى جرجان وازداد محمد بذلك عناية عند سنجر ولما توفي ولى ابنه بعده أقسر وأحسن السيرة وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وباشر الحروب فملك مدينة منقشلاع ولما توفي اختصه السلطان سنجر وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه واتصل الملك في بني محمد أبي شكين خوارزم شاه وكانت لهم الدولة وتمت دولة بني ملك شاه وعليها كان ظهور الططر [١] بعد المائة السادسة ومنهم أخذوا الملك كما سيأتي في أخبارهم. استيلاء الافرنج على انطاكية وغيرها من سواحل الشام كان الافرنج قد ظهر أمرهم في هذه السنين وتغلبوا على صقلّيّة واعتزموا على قصد الشام وملك بيت المقدس وأرادوا المسير اليها في البرّ فراسلوا ملك الروم بالقسطنطينية أن يسهل لهم الطريق الى الشام فأجابهم على أن يعطوه انطاكية فعبروا خليج القسطنطينية سنة تسعين وأربعمائة وسار ارسلان بن سليمان بن قطلمش صاحب مرقيه وبلاد الروم لمدافعتهم فهزموه ثم مرّوا ببلاد ابن لبون الارمني ووصلوا الى انطاكية فحاصروها تسعة أشهر وصاحبها يومئذ باغي سيان فأحسن الدفاع عنها ثم تبوّءوا البلد بمداخلة بعض الحامية أصعدهم السور بعد أن رغبوه بالأموال والاقطاع وجاءوا الى السور فدلهم على بعض المخادع ودخلوا منه ونفخوا البوق فخرج باغي سيان هاربا حتى إذا كان على أربعة فراسخ راجع نفسه وندم فسقط مغشيا عليه ومرّ به أرمني فحمل رأسه الى انطاكية وذلك سنة احدى وتسعين وأربعمائة واجتمعت عساكر المسلمين وزحفوا الى انطاكية من كل ناحية ليرتجعوها من الافرنج وجاء قوام الدين كربوقا الى الشام واجتمعت عليه العساكر بمرج دابق فكان معه دقاق بن تتش وطغرلتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وارسلان تاش صاحب سنجار وسقمان بن أرتق

стр. 2828

وغيرهم وساروا الى انطاكية فنازلوها واستوحش الأمراء من كربوقا وأنفوا من ترفعه عليهم وضاق الحصار بالافرنج لعدم الأقوات لأنّ المسلمين عاجلوهم عن الاستعداد فاستأمنوا كربوقا فمنعهم الأمان وكان معهم من الملوك بردويل وصخبل وكمدمري والقمط صاحب الرها وسمند [١] صاحب انطاكية وهو مقدم العساكر فخرجوا مستأمنين وضربوا مصافّ وتخاذل الناس لما كان في قلوبهم من الاضغان لكربوقا فتمت الهزيمة عليهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق واستشهد منهم العرب وغنم العدوّ سوادهم بما فيه وساروا الى معرة النعمان فملكوها وأفحشوا في استباحتها ثم ساروا الى غزة فحاصروها أربعة أشهر وامتنعت عليهم وصالحهم ابن منقذ على بلده شيراز وحاصروا حمص فصالحهم صاحبها جناح الدولة ثم ساروا الى عكا فامتنعت عليهم وكان هذا بداية الافرنج بسواحل الشام ويقال انّ المصريين استنابوا رجلا يعرف بافتخار الدولة من خلفاء العميد بن نصر لما خشوا من السلجوقية عند استيلائهم على الشام الى غزة وزحف الاقسيس من أمرائهم الى مصر وحاصرها فراسلوا الى الافرنج واستدعوهم لملك الشام لينشلوهم عن أنفسهم ويحولوا بينهم وبين مصر والله أعلم. انتقاض الأمير انز وقتله لما سار السلطان بركيارق الى خراسان ولى على بلاد فارس الأمير انز وكانت قد تغلبت الشوانكار واستظهروا بإيران شاه بن قاروت بك صاحب كرمان فلما سار اليهم انز قاتلوه فهزموه ورجع الى أصبهان فاستأذن السلطان فأمره بالمقام هناك وولاه امارة العراق وكانت العساكر في جواره بطاعته وجاءه مؤيد الملك بن نظام الملك من بغداد على الحلة فأغراه بالخلاف وخوّفه غائلة بركيارق وأشار عليه بمكاتبة محمد بن ملك شاه وهو في كنجه وشاع عنه ذلك فازداد خوفه وجمع العساكر وسار من أصبهان الى الريّ وجاهر السلطان بالخلاف وطلب منه أن يسلم اليه فخر الملك البارسلان وبينما هو في ذلك إذ هجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم من جنده فطعنوه فقتلوه واهتاج عسكره فنهبوا خزائنه وحمل شلوه الى أصبهان فدفن بها وأشهر خبر قتله الى السلطان في أحواز الريّ وهو سائر لقتاله فسرّ بذلك هو وفخر الملك البارسلان وذلك في سنة ثنتين وتسعين وكان محمود المذاهب كبير المناقب ولما

стр. 2829

قتل هرب اصهنر صبار [١] الى دمشق فأقام بها مدّة ثم قدم على السلطان محمد سنة احدى وخمسمائة فأكرمه وأقطعه رحبة مالك بن طوق. استيلاء الافرنج على بيت المقدس كان بيت المقدس لتاج الدولة تتش وأقطعه الأمير سقمان بن أرتق التركماني وكان تتش ملكه من يد العلويين أهل مصر فلما وهن الأتراك بواقعة انطاكية طمع المصريون في ارتجاعه وسار صاحب دولتهم الأفضل بن بدر الجمالي وحاصر الأمير سقمان وأخاه ايلغاري وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سونج ونصب المجانيق فثلموا سوره ثم ملكوه بالأمان لأربعين يوما من حصاره في شعبان سنة تسع وثمانين وأحسن الأفضل الى سقمان وايلغاري ومن معهما وأطلقهم فأقام سقمان ببلد الرها وسار ايلغاري الى العراق وولى الأفضل على بيت المقدس افتخار الدولة من أمرائهم ورجع الى مصر فلما رجع الافرنج من عكا جاءوا الى بيت المقدس فحاصروه أربعين يوما واقتحموه من جهة الشمال آخر شعبان من سنة اثنتين وتسعين وعاثوا في أهله واعتصم فلهم بمحراب داود ﵇ ثلاثا حتى استأمنوا وخرجوا ليلا الى عسقلان وقتل بالمسجد سبعون ألفا أو يزيدون من المجاورين فيهم العلماء والزهاد والعباد وأخذوا نيفا وأربعين قنديلا من الفضة زنة كل واحد ثلاثة آلاف وستمائة درهم ومائة وخمسين قنديلا من الصغار وتنورا من الفضة زنته أربعون رطلا بالشامي وغير ذلك مما لا يحصى ووصل الصريخ الى بغداد مستغيثين فأمر المقتدي أن يسير الى السلطان بركيارق أبو محمد الدامغانيّ وأبو بكر الشاشي وأبو القاسم الزنجاني وأبو الوفاء بن عقيد وأبو سعد الحلواني وأبو الحسين بن السماك فساروا الى بركيارق يستصرخونه للمسلمين فانتهوا الى حلوان وبلغهم مقتل مجد الملك الباسلاني [٢] وفتنة بركيارق مع أخيه محمد فرجعوا وتمكن الافرنج من البلاد ونحن عازمون على افراد أخبارهم بالشام وما كان لهم فيه من الدولة على حكم أخبار الدول في كتابنا. ظهور السلطان محمد بن ملك شاه والخطبة له ببغداد وحروبه مع أخيه بركيارق كان محمد وسنجر شقيقين وكان بركيارق استعمل سنجر على خراسان ثم لحق به محمد

стр. 2830

بأصبهان وهو يحاصرها سنة ثمان وثمانين فأقطعه كنجة وأعمالها وأنزل معه الأمير قطلغ تكين أتابك وكانت كنجة من أعمال ارّان وكانت لقطون فانتزعها ملك شاه وأقطعه أستراباذ وولى على ارّان سرهنك ساوتكين الخادم ثم ضمن قطون بلاده وأعيد اليها فلما قوي رجع الى العصيان فسرّح اليه ملك شاه الأمير بوزان فغلبه على البلاد وأسره ومات ببغداد سنة أربع وثمانين وأقطع ملك شاه بلاد ارّان لأصحاب باغي سيان صاحب انطاكية ولما مات باغي سيان رجع ابنه الى ولاية أبيه ثم أقطع السلطان بركيارق كنجة وأعمالها لمحمد كما قلناه سنة ست وثمانين ولما اشتدّ واستفحل قتل أتابك قطلغ تكين واستولى على بلاد ارّان كلها ولحق مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك بعد مقتل صاحبه أنز فاستخلصه وقرّبه وأشار عليه مؤيد الملك فطلب الأمر لنفسه فخطب له بأعماله واستوزر مؤيد الملك وقارن ذلك مقتل مجد الملك الباسلانيّ المتغلب في دولة بركيارق فاستوحش أصحابه لذلك ونزعوا الى محمد وساروا جميعا الى الريّ وكان بركيارق قد سبقهم اليها واجتمع اليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي [١] من أكابر الأمراء وعز الملك بن نظام الملك ولما بلغه مسير أخيه محمد اليه رجع الى أصبهان فمنعوه من الدخول فسار الى خوزستان وملك محمد الريّ في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ووجد بها زبيدة أم بركيارق قد تخلفت عن ابنها فحبسها مؤيد الملك وصادرها ثم قتلها خنقا بعد ان تنصح له أصحابه في شأنها فلم يقبل وكان سعد الدولة كوهراس شحنة بغداد قد استوحش من بركيارق فاتفق هو وكربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر وسرخاب بن بدر صاحب كنكسون وساروا الى السلطان محمد بقمّ فخلع عليهم وردّ كوهراس الى بغداد في شأن الخطبة فخطب له بالخليفة ولقبه حياة الدين والدنيا وسار كربوقا وجكرمش مع السلطان محمد الى أصبهان والله أعلم. مقتل الباسلاني كان أبو الفضل سعد الباسلاني ويلقب مجد الملك متحكما عند السلطان بركيارق ومتحكما في دولته ولما فشا القتل في أمرائه من الباطنية استوحشوا ونسبوا ذلك للباسلاني وكان من أعظم من قتل منهم الأمير برسق فأتهم ابنه زنكي وأقبورني الباسلاني في قتله ونزعوا عن بركيارق الى السلطان محمد فاجتمع الأمراء ومقدّمهم أمير الحيرة لكابك وطغايرك من الروز وبعثوا

стр. 2831

الى بني برسق يستدعونهم للطلب بثار أبيهم فجاءوا واجتمعوا قريبا من همدان ووافقهم العسكر جميعا على ذلك وبعثوا الى بركيارق يطلبون الباسلاني فامتنع وأشار عليه الباسلاني بإجابتهم لئلا يفعلوا ذلك بغير رأي السلطان فيكون وهنا على الدولة فاستحلفهم السلطان فدفعه اليهم فقتله الغلمان قبل أن يتصل بهم وسكنت الفتنة وحمل رأسه الى مؤيد الملك واستوحش الأمراء لذلك من بركيارق وأشاروا عليه بالعود الى الريّ ويكفونه قتال أخيه محمد فعاد متشاغلا ونهبوا سرادقه وساروا الى أخيه محمد ولحق بركيارق بأصبهان ثم لحق رستاق كما تقدّم. اعادة الخطبة ببغداد لبركيارق ولما سار بركيارق الى خوزستان ومعه نيال بن أبي شكين الحسامي مع عسكره سار من هنالك الى واسط ولقيه صدقة بن مزيد صاحب الحلة ثم سار الى بغداد وكان سعد الدولة كوهراس الشحنة على طاعة محمد فخرج عن بغداد ومعه أبو الغازي بن بن ارتق وغيره وخطب لبركيارق ببغداد منتصف صفر سنة ثلاث وتسعين بعد ان فارقها كوهراس وأصحابه وبعثوا الى السلطان محمد ومؤيد الملك يستحثونهما فأرسلا اليهم كربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر يستكثرون بهم في المدافعة وطلب جكرمش من كوهراس السير لبلده خشية عليها فأذن له ثم يئس كوهراس وأصحابه من محمد فبعثوا الى بركيارق بطاعتهم فخرج اليهم واسترضاهم ورجع الى بغداد وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بما أخذ هو وأبوه من الموصل وديار بكر أيام ولايتهم عليها فصادرهم على مائة وستين ألف دينار واستوزر الأغر أبا المحاسن عند الجليل ابن علي بن محمد الدهستاني وخلع الخليفة على بركيارق. المصاف الأوّل بين بركيارق ومحمد ومقتل كوهراس وهزيمة بركيارق والخطبة لمحمد ثم سار بركيارق من بغداد لحرب أخيه محمد ومر بشهرزور فاجتمع اليه عسكر كثير من التركمان وكاتب رئيس همدان يستحثه فركب وسار للقاء أخيه على فراسخ من همذان في أوّل رجب من سنة ثلاث وتسعين وفي ميمنته كوهراس وعزّ الدولة بن صدقة بن مزيد وسرحاب

стр. 2832

ابن بدر وفي ميسرته كربوقا وفي ميمنته محمد بن أضر وابنه أيار [١] وفي ميسرته مؤيد الملك والنظامية ومعه في القلب أمير سرخو شحنة أصبهان فحمل كوهراس من الميمنة على مؤيد الملك والنظامية فهزمهم وانتهى الى خيامهم فنهبها وحملت ميمنة محمد على ميسرة بركيارق فانهزموا وحمل محمد على بركيارق فهزمه ووقف محمد مكانه وعاد كوهراس من طلب المنهزمين فكبا به فرسه فقتل وجيء بالاغر أبي المحاسن يوسف وزير بركيارق أسيرا فأكرمه مؤيد الملك ونصب له خيمة وبعثه الى بغداد في الخطبة لمحمد فخطب له منتصف رجب من السنة وكانت أوليّة سعد الدولة كوهراس انه كان خادما للملك أبي كلينجار بن بويه وجعله في خدمة ابنه أبي نصر ولما حبسه طغرلبك مضى معه الى قلعة طغرل فلما مات انتقل الى خدمة السلطان البارسلان وترقّى عنده وأقطعه واسط وجعله شحنة بغداد وحضر يوم قتله فوقّاه بنفسه ثم أرسله ملك شاه الى بغداد في الخطبة وجاء بالخلع والتقليد وحصل له من نفوذ الأمر واتباع الناس ما لم يحصل لغيره الى أن قتل في هذه المعركة وولى شحنة بغداد بعده ايلغازي بن أرتق. مسير بركيارق خراسان وانهزامه من أخيه سنجر ومقتل الأمير داود حبشي أمير خراسان لما انهزم بركيارق من أخيه محمد خلص في الفلّ الى الريّ واجتمع له جموع من شيعته فسار الى خراسان وانتهى الى أسفراين وكتب الأمير داود حبشي [٢] الى التونطاق يستدعيه من الدامغان وكان أميرا على معظم خراسان وعلى طبرستان وجرجان فأشار عليه بالمقام بنيسابور فقصدها وقبض على عميدها أبي محمد وأبي القاسم بن امام الحرمين ومات أبو القاسم في محبسه مسموما ثم زحف سنجر الى الأمير داود فبعث الى بركيارق يستدعيه لنجدته فسار اليه والتقى الفريقان بظاهر بوشنج وفي ميمنة سنجر الأمير برغش وفي ميسرته الأمير كوكر [٣] ومعه في القلب الأمير رستم فحمل بركيارق على رستم فقتله وانقضّ الناس على سنجر وكاد ينهزم وأخذ بركيارق أمّ سنجر أسيرة وشغل أصحاب بركيارق بالنهب فحمل عليهم برغش وكوكر فانهزموا واستمرّت الهزيمة على بركيارق وهرب الأمير داود فجيء به الى برغش أسيرا

стр. 2833

فقتله وسار بركيارق الى جرجان ثم الى الدامغان ودخل البرية ثم استدعاه أهل أصبهان وجاءه جماعة من الأمراء منهم جاول سقاوو وسبقه محمد الى أصبهان فعدل عنها الى عسكر مكرم. المصاف الثاني بين بركيارق ومحمد وهزيمة محمد وقتل وزيره مؤيد الملك والخطبة لبركيارق لما انهزم بركيارق أمام سنجر سنة ثلاث وتسعين وسار الى أصبهان فوجد أخاه محمدا قد سبقه اليها فعدل عنها الى خوزستان ونزل الى عسكر مكرم وقدم عليه هناك الأميران زنكي والبكي ابنا برسق سنة أربع وتسعين وساروا معه الى همذان وهرب اليه الأمير أياز في خمسة آلاف من عسكر محمد لأنّ صاحب أميرا ضر [١] مات في تلك الأيام وظنوا أن مؤيد الملك دسّ عليه وزيره فسمه وكان أياز في جملة أمير أضر فقتل الوزير المتهم ولحق بركيارق ثم وصل اليه سرحاب بن كنجر وصاحباه فاجتمع له نحو من خمسين ألف فارس ولقيه محمد في خمسة عشر ألفا واستأمن أكثرهم إلى بركيارق يوم أوّل جمادى الأخيرة سنة أربع وتسعين واستولت الهزيمة على محمد وجيء بمؤيد الملك أسيرا فوبخه ثم قتله بيده لانه كان سيّئ السيرة مع الأمراء كثير الحيل في تدبير الملك ثم بعث الاغرّ أبو المحاسن وزير بركيارق أبا إبراهيم الأستراباذيّ لاستقصاء أحوال مؤيد الملك وذخائره ببغداد فحمل منها ما لا يسعه الوصف يقال انه وجد في ذخائره ببلاد العجم قطعة بلخش زنتها أربعون مثقالا واستوزر محمد بعده خطيب الملك أبا منصور محمد بن الحسين ثم سار السلطان بركيارق الى الريّ ووفد عليه هنالك كربوقا [٢] صاحب الموصل ودبيس بن صدقة وأبوه يومئذ صاحب الحلة وسار السلطان قافلا الى جرجان وبعث الى أخيه سنجر يستجديه فبعث اليه ما أقامه ثم طلبه في المدد فسار اليه سنجر من خراسان ثم سارا جميعا الى الدامغان فخرباها وسار الى الري

стр. 2834

واجتمعت عليه النظامية وغيرهم فكثرت جموعهم وكان بركيارق بعد الظفر قد فرق عساكره لضيق الميرة ورجع دبيس بن صدقة الى أبيه وخرج بآذربيجان داود بن إسماعيل ابن ياقوتي فبعث لقتاله قوام الدولة كربوقا في عشرة آلاف واستأذنه أياز في المسير الى ولايته بهمدان ويعود بعد الفطر فبقي في قلة من العساكر فلما بلغه قرب أخيه محمد وسنجر اضطرب حاله وسار الى همذان ليجتمع مع أياز فبلغه انه قد راسل أخاه محمدا وأطاعه فعاد الى خوزستان ولما انتهى الى تستر استدعى ابن برسق وكان من جملة أياز فلم يحضر وتأخر فآمنه فسار نحو العراق فلما بلغ حلوان لحق به أياز وكان راسل محمدا فلم يقبله وبعث عساكره الى همدان فلحق بهمدان أياز وأخذ محمد محلة [١] أياز بهمدان وكانت كثيرا من كل صنف وصودر أصحابه [٢] بهمدان بمائة ألف دينار وسار بركيارق وأياز الى بغداد فدخلها منتصف ذي القعدة من سنة أربع وتسعين وطلب من الخليفة المال للنفقة فبعث اليه بعد المراجعة بخمسين ألف دينار وعاث أصحاب بركيارق في أموال الناس وضجروا منه ووفد عليه أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن المصلحية [٣] قاضي جبلة من سواحل الشام منهزما من الافرنج بأموال جليلة المقدار فأخذها بركيارق منه وقد تقدّم خبر ابن المصلحية في دولة العباسيين ثم بعث وزير بركيارق الأغر [٤] بالمحاسن الى صدقة بن مزيد صاحب الحلة في ألف ألف دينار يزعم أنها تخلفت عنده من ضمان البلاد وتهدده عليها فخرج عن طاعة بركيارق وخطب لمحمد أخيه وبعث اليه بركيارق في الحضور والتجاوز عن ذلك وضمن له أياز جميع مطالبه فأبي الا ان يدفع الوزير واستمرّ على عصيانه وطرد عامل بركيارق عن الكوفة واستضافها اليه. مسير بركيارق عن بغداد ودخول محمد وسنجر اليها ولما استولى السلطان محمد وأخوه سنجر على همذان سار في اتباع بركيارق الى حلوان فقدم عليه هنالك أبو الغازي ابن ارتق في عساكره وخدمه وكثرة جموعه فسار الى بغداد وبركيارق عليل بها فاضطرب أصحابه وعبروا به الى الجانب الغربي ووصل محمد الى بغداد آخر سنة

стр. 2835

أربع وتسعين وتراءى الجمعان بشاطئ دجلة وجرت بينهم المراماة والنشاب وكان عسكر محمد ينادون عسكر بركيارق يا باطنية ثم سار بركيارق الى واسط ونهب عسكره جميع ما مرّوا عليه ودخل محمد الى دار المملكة ببغداد وجاءه توقيع المستظهر بالاستبشار بقدومه وخطب له ونزل الملك سنجر بدار كوهراس ووفد على السلطان محمد ببغداد صدقة صاحب الحلة في محرّم سنة خمس وسبعين [١] . قتل بركيارق الباطنية كان هؤلاء الباطنية قد ظهروا بالعراق وفارس وخراسان وهم القرامطة والدعوة بعينها دعوتهم الا أنهم سمعوا في هذه الأجيال بالباطنية والإسماعيلية والملاحدة والفداوية وكل اسم منها باعتبار فالباطنية لانهم يبطنون دعوتهم والإسماعيلية لانتساب دعوتهم في أصلها لإسماعيل الامام بن جعفر الصادق والملاحدة لان بدعتهم كلها الحاد والفداوية لانهم يفادون أنفسهم بالمال على قتل من يسلطون والقرامطة نسبة الى قرمط منشئ دعوتهم وكان أصلهم من البحرين في المائة الثالثة وما بعدها ثم نشأ هؤلاء بالمشرق أيام ملك شاه فأوّل ما ظهروا بأصبهان واشتدّ في حصار بركيارق وأخيه محمود وأمه خاتون فيها ثم ثارت عامة أصبهان بهم بإشارة القضاة وأهل الفتيا فقتلوهم في كل جهة وحرقوهم بالنار ثم انتشروا واستولوا على القلاع ببلاد العجم كما تقدّم في أخبارهم ثم أخذ بمذهبهم نيران شاه بن بدران شاه بن قارت بك [٢] صاحب كرمان حمله عليه كاتب من أهل خوزستان يسمى أبا زرعة وكان بكرمان فقيه من الحنفية يسمى أحمد بن الحسين البلخي مطاع في الناس فخشي من نكيره فقتله فهرب عنه صاحب جيشه وكان شحنة البلد ولحق بالسلطان محمد ومؤيد الملك بأصبهان وثار الجنا بعده بنيران شاه الى مدينة كرمان فمنعه أهلها ونهبوه فقصد قلعة سهدم [٣] واستجار بصاحبها محمد بهستون وبعث أرسلان شاه عساكر لحصارها فطرده بهستون وبعث مقدم العساكر في طلبه فجيء به أسيرا وبأبي زرعة الكاتب معه فقتلهما أرسلان شاه واستولى على بلاد كرمان وكان بركيارق كثيرا ما يسلطهم على من يريد قتله من الأمراء مثل انز شحنة أصبهان وأرغش وغيرهم فامنوا جانبه وانتشروا في عسكره وأغروا الناس ببدعتهم

стр. 2836

وتجاوزوا الى التهديد عليها حتى خافهم أعيان العسكر وصار بركيارق يصرفهم على أعدائه والناس يتهمونه بالميل اليهم فاجتمع أهل الدولة وعذلوا بركيارق في ذلك فقبل نصيحتهم وأمر بقتل الباطنية حيث كانوا فقتلوا وشردوا كل مشرد وبعث الى بغداد بقتل أبي إبراهيم الأستراباذيّ الّذي بعثه أبو الأغر لاستقصاء أموال مؤيد الملك وكان يتهم بمذهبهم فقتل وقتل بالعسكر الأمير محمد من ولد علاء الدين بن كاكويه وهو صاحب مدينة تيرد وكان يتهم بمذهبهم وسعى بالكيا الهراسي مدرس النظامية انه باطني فأمر السلطان محمد بالقبض عليه حتى شهد المستظهر ببراءته وعلو درجته في العلم فاطلقه وحسمت علة الباطنية بين الجمهور وبقي أمرهم في القلاع التي ملكوها الى ان انقرضوا كما تقدّم في اخبارهم مستوفي. (المصاف الثالث بين بركيارق ومحمد والصلح بينهما) ولما رحل بركيارق عن بغداد الى واسط ودخل اليها السلطان محمد اقام بها الى منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين ثم رحل الى همدان وصحبه السلطان سنجر لقصد خراسان موضع إمارته وجاءت الاخبار الى المستظهر باعتزام بركيارق على المسير الى بغداد ونقل له عنه قبائح من أقواله وأفعاله فاستدعى السلطان محمدا من همدان وقال أنا أسير معك لقتاله فقال محمد أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ورجع ورتب ببغداد أبا المعالي شحنة وكان بركيارق لما سار من بغداد الى واسط هرب أهلها منه الى الزبيدية ونزل هو بواسط عليلا فلما أفاق أراد العبور الى الجانب الشرقي فلم يجد سفنا ولا نواتية وجاءه القاضي أبو علي الفارسيّ الى العسكر واجتمع بالأمير أياز والوزير فاستعطفهما لأهل واسط وطلب اقامة الشحنة بينهم فبعثاه وطلبا من القاضي من يعبر فأحضر لهم رجالا عبروا بهم فلما صاروا في الجانب الشرقي نهب العسكر البلد فجاء القاضي واستعطفهم فمنعوا النهب واستأمن اليهم عسكر واسط فأمنوهم وسار بركيارق الى بلاد بلخ وبرسق في الأهواز وساروا معه ثم بلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار في اتباعه على نهاوند الى أن أدركه وتصافوا ولم يقتتلوا لشدّة البرد ثم عاودوا في اليوم الثاني كذلك وكان الرجل يخرج لقريبه من الصف الأخر فيتصافحان ويتساءلان ويفترقان ثم جاء الأمير بكراج وعبر من عسكر محمد الى الأمير أياز والوزير الأغر فاجتمعوا وعقدوا الصلح بين الفريقين على ان السلطان بركيارق والملك محمد ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد حرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل ويمده بركيارق بالعساكر على من يمتنع عليه منها وتحالفا على ذلك وافترقا وكان العقد في ربيع الأوّل سنة خمس وتسعين وسار بركيارق الى ساوة ومحمد الى أستراباذ وكل أمير على أقطاعه والله أعلم .

стр. 2837

انتقاض الصلح والمصاف الرابع بين السلطانين وحصار محمد بأصبهان لما انصرف السلطان محمد الى أستراباذ وكان اتهم الأمراء الذين سعوا في الصلح بالخديعة فسار الى قزوين ودس الى رئيسها لان يصنع صنيعا ويدعوه اليه مع الأمراء ففعل وجاء السلطان الى الدعوة وقد تقدم الى أصحابه بحمل السلاح ومعه يشمك وافتكين من أمرائه فقبض عليهما وقتل يشمك وسمل افتكين وورد عليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي نازعا عن أخيه بركيارق. ولما التقى الفريقان حمل سرخاب بن كشمر [١] الديليّ صاحب ساوة على نيال الحسامي فهزمه واتبعه عامّة العسكر واستولت الهزيمة على عسكر محمد ومضى بعضهم الى طبرستان وبعضهم الى قزوين وذلك في جمادى من سنة خمس وتسعين لاربعة أشهر من المصاف قبله ولحق محمد في الفل بأصبهان ومعه نيال الحسامي وأصبهان في حكمه فحصنها وسدّ ما ثلم من سورها وأعمق الخندق وفرّق الأمراء في الأسوار وعلى الأبواب ونصب المجانيق وجاء بركيارق في خمسة عشر ألف مقاتل فأقام محاصرا للبلد حتى اشتدّ الحصار وعدمت الأقوات واستقرض محمد المال للجند من أعيان البلدة مرّة بعد أخرى فلما جهده الحصار خرج من البلد ومعه الأمير نيال وترك باقي الأمراء وبعث بركيارق الأمير أياز في عسكر لطلبه فلم يدركه وقيل بل أدركه وذكره العهد فرجع عنه بعد ان أخذ رايته وجشره [٢] وثلاثة أحمال من المال ولما خرج محمد عن أصبهان طمع المفسدون والسودية في نهبها فاجتمع منهم ما يزيد على مائة ألف وزحفوا بالسلالم والذبابات وطموا الخندق وصعدوا في السلالم بإشارة أهل البلد وجدّوا في دفاعهم وعادوا خائبين ورحل بركيارق آخر ذي القعدة من سنة خمس وتسعين واستخلف على البلاد القديم الّذي يقال له شهرستان مرشد الهراس في ألف فارس مع ابنه ملك شاه وسار الى همدان وفي هذا الحصار قتل وزير بركيارق الأغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني عرض له يوما بعض الباطنية عند ما ركب من خيمته لباب السلطان طعنه طعنات

стр. 2838

وتركه بآخر رمق وقتل غلام من غلمان بعض المكوس للوزير ثار فيه بمولاه وكان كريما واسع الصدر وولى الوزارة على حين فساد القوانين وقلة الجباية فكان يضطرّ لاخذ أموال الناس بالإضافة فنفرت الصفوة منه ولما مات استوزر بركيارق بعده الخطير أبا منصور الميبذي كان وزيرا لمحمد وقد وكله في الحصار ببعض الأبواب فبعث اليه محمد نيال بن أبي شكين يطالبه بالأموال لإقامة العسكر فخرج من الباب ليلا ولحق ببلده وامتنع بقلعتها فأرسل السلطان بركيارق اليها عساكر وخاصروها حتى استأمن وجاء عند قتل وزيره الأغر فاستوزره بركيارق مكانه والله تعالى أعلم بغيبه. مسير صاحب البصرة الى واسط كان صاحب البصرة لهذا العهد إسماعيل بن ارسلان حين كان السلطان ملك شاه شحنة بالريّ وولاه عليها عند ما اضطرّ أهلها وعجز الولاة عنهم فحسنت كفايته وأثخن فيهم وأصلح أمورها ثم عزل عنها وأقطع السلطان بركيارق البصرة للأمير قماج وكان ممن لا يفارقه فاختار إسماعيل لولاية البصرة ثم نزع قماج عن بركيارق وانتقل الى خراسان فحدّثت إسماعيل نفسه بالاستبداد بالبصرة وانتقض وزحف اليه مهذب الدولة بن أبي الخير من البطيحة ومعقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الاسدي من الجزيرة في العساكر والسفن فقاتلوه في مطاري وقتل معقل بسهم أصابه فعاد ابن أبي الخير الى البطيحة فأخذ إسماعيل السفن وذلك سنة احدى وتسعين وأسرهما واستفحل أمره بالبصرة وبنى قلعة بالايلة وقلعة بالشاطئ قبالة مطاري وأسقط كثيرا من المكوس واتسعت إمارته لشغل السلاطين بالفتنة وملك المسبار وأضافها الى ما بيده ولما كان سنة خمس وتسعين طمع في واسط وداخل بعض أهلها وركب اليها السفن الى نعماجار وخيم عليها بالجانب الشرقي أياما ودافعوه فارتحل راجعا حتى ظنّ خلاء البلد من الحامية فدس اليها من يضرم النار بها ليرجعوا فرجع عنهم فلما دخل أصحابه البلد فتك أهل البلد فيهم وعاد الى البصرة منهزما فوجد الأمير أبا سعيد محمد بن نصر بن محمود صاحب الأعمال لعمان وجنايا وشيراز وجزيرة بني نفيس محاصرا للبصرة وكان أبو سعيد قد استبدّ بهذه الأعمال منذ سنين وطمع إسماعيل في الاستيلاء على أعماله وبعث اليها السفن في البحر فرجعوا خائبين فبعث أبو سعيد خمسين من سفنه في البحر فظفروا بأصحاب إسماعيل معهم الى الصلح ولم يقع منه وفاء به فسار أبو سعيد بنفسه في مائة سفينة وأرسى بفوهة نهر الأبلة ووافق دخول إسماعيل من واسط فتزاحفوا برّا وبحرا فلما رأى إسماعيل

стр. 2839

عجزه عن المقاومة كتب الى ديوان الخليفة بضمان البلد ثم تصالحا ووقعت بينهما المهاداة وأقام إسماعيل مستبدّا بالبصرة الى أن ملكها من يده صدقة بن مزيد في المائة الخامسة كما مرّ في اخباره وهلك برامهرمز. وفاة كربوقا صاحب الموصل واستيلاء جكرمش عليها واستيلاء سقمان بن ارتق على حصن كيفا كان السلطان بركيارق أرسل كربوقا الى أذربيجان لقتال مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الخارج بها سنة أربع وتسعين فاستولى على أكثر أذربيجان من يده ثم توفي منتصف ذي القعدة سنة خمس وتسعين وكان معه أصهر صباوة بن خمار تكين وسنقرجه من بعده وأوصى الترك بطاعته فسار سنقرجه الى الموصل واستولى عليها وكان أهل الموصل لما بلغهم وفاة كربوقا قد استدعوا موسى التركماني من موضع نيابته عن كربوقا بحصن كيفا للولاية عليهم فبادر اليهم وخرج سنقرجه للقائه فظنّ انه جاء اليه وجرت بينهما محاورات وردّ سنقرجه الأمر الى السلطان فآل الأمر بينهما الى المطاعنة وكان مع موسى منصور بن مروان بقية أمراء ديار بكر وضرب سنقرجه فأبان رأسه وملك موسى البلد ثم زحف جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر الى نصيبين فملكها وخالفه موسى الى الجزيرة فبادر اليه جكرمش وهزمه واتبعه الى الموصل فحاصره بها فبعث موسى الى سقمان بن أرتق بديار بكر يستنجده على أن يعطيه حصن كيفا [١] فسار سقمان اليه وأفرج عنه جكرمش وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه ورجع سقمان الى كيفا وجاء جكرمش الى الموصل فحاصرها وملكها صلحا واستلحم قتلة موسى ثم استولى بعد ذلك على الخابور وأطاعه العرب والأكراد وأمّا سقمان بن أرتق فسار بعد مقتل موسى الى حصن كيفا واستمرّ بيده قال ابن الأثير وصاحبها الآن في سنة خمس وعشرين وستمائة محمود بن الفراء ارسلان بن داود بن سقمان بن أرتق والله تعالى أعلم. (أخبار نيال بالعراق) كان نيال بن أبي شكين الحسامي مع السلطان محمد بأصبهان لما حاصرها بركيارق بعد المصاف الرابع سنة خمس وتسعين فلما خرج محمد من الحصار الى أذربيجان ومعه نيال استأذنه في قصد الريّ ليقيم بها دعوتهم وسار هو وأخوه علي وعسف بأهل الريّ وصادرهم وبعث السلطان بركيارق الأمير برسق بن برسق في ربيع من سنة ست

стр. 2840

وتسعين فقاتله وهزمه واستولى برسق على الريّ وأعاده على ولاية بقزوين وسلك نيال على الجبال وهلك كثير من أصحابه وخلص الى بغداد فأكرمه المستظهر وأظهر طاعة السلطان محمد وتحالف هو وأبو الغازي وسقمان بن أرتق على مناصحة السلطان محمد وساروا الى صدقة بن مزيد بالحلة فاستخلفوه على ذلك ثم انّ نيال بن أبي شكين عسف بأهل بغداد وتسلط عليهم وصادر العمال فاجتمع الناس الى أبي الغازي بن أرتق وكان نيال صهره على أخته التي كانت زوجا لتتش وطلبوا منه أن يشفع لهم عنده وبعث المستظهر اليه قاضي القضاة أبا الحسن الدامغانيّ بالنهي عما يرتكبه فأجاب وحلف ثم نكث فأرسل المستظهر الى صدقة بن مزيد يستدعيه فوصل في شوّال من السنة واتفق مع نيال على الرحيل من بغداد ورجع الى حلته وترك ولده دبيسا يزعج نيال للخروج فسار نيال الى أوان، وعاث في السابلة وأقطع القرى لأصحابه وبعث الى صدقة فأرسل اليه العساكر وخرج فيها أبو الغازي بن أرتق وأصحاب المستظهر فسار نيال الى أذربيجان ورجعوا عنه. ولاية كمستكين النصيري شحنة بغداد وفتنته مع أبي الغازي وحربه كان أبو الغازي بن أرتق شحنة بغداد ولاه عليها السلطان محمد عند مقتل كوهراس ولما ظهر الآن بركيارق على محمد وحاصره بأصبهان ونزل بركيارق همذان وأرسل الى بغداد كمستكين النصيري في ربيع سنة ست وتسعين وسمع أبو الغازي بمقدمة فاستدعى أخاه سقمان بن أرتق من حصن كبيعا [١] يستنجده وسار الى صدقة بن مزيد فحالفه على النصرة والمدافعة ورجع الى بغداد ووصل اليه أخوه سقمان بعد أن نهب في طريقه ووصل كمستكين الى قرقيسيا ولقيه شيعة بركيارق وخرج أبو الغازي وسقمان عن بغداد ونهب قرى دجيل واتبعتهما العساكر ثم رفعت عنهما وأرسل كمستكين الى صدقة صاحب الحلة فامتنع من طاعة بركيارق وسار من الحلة الى صرصر وقطع خطبة بركيارق وعبر بغداد واقتصر على الدعاء للخليفة وبعث صدقة الى أبي الغازي وسقمان يعرفهما بوصوله وهما بالحرني [٢] وجاء الى دجيل ونهب القرى واشتدّ فسادهم وأضرّ ذلك بحال بغداد في غلاء الأسعار وجاء أبو الغازي وسقمان ومعهما دبيس بن
следующие страницы →