محمود قد اتفقا على الامتناع منه [١] فسار سنجر وأخبر السلطان محمود باستدعائه فوافاه لا قرب وقت وأمر العساكر بتلقيه وأجلسه معه على التخت وأقام السلطان محمود عند الى آخر اثنتين وعشرين ثم رجع سنجر الى خراسان بعد أن أوصى محمود بدبيس وأعاده الى بلده ورجع محمود الى همذان ثم سار الى العراق وخرج الوزير للقائه ودخل بغداد في تاسوعاء سنة ثلاث وعشرين ثم لحقه دبيس بمائة ألف دينار في ولاية الموصل وسمع بذلك زنكي وجاء الى السلطان وحمل المائة ألف مع هدايا جليلة فخلع عليه وأعاده وسار منتصف السنة عن بغداد الى همذان بعد أن ولى الحلة مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد.
(وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود) ثم توفي السلطان محمود بهمذان في شوّال سنة خمس وعشرين لثلاث عشرة سنة من ملكه بعد أن كان قبض على جماعة من أمرائه وأعيان دولته منهم عزيز الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي وأبو شنكين المعروف بشيركين بن حاجب وابنه عمر فخافهم الوزير أبو القاسم الشابادي؟ فانرى بهم السلطان فنكبهم وقتلهم ولما توفي اجتمع الوزير أبو القاسم والاتابك آقسنقر الأحمد يلي وبايعوا لابنه داود وخطبوا له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت وهرب الوزير الى الريّ مستجيرا بالسلطان فأمّر بها.
منازعة السلطان مسعود لداود ابن أخيه واستيلاؤه على السلطان بهمذان
لما هلك السلطان محمود سار أخوه مسعود من جرجان الى تبريز فملكها فسار داود من همذان في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وحاصره بتبريز في محرّم سنة ست وعشرين ثم اصطلحوا وتأخر داود عن الأمر لعمه مسعود فسار مسعود من تبريز الى همذان وكاتب عماد الدين زنكي صاحب الموصل يستنجده فوعده بالنصر وأرسل الى المسترشد في طلب الخطبة ببغداد وكان
стр. 2872
داود قد أرسل في ذلك قبله وردّ المسترشد الأمر في الخطبة الى السلطان سنجر ودسّ اليه أن لا يأذن لواحد منهما وان تكون الخطبة له فقط وحسن موقع ذلك عنده وسار السلطان مسعود الى بغداد وسبقه إليها أخوه سلجوق شاه مع أتابك قراجا الساقي صاحب فارس وخوزستان ونزل في دار السلطان واستخلفه الخليفة لنفسه ولما سار السلطان مسعود أوعز الى عماد الدين زنكي أن يسير الى بغداد فسار من الموصل اليها وانتهى السلطان مسعود الى عباسة الخالص وبرزت اليه عساكر المسترشد وسلجوق شاه وسار قراجا الساقي الى مدافعة زنكي فدافعه على المعشوق فهزمه وأسر كثيرا من أصحابه ومرّ منهزما الى تكريت وبها يومئذ نجم الدين أيوب أبو الاملاك الايوبية فهيأ له المعابر وعبر دجلة الى بلاده وسار السلطان مسعود من العباسة وقاتلت طلائعه طلائع أخيه سلجوق وبعث سلجوق يستحث قراجا بعد انهزام زنكي فعاد سريعا وتأخر السلطان مسعود بعد هزيمة زنكي وأرسل الى المسترشد بأنّ عمه سنجر وصل الى الريّ عازما على بغداد ويشير بمدافعته عن العراق وتكون العراق لوكيل الخليفة ثم تراسل القوم واتفقوا على ذلك وتحالفوا عليه وان يكون مسعود السلطان ولىّ العهد ودخلوا الى بغداد فنزل مسعود ديار السلطان وسلجوق دار الشحنة والله ولىّ التوفيق.
هزيمة السلطان مسعود وملك طغرل أخيه
لما توفي السلطان محمود سار السلطان سنجر من خراسان الى بلاد الجبل ومعه طغرل ابن أخيه محمد وانتهى الى الريّ ثم سار الى همذان فسار مسعود لقتاله ومعه قراجا الساقي وسلجوق شاه وقد كان الخليفة عزم أن لا يتجهز معهم فأبطأ فبعثوا اليه قراجا فسار الى خانقين وأقام وقطعت خطبة سنجر من العراق وخالفهم الى بغداد دبيس وزنكي وقد سمي اقطاعه لسنجر الحلة وزنكي ولاه شحنة بغداد فرجع المسترشد الى بغداد لموافقتهما وسار السلطان وأخوه سلجوق شاه للقاء سنجر ثم سمعا بكثرة عساكره فتأخرا فسار في طلبهم يوما وليلة ثم تراجعوا عند الدينور وكان مسعود يماطل باللقاء انتظارا للمسترشد فلم يجد بدّا من اللقاء فالتقوا على النقيبة [١] وحمل قراجا عليهم وتورّط في المعركة وأصيب بجراحات ثم
стр. 2873
التفوا عليه وأسروه وانهزم من أصحاب مسعود قزل وقد كان واطأهم على الهزيمة فانهزم السلطان مسعود عند ذلك منتصف ستة وعشرين وقتل كثير من أكابر الأمراء ونزل سنجر في خيامهم وأحضر قراجا فقتله وجيء اليه بالسلطان مسعود فأكرمه وأعاده الى كنجة وخطب للملك طغرل ابن أخيه في السلطنة وخطب له في جميع البلاد واستوزر له أبا القاسم الساباذي وزير السلطان محمود وعاد الى نيسابور آخر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة.
هزيمة السلطان داود واستيلاء طغرل بن محمد على الملك
لما ولىّ طغرل همذان وولىّ عنه السلطان سنجر الى خراسان وبلغه أن صاحب ما وراء النهر المرخان قد انتقض عليه فسار لإصلاحه وشغل بذلك فقام الملك داود بأذربيجان وبلاد كنجة وطلب الأمر لنفسه وجمع العساكر وسار الى همذان ومعه برتقش الزكوي وأتابك آقسنقر الأحمد يلي ومعه طغرل بن برسق ونزل وقد استقرّ ثم اضطرب عسكر داود وأحسوا من برتقش الزكوي بالفشل فنهب التركمان خيامه وهرب آقسنقر أتابك وانهزم في رمضان سنة ست وعشرين ثم قدم بغداد في ذي القعدة ومعه أتابك آقسنقر فأكرمه الخليفة وأنزله بدار السلطان.
عود السلطان مسعود الى الملك وهزيمة طغرل
قد تقدّم لنا هزيمة السلطان مسعود من عمه سنجر وعوده الى كنجة وولاية طغرل السلطان ثم محاربة داود ابن أخيه له وانهزام داود ثم رجوع داود الى بغداد فلما بلغ الخبر الى مسعود جاء الى بغداد ولقيه داود قريبا منها وترجل له عن فرسه ودخلا بغداد في صفر سنة سبع وعشرين ونزل مسعود بدار السلطان وخطب له ولداود بعده وطلبا من السلطان عسكرا ليسير معهما الى أذربيجان فبعث معهما العساكر الى أذربيجان ولقيهم آقسنقر الاحمديلي في مراغة بالإقامة والأموال وملك مسعود بلاد أذربيجان وهرب بين يديه من كان بها من الأمراء وامتنعوا بمدينة أذربيجان فحاصرهم بها وملكها عليهم وقتل منهم جماعة وهرب الباقون ثم سار الى همذان لمحاربة أخيه طغرل فهزمه وملك همذان في شعبان من السنة ولحق طغرل بالريّ وعاد الى أصبهان ثم قتل آقسنقر الاحمديلي بهمذان غيلة ويقال انّ السلطان مسعودا دسّ عليه من قتله ثم سار الى حصار طغرل بأصبهان ففارقها طغرل الى فارس وملكها مسعود وسار في اثر طغرل الى البيضاء فاستأمن اليه بعض أمراء طغرل فأمنه وخشي طغرل أن يستأمنوا اليه فقصد الريّ
стр. 2874
وقتل في طريقه وزيره أبا القاسم الساباذي في شوّال من السنة ومثل به غلمان الأمير شيركين الّذي سعى في قتله كما مرّ ثم سار الأمير مسعود يتبعه الى أن تراجعا ودارت بينهما حرب شديدة وانهزم طغرل وأسر من أمرائه الحاجب تنكي وأتى بقرا وأطلقهما السلطان مسعود وعاد الى همذان والله تعالى أعلم.
عود الملك طغرل الى الجبل وهزيمة السلطان مسعود
ولما عاد مسعود من حرب أخيه طغرل بلغه انتقاض داود ابن أخيه محمود بأذربيجان فسار اليه وحاصره بقلعة [١] فحصر جمع طغرل العساكر وتغلب على بلاده وسار اليه واستعمل بعض قوّاده فسار مسعود للقائه ولقيه عند قزوين وفارق مسعود الأمراء الذين استمالهم طغرل ولحقوا به فانهزم مسعود في رمضان سنة ثمان وعشرين وبعث الى المسترشد يستأذنه في دخول بغداد فأذن له وكان أخوه سلجوق بأصبهان مع نائبة فيها البقش السلاحي فلما سمع بانهزامه سبقه الى بغداد وأنزله المسترشد بدار السلطان وأحسن اليه بالأموال ووصل مسعود وأكثر أصحابه رجلا فوسع عليه الخليفة بالإنفاق والمراكب والظهر واللباس والآلة ودخل دار السلطان منتصف شوّال وأقام طغرل بهمذان.
وفاة طغرل واستيلاء مسعود على الملك
ولما وصل مسعود الى بغداد حمل اليه المسترشد ما يحتاج اليه وأمره بالمسير الى همذان لمدافعة طغرل ووعده بالمسير معه بنفسه فتباطأ مسعود عن المسير واتصل جماعة من أمرائه بخدمة الخليفة ثم اطلع على مداخلة بعضهم لطغرل فقبض عليه ونهب ماله وارتاب الآخرون فهربوا عن السلطان مسعود وبعث المسترشد في إعادتهم اليه فدافعه ووقعت لذلك بينهما وحشة فقعد المسترشد عن نصره بنفسه وبينما هم في ذلك وصل الخبر بوفاة أخيه طغرل في المحرّم سنة تسع وعشرين فسار مسعود الى همذان واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد حمله من بغداد وأقبلت اليه العساكر فاستولى على همذان وبلاد الجبل انتهى.
فتنة المسترشد مع السلطان مسعود ومقتله وخلافة ابنه الراشد
قد تقدّم لنا انّ الوحشة وقعت عند ما كان ببغداد بسبب أمرائه الذين اتصلوا بخدمة
стр. 2875
المسترشد ثم هربوا عنه الى السلطان مسعود فلما سار السلطان مسعود الى همذان بعد موت أخيه طغرل وملكها استوحش منه جماعة من أعيان أمرائه منهم برتقش وقزل وقراسنقر الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغرلبك ودبيس بن صدقة وساروا الى خوزستان ووافقهم صاحبها برسق بن برسق واستأمنوا الى الخليفة فارتاب من دبيس وبعث الى الآخرين بالأمان مع سديد الدولة بن الانباري وارتاب دبيس منهم أن يقبضوا عليه فرجع الى السلطان مسعود وسار الآخرون الى بغداد فاستحثوا المسترشد للمسير الى قتال مسعود فأجابهم وبالغ في تكرمتهم وبرز آخر رجب من سنة تسع وعشرين وهرب صاحب البصرة اليها وبعث اليه بالأمان فأبى فتكاسل عن المسير فاستحثوه وسهلوا له الأمر فسار في شعبان ولحق به برسق بن برسق وبلغ عدّة عسكره سبعة آلاف وتخلف بالعراق مع خادمه إقبال ثلاثة آلاف وكاتبه أصحاب الاطراف بالطاعة وأبطأ في مسيره فاستعجلهم مسعود وزحفوا اليه فكان عسكره خمسة عشر ألفا وتسلل عن المسترشد جماعة من عسكره وأرسل اليه داود ابن محمود من أذربيجان يشير بقصد الدينور والمقام بها حتى يصل في عسكره فأبى واستمرّ في مسيره وبعث زنكي من الموصل عسكرا فلم يصل حتى تواقعوا وسار السلطان محمود الى مجدّا فوافاهم عاشر رمضان ومالت ميسرة المسترشد اليه وانهزمت ميمنته وهو ثابت لم يتحرّك حتى أخذ أسيرا ومعه الوزير والقاضي وصاحب المحرّر وابن الانباري والخطباء والفقهاء والشهود فأنزل في خيمة ونهب مخيمه وحمل الجماعة أصحابه الى قلعة ترجمعان ورجع بقية الناس الى بغداد ورجع السلطان الى همذان وبعث الأمير بك ابه الى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عميد وقبضوا أملاك المسترشد وغلاتها وكانت بينهم وبين العامّة فتنة قتل فيها خلق من العامّة وسار السلطان في شوّال الى مراغة وقد تردّدت الرسل بينهما في الصلح على مال يؤدّيه المسترشد وأن لا يجمع العساكر ولا يخرج من داره لحرب ما عاش وأجابه السلطان وأذن له في الركوب وحمل الغاشية وفارق المسترشد بعض الموكلين به فهجم عليه جماعة من الباطنية فألحموه جراحا وقتلوه ومثلوا به جدعا وصلبا وتركوه سليبا في نفر من أصحابه قتلوهم معه وتبع الباطنية فقتلوا وكان ذلك منتصف ذي القعدة سنة ستة وعشرين لثمان عشرة سنة من خلافته وكان كاتبا بليغا شجاعا قرما ولما قتل بمراغة كتب السلطان مسعود الى بك ابه شحنة بغداد بأن يبايع لابنه فبويع ابنه الراشد أبو جعفر منصور بعهده اليه لثمانية أيام من مقتله وحضر بيعته جماعة من أولاد الخلفاء وأبو النجيب الواعظ وأمّا
стр. 2876
إقبال خادم المسترشد فلما بلغه خبر الواقعة وكان مقيما ببغداد كما قد مناه عبر الى الجانب الغربيّ ولحق بتكريت ونزل على مجاهد الدين بهروز.
فتنة الراشد مع السلطان مسعود
لما بويع الراشد بعث اليه السلطان مسعود برتقش الزكوي يطالبه بما استقرّ عليه الصلح مع أبيه المسترشد وهو أربعمائة ألف دينار فأنكر الراشد أن يكون له مال وانما مال الخلافة كان مع المسترشد فنهب ثم جمع الراشد العساكر وقدّم عليهم كجراية وشرع في عمارة السور واتفق برتقش مع بك ايه على هجوم دار الخلافة وركبوا لذلك في العساكر فقاتلهم عساكر الراشد والعامّة وأخرجوهم عن البلد الى طريق خراسان وسار بك ايه [١] الى واسط وبرتقش الى سرخس ولما علم داود بن محمود فتنة عمه مسعود مع الراشد سار من أذربيجان الى بغداد في صفر سنة ثلاثين ونزل بدار السلطان ووصل بعده عماد الدين زنكي من الموصل وصدقة بن دبيس من الحلة ومعه عش بن أبي العسكر يدبر أمره ويديره وكان أبوه دبيس قد قتل بعد مقتل المسترشد بأذربيجان وملك هو الحلة ثم وصل جماعة من أمراء مسعود منهم برتقش بازدار صاحب فروق والبقش الكبير صاحب أصبهان وابن برسق وابن الاحمديلي وخرج للقائهم كجراية والطرنطاي وكان إقبال خادم المسترشد قد قدم من تكريت فقبض عليه الراشد وعلى ناصر الدولة أبي عبد الله الحسن بن جهير فاستوحش أهل الدولة وركب الوزير جلال الدين بن صدقة الى لقاء عماد الدين زنكي فأقام عنده مستجيرا حتى أصلح حاله مع الراشد واستجار به قاضي القضاة الزينبيّ ولم يزل معه الى الموصل وشفع في إقبال فأطلق وسار اليه ثم جدّ الراشد في عمارة السور وسار الملك داود لقتال مسعود استخلفه الراشد واستخلفه عماد الدين زنكي وقطعت خطبة مسعود من بغداد وولىّ داود شحنة بغداد برتقش بازدار ثم وصل الخبر بأنّ سلجوق شاه أخا الأمير مسعود ملك واسط وقبض على الأمير بك ايه فسار الأمير زنكي لدفاعه فصالحه ورجع وعبر الى طريق خراسان للحاق داود واحتشد العساكر ثم سار السلطان مسعود لقتالهم وفارق زنكي داود ليسير الى مراغة ويخالف السلطان مسعود الى همذان وبرز الراشد من بغداد أوّل رمضان وسار الى طريق خراسان وعاد بعد ثلاث وعزم على الحصار ببغداد واستدعى داود الأمراء ليكونوا معه عنده فجاءوا لذلك ووصلت رسل السلطان مسعود بطاعة الراشد والتعريض بالوعيد
стр. 2877
للامراء المجتمعين عنده فلم يقبل طاعة من أجلهم والله أعلم.
حصار بغداد ومسير الراشد الى الموصل وخلعه وخلافة المقتفى
ثم انّ السلطان مسعودا أجمع المسير الى بغداد وانتهى الى الملكية فسار زين الدين علي من أصحاب زنكي حتى شارف معسكره وقاتلهم ورجع ونزل السلطان على بغداد والعيارون فأفسدوا سائر المحال ببغداد وانطلقت أيديهم وأيدي العساكر في النهب ودام الحصار نيفا وخمسين يوما وتأخر السلطان مسعود الى النهروان عازما على العود الى أصبهان فوصله طرنطاي صاحب واسط في سفن كثيرة فركب الى غربيّ بغداد فاضطرب الأمراء وافترقوا وعادوا إلى أذربيجان وكان زنكي بالجانب الغربي فعبر اليه الراشد وسار معه الى الموصل ودخل السلطان مسعود بغداد منتصف ذي القعدة فسكن الناس وجمع القضاة والفقهاء وأوفقهم على يمين الراشد التي كتبها بخطه اني متى جمعت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر فأفتوا بخلعه واتفق أرباب الدولة ممن كان ببغداد ومن أسر مع المسترشد وبقي عند السلطان مسعود كلهم على ذمّه وعدم أهليته على ما مرّ في أخباره بين أخبار الخلفاء وبويع محمد بن المستظهر ولقب المقتفي وقد قدّمت هذه الاخبار بأوسع من ذلك ثم بعث السلطان العساكر مع قراسنقر لطلب داود فأدركته عند مراغة وقاتله فهزمه وملك آذربيجان ومضى داود الى خوزستان واجتمع عساكر من التركمان وغيرهم فحاصر تستر وكان عمه سلجوق بواسط فسار اليه بعد ان أمره أخوه مسعود بالعساكر ولقي داود على تستر فهزمه داود ثم عزل السلطان وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلامة من أهل خراسان ثم بلغه انّ الراشد قد فارق الموصل فأذن للعساكر التي عنده ببغداد في العود الى بلادهم وصرف فيهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة بعد ان أصهر اليه في ابنته وقدم عليه جماعة من الأمراء الذين كانوا مع داود منهم البقش اسلامي وبرسق بن برسق وصاحب تستر وسنقر الخمارتكين شحنة همذان فرضي عنهم وأمنهم وعاد الى همذان سنة احدى وثلاثين.
الفتنة بين السلطان مسعود وبين داود والراشد وهزيمة مسعود ومقتل الراشد
كان الأمير بوزابة صاحب خوزستان والأمير عبد الرحمن طغرلبك صاحب خلخال والملك
стр. 2878
داود ابن السلطان محمود خائفين من السلطان فاجتمعوا عند الأمير منكبرس صاحب فارس وبلغهم مسير الراشد من الموصل الى مراغة فراسلوه في أن يجتمعوا عليه ويردّوه الى خلافته فأجابهم وبلغ الخبر الى السلطان مسعود فسار اليهم في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأوقع بهم وأخذ منكبرس أسيرا فقتله وافترقت عساكره للنهب فانفرد بوزابة وطغرلبك وصدقا الحملة عليه فانهزم وقبض على جماعة من الأمراء مثل صدقة بن دبيس صاحب الحلة وكافله غبتر ابن أبي العساكر وابن أتابك قراسنقر صاحب آذربيجان وحبسهم بوزابة حتى تحقق قتل منكبرس ولحق السلطان مسعود بآذربيجان منهزما وسار داود الى همذان فملكها ووصل اليه الراشد هنالك وأشار بوزابة وكان كبير القوم بالمسير الى فارس فساروا معه واستولى عليها وملكها ولما علم سلجوق شاه وهو بواسط انّ أخاه السلطان مسعود امضى الى آذربيجان سار هو الى بغداد ليملكها ودافعه البقش التخت ونظم الخادم أمير الحاج وثار العيارون بالبلدان وأفحشوا في النهب فلما رجع الشحنة استأصل شأفتهم وأخذ المستورين بجنايتهم فجلا الناس عن بغداد الى الموصل وغيرها ولما قتل صدقة بن دبيس أقرّ السلطان مسعود أخاه محمدا على الحلة ومعه مهلهل بن أبي العساكر أخو عش المقتول كما مرّ في أخباره ثم لما ملك بوزابة فارس رجع مع الراشد والملك داود ومعهما خوارزم شاه الى خوزستان وخربوا الجزيرة فسار اليهم مسعود ليمنعهم عن العراق فعاد الملك داود الى فارس وخوارزم شاه الى بلده وسار الراشد الى أصبهان فثار به نفر من الخراسانية كانوا في خدمته فقتلوه عند القائلة في خامس عشر رمضان من السنة ودفن بظاهر أصبهان ثم قبض السلطان آخر السنة على وزيره أبي البركات بن سلامة الدركزيني واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الخازن وكان نبيها حسن السيرة فرفع المظالم وأزال المكوس وأقام وظائف السلطان وجمع له الأموال وضرب على أيدي العمال وكشف خيانتهم فثقل عليهم وأوقعوا بينه وبين الأمراء فبالغوا في السعاية فيه عند السلطان وتولى كبرها قراسنقر صاحب آذربيجان فإنه بعث الى السلطان يتهدّده بالخروج عن طاعته فأشار على السلطان خواصه بقتله خشية الفتنة فقتله على كره وبعث برأسه الى قراسنقر فرضي وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة لسبعة أشهر من وزارته واستوزر بعده أبا العز طاهر بن محمد اليزدجردي وزير قراسنقر ولقب عز الملك وضاقت الأمور على السلطان وأقطع البلاد للامراء ثم قتل السلطان البقش السلاحي الشبحنة بما ظهر منه من الظلم والعسف فقبض عليه وحبسه بتكريت عند مجاهد الدين بهروز ثم أمر بقتله فلما قرب
стр. 2879
للقتل ألقى نفسه في دجلة فمات وبعث برأسه الى السلطان فقدّم مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد فحسن أثره ثم عزله السلطان سنة ست وثلاثين وولىّ فيها قرلي أميرا آخرا من موالي السلطان محمود وكانت له يزدجر والبصرة فأضيف له اليهما والله أعلم بغيبه.
فتنة السلطان سنجر مع خوارزم شاه
وهو أوّل بداية بني خوارزم قد تقدّم لنا ذكر أولية محمد خوارزم شاه وهو محمد بن أبي شنتكين وانّ خوارزم شاه لقب له وانّ الأمير داود حبشي لما ولاه بركيارق خراسان وقتله أكنجي ولىّ محمد بن أبي شنتكين وولىّ بعده ابنه أتسز فظهرت كفاءته وقرّ به السلطان سنجر واستخلصه واستظهر به في حروبه فزاده ذلك تقدّما ورفعة واستفحل ملكه في خوارزم ونمي للسلطان سنجر انه يريد الاستبداد فسار اليه سنة ثلاث وثلاثين وبرز أتسز ولقيه في التعبية فلم يثبت وانهزم وقتل من عسكره خلق وقتل له ابن فحزن عليه حزنا شديدا وملك سنجر خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ابن أخيه محمد ورتب له وزيرا وأتابك وحاجبا وعاد الى مرو منتصف السنة فخالفه أتسز الى خوارزم وهرب سليمان شاه ومن معه الى سنجر واستولى أتسز على خوارزم وكان من أمره ما يذكر بعد ان شاء الله تعالى.
استيلاء قراسنقر صاحب آذربيجان على بلاد فارس
ثم جمع أتابك قراسنقر صاحب آذربيجان وبرّز طالبا ثأر أبيه الّذي قتله بوزابة في المصاف كما مرّ وأرسل السلطان مسعود في قتل وزيره الكمال فقتله كما مرّ فانصرف عنه الى بلاد فارس وتحصن عنه بوزابة في القلعة البيضاء ووطئ قراسنقر البلاد وملكها ولم يمكنه مقام فسلمها لسلجوق شاه ابن السلطان محمود وهو أخو السلطان مسعود وعاد الى آذربيجان فنزل بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين وهزم سلجوق شاه وأسره وحبسه ببعض قلاعه واستولى على البلاد ثم هلك قراسنقر صاحب آذربيجان وارّان بمدينة أردبيل وكان من مماليك طغرل وولىّ مكانه جاولي الطغرلي والله سبحانه ولىّ التوفيق.
مسير جهان دانكي الى فارس
ثم أمر السلطان سنة خمس وثلاثين الأمير إسماعيل جهان دانكي فسار اليها ومنعها مجاهد الدين بهروز من الوصول واستعدّ لذلك بخسف المعابر وتغريقها فقصد الحلة فمنعها أيضا فقصد واسط فقاتله طرنطاي وانهزم ودخل واسط ونهبها ونهب النعمانية وما اليها واتبعهم طرنطاي الى البطيحة ثم فارقه عسكره الى طرنطاي فلحق بتستر وكتب إسماعيل الى السلطان فعفا عنه
.
стр. 2880
هزيمة السلطان سنجر امام الخطا واستيلاؤهم على ما وراء النهر
وتلخيص هذا الخبر من كتاب ابن الأثير أنّ أتسز بن محمد ملك خوارزم واستقرّ بها فبعث الى الخطا وهم أعظم الترك فيما وراء النهر وأغراهم بمملكة السلطان سنجر واستحثهم لها فساروا في ثلاثمائة ألف فارس وسار سنجر في جميع عساكره وعبر اليهم النهر ولقيهم سنة ست وثلاثين واقتتلوا أشدّ قتال ثم انهزم سنجر وعساكره وقتل منهم مائة ألف فيهم أربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر ولحق سنجر بترمذ وسار منها الى بلخ وقصد أتسز مدينة مرو فدخلها مراغما للسلطان وفتك فيها وقبض على جماعة من الفقهاء والأعيان وبعث السلطان سنجر الى السلطان مسعود يأذن له في النصر وفي الريّ ليدعوه ان احتاج اليه فجاء عباس صاحب الريّ بذلك الى بغداد وسار السلطان مسعود الى الريّ امتثالا لأمر عمه سنجر قال ابن الأثير وقيل انّ بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاد سامسون وجبى [١] وطراز وغيرها مما وراء النهر كانت بيد الخانيّة وهم مسلمون من نسل مراسيان ملك الترك المعروف خبره مع ملوك الكينيّة وأسلم جدّهم الأوّل سبق قراخان لأنه رأى في منامه انّ رجلا نزل من السماء وقال له بالتركية ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة وأسلم في منامه ثم أسلم في يقظته ولما مات ملك مكانه موسى بن سبق ولم يزل الملك في عقبه الى ارسلان خان بن سليمان بن داود ابن بقرخان بن إبراهيم طغاج خان بن ايلك نصر بن ارسلان بن علي بن موسى بن سبق فخرج عليه قردخان وانتزع الملك منه ثم نصر سنجر وقتل قردخان وخرج بعد ذلك خوارزم ونصره السلطان سنجر منهم وأعاده الى ملكه وكان في جنده نوع من الأتراك يقال لهم القارغليّة والأتراك الغزيّة الذين نهبوا خراسان على ما نذكره بعد وهم صنفان صنف يقال لهم حق وأميرهم طوطي بزداديك وصنف يقال لهم برق وأميرهم برغوث بن عبد الحميد.
وكان لأرسلان نصر خان شريف يصحبه من أهل سمرقند وهو الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلويّ فحمل ابن ارسلان نصر خان وطلبوا انتزاع الملك منه فاستصرخ السلطان سنجر فعبر اليه في عساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة وانتهى الى سمرقند فهرب القارغليّة أمامه وعاد الى سمرقند فقبض على ارسلان خان وحبسه ببلخ فمات بها وولى على
стр. 2881
سمرقند مكانه قلج طمقاج أبا المعالي الحسن بن علي بن عبد المؤمن ويعرف بحسن تكر من أعيان بيت الخانية الا أن ارسلان خان اطرحه فولاه سنجر ولم تطل أيامه فولى بعده محمود بن ارسلان خان وأبوه هو الّذي ملك سمرقند من يده وهو ابن أخت سنجر وكان في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة قد خرج كوهرخان من الصين الى حدود كاشغر في جموع عظيمة وكوهر الأعظم بلسانهم وخان السلطان. فمعناه أعظم ملك ولقيه صاحب كاشغر أحمد بن الحسن الخان فهزمه وقد كان خرج قبله من الصين أتراك الخطا وكانوا في خدمة الخانيّة أصحاب تركسان وكان ارسلان خان محمد بن سليمان ينزلهم على الدروب بينه وبين الصين مسالح ولهم على ذلك جرايات واقطاعات وسخط عليهم بعض السنين وعاقبهم بما عظم عليهم فطلبوا فسيحا من البلاد يأمنون فيه من ارسلان خان لكثرة ما كان يغزوهم ووصفت لهم بلاد سامسون فساروا اليها ولما خرج كونان من الصين ساروا اليه واجتمعوا عليه ثم ساروا جميعا الى بلاد ما وراء النهر ولقيهم الخان محمود بن ارسلان خان محمد في حدود بلاده في رمضان سنة احدى وثلاثين فهزموه وعاد الى سمرقند وعظم الخطب على أهلها وأهل بخارى واستمدّ محمود السلطان سنجر وذكر ما لقي السلطان من العنت واجتمع عنده ملوك خراسان وملك سجستان من بني خلف وملك غزنة من الغوريين وملك مازندران وعبر النهر للقاء الترك في أكثر من مائة ألف وذلك لآخر خمس وثلاثين وخمسمائة وشكا اليه محمود خان من القارغليّة فقصدهم واستجاروا بكوهرخان ملك الصين فكتب الى سنجر بالشفاعة فيهم فلم يشفعه وكتب اليه يدعوه للإسلام ويتهدّده بكثرة العساكر فأهان الرسول وزحف للقاء سنجر والتقى الجمعان بموضع يسمى قطران خامس صفر سنة ست وثلاثين وأبلى القارغليّة من الترك وصاحب سجستان من المسلمين ثم انهزم المسلمون فقتل كثير منهم وأسر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان سنجر فأطلقهم كوهرخان ومضى السلطان سنجر منهزما وملك الترك الكفار والخطا بلاد ما وراء النهر الى أن مات كوهرخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته ثم ماتت قريبا وملكت أمّها من بعدها وهو زوجة كوهرخان وابنه محمد وصار ما وراء النهر بيد الخطا الى أن غلبهم عليه عماد الدين محمد خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة.
стр. 2882
أخبار خوارزم شاه بخراسان وصلحه مع سنجر
ولما عاد السلطان منهزما سار خوارزم شاه الى سرخس في ربيع سنة ست وثلاثين فأطاعته ثم الى مرو الشاهجان فشفع فيهم الامام أحمد الباخرزي ونزل بظاهرها وبينما هو قد استدعى أبا الفضل الكرماني وأعيان أهلها للشورى ثار عامّة البلد وقتلوا من كان عندهم من جنده وامتنعوا فطاولها ودخلها عنوة وقتل كثيرا من علمائها ثم رجع في شوّال من السنة الى نيسابور وخرج اليه علماؤها وزهادها يسألون معافاتهم مما نزل بأهل مرو فأعفاهم واستصفى أصحاب السلطان وقطع خطبة سنجر وبعث عسكرا الى أعمال صغد فقاتلوهم أياما ولم يطق سنجر مقاومته لمكان الخطا وجوارهم له ثم سار السلطان سنجر سنة ثمان وثلاثين لقتال خوارزم وحاصرها أياما وكاد يملكها واقتحمها بعض أمرائه يوما فدافعه أتسز بعد حروب شديدة ثم أرسل أتسز الى سنجر بالطاعة والعود الى ما كان عليه فقبله وعاد سنة ثمان وثلاثين.
صلح زنكي مع السلطان مسعود
ثم وصل السلطان مسعود سنة ثمان وثلاثين الى بغداد [١] عادته فتجهز لقصد الموصل وكان يحمل لزنكي جميع ما وقع من الفتن فبعث اليه زنكي يستعطفه مع أبي عبد الله بن الأنباري وحمل معه عشرين ألف دينار وضمن مائة ألف على أن يرجع عنه فرجع وانعقد الصلح بينهما وكان مما رغب السلطان في صلحه أنّ ابنه غازي بن زنكي هرب من عند السلطان خوفا من أبيه فردّه الى السلطان ولم يجتمع به فوقع ذلك من السلطان أحسن موقع والله تعالى أعلم.
انتقاض صاحب فارس وصاحب الريّ
كان بوزابة صاحب فارس وخوزستان كما قدمنا فاستوحش من السلطان مسعود فانتقض سنة أربعين وخمسمائة وبايع لمحمد ابن محمود وهو ابن أخي السلطان مسعود وسار الى مامشون واجتمع بالأمير عباس صاحب الريّ ووافقه على شأنه واتصل به سليمان شاه أخو السلطان مسعود وتغلبوا على كثير من بلاده فسار اليهم من بغداد في رمضان من السنة ومعه الأمير طغايرك حاجبه وكان له التحكم في الدولة والميل الى القوم واستخلفه على بغداد الأمير مهلهل ونصير أمير الحاج وجماعة من غلمان بهروز وسار فلما تقاربوا للحرب نزع السلطان شاه عنهم الى أخيه مسعود وسعى عبد الرحمن في الصلح
стр. 2883
فانعقد بينهما على ما أحبه القوم وأضيف الى عبد الرحمن ولاية أذربيجان وارّان الى خلخال عوضا من جاولي الطغرلي واستوزر أبا الفتح بن دراست وزير بوزابة وقد كان السلطان سنة تسع وثلاثين قبض على وزيره اليزدجردي واستوزر مكانه المرزبان بن عبد الله بن نصر الأصبهاني وسلم اليه اليزدجردي واستصفى أمواله فلما كان هذه السنة وفعل بوزابة في صلح القوم ما فعل اعتضد بهم على مقامه عند السلطان وتحكم عليه وعزل وزيره واستوزر له أبا الفتح هذا.
مقتل طغايرك [١] وعباس
قد قدّمنا ان طغايرك وعبد الرحمن تحكما على السلطان واستبدّا عليه ثم آل أمره الى أن منعا بك ارسلان المعروف بابن خاص بك بن البتكري [٢] من مباشرة السلطان وكان تربيته وخاصا به ونجيّ خلوته وتجهز طغايرك لبعض الوجوه فحمله في جملته فأسرّ السلطان الى بك ارسلان الفتك بطغابرك وداخل رجال العسكر في ذلك فأجاب منهم زنكي جاندار ان يباشر قتله بيده ووافق بك ارسلان جماعة من الأمراء واعترضوا له في موكبه فضربه الجاندار فصرعه عن فرسه وأجهز عليه ابن خاص بك ووقف الأمراء الذين واطئوه على ذلك دون الجاندار فمنعوه وكان ذلك بظاهر صهوة [٣] وبلغ الخبر الى السلطان مسعود ببغداد ومعه عباس صاحب الريّ في جيش كثيف فامتعض لذلك ونكره فداراه السلطان حتى سكن وداخل بعض الأمراء في قتله فأجابوه وتولى كبر ذلك البقش حروسوس [٤] للحف وأحضر السلطان عبّاسا وأدخله في داره وهذان الأميران عنده وقد أكمنوا له في بعض المخادع رجالا وعدلوا به الى مكانهم فقتلوه ونهبت خيامه وأصاخت البلاد لذلك ثم سكنت وكان عبّاس من موالي السلطان محمود وكان عادلا حسن السيرة وله مقامات حسان في جهاد الباطنية وقتل في ذي القعدة سنة احدى وأربعين ثم حبس السلطان أخاه سليمان شاه في قلعة تكريت وسار عن بغداد الى أصبهان والله وليّ التوفيق.
стр. 2884
مقتل بوزابة صاحب فارس
قد تقدّم لنا أنّ طغايرك كان مستظهرا على السلطان بعبّاس صاحب الريّ وبوزابة صاحب فارس وخوزستان فلما قتل طغايرك وامتعض له عبّاس قتل اثره وانتهى الخبر الى بوزابة فجمع العساكر وسار الى أصبهان سنة اثنتين وأربعين فحاصرها وبعث عسكرا آخر لحصار همذان وآخر الى قلعة الماهكي من بلاد اللحف وكان بلاد اللحف من قلاع البقش كوزحر [١] فسار اليها ودفعهم عنها ثم سار بوزابة عن أصبهان لطلب السلطان مسعود فامتنع وتراجفا بمرج مزاتكن واشتدّ القتال بينهما وكبا الفرس ببوزابة وسيق إلى السلطان فقتل بين يديه وقيل أصابه سهم فسقط ميتا وانهزمت عساكره وكان هذا الحرب من أعظم الحروب بين السلجوقية.
انتقاض الأمراء على السلطان
ولما قتل طغايرك وعباس وبوزابة اختص بالسلطان ابن خاص بك لميله اليه واطرح بقية الأمراء فاستوحشوا وارتابوا بأنفسهم أن يقع بهم ما وقع بالآخرين ففارقوه وساروا نحو العراق أبو ركن المسعودي صاحب كنجة وارّان والبقش كوزحر صاحب الجبل والحاجب خريطاي المحمودي شحنة واسط وابن طغايرك والركن وقرقوب ومعهم ابن أخي السلطان وهو محمد بن محمود وانتهوا الى حرّان فاضطرب الناس ببغداد وغلت الأسعار وبعث اليهم المقتفي بالرجوع فلم يرجعوا ووصلوا الى بغداد في ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين ونزلوا بالجانب الشرقي وهرب أجناد مسعود شحنة بغداد الى تكريت ووصل اليهم علي بن دبيس صاحب الجبلة ونزل بالجانب الغربي وجمع الخليفة العساكر ثم قاتل العامة عساكر الأمراء فاستطردوا لهم ثم كروا عليهم فملئوا الأرض بالقتلى ثم جاست خيولهم خلال الديار فنهبوا وسبوا ثم جاءوا مقايل التاج يعتذرون وردّدوا الرسل الى الخليفة سائر يومهم ثم ارتحلوا من الغد الى النهر وان فعاثوا فيها وعاد مسعود من بلاد تكريت الى بغداد ثم افترق الأمراء وفارقوا العراق ثم عاد البقش كوزحر والطرنطاي وابن دبيس سنة أربع وأربعين ومعهم ملك شاه بن محمود وهو ابن أخي السلطان وطلبوا من الخليفة الخطبة لملك شاه فأبى وجمع العساكر وشغل بما كان فيه من أمر عم السلطان سنجر وذلك أن السلطان سنجر بعث اليه يلومه في تقديم ابن خاص بك ويأمره بابعاده وتهدّده فغالطه ولم يفعل فسار الى الريّ فبادر اليه مسعود وترضاه فرضي عنه ولما علم البقش كوزحر مراسلة
стр. 2885
المقتفي لمسعود نهب النهروان وقبض على عليّ بن دبيس وسار السلطان بعد لقاء عمه الى بغداد فوصلها منتصف شوّال سنة أربع وأربعين فهرب الطرنطاي الى النعمانيّة ورحل البقش الى النهروان بعد أن أطلق علي بن دبيس فجاء الى السلطان واعتذر فرضي عنه.
وفاة السلطان مسعود وولاية ملك شاه بن أخيه محمود ثم أخيه محمد من بعده
ثم توفى السلطان مسعود بهمذان في رجب منتصف سبع وأربعين لاثنتين وعشرين سنة من طلبه الملك وبه كمل استفحال ملك السلجوقية وركب الخمول دولتهم بعده وكان عهد الى ملك شاه بن أخيه محمود فلما توفى بايع له الأمير ابن خاص بك وأطاعه العسكر وانتهى خبر موته الى بغداد فهرب الشحنة بلاك الى تكريت وأمر المقتفى بالحوطة على داره ودور أصحاب السلطان مسعود ثم بعث السلطان ملك شاه عسكر الى الجبلة مع سلادكرد من أمرائه فملكها وسار اليه بلاك الشحنة فخادعه حتى استمكن منه فقبض عليه وغرّقه واستبدّ بلاك الشحنة بالجبلة وجهز المقتفي العساكر مع الوزير عون الدين بن عبيرة الى الجبلة وبعث عساكرا الى الكوفة وواسط فملكهما ووصلت عساكر السلطان ملك شاه فملكوها وسار اليها الخليفة بنفسه فارتجعها منهم وسار منها الى الجبلة ثم الى بغداد آخر ذي القعدة من السنة ثم انّ ابن خاص بك طمع في الانفراد بالأمر فاستدعى محمد بن محمود من خوزستان فأطمعه في الملك ليقبض عليه وعلى أخيه ملك شاه فقبض على ملك شاه أولا لستة أشهر من ولايته ووصل محمد في صفر من سنة ثمان وأربعين فأجلسه على التخت وخطب له بالسلطنة وحمل اليه الهدايا وقد سعى للسلطان محمد بما انطوى عليه ابن خاص بك فلما باكره صبيحة وصوله فتك به وقتله وقتل معه زنكي الجاندار قاتل طغايرك وأخذ من أموال ابن خاص بك كثيرا وكان صبيا كما بينا اتصل بالسلطان مسعود وتنصح له فقدّمه على سائر العساكر والأمراء وكان أنوغري التركي المعروف بشملة في جملة ابن خاص بك ومن أصحابه ونهاه عن الدخول الى السلطان محمد فلما قتل ابن خاص بك نجا شملة الى خوزستان وكان له بها بعد ذلك ملك والله أعلم بغيبه وأحكم.
تغلب الغز على خراسان وهزيمة السلطان سنجر وأسره
كان هؤلاء الغز فيما وراء النهر وهم شعب من شعوب الترك ومنهم كان السلجوقية أصحاب
стр. 2886
هذه الدولة وبقوا هنالك بعد عبورهم وكانوا مسلمين فلما استولى الخطا على ملك الصين وعلى ما وراء النهر حجر هؤلاء الغزّ الى خراسان وأقاموا بنواحي بلخ وكان لهم من الأمراء محمود ودينار وبختيار وطوطي وارسلان ومعز وكان صاحب بلخ الأمير قماج فتقدّم اليهم أن يبعدوا عن بلخ فصانعوه فتركهم وكانوا يعطون الزكاة ويؤمنون السابلة ثم عاد اليهم في الانتقال فامتنعوا وجمعوا فخرج اليهم في العساكر وبذلوا له مالا فلم يقبل وقاتلوه فهزموه وقتلوا العسكر والرعايا والفقهاء وسبوا العيال ونجا قماج الى مرو وبها السلطان سنجر فبعث اليهم يتهدّدهم ويأمرهم بمفارقة بلاده فلاطفوه وبذلوا له فلم يقبل وسار اليهم في مائة ألف فهزموه وأثخنوا في عسكره وقتل علاء الدين قماج وأسروا السلطان سنجر ومعه جماعة من الأمراء فقتلوا الأمراء واستبقوا السلطان سنجر وبايعوه ودخلوا معه الى مرو فطلب منه بختيار اقطاعها فقال هي كرسي خراسان فسخروا منه ثم دخل سنجر خانقاه فقسط على الناس وأطرهم وعسفهم وعلق في الأسواق ثلاث غرائر وطالبهم بملئها ذهبا فقتله العامّة ودخل الغز نيسابور ودمّروها تدميرا وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها وقتلوا القضاة والعلماء في كل بلد ولم يسلم من خراسان غير هراة وسبستان لحصانتهما وقال ابن الأثير عن بعض مؤرّخي العجم ان هؤلاء الغز انتقلوا من نواحي التغرغر من أقاصي الترك الى ما وراء النهر أيام المقتفي وأسلموا واستظهر بهم المقنّع الكنديّ على مخارقه وشعوذته حتى تمّ أمره فلما سارت اليه العساكر خذلوه وأسلموه وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخانية ثم طردهم الأتراك القارغلية عن اقطاعهم فاستدعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيبانيّ المستولي على حدود طخارستان وأنزلهم بلاده واستظهر بهم على قماج صاحب بلخ وسار بهم لمحاربته فخذلوه لأنّ قماج كان استمالهم فانهزم زنكي وأسر هو وابنه وقتلهما قماج وأقطع الغز في بلاده فلما سار الحسين بن الحسين الغوري الى بلخ برز اليه قماج ومعه هؤلاء الغز فخذلوه ونزعوا عنه الى الغوري حتى ملك بلخ فسار السلطان سنجر الى بلخ وهزم الغوري واستردّها وبقي الغزّ بنواحي طخارستان وفي نفس قماج حقد عليهم فأمرهم بالانتقال عن بلاده فتألفوا وتجمّعوا في طوائف من الترك وقدموا عليهم أرسلان بوقاء التركي ولقيهم قماج فهزموه وأسروه وابنه أبا بكر وقتلوهما واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها وجمع السلطان سنجر وفي مقدمته محمد بن أبي بكر بن قماج المقتول والمؤيد ابنه في محرّم سنة ثمان وأربعين وجاء السلطان سنجر على أثرهم وبعثوا اليه بالطاعة والأموال فلم يقبل منهم وقاتلهم فهزموه الى بلخ ثم عاود قتالهم فهزموه الى مرو واتبعوه فهرب هو وعسكره من مرو رعبا منهم ودخلوا البلد وأفحشوا فيه قتلا ونهبا وقتلوا القضاة والأئمة والعلماء
стр. 2887
ولما خرج سنجر من مرو وأسروه وأجلسوه على التخت على عادته وآتوه طاعتهم ثم عاودوا الغارة على مرو فمنعهم أهلها وقاتلوهم ثم عجزوا واستسلموا فاستباحوها أعظم من الاولى ولما أسر سنجر فارقه جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك ووصلوا الى نيسابور واستدعوا سليمان شاه بن السلطان محمود وخطبوا له بالسلطان في منتصف السنة واجتمعت عليه عساكر خراسان وساروا لطلب الغزّ فبارزوهم على مرو وانهزمت العساكر رعبا منهم وقصدوا نيسابور والغز في اتباعهم ومرّوا بطوس فاستباحوها وقتلوا حتى العلماء والزهاد وخربوا حتى المساجد ثم ساروا الى نيسابور في شوّال سنة تسع وأربعين ففعلوا فيها أفحش من طوس حتى ملئوا البلاد من القتلى وتحصن طائفة بالجامع الأعظم من العلماء والصالحين فقتلوهم عن آخرهم وأحرقوا خزائن الكتب وفعلوا مثل ذلك في جوين وأسفراين فحاصروهما واقتحموهما مثل ما فعلوا في البلاد الأخرى وكانت أفعال الغز في هذه البلاد أعظم وأقبح من أفعال الغز في غيرها ثم انّ السلطان سليمان شاه توفى وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك في شوّال سنة ثمان وأربعين فاستوزر ابنه نظام الملك وانحلّ أمره وعجز عن القيام بالملك فعاد الى جرجان في صفر سنة تسع وأربعين فاجتمع الأمراء وخطبوا للخان محمود بن محمد بن بقراخان وهو ابن أخت سنجر واستدعوه فملكوه في شوّال من السنة وساروا معه لقتال الغز وهم محاصرون هراة فكانت حروبه معهم سجالا وأكثر الظفر للغز ثم رحلوا عن هراة الى مرو منتصف خمسين وأعادوا مصادرة أهلها وسار الخان محمد الى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد كما يذكر فراسل الغز في الصلح فصالحوه في رجب.
استيلاء المؤيد على نيسابور وغيرها
هذا المؤيد من موالي سنجر واسمه وكان من أكابر أوليائه ومطاعا فيهم ولما كانت هذه الفتنة وافترق أمر الناس بخراسان تقدم فاستولى على نيسابور وطوس ونسا [١] وان ورد وشهرستان والدامغان وحصنها ودافع الغز عنها ودانت له الرعية لحسن سيرته فعظم شأنه وكثرت جموعه واستبدّ بهذه الناحية وطالبه الخان محمود عند ما ملكوه بالحضور عنده وتسليم البلاد فامتنع وتردّدت الرسل بينهما على مال
стр. 2888
يحمله للخان محمود فضمنه المؤيد وكف عنه محمود واستقرّ الحال على ذلك والله أعلم.
استيلاء ايتاخ على الريّ
كان ايتاخ من موالي السلطان سنجر وكانت الريّ أيضا من أعمال سنجر فلما كانت فتنة الغز لحق بالريّ واستولى عليها وصانع السلطان محمد شاه ابن محمود صاحب همذان وأصبهان وغيرهما وبذل له الطاعة فأقرّه فلما مات السلطان محمد مدّ يده الى أعمال تجاوزته وملكها فعظم أمره وبلغت عساكره عشرة آلاف فلما ملك سليمان شاه همذان على ما نذكره وقد كان أنس به عند ولاية سليمان على خراسان سار اليه وقام بخدمته وبقي مستبدا بتلك البلاد والله أعلم.
الخبر عن سليمان شاه وحبسه بالموصل
كان سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر وجعله وليّ عهده وخطب له على منابر خراسان فلما وقعت فتنة الغز وأسر سنجر قدمه أمراء خراسان على أنفسهم ثم عجز ومضى الى خوارزم شاه فزوّجه ابنة أخيه ثم سعى به عنده فأخرجه من بلده وجاء الى أصبهان فمنعه الشحنة من الدخول فمضى الى قاشان فبعث السلطان محمد شاه ابن أخيه محمود عسكرا ليدفعه عنها فسار الى خوزستان فمنعه ملك شاه منها فقصد اللحف ونزل وأرسل المقتفي في أثره فطلبه في زوجته رهينة ببغداد فبعث بها مع جواريها وأتباعها فأكرمهم المقتفي وأذن له في القدوم وخرج الوزير ابن هبيرة وقاضي القضاة والفتيان لتلقيه وخلع عليه المقتفي وأقام ببغداد حتى إذا دخلت سنة احدى وخمسين أحضر بدار الخلافة وحضر قاضي القضاة والأعيان واستحلف على الطاعة والتجافي للخليفة عن العراق وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه وأمدّ بثلاثة آلاف من العسكر وجعل معه الأمير دوران أمير حاجب صاحب الجبلة وسار الى بلاد الجبل في ربيع الأوّل من السنة وسار المقتفي الى حلوان وبعث الى ملك شاه بن السلطان محمود يدعوه الى موافقة عمه سليمان شاه وان يكون وليّ عهده فقدم في ألفي فارس وتحالفا وأمدّهما المقتفي بالمال والاسلحة واجتمع معهم ايلدكز صاحب كنجة وأرانية وساروا لقتال السلطان محمد فلما بلغه خبرهم أرسل الى قطب الدين مودود بن زنكي ونائبة زين الدين على كوجك في المساعدة والارتفاق فاجاباه وسارا للقاء عمه سليمان شاه ومن معه واقتتلوا في جمادى الاولى فهزمهما السلطان محمد وافترقوا وتوّجه سليمان شاه الى بغداد على شهرزور وكانت لصاحب الموصل وبها الأمير بوران من جهة على كوجك نائب
стр. 2889
الموصل فاعترضه هنالك كوجك وبوران فاحتمله كوجك الى الموصل فحبسه بها وبعث الى السلطان محمد بالخبر وانه على الطاعة والمساعدة فقبل منه وشكر له.
فرار سنجر من أسر الغز
قد تقدّم لنا ما كان من أسر السلطان سنجر بيد الغز وافتراق خراسان واجتماع الأمراء بنيسابور وما اليها على الخان محمود بن محمد وامتنعوا من الغز وامتنع أتسز بن محمد أنوشتكين بخوارزم وانقسمت خراسان بينهم وكانت الحرب بين الغز وبينهما سجالا ثم هرب سنجر من أسر الغز وجماعة من الأمراء كانوا معه في رمضان سنة احدى وخمسين ولحق بترمذ ثم عبر جيحون الى دار ملكه بمرو فكانت مدّة أسره من جمادى سنة ثمان وأربعين ثلاث سنين وأربعة أشهر ولم يتفق فراره من الأسر الا بعد موت علي بك مقدّم القارغلية لأنه كان أشدّ شيء عليه فلما توفي انقطعت القارغلية اليه وغيرهم ووجد فسحة في أمره والله أعلم.
حصار السلطان محمد بغداد
كان السلطان محمد بن محمود لأوّل ولايته الملك بعد عمه مسعود بعث الى المقتفي في الخطبة له ببغداد والعراق على عادتهم فمنعه لما رجا من ذهاب دولتهم استفحالهم واستبدادهم فسار السلطان من همذان في العساكر نحو العراق ووعده صاحب الموصل ونائبة بمدد العساكر فقدم آخر احدى وخمسين وبعث المقتفي في الحشد فجاء خطا وفرس في عسكر واسط وخالفهم مهلهل الى الجبلة فملكها واهتم المقتفي وابن هبيرة بالحصار وقطع الجسر وجمع السفن تحت التاج ونودي في الجانب الغربي بالعبور فعبروا في محرم سنة اثنتين وخمسين وخرب المقتفي ما وراء الخرسة صلاحا في استبداده وكذلك السلطان محمد من الجهة الأخرى ونصبت المنجنيقات والعرّادات وفرّق المقتفي السلاح على الجند والعامة وجاء زين الدين كجك في عسكر الموصل ولقي السلطان علي أوانا واتصلت الحرب واشتدّ الحصار وفقدت الأقوات وانقطعت المواد عن أهل بغداد وفتر كجك وعسكره في القتال أدبا مع المقتفي وقيل أوصاه بذلك نور الدين محمود بن زنكي أخو قطب الدين الأكبر ثم جاء الخبر بأنّ ملك شاه أخا السلطان محمد وايلدكز صاحب ارّان وربيبه ارسلان بن طغرل قصدوا همذان فسار عن بغداد مسرعا الى همذان آخر ربيع الأوّل وعاد زين الدين الى الموصل ولما وصل ملك شاه وايلدكز وربيبه ارسلان الى همذان أقاموا بها قليلا وسمعوا بمجيء السلطان فاجفلوا وساروا الى الري فقاتلهم الشحنة انبانج فهزموه
стр. 2890
وحاصروه وأمدّه السلطان محمد بعسكر بن سقمس بن قماز فوجدهم قد أفرجوا عنه وقصدوا بغداد فقاتلهم فهزموه ونهبوا عسكره فسار السلطان محمد ليسابقهم الى بغداد فلما انتهى الى حلوان بلغه أن ايلدكز بالدينور ثم وافاه رسول انبانج بانه ملك همذان وخطب له فيها وان شملة صاحب خراسان هرب عن ايلدكز وملك شاه الى بلاده فعاد الى ارّان ورجع السلطان الى همذان قاصدا للتجهز الى بلاد ايلدكز باران.
وفاة سنجر
ثم توفي السلطان سنجر صاحب خراسان في ربيع سنة اثنتين وخمسين وقد كان ولى خراسان منذ أيام أخيه بركيارق وعهد له أخوه محمد فلما مات محمد خوطب بالسلطنة وكان الملوك كلهم بعدها في طاعته نحو أربعين سنة وخطب له قبلها بالملك عشرين سنة وأسره الغز ثلاث سنين ونصف ومات بعد خلاصه من الأسر وقطعت خطبته ببغداد والعراق ولما احتضر استخلف على خراسان ابن أخته محمد بن محمود بن بقراخان فأقام بجرجان وملك الغز مرو وخراسان وملك به المؤيد نيسابور وناحيته من خراسان وبقي الأمر على هذا الخلاف سنة اربع وخمسين وبعث الغز الى محمود الخان ليحضر عندهم فيملكوه فخافهم على نفسه وبعث ابنه اليهم فأطاعوه مدّة ثم لحق هو بهم كما نذكر بعد.
منازعة ايتاق للمؤيد
كان ايتاق هذا من موالي السلطان سنجر فلما كانت الفتنة وافترق الشمل ومات السلطان سنجر وملك المؤيد نيسابور وحصل له التقدّم بذلك على عساكر خراسان حسده جماعة من الأمراء وانحرف عنه ايتاق هذا فتارة يكون معه وتارة يكون في مازندان فلما كان سنة اثنتين وخمسين سار من مازندران في عشرة آلاف فارس من المنحرفين عن المؤيد وقصد نسا وأبيورد وأقام بها [١] المؤيد ايتاق فسار اليه وكبسه وغنم معسكره ومضى ايتاق منهزما الى مازندران وكان بين ملكها رستم وبين أخيه علي منازعة فتقرب ايتاق الى رستم بقتال أخيه علي فوجد لذلك غلبة ودفعه عنه وسار يتردد في نواحي خراسان بالعيث والفساد وألح على
стр. 2891
أسفراين فخربها وراسله السلطان محمود الخان والمؤيد في الطاعة والاستقامة فامتنع فساروا اليه في العساكر في صفر سنة ثلاث وخمسين فهرب الى طبرستان وبعث رستم شاه مازندان الى محمود والمؤيد بطاعته وبأموال جليلة وهدية فقبلوا منه وبعث ايتاق ابنه رهنا على الطاعة فرجعوا عنه واستقرّ بجرجان ودستان وأعمالها.
منازعة سنقر العزيزي للمؤيد ومقتله
كان سنقر العزيزي من أمراء السلطان سنجر وكان في نفسه من المؤيد ما عند الباقين فلما شغل المؤيد بحرب ايتاق سار سنقر من عسكر السلطان محمود بن محمد الى هراة فملكها واشترط عليه أن يستظهر بملك الغورية الحسين فأبى وطمع في الاستبداد لما رأى من استبداد الأمراء على السلطان محمود بن محمد فحاصره المؤيد بهراة واستمال الأتراك الذين كانوا معه فأطاعوه وقتلوا سنقر العزيزي غيلة وملك السلطان محمد هراة ولحق الفل من عسكر سنقر بإيتاق وتسلطوا على طوس وقراها واستولى الخراب على البلاد والله تعالى أعلم.
فتنة الغز الثانية بخراسان وخراب نيسابور على يد المؤيد
كان الغز بعد فتنتهم الاولى أوطنوا بلخ ونزعوا عن النهب والقتل بخراسان واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان محمود بن محمد الخان وكان القائم بدولته المؤيد أبوابه فلما كان سنة ثلاث وخمسين في شعبان سار الغز الى مرو فزحف المؤيد اليهم وأوقع طائفة منهم وتبعهم الى مرو وعاد الى سرخس وخرج معه الخان محمود لحربهم فالتقوا خامس شوّال وتواقعوا مرارا ثلاثا انهزم فيها الغز على مرو وأحسنوا السيرة وأكرموا العلماء والأئمة ثم أغاروا على سرخس وطوس واستباحوهما وخربوهما وعادوا الى مرو وأمّا الخان محمود بن محمد فسار الى جرجان ينتظر مآل أمرهم وبعثوا اليه الغز سنة أربع وخمسين يستدعونه ليملكوه فاعتذر لهم خشية على نفسه فطلبوا منه جلال الدين عمر فتوثق منهم بالحلف وبعثه اليهم فعظموه وملكوه في ربيع الآخر من سنة أربع ثم سار أبوه محمود الى خراسان وتخلف عنه المؤيد أبوابه وانتهى الى حدود نساوا بيورد فولى عليهم الأمير عمر بن حمزة النسوي فقام في حمايتهما المقام المحمود بظاهر نسا ثم سار الغز من نيسابور الى طوس لامتناع أهلها من طاعتهم فملكوها واستباحوها
стр. 2892
وعادوا الى نيسابور فساروا مع جلال الدين عمر بن محمود الخان الى حصار سارورا [١] وبها النقيب عماد الدين محمد بن يحي العلويّ الحسيني فحاصروه وامتنعت عليهم فرجعوا الى نسا وأبيورد للقاء الخان محمود بجرجان كما قدّمناه فخرج منها سائر الى خراسان واعترضه الغز ببعض القرى في طريقه فهرب منه وأسر بعضهم ثم هرب منه ولحق بنيسابور فلما جاء الخان محمود اليها مع الغز فارقها منتصف شعبان ودخلها الغز وأحسنوا السيرة وساروا الى سرخس ومرو فعاد المؤيد في عساكره الى نيسابور وامتنع أهلها عليه فحاصرها وافتتحها عنوة وخربها ورحل عنها الى سبق في شوّال سنة أربع وخمسين.
استيلاء ملك شاه بن محمود على خوزستان
ولما رجع السلطان ملك شاه محمد بن محمود من حصار بغداد وامتنع الخليفة من الخطبة له أقام بهمذان عليلا وسار أخوه ملك شاه الى قم وقاشان فافحش في نهبها ومصادرة أهلها وراسله أخوه السلطان محمد في الكف عن ذلك فلم يفعل وسار الى أصبهان وبعث الى ابن الجمقري وأعيان البلد في طاعته فاعتذروا بطاعة أخيه فعاث في قراها ونواحيها فسار السلطان اليه من همذان وفي مقدّمته كرجان الخادم فافترقت جموع ملك شاه ولحق ببغداد فلما انتهى الى قوس لقيه موبذان وسنقر الهمذاني فأشارا عليه بقصد خوزستان من بغداد فسار الى واسط ونزل بالجانب الشرقي وساء أثر عسكره في النواحي ففتحوا عليهم البثوق وغرق كثير منهم ورجع ملك شاه الى خوزستان فمنعه شملة من العبور فطلب الجوار في بلده الى أخيه السلطان فمنعه فنزل على الأكراد الذين هنالك فاجتمعوا عليه من الجبال والبسائط وحارب شملة ومع ملك شاه سنقر الهمذاني وموبذان وغيرهما من الأمراء فانهزم شملة وقتل عامّة أصحابه واستولى ملك شاه على البلاد وسار الى فارس والله هو المؤيد بنصره.
وفاة السلطان محمد وولاية عمه سليمان شاه
ثم توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه آخر سنة أربع وخمسين وهو الّذي حاصر بغداد يطلب الخطبة له من الخليفة ومنعه فتوفي آخر هذه السنة لسبع سنين ونصف من ولايته وكان له ولد صغير فسلّمه الى سنقر الاحمديلي وقال هو وديعة عندك فأوصل به
стр. 2893
الى بلادك فانّ العساكر لا تطيعه فوصل به الى مراغة واتفق معظم الجند على البيعة لعمه سليمان شاه وبعث أكابر الأمراء بهمذان الى أتابك [١] زين الدين مودود أتابك ووزير مودود وزيره فأطلقه مودود وجهزه بما يحتاج اليه في سلطانه وسار معه زين الدين على كجك في عساكر الموصل فلما انتهى الى بلاد الجبل وأقبلت العساكر للقاء سليمان شاه ذكر معاملتهم مع السلطان ودالتهم عليه فخشي على نفسه وعاد الى الموصل ودخل سليمان شاه همذان وبايعوا له والله سبحانه تعالى أعلم.
وفاة المقتفي وخلافة المستنجد
ثم توفي المقتفي لأمر الله في ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين لأربع وعشرين سنة من خلافته وقد كان استبدّ في خلافته وخرج من حجر السلجوقية عند افتراق أمرهم بعد السلطان مسعود كما ذكرناه في أخبار الخلفاء ولما توفي بويع بعده بالخلافة ابنه المستنجد فجرى على سنن أبيه في الاستبداد واستولى على بلاد الماهلي ونزل اللحف وولى عليها من قبله كما كانت لأبيه وقد تقدّم ذكر ذلك في أخبارهما انتهى.
اتفاق المؤيد مع محمود الخان
قد كنا قدّمنا أنّ الغز لما تغلبوا استدعوا محمود الخان ليملكوه فبعث اليهم بابنه عمر فملكوه ثم سار محمود من جرجان الى نسا وجاء الغز فساروا به الى نيسابور فهرب عنها المؤيد ودخلها محمود والغز ثم ساروا عنها فعاد اليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة وخربها في شوّال سنة أربع وخمسين ورحل عنها الى سرخس فعاد اليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة ورحل عنها الى بيهق ثم رجع اليها سنة خمس وخمسين وعمر خرابها وبالغ في الإحسان اليها ثم سار لإصلاح أعمالها ومحو آثار المفسدين والثّوار من نواحيها ففتح حصن إشقيل وقتل الثوار الزيدية وخرّبه وفتح حصن خسر وجور من أعمال بيهق وهو من بناء كنجر وملك الفرس أيام حربه مع جراسياق وملكه ورتب فيه الحامية وعاد الى نيسابور ثم قصد مدينة كندر من أعمال طرسا وفيها متغلب اسمه خرسده يفسد السابلة ويخرب الأعمال ويكثر الفتك وكان البلاء به عظيما في خراسان فحاصره ثم ملك عليه الحصن عنوة وقتله وأراح البلاد منه ثم قصد في رمضان من السنة مدينة بيهق وكانوا قد
стр. 2894
عصوا عليه فراجعوا الطاعة وقبلهم واستفحل أمره فأرسل اليه الخان محمود بن محمد وهو مع الغز بالولاية على نيسابور وطوس وما اليها فاتصلت يده به واستحكم الصلح بينه وبين الغز وذهبت الفتن.
الحرب بين عسكر خوارزم شاه والأتراك البرزية
كان هؤلاء الأتراك البرزية من شعوب الترك بخراسان وأميرهم بقراخان بن داود فأغار عليهم جمع من عساكر خوارزم شاه وأوقعوا بهم وفتكوا فيهم ونجا بقراخان في الفل منهم الى السلطان محمود بخراسان ومن معه من الغز مستصرخا بهم وهو يظن أن أيتاق هو الّذي هيج عليهم فسار الغز معه على طريق نسا وأبيورد وقصدوا ايتاق فلم يكن له بهم قوّة فاستنصر شاه مازندان فسار لنصره واحتشد في أعماله من الأكراد والديلم والتركمان وقاتلوا الغز والبرزية [١] بنواحي دهستان فهزمهم خمسا وكان ايتاق في ميمنة شاه مازندان وأفحش الغز في قتل عسكرهم ولحق شاه مازندان بسارية وايتاق شهروز خوارزم ثم ساروا الى دهستان فنهبوها وخربوها سنة ست وخمسين وخربوا جرجان كذلك وافترق أهلها في البلاد ثم سار ايتاق الى بقراتكن المتغلب على أعمال قزوين فانهزم من بين يديه ولحق بالمؤيد وصار في جملته واكتسح ايتاق سائر أعماله ونهب أمواله فقوى بها.
وفاة ملك شاه بن محمود
قد قدّمنا انّ ملك شاه بن محمود سار بعد أخيه السلطان محمد من خوزستان الى أصبهان ومعه شملة التركماني ودكلا صاحب فارس فأطاعه ابن الخجنديّ رئيس أصبهان وسائر أهلها وجمع له الأموال وأرسل ملك شاه الى أهل الدولة بأصبهان يدعوهم الى طاعته وكان هو أهم مع عمه سليمان فلم يجيبوه الى ذلك وبعثوا عن سليمان من الموصل وملكوه وانفرد ملك شاه بأصبهان واستفحل أمره وبعث الى المستنجد في الخطبة له ببغداد مكان عمه سليمان شاه وان تعاد الأمور الى ما كانت ويتهدّدهم فوعد الوزير عميد الدين بن هبيرة جارية جاعلها على سمه فسمته في الطعام وفطن المطبب بأنه مسموم وأخبر بذلك شملة
стр. 2895
ودكلا فاحضروا الجارية وأقرت ومات ملك شاه وأخرج أهل أصبهان أصحابه وخطبوا لسليمان شاه وعاد شملة الى خراسان فارتجع ما كان ملك شاه تغلب عليه منها.
قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان
كان سليمان لما ملّك أقبل على اللهو ومعاقرة الخمر حتى في نهار رمضان وكان يعاشر الصفاعين والمساخر وعكف على ذلك مع ما كان فيه من الخرق والتهور فقعد الأمراء عن غشيان بابه وشكوا الى شرف الدين كردبازه الخادم وكان مدبر مملكته وكان حسن التربية والدين فدخل عليه يوما يعذله على شأنه وهو مع ندمائه بظاهر همذان فأشار اليهم أن يعبثوا بكردبازه فخرج مغضبا واعتذر اليه عند ما صحا فأظهر له القبول وقعد عن غشيان مجلسه وكتب سليمان شاه الى انبانج صاحب الريّ يدعوه الى الحضور فوعده بذلك إذا أفاق من مرضه وزاد كردبازه استيحاشا فاستحلف الأمراء على خلع سليمان وبدأ بقتل جميع الصفاعين الذين كانوا ينادمونه وقال انما فعلته صونا لملكك ثم عمل دعوة في داره فحضر سليمان شاه والأمراء وقبض على سليمان شاه ووزيره أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الحاقدي وعلى خواصه وذلك في شوّال سنة خمس وخمسين وقتل وزيره وخواصه وحبس سليمان شاه قليلا ثم قتله ثم أرسل الى ايلدكز صاحب أرّان وأذربيجان يستقدم ربيبه أرسلان بن طغرل ليبايع له بالسلطنة وبلغ الخبر الى انبانج صاحب الريّ فسار الى همذان ولقيه كردبازه وخطب له بالسلطنة بجميع تلك البلاد وكان ايلدكز قد تزوّج بأم أرسلان وولدت له ابنه البهلوان محمد ومزدارسلان عثمان فكان ايلدكز أتابك وابنه البهلوان حاجبا وهو أخو أرسلان لأمّه وايلدكز هذا من موالي السلطان مسعود ولما ملك أقطعه ارّان وبعض أذربيجان وحدثت الفتن والحروب فاعتصم هو باران ولم يحضر عند أحد من ملوكهم وجاء اليه ارسلان شاه من تلك الفتن فأقام عنده الى أن ملك ولما خطب له بهمذان بعث ايلدكز أتابك الى انبانج صاحب الريّ ولاطفه وصاهره في ابنته لابنه البهلوان وتحالفا على الاتفاق وبعث الى المستنجد بطلب الخطبة لارسلان في العراق واعادة الأمور الى عادتها أيام السلطان مسعود فطرد رسوله بعد الإهانة ثم أرسل ايلدكز الى آقسنقر الاحمديلي يدعوه الى طاعة السلطان ارسلان فامتنع وكان عنده ابن السلطان شاه بن محمود المدني أسلمه اليه عند موته فتهدّده بالبيعة له وكان الوزير ابن هبيرة يكاتبه من بغداد ويقمعه في الخطبة لذلك الصبي قصدا للنصر من بينهم فجهز ايلدكز العساكر مع البهلوان الى آقسنقر واستمدّ آقسنقر شاهر بن سقمان
стр. 2896
القطبي صاحب خلاط وواصله فمدّه بالعساكر وسار نحو البهلوان وقاتله فظفر به ورجع البهلوان الى همذان مهزوما والله تعالى أعلم.
الحرب بين ايلدكز وانبانج
لما مات ملك شاه بن محمود بأصبهان كما قلناه لحق طائفة من أصحابه ببلاد فارس ومعهم ابنه محمود فانتزعه منهم صاحب فارس زنكي بن دكلا السلقدي [١] وأنزله في قلعة إصطخر فلما ملك ايلدكز السلطان ارسلان وطلب الخطبة ببغداد وأخذ الوزير ابن هبيرة في استفساد الاطراف عليهم وبعث لابن آقسنقر في الخطبة لابن السلطان محمد شاه الّذي عنده وكاتب صاحب فارس أيضا يشير عليه بالبيعة للسلطان محمد بن السلطان ملك شاه الّذي عنده ويعده بالخطبة له إن ظفر بايلدكز فبايع له ابن دكلا وخطب له بفارس وضرب النوب الخمس على بابه وجمع العساكر وبلغ الى ايلدكز فجمع وسار في أربعين ألفا الى أصبهان يريد فارس فأرسل الى زنكي في الخطبة لارسلان شاه فأبى فقال له ايلدكز أنّ المستنجد أقطعني بلادك وأنا سائر اليها وتقدّمت طائفة الى نواحي أرجان فلقيتها سريّة لارسلان بوقا صاحب أرجان فأوقعوا بطائفته وقتلوا منهم وبعثوا بالخبر الى انبانج فنزل [٢] من الري في عشرة آلاف وأمدّه آقسنقر الأحمد يلي [٣] بخمسة آلاف فقصد [٤] وهرب صاحب ابن البازدان وابن طغايرك وغيرهما من أولياء ايلدكز للقاء انبانج ورد عسكر المدافعة زنكي عن شهبرم وغيرها من البلاد فهزمهم زنكي بن دكلا ورجعوا اليه فاستدعى عساكره من أذربيجان وجاء هبيس بن مزدارسلان واستمدّ انبانج وقتل أصحابه ونهب سواده ودخل الريّ وتحصن في قلعة طبرك ثم تردّدت الرسل بينه وبين ايلدكز في الصلح وأقطعه حربادفان [٥] وغيرها وعاد ايلدكز الى همذان والله أعلم.
الفتنة بنيسابور وتخريبها
وفي ربيع سنة ست وخمسين قبض المؤيد على أحياء [٦] نيسابور وحبسهم وفيهم نقيب
стр. 2897
العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وآخذهم على ما فعله آباؤهم بأهل البلد من أهل البلد من النهب والاعتداء على الناس في أموالهم وحرصهم فأخذ هؤلاء الأعيان ينهونهم كأنهم لم يضربوا على أيديهم [١] وقتل جماعة من أهل الفساد فخرب البلد وامتدّت الايدي الى المساجد والمدارس وخزائن الكتب وأحرق بعضها ونهب بعضها وانتقل المؤيد الى الشادباخ فأصلح سوره وسدّ ثلمة وسكنه وخرب نيسابور بالكلية وكان الّذي اختط هذا الشادباخ عبد الله بن طاهر أيام ولايته على خراسان يتفرد بسكناه هو وحشمه عن البلد تجافيا عن مزاحمتهم ثم خربت وجدّدها البارسلان ثم خربت فجدّدها الآن المؤيد وخربت نيسابور بالكلية ثم زحف الغز والخان محمود معهم وهو ملك خراسان لذلك العهد فحاصروا المؤيد بالشادباخ شهرين ثم هرب الخان عنهم الى شهرستان كأنه يريد الحمام وأقام بها وبقي الغز إلى آخر شوّال ثم رجعوا فنهبوا البلاد ونهبوا طوس ولما دخل الخان الى نيسابور أمهله المؤيد الى رمضان سنة سبع وخمسين ثم قبض عليه وسمله وأخذ ما كان معه من الذخائر وحبسه وحبس معه جلال محمد فماتا في محبسهما وخطب المؤيد لنفسه بعد المستنجد ثم زحف المؤيد الى شهرستان وقرب نيسابور فحاصرها حتى نزلوا على حكمه في شعبان سنة تسع وخمسين ونهبها عسكره ثم رفع الايدي عنها واستقامت في ملكه والله أعلم.
فتح المؤيد طوس وغيرها
ثم زحف المؤيد الى قلعة دسكرة من طوس وكان بها أبو بكر جاندار ممتنعا فحاصره بها شهرا وأعانه أهل طوس لسوء سيرته فيهم ثم جهده الحصار فاستأمن ونزل فحبسه وسار الى كرمان فأطاعوه وبعث عسكرا الى أسفراين فتحصن بها رئيسها عبد الرحمن بن محمد بالقلعة فحاصره واستنزله وحمله مقيدا الى الشادباخ فحبس ثم قتل في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ثم ملك المؤيد قهندر ونيسابور واستفحل ملكه وعاد الى ما كان عليه وعمر الشادباخ وخرّب المدينة العتيقة ثم بعث عسكرا الى بوشنج وهراة وهي في ولاية محمد بن لحسين ملك الغور فحاصرها وبعث الملك محمد عسكرا لمدافعته فأفرجوا عنها وصفت ولاية هراة للغورية.
стр. 2898
الحرب بين المسلمين والكرج
كان الكرج قد ملكوا مدينة انى من بلاد أران في شعبان سنة ست وخمسين واستباحوها قتلا وأسرا وجمع لهم شاه ارمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط جموعا من الجند والمتطوّعة وسار اليهم فقاتلوه وهزموه وأسر كثير من المسلمين ثم جمع الكرج في شعبان سنة سبع وخمسين ثلاثين ألف مقاتل وملكوا دوس من أذربيجان والجبل وأصبهان فسار اليهم ايلدكز وسار معه شاه ارمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط وآقسنقر صاحب مراغة في خمسين ألفا ودخلوا بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين فاستباحوها وأسروا الرجال وسبوا النساء والولدان وأسلم بعض أمراء الكرج ودخل مع المسلمين وكمن بهم في بعض الشعاب حتى زحف الكرج وقاتلوا المسلمين شهرا أو نحوه ثم خرج الكمين من ورائهم فانهزموا واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وعادوا ظافرين.
ملك المؤيد اعمال قومس والخطبة للسلطان ارسلان بخراسان
ثم سار المؤيد الى ابه صاحب نيسابور الى بلاد قومس فملك بسطام ودامغان وولى بسطام مولاه تنكز فجرى بينه وبين شاه مازندان اختلاف أدى الى الحرب واقتتلوا في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ولما ملك المؤيد قومس بعث اليه السلطان ارسلان بن طغرل بالخلع والاولية لما كان بين المؤيد وايلدكز من المودّة وأذن له في ولاية ما يفتحه من خراسان ويخطب له فيها فخطب له في أعمال قومس وطوس وسائر أعمال نيسابور ويخطب لنفسه بعد ارسلان وكانت الخطب في جرجان ودهستان لخوارزم شاه ارسلان بن اتسز وبعده للأمير ايتاق والخطبة في مرو وبلخ وسرخس وهي بيد الغز وهراة وهي بيد الأمير اتيكين وهو مسالم للغز للسلطان سنجر يقولون اللهمّ اغفر للسلطان السعيد سنجر وبعده لأمير تلك المدينة والله تعالى وليّ التوفيق.
اجلاء القارغلية من وراء النهر
كان خان خاقان الصيني ولي على سمرقند وبخارى الخان جغرا بن حسين تكين وهو من بيت
стр. 2899
قديم في الملك ثم بعث اليه سنة سبعة وخمسين باجلاء القارغلية من أعماله الى كاشغر ويشتغلون بالمعاش من الزراعة وغيرها فامتنعوا فألح عليهم فاجتمعوا وساروا الى بخارى فدس أهل بخارى الى جغراخان وهو بسمرقند ووعدوا القارغلية بالمصانعة وطاوعوهم الى أن صجهم جغر في عساكره فأوقع بهم وقطع دابرهم والله تعالى أعلم.
استيلاء سنقر على الطالقان وغرشستان
وفي سنة تسع وخمسين استولى الأمير صلاح الدين سنقر من موالي السلطان سنجر على بلاد الطالقان وأغار على غرشستان حتى ملكها وصارت في حكمه بحصونها وقلاعها وصالح أمراء الغز وحمل لهم الاتاوة.
قتل صاحب هراة
كان صاحب هراة الأمير اتيكين وبينه وبين الغز مهادنة فلما قتل الغز ملك الغور محمد بن الحسين كما مرّ في أخباره طمع اتيكين في بلاده فجمع جموعه وسار اليها في رمضان سنة تسع وخمسين وتوغل في بلاد الغور فقاتله أهلها وهزموه وقتل في المعركة وقصد الغز هراة وقد اجتمع أهلها على أثير الدين منهم فاتهموه بالميل للغز وقتلوه واجتمعوا على أبي الفتوح بن علي ابن فضل الله الطغرائي ثم بعثوا الى المؤيد بطاعتهم فبعث اليهم مملوكه سيف الدين تنكز فقام بأمرهم وبعث جيشا الى سرخس ومرو وأغاروا على دواب الغز فأفرجوا عن هراة ورجعوا لطاعته والله تعالى أعلم.
ملك شاه مازندران قومس وبسطام ووفاته
قد ذكرنا استيلاء المؤيد على قومس وبسطام وولاية مولاه تنكز عليها ثم أنّ شاه مازندران وهو رستم بن علي بن هربار بن قاروت [١] جهز اليها عسكرا مع سابق الدين القزويني من أمرائه فملك دامغان وسار إليه تنكز ممن معه من العسكر فكبسهم القزويني وهزمهم واستولى على البلاد وعاد تنكز إلى المؤيد بنيسابور وجعل يغير على بسطام قومس ثم توفي شاه مازندان في ربيع سنة ستين فكتم ابنه علاء الدين موته حتى استولى على حصونه وبلاده ثم أظهره وملك مكانه ونازعه اتياق صاحب جرجان ودهستان ولم يرع ما كان بينه وبين أبيه فلم يظفر بشيء والله أعلم.
стр. 2900
حصر عسكر المؤيد نسا
ثم بعث المؤيد عساكره في جمادى سنة ستين لحصار مدينة نسا فبعث خوارزم شاه بك ارسلان بن اتسز في عساكره إليها فأجفلت عنها عساكر المؤيد ورجعوا إلى نيسابور وصارت نسا في طاعة خوارزم شاه وخطب له فيها ثم سار عسكر خوارزم إلى دهستان وغلبوه عليها وأقام فيها بطاعته والله أعلم.
الحرب بين البهلوان وصاحب مراغة
ثم بعث آقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة سنة ثلاث وستين إلى بغداد في الخطبة للملك الّذي عنده وهو ابن السلطان محمد شاه على أن يتجافى عن العراق ولا يطلب الخطبة منه إلا إذا أسعف بها فأجيب بالوعد الجميل وبلغ الخبر إلى ايلدكز صاحب البلاد فبعث ابنه البهلوان في العساكر لحرب آقسنقر فحاربه وهزمه وتحصن بمراغة فنازله البهلوان وضيق عليه وتردّد بينهما الرسل واصطلحوا وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان.
ملك شملة فارس وإخراجه عنها
كان زنكي بن دكلا قد أساء السيرة في جنده فأرسلوا إلى شملة صاحب خوزستان واستدعوه ليملكوه فسار ولقي زنكي وهزمه ونجا إلى الأكراد الشوابكار وملك شملة بلاد فارس فأساء السيرة في أهلها ونهب ابن أخيه خرسنكا البلاد فنفر أهل فارس عنه ولحق بزنكي بعض عساكره فزحف إلى فارس وفارقها شملة إلى بلاده خوزستان وذلك كله سنة أربع وستين وخمسمائة.
ملك ايلدكز الري
كان إنبانج قد استولى على الريّ واستقرّ فيها بعد حروبه مع ايلدكز على جزية يؤديها إليه ثم منع الضريبة واعتذر بنفقات الجند فسار إليه ايلدكز سنة أربع وستين وحاربه إنبانج فهزمه ايلدكز وحاصره بقلعة طبرك وراسل بعض مماليكه ورغبهم فغدروا به وقتلوه واستولى أيلدكز
стр. 2901
على طبرك وعلى الريّ وولي عليها علي بن عمر باغ ورجع إلى همذان وشكر لموالي إنبانج الذين قتلوه ولم يف لهم بالوعد فافترقوا عنه وسار الّذي تولى قتله إلى خوارزم شاه فصلبه لما كان بينه وبين انبانج من الوصلة والله وليّ التوفيق بمنه وكرمه.
وفاة صاحب كرمان والخلف بين أولاده
ثم توفي سنة خمس وستين الملك طغرل بن قاروت بك صاحب كرمان وولى ابنه أرسلان شاه مكانه ونازعه أخوه الأصغر بهرام شاه فحاربه أرسلان وهزمه فلحق بالمؤيد في نيسابور فأنجده بالعساكر وسار إلى أخيه أرسلان فهزمه وملك كرمان ولحق أرسلان بأصبهان مستنجدا بايلدكز فأنجده بالعساكر وارتجع كرمان ولحق بهرام بالمؤيد وأقام عنده ثم هلك أرسلان فسار بهرام إلى كرمان وملكها ثم توفي المستنجد وولي ابنه المستضيء ولم نترجم لوفاة الخلفاء هاهنا لأنها مذكورة في أخبارهم وإنما ذكرناها قبل هؤلاء لأنهم كانوا في كفالة السلجوقية وبني بويه قبلهم فوفاتهم من جملة أخبار الدولتين وهؤلاء من لدن المقتفي قد استبدوا بأمرهم وخلافتهم من بعد ضعف السلجوقية بوفاة السلطان مسعود وافترقت دولتهم في نواحي المشرق والمغرب واستبد منها الخلفاء ببغداد ونواحيها ونازعوا من قبلهم أنهم كانوا يخطبون لهم في أعمالهم ونازعهم فيها مع ذلك حرصا على الملك الّذي سلبوه وأصبحوا في ملك منفرد عن أولئك المنفردين مضافا إلى الخلافة التي هي شعارهم وتداول أمرهم إلى أن انقرضوا بمهلك المستعصم على يد هلاكو.
وفاة خوارزم شاه وولاية ابنه سلطان شاه ومنازعته مع أخيه الأكبر علاء الدين تكش
لما انهزم خوارزم شاه أرسلان أمام الخطا رجع إلى خوارزم فمات سنة ثمان وستين وولي ابنه سلطان شاه فنازعه أخوه الأكبر علاء الدين تكش واستنجد بالخطا وسار إلى خوارزم فملكها ولحق سلطان شاه بالمؤيد صريخا فسار معه بجيوشه ولقيهم تكش فانهزم المؤيد وجيء به أسيرا إلى تكش فقتل بين يديه صبرا وعاد أصحابه إلى نيسابور فولوا ابنه طغان شاه أبو بكر ابن المؤيد وكان من أخبار طغان شاه وتكش ما نذكره في أخبار دولتهم وفي كيفية قتله خبر آخر نذكره هنالك ثم سار خوارزم شاه سنة تسع وستين إلى نيسابور وحاصرها مرّتين ثم هزم
стр. 2902
في الثانية طغان شاه بن المؤيد وأخذه أسيرا وحمله إلى خوارزم وملك نيسابور وأعمالها وجميع ما كان لبني المؤيد بخراسان وانقرض أمرهم والبقاء للَّه وحده والله تعالى أعلم.
وفاة الأتابك شمس الدين أيلديكز وولاية ابنه محمد البهلوان
ثم توفي الاتابك شمس الدين أيلدكز أتابك أرسلان شاه بن طغرل صاحب همذان وأصبهان والريّ وأذربيجان وكان أصله مملوك الكمال الشهير ابن وزير السلطان محمود ولما قتل الكمال صار السلطان وترقى في كتب الولاية فلما ولي السلطان مسعود ولاه أرانية فاستولى عليها وبقيت طاعته للملوك على البعد واستولى على أكثر أذربيجان ثم ملك همذان وأصبهان والريّ وخطب لربيبه أرسلان بن طغرل وبقي أتابك وبلغ عسكره خمسين ألفا واتسع ملكه من تفليس إلى مكران وكان متحكما على أرسلان وليس له من الدولة إلا جراية تصل إليه ولما هلك أيلدكز قام بالأمر بعده ابنه محمد البهلوان وهو أخو السلطان أرسلان لامّه فسار أوّل ملكه لإصلاح أذربيجان وخالفه ابن سنكي وهو ابن أخي شملة صاحب خوزستان إلى بلد نهاوند فحاصرها ثم تأخر ابن سنكي من تستر وصحبهم من ناحية أذربيجان يوهمهم أنه مدد البهلوان ففتحوا له البلد ودخل فطلب القاضي والأعيان ونصبهم وتوجه نحو ما سندان قاصدا العراق ورجع إلى خوزستان ثم سار شملة سنة سبعين وقصد بعض التركمان فاستنجدوا البهلوان بن أيلدكز فأنجدهم وقاتلوه فهزموه وأسر شملة جريحا وولده وابن أخيه وتوفي بعد يومين وهو من التركمان الأتسزية وملك ابنه من بعده وسار البهلوان سنة سبعين إلى مدينة تبريز وكان صاحبها آقسنقر الأحمديلي قد هلك وعهد بالملك بعده لابنه ملك الدين فسار إلى بلاده وحاصر مراغة وبعث أخاه فنزل وعاد عن مراغة إلى همذان والله أعلم.
وفاة السلطان أرسلان بن طغرل
ثم توفي السلطان أرسلان بن طغرل مكفول البهلوان بن أيلدكز وأخوه لامّه بهمذان سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وخطب بعده لابنه طغرل.
стр. 2903
وفاة البهلوان محمد بن أيلديكز وملك أخيه قزل
ثم توفي البهلوان محمد بن أيلدكز أوّل سنة اثنتين وخمسمائة وكانت البلاد والرعايا في غاية الطمأنينة فوقع عقب موته بأصبهان بين الحنفية والشافعية وبالريّ بين أهل السنة والشيعة فتن وحروب آلت إلى الخراب وملك البلاد بعد البهلوان أخوه فنزل أرسلان واسمه عثمان وكان البهلوان كافلا للسلطان طغرل وحاكما عليه ولما هلك قزل لم يرض طغرل بتحكمه عليه وفارق همذان ولحق به جماعة من الأمراء والجند وجرت بينه وبين قزل حروب ثم غلبه طغرل إلى الخليفة فأمره بعمارة دار السلطان فطرد رسوله وهدمت دار السلطنة وألحقت بالأرض وبعث الخليفة الناصر لدين الله سنة أربع وثمانين عسكرا مع وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس لانجاده قزل على طغرل قبل همذان وهزمهم ونهب جميع ما معهم وأسر الوزير ابن يونس.
قتل قزل أرسلان قتلغ وولاية أخيه
قد تقدّم لنا ما كان بين السلطان طغرل وبين قزل بن أيلدكز من الحروب ثم أن قزل غلبه واعتقله في بعض القلاع ودانت له البلاد وأطاعه ابن دكلا صاحب فارس وخوزستان وعادا إلى أصبهان والفتن بها متصلة فأخذ جماعة من أعيان الشافعية وصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة سنة سبعة وثمانين ثم قتل غلبة على فراشه ولم يعرف قاتله وأخذ جماعة من غلمانه بالظنة وكان كريما حليما يحب العدل ويؤثره ولما هلك ولى من بعده قتلغ ابن أخيه البهلوان واستولى على الممالك التي كانت بيده.
قتل السلطان طغرل وملك خوارزم شاه الري ووفاة أخيه سلطان شاه
ولما توفي قزل وولي قتلغ بن أخيه البهلوان كما قلناه أخرج السلطان طغرل من محبسه بالقلعة التي كان بها واجتمع إليه العساكر وسار إلى همذان فلقيه قتلغ بن البهلوان فانهزم بين يديه ولحق بالريّ وبعث إلى خوارزم شاه علاء الدين تتش ليستنجده فسار إليه سنة ثمان وثمانين وندم قتلغ على استدعائه فتحصن ببعض قلاعه وملك خوارزم شاه الري وملك قلعة طبرك
стр. 2904
وصالح السلطان طغرل وولى على الريّ وعاد إلى خوارزم سنة تسعين فأحدث أحدوثة السلطان شاه [١] نذكره في أخبارهم وسار السلطان طغرل إلى الري فأغار عليها وفر منه قتلغ بن البهلوان وبعث إلى خوارزم شاه يستنجده ووافق ذلك وصول منشور من الخليفة إليه بإقطاعه البلاد فسار من نيسابور إلى الريّ وأطاعه قتلغ وسار معه إلى همذان وخرج طغرل للقائهم قبل أن يجمع العساكر ولقيهم قريبا من الريّ في ربيع الأوّل فحمل عليهم وتورط بينهم فصرع عن فرسه وقتل وملك خوارزم شاه همذان وتلك البلاد جميعا وانقرضت مملكة بني ملك شاه وولى خوارزم شاه على همذان وملك الأعمال فبلغ انبانج بن البهلوان وأقطع كثيرا منها مماليكه وقدم عليهم مساحق منهم ثم استولى وزير الخليفة ابن العطاف على همذان وأصبهان والريّ من يدمو إليه وانتزعها منهم خوارزم كما ذكرناه في أخبار الخلفاء وجاءت العساكر من قبل الخليفة إلى همذان مع أبي الهيجاء الشمس من أمراء الايوبية وكان أميرا على القدس فعزلوه عنها وسار إلى بغداد فبعثه الناصر سنة ثلاث وتسعين بالعساكر إلى همذان ولقي عندها أزبك بن البهلوان مطيعا فقبض عليه وأنكر الخليفة ذلك وبعث بإطلاقه وخلع عليه وعاد إلى بلاد أذربيجان.
ملك الكرج الدويرة
كان أزبك بن البهلوان قد استولى على أذربيجان بعد موته وكان مشغولا بلذاته فسار الكرج إلى مدينة دوير [٢] وحاصرها وبعث أهلها إليه بالصريخ فلم يصرخهم حتى ملكها الكرج عنوة واستباحوها والله تعالى أعلم.
стр. 2905
قتل كوجه ببلاد الجبل وملك آيدغمش
كان كوجه [١] من موالي البهلوان قد تغلب على الريّ وهمذان وبلاد الجبل واصطنع صاحبه آيدغمش ووثق به فنازعه الأمر وحاربه فقتله واستولى آيدغمش على البلاد وبقي أزبك بن البهلوان مغلبا ليس له من الحكم شيء.
قصد صاحب مراغة وصاحب أربل أذربيجان
قد ذكرنا أن أزبك كان مشغولا بلذاته مهملا لملكه ثم حدثت بينه وبين صاحب أربل وهو مظفر الدين كوكبري سنة اثنتين وستمائة فتنة حملت مظفر الدين على قصده فسار إلى مراغة واستنجد صاحبها علاء الدين بن قراسنقر الأحمديلي فسار معه لحصار تبريز وبعث أزبك الصريخ إلى آيدغمش بمكانه من بلاد الجبل فسار إليه وأرسل مظفر الدين بالفتن والتهديد فعاد إلى بلده وعاد علاء الدين بن قراسنقر إلى بلاد مراغة فسار آيدغمش وأزبك وحاصروه بمراغة حتى سلم قلعة من قلاعه ورجعوا عنه والله تعالى أعلم.
وفاة صاحب مازندان والخلف بين أولاده
ثم توفي حسام الدين أزدشير صاحب مازندان [٢] وولي ابنه الأكبر وأخرج أخاه الأوسط عن البلاد فلحق بجرجان وبها على شاه برتكش نائبا عن أخيه خوارزم فاستنجده على شرط الطاعة له وأمره أخوه تكش بالمسير معه فساروا من جرجان وبلغهم في طريقهم مهلك صاحب مازندان المتولي بعد أبيه وأنّ أخاه الأصغر استولى على الكراع والأموال فساروا إليه وملكوا البلاد ونهبوها مثل سارية وآمد وغيرها وخطب لخوارزم شاه فيها وعاد علي شاه إلى خراسان وأقام ابن صاحب مازندان وهو الأوسط الّذي استصرخ به وقد امتنع أخوه الأصغر بقلعة كوري ومعه الأموال والذخائر وأخوه الأوسط فراسله واستعطف وقد ملك البلاد جميعا والله وليّ التوفيق.
стр. 2906
ملك ابن البهلوان مراغة
ثم توفي سنة أربع وستمائة علاء الدين بن قراسنقر الأحمديلي صاحب مراغة وأقام بأمرها من بعده خادمه ونصب ابنه طفلا صغيرا وعصى عليه بعض الأمراء وبعث العسكر لقتاله فانهزموا أوّلا ثم استقرّ ملك الطفل ثم توفي سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته فسار أزبك ابن البهلوان من تبريز إلى مراغة واستولى على مملكة آل قراسنقر ما عدا القلعة التي اعتصم بها الخادم وعنده الخزائن والذخائر.
استيلاء منكلي على بلاد الجبل وأصفهان وغيرها وهرب آيدغمش وقتله
لما تمكن آيدغمش في بلاد الجبل بهمذان وأصبهان والريّ وما إليها عظم شأنه حتى طلب الأمر لنفسه وسار لحصار أزبك ابن مولاه الّذي نصبه للأمر وكان بأذربيجان فخرج عليه مولى من موالي البهلوان اسمه منكلي وكثر جمعه واستولى على البلاد وقدم آيدغمش إلى بغداد واحتفل الخليفة لقدومه وتلقاه وذلك سنة ثمان وأقام بها [١] كان ايدغمش قد وفد سنة ثمان وستمائة إلى بغداد وشرفه الخليفة بالخلع والألوية وولاه على ما كان بيده ورجع إلى همذان ووعده الخليفة بمسير العساكر فأقام ينتظرها عند سليمان بن مرحم [٢] أمير الإيوانية من التركمان فدس إلى منكلي بخبره ثم قتل آيدغمش وحمل أصحابه إلى منكلي وافترق أصحابه واستولى منكلي وبعث إليه الخليفة بالنكير فلم يلتفت إليه فبعث إلى مولاه أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان يحرّضه عليه وإلى جلال الدين الإسماعيلي صاحب قلعة الموت لمساعدته على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولأزبك بعضها ولجلال الدين بعضها وبعث الخليفة العساكر مع مولاه سنقر ووجه السبع [٣] وأمره بطاعة مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على كجك صاحب أربل وشهرزور وهو مقدّم العساكر جميعا فسار
стр. 2907
لذلك وهرب منكلي وتعلق بالجبل ونزلوا بسفحه قريبا من كوج فناوشهم الحرب فانهزم أزبك ثم عاد ثم أسرى من ليلته منهزما وأصبحوا فاقتسموا البلاد على الشريطة وولي أزبك فيما أخذ منها [١] مولى أخيه فاستولى عليها ومضى منكلي إلى ساو وبها شحنة له فقتله وبعث برأسه إلى أزبك واستقر [٢] في بلاد الجبل حتى قتله الباطنية سنة أربع عشرة وستمائة وجاء خوارزم شاه فملكها كما نذكر في أخباره ودخل أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران في طاعته وخطب له على منابر أعماله وانقرض أمر بني ملك شاه ومواليهم من العراقين وخراسان وفارس وجميع ممالك المشرق وبقي أزبك ببلاد أذربيجان ثم استولى التتر على أعمال محمد بن تكش فيما وراء النهر وخراسان وعراق العجم سنة ثماني عشرة وستمائة وموالي الهند وسار جنكزخان فأطاعه أزبك بن البهلوان سنة إحدى وعشرين وأمره بقتل من عنده من الخوارزمية ففعل ورجع عنه إلى خراسان ثم جاء جلال الدين بن محمد بن تكش من الهند سنة اثنتين وعشرين فاستولى على عراق العجم وفارس وسار إلى أذربيجان فملكها ومرّ أزبك إلى كنجة من بلاد أران ثم ملك كنجة وبلاد أران ومد أزبك إلى بعض القلاع هنالك ثم هلك وملك جلال الدين على جميع البلاد وانقرض أمر بني أزبك واستولى التتر على البلاد وقتلوا جلال الدين سنة ثمان وعشرين كما يأتي في أخبارهم جميعا وانتهى الكلام في دولة السلجوقية فلنرجع إلى أخبار الدول المتشعبة عنها واحدة بعد واحدة والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
стр. 2908
بنو أنوشتكين
كان أنوشتكين جدّهم تركيا مملوكا لرجل من غرشستان ولذلك يقال له أنوشتكين غرشه ثم صار لرجل من أمراء السلجوقية وعظمائهم اسمه ملكابك وكان مقدما عنده لنجابته وشجاعته ونشأ ابنه محمد على مثل حاله من النجابة والشجاعة وتحلى بالأدب والمعارف واختلط بأمراء السلجوقية وولي لهم الأعمال واشتهر فيهم بالكفاية وحسن التدبير ولما ولي بركيارق ابن السلطان ملك شاه وانتقض عليه عمه أرسلان أرغون واستولى على خراسان بعث إليه العساكر سنة تسعين وأربعمائة مع أخيه سنجر وسار في أثره ولقيهم في طريقهم خبر مقتل أرغون عمهم وأن بعض مواليه خلفه فعدا عليه فقتله كما مر قبل فسار بركيارق في نواحي خراسان وما وراء النهر حتى دوّخها وولي عليها أخاه سنجر وانتقض عليه أمير ميران [١] من قرابته اسمه محمد بن سليمان فسار إليه سنجر وظفر به وسمله وعاد بركيارق إلى العراق بعد أن ولى على خوارزم أكنجي شاه ومعنى شاه بلسانهم السلطان فأضيف إلى خوارزم على عادتهم في تقديم المضاف إليه على المضاف ولما انصرف بركيارق إلى العراق تأخر من أمرائه قودز [٢] وبارقطاش وانتقضا على السلطان ووثبا بالأمير اكنجي صاحب خوارزم وهو بمرو ذاهبا إلى السلطان شاه فقتلاه وبلغ الخبر إلى السلطان وقد انتقض عليه بالعراق الأمير أنزو مؤيد الملك بن نظام الملك فمضى لحربهما وأعاد الأمير داود حبشي بن أيتاق في عسكر إلى خراسان لقتالهما فسار إلى هراة وعاجلاه قبل اجتماع عساكره فعبر جيحون وسبق إليه بارقطاش فهزمه داود وأسره وبلغ الخبر إلى قودز فثار به عسكره وفرّ إلى بخارى فقبض عليه نائبا ثم أطلقه ولحق بالملك سنجر فقبله وأقام برقطاش أسيرا عند الأمير داود وصفت خراسان من الفتنة والثوار واستقام أمرها للأمير داود حبشي فاختار لولاية خوارزم محمد بن أنوشتكين فولاه وظهرت كفايته وكان محبا لأهل الدين والعلم مقرّ بالهم عادلا في رعيته فحسن ذكره وارتفع محله ثم استولى الملك سنجر على خراسان فأقر محمد بن أنوشتكين وزاده تقديما وجمع بعض ملوك الترك وقصد خوارزم وكان محمد غائبا عنها ولحق بالترك محمد بن اكنجي الّذي كان أبوه أميرا على خوارزم واسمه طغرل تكين محمد فحرض الترك على خوارزم وبلغ الخبر إلى محمد بن أنوشتكين فبعث إلى سنجر بنيسابور يستمده وسبق إلى خوارزم فافترق الترك وطغرل تكين
стр. 2909
محمد وسار كلّ منهما إلى ناحية ودخل محمد بن أنوشتكين إلى خوارزم فازداد بذلك عند سنجر ظهورا والله ولي التوفيق لا رب سواه.
وفاة محمد بن أنوشتكين وولاية ابنه أتسز
ثم هلك محمد بن أنوشتكين خوارزم وولي بعده ابنه اتسز وسار بسيرة أبيه وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وحارب الأعداء فلما ولي افتتح أمره بالاستيلاء على مدينة مقشلاع وظهرت كفايته في شأنها فاستدعاه السلطان سنجر فاختصه وكان يصاحبه في أسفاره وحروبه وكلما مرّ يزيد تقدّما عنده والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم.
الحرب بين السلطان سنجر واتسز خوارزم شاه
ثم كثرت السعاية عند السلطان سنجر في اتسز خوارزم شاه وإنه يحدّث نفسه بالامتناع فسار سنجر إليه لينتزع خوارزم من يده فتجهز اتسز للقائه واقتتلوا فانهزم اتسز وقتل ابنه وخلق كثير من أصحابه واستولى سنجر على خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ابن أخيه محمدا ورتب له وزيرا وأتابك وحاجبا الى مرو منتصف ثلاث وثلاثين وكان أهل خوارزم يستغيثون لأتسز فعاد إليهم بعد سنجر فأدخلوه البلد ورجع سليمان شاه الى عمه سنجر واستبدّ اتسز بخوارزم والله أعلم.
انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا وملكهم ما وراء النهر
ثم سار سنجر سنة ست وثلاثين لقتال الخطا من الترك فيما وراء النهر لما رجعوا لملك تلك البلاد فيقال أن اتسز أغراهم بذلك ليشغل السلطان سنجر عن بلده وأعماله ويقال أن محمود بن محمد سليمان بن داود بقراخان ملك الخانية في كاشغر وتركستان وهو ابن أخت سنجر زحفت إليه أمم الخطا من الترك ليتملكوا بلاده فسار إليهم وقاتلهم فهزموه وعاد إلى سمرقند وبعث بالصريخ إلى خاله سنجر فعبر النهر إليه في عساكر المسلمين وملوك خراسان والتقوا في أوّل صفر سنة ست وثلاثين فانهزم سنجر والمسلمون وفشا القتل فيهم يقال كان القتلى مائة ألف رجل وأربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر وعاد منهزما وملك الخطا ما
стр. 2910
وراء النهر وخرجت عن ملك الإسلام وقد تقدّم ذكر هذه الواقعة مستوفي في أخبار السلطان سنجر ولما انهزم السلطان سنجر قصد اتسز خوارزم شاه خراسان فملك سرخس ولقي الإمام أبا محمد الزيادي وكان يجمع بين العلم والزهد فأكرمه وقبل قوله ثم قصد مرو الشاهجان فخرج إليه الإمام أحمد الباخوري وشفع في أهل مرو وأن لا يدخل لهم أحد من العسكر فشفعه وأقام بظاهر البلد فثار عامة مرو وأخرجوا أصحابه وقتلوا بعضهم وامتنعوا فقاتلهم اتسز وملكها عليهم غلابا أوّل ربيع من سنة ست وثلاثين وقتل الكثير من أهلها وكان فيهم من أكابر العلماء وأخرج كثيرا من علمائها إلى خوارزم منهم أبو بكر الكرماني ثم سار في شوّال إلى نيسابور وخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء متطارحين أن يعفيهم مما وقع بأهل مرو فأعفاهم واستصفى أموال أصحاب السلطان وقطع الخطبة لسنجر وخطب لنفسه ولما صرح باسمه على المنبر هم أهل نيسابور بالثورة ثم ردّهم خوف العواقب فاقصروا وبعث جيشا إلى أعمال بيهق فحاصرها خمسا ثم ساروا في البلاد ينهبون ويكتسحون والسلطان سنجر خلال ذلك متغافل عنه فيما يفعله في خراسان لما وراءه من مدد الخطا وقوتهم ثم أوقع الغزسنة ثمان وأربعين بالسلطان سنجر واستولوا على خراسان وكان هؤلاء الغز مقيمين بما وراء النهر منذ فارقهم ملوك السلجوقية وكانوا يدينون بالإسلام فلما استولى الخطا على ما وراء النهر أخرجوهم منها فأقاموا بنواحي بلخ وأكثروا فيها العيث والفساد وجمع لهم سنجر وقاتلهم فظفروا به وهزموه وأسروه وانتثر سلك دولته فلم يعد انتظامه وافترقت أعماله على جماعة من مواليه واستقلّ حينئذ اتسز بملك خوارزم وأعماله وأورثها بنيه ثم استولوا على خراسان والعراق عند ما ركدت ريح السلجوقية وكانت لهم بعد ذلك دولة عظيمة نذكر أخبارها مفصلة عند دول أهلها والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.
وفاة اتسز وملك ولده أرسلان
ثم توفي اتسز بن محمد بن أنوشتكين في منتصف إحدى وخمسين وخمسمائة لستين سنة من ولايته وكان عادلا في رعيته حسن السيرة فيهم ولما توفي ملك بعده أرسلان بن اتسز فقتل جماعة من عماله وسمل أخاه ثم بعث بطاعته للسلطان سنجر عند ما هرب من أسر الغز فكتب له بولاية خوارزم وقصد الخطا خوارزم وجمع أرسلان للقائهم وسار غير بعيد ثم طرقه المرض فرجع وأرسل الجيوش لنظر أمير من أمرائه فقاتله الخطا وهزموه وأسروه ورجع إلى ما وراء النهر والله أعلم
.