وتجاوزوا الى التهديد عليها حتى خافهم أعيان العسكر وصار بركيارق يصرفهم على أعدائه والناس يتهمونه بالميل اليهم فاجتمع أهل الدولة وعذلوا بركيارق في ذلك فقبل نصيحتهم وأمر بقتل الباطنية حيث كانوا فقتلوا وشردوا كل مشرد وبعث الى بغداد بقتل أبي إبراهيم الأستراباذيّ الّذي بعثه أبو الأغر لاستقصاء أموال مؤيد الملك وكان يتهم بمذهبهم فقتل وقتل بالعسكر الأمير محمد من ولد علاء الدين بن كاكويه وهو صاحب مدينة تيرد وكان يتهم بمذهبهم وسعى بالكيا الهراسي مدرس النظامية انه باطني فأمر السلطان محمد بالقبض عليه حتى شهد المستظهر ببراءته وعلو درجته في العلم فاطلقه وحسمت علة الباطنية بين الجمهور وبقي أمرهم في القلاع التي ملكوها الى ان انقرضوا كما تقدّم في اخبارهم مستوفي.
(المصاف الثالث بين بركيارق ومحمد والصلح بينهما) ولما رحل بركيارق عن بغداد الى واسط ودخل اليها السلطان محمد اقام بها الى منتصف المحرم من سنة خمس وتسعين ثم رحل الى همدان وصحبه السلطان سنجر لقصد خراسان موضع إمارته وجاءت الاخبار الى المستظهر باعتزام بركيارق على المسير الى بغداد ونقل له عنه قبائح من أقواله وأفعاله فاستدعى السلطان محمدا من همدان وقال أنا أسير معك لقتاله فقال محمد أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين ورجع ورتب ببغداد أبا المعالي شحنة وكان بركيارق لما سار من بغداد الى واسط هرب أهلها منه الى الزبيدية ونزل هو بواسط عليلا فلما أفاق أراد العبور الى الجانب الشرقي فلم يجد سفنا ولا نواتية وجاءه القاضي أبو علي الفارسيّ الى العسكر واجتمع بالأمير أياز والوزير فاستعطفهما لأهل واسط وطلب اقامة الشحنة بينهم فبعثاه وطلبا من القاضي من يعبر فأحضر لهم رجالا عبروا بهم فلما صاروا في الجانب الشرقي نهب العسكر البلد فجاء القاضي واستعطفهم فمنعوا النهب واستأمن اليهم عسكر واسط فأمنوهم وسار بركيارق الى بلاد بلخ وبرسق في الأهواز وساروا معه ثم بلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار في اتباعه على نهاوند الى أن أدركه وتصافوا ولم يقتتلوا لشدّة البرد ثم عاودوا في اليوم الثاني كذلك وكان الرجل يخرج لقريبه من الصف الأخر فيتصافحان ويتساءلان ويفترقان ثم جاء الأمير بكراج وعبر من عسكر محمد الى الأمير أياز والوزير الأغر فاجتمعوا وعقدوا الصلح بين الفريقين على ان السلطان بركيارق والملك محمد ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد حرة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل ويمده بركيارق بالعساكر على من يمتنع عليه منها وتحالفا على ذلك وافترقا وكان العقد في ربيع الأوّل سنة خمس وتسعين وسار بركيارق الى ساوة ومحمد الى أستراباذ وكل أمير على أقطاعه والله أعلم
.
стр. 2837
انتقاض الصلح والمصاف الرابع بين السلطانين وحصار محمد بأصبهان
لما انصرف السلطان محمد الى أستراباذ وكان اتهم الأمراء الذين سعوا في الصلح بالخديعة فسار الى قزوين ودس الى رئيسها لان يصنع صنيعا ويدعوه اليه مع الأمراء ففعل وجاء السلطان الى الدعوة وقد تقدم الى أصحابه بحمل السلاح ومعه يشمك وافتكين من أمرائه فقبض عليهما وقتل يشمك وسمل افتكين وورد عليه الأمير نيال بن أبي شكين الحسامي نازعا عن أخيه بركيارق.
ولما التقى الفريقان حمل سرخاب بن كشمر [١] الديليّ صاحب ساوة على نيال الحسامي فهزمه واتبعه عامّة العسكر واستولت الهزيمة على عسكر محمد ومضى بعضهم الى طبرستان وبعضهم الى قزوين وذلك في جمادى من سنة خمس وتسعين لاربعة أشهر من المصاف قبله ولحق محمد في الفل بأصبهان ومعه نيال الحسامي وأصبهان في حكمه فحصنها وسدّ ما ثلم من سورها وأعمق الخندق وفرّق الأمراء في الأسوار وعلى الأبواب ونصب المجانيق وجاء بركيارق في خمسة عشر ألف مقاتل فأقام محاصرا للبلد حتى اشتدّ الحصار وعدمت الأقوات واستقرض محمد المال للجند من أعيان البلدة مرّة بعد أخرى فلما جهده الحصار خرج من البلد ومعه الأمير نيال وترك باقي الأمراء وبعث بركيارق الأمير أياز في عسكر لطلبه فلم يدركه وقيل بل أدركه وذكره العهد فرجع عنه بعد ان أخذ رايته وجشره [٢] وثلاثة أحمال من المال ولما خرج محمد عن أصبهان طمع المفسدون والسودية في نهبها فاجتمع منهم ما يزيد على مائة ألف وزحفوا بالسلالم والذبابات وطموا الخندق وصعدوا في السلالم بإشارة أهل البلد وجدّوا في دفاعهم وعادوا خائبين ورحل بركيارق آخر ذي القعدة من سنة خمس وتسعين واستخلف على البلاد القديم الّذي يقال له شهرستان مرشد الهراس في ألف فارس مع ابنه ملك شاه وسار الى همدان وفي هذا الحصار قتل وزير بركيارق الأغر أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني عرض له يوما بعض الباطنية عند ما ركب من خيمته لباب السلطان طعنه طعنات
стр. 2838
وتركه بآخر رمق وقتل غلام من غلمان بعض المكوس للوزير ثار فيه بمولاه وكان كريما واسع الصدر وولى الوزارة على حين فساد القوانين وقلة الجباية فكان يضطرّ لاخذ أموال الناس بالإضافة فنفرت الصفوة منه ولما مات استوزر بركيارق بعده الخطير أبا منصور الميبذي كان وزيرا لمحمد وقد وكله في الحصار ببعض الأبواب فبعث اليه محمد نيال بن أبي شكين يطالبه بالأموال لإقامة العسكر فخرج من الباب ليلا ولحق ببلده وامتنع بقلعتها فأرسل السلطان بركيارق اليها عساكر وخاصروها حتى استأمن وجاء عند قتل وزيره الأغر فاستوزره بركيارق مكانه والله تعالى أعلم بغيبه.
مسير صاحب البصرة الى واسط
كان صاحب البصرة لهذا العهد إسماعيل بن ارسلان حين كان السلطان ملك شاه شحنة بالريّ وولاه عليها عند ما اضطرّ أهلها وعجز الولاة عنهم فحسنت كفايته وأثخن فيهم وأصلح أمورها ثم عزل عنها وأقطع السلطان بركيارق البصرة للأمير قماج وكان ممن لا يفارقه فاختار إسماعيل لولاية البصرة ثم نزع قماج عن بركيارق وانتقل الى خراسان فحدّثت إسماعيل نفسه بالاستبداد بالبصرة وانتقض وزحف اليه مهذب الدولة بن أبي الخير من البطيحة ومعقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الاسدي من الجزيرة في العساكر والسفن فقاتلوه في مطاري وقتل معقل بسهم أصابه فعاد ابن أبي الخير الى البطيحة فأخذ إسماعيل السفن وذلك سنة احدى وتسعين وأسرهما واستفحل أمره بالبصرة وبنى قلعة بالايلة وقلعة بالشاطئ قبالة مطاري وأسقط كثيرا من المكوس واتسعت إمارته لشغل السلاطين بالفتنة وملك المسبار وأضافها الى ما بيده ولما كان سنة خمس وتسعين طمع في واسط وداخل بعض أهلها وركب اليها السفن الى نعماجار وخيم عليها بالجانب الشرقي أياما ودافعوه فارتحل راجعا حتى ظنّ خلاء البلد من الحامية فدس اليها من يضرم النار بها ليرجعوا فرجع عنهم فلما دخل أصحابه البلد فتك أهل البلد فيهم وعاد الى البصرة منهزما فوجد الأمير أبا سعيد محمد بن نصر بن محمود صاحب الأعمال لعمان وجنايا وشيراز وجزيرة بني نفيس محاصرا للبصرة وكان أبو سعيد قد استبدّ بهذه الأعمال منذ سنين وطمع إسماعيل في الاستيلاء على أعماله وبعث اليها السفن في البحر فرجعوا خائبين فبعث أبو سعيد خمسين من سفنه في البحر فظفروا بأصحاب إسماعيل معهم الى الصلح ولم يقع منه وفاء به فسار أبو سعيد بنفسه في مائة سفينة وأرسى بفوهة نهر الأبلة ووافق دخول إسماعيل من واسط فتزاحفوا برّا وبحرا فلما رأى إسماعيل
стр. 2839
عجزه عن المقاومة كتب الى ديوان الخليفة بضمان البلد ثم تصالحا ووقعت بينهما المهاداة وأقام إسماعيل مستبدّا بالبصرة الى أن ملكها من يده صدقة بن مزيد في المائة الخامسة كما مرّ في اخباره وهلك برامهرمز.
وفاة كربوقا صاحب الموصل واستيلاء جكرمش عليها واستيلاء سقمان بن ارتق على حصن كيفا
كان السلطان بركيارق أرسل كربوقا الى أذربيجان لقتال مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الخارج بها سنة أربع وتسعين فاستولى على أكثر أذربيجان من يده ثم توفي منتصف ذي القعدة سنة خمس وتسعين وكان معه أصهر صباوة بن خمار تكين وسنقرجه من بعده وأوصى الترك بطاعته فسار سنقرجه الى الموصل واستولى عليها وكان أهل الموصل لما بلغهم وفاة كربوقا قد استدعوا موسى التركماني من موضع نيابته عن كربوقا بحصن كيفا للولاية عليهم فبادر اليهم وخرج سنقرجه للقائه فظنّ انه جاء اليه وجرت بينهما محاورات وردّ سنقرجه الأمر الى السلطان فآل الأمر بينهما الى المطاعنة وكان مع موسى منصور بن مروان بقية أمراء ديار بكر وضرب سنقرجه فأبان رأسه وملك موسى البلد ثم زحف جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر الى نصيبين فملكها وخالفه موسى الى الجزيرة فبادر اليه جكرمش وهزمه واتبعه الى الموصل فحاصره بها فبعث موسى الى سقمان بن أرتق بديار بكر يستنجده على أن يعطيه حصن كيفا [١] فسار سقمان اليه وأفرج عنه جكرمش وخرج موسى للقاء سقمان فقتله مواليه ورجع سقمان الى كيفا وجاء جكرمش الى الموصل فحاصرها وملكها صلحا واستلحم قتلة موسى ثم استولى بعد ذلك على الخابور وأطاعه العرب والأكراد وأمّا سقمان بن أرتق فسار بعد مقتل موسى الى حصن كيفا واستمرّ بيده قال ابن الأثير وصاحبها الآن في سنة خمس وعشرين وستمائة محمود بن الفراء ارسلان بن داود بن سقمان بن أرتق والله تعالى أعلم.
(أخبار نيال بالعراق) كان نيال بن أبي شكين الحسامي مع السلطان محمد بأصبهان لما حاصرها بركيارق بعد المصاف الرابع سنة خمس وتسعين فلما خرج محمد من الحصار الى أذربيجان ومعه نيال استأذنه في قصد الريّ ليقيم بها دعوتهم وسار هو وأخوه علي وعسف بأهل الريّ وصادرهم وبعث السلطان بركيارق الأمير برسق بن برسق في ربيع من سنة ست
стр. 2840
وتسعين فقاتله وهزمه واستولى برسق على الريّ وأعاده على ولاية بقزوين وسلك نيال على الجبال وهلك كثير من أصحابه وخلص الى بغداد فأكرمه المستظهر وأظهر طاعة السلطان محمد وتحالف هو وأبو الغازي وسقمان بن أرتق على مناصحة السلطان محمد وساروا الى صدقة بن مزيد بالحلة فاستخلفوه على ذلك ثم انّ نيال بن أبي شكين عسف بأهل بغداد وتسلط عليهم وصادر العمال فاجتمع الناس الى أبي الغازي بن أرتق وكان نيال صهره على أخته التي كانت زوجا لتتش وطلبوا منه أن يشفع لهم عنده وبعث المستظهر اليه قاضي القضاة أبا الحسن الدامغانيّ بالنهي عما يرتكبه فأجاب وحلف ثم نكث فأرسل المستظهر الى صدقة بن مزيد يستدعيه فوصل في شوّال من السنة واتفق مع نيال على الرحيل من بغداد ورجع الى حلته وترك ولده دبيسا يزعج نيال للخروج فسار نيال الى أوان، وعاث في السابلة وأقطع القرى لأصحابه وبعث الى صدقة فأرسل اليه العساكر وخرج فيها أبو الغازي بن أرتق وأصحاب المستظهر فسار نيال الى أذربيجان ورجعوا عنه.
ولاية كمستكين النصيري شحنة بغداد وفتنته مع أبي الغازي وحربه
كان أبو الغازي بن أرتق شحنة بغداد ولاه عليها السلطان محمد عند مقتل كوهراس ولما ظهر الآن بركيارق على محمد وحاصره بأصبهان ونزل بركيارق همذان وأرسل الى بغداد كمستكين النصيري في ربيع سنة ست وتسعين وسمع أبو الغازي بمقدمة فاستدعى أخاه سقمان بن أرتق من حصن كبيعا [١] يستنجده وسار الى صدقة بن مزيد فحالفه على النصرة والمدافعة ورجع الى بغداد ووصل اليه أخوه سقمان بعد أن نهب في طريقه ووصل كمستكين الى قرقيسيا ولقيه شيعة بركيارق وخرج أبو الغازي وسقمان عن بغداد ونهب قرى دجيل واتبعتهما العساكر ثم رفعت عنهما وأرسل كمستكين الى صدقة صاحب الحلة فامتنع من طاعة بركيارق وسار من الحلة الى صرصر وقطع خطبة بركيارق وعبر بغداد واقتصر على الدعاء للخليفة وبعث صدقة الى أبي الغازي وسقمان يعرفهما بوصوله وهما بالحرني [٢] وجاء الى دجيل ونهب القرى واشتدّ فسادهم وأضرّ ذلك بحال بغداد في غلاء الأسعار وجاء أبو الغازي وسقمان ومعهما دبيس بن
стр. 2841
صدقة فخيموا بالرملة وقاتلهم العامّة ففتكوا فيهم وبعث المستظهر قاضي القضاة أبا الحسن الدامغانيّ وتاج الرؤساء بن الرحلات الى صدقة بن مزيد بمراجعة الطاعة فشرط خروج كمستكين عن بغداد فأخرجه المستظهر الى النهروان وعاد صدقة الى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ثم سار كمستكين النصيري الى واسط وخطب فيها لبركيارق ونهب عسكره سوادها فسار صدقة وأبو الغازي اليه وأخرجاه من واسط وتحصن بدجلة فقصده صدقة فانفض عنه أصحابه ورجع الى صدقة بالأمان فأكرمه وعاد الى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وبعده لصدقة وأبي الغازي وولى كل واحد فيها ولده وعاد أبو الغازي الى بغداد وعاد صدقة الى الحلة وبعث ابنه منصورا مع أبي الغازي يطلب الرضا من المستظهر لانه كان سخطه من أجل هذه الحادثة.
المصاف الخامس بين بركيارق ومحمد
كان السلطان محمد لما سار عن كنجة وبلاد ارّان استخلف بها الأمير غزغلي وأقام بها في طائفة من عسكره مقيما خطبة السلطان محمد في جميع أعماله الى زنجان من آخر أذربيجان فلما انحصر محمد بأصبهان سار غزغلي لانجاده ومعه منصور بن نظام الملك ومحمد ابن أخيه مؤيد الملك فانتهوا الى الريّ وملكوها آخر خمس وتسعين ولقوا السلطان محمدا بهمدان عند ما خرج من أصبهان ومعه نيال بن أبي شكين وأخوه علي وأقاموا معه بهمدان ثم جاء الخبر بمسير بركيارق اليهم فتوجه السلطان محمد قاصدا شروان وانتهى الى أذربيجان فبعث اليه مودود بن إسماعيل بن ياقوتي الّذي كان بركيارق قتل أباه إسماعيل وكانت أخت مودود هذا تحت محمد وكان له طائفة من أعمال أذربيجان فاستدعى محمدا ليظاهره على بركيارق فسار اليه وانتهى الى سقمان وتوفي مودود في ربيع سنة ست وتسعين واجتمع عساكره على السلطان محمد وفيهم سقمان [١] القبطي ومحمد بن باغي بركيارق وقاتلهم على خراسان وسار أياز من عسكر بركيارق وجاء من خلف السلطان محمد فانهزم محمد وأصحابه ولحق بارقيش من أعمال خلاط ولقيه الأمير علي صاحب ارزن الرومي فمضى الى أصبهان وصاحبها منوجهر أخو فضلون الروادي ثم سار الى هرمز وأمّا محمد بن مؤيد الملك بن نظام الملك فنجا من الوقعة الى ديار بكر ثم الى جزيرة ابن عمر ثم الى بغداد وكان أيام أبيه مقيما ببغداد في جوار المدرسة النظامية فشكى الى أبيه وخاطب كوهراس بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة
стр. 2842
ولحق سنة اثنتين وتسعين بمجد الملك؟ الباسلّاني وأبوه بكنجة عند السلطان محمد فلما خطب السلطان محمد لنفسه واستوزر أباه مؤيد الملك لحق محمد هذا بأبيه ثم قتل أبوه وبقي في جملة السلطان محمد.
استيلاء ملك بن بهرام على مدينة غانة
كان ملك بن بهرام بن ارتق ابن أخي أبي الغازي بن ارتق مالكا مدينة سروج فملكها الفرنج من يده فسار عنها الى غانة وغلب عليها بني العيش بن عيسى بن خلاط كانت لهم فقصدوا صدقة بن مزيد مستنجدين به فأنجدهم وجاء معهم فرحل ملك بن بهرام والتركمان عنها ودخلها بنو العيش وأخذ صدقة رهائنهم وعاد الى الحلة فرجع ملك إليها في ألفي رجل من التركمان وحار بها قليلا ثم عبر المخاضة وملكها واستباح أهلها ومضى الى هيت ورجع عنها.
(الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد) ثم استقر الأمر أخيرا بالسلطان بركيارق في الريّ وكان له الجبال وطبرستان وخوزستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين ولمحمد آذربيجان وبلاد أران وارمينية وأصبهان والعراق جميعا غير تكريت والبطائح بعضها وبعضها والبصرة لهما جميعا وخراسان لسنجر من جرجان الى ما وراء النهر يخطب فيها لأخيه محمد وله من بعده والعساكر كلهم يتحكمون عليهم بسبب الفتنة بينهما وقد تطاول الفساد وعمّ الضرر واختلفت قواعد الملك فأرسل بركيارق الى أخيه محمد في الصلح مع فقيهين من أماثل الناس ورغباه في ذلك وأعاد معهما رسلا آخرين وتقرّر الأمر بينهما أن يستقر محمد على ما بيده سلطانا ولا يعارضه بركيارق في الطول ولا يذكر اسمه في أعمال محمد وأن المكاتبة تكون بين الوزيرين والعساكر بالخيار في خدمة من شاءوا منهما ويكون للسلطان محمد من النهر المعروف باسترد الى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام والعراق بلاد صدقة بن مزيد وبقية الممالك الإسلامية لبركيارق وتحالفا على ذلك وانتظم الأمر وأرسل السلطان محمد الى أصحابه بأصبهان بالخروج عنها لأخيه بركيارق واستدعاهم إليه فأبوا وجنحوا الى خدمة بركيارق وساروا إليه بحريم السلطان محمد الّذي كانوا معهم فأكرمهم بركيارق ودلهم الى صاحبهم وحضر أبو الغازي بالديوان ببغداد وسار المستظهر في الخطبة لبركيارق فخطب له سنة سبع وتسعين وكذلك بواسط وكان أبو الغازي قبل ذلك في طاعة محمد فأرسل صدقة الى المستظهر يعذله في شأنه ويخبره بالمسير لإخراجه من بغداد ثم سار
стр. 2843
صدقة ونزل عند الفجاج وخرج أبو الغازي الى عقربا وبعث لصدقة بأنه انما عدل عن طاعة محمد للصلح الوقع بينه وبين أخيه وأنهما تراضيا على أن بغداد لبركيارق وانا شحنة بها واقطاعي حلوان فلا يمكنني التحوّل عن طاعة بركيارق فقبل منه ورجع الى الحلة وبعث المستظهر في ذي القعدة سنة سبع وتسعين بالخلع للسلطان بركيارق والأمير أياز والوزير الخطير واستخلفهم جميعا وعاد الى بغداد والله سبحانه ولىّ التوفيق.
(حرب سقمان وجكرمس [١] الافرنج)
قد تقدم لنا استيلاء الافرنج على معظم بلاد الشام وشغل الناس عنهم بالفتنة وكانت حرّان لقراجا من مماليك ملك شاه وكان غشوما فخرج منها لبعض مذاهبه وولى عليها الأصبهاني من أصحابه فعصى فيها وطرد أصحاب قراجا منها ما عدا غلاما تركيا اسمه جاولى جعله مقدم العسكر وأنس به فقرّره وتركه وملك حرّان وسار الافرنج إليها وحاصروها وكان بين جكرمس صاحب جزيرة ابن عمر وسقمان صاحب كيفا حروب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه فانتدبا لنصر المسلمين واجتمعا على الخابور وتحالفا وسار سقمان في سبعة آلاف من التركمان وجكرمس في ثلاثة آلاف من الترك والعرب والأكراد والتقوا بالافرنج على نهر بلخ فاستطرد لهم المسلمون نحو فرسخين ثم كرّوا عليهم فغنموا فيهم وقتلوا سوادهم وأخذ القمص بردويل صاحب الرها أسره تركمانيّ من أصحاب سقمان في نهر بلخ وكان سمند صاحب انطاكية من الافرنج ونيكري [٢] صاحب الساحل منهم قد كمنا وراء الجبل ليأتيا المسلمين من ورائهم عند المعركة فلما عاينوا الهزيمة كمنوا بقية يومهم ثم هربوا فاتبعهم المسلمون واستلحموهم وأسروا منهم كثيرا وفلت سمند ونيكري بدماء أنفسهم ولما حصل الظفر للمسلمين عصى أصحاب جكرمس باختصاص سقمان بالقمّص وحملوه على أخذه لنفسه فأخذ جكرمس من خيام سقمان وشق ذلك عليه وأراد أصحابه [٣] فأبى حذرا من افتراق المسلمين ورحل وفتح في طريقه عدّة حصون وسار جكرمس الى حران ففتحها ثم سار الى الرها فحاصرها خمس عشرة ليلة وعاد الى الموصل وقاد من القمص
стр. 2844
بخمسة وثلاثين ألف دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين.
(وفاة بركيارق وولاية ابنه ملك شاه) ثم توفي السلطان بركيارق بن ملك شاه بنردجرد [١] في أوائل ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين لاثنتي عشرة سنة ونصف من ملكه جاء إليها عليلا من أصبهان واشتدّ مرضه بنردجرد فولى عهد لابنه ملك شاه وعمره نحو من خمس سنين وخلع عليه وجعل الأمير أياز كافلة وأوصى أهل الدولة بالطاعة والمساعدة وبعثهم الى بغداد فأدركهم خبر وفاته بالطريق ورجع أياز حتى دفنه بأصبهان وجمع السرادقات والخيام والجثر والسمسمة لابنه ملك شاه وكان بركيارق قد لقي في ملكه من الرخاء والشدّة والسلم ما لم يلقه أحد فلما استقر [٢] واستقامت سعادته أدركته المنية ولما توفي خطب لابنه ملك شاه ببغداد وكان أبو الغازي قد سار من بغداد إليه وهو بأصبهان يستحثه الى بغداد وجاء معه فلما مات سار مع ابنه ملك شاه والأمير أياز الى بغداد وركب الوزير أبو القاسم علي بن جهير فلقيهم به [٣] ما لي وحضر أبو الغازي والأمير طغلبرك بالديوان وطلبا الخطبة لملك شاه فخطب له ولقب بألقاب جده ملك شاه.
حصار السلطان محمد الموصل
لما انعقد الصلح بين بركيارق ومحمد واختص كل منهما اعماله وكانت آذربيجان في قسمة محمد رجع محمد الى أذربيجان ولحق به سعد الملك أبو المحاسن الّذي كان نائبا بأصبهان بعد أن أبلى في المدافعة عنها ثم سلمها بعد الصلح الى نواب بركيارق واستوزره فأقام محمد الى صفر من سنة ثمان وتسعين ثم سار يريد الموصل على طريق مراغة ورحل وبلغ الخبر الى جكرمس فاستعد للحصار وأدخل أهل الضاحية الى البلد وحاصره محمد ثم بعث له يذكره ما استقر عليه بينه وبين أخيه وأن الموصل والجزيرة له وعرض عليه خط بركيارق بذلك وبإيمانه عليه ووعده أن يقرّها في عمالته فقال له جكرمس انّ السلطان كتب إلي بعد الصلح بخلاف ذلك فاشتدّ في حصاره واشتدّ أهل البلد في المدافعة ونفس الله عنهم برخص الأسعار وكان عسكر جكرمس مجتمعين قريبا من الموصل وكانوا يغزون على أطراف العسكر
стр. 2845
ويمنعون عنهم الميرة ثم وصل الخبر عاشر جمادى الاولى بوفاة السلطان بركيارق فاستشار جكرمس أهل البلد فردّوا النظر إليه واستشار الجند فأشاروا بطاعة السلطان محمد فأرسل إليه بذلك واستدعى وزيره سعد الملك فدخل عليه وأشار عليه بلقاء السلطان فخرج إليه على كره من أهل البلد فتلقاه السلطان بالكرامة وأعاده سريعا الى البلد ليطمئن الناس.
استيلاء السلطان محمد على بغداد وخلع ملك شاه ابن أخيه ومقتل أياز
قد كنا قدّمنا صلح بركيارق وأخيه محمد من أنه يستقل بركيارق بالسلطنة وينفرد محمد بالأعمال التي ذكرنا وموت بركيارق أثر ذلك وتقديم ابنه ملك شاه ببغداد فوصل الخبر بذلك إلى محمد وهو يحاصر الموصل فأطاعه جكرمس وسار محمد إلى بغداد ومعه جكرمس وسقمان القطبي مولى قطب الدولة إسماعيل بن ياقوتي بن داود وياقوتي عمّ ملك شاه ومحمد وغيرهما من الأمراء وجمع صدقة صاحب الحلة العساكر وبعث ابنه بدران ودبيسا إلى محمد يستحثانه وجاء السلطان محمد الى بغداد فاعتزم الأمير أياز أتابك ملك شاه على دفاعه وخيم خارج بغداد وأشار عليه بذلك أصحابه وخالفهم وزيره أبو المحاسن الضبعي وأبلغ في النصيحة له بطاعة السلطان فأقام مترددا ونزل محمد بالجانب الغربي وخطب له هنالك منفردا ولهما معا في بعض الجوامع واقتصر على سلطان العالم في بعضها ورجع أياز إلى استحلاف الأمراء ثانيا فوقف بعضهم وقال لا فائدة في إعادة اليمين وارتاب أياز عندها وبعث وزيره الضبعي أبا المحاسن لعقد الصلح مع السلطان واستحلافه فقرأ على وزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد فدخل معه الى السلطان وأجابه الى ما طلب وجاء معه من الغد قاضي القضاة والفتيان واستحلفاه لاياز وللامراء فحلف إلا أن ينال الحسامي و [١] وقال أما ملك شاه فهو ابني وأنا أبوه وجاء أياز من الغد وقارن وصول صدقة بن مزيد فانزلهما واحتفى بهما وذلك آخر جمادى الاولى من سنة ثمان وتسعين ثم احتفل أياز بعدها في عمل صنيع للسلطان في بيته وهي دار كوهراس وأهدى إليه تحفا من جملتها حبل
стр. 2846
البلخش الّذي أخذه من تركة نظام الملك بن مؤيد الملك واتفق انّ أياز تقدّم لمواليه بلبس السلاح ليعرضهم على السلطان وكان عندهم مصفعان فألبسوه درعا تحت ثيابه وتناوله بالنخس فهرب عنهم ودخل في حاشية السلطان مذعورا فلمسوه فإذا الدرع تحت ثيابه فارتابوا ونهض السلطان إلى داره ثم دعا الأمراء بعد ذلك بأيام [١] فاستشارهم في بعث يبعثهم إلى ديار بكر [١] انّ ارسلان بن سليمان بن قطلمش قصدها فاتفقوا على الإشارة بمسير أياز وطلب هو أن يكون معه صدقة بن مزيد فأسعفه السلطان بذلك واستدعاهما لانفاذ ذلك وقد أرصد في بعض المخادع بطريقهم جماعة لقتل أياز فلما مرّ بهم تعاورته سيوفهم وقطع رأسه وهرب صدقة وأغمى على الوزير وهرب عسكر أياز فنهبوا داره وأرسل السلطان من دفعهم عنها وسار السلطان من بغداد الى أصبهان وهذا أياز من موالي السلطان ملك شاه ثم سار في جملة ملك آخر فساء وأمّا الضبعي وزير أياز فاختفى أشهرا ثم حمل إلى الوزير سعد الملك في رمضان فلما وصل كان ذلك سبب رياسته بهمدان.
استيلاء سقمان بن أرتق على ماردين وموته
كان هذا الحصن في ديار بكر أقطعه السلطان بركيارق لمغن كان عنده وكان حواليها خلق كثير من الأكراد يغيرون عليها ويخيفون سابلتها واتفق أنّ كربوقا خرج من الموصل لحصار آمد وكانت لبعض التركمان فاستنجد بسقمان فسار لانجاده ولقيه كربوقا ومعه زنكي بن آقسنقر وأصحابه وأبلوا ذلك اليوم بلاء شديدا فانهزم وأسر ابن أخيه ياقوتي بن ارتق فحبسه بقلعة ماردين عند المغني فبقي مدّة محبوسا وكثر خروج الأكراد بنواحي ماردين فبعث ياقوتي الى المغني يسأله أن يطلقه ويقيم عنده بالريف لدفاع الأكراد ففعل وصار يغير عليهم في سائر النواحي الى خلاط وصار بعض أجناد القلعة يخرجون للاغارة فلا يهيجهم ثم حدّثته نفسه بالتوثب على القلعة فقبض عليهم بعض الأيام بعد مرجعه من الاغارة ودنا من القلعة وعرّضهم للقتل ان لم يفتحها أهلوهم ففتحوها وملكها وجمع الجموع وسار الى نصيبين وإلى جزيرة ابن عمر وهي لجكرمس فكبسه جكرمس وأصحابه وأصابه في الحرب سهم فقتله
стр. 2847
وبكاه جكرمش وكانت تحت ياقوتي بنت عمه سقمان فمضت الى أبيها وجمعت التركمان وجاء [١] بهم الى نصيبين لطلب الثأر فبعث اليه جكرمش ما أرضاه من المال في ديته.
فرجع وأقام بماردين بعد ياقوتي أخوه على طاعة جكرمش وخرج منها لبعض المذاهب وكتب نائبة بها الى عمه سقمان بأنه تملك ماردين على جكرمش فبادر إليها سقمان واستولى عليها وعوض عنها ابن أخيه جبل جور وأقامت ماردين في حكمه مع حصن كيفا واستضاف إليها نصيبين ثم بعث إليها فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس يستنجده على الافرنج وكان استبدّ بها على الخلفاء العبيد بين أهل مصر وثار له الافرنج عند ما ملكوا سواحل الشام فبعث بالصريخ إلى سقمان بن ارتق سنة ثمان وتسعين فأجابه وبينما هو يتجهز للمسير وافاه كتاب طغتكين صاحب دمشق المستبدّ بها من موالي بني تتش يستدعيه لحضور وفاته خوفا على دمشق من الفرنج فأسرع السير معتزما على قصد طرابلس وبعدها دمشق فانتهى إلى القريتين وندم طغتكين على استدعائه وجعل يدبر الرأي مع أصحابه في صرفه ومات هو بالقريتين فكفاهم الله تعالى أمره وقد كان أصحابه عند ما أيقن بالموت أشاروا عليه بالعود إلى كيفا فامتنع وقال هذا جهاد وان مت كان لي ثواب شهيد.
خروج منكبرس على السلطان محمد ونكبته
كان منكبرس بن يورس [٢] بن البارسلان مقيما بأصبهان وانقطعت عنه المواد من السلطان فخرج إلى نهاوند ودعا لنفسه وكاتب الأمراء بني برسق بخوزستان يدعوهم إلى طاعته وكان أخوهم زنكين عند السلطان محمد فقبض عليه وكاتب إخوته في التدبير على منكبرس فأرسلوا إليه بالطاعة حتى جاءهم فقبضوا عليه بخوزستان وبعثوا به إلى أصبهان فاعتقل مع ابن عمه تتش وأطلق زنكين بن برسق وأعيد إلى مرتبته وكانت اقطاع بني برسق الأسير وسابور وخوزستان وغيرها ما بين الأهواز وهمدان فعوضهم عنها بالدينور وأخرجهم من تلك الناحية والله تعالى أعلم.
стр. 2848
(مقتل فخر الملك بن نظام الملك) قد ذكرنا قبل أن فخر الملك بن نظام الملك كان وزيرا لتتش ثم حبسه ولما هزمه بركيارق ووجده في محبسه أطلقه وكان أخوه مؤيد الملك وزيرا له فمال إليه فخر الدولة بسعاية مجد الملك الباسلاني واستوزره سنة ثمان وثمانين ثم فارق وزارته ولحق بسنجر بن ملك شاه بخراسان فاستوزره فلما كان في آخر المائة الخامسة جاء باطني يتظلم إلى باب داره فأدخله يسمع شكواه فطعنه بخنجر فقتله وأمر السلطان سنجر بضربه فأقرّ على جماعة من الناس وقتل.
ولاية جاولي سكاور [١] على الموصل وموت جكرمش
كان جاولي سكاور قد استولى على ما بين خوزستان وفارس فعمر قلاعها وحصنها وأساء السيرة في أهلها فلما استقلّ السلطان محمد بالملك خافه جاولي وأرسل السلطان إليه الأمير مودود بن أنوتكين فتحصن منه جاولي وحاصره مودود ثمانية أشهر ودس جاولي إلى السلطان بطلب غيره فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر فسار إليه بأصبهان وجهزه في العساكر لجهاد الافرنج بالشام واسترجاع البلاد منهم وكان جكرمش صاحب الموصل قد قطع الحمل فأقطع السلطان الموصل وديار بكر والجزيرة لجاولي فسار إلى الموصل وجعل طريقه على بغداد على البواريخ [٢] فاسباحها أياما ثم سار إلى أربل وكان صاحبها أبو الهيجاء بن برشك الكردي الهرباني [٣] إلى جكرمش يستحثه فسار في عسكر الموصل والقوا قريبا من اريل فانهزم أصحاب جكرمش وكان يحمل في المحفة [٤] فقاتل عنده غلمانه وأحمد بن قاروت بك فخرج وانهزم إلى الموصل ومات وجيء بجكرمش فحبسه ووصل من الغد إلى الموصل فولوا ازنكين بن جكرمش وأقام بالجزيرة وقام بأمره غزغلي مولى أبيه وفرّق الأموال والخيول وكتب إلى قلج أرسلان صاحب بلاد الروم ميتا وكان قد شيد الموصل وبنى أسوارها وحصنها بالخندق وبينما هو كذلك سار إليه قلج ارسلان من بلاد الروم باستدعاء غزغلي كما تقدم وانتهى إلى نصيبين فرحل جاولي عن الموصل ثم جاء البرسقي شحنة بغداد
стр. 2849
ونزل عن الموصل وخاطبهم فلم يجيبوه فرجع من يومه وسار قلج ارسلان من نصيبين إلى الموصل وتأخر عنها جاولي إلى سنجار واجتمع ابو الغازي بن أرتق وجماعة من عسكر جكرمش وجاء جريح رضوان بن تتش من الشام على الافرنج [١] فسار إلى الرحبة وبعث أهل الموصل وعسكر جكرمش إلى قلج أرسلان بنصيبين واستحلفوه فحلف وجاء إلى الموصل فملكها في منتصف ختام المائة الخامسة وخلع على ابن جكرمش وخطب لنفسه بعد الخليفة وقطع خطبة السلطان محمد وأحسن إلى العسكر وأخذ القلعة من غزغلي فولى جكرمش وأقرّ القاضي أبا محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوريّ على القضاء وجعل الرئاسة لأبي البركات محمد بن محمد بن خميس وكان في جملة فلهم أرسلان إبراهيم بن نيال التركماني صاحب آمد ومحمد بن حموا صاحب خرتبرت كان إبراهيم ابن نيال ولاة تتش على آمد فبقيت بيده وكان ابن حموا ملك خرتبرت من يد القلادروس ترجمان الروم كانت له الرها وانطاكية فملك سليمان قطلمش انطاكية وبقيت له الرها وخرتبرت وأسلم القلادروس على القيام بأعماله فملك محمد بن حموا خرتبرت وأسلم القلادروس فلما ولى فخر الدولة بن جهير ديار بكر ضعف القلادروس عن الرها على يد ملك شاه وأمره عليها ولما سار جاولي إلى الرحبة قاصدا صريخ رضوان بن تتش نزل عليها آخر رمضان من السنة وحاصرها وبها محمد بن السباق من بني شيبان ولاه عليها دقاق فاستبدّ بها وخطب لقلج أرسلان فحاصره جاولي وكتب إلى رضوان يستدعيه ويعده بالمسير معه لدفاع فجاء رضوان وحاصر معه الرحبة ثم دس إلى جاولي جماعة من حامية الأسوار فوثبوا بها وأدخلوا وملك البلد وأبقى على محمد الشيبانيّ وسار معه ثم انّ قلج أرسلان لما فرغ من أمر الموصل ولّى عليها ابنه ملك شاه في عسكر ومعه أمير يدبره وسار إلى قتال جاولي ورجع عنه إبراهيم بن نيال إلى بلده آمد من الخابور فبعث إلى بلده في الحشد فعاجله جاولي بالحرب والتقوا في آخر ذي القعدة من السنة وانهزم أصحاب قلج أرسلان على دفاعه وأعاد الخطبة للسلطان واستصفى أصحاب جكرمش ثم سار إلى الجزيرة وبها جيش بن جكرمش ومعه غزغلي من موالي أبيه فحاصره مدّة ثم صالحه على ستة آلاف دينار ورجع إلى الموصل وأرسل ملك شاه من قلج أرسلان إلى السلطان محمد والله أعلم.
стр. 2850
مقتل صدقة بن مزيد
ولما استوحش صدقة بن مزيد صاحب الحلة من السلطان محمد سار إليه السلطان وملك أعماله ولقيه صدقة فهزمه السلطان وقتل في المعركة كما ذكرنا ذلك في أخبار صدقة في دولة ملوك الحلة والله أعلم.
(قدوم ابن عمار صاحب طرابلس على السلطان محمد) كان فخر الدولة أبو علي بن عمار صاحب طرابلس استبدّ بها على العبيديين فلما ملك الافرنج سواحل الشام ردّدوا عليها الحصار فضاقت أحوالها فلما انتظم الأمر للسلطان محمد واستقام ملكه قصده فخر الملك بن عمار صريخا للمسلمين بعد أن استخلف على طرابلس ابن عمه ذا المناقب وفرق في الجند عطاءهم لستة أشهر ورتب الجامكية في مقاعدهم للقتال وسار إلى دمشق فلقيه طغتكين أتابك وخيم بظاهرها أياما ورحل إلى بغداد فأركب السلطان الأمراء لتلقيه ولم يدخر عنه برا ولا عرامة وكذلك الخليفة وأتحف السلطان بهدايا وذخائر نفيسة وطلب النجدة وضمن النفقة على العسكر فوعده بالنصر وأقام ثم لقي الأمير حسين بن أتابك طغتكين ليسير بالعساكر إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال صدقة وجاولي ثم يسير حسين معه إلى الشام ثم رحل السلطان عن بغداد سنة إحدى وخمسمائة لقتال صدقة واستدعى ابن عمار وهو بالنهروان فودّعه وسار معه الأمير حسين إلى دمشق وكان ابن عمار لما سار عن طرابلس استخلف عليها ابن عمه ذا المناقب فانتقض واجتمع مع أهل طرابلس على إعادة الدولة العلوية وبعثوا إلى الأفضل ابن أمير الجيوش المستبدّ على الدولة بمصر بطاعتهم ويسألون الميرة فبعث إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا معه الزاد من الأقوات والسلام فدخل البلد وقبض على أهل ابن عمار وأصحابه واستصفى ذخائرهم وحمل الجميع إلى مصر في البحر.
استيلاء مودود بن أبي شكين على الموصل من يد جاولي
قد تقدم لنا استيلاء جاولي على الموصل من يد قلج بن أرسلان وابن جكرمش وهلاكهما على يده واستفحل ملكه بالموصل وجعل السلطان محمد ولاية ما يفتحه من البلاد له فقطع الحمل عن السلطان واستنفره لحرب صدقة فلم ينفر معه وداخل صدقة بأنه معه فلما فرغ السلطان من أمر صدقة بعث مودود بن أبي شكين في العساكر وولاه الموصل وبعث معه الأمراء ابن برسق وسقمان القبطي وآق سنقر البرسقي ونصر بن مهلهل بن أبي الشوك
стр. 2851
الكردي وأبو الهيجاء صاحب أربل مددا فوصلوا الموصل وخيموا عليها فوجدوا جاولي قد استعدّ للحصار وحبس الأعيان وخرج عن البلد وترك بها زوجته هي وابنه برسق في ألف وخمسمائة مقاتل فأحسن في مصادرة الناس واشتد عليهم الحصار فلما كان المحرم سنة اثنتين خرج بعض الحامية من فرجة من السور وأدخلوا منها مودود والعساكر وأقامت زوجة جاولي بالقلعة ثمانية أيام ثم استأمنت وخرجت إلى أخيها يوسف بن برسق بأموالها واستولى مودود على الموصل وأعمالها وأمّا جاولي فلما سار عن الموصل حمل معه القمص الّذي كان أسر بنعمان وأخذه منه جكرمش وسار به إلى نصيبين وسأل من صاحبها أبو الغازي بن أرتق المظاهر على السلطان فلم يحبه إلى ذلك ورحل عن نصيبين إلى ماردين بعد أن ترك ابنه مقيما مع الحامية فتبعه جاولي ودخل عليه وحده بالقلعة متطارحا عليه فأجابه وسار معه إلى نصيبين إلى سنجار وحاصراها فامتنعت عليهما ثم هرب أبو الغازي ليلا إلى نصيبين وتركه فسار جاولي إلى الرحبة وأطلق القمص بردويل لخمس سنين من الصرّة على مال قرّره عليه وأسرى من المسلمين يطلقهم وعلى النصرة مهما طلبه وأرسله إلى سالم بن مالك بقلعة جعفر حتى جاء ابن خالته جوسكر صاحب تل ناشز [١] من زعماء الفرنج وكان أسر مع القمص فافتدى بعشرين ألف دينار وأقام جوسكر رهينة وسار القمص إلى انطاكية ثم أطلق جاولي جوسكر وأخذ رهنا عنه صهره وصهر القمص وبعثه في إتمام ما ضمن ولما وصل إلى انطاكية أعطاه شكري صاحبها ثلاثين ألف دينار وخيلا وسلاحا وغير ذلك وكانت الرها ومروج بيد القمص ولما أسر ملك جكرمش الرها من أصحابه طلبها منه إلآن فلم يجبه فخرج القمص مغاضبا له ولحق بتل ناشز وقدم عليه جوسكر عند ما أطلقه جاولي ثم سار إليهما شكري يعاجلهما قبل اجتماع أمرهما فحاصرهما أياما ورجع القمص وجوسكر على حصون شكري صاحب انطاكية واستمدّ أبو سيل الأرمني صاحب رعيان وكيسوم والقلاع شمالي حلب فأنجدهم بألف فارس وسار إليهم شكري وحضر البترك وشهد جماعة من القسيسين والبطارقة أنّ أسمند خال شكري قال له عند ما ركب البحر إلى بلاده أعد الرها إلى القمص إذا خلص من الأسر فحكم البترك بإعادتها فأعادها تاسع صفر من السنة وعبر القمص الفرات ليرفع إلى جاولي المال والأسرى كما شرط له وكان جاولي لما أطلق القمص سار إلى الرحبة ولقيه أبو النجم بدران وأبو كامل منصور وكانا مقيمين بعد قتل أبيهما عند سالم بن مالك فاستنجداه ووعداه أن يسير معهما إلى الحلة واتفقوا على تقديم أبي الغازي تكين ثم قدم عليهم أصبهبذ صباوو وقد أقطعه السلطان
стр. 2852
الرحبة فأشار على جاولي بقصد الشام لخلوها عن العساكر والتجنب عن العراق وطريق السلطان فقبل إشارته وأحصر على الرحبة ثم وفد عليه صريح سالم بن مالك صاحب قلعة جعفر يستغيث به من بني نمير وكان حيوش البصري قد نزل على ابن سالم بالرقّة وملكها وسار إليه رضوان من حلب فصالحه بنو نمير بالمال ورجع عليهم فاستنجد سالم الآن جاولي فجاء وحاصر بني نمير بالرقة سبعين يوما فأعطوه مالا وخيلا ورحل عنهم واعتذر لسالم ثم وصل جاولي الى الأمير حسين بن أتابك قطلغ تكين كان أبوه أتابك السلطان محمد بكنجة فقتلته وتقدم ولده هذا عند السلطان وبعثه مع ابن عمار ليصلح أمر جاولي وتسير العساكر كلها الى الجهاد مع ابن عمار فأجاب جاولي لذلك وقال لحسين سر إلى الموصل ورحّل العساكر عنها وأنا أعطيك ولدي رهينة وتكون الجباية لوال من قبل السلطان فجاء حسين إلى العساكر قبل أن يفتحوها فكلهم أجاب إلا الأمير مودود فإنه امتنع من الرحيل إلا بإذن من السلطان وأقام محاصرا لها حتى افتتحها وعاد ابن قطلغ إلى السلطان فأحسن الاعتذار عن جاولي وسار جاولي إلى بالس فملكها من أصحاب رضوان بن تتش وقتل جماعة من أهلها فيهم القاضي محمد بن عبد العزيز بن الياس وكان فقيها صالحا ثم سار رضوان بن دقاق لحرب جاولي واستمدّ شكري صاحب انطاكية فأمدّه بنفسه وبعث جاولي إلى القمص بالرها يستمدّه وترك له مال المفاداة فباء إليه بنفسه ولحقه بمنبج وجاء الخبر إلى جاولي باستيلاء مودود وعساكر السلطان على الموصل وعلى خزائنه فاضطرب أمره وانفض عنه كثير من أصحابه منهم زنكي بن آق سنقر وبكتاش وبقي معه أصبهبذ صباوو وبدران بن صدقة وابن جكرمش وانضمّ إليه كثير من المتطوّعة ونزل تل ناشر وأتى عسكر رضوان وشكري وكاد أن يهزمهم لولا أنّ أصحابه ساروا عنه وسار في أتباعهم فأبوا عليه فمضى منهزما وقصد أصبهبذ الشام وبدران بن صدقة قلعة جعفر وابن جكرمش جزيرة ابن عمر وقتل من المسلمين خلق ونهب صاحب انطاكية سوادهم وهرب القمص وجوسكر إلى تل ناشر وكان المنهزمون من المسلمين يمرون بهم فيكرمونهم ويجيزونهم إلى بلادهم ولحق جاولي بالرحبة فلقي بها سرايا مودود صاحب الموصل وخفي عنهم فارتاب في أمره ولم ير الخير له من قصد السلطان محمد ثقة بما ألقى إليه حسين بن قطلغ تكين في شأنه فأوغر في السير ولحق بالسلطان قريبا من أصبهان ونزل حسين بن قطلغ فدخل به إلى السلطان فأكرمه وطلب منه بكتاش ابن عمه تتش واعتقله بأصبهان.
стр. 2853
مقتل مودود بن توتكين [١] صاحب الموصل في حرب الافرنج وولاية البرسقي مكانه
كان السلطان محمد قد أمر مودودا صاحب الموصل سنة خمس وخمسمائة بالمسير لقتال الإفرنج وأمدّه بسقمان القبطي صاحب ديار بكر وأرمينية واياكي وزنكي ابني برسق أمراء همدان وما جاورها والأمير أحمد بك أمير مراغة وأبو الهيجاء صاحب اربل والأمير أبو الغازي صاحب ماردين وبعث إليه أياز مكانه فسار إلى سنجار وفتحوا حصونا للإفرنج وحاصروا مدينة الرها فامتنعت عليهم وأقام الإفرنج على الفرات بعد أن طرقوا أعمال حلب فعاثوا فيها ثم حاصر العساكر الإسلامية قلعة ناشر فامتنعت ودخلوا إلى حلب فامتنع رضوان من لقائهم فعادوا ومات سقمان القبطي في دلاس فحمله أصحابه في تابوت إلى بلاده واعترضهم أبو الغازي بن أرتق ليأخذهم فهزموه ثم افترقت العساكر بمرض ابن برسق ومسير أحمد ابن صاحب مراغة إلى السلطان لطلب بلاد سقمان القبطي واجتمع قطلغتكين صاحب دمشق بمودود ونزل معه على نهر القاضي وسمع الإفرنج بافتراق العساكر فساروا إلى افاميه وجاء السلطان ابن منقذ صاحب شيراز إلى مودود وقطلغتكين وحصرهما على الجهاد ونزلوا جميعا على شيراز ونزل الفرنج قبالتهم ثم رأوا قوّة المسلمين فعادوا إلى أفامية ثم سار مودود سنة ست إلى الرها وسروج فعاث في نواحيها فكبسه جوسكر صاحب تل ناشر في الإفرنج ونال منه ثم اجتمع المسلمون سنة سبع للجهاد باستنجاد قطلغتكين صاحب دمشق لمودود فاجتمع معه بمنزل صاحب سنجار وأياز بن أبي الغازي وعبروا الفرات إلى قطلغتكين وقصدوا القدس فسار إليهم صاحبها بقزوين ومعه جوسكر صاحب تل ناشر على جيشه ونزلوا الأردن واقتتلوا قريبا من طبرية فانهزم الافرنج وقتل كثير منهم وغرق كثير في بحيرة طبرية ونهر الأردن وغنم المسلمون سوادهم ثم لقيهم عسكر طرابلس وانطاكية من الفرنج فاستعانوا بهم وعادوا الحرب ونزلوا في جبل طبرية فحاصرهم فيه المسلمون ثم ساروا فعاثوا في بلاد الإفرنج ما بين عكا إلى القدس ثم نزلوا دمشق وفرق مودود عساكره ووعدهم العود من قابل للجهاد ودخل دمشق ليستريح عند قطلغتكين فصلى الجمعة في الجامع فطعنه باطني فأثواه وهلك لآخر يومه واتهم قطلغتكين به وقتل الباطني من يومه ولما بلغ الخبر السلطان بقتل مودود ولي
стр. 2854
على الموصل وأعمالها آق سنقر البرسقي سنة ثمان وخمسمائة وبعث معه ابنه الملك مسعود في جيش كثيف وأمره بجهاد الإفرنج وكتب إلى الأمراء بطاعته فوصل إلى الموصل واجتمعت إليه عساكر النواحي فيهم عماد الدين زنكي بن آق سنقر ونمير صاحب سنجار وسار البرسقي إلى جزيرة ابن عمر فأطاعه نائب مودود بها ثم سار إلى ماردين فأطاعه أبو الغازي صاحبها وبعث معه ابنه أياز فسار إلى الرها فحاصرها شهرين ثم ضاقت الميرة على عسكره ثم رحل إلى شميشاط بعد أن خرب نواحي الرها وسروج وشميشاط وكانت مرعش للإفرنج هي وكسوم ورعيان وكان صاحبها كراسك واتفقت وفاته وملكت زوجته بعده فراسلت البرسقي بالطاعة وبعث إليها رسوله فأكرمته وأرجعته إلى البرسقي بالهدايا والطاعة وفرّ عنها كثير من الإفرنج إلى أنطاكية ثم قبض البرسقي على أياز بن أبي الغازي لاتهامه إياه في الطاعة فسار إليه أبو الغازي في العساكر وهزمه واستنقذ ابنه أياز من أسره كما ترى في أخبار دولة أبي الغازي وبنيه وبعث السلطان يهدده فوصل يده بقطلغتكين صاحب دمشق والفرنج وتحالفوا على التظاهر ورجع أبو الغازي إلى ديار بكر فسار إليه قزجان بن مراجا صاحب حمص وقد تفرّق عنه أصحابه فظفر به وأسره وجاء قطلغتكين في عساكره وبعث الى قزجان في إطلاقه فامتنع وهم بقتله فعاد عنه قطلغتكين الى دمشق وكان قزجان قد بعث الى السلطان بخبره وانتظر من يصل في قتله فأبطأ عليه فأطلق أبا الغازي بعد أن توثق منه بالحلف وأعطاه ابنه أياز رهينة ولما خرج سار إلى حلب وجمع التركمان وحاصر قزجان في طلب ابنه إلى أن جاءت عساكر السلطان.
مسير العساكر لقتال أبي الغازي وقطلغتكين والجهاد بعدهما
ولما كان ما ذكرناه من عصيان أبي الغازي وقطلغتكين على السلطان محمد وقوّة الفرنج على المسلمين جهز السلطان جيشا كثيرا مقدمهم الأمير برسق صاحب همدان ومعه الأمير حيّوش بك والأمير كشغرة وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم بقتال أبي الغازي وقطلغتكين فإذا فرغوا منهما ساروا إلى الفرنج فارتجعوا البلاد من أيديهم فساروا لذلك في رمضان من سنة ثمان وعبروا الفرات عند الرّقة وجاءوا إلى حلب وطلبوا من صاحبها لؤلؤ الخادم ومن مقدم العسكر المعروف بشمس الخواص تسليم حلب بكتاب السلطان في ذلك فتعلل عليهم وبعث إلى أبي الغازي وقطلغتكين بالخبر واستنجدهما فسار إليه في ألفين وامتنعت حلب على
стр. 2855
عساكر السلطان فسار برسق بالعساكر إلى حماة وهي لقطلغتكين فملكها عنوة وسلمها إلى قزجان صاحب حمص بعهد السلطان له بذلك في كل ما يفتحونه من البلاد فثقل ذلك على الأمراء وتخاذلوا وتسلم قزجان حماة بن برسق وأعطاه ابن أبي الغازي ابنه رهينة عنده ثم سار أبو الغازي وقطلغتكين وشمس الخواص الى أنطاكية مستنجدين بصاحبها بردويل وجاءهم بعد ذلك بغدوين صاحب القدس وصاحب طرابلس وغيرهما من الإفرنج واتفقوا على تأخير الحرب إلى انصرام الشتاء واجتمعوا بقلعة أفامية وأقاموا شهرين وانصرم الشتاء والمسلمون مقيمون فوهنت عزائم الإفرنج وعادوا إلى بلادهم وعاد أبو الغازي إلى ماردين وقطلغتكين إلى دمشق وسار المسلمون إلى كفر طاب من بلاد الإفرنج فحاصروه وملكوه عنوة وأسروا صاحبه واستلحموا من فيه ثم ساروا إلى قلعة أفامية فامتنعت عليهم فعادوا إلى المعرة وفارقهم حيوش بك إلى مراغة فملكه وسارت العساكر من المعرة إلى حلب وقدموا أثقالهم وخيامهم فصادفهم بردويل صاحب أنطاكية في خمسمائة فارس وألفي راجل صريخا لأهل كفر طاب وصادف مخيم العسكر ففتك فيه وفعل الأفاعيل وهم متلاحقون وجاء الأمير برسق وعاين مصارعهم وأشار عليه إخوته بالنجاء بنفسه فنجا بنفسه وأتبعهم الإفرنج ورجعوا عنهم على فرسخ وعاثوا في المسلمين في كلّ ناحية وقتل أياز بن أبي الغازي قتله الموكلون به وجاء أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين ما لم يحتسبوه ويئسوا من النصرة ورجعت العساكر منهزمة إلى بلادها وتوفي برسق زنكي سنة عشر بعدها.
ولاية حيوش بك ومسعود بن السلطان محمد علي الموصل
ثم أقطع السلطان الموصل وما كان بيد آق سنقر البرسقي للأمير حيوش بك وبعث معه ابنه مسعود وأقام البرسقي بالرحبة وهي اقطاعه إلى أن توفي السلطان محمد.
ولاية جاولي سكاوو على فارس وأخباره فيها ووفاته
كان جاولي سكاوو لما رجع إلى السلطان محمد ورضي عنه ولاه فارسا وأعمالها وبعث معه ابنه جعفري بك طفلا كما فصل من الرضاع وعهد إليه بإصلاحها فسار إليها ومرّ بالأمير بلداجي في بلاده كليل وسرماة وقلعة إصطخر وكان من مماليك السلطان ملك شاه فاستدعاه للقاء جعفري بك وتقدّم إليه بأن يأمر بالقبض عليه فقبض عليه ونهبت أمواله وكان أهله وذخائره في قلعة
стр. 2856
إصطخر وقد استناب فيها وزيره الخيمي ولم يمكنه الّا من بعض أهله فلما وصل جاولي إلى فارس ملكها منه وجعل فيها ذخائر ثم أرسل إلى خسرو وهو الحسين بن مبارز صاحب نسا وأمير الشوامكار من الأكراد فاستدعاه للقاء جعفري بك من السلطان خشية مما وقع لبلداجي فأعرض عنه وأظهر الرجوع إلى السلطان ومضى رسول خبره فبشر بانضافه عن فارس فما أدّى إليه الخبر إلا وجاولي قد خالطهم رجع من طريقه وأوغر في السير إليهم ثم هرب خسرو إلى عمدالج وفتك جاولي في أصحابه وماله ثم سار جاولي إلى مدينة نسا فملكها ونهب جهرم وغيرها وسار إلى خسرو فامتنع عليه بحصنه فرجع إلى شيراز وأقام بها ثم سار إلى كازرون فملكها وحاصر أبا سعيد بن محمد في قلعته مدّة عامين وراسله في الصلح فقتل الرسل مرّتين ثم اشتدّ عليه الحصار واستأمن فأمنه وملك الحصن ثم استوحش من جاولي فهرب وقبض على ولده وجيء به أسيرا فقتل ثم سار جاولي إلى دار بكرد فهرب صاحبها إبراهيم إلى كرمان وصاحبها أرسلان شاه كرمان شاه ابن أرسلان بن قاروت بك فسار جاولي إلى حصار درابكرد فامتنعت عليه فخرج إلى البرية ثم جاءهم من طريق كرمان كاءنة مدد لهم من صاحب كرمان فأدخلوه فملك البلد واستلحم أهله ثم سار إلى كرمان وبعث إلى خسرو مقدّم الشوذكان يستدعيه للمسير معه فلم يحد بدّا من موافقته وجاء وصاحبه الى كرمان وبعث إلى ملك كرمان بإعادة الشواذكان الذين عنده فبعث بالشفاعة فيهم فاستخلص السلطان الرسول بالإحسان وحثه على صاحبه ووعده بأن يرد العساكر عن وجهه ويخذلهم عنه ما استطاع وانقلب عنه إلى صاحبها ففي عساكر كرمان وزيره بالسيرجان فتراءى لهم أنّ جاولي عازم على مواصلتهم وأنه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان وأشار عليه بالرجوع فرجعوا وسار جاولي في أثر الرسول وحاصر حصنا بطرف كرمان فارتاب ملك كرمان بخبر الرسول ثم أطلع عليه من غير جامعة فقتله ونهب أمواله وبعث العساكر لقتاله واجتمع معهم صاحب الحصن المحاصر وسلك بهم غير الجادة وسمع جاولي بخبرهم فأرسل بعض الأمراء ليأتيه بالخبر فلم يحد بالجادة أحدا فرجع وأخبره أن عسكر كرمان قد رجع فاطمأنّ ولم يكن الا قليل حتى بيتته عساكر كرمان في شوّال سنة ثمان وخمسمائة فانهزم وفتكوا فيه قتلا وأسرا وأدركه خسرو بن أبي سعد الّذي كان قتل أباه فلما رآهما خاف منهما فآنساه وأبلغاه إلى مأمنه بمدينة نسا ولحقته عساكره وأطلق ملك كرمان الأسرى وجهزهم إليه وبينما هو يجهز العساكر لكرمان لأخذ ثاره توفي جعفري بك ابن السلطان في ذي الحجة من سنة تسع لخمس سنين من عمره فقطعه ذلك عن معاداة كرمان ثم بعث ملك كرمان
стр. 2857
إلى السلطان ببغداد في منع جاولي عنه فقال له لا بدّ أن تسلم الحصن إلى حاصره جاولي في حدّ كرمان وانهزم عليه وهو حصن فرح ثم توفي جاولي في ربيع سنة عشر فامنوا إعادته والله أعلم.
وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود
ثم توفي السلطان محمد بن ملك شاه آخر ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من ملكه بعد أن أجلس ولده محمودا على الكرسي قبل وفاته بعشر ليال وفوّض إليه أمور الملك فلما توفي نفذت وصيته لابنه محمود فأمره فيها بالعدل والإحسان وخطب له ببغداد وكان مناهز الحلم وكان السلطان محمد شجاعا عادلا حسن السيرة وله آثار جميلة في قتال الباطنية قد مرّ ذكرها في أخبارهم ولما ولي قام بتدبير دولته الوزير أبو منصور وأرسل إلى المستظهر في طلب الخطبة ببغداد له في منتصف المحرم من سنة اثنتي عشرة وأقر طهرون شحنة على بغداد وقد كان السلطان محمد ولاه عليها سنة اثنتين وخمسمائة ثم عاد البرسقي وقاتله وانهزم إلى عسكر السلطان محمود على الحلة دبيس بن صدقة وقد كان عند السلطان محمد منذ قتل أبوه صدقة وأحسن إليه وأقطعه وولي على الحلة سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة فلما توفي رغب من ابنه السلطان محمود العود إلى الحلة فأعاده واجتمع عليه العرب والأكراد.
وفاة المستظهر وخلافة ابنه المسترشد
ثم توفي المستظهر بن المقتدي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة منتصف ربيع الآخر ونصب للخلافة ابنه المسترشد واسمه الفضل وقد تقدّم ذلك في أخبار الخلفاء.
خروج مسعود ابن السلطان محمد على أخيه محمود
تقدّم لنا أنّ السلطان ولى على الموصل ابنه مسعودا ومعه حيوس بك وان السلطان محمود اودبيس بن صدقة سارا إلى الحلة فلما توفي السلطان محمد وولي ابنه محمود سار مسعود من الموصل مع أتابك حيوس بك ووزيره فخر الملك على بن عمار وقسيم الدولة وزنكي بن آقسنقر صاحب سنجار وأبي الهيجاء صاحب أربل وكرباوي بن خراسان صاحب
стр. 2858
المواريح [١] وقصدوا الحلة فدافعهم دبيس فرجعوا إلى بغداد وسار البرسقي إلى قتالهم فبعث إليه حيوس بك بأنهم إنما جاءوا لطلب الصريخ على دبيس صاحب الحلة فاتفقوا وتعاهدوا ونزل مسعود بدار الملك ببغداد وجاء الخبر بوصول عماد الدين منكبرس الشحنة وقد كان البرسقي هزم ابنه حسينا كما مر فسار بالعساكر إلى البرسقي فلما علم بدخول مسعود إلى بغداد عبر دجلة من النعمانية إلى دبيس بن صدقة فاستنجده وخرج مسعود وحيوس بك والبرسقي ومن معهم للقائهم وانتهوا إلى المدائن فأتتهم الأخبار بكثرة جموع منكبرس ودبيس فرجعوا وأجازوا نهر صرصر ونهبوا السواد من كل ناحية وبعث المسترشد إلى مسعود والبرسقي [٢] والحث على الموادعة والصلح وجاءهم الخبر بأنّ منكبرس ودبيس بعثا مع منصور أخي دبيس وحسين بن أرز [٣] وبني منكبرس عسكرا لحماية بغداد فرجع البرسقي إلى بغداد دليلا ومعه زنكي بن آق سنقر وترك ابنه عز الدين مسعودا على العسكر بصرصر فالتقى [٤] ومنع عسكر منكبرس من العبور وأقام يومين ثم وافاه كتاب ابنه بأن الصلح تمّ بين الفريقين بعده ففشل وعبر إلى الجانب الغربي ومنصور وحسين في أثره ونزلا عند جامع السلطان وخيم البرسقي عند القنطرة القبلية وخيم مسعود وحيوس بك عند المارستان ودبيس ومنكبرس تحت الرقة وعز الدين مسعود بن البرسقي عند منكبرس منفردا عن أبيه وكان سبب انعقاد الصلح أن حيوس بك أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود فأقطعهما أذربيجان ثم وصل الخبر بمسيرهما إلى بغداد فاستشعر منهما العصيان وجهز العساكر الى الموصل فكتب إليه رسوله بذلك ووقع الكتاب بيد منكبرس الشحنة فبعث إليه وضمن له إصلاح الحال له وللسلطان مسعود وكان منكبرس متزوّجا بأم السلطان مسعود واسمها سر جهان فكان يؤثر مصلحته فاستقر الصلح واتفقوا على إخراج البرسقي من بغداد إلى الملك وأقام عنده واستقر منكبرس شحنة بغداد وساء أثره في الرعية وتعرض لأموال الناس وحرمهم وبلغ الخبر إلى السلطان محمود فاستدعاه إليه فبقي يدافع ثم سار خوفا من عامة بغداد والله أعلم.
стр. 2859
خروج الملك طغرل [١] على أخيه السلطان محمود
كان الملك طغرل بن السلطان محمد عند وفاة أبيه مقيما بقلعة سر جهان وكان أبوه أقطعه سنة أربع سماوة وآوة وزنجان وجعل أتابك الأمير شيركير الّذي حاصر قلاع الإسماعيلية كما مرّ في أخبارهم وكان عمره يومئذ عشرا فأرسل السلطان محمد الأمير كسعدي أتابكا له وأعجله إليه وكان كسعدي حاقدا عليه فحمل طغرل على العصيان ومنعه من المجيء إلى أخيه وانتهى ذلك إلى محمود فأرسل إلى أخيه بتحف وخلع وثلاثين ألف دينار ومواعد جميلة فلم يصيخوا إليها وأجابه كسعدي [٢] إننا في الطاعة ومعترضون لمراسم الملك فسار إليهم السلطان مغذا ليكبسهم وجعل طريقه على قلعة شهران التي فيها ذخائر طغرل وأمواله ونما الخبر إلى طغرل وكسعدي فخرجا من العسكر في خفية قاصدين شهران وأخلى الطريق عنها لما سبق من اللطف فوقعا على قلعة سرجهان وجاء السلطان إلى العسكر فأخذ خزائن أخيه طغرل وفيها ثلاثمائة ألف دينار ثم أقام بزنجان أياما ولحق منها بالريّ ولحق طغرل وكسعدي بكنجة واجتمع إليه أصحابه وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه.
فتنة السلطان محمود مع عمه سنجر
ولما توفي السلطان محمد بلغ الخبر إلى أخيه سنجر بخراسان أظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله حتى جلس للعزاء على الرماد وأغلق بابه سبعا ثم سمع بولاية ابنه محمود فنكر ذلك وعزم على قصد بلاد الجبل والعراق وطلب السلطنة لنفسه مكان أخيه وكان قد سار إلى غزنة سنة ثمان وخمسين وفتحها وتنكر لوزيره أبي جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر ابن نظام الملك لما بلغه أنه أخذ عليه الرشوة من صاحب غزنة ليثنيه عن قصده إليه وفعل مثل ذلك بما وراء النهر وامتحن أهل غزنة بعد فتحها وأخذ منها أموالا عظيمة وشكا إليه الأمراء اهانته إياهم فلما عاد إلى بلخ قبض عليه وقتله واستصفى أمواله وكانت لا يعبر عنها كان فيها من العين وحده ألف دينار مرتين واستوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق ابن أخي نظام الملك وكان يعرف بابن الفقير فلما مات أخوه السلطان محمد عزم على طلب الأمر
стр. 2860
لنفسه وعاوده الندم على قتل وزيره أبي جعفر لما يعلم من اضطجاعه بمثلها ثم انّ السلطان محمود أبعث إليه يصطنعه بالهدايا والتحف وضمن له ما يزيد عن مائتي ألف دينار كل سنة وبعث في ذلك شرف الدين أنوشروان بن خالد وفخر الدين طغرل فقال لهما سنجر أن ابن أخي صغير وقد تحكم عليه وزيره وعلي بن عمر الحاجب فلا بدّ من المسير وبعث في مقدمته الأمير أنزوسار السلطان محمود وبعث في مقدّمته الحاجب علي بن محمد وكان حاجب أبيه قبله فلما تقاربت المقدّمتان بعث الحاجب علي بن عمر إلى الأمير أنز وهو بجرجان بالعتاب ونوع من الوعيد فتأخر عن جرجان فلحقته بعض العساكر ونالوا منه ورجع الحاجب إلى السلطان محمود بالري فشكر له فعله وأقاموا بالري ثم ساروا إلى كرمان وجاءته الإمداد من العراق مع منكبرس ومنصور بن صدقة أخي دبيس وأمراء فسار إلى همدان وتوفي وزيره الربيب فاستوزر أبا طالب الشهيري ثم سار السلطان في عشرين ألفا وثمانية عشر فيلا ومعه ابن الأمير أبي الفضل صاحب سجستان وخوارزم شاه محمد والأمير أنز والأمير قماج وكرشاسف بن ضرام بن كاكويه صاحب برد وهو صهره على أخته وكان خصيصا بالسلطان محمد فاستدعاه بعد موته سنجر وتأخر عنه وأقطع بلده لقراجا السامر فبادر إليه وتراجعوا بقرب ساوة في جمادى ثالث عشرة فسبقت عساكر السلطان محمود إلى الماء من أجل المسافة التي بين ساوة وخراسان وكانت عساكر السلطان ثلاثين ألفا ومعه الحاجب علي بن عمر ومنكبرس وأتابك غزغلي وبنو برسق وآق سنقر البحاري وقراجا الساني ومعه سبعمائة حمل من السلاح فعند ما اصطفوا إلى الحرب انهزم عساكر السلطان سنجر ميمنة وميسرة وثبت هو في القلب والسلطان محمود قبالته وحمل السلطان سنجر في الفيلة فانهزمت عساكر السلطان محمود واسر أتابك غزغلي وكان يكاتب السلطان سنجر بأنه يحمل إليه ابن أخيه فعاتبه على ذلك ثم قتله ونزل سنجر في خيام محمود واجتمع إليه أصحابه ونجا محمود من الواقعة وأرسل دبيس ابن صدقة للمسترشد في الخطبة لسنجر فخطب له أواخر جمادى الأولى من السنة وقطعت خطبة محمود ثم أنّ السلطان سنجر رأى قلة أصحابه وكثرة أصحاب محمود فراسله في الصلح وكانت تحضه على ذلك فامتنع ولحق البرسقي بسنجر وكان عند الملك مسعود بأذربيجان من يوم خروجه من بغداد فسار سنجر من همدان إلى الكرخ وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح ووعده بولاية عهده فأجاب وتحالفا على ذلك وسار محمود إلى عمه سنجر في شعبان بهدية حافلة ونزل على جدته فتقبل منه سنجر وقدّم له خمسة أفراس عربية وكتب لعماله بالخطبة لمحمود بعده في جميع ولايته وإلى بغداد بمثل ذلك
стр. 2861
وأعاد عليه جميع ما أخذه من بلاده سوى الريّ وصار محمود في طاعة عمه سنجر ثم سار منكبرس عن السلطان محمود إلى بغداد وبعث دبيس بن صدقة من منعه من دخولها فعاد ووجه الصلح بين الملكين قد أسفر فقصد السلطان سنجر مستجيرا به من الاستبداد عليه ومسيره لشحنة بغداد من غير إذنه ثم أنّ الحاجب علي بن عمر ارتفعت منزلته في دولته وكثرت سعاية الأمراء فيه فأضمر السلطان نكبته فاستوحش وهرب إلى قلعة له كان ينزل بها أهله وأمواله وسار منها إلى خوزستان وكانت بنو برسق اسوري وابن أخويه ارغوي بن ملتكى وهدد بن زنكي [١] بعثوا عسكرا يصدّونه عن بلادهم ولقوة قريبا من تستر فهزموه وجاءوا به أسيرا وكاتبوا السلطان محمودا بأمره فأمرهم بقتله وحمل رأسه إليه ثم أمر السلطان سنجر بإعادة مجاهد الذين تهدّدوا إلى شحنة بغداد فعاد إليها وعزل نائب دبيس بن صدقة [٢] .
استبداد علي بن سكمان بالبصرة
كان السلطان محمد قد أقطع البصرة للأمير آقسنقر البخاري واستخلف عليها سنقر الشامي فأحسن السيرة فلما توفي السلطان محمد وثب عليه غزغلي مقدّم الأتراك الإسماعيلية وكان يحج بالناس منذ سنين وسنقر ألبا وملكا البصرة من يده وحبساه وذلك سنة احدى عشرة وهمّ سنقر البا بقتله فعارضه غزغلي فلم يرجع وقتله فقتله غزغلي به وسكن الناس وكان بالبلد أمير اسمه علي بن سكمان حج بالناس وغاب عن هذه الواقعة فغصّ به غزغلي لتمام الحج على يده وخشي أن يثأر منهم بسنقر البا لتقدّمه عليهم فأوغر الى عرب البرية فنهب الحاج [٣] وانثنى علي بن سكمان في الدفاع عنهم الى أن قارب البصرة والعرب يقاتلونه فبعث اليه غزغلي بالمنع من البصرة فقصد القرى أسفل دجلة وصدق الحملة على العرب فهزمهم ثم سار اليه غزغلي وقاتله فأصابه سهم فمات وسار علي بن سكمان الى البصرة وملكها وكاتبه آقسنقر البخاري صاحب عمان بالطاعة واقترنوا به على أعماله وكان عند السلطان وطلبه أن يوليه البصرة فأبى وبقي ابن سكمان مستبدا بالبصرة الى أن بعث السلطان آق سنقر البخاري الى البصرة سنة أربع
стр. 2862
عشرة فملكها علي بن سكمان.
استيلاء الكرج على تفليس
كان الكرج قديما يغيرون على أذربيجان وبلاد ارّان قال ابن الأثير والكرج هم الخزر وقد بينا الصحيح من ذلك عند ذكر الأنساب وأن الخزر هم التركمان [١] الا أن يكون الكرج من بعض شعوبهم فيمكن ولما استفحل ملك السلجوقية أمسكوا عن الاغارة على البلاد المجاورة لهم فلما توفي السلطان محمد رجعوا الى الغارة فكانت سراياهم وسرايا القفجاق تغير على البلاد ثم اجتمعوا وكانت بلد الملك طغرل وهي ارّان ونقجوان الى أوس مجاورة لهم فكانوا يغيرون عليها الى العراق لملك بغداد ونزل على دبيس ابن صدقة فسار هو وأتابك كبغري ودبيس بن صدقة وأبي الغازي بن أرتق وسار في ثلاثين ألفا الى الكرج والقفجاق فاضطرب المسلمون وانهزموا وقتل منهم خلق وتبعهم الكفار عشرة فراسخ وعادوا عنهم وحاصروا مدينة تفليس وأقاموا عليها سنة وملكوها عنوة سنة خمس عشرة [٢] ووصل صريخهم سنة ست عشرة الى السلطان محمود بهمدان فسار لصريخهم وأقام بمدينة تبريز وانفذ عساكره الى الكرج فكان من أمرها ما يذكر ان شاء الله تعالى.
الحرب بين السلطان محمود وأخيه مسعود
قد تقدّم لنا مسير مسعود الى العراق وموت أبيه السلطان محمد وما تقرّر بينهما من الصلح ورجوعه الى الموصل بلده وان السلطان محمودا زاده آذربيجان ولحق به قسيم الدولة البرسقي عند ما طرده عن شحنة بغداد فأقطعه مسعود مراغة مضافة الى الرحبة وكاتب دبيس حيوس بك أتابك مسعود يحرضه على نكبة البرسقي وانه يباطن السلطان محمودا ووعده على ذلك بالأموال وحرضهم على طلب الأمر لمسعود ليقع الاختلاف فيحصل له علو الكلمة كما حصل لأبيه في فتنة بركيارق ومحمد وشعر البرسقي بسعاية دبيس فخشي على نفسه ولحق بالسلطان محمود فقبله وأعلى محله ثم اتصل بالملك مسعود الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي
стр. 2863
الأصبهاني الطغرائي [١] وكان ابنه أبو الوليد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغري للملك مسعود فلما وصل أبوه استوزره مسعود وعزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة فأغري مسعودا بالخلاف على أخيه السلطان محمود فكتب اليهم السلطان بالترغيب والترهيب فأظهروا أمرهم وخاطبوا الملك مسعودا بالسلطان وضربوا له النوب الخمس واغزّوا اليه السير وهو في خف من العسكر فسار اليهم في خمسة عشر ألفا وفي مقدّمته البرسقي ولقيهم بعقبة أستراباذ منتصف ربيع الأول سنة أربع عشرة فانهزم الملك مسعود وأصحابه وأسر جماعة من أعيانهم منهم الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي وزير الملك مسعود فأمر السلطان محمود بقتله وقال ثبت عندي فساد عقيدته وكان قتله لسنة من وزارته وكان كاتبا شاعرا يميل الى صناعة الكيمياء وله فيها تصانيف معروفة ولما انهزم الملك مسعود لحق ببعض الجبال على اثني عشر فرسخا من المعركة فاختفى فيه مع غلمان صغار وبعث يستأمن من أخيه فأرسل اليه آق سنقر البرسقي يؤمنه ويجيء به إليه وخالفه إليه بعض الأمراء فحرضه على اللحاق بالموصل وآذربيجان ومكاتبة دبيس ومعاودة الحرب فسار معه لذلك وجاء البرسقي الى مكانه الأوّل فلم يحده فاتبعه الى أن أدركه على ثلاثين فرسخا وأعلمه حال أخيه من الرضا عنه وأعاده فرجع ولقيه العساكر بأمر السلطان محمود وأنزله عند أمه ثم أحضره وهش له وبكى وخلطه بنفسه وذلك لثمانية وعشرين يوما من الخطبة بآذربيجان وأما حيوس بك الاتابك فافترق من السلطان من المعركة وسار الى الموصل وجمع الغلال من سوادها واجتمعت اليه العساكر وبلغه فعل السلطان مع أخيه فسار الى الزاب موريا بالصيد ثم أجدّ السير الى السلطان بهمدان فأمنه وأحسن اليه وبلغ الخبر بالهزيمة الى دبيس وهو بالعراق فنهب البلاد وأخربها وبعث اليه السلطان فلم يصغ الى كتابه.
ولاية آقسنقر البرسقي على الموصل ثم على واسط وشحنة العراق
ولما وصل حيوس بك الى السلطان محمود بعثه الى أخيه طغرل وأتابك كبغري فسار الى كنجة وبقي أهل الموصل فوضى من غير وال وكان آقسنقر البرسقي قد أبلى في خدمة السلطان محمود وردّ اليه أخاه مسعودا يوم الهزيمة فعرف له حق نصحه وحسن أثره فأقطعه الموصل وأعمالها
стр. 2864
وما يضاف اليها كسنجار والجزيرة فسار اليها سنة خمس عشرة وتقدّم الى سائر الأمراء بطاعته وأمره بمجاهدة الافرنج واسترجاع البلاد منهم فوصل الى الموصل وقام بتدبيرها وإصلاح أحوالها ثم أقطعه سنة ست عشرة بعدها مدينة واسط وأعمالها مضافة الى الموصل وجعله شحنة بالعراق فاستخلف عماد الدين زنكي بن آقسنقر وبعثه اليها فسار اليها في شعبان من السنة.
مقتل حيوس بك والوزير الشهيرمي
ثم انّ السلطان بعد وصول حيوس بك بعثه لحرب أخيه طغرل كما قلناه وأقطعه أذربيجان فتنكر له الأمراء وأغروا به السلطان فقتله على باب هرمز في رمضان سنة عشر وأصله تركي من موالي السلطان محمد وكان عادلا حسن السيرة ولما ولى الموصل والجزيرة وكان الأكراد بتلك الأعمال انتشروا وكثرت قلاعهم وعظم فسادهم فقصدهم وفتح كثيرا من قلاعهم كبلد البكارية [١] وبلد الزوزن وبلد النكوسة وبلد التخشيبة وهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق وصلحت السابلة وأمن الناس وأمّا الوزير الكمال أبو طالب الشهيرمي فإنه برز مع السلطان دبيس الى همدان وخرج في موكبه وضاق الطريق فتقدّم الموكب بين يديه فوثب عليه باطني وطعنه بسكين فأنفذه واتبعه الغلمان فوثب عليه آخر فجذبه عن سرجه وطعنه طعنات وشرّدهم الناس عنه فوثب آخر فجذبه وذلك لأربع سنين من وزارته وكان سيّئ السيرة ظلوما غشوما كثير المصادر ولما قتل رفع السلطان ما كان أحدث من المكوس.
رجوع طغرل الى طاعة أخيه السلطان محمود
قد ذكرنا عصيان طغرل على أخيه السلطان محمود بالريّ سنة ثلاث عشرة وأنّ السلطان محمود سار اليه وكبسه فلحق بر جهان ثم لحق منها بكنجة وبلاد أرّان ومعه أتابك كبغري [٢] فاشتدّت شوكته وقصد التغلب على بلاد آذربيجان وهلك كبغري في شوّال سنة خمس عشرة ولحق بأقسنقر الارمني صاحب مراغة ليقيم له الاتابكية وحرّضه على قتال السلطان محمود فسار معه الى مراغة ومروا بأردبيل فامتنعت عليهم فساروا الى هرمز وجاءهم الخبر
стр. 2865
هنالك بأنّ السلطان محمود بعث الأمير حيوس بك الى أذربيجان وأقطعه البلاد وأنه وصل الى مراغة في عسكر كثيف فساروا عن هرمز الى خونج وانتقض عليهم وراسلوا الأمير بشيركين [١] الّذي كان أتابك طغرل أيام أبيه يستنجد به وكان كبغري الاتابك قبض عليه بعد السلطان محمد ثم أطلقه السلطان سنجر وعاد الى أبهر وزنجان وكانت أقطاعه فأجاب داعيهم وسار أمامهم الى أبهر ولم يتم أمرهم فراسلوا السلطان في الطاعة وعاد طغرل الى أخيه وانتظم أمرهم.
مقتل وزير السلطان محمود
كان وزير السلطان محمود شمس الملك بن نظام الملك وكان حظيا عنده فكثرت سعاية أصحابه فيه وكان ابن عمه الشهاب أبو المحاسن وزير السلطان سنجر فتوفي واستوزر سنجر بعده أبا طاهر القمي عدوا لبني نظام الملك فأغرى السلطان سنجر حتى أمر السلطان محمود بنكبته فقبض عليه ودفعه الى طغرل فحبسه بقلعة جلجلال [٢] ثم قتله بعد ذلك وكان أخوه نظام الدين أحمد قد استوزره المسترشد وعزل به جلال الدين أبا علي بن صدقة فلما بلغه نكبة شمس الملك ومقتله عزل أخاه نظام الدين وأعاد ابن صدقة الى وزارته والله أعلم.
ظفر السلطان بالكرج
ثم وفد سنة سبع عشرة على السلطان محمود جماعة من أهل دنباوند وشروان يستصرخونه على الكرج ويشكون ما يلقون منهم فسار لصريخهم ولما تقارب الفئتان همّ السلطان بالرجوع وأشار به وزيره شمس وتطارح عليه أهل شروان فأقام وباتوا على وجل ثم وقع الاختلاف بين الكرج وقفجاق واقتتلوا ليلتهم ورحلوا منهزمين وعاد السلطان الى همدان والله تعالى أعلم.
стр. 2866
عزل البرسقي عن شحنة العراق وولاية برتقش الزكوي
كان الخليفة المسترشد قد وقعت بينه وبين دبيس بن صدقة حروب شديدة بنواحي المباركة من أطراف غانة وكان البرسقي معه وانهزم دبيس فيها هزيمة شنيعة كما مرّ في أخباره وقصد غزنة صريخا فلم يصرخوه فقصد المنتفق وسار بهم الى البصرة فدخلوها واستباحوها وقتلوا سلمان نائبها فأرسل الخليفة الى البرسقي بالنكير على إهمال أمر دبيس حتى فتك في البصرة فسار البرسقي اليه وهرب دبيس فلحق بالافرنج وجاء معهم لحصار حلب فامتنعت فلحق بطغرل ابن السلطان محمد يستحثه لقصد العراق كما مر ذلك في أخبار دبيس وبقيت في نفس المسترشد عليه ولحق بها أمثالها فتنكر له وبعث الى السلطان محمود في عزله فعزله وأمره بالعود الى الموصل لجهاد الافرنج ووصل نائب برتقش الى بغداد وأقام بها الشحنة وبعث السلطان ابنا له صغيرا ليكون معه على الموصل وسار البرسقي به ووصل الموصل وقام بولايتها.
بداية أمر بني آقسنقر وولاية عماد الدين زنكي على البصرة
كان عماد الدين زنكي في جملة البرسقي ولما أقطعه السلطان واسط بعث عليها زنكي فأقام فيها أياما ثم كان مسير البرسقي الى البصرة في أتباع دبيس فلما هرب دبيس عنها بعث البرسقي اليها عماد الدين زنكي فأقام بحمايتها ودفع العرب عنها ثم استدعاه البرسقي عند ما سار الى الموصل فضجر من تلوّن الأحوال عليه واختار اللحاق بأصبهان [١] فقدم عليه بأصبهان فأكرمه السلطان وأقطعه البصرة وعاد اليها سنة ثمان عشرة والله تعالى أعلم.
استيلاء البرسقي على حلب
لما سار دبيس الى الافرنج حرّضه على حلب وان ينوب فيها عنهم ووجدهم قد ملكوا مدينة صور وطمعوا في بلاد المسلمين وساروا مع دبيس الى حلب فحاصروها حتى جهد أهلها الحصار وبها يومئذ تأس بن [٢] ابن ارتق فاستنجد بالبرسقي صاحب الموصل وشرط عليهم ان يمكنوه من القلعة ويسلموها الى نوابه وسار الى انجادهم فاجفل عنهم
стр. 2867
الافرنج ودخل الى حلب فأصلح أمورها ثم سار الى كفر طاب فملكها من الافرنج ثم سار الى قلعة إعزاز من أعمال حلب وصاحبها جوسكين فحاصرها وسارت اليه عساكر الافرنج فانهزم وعاد الى حلب فخلف فيها ابنه مسعودا وعبر الفرات الى الموصل.
مسير طغرل ودبيس الى العراق
ولما ارتحل الافرنج عن حلب فارقهم دبيس ولحق بالملك طغرل فتلقاه بالكرامة والميرة وأغراه بالعراق وضمن له ملكه فساروا لذلك سنة تسع عشرة وانتهوا الى دقوقا فكتب مجاهد الدين بهرام بن تكريت الى المسترشد يخبرهم فتجهز للقائهم وأمر برتقش الزكوي ان يتجهز معه [١] خامس صفر وانتهى الى الخالص وعدل طغرل ودبيس الى طريق خراسان ثم نزلوا رباط جلولاء ونزل الخليفة بالدسكرة وفي مقدّمته الوزير جلال الدين بن صدقة وسار دبيس الى جسر النهروان لحفظ المقابر وقد كان رأيه مع طغرل أن يسير طغرل الى بغداد فيملكها وتقدّم دبيس في انتظاره فقعد به المرض عن لحاقه وغشيتهم أمطار أثقلتهم عن الحركات وجاء دبيس الى النهروان طريحا من التعب والبرد والجوع واعترضوا ثلاثين حملا للخليفة جاءت من بغداد بالملبوس والمأكول فطعموا وأكلوا وناموا في دفء الشمس وإذا بالمسترشد قد طلع عليهم في عساكره بلغه الخبر بأن دبيسا وطغرل خالفوه الى بغداد فاضطرب عسكره واجفلوا راجعين الى بغداد فلقوا في طريقهم دبيسا كما ذكرنا على دبال غرب النهروان وقف الخليفة عليه فقبل دبيس الأرض واستعطف حتى همّ الخليفة بالعفو عنه ثم وصل الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه ووقف دبيس مع برتقش الزكوي يحادثه ثم شغل الوزير بمدّ الجسر للعبور فتسلل دبيس ولحق بطغرل وعاد المسترشد الى بغداد ولحق طغرل ودبيس بهمدان فعاثوا في أعمالها وصادروا أهلها وخرج اليهم السلطان محمود فانهزموا بين يديه ولحقوا بالسلطان سنجر بخراسان شاكين من المسترشد برتقش الشحنة والله أعلم بغيبه وأحكم.
стр. 2868
مقتل البرسقي وولاية ابنه عز الدين على الموصل
ثم ان المسترشد تنكر للشحنة برتقش وتهدّده فلحق بالسلطان محمود في رجب سنة عشرين فأغراه بالمسترشد وخوفه غائلته وانه تعود الحروب وركب العيث ويوشك أن يمتنع عنك ويستصعب عليك فاعتزم السلطان على قصد العراق وبعث اليه الخليفة يلاطفه في الرد لغلاء البلاد وخرابها ويؤخره الى حين صلاحها فصدق عنده حديث الزكوي وسار مجدّا فعبر المسترشد بأهله وولده وأولاد الخلفاء الى الجانب الغربي في ذي القعدة راحلا عن بغداد والناس باكون لفراقه وبلغ ذلك الى السلطان فشق عليه وأرسل يستعطفه في العود الى داره فشرط عليه الرجوع عن العراق في القوت كما شرط أوّلا فغضب السلطان وسار نحو بغداد والخليفة بالجانب الغربي ثم أرسل خادمه عفيفا الى واسط يمنع عنها نواب السلطان فسار اليه عماد الدين زنكي من البصرة وهزمه وفتك في عسكره قتلا وأسرا وجمع المسترشد السفن اليه وسد أبواب قصره ووكل حاجب الباب ابن الصاحب بدار الخلافة ووصل السلطان الى بغداد في عشر من ذي الحجة ونزل باب الشماسية وأرسل المسترشد في العود والصلح وهو يمتنع وجرت بين العسكرين مناوشة ودخل جماعة من عسكر السلطان الى دار الخليفة ونهبوا التاج أوّل المحرّم سنة احدى وعشرين وخمسمائة فضج العامة لذلك ونادوا بالجهاد وخرج المسترشد من سرادقه ينادي بأعلى صوته وضربت الطبول ونفخت البوقات ونصب الجسر وعبر الناس دفعة وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب في دور الخلافة والأمراء وكان في دار الخلافة ألف رجل كامنون في السرداب فخرجوا عند ذلك ونالوا من عسكر السلطان وأسروا جماعة من أمرائه ونهب العامة دور وزير السلطان وأمرائه وحاشيته ومثل منهم خلق وعبر المسترشد الى الجانب الشرقي في ثلاثين ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد ودفع السلطان وعسكره عن بغداد وحفر عليها الخنادق واعتزموا على كبس السلطان فأخافهم أبو الهيجاء الكردي صاحب اربل ركب للقتال فلحق بالسلطان ووصل عماد الدين زنكي من البصرة في جيش عظيم في البرّ والبحر أذهل الناس برؤيته فحام المسترشد عن اللقاء وتردّد الرسل بينهما فأجاب الى الصلح وعفا السلطان عن أهل بغداد وأقام بها الى عاشر ربيع الآخر وأهدى اليه المسترشد سلاحا وخيلا وأموالا ورحل الى همدان وولى زنكي بن آقسنقر شحنة بغداد ثقة بكفايته واستقامت أحواله مع الخليفة وأشار به أصحابه ورأوا أنه يرقع الخرق ويصلح الأمر فولاه على ذلك مضافا الى ما بيده من البصرة وواسط وسار الى همدان وقبض في طريقه على وزيره أبي القاسم علي بن الناصر الشادي اتهمه بممالأة المسترشد لكثرة سعيه
стр. 2869
في الصلح فقبض عليه واستدعى شرف الدولة أنوشروان بن خالد من بغداد فلحقه بأصبهان في شعبان واستوزره عشرة أشهر ثم عزله ورجع الى بغداد وبقي أبو القاسم محبوسا الى أن جاء السلطان سنجر الى الريّ فأطلقه وأعاده الى وزارة السلطان محمود آخر اثنتين وعشرين.
وفاة عز الدين بن البرسقي وولاية عماد الدين زنكي على الموصل وأعمالها ثم استيلاؤه على حلب
ولما استولى عز الدين على الموصل وأعمالها واستفحل أمره طمحت همته الى الشام فاستأذن السلطان في المسير اليه وسار الى دمشق ومرّ بالرحبة فحاصرها وملكها ثم مات اثر ذلك وهو عليها وافترقت عساكره وشغلوا عن دفنه ثم دفن بعد ذلك ورجعت العساكر الى الموصل وقام بالأمر مملوكه جاولي ونصب أخاه الأصغر وأرسل الى السلطان يطلب تقرير الولاية له وكان الرسول في ذلك القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي الشهرزوريّ وصلاح الدين محمد الباغسياني أمير حاجب البرسقي واجتمعا بنصير الدين جعفر مولى عماد الدين زنكي وكان بينه وبين صلاح الدين سر فخوفهما جعفر ابن جاولي وحملهما على طلب عماد الدين زنكي وضمن لهما عنه الولايات والاقطاع فأجابوه وجاء بهما الى الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد فقالا له انّ الجزيرة والشام قد تمكن منهما الافرنج من حدود ماردين الى عريش مصر وكان البرسقي يكفهم وقد قتل وولده صغير ولا بد للبلد ممن يضطلع بأمرها ويدفع عنها وقد خرجنا عن النصيحة إليكم فبلغ الوزير مقالتهما الى السلطان فأحضرهما واستشارهما فذكر جماعة منهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه مقربا الى خزانة السلطان مالا جزيلا فولاه السلطان لما يعلم من كفايته وولى مكانه شحنة العراق مجاهد الدين بهروز صاحب تكريت وسار عماد الدين زنكي فبدأ بالبوازيج وملكها ثم سار الى الموصل وتلقاه جاولي مطيعا وعاد الى الموصل في خدمته فدخلها في رمضان وأقطع جاولي الرحبة وبعثه اليها وولى نصير الدين جعفرا قلعة الموصل وسائر القلاع وجعل صلاح الدين محمد الباغسياني أمير صاحب وولى بهاء الدين الشهرزوريّ قضاء بلاده جميعا وزاده أملاكا وأقطاعا وشركه في رأيه ثم سار الى جزيرة ابن عمر وقد امتنع بها مماليك البرسقي فجدّ في قتالهم وكانت دجلة تحول بينه وبين البلد فعبر بعسكره الماء سبحا واستولى على المسافة التي بين دجلة والبلد وهزم من كان فيها من الحامية حتى أحجزهم بالبلد وضيق حصارهم فاستأمنوا وأمنهم ثم سار الى نصيبين وهي لحسام الدين تمرتاش ابن أبي الغازي صاحب ماردين فحاصرها واستنجد حسام الدين ابن عمه
стр. 2870
ركن الدولة داود بن سكمان بن ارتق صاحب كيفا فأنجده بنفسه وأخذ في جمع العساكر وبعث تمرتاش ماردين الى نصيبين يعرّف العساكر بالخبر وأنّ العساكر واصلة اليهم عن خمسة أيام وكتبه في رقعة وعلقها في جناح طائر فاعترضه عسكر زنجي وصادوه وقرأ زنكي الرقعة وعوض الخمسة أيام بعشرين يوما وأطلق الطائر بها الى البلد فقرءوا الكتاب وسقط في أيديهم واستطالوا العشرين واستأمنوا لعماد الدين زنكي فأمنهم وملك نصيبين وسار عنها الى سنجار فملكها صلحا وبعث العساكر الى الخابور فملكها ثم سار الى حرّان وخرج اليه أهل البلد بطاعتهم وكانت الرها وسروج والميرة ونواحيها للافرنج وعليها جوسكين صاحب الرها فكاتب زنكي وهادنه ليتفرّغ للجهاد بعد ثم عبر الفرات الى حلب في المحرّم سنة اثنتين وعشرين وقد كان عز الدين مسعود بن آقسنقر البرسقي لما سار عنها الى الموصل بعد قتل أبيه استخلف عليها قرمان من أمرائه ثم عزله بآخر اسمه قطلغ ابه وكتب له الى قرمان فمنعه الا أن يرى العلامة التي بينه وبين عز الدين ابن البرسقي فعاد قطلغ الى مسعود ليجيء بالعلامة فوجده قد مات بالرحبة فعاد الى حلب وأطاعه رئيسها فضائل بن بديع والمقدّمون بها واستنزلوا قرمان من القلعة على ألف دينار وأعطوه إياها وملك قطلغ القلعة منتصف احدى وعشرين ثم ساءت سيرته وظهر ظلمه وجوره وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار ابن ارتق وكان ملكها قبل وخلع عنها فدعاه الناس الى البيعة وثاروا بقطلغ فامتنع بالقلعة فحاصروه وجاء مهيار صاحب منبج وحسن صاحب مراغة لإصلاح أمرهم فلم يتفق وطمع الافرنج في ملكها وتقدّم جوسكين بعسكره اليها فدافعوه بالمال ثم وصل صاحب انطاكية فحاصرهم الى آخر السنة وهم محاصرون القلعة فلما ملك عماد الدين زنكي الموصل والجزيرة والشام فأطاعوا وسار عبد الجبار وقطلغ الى عماد الدين بالموصل وأقام أحد الأميرين بحلب حتى بعث عماد الدين زنكي صاحبه صلاح الدين محمد الباغسياني في عسكر فملك القلعة ورتب الأمور وولى عليها وجاء عماد الدين بعساكره في أثره وملك في طريقه منبج ومراغة ثم دخل حلب وأقطع أعمالها الأجناد والأمراء وقبض على قطلغ ابه وسلمه لابن بديع فكحله فمات واستوحش ابن بديع فهرب الى قلعة جعفر وأقام عماد الدين مكانه في رياسة حلب أبا الحسن علي بن عبد الرزاق.
قدوم السلطان سنجر الى الريّ ثم قدوم السلطان محمود الى بغداد
الموصل طغرل ودبيس الى السلطان سنجر بخراسان حرضه دبيس على العراق والسلطان
стр. 2871
محمود قد اتفقا على الامتناع منه [١] فسار سنجر وأخبر السلطان محمود باستدعائه فوافاه لا قرب وقت وأمر العساكر بتلقيه وأجلسه معه على التخت وأقام السلطان محمود عند الى آخر اثنتين وعشرين ثم رجع سنجر الى خراسان بعد أن أوصى محمود بدبيس وأعاده الى بلده ورجع محمود الى همذان ثم سار الى العراق وخرج الوزير للقائه ودخل بغداد في تاسوعاء سنة ثلاث وعشرين ثم لحقه دبيس بمائة ألف دينار في ولاية الموصل وسمع بذلك زنكي وجاء الى السلطان وحمل المائة ألف مع هدايا جليلة فخلع عليه وأعاده وسار منتصف السنة عن بغداد الى همذان بعد أن ولى الحلة مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد.
(وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود) ثم توفي السلطان محمود بهمذان في شوّال سنة خمس وعشرين لثلاث عشرة سنة من ملكه بعد أن كان قبض على جماعة من أمرائه وأعيان دولته منهم عزيز الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي وأبو شنكين المعروف بشيركين بن حاجب وابنه عمر فخافهم الوزير أبو القاسم الشابادي؟ فانرى بهم السلطان فنكبهم وقتلهم ولما توفي اجتمع الوزير أبو القاسم والاتابك آقسنقر الأحمد يلي وبايعوا لابنه داود وخطبوا له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت وهرب الوزير الى الريّ مستجيرا بالسلطان فأمّر بها.
منازعة السلطان مسعود لداود ابن أخيه واستيلاؤه على السلطان بهمذان
لما هلك السلطان محمود سار أخوه مسعود من جرجان الى تبريز فملكها فسار داود من همذان في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وحاصره بتبريز في محرّم سنة ست وعشرين ثم اصطلحوا وتأخر داود عن الأمر لعمه مسعود فسار مسعود من تبريز الى همذان وكاتب عماد الدين زنكي صاحب الموصل يستنجده فوعده بالنصر وأرسل الى المسترشد في طلب الخطبة ببغداد وكان
стр. 2872
داود قد أرسل في ذلك قبله وردّ المسترشد الأمر في الخطبة الى السلطان سنجر ودسّ اليه أن لا يأذن لواحد منهما وان تكون الخطبة له فقط وحسن موقع ذلك عنده وسار السلطان مسعود الى بغداد وسبقه إليها أخوه سلجوق شاه مع أتابك قراجا الساقي صاحب فارس وخوزستان ونزل في دار السلطان واستخلفه الخليفة لنفسه ولما سار السلطان مسعود أوعز الى عماد الدين زنكي أن يسير الى بغداد فسار من الموصل اليها وانتهى السلطان مسعود الى عباسة الخالص وبرزت اليه عساكر المسترشد وسلجوق شاه وسار قراجا الساقي الى مدافعة زنكي فدافعه على المعشوق فهزمه وأسر كثيرا من أصحابه ومرّ منهزما الى تكريت وبها يومئذ نجم الدين أيوب أبو الاملاك الايوبية فهيأ له المعابر وعبر دجلة الى بلاده وسار السلطان مسعود من العباسة وقاتلت طلائعه طلائع أخيه سلجوق وبعث سلجوق يستحث قراجا بعد انهزام زنكي فعاد سريعا وتأخر السلطان مسعود بعد هزيمة زنكي وأرسل الى المسترشد بأنّ عمه سنجر وصل الى الريّ عازما على بغداد ويشير بمدافعته عن العراق وتكون العراق لوكيل الخليفة ثم تراسل القوم واتفقوا على ذلك وتحالفوا عليه وان يكون مسعود السلطان ولىّ العهد ودخلوا الى بغداد فنزل مسعود ديار السلطان وسلجوق دار الشحنة والله ولىّ التوفيق.
هزيمة السلطان مسعود وملك طغرل أخيه
لما توفي السلطان محمود سار السلطان سنجر من خراسان الى بلاد الجبل ومعه طغرل ابن أخيه محمد وانتهى الى الريّ ثم سار الى همذان فسار مسعود لقتاله ومعه قراجا الساقي وسلجوق شاه وقد كان الخليفة عزم أن لا يتجهز معهم فأبطأ فبعثوا اليه قراجا فسار الى خانقين وأقام وقطعت خطبة سنجر من العراق وخالفهم الى بغداد دبيس وزنكي وقد سمي اقطاعه لسنجر الحلة وزنكي ولاه شحنة بغداد فرجع المسترشد الى بغداد لموافقتهما وسار السلطان وأخوه سلجوق شاه للقاء سنجر ثم سمعا بكثرة عساكره فتأخرا فسار في طلبهم يوما وليلة ثم تراجعوا عند الدينور وكان مسعود يماطل باللقاء انتظارا للمسترشد فلم يجد بدّا من اللقاء فالتقوا على النقيبة [١] وحمل قراجا عليهم وتورّط في المعركة وأصيب بجراحات ثم
стр. 2873
التفوا عليه وأسروه وانهزم من أصحاب مسعود قزل وقد كان واطأهم على الهزيمة فانهزم السلطان مسعود عند ذلك منتصف ستة وعشرين وقتل كثير من أكابر الأمراء ونزل سنجر في خيامهم وأحضر قراجا فقتله وجيء اليه بالسلطان مسعود فأكرمه وأعاده الى كنجة وخطب للملك طغرل ابن أخيه في السلطنة وخطب له في جميع البلاد واستوزر له أبا القاسم الساباذي وزير السلطان محمود وعاد الى نيسابور آخر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة.
هزيمة السلطان داود واستيلاء طغرل بن محمد على الملك
لما ولىّ طغرل همذان وولىّ عنه السلطان سنجر الى خراسان وبلغه أن صاحب ما وراء النهر المرخان قد انتقض عليه فسار لإصلاحه وشغل بذلك فقام الملك داود بأذربيجان وبلاد كنجة وطلب الأمر لنفسه وجمع العساكر وسار الى همذان ومعه برتقش الزكوي وأتابك آقسنقر الأحمد يلي ومعه طغرل بن برسق ونزل وقد استقرّ ثم اضطرب عسكر داود وأحسوا من برتقش الزكوي بالفشل فنهب التركمان خيامه وهرب آقسنقر أتابك وانهزم في رمضان سنة ست وعشرين ثم قدم بغداد في ذي القعدة ومعه أتابك آقسنقر فأكرمه الخليفة وأنزله بدار السلطان.
عود السلطان مسعود الى الملك وهزيمة طغرل
قد تقدّم لنا هزيمة السلطان مسعود من عمه سنجر وعوده الى كنجة وولاية طغرل السلطان ثم محاربة داود ابن أخيه له وانهزام داود ثم رجوع داود الى بغداد فلما بلغ الخبر الى مسعود جاء الى بغداد ولقيه داود قريبا منها وترجل له عن فرسه ودخلا بغداد في صفر سنة سبع وعشرين ونزل مسعود بدار السلطان وخطب له ولداود بعده وطلبا من السلطان عسكرا ليسير معهما الى أذربيجان فبعث معهما العساكر الى أذربيجان ولقيهم آقسنقر الاحمديلي في مراغة بالإقامة والأموال وملك مسعود بلاد أذربيجان وهرب بين يديه من كان بها من الأمراء وامتنعوا بمدينة أذربيجان فحاصرهم بها وملكها عليهم وقتل منهم جماعة وهرب الباقون ثم سار الى همذان لمحاربة أخيه طغرل فهزمه وملك همذان في شعبان من السنة ولحق طغرل بالريّ وعاد الى أصبهان ثم قتل آقسنقر الاحمديلي بهمذان غيلة ويقال انّ السلطان مسعودا دسّ عليه من قتله ثم سار الى حصار طغرل بأصبهان ففارقها طغرل الى فارس وملكها مسعود وسار في اثر طغرل الى البيضاء فاستأمن اليه بعض أمراء طغرل فأمنه وخشي طغرل أن يستأمنوا اليه فقصد الريّ
стр. 2874
وقتل في طريقه وزيره أبا القاسم الساباذي في شوّال من السنة ومثل به غلمان الأمير شيركين الّذي سعى في قتله كما مرّ ثم سار الأمير مسعود يتبعه الى أن تراجعا ودارت بينهما حرب شديدة وانهزم طغرل وأسر من أمرائه الحاجب تنكي وأتى بقرا وأطلقهما السلطان مسعود وعاد الى همذان والله تعالى أعلم.
عود الملك طغرل الى الجبل وهزيمة السلطان مسعود
ولما عاد مسعود من حرب أخيه طغرل بلغه انتقاض داود ابن أخيه محمود بأذربيجان فسار اليه وحاصره بقلعة [١] فحصر جمع طغرل العساكر وتغلب على بلاده وسار اليه واستعمل بعض قوّاده فسار مسعود للقائه ولقيه عند قزوين وفارق مسعود الأمراء الذين استمالهم طغرل ولحقوا به فانهزم مسعود في رمضان سنة ثمان وعشرين وبعث الى المسترشد يستأذنه في دخول بغداد فأذن له وكان أخوه سلجوق بأصبهان مع نائبة فيها البقش السلاحي فلما سمع بانهزامه سبقه الى بغداد وأنزله المسترشد بدار السلطان وأحسن اليه بالأموال ووصل مسعود وأكثر أصحابه رجلا فوسع عليه الخليفة بالإنفاق والمراكب والظهر واللباس والآلة ودخل دار السلطان منتصف شوّال وأقام طغرل بهمذان.
وفاة طغرل واستيلاء مسعود على الملك
ولما وصل مسعود الى بغداد حمل اليه المسترشد ما يحتاج اليه وأمره بالمسير الى همذان لمدافعة طغرل ووعده بالمسير معه بنفسه فتباطأ مسعود عن المسير واتصل جماعة من أمرائه بخدمة الخليفة ثم اطلع على مداخلة بعضهم لطغرل فقبض عليه ونهب ماله وارتاب الآخرون فهربوا عن السلطان مسعود وبعث المسترشد في إعادتهم اليه فدافعه ووقعت لذلك بينهما وحشة فقعد المسترشد عن نصره بنفسه وبينما هم في ذلك وصل الخبر بوفاة أخيه طغرل في المحرّم سنة تسع وعشرين فسار مسعود الى همذان واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد حمله من بغداد وأقبلت اليه العساكر فاستولى على همذان وبلاد الجبل انتهى.
فتنة المسترشد مع السلطان مسعود ومقتله وخلافة ابنه الراشد
قد تقدّم لنا انّ الوحشة وقعت عند ما كان ببغداد بسبب أمرائه الذين اتصلوا بخدمة
стр. 2875
المسترشد ثم هربوا عنه الى السلطان مسعود فلما سار السلطان مسعود الى همذان بعد موت أخيه طغرل وملكها استوحش منه جماعة من أعيان أمرائه منهم برتقش وقزل وقراسنقر الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغرلبك ودبيس بن صدقة وساروا الى خوزستان ووافقهم صاحبها برسق بن برسق واستأمنوا الى الخليفة فارتاب من دبيس وبعث الى الآخرين بالأمان مع سديد الدولة بن الانباري وارتاب دبيس منهم أن يقبضوا عليه فرجع الى السلطان مسعود وسار الآخرون الى بغداد فاستحثوا المسترشد للمسير الى قتال مسعود فأجابهم وبالغ في تكرمتهم وبرز آخر رجب من سنة تسع وعشرين وهرب صاحب البصرة اليها وبعث اليه بالأمان فأبى فتكاسل عن المسير فاستحثوه وسهلوا له الأمر فسار في شعبان ولحق به برسق بن برسق وبلغ عدّة عسكره سبعة آلاف وتخلف بالعراق مع خادمه إقبال ثلاثة آلاف وكاتبه أصحاب الاطراف بالطاعة وأبطأ في مسيره فاستعجلهم مسعود وزحفوا اليه فكان عسكره خمسة عشر ألفا وتسلل عن المسترشد جماعة من عسكره وأرسل اليه داود ابن محمود من أذربيجان يشير بقصد الدينور والمقام بها حتى يصل في عسكره فأبى واستمرّ في مسيره وبعث زنكي من الموصل عسكرا فلم يصل حتى تواقعوا وسار السلطان محمود الى مجدّا فوافاهم عاشر رمضان ومالت ميسرة المسترشد اليه وانهزمت ميمنته وهو ثابت لم يتحرّك حتى أخذ أسيرا ومعه الوزير والقاضي وصاحب المحرّر وابن الانباري والخطباء والفقهاء والشهود فأنزل في خيمة ونهب مخيمه وحمل الجماعة أصحابه الى قلعة ترجمعان ورجع بقية الناس الى بغداد ورجع السلطان الى همذان وبعث الأمير بك ابه الى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عميد وقبضوا أملاك المسترشد وغلاتها وكانت بينهم وبين العامّة فتنة قتل فيها خلق من العامّة وسار السلطان في شوّال الى مراغة وقد تردّدت الرسل بينهما في الصلح على مال يؤدّيه المسترشد وأن لا يجمع العساكر ولا يخرج من داره لحرب ما عاش وأجابه السلطان وأذن له في الركوب وحمل الغاشية وفارق المسترشد بعض الموكلين به فهجم عليه جماعة من الباطنية فألحموه جراحا وقتلوه ومثلوا به جدعا وصلبا وتركوه سليبا في نفر من أصحابه قتلوهم معه وتبع الباطنية فقتلوا وكان ذلك منتصف ذي القعدة سنة ستة وعشرين لثمان عشرة سنة من خلافته وكان كاتبا بليغا شجاعا قرما ولما قتل بمراغة كتب السلطان مسعود الى بك ابه شحنة بغداد بأن يبايع لابنه فبويع ابنه الراشد أبو جعفر منصور بعهده اليه لثمانية أيام من مقتله وحضر بيعته جماعة من أولاد الخلفاء وأبو النجيب الواعظ وأمّا