← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدّول سنّة الله الّتي قد خلت في عباده وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسّريانيّون والنّبط والتّبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصّة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم [١] ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثمّ جاء من بعدهم الفرس الثّانية والرّوم والعرب فتبدّلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثمّ جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السّلف ثمّ درست دولة العرب وأيّامهم وذهبت الأسلاف الذين شيّدوا عزّهم ومهّدوا ملكهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل التّرك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشّمال فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسّبب الشّائع في تبدّل الأحوال والعوائد أنّ عوائد كلّ جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكميّة النّاس على دين الملك وأهل الملك والسّلطان إذا استولوا على الدّولة والأمر فلا بدّ من أن يفزعوا إلى [٢] عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدّولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأوّل فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشّيء وكانت للأولى أشدّ مخالفة ثمّ لا يزال التّدريج في المخالفة حتّى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسّلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة. والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذّهول والغفلة عن قصده وتعوّج به [٣] عن مرامه فربّما يسمع

стр. 37

السّامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها فيجريها لأوّل وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرّخون من أحوال الحجّاج وأنّ أباه كان من المعلّمين مع أنّ التّعليم لهذا العهد من جملة الصّنائع المعاشيّة البعيدة من اعتزاز أهل العصبيّة والمعلّم مستضعف مسكين منقطع الجذم [١] فيتشوّف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصّنائع المعاشيّة إلى نيل الرّتب الّتي ليسوا لها بأهل ويعدّونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع وربّما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتّلف ولا يعلمون استحالتها في حقّهم وأنّهم أهل حرف وصنائع للمعاش وأنّ التّعليم صدر الإسلام والدّولتين لم يكن كذلك ولم يكن العلم بالجملة صناعة إنّما كان نقلا لما سمع من الشّارع وتعليما لما جهل من الدّين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبيّة الّذين قاموا بالملّة هم الّذين يعلّمون كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ على معنى التّبليغ الخبريّ لا على وجه التّعليم الصّناعيّ إذ هو كتابهم المنزل على الرّسول منهم وبه هداياتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصّوا به من بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمّة لا تصدّهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عاذل الأنفة ويشهد لذلك بعث النّبيّ ﷺ كبار أصحابه مع وفود العرب يعلّمونهم حدود الإسلام وما جاء به من شرائع الدّين بعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقرّ الإسلام ووشجت عروق الملّة حتّى تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الأيّام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشّرعيّة من النّصوص لتعدّد الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطإ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التّعلّم فأصبح من جملة الصّنائع والحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم والتّعليم واشتغل أهل العصبيّة بالقيام

стр. 38

بالملك والسّلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم وأصبح حرفة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وأهل السّلطان عن التّصدّي للتّعليم واختصّ انتحاله بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبيّة والملك والحجّاج بن يوسف كان أبوه من سادات ثقيف وأشرافهم ومكانهم من عصبيّة العرب ومناهضة قريش في الشّرف ما علمت ولم يكن تعليمه للقرآن على ما هو الأمر عليه لهذا العهد من أنّه حرفة للمعاش وإنّما كان على ما وصفناه من الأمر الأوّل في الإسلام ومن هذا الباب أيضا ما يتوهّمه المتصفّحون لكتب التّاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرّئاسة في الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرّتب يحسبون أنّ الشّأن خطّة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل ويظنّون بابن أبي عامر صاحب [١] هشام المستبدّ عليه وابن عبّاد من ملوك الطّوائف بإشبيليّة إذا سمعوا أنّ آباءهم كانوا قضاة أنّهم مثل القضاة لهذا العهد ولا يتفطّنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما نبيّنه في فصل القضاء من الكتاب الأوّل وابن أبي عامر وابن عبّاد كانا من قبائل العرب القائمين بالدّولة الأمويّة بالأندلس وأهل عصبيّتها وكان مكانهم فيها معلوما ولم يكن نيلهم لما نالوه من الرّئاسة والملك بخطّة القضاء كما هي لهذا العهد بل إنّما كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبيّة من قبيل [٢] الدّولة ومواليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب وانظر خروجهم بالعساكر في الطّوائف [٣] وتقليدهم عظائم الأمور الّتي لا تقلّد إلّا لمن له الغنى [٤] فيها بالعصبيّة فيغلط السّامع في ذلك ويحمل الأحوال على غير ما هي وأكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الأندلس لهذا العهد

стр. 39

لفقدان العصبيّة في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيّات [١] من البربر فبقيت أنسابهم العربيّة محفوظة والذّريعة إلى العزّ من العصبيّة والتّناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرّعايا المتخاذلين الذين تعبّدهم القهر ورئموا للمذلّة [٢] يحسبون أنّ أنسابهم مع مخالطة الدّولة هي الّتي يكون لهم بها الغلب والتّحكّم فتجد أهل الحرف والصّنائع منهم متصدّين لذلك ساعين في نيله فأمّا من باشر أحوال القبائل والعصبيّة ودولهم بالعدوة الغربيّة وكيف يكون التّغلّب بين الأمم والعشائر فقلّما يغلطون في ذلك ويخطئون في اعتباره. ومن هذا الباب أيضا ما يسلكه المؤرّخون عند ذكر الدّول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمّه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضيه وحاجبه ووزيره كلّ ذلك تقليد لمؤرّخي الدّولتين من غير تفطّن لمقاصدهم والمؤرّخون لذلك العهد كانوا يضعون تواريخهم لأهل الدّولة وأبناؤها متشوّفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتّى في اصطناع الرّجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لأبناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبيّة الدّولة وفي عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كلّه وامّا حين تباينت الدّول وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصّة ونسب الدّول بعضها من بعض في

стр. 40

قوّتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الأمم أو يقصّر عنها فما الفائدة للمصنّف في هذا العهد في ذكر الأبناء والنّساء ونقش الخاتم واللّقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنّما حملهم على ذلك التّقليد والغفلة عن مقاصد المؤلّفين الأقدمين والذّهول عن تحرّي الأغراض من التّاريخ اللَّهمّ إلّا ذكر الوزراء الّذين عظمت آثارهم وعفت [١] على الملوك أخبارهم كالحجّاج وبني المهلّب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الإخشيديّ وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والإشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك. ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أنّ التّاريخ إنّما هو ذكر الأخبار الخاصّة بعصر أو جيل فأمّا ذكر الأحوال العامّة للآفاق والأجيال والأعصار فهو أسّ للمؤرّخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبيّن به أخباره وقد كان النّاس يفردونه بالتّأليف كما فعله المسعوديّ في كتاب مروج الذّهب شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثّلاثين والثّلاثمائة غربا وشرقا وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدّول وفرّق شعوب العرب والعجم فصار إماما للمؤرّخين يرجعون إليه وأصلا يعوّلون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثمّ جاء الكبريّ من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك والممالك خاصّة دون غيرها من الأحوال لأنّ الأمم والأجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال ولا عظيم تغيّر وأمّا لهذا العهد وهو آخر المائة الثّامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الّذي نحن شاهدوه وتبدّلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامّة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثّامنة من الطّاعون الجارف الّذي تحيّف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن

стр. 41

العمران ومحاها وجاء للدّول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلّص من ظلالها وفلّ من حدّها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التّلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السّبل والمعالم وخلت الدّيار والمنازل وضعفت الدّول والقبائل وتبدّل السّاكن وكأنّي بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنّما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها وإذا تبدّلت الأحوال جملة فكأنّما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره وكأنّه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدوّن أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنّحل الّتي تبدّلت لأهلها ويقفو مسلك المسعوديّ لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرّخين من بعده وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربيّ إمّا صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في التّأليف بالمغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الأقطار لعدم اطّلاعي على أحوال المشرق وأممه وأنّ الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه والمسعوديّ إنّما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلّبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنّه لمّا ذكر المغرب قصّر في استيفاء أحواله وفوق كلّ ذي علم عليم ومردّ العلم كلّه إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعيّن واجب ومن كان الله في عونه تيسّرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التّأليف والله المسدّد والمعين وعليه التّكلان وقد بقي علينا أن نقدّم مقدّمة في كيفيّة وضع الحروف الّتي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا. اعلم أنّ الحروف في النّطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيّات الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصّوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع

стр. 42

الحنك والحلق والأضراس أو بقرع الشّفتين أيضا فتتغاير كيفيّات الأصوات بتغاير ذلك القرع وتجيء الحروف متمايزة في السّمع وتتركب منها الكلمات الدّالّة على ما في الضّمائر وليست الأمم كلّها متساوية في النّطق بتلك الحروف فقد يكون لأمّة من الحروف ما ليس لأمّة أخرى والحروف الّتي نطقت بها العرب هي ثمانية وعشرون حرفا كما عرفت ونجد للعبرانيّين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم وكذلك الإفرنج والتّرك والبربر وغير هؤلاء من العجم ثمّ إنّ أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدّلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء وجيم وراء وطاء إلى آخر الثّمانية والعشرين وإذا عرض لهم الحرف الّذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملا عن الدّلالة الكتابيّة مغفلا عن البيان وربّما يرسمه بعض الكتّاب بشكل الحرف الّذي يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده وليس بكاف في الدّلالة بل هو تغيير للحرف من أصله. ولمّا كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الّذي يليه كما قلناه لأنّه عندنا غير واف بالدّلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجميّ بما يدلّ على الحرفين اللّذين يكتنفانه ليتوسّط القارئ بالنّطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته وإنّما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام كالصّراط في قراءة خلف فإنّ النّطق بصاده فيها معجم متوسّط بين الصّاد والزّاي فوضعوا الصّاد ورسموا في داخلها شكل الزّاي ودلّ ذلك عندهم على التّوسّط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا كلّ حرف يتوسّط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسّطة عند البربر بين الكاف الصّريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقّطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدلّ ذلك على أنّه متوسّط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجيء في لغة البربر وما جاء من

стр. 43

غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسّط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارئ أنّه متوسّط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنّا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الّذي من لغتنا وغيّرنا لغة القوم فاعلم ذلك والله الموفّق للصّواب بمنّه وفضله [١] .

стр. 44

الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب اعلم أنّه لمّا كانت حقيقة التّاريخ أنّه خبر عن الاجتماع الانسانيّ الّذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التّوحّش والتّأنّس والعصبيّات وأصناف التّغلّبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدّول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصّنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. ولمّا كان الكذب متطرّقا للخبر بطبعته وله أسباب تقتضيه. فمنها التّشيّعات للآراء والمذاهب فإنّ النّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقّه من التّمحيص والنّظر حتّى تتبيّن صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة وكان ذلك الميل والتّشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتّمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثّقة بالنّاقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التّعديل والتّجريح. ومنها الذّهول عن المقاصد فكثير من النّاقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنّه وتخمينه فيقع في الكذب. ومنها توهّم الصّدق وهو كثير وإنّما يجيء في الأكثر من جهة الثّقة بالنّاقلين ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التّلبيس والتّصنّع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتّصنّع على غير الحقّ في نفسه. ومنها تقرّب النّاس

стр. 45

في الأكثر لأصحاب التّجلّة والمراتب بالثّناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذّكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة فالنّفوس مولعة بحبّ الثّناء والنّاس متطلّعون إلى الدّنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغيين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدّم الجهل بطبائع الأحوال في العمران فإنّ كلّ حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السّامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصّدق من الكذب وهذا أبلغ في التّمحيص من كلّ وجه يعرض وكثيرا ما يعرض للسّامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم كما نقله المسعوديّ عن الإسكندر لمّا صدّته دوابّ البحر عن بناء الإسكندريّة وكيف اتّخذ صندوق الزّجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتّى صوّر تلك الدّوابّ الشّيطانيّة الّتي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنيّة ونصبها حذاء البنيان ففرّت تلك الدّوابّ حين خرجت وعاينتها وتمّ بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتّخاذه التّابوت الزّجاجيّ ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ومن قبل أنّ الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور [١] ومن أعتمده منهم فقد عرّض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع النّاس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ينظرون به رجوعه من غروره [٢] ذلك طرفة عين ومن قبل أنّ الجنّ لا يعرف لها صور ولا تماثيل تختصّ بها إنّما هي قادرة على التّشكّل وما يذكر من كثرة الرّؤوس لها فإنّما المراد به البشاعة والتّهويل لا أنّه حقيقة. وهذه كلّها قادحة في تلك الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كلّه وهو أنّ المنغمس في الماء ولو كان في الصّندوق يضيق عليه الهواء للتّنفّس الطّبيعىّ وتسخن روحه بسرعة لقلّته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدّل لمزاج الرّئة والرّوح

стр. 46

القلبيّ ويهلك مكانه وهذا هو السّبب في هلاك أهل الحمّامات إذا أطبقت [١] عليهم عن الهواء البارد والمتدلّين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها بالعفونة ولم تداخلها الرّياح فتخلخلها فإنّ المتدلّي فيها يهلك لحينه وبهذا السّبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإنّ الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ هو حارّ بإفراط والماء الّذي يعدّله بارد والهواء الّذي خرج إليه حارّ فيستولي الحارّ على روحه الحيوانيّ ويهلك دفعة ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك ومن الأخبار المستحيلة ما نقله المسعوديّ أيضا في تمثال الزّرزور الّذي برومة تجتمع إليه الزّرازير في يوم معلوم من السّنة حاملة للزّيتون ومنه يتّخذون زيتهم وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطّبيعيّ في اتّخاذ الزّيت. ومنها ما نقله البكريّ في بناء المدينة المسمّاة ذات الأبواب تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة وتشتمل على عشرة آلاف باب والمدن إنّما اتّخذت للتّحصّن والاعتصام كما يأتي وهذه خرجت عن أن يحاط بها فلا يكون فيها حصن ولا معتصم وكما نقله المسعوديّ أيضا في حديث مدينة النّحاس وأنّها مدينة كلّ بنائها نحاس بصحراء سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب وأنّها مغلقة الأبواب وأنّ الصّاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفّق ورمى بنفسه فلا يرجع آخر الدّهر في حديث مستحيل عادة من خرافات القصّاص وصحراء سجلماسة قد نفضها [٢] الرّكّاب والأدلّاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر ثمّ إنّ هذه الأحوال الّتي ذكروا عنها كلّها مستحيل عادة مناف للأمور الطّبيعية في بناء المدن واختطاطها وأنّ المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية والخرثيّ [٣] وأما تشييد مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد وأمثال ذلك كثيرة وتمحيصه إنّما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق

стр. 47

على التّمحيص بتعديل الرّواة ولا يرجع إلى تعديل الرّواة حتّى يعلم أنّ ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع وأمّا إذا كان مستحيلا فلا فائدة للنّظر في التّعديل والتّجريح ولقد عدّ أهل النّظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللّفظ وتأويله بما لا يقبله العقل وإنّما كان التّعديل والتّجريح هو المعتبر في صحّة الأخبار الشّرعيّة لأنّ معظمها تكاليف إنشائيّة [١] أوجب الشّارع العمل بها حتّى حصل الظّنّ بصدقها وسبيل صحّة الظّنّ الثّقة بالرّواة بالعدالة والضّبط. وأما الأخبار عن الواقعات فلا بدّ في صدقها وصحّتها من اعتبار المطابقة فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه وصار فيها ذلك أهمّ من التّعديل ومقدّما عليه إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشريّ الّذي هو العمران ونميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتدّ به وما لا يمكن أن يعرض له وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار والصّدق من الكذب بوجه برهانيّ لا مدخل للشّكّ فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرّى به المؤرّخون طريق الصّدق والصّواب فيما ينقلونه وهذا هو غرض هذا الكتاب الأوّل من تأليفنا وكأنّ هذا علم مستقلّ بنفسه فإنّه ذو موضوع وهو العمران البشريّ والاجتماع الإنسانيّ وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته [٢] واحدة بعد أخرى وهذا شأن كلّ علم من العلوم وضعيّا كان أو عقليّا. واعلم أنّ الكلام في هذا الغرض مستحدث الصّنعة غريب النّزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحث وأدّى إليه الغوص وليس من علم الخطابة إنّما هو الأقوال المقنعة

стр. 48

النّافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أو صدّهم عنه ولا هو أيضا من علم السّياسة المدنية إذ السياسة المدنيّة هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النّوع وبقاؤه فقد خالف موضوعة موضوع هذين الفنّين اللّذين ربّما يشبهانه وكأنّه علم مستنبط النّشأة ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهم عن ذلك وليس الظّنّ بهم أو لعلّهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا من فالعلوم كثيرة ممّا وصل فأين علوم الفرس الّتي أمر عمر ﵁ بمحوها عند الفتح وأين علوم الكلدانيّين والسّريانيّين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها وأين علوم القبط ومن قبلهم وإنّما وصل إلينا علوم أمّة واحدة وهم يونان خاصّة لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين وبذل الأموال فيها ولم نقف على شيء من علوم غيرهم وإذا كانت كلّ حقيقة متعلّقة طبيعيّة يصلح أن يبحث عمّا يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كلّ مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصّه لكنّ الحكماء لعلّهم إنّما لاحظوا في ذلك العناية بالثّمرات وهذا إنّما ثمرته في الأخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة لكن ثمرته تصحيح الأخبار وهي ضعيفة فلهذا هجروه والله أعلم «وَما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ١٧: ٨٥» . وهذا الفنّ الّذي لاح لنا النّظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم وهي من جنس مسائله بالموضوع والطّلب مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النّبوّة من أنّ البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع [١] ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللّغات أنّ النّاس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التّعاون والاجتماع وتبيان العبارات أخفّ ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشّرعيّة بالمقاصد في أنّ الزّنا مخلط للأنساب

стр. 49

مفسد للنّوع وأنّ القتل أيضا مفسد للنّوع وأنّ الظّلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النّوع وغير ذلك من سائر المقاصد الشّرعيّة في الأحكام فإنّها كلّها مبنيّة على المحافظة على العمران فكان لها النّظر فيما يعرض له وهو ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثّلة وكذلك أيضا يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرّقة لحكماء الخليقة لكنّهم لم يستوفوه فمن كلام الموبذان [١] بهرام بن بهرام في حكاية البوم الّتي نقلها المسعوديّ. «أيّها الملك إنّ الملك لا يتمّ عزّه إلّا بالشّريعة والقيام للَّه بطاعته والتّصرّف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشّريعة إلّا بالملك ولا عزّ للملك إلّا بالرّجال ولا قوام للرّجال إلّا بالمال ولا سبيل للمال إلّا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلّا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرّبّ وجعل له قيّما وهو الملك» . ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه «الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمّال وإصلاح العمّال باستقامة الوزراء ورأس الكلّ بافتقاد الملك حال رعيّته بنفسه واقتداره على تأديبها حتّى يملكها ولا تملكه. وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السّياسة المتداول بين النّاس جزء صالح منه إلّا أنّه غير مستوف ولا معطي حقّه من البراهين ومختلط بغيره وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات الّتي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان وجعلها في الدّائرة القريبة الّتي أعظم القول فيها هو قوله: «العالم بستان سياجه الدّولة الدّولة سلطان تحيا به السّنّة السّنّة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده الجند الجند أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرّعيّة الرّعيّة عبيد يكنفهم العدل العدل مألوف وبه قوام العالم العالم بستان» ثمّ ترجع إلى أوّل الكلام. فهذه ثمان كلمات حكميّة سياسيّة ارتبط بعضها ببعض وارتدّت أعجازها إلى صدورها واتّصلت في دائرة لا يتعيّن طرفها فخر بعثوره عليها وعظّم من فوائدها. وأنت إذا

стр. 50

تأمّلت كلامنا في فصل الدّول والملك وأعطيته حقّه من التّصفّح والتّفهّم عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات وتفصيل إجمالها مستوفى بيّنا بأوعب [١] بيان وأوضح دليل وبرهان أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان وكذلك تجد في كلام ابن المقفّع وما يستطرد في رسائله من ذكر السّياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا غير مبرهنة كما برهنّاه إنّما يجليها في الذّكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسّل وبلاغة الكلام وكذلك حوّم القاضي أبو بكر الطّرطوشيّ في كتاب سراج الملوك وبوّبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله لكنّه لم يصادف فيه الرّمية ولا أصاب الشّاكلة [٢] ولا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلّة إنّما يبوّب الباب للمسألة ثمّ يستكثر من الأحاديث والآثار وينقل كلمات متفرّقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة ولا يكشف عن التّحقيق قناعا ولا يرفع البراهين الطّبيعيّة حجابا إنّما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ وكأنّه حوّم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقّق قصده ولا استوفى مسائله ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا بين نكرة وجهينة خبره [٣] فإن كنت قد استوفيت مسائله وميّزت عن سائر الصّنائع أنظاره وأنحاءه فتوفيق من الله وهداية وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره فللنّاظر المحقّق إصلاحه ولي الفضل لأنّي نهجت له السّبيل وأوضحت له الطّريق والله يهدي بنوره من يشاء. ونحن الآن نبيّن في هذا الكتاب ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصّنائع بوجوه برهانيّة يتّضح بها التّحقيق في معارف الخاصّة والعامّة وتندفع بها الأوهام وترفع الشّكوك. ونقول لمّا كان الإنسان

стр. 51

متميّزا عن سائر الحيوانات بخواصّ اختصّ بها فمنها العلوم والصّنائع الّتي هي نتيجة الفكر الّذي تميّز به عن الحيوانات وشرّف بوصفه على المخلوقات ومنها الحاجة إلى الحكم الوازع والسّلطان القاهر إذ لا يمكن وجوده دون ذلك [١] من بين الحيوانات كلّها إلّا ما يقال عن النّحل والجراد وهذه وإن كان لها مثل ذلك فبطريق إلهاميّ لا بفكر ورويّة ومنها السّعي في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه لما جعل الله من الافتقار إلى الغذاء في حياته وبقائه وهداه إلى التماسه وطلبه قال تعالى: «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ٢٠: ٥٠» ومنهما العمران وهو التّساكن والتّنازل في مصر [٢] أو حلّة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التّعاون على المعاش كما نبيّنه ومن هذا العمران ما يكون بدويّا وهو الّذي يكون في الضّواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرّمال ومنه ما يكون حضريّا وهو الّذي بالأمصار والقرى والمدن والمدر [٣] للاعتصام بها والتّحصّن بجدرانها وله في كلّ هذه الأحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضا ذاتيّا له فلا جرم انحصر الكلام في هذا الكتاب في ستّة فصول. الأوّل في العمران البشريّ على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض. والثّاني في العمران البدويّ وذكر القبائل والأمم الوحشيّة. والثّالث في الدّول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانيّة والرّابع في العمران الحضريّ والبلدان والأمصار. والخامس في الصّنائع والمعاش والكسب ووجوهه. والسّادس في العلوم واكتسابها وتعلّمها. وقد قدّمت العمران البدويّ لأنّه سابق على جميعها كما نبيّن لك بعد وكذا تقديم الملك على البلدان والأمصار وأمّا تقديم المعاش فلأنّ المعاش ضروريّ طبيعيّ وتعلّم العلم كماليّ أو حاجيّ والطّبيعيّ أقدم من الكماليّ وجعلت

стр. 52

الصّنائع مع الكسب لأنّها منه ببعض الوجوه ومن حيث العمران كما نبيّن لك بعد والله الموفّق للصّواب والمعين عليه. الباب الأوّل من الكتاب الأول في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات الأولى في أنّ الاجتماع الإنسانيّ ضروريّ ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدنيّ بالطّبع أي لا بدّ له من الاجتماع الّذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران وبيانه أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة لا يصحّ حياتها وبقاؤها إلّا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله إلّا أنّ قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادّة حياته منه ولو فرضنا منه أقلّ ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلّا بعلاج كثير من الطّحن والعجن والطّبخ وكلّ واحد من هذه الأعمال الثّلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتمّ إلّا بصناعات متعدّدة من حدّاد ونجّار وفاخوريّ وهب أنّه يأكله حبّا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله أيضا حبّا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه من الزّراعة والحصاد والدّراس الّذي يخرج الحبّ من غلاف السّنبل ويحتاج كلّ واحد من هذه من الزّراعة والحصاد والدّارس الّذي يخرج الحبّ من غلاف السّنبل ويحتاج كلّ واحد من هذه آلات متعدّدة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير ويستحيل أن تفي بذلك كلّه أو ببعضه قدرة الواحد فلا بدّ من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتّعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف وكذلك يحتاج كلّ واحد منهم أيضا في الدّفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لأنّ الله سبحانه لمّا ركّب الطّباع في الحيوانات كلّها وقسم القدر بينها جعل

стр. 53

حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظّ الإنسان فقدرة الفرس مثلا أعظم بكثير من قدرة الإنسان وكذا قدرة الحمار والثّور وقدرة الأسد والفيل أضعاف من قدرته. ولمّا كان العدوان طبيعيّا في الحيوان جعل لكلّ واحد منها عضوا يختصّ بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره وجعل للإنسان عوضا من ذلك كلّه الفكر واليد فاليد مهيّئة للصّنائع بخدمة الفكر والصّنائع تحصّل له الآلات الّتي تنوب له عن الجوارح المعدّة في سائر الحيوانات للدّفاع مثل الرّماح الّتي تنوب عن القرون النّاطحة والسّيوف النّائبة عن المخالب الجارحة والتّراس [١] النّائبة عن البشرات الجاسية [٢] إلى غير ذلك وغيره ممّا ذكره جالينوس في كتاب منافع الأعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيّما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدّة لها فلا بدّ في ذلك كلّه من التّعاون عليه بأبناء جنسه وما لم يكن هذا التّعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتمّ حياته لما ركّبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السّلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر وإذا كان التّعاون حصل له القوت للغذاء والسّلاح للمدافعة وتمّت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ضروريّ للنّوع الإنسانيّ وإلّا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إيّاهم وهذا هو معنى العمران الّذي جعلناه موضوعا لهذا العلم وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنّه الّذي هو موضوع له وهذا وإن لم يكن واجبا على صاحب الفنّ لما تقرّر في الصّناعة المنطقيّة أنّه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون إثباته من التّبرّعات والله الموفّق بفضله. ثمّ إنّ هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قرّرناه وتمّ عمران العالم بهم فلا بدّ من وازع يدفع

стр. 54

بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانيّة من العدوان والظّلم وليست السّلاح الّتي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم فلا بدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسّلطان واليد القاهرة حتّى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك وقد تبيّن لك بهذا أنّ للإنسان خاصّة طبيعيّة ولا بدّ لهم منها وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النّحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والانقياد والاتّباع لرئيس من أشخاصها متميّز عنهم في خلقه وجثمانه إلّا أنّ ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكرة والسّياسة «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ٢٠: ٥٠» وتزيد الفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوّة بالدّليل العقليّ وأنّها خاصّة طبيعية للإنسان فيقرّرون هذا البرهان إلى غاية وأنّه لا بدّ للبشر من الحكم الوازع ثمّ يقولون بعد ذلك وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر وأنّه لا بدّ أن يكون متميّزا عنهم بما يودع الله فيه من خواصّ هدايته ليقع التّسليم له والقبول منه حتّى يتمّ الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيّف وهذه القضيّة للحكماء غير برهانيّة كما تراه إذ الوجود وحياة البشر قد تتمّ من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبيّة الّتي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادّته فأهل الكتاب والمتّبعون للأنبياء قليلون بالنّسبة إلى المجوس الّذين ليس لهم كتاب فإنّهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم الدّول والآثار فضلا عن الحياة وكذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم المنحرفة في الشّمال والجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتّة فإنّه يمتنع وبهذا يتبيّن لك غلطهم في وجوب النّبوّات وأنّه ليس بعقليّ وإنّما مدركة الشّرع كما هو مذهب السّلف من الأمّة والله وليّ التوفيق والهداية .

стр. 55

المقدمة الثانية في قسط العمران من الأرض والإشارة إلى بعض ما فيه من الأشجار [١] والأنهار والأقاليم اعلم أنّه قد تبيّن في كتب الحكماء النّاظرين في أحوال العالم أنّ شكل الأرض كرويّ وأنّها محفوفة بعنصر الماء كأنّها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنّوع البشريّ الّذي له الخلافة على سائرها وقد يتوهّم من ذلك أنّ الماء تحت الأرض وليس بصحيح وإنّما النّحت الطّبيعيّ قلب الأرض ووسط كرتها الّذي هو مركزها والكلّ يطلبه بما فيه من الثّقل وما عدا ذلك من جوانبها وأمّا الماء المحيط بها فهو فوق الأرض وإن قيل في شيء منها إنّه تحت الأرض فبالإضافة إلى جهة أخرى منه. وأمّا الّذي انحسر عنه الماء من الأرض فهو النّصف من سطح كرتها في شكل دائرة أحاط العنصر المائيّ بها من جميع جهاتها بحرا يسمّى البحر المحيط ويسمّى أيضا لبلايه بتفخيم اللّام الثّانية ويسمّى أوقيانوس أسماء أعجميّة ويقال له البحر الأخضر والأسود ثمّ إنّ هذا المنكشف من الأرض للعمران فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشّمال وإنّما المعمور منه أميل إلى الجانب الشّماليّ على شكل مسطّح كرويّ ينتهي من جهة الجنوب إلى

стр. 56

خطّ الاستواء ومن جهة الشّمال إلى خطّ كرويّ ووراءه الجبال الفاصلة بينه وبين الماء العنصريّ الّذي بينهما سدّ يأجوج ومأجوج وهذه الجبال مائلة إلى جهة المشرق وينتهي من المشرق والمغرب إلى عنصر الماء أيضا بقطعتين من الدّائرة المحيطة وهذا المنكشف من الأرض قالوا هو مقدار النّصف من الكرة أو أقلّ والمعمور منه مقدار ربعه وهو المنقسم بالأقاليم السّبعة وخطّ الاستواء يقسم الأرض بنصفين من المغرب إلى المشرق وهو طول الأرض وأكبر خطّ في كرتها كما أنّ منطقة فلك البروج ودائرة معدّل النّهار أكبر خطّ في الفلك ومنطقة البروج منقسمة بثلاثمائة وستّين درجة والدّرجة من مسافة الأرض خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذّراع أربعة وعشرون إصبعا والإصبع ستّ حبّات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهرا لبطن وبين دائرة معدّل النّهار الّتي تقسم الفلك بنصفين وتسامت خطّ الاستواء من الأرض وبين كلّ واحد من القطبين تسعون درجة لكنّ العمارة في الجهة الشّماليّة من خطّ الاستواء أربع وستّون درجة والباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدّة البرد والجمود كما كانت الجهة الجنوبيّة خلاء كلّها لشدّة الحرّ كما نبيّن ذلك كلّه إن شاء الله تعالى. ثمّ إنّ المخبرين عن هذا المعمور وحدوده وعمّا فيه من الأمصار والمدن والجبال والبحار والأنهار والقفار والرّمال مثل بطليموس في كتاب الجغرافيا وصاحب كتاب زخّار [١] من بعده قسموا هذا المعمور بسبعة أقسام يسمّونها الأقاليم السّبعة بحدود وهميّة بين المشرق والمغرب متساوية في العرض مختلفة في الطّول فالإقليم الأوّل أطول ممّا بعده وهكذا الثّاني إلى آخرها فيكون السّابع أقصر لما اقتضاه وضع

стр. 57

الدّائرة النّاشئة عن انحسار الماء عن كرة الأرض وكلّ واحد من هذه الأقاليم عندهم منقسم بعشرة أجزاء من المغرب إلى المشرق على التّوالي وفي كلّ جزء الخبر عن أحواله وأحوال عمرانه. وذكروا أنّ هذا البحر المحيط يخرج من جهة المغرب في الإقليم الرّابع البحر الرّوميّ المعروف يبدأ في خليج متضايق في عرض اثني عشر ميلا أو نحوها ما بين طنجة وطريف ويسمّى الزّقاق ثمّ يذهب مشرّقا وينفسح إلى عرض ستّمائة ميل ونهايته في آخر الجزء الرّابع من الإقليم الرّابع على ألف فرسخ ومائة وستّين فرسخا من مبدئه وعليه هنالك سواحل الشّام وعليه من جهة الجنوب سواحل المغرب أوّلها طنجة عند الخليج ثمّ إفريقية [١] ثمّ برقة إلى الاسكندريّة ومن جهة الشّمال سواحل القسطنطنيّة عند الخليج ثمّ البنادقة ثمّ رومة ثمّ الافرنجة ثمّ الأندلس إلى طريف عند الزّقاق قبالة طنجة ويسمّى هذا البحر الرّوميّ والشّاميّ وفيه جزر كثيرة عامرة كبار مثل أقريطش وقبرص وصقلّيّة وميورقة وسردانية قالوا: ويخرج منه في جهة الشّمال بحران آخران من خليجين. أحدهما مسامت للقسطنطينيّة يبدأ من هذا البحر متضايقا في عرض رمية السّهم ويمرّ ثلاثة بحار فيتّصل بالقسطنطينيّة ثمّ ينفسح في عرض أربعة أميال ويمرّ في جرية ستّين ميلا ويسمّى خليج القسطنطينيّة ثمّ يخرج من فوهة عرضها ستّة أميال فيمدّ بحر نيطش وهو بحر ينحرف من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشّرق فيمرّ بأرض هرقلة وينتهي إلى بلاد الخزريّة على ألف وثلاثمائة ميل من فوهته وعليه من الجانبين أمم من الرّوم والتّرك وبرجان والرّوس. والبحر الثّاني من خليجي هذا البحر الرّوميّ وهو بحر البنادقة [٢] يخرج من بلاد الرّوم على سمت الشّمال فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب إلى بلاد البنادقة وينتهي إلى بلاد إنكلاية على ألف ومائة ميل من مبدئه وعلى حافتيه من

стр. 58

البنادقة والرّوم وغيرهم أمم ويسمّى خليج البنادقة. قالوا وينساح من هذا البحر المحيط أيضا من الشّرق وعلى ثلاث عشرة درجة في الشّمال من خطّ الاستواء بحر عظيم متّسع يمرّ في الجنوب قليلا حتّى ينتهي إلى الإقليم الأوّل ثمّ يمرّ فيه مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة والزّنج وإلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ من مبدئه ويسمّى البحر الصّينيّ والهنديّ والحبشيّ [١] وعليه من جهة الجنوب بلاد الزّنج وبلاد بربر الّتي ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الّذين هم قبائل المغرب ثمّ بلد مقدشو ثمّ بلد سفالة وأرض الواق واق وأمم أخر ليس بعدهم إلّا القفار والخلاء وعليه من جهة الشّمال الصّين من عند مبدئه ثمّ الهند ثمّ السّند ثمّ سواحل اليمن من الأحقاف وزبيد وغيرها ثمّ بلاد الزّنج عند نهايته وبعدهم الحبشة. قالوا ويخرج من هذا البحر الحبشيّ بحران آخران أحدهما يخرج من نهايته عند باب المندب فيبدأ متضايقا ثمّ يمرّ مستبحرا إلى ناحية الشّمال ومغرّبا قليلا إلى أن ينتهي إلى القلزم في الجزء الخامس من الإقليم الثّاني على ألف وأربعمائة ميل من مبدئه ويسمّى بحر القلزم [٢] وبحر السّويس وبينه وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل وعليه من جهة الشّرق سواحل اليمن ثمّ الحجاز وجدّة ثمّ مدين وأيلة وفاران عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل الصّعيد وعيذاب وسواكن وزيلع ثمّ بلاد الحبشة عند مبدئه وآخره عند القلزم يسامت البحر الرّوميّ عند العريش وبينهما نحو ستّ مراحل وما زال الملوك في الإسلام وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتمّ ذلك [٣] . والبحر الثّاني من هذا البحر الحبشيّ ويسمّى الخليج الأخضر [٤] يخرج

стр. 59

ما بين بلاد السند والأحقاف من اليمن ويمرّ إلى ناحية الشّمال مغرّبا قليلا إلى أن ينتهي إلى الأبلّة من سواحل البصرة في الجزء السّادس من الإقليم الثّاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخا من مبدئه ويسمّى بحر فارس وعليه من جهة الشّرق سواحل السّند ومكران وكرمان وفارس والأبلّة وعند نهايته من جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشّحر والأحقاف عند مبدئه وفيما بين بحر فارس والقلزم وجزيرة العرب كأنّها داخلة من البرّ في البحر يحيط بها البحر الحبشيّ من الجنوب وبحر القلزم من الغرب وبحر فارس من الشّرق وتفضي إلى العراق بين الشّام والبصرة على ألف وخمسمائة ميل بينهما وهنالك الكوفة والقادسيّة وبغداد وإيوان كسرى والحيرة ووراء ذلك أمم الأعاجم من الترك والخزر وغيرهم وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها وبلاد اليمامة والبحرين وعمان في جهة الشّرق منها وبلاد اليمن في جهة الجنوب منها وسواحله على البحر الحبشيّ. قالوا وفي هذا المعمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشّمال بأرض الدّيلم يسمّى بحر جرجان وطبرستان طوله ألف ميل في عرض ستّمائة ميل في غربيّه أذربيجان والدّيلم وفي شرقيّه أرض الترك وخوارزم وفي جنوبيّه طبرستان وفي شماليّه أرض الخزر واللّان. هذه جملة البحار المشهورة الّتي ذكرها أهل الجغرافيا. قالوا وفي هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النّيل والفرات ودجلة ونهر بلخ المسمّى جيحون. فأمّا النّيل فمبدؤه من جبل عظيم وراء خطّ الاستواء بستّ عشرة درجة على سمت الجزء الرّابع من الإقليم الأوّل ويسمّى جبل القمر ولا يعلم في الأرض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصبّ بعضها في بحيرة هناك وبعضها في أخرى ثمّ تخرج أنهار من البحيرتين فتصبّ كلّها في بحيرة واحدة عند خطّ الاستواء على عشر

стр. 60

مراحل من الجبل ويخرج من هذه البحيرة نهران يذهب أحدهما إلى ناحية الشّمال على سمته ويمرّ ببلاد النّوبة ثمّ بلاد مصر فإذا جاوزها تشعّب في شعب متقاربة يسمّى كلّ واحد منها خليجا وتصبّ كلّها في البحر الرّوميّ عند الإسكندريّة ويسمّى نيل مصر وعليه الصّعيد من شرقيّه والواحات من غربيّه ويذهب الآخر منعطفا إلى المغرب ثمّ يمرّ على سمته إلى أن يصبّ في البحر المحيط وهو نهر السّودان وأممهم كلّهم على ضفّتيه. وأمّا الفرات فمبدؤه من بلاد أرمينيّة في الجزء السّادس من الإقليم الخامس ويمرّ جنوبا في أرض الرّوم وملطية إلى منبج ثمّ يمرّ بصفّين ثمّ بالرّقة ثمّ بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء الّتي بين البصرة وواسط ومن هناك يصبّ في البحر الحبشيّ وتنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصبّ في دجلة. وأمّا دجلة فمبدؤها عين ببلاد خلاط من أرمينيّة أيضا وتمرّ على سمت الجنوب بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى واسط فتتفرّق إلى خلجان كلّها تصبّ في بحيرة البصرة وتفضي إلى بحر فارس وهو في الشّرق على يمين الفرات وينجلب إليه أنهار كثيرة عظيمة من كلّ جانب وفيما بين الفرات ودجلة من أوّله جزيرة الموصل قبالة الشّام من عدوتي الفرات وقبالة آذربيجان من عدوة دجلة. وأمّا نهر جيحون فمبدؤه من بلخ في الجزء الثّامن من الإقليم الثّالث من عيون هناك كثيرة وتنجلب إليه أنهار عظام ويذهب من الجنوب إلى الشّمال فيمرّ ببلاد خراسان ثمّ يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثّامن من الإقليم الخامس فيصبّ في بحيرة الجرجانيّة الّتي بأسفل مدينتها وهي مسيرة شهر في مثله وإليها ينصبّ نهر فرغانة والشّاش الآتي من بلاد التّرك وعلى غربيّ نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم وعلى شرقيّه بلاد بخارى وترمذ وسمرقند ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد التّرك وفرغانة والخزلجيّة وأمم الأعاجم وقد ذكر ذلك كلّه بطليموس في كتابه والشّريف في كتاب روجار وصوّروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من الجبال والبحار والأودية واستوفوا من ذلك

стр. 61

ما لا حاجة لنا به لطوله ولأنّ عنايتنا في الأكثر إنّما هي بالمغرب الّذي هو وطن البربر وبالأوطان الّتي للعرب من المشرق والله الموفّق. تكملة لهذه المقدمة الثانية في أن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمرانا من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك ونحن نرى بالمشاهدة والأخبار المتواترة أن الأوّل والثّاني من الأقاليم المعمورة أقلّ عمرانا ممّا بعدهما وما وجد من عمرانه فيتخلّله الخلاء والقفار والرّمال والبحر الهنديّ الّذي في الشّرق منهما وأمم هذين الإقليمين وأناسيّهما ليست لهم الكثرة البالغة وأمصاره ومدنه كذلك والثّالث والرّابع وما بعدهما بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة والرّمال كذلك أو معدومة وأممها وأناسيّها تجوز الحدّ من الكثرة وأمصارها ومدنها تجاوز الحدّ عددا والعمران فيها مندرج ما بين الثّالث والسّادس والجنوب خلاء كلّه وقد ذكر كثير من الحكماء أنّ ذلك لإفراط الحرّ وقلّة ميل الشّمس فيها عن سمت الرّؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه ويتبيّن منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثّالث والرّابع من جانب الشّمال إلى الخامس والسّابع. فنقول إنّ قطبي الفلك الجنوبيّ والشّماليّ إذا كانا على الأفق فهنالك دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هي أعظم الدّوائر المارّة من المشرق إلى المغرب وتسمّى دائرة معدّل النّهار وقد تبيّن في موضعه من الهيئة أنّ الفلك الأعلى متحرّك من المشرق إلى المغرب حركة يوميّة يحرّك بها سائر الأفلاك في جوفه قهرا وهذه الحركة محسوسة وكذلك تبيّن أنّ للكواكب في أفلاكها حركة مخالفة لهذه الحركة وهي من المغرب إلى المشرق وتختلف آمادها باختلاف حركة الكواكب في

стр. 62

السّرعة والبطء وممرّات هذه الكواكب في أفلاكها توازيها كلّها دائرة عظيمة من الفلك الأعلى تقسمه بنصفين وهي دائرة فلك البروج منقسمة باثني عشر برجا وهي على ما تبيّن في موضعه مقاطعة لدائرة معدّل النّهار على نقطتين متقابلتين من البروج هما أوّل الحمل وأوّل الميزان فتقسمها دائرة معدّل النّهار بنصفين نصف مائل عن معدّل النّهار إلى الشّمال وهو من أوّل الحمل إلى آخر السّنبلة ونصف مائل عنه إلى الجنوب وهو من أوّل الميزان إلى آخر الحوت وإذا وقع القطبان على الأفق في جميع نواحي الأرض كان على سطح الأرض خطّ واحد يسامت دائرة معدّل النّهار يمرّ من المغرب إلى المشرق ويسمّى خطّ الاستواء ووقع هذا الخطّ بالرّصد على ما زعموا في مبدإ الإقليم الأوّل من الأقاليم السّبعة والعمران كلّه في الجهة الشّماليّة يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتّدريج إلى أن ينتهي ارتفاعه إلى أربع وستّين درجة وهنالك ينقطع العمران وهو آخر الإقليم السّابع وإذا ارتفع على الأفق تسعين درجة وهي الّتي بين القطب ودائرة معدّل النّهار على الأفق وبقيت ستّة من البروج فوق الأفق وهي الشّماليّة وستّة تحت الأفق وهي الجنوبيّة والعمارة فيما بين الأربعة والسّتين إلى التّسعين ممتنعة لأنّ الحرّ والبرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزّمان بينهما فلا يحصل التّكوين فإذا الشّمس تسامت الرّؤوس على خطّ الاستواء في رأس الحمل والميزان ثمّ تميل عن المسامتة إلى رأس السّرطان ورأس الجدي ويكون نهاية ميلها عن دائرة معدّل النّهار أربعا وعشرين درجة ثمّ إذا ارتفع القطب الشّماليّ عن الأفق مالت دائرة معدّل النّهار عن سمت الرّؤوس بمقدار ارتفاعه وانخفض القطب الجنوبيّ كذلك بمقدار متساو في الثّلاثة وهو المسمّى عند أهل المواقيت عرض البلد وإذا مالت دائرة معدّل النّهار عن سمت الرّؤوس علت عليها البروج الشّماليّة مندرجة في مقدار علوّها إلى رأس السّرطان وانخفضت البروج الجنوبيّة من الأفق كذلك إلى رأس الجدي لانحرافها إلى الجانبين في أفق الاستواء كما قلناه فلا يزال الأفق الشّماليّ يرتفع حتّى يصير

стр. 63

أبعد الشّماليّة وهو رأس السّرطان في سمت الرّؤوس وذلك حيث يكون عرض البلد أربعا وعشرين في الحجاز وما يليه وهذا هو الميل الّذي إذا مال رأس السّرطان عن معدّل النّهار في أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشّماليّ حتّى صار مسامتا فإذا ارتفع القطب أكثر من أربع وعشرين نزلت الشّمس عن المسامتة ولا تزال في انخفاض إلى أن يكون ارتفاع القطب أربعا وستّين ويكون انخفاض الشّمس عن المسامتة كذلك وانخفاض القطب الجنوبيّ عن الأفق مثلها فينقطع التّكوين لإفراط البرد والجمد وطول زمانه غير ممتزج بالحرّ. ثمّ إنّ الشّمس عند المسامتة وما يقاربها تبعث الأشعّة قائمة وفيما دون المسامتة على زوايا منفرجة وحادّة وإذا كانت زوايا الأشعّة قائمة عظم الضّوء وانتشر بخلافه في المنفرجة والحادّة فلهذا يكون الحرّ عند المسامتة وما يقرب منها أكثر منه فيما بعد لأنّ الضّوء سبب الحرّ والتّسخين. ثمّ إنّ المسامتة في خطّ الاستواء تكون مرّتين في السّنة عند نقطتي الحمل والميزان وإذا مالت فغير بعيد ولا يكاد الحرّ يعتدل في آخر ميلها عند رأس السّرطان والجدي إلّا إن صعدت إلى المسامتة فتبقى الأشعّة القائمة الزّوايا تلحّ على ذلك الأفق ويطول مكثها أو يدوم فيشتعل الهواء حرارة ويفرط في شدّتها وكذا ما دامت الشّمس تسامت مرّتين فيما بعد خطّ الاستواء إلى عرض أربع وعشرين فإنّ الأشعّة ملحّة على الأفق في ذلك بقريب من إلحاحها في خطّ الاستواء وإفراط الحرّ يفعل في الهواء تجفيفا ويبسا يمنع من التّكوين لأنّه إذا أفرط الحرّ جفّت المياه والرّطوبات وفسد التّكوين في المعدن والحيوان والنّبات إذ التّكوين لا يكون إلّا بالرّطوبة ثمّ إذا مال رأس السّرطان عن سمت الرّؤوس في عرض خمس وعشرين فما بعده نزلت الشّمس عن المسامتة فيصير الحرّ إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلا قليلا فيكون التّكوين ويتزايد على التّدريج إلى أن يفرط البرد في شدّته لقلّة الضّوء وكون الأشعّة منفرجة الزّوايا فينقص التّكوين ويفسد بيد أنّ

стр. 64

فساد التّكوين من جهة شدّة الحرّ أعظم منه من جهة شدّة البرد لأنّ الحرّ أسرع تأثيرا في التّجفيف من تأثير البرد في الجمد فلذلك كان العمران في الإقليم الأوّل والثّاني قليلا وفي الثّالث والرّابع والخامس متوسّطا لاعتدال الحرّ بنقصان الضّوء وفي السّادس والسّابع كثيرا لنقصان الحرّ وأنّ كيفيّة البرد لا تؤثّر عند أوّلها في فساد التّكوين كما يفعل الحرّ إذ لا تجفيف فيها إلّا عند الإفراط بما يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السّابع فلهذا كان العمران في الرّبع الشّماليّ أكثر وأوفر والله أعلم. ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خطّ الاستواء وما وراءه وأورد [١] عليهم أنّه معمور بالمشاهدة والأخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك والظّاهر أنّهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلّيّة إنّما أدّاهم البرهان إلى أنّ فساد التّكوين فيه قويّ بإفراط الحرّ والعمران فيه إمّا ممتنع أو ممكن أقليّ وهو كذلك فإنّ خطّ الاستواء والّذي وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدّا. وقد زعم ابن رشد أنّ خطّ الاستواء معتدل وأنّ ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراءه في الشّمال فيعمر منه ما عمر من هذا والّذي قاله غير ممتنع من جهة فساد التّكوين وإنّما امتنع فيما وراء خطّ الاستواء في الجنوب من جهة أنّ العنصر المائيّ غمر وجه الأرض هنالك إلى الحدّ الّذي كان مقابلة من الجهة الشّماليّة قابلا للتّكوين [٢] ولمّا امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه لأنّ العمران متدرّج ويأخذ في التّدريج من جهة الوجود لا من جهة الامتناع وأمّا القول بامتناعه في خطّ الاستواء فيردّه النّقل المتواتر والله أعلم. ولنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيّا كما رسمها صاحب كتاب روجار ثمّ نأخذ في تفصيل الكلام عليها إلى آخره.

стр. 65

تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا اعلم أنّ الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدّم ذكره على سبعة أقسام من الشّمال إلى الجنوب يسمّون كلّ قسم منها إقليما فانقسم المعمور من الأرض كلّه على هذه السّبعة الأقاليم كلّ واحد منها آخذ من الغرب إلى الشّرق على طوله. فالأوّل منها مار من المغرب إلى المشرق مع خطّ الاستواء بحدّه من جهة الجنوب وليس وراءه هنالك إلّا القفار والرّمال وبعض عمارة إن صحّت فهي كلا عمارة ويليه من جهة شماليّه الإقليم الثّاني ثمّ الثّالث كذلك ثمّ الرّابع والخامس والسّادس والسّابع وهو آخر العمران من جهة الشّمال وليس وراء السّابع إلّا الخلاء والقفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط كالحالّ فيما وراء الإقليم الأوّل في جهة الجنوب إلّا أنّ الخلاء في جهة الشّمال أقلّ بكثير من الخلاء الّذي في جهة الجنوب. ثمّ إنّ أزمنة اللّيل والنّهار تتفاوت في هذه الأقاليم بسبب ميل الشّمس عن دائرة معدّل النّهار وارتفاع القطب الشّماليّ عن آفاقها فيتفاوت قوس اللّيل والنّهار لذلك وينتهي طول اللّيل والنّهار في آخر الإقليم الأوّل وذلك عند حلول الشّمس برأس الجدي للّيل وبرأس السّرطان للنّهار كلّ واحد منهما إلى ثلاث عشرة ساعة وكذلك في آخر الإقليم الثّاني ممّا يلي الشّمال فينتهي طول النّهار فيه عند حلول الشّمس برأس السّرطان وهو منقلبها الصّيفيّ إلى ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومثله أطول اللّيل عند منقلبها الشّتويّ برأس الجدي ويبقى للأقصر من اللّيل والنّهار ما يبقى بعد الثّلاث عشرة ونصف من حملة أربع وعشرين السّاعات الزّمانيّة لمجموع اللّيل والنّهار وهي دورة الفلك الكاملة وكذلك في آخر الإقليم الثّالث ممّا يلي الشّمال أيضا ينتهيان إلى أربع عشرة ساعة وفي آخر الرّابع إلى أربع عشرة ساعة

стр. 66

ونصف ساعة وفي آخر الخامس إلى خمس عشرة ساعة وفي آخر السّادس إلى خمس عشرة ساعة ونصف وإلى آخر السّابع إلى ستّ عشرة ساعة وهنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الأقاليم في الأطول من ليلها ونهارها بنصف ساعة لكلّ إقليم يتزايد من أوّله في ناحية الجنوب إلى آخره في ناحية الشّمال موزّعة على أجزاء هذا البعد. وأمّا عرض البلدان في هذه الأقاليم وهو عبارة عن بعد ما بين سمت رأس البلد ودائرة معدّل النّهار الّذي هو سمت رأس خطّ الاستواء وبمثله سواء ينخفض القطب الجنوبيّ عن أفق ذلك البلد ويرتفع القطب الشّماليّ عنه وهو ثلاثة أبعاد متساوية تسمّى عرض البلد كما مرّ ذلك قبل. والمتكلّمون على هذه الجغرافيا قسموا كلّ واحد من هذه الأقاليم السّبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية ويذكرون ما اشتمل عليه كلّ جزء منها من البلدان والأمصار والجبال والأنهار والمسافات بينها في المسالك ونحن الآن نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والأنهار والبحار في كلّ جزء منها ونحاذي بذلك ما وقع في كتاب نزهة المشتاق الّذي ألّفه العلويّ الإدريسيّ الحمّوديّ لملك صقلّيّة من الإفرنج وهو زخّار بن زخّار [١] عند ما كان نازلا عليه بصقلّية بعد خروج صقلّيّة من إمارة مالقة وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السّادسة وجمع له كتبا جمّة للمسعوديّ وابن خرداذبه والحوقليّ والقدريّ وابن إسحاق المنجّم وبطليموس وغيرهم ونبدأ منها ب الإقليم الأوّل إلى آخرها والله يعصمنا بمنّه وفضله. الإقليم الأوّل، وفيه من جهة غربيّه الجزائر الخالدات الّتي منها بدأ بطليموس بأخذ أطوال البلاد وليست في بسيط الإقليم وإنّما هي في البحر المحيط جزر متكثّرة أكبرها وأشهرها ثلاث ويقال إنّها معمورة وقد بلغنا أنّ سفائن من الإفرنج مرّت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا وباعوا بعض

стр. 67

أسراهم بسواحل المغرب الأقصى وصاروا إلى خدمة السّلطان فلمّا تعلّموا اللّسان العربيّ أخبروا عن حال جزائرهم وأنّهم يحتفرون الأرض للزّراعة بالقرون وأنّ الحديد مفقود بأرضهم وعيشهم من الشّعير وماشيتهم المعز وقتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف وعبادتهم السّجود للشّمس إذا طلعت ولا يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ولا يوقف على مكان هذه الجزائر إلّا بالعثور لا بالقصد إليها لأنّ سفر السّفن في البحر إنّما هو بالرّياح ومعرفة جهات مهابّها وإلى أين يوصل إذا مرّت على الاستقامة من البلاد الّتي في ممرّ ذلك المهبّ وإذا اختلف المهبّ وعلم حيث يوصل على الاستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل السّفينة بها على قوانين في ذلك محصّلة عند النّواتية [١] والملّاحين الّذين هم رؤساء السّفن في البحر والبلاد الّتي في حافات البحر الرّوميّ وفي عدوته مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهابّ الرّياح وممرّاتها على اختلافها معها في تلك الصّحيفة ويسمّونها الكنباص وعليها يعتمدون في أسفارهم وهذا كلّه مفقود في البحر المحيط فلذلك لا تلج فيه السّفن لأنّها إن غابت عن مرأى السّواحل فقلّ أن تهتدي إلى الرّجوع إليها مع ما ينعقد في جوّ هذا البحر وعلى سطح مائه من الأبخرة الممانعة للسّفن في مسيرها وهي لبعدها لا تدركها أضواء الشّمس المنعكسة من سطح الأرض فتحلّلها فلذلك عسر الاهتداء إليها وصعب الوقوف على خبرها. وأمّا الجزء الأوّل من هذا الإقليم ففيه مصبّ النّيل الآتي من مبدئه عند جبل القمر كما ذكرناه ويسمّى نيل السّودان ويذهب إلى البحر المحيط فيصبّ فيه عند جزيرة أوليك وعلى هذا النّيل مدينة سلا وتكرور وغانة وكلّها لهذا العهد في مملكة ملك مالي من أمم السّودان وإلى بلادهم تسافر تجّار المغرب الأقصى وبالقرب منها من شماليّها بلاد لمتونة وسائر طوائف الملثّمين ومفاوز يجولون فيها وفي جنوبيّ هذا النّيل قوم من السّودان يقال لهم

стр. 68

«لملم» وهم كفار ويكتوون في وجوههم وأصداغهم وأهل غانة والتّكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتّجّار فيجلبونهم إلى المغرب وكلّهم عامّة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلّا أناسيّ أقرب إلى الحيوان العجم من النّاطق يسكنون الفيافي والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيّأة وربّما يأكل بعضهم بعضا وليسوا في عداد البشر. وفواكه بلاد السّودان كلّها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان. فكان في غانة فيما يقال ملك ودولة لقوم من العلويّين يعرفون ببني صالح وقال صاحب كتاب روجار إنّه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه الدّولة لهذا العهد وصارت غانة لسلطان مالي وفي شرقيّ هذا البلد في الجزء الثّالث من الإقليم بلد (كوكو) على نهر ينبع من بعض الجبال هنالك ويمرّ مغرّبا فيغوص في رمال الجزء الثّاني وكان ملك كوكو قائما بنفسه ثمّ استولى عليها سلطان مالي وأصبحت في مملكته وخربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلّها من تاريخ البربر وفي جنوبيّ بلد كوكو بلاد كاتم [١] من أمم السّودان وبعدهم ونغارة على ضفّة النّيل من شماليّه وفي شرقيّ بلاد ونغارة وكاتم بلاد زغاوة وتاجرة المتّصلة بأرض النّوبة في الجزء الرّابع من هذا الإقليم وفيه يمرّ نيل مصر ذاهبا من مبدئه عند خطّ الاستواء إلى البحر الرّوميّ في الشّمال ومخرج هذا النّيل من جبل القمر الّذي فوق خطّ الاستواء بستّ عشرة درجة واختلفوا في ضبط هذه اللّفظة فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة إلى قمر السّماء لشدّة بياضه وكثرة ضوءه وفي كتاب المشترك لياقوت بضمّ القاف وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند وكذا ضبطه ابن سعيد فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كلّ خمسة منها في بحيرة وبينهما ستّة أميال ويخرج من كلّ واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلّها في بطيحة

стр. 69

واحدة في أسفلها جبل معترض يشقّ البحيرة من ناحية الشّمال وينقسم ماؤها بقسمين فيمرّ الغربيّ منه إلى بلاد السّودان مغرّبا حتّى يصبّ في البحر المحيط ويخرج الشّرقيّ منه ذاهبا إلى الشّمال على بلاد الحبشة والنّوبة وفيما بينهما وينقسم في أعلى أرض مصر فيصبّ ثلاثة من جداوله في البحر الرّوميّ عند الإسكندريّة ورشيد ودمياط ويصبّ واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتّصل بالبحر في وسط هذا الإقليم الأوّل وعلى هذا النّيل بلاد النّوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان وحاضرة بلاد النّوبة مدينة دنقلة وهي في غربيّ هذا النّيل وبعدها علوة وبلاق [١] وبعدهما جبل الجنادل على ستّة مراحل من بلاق في الشّمال وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة النّوبة فينفذ فيه النّيل ويصبّ في مهوى بعيد صبّا هائلا فلا يمكن أن تسلكه المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظّهر إلى بلد أسوان قاعدة الصّعيد إلى فوق الجنادل وبين الجنادل وأسوان اثنتا عشرة مرحلة والواحات في غربيّها عدوة النّيل وهي الآن خراب وبها آثار العمارة القديمة. وفي وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خطّ الاستواء ذاهبا إلى أرض النّوبة فيصبّ هناك في النّيل الهابط إلى مصر وقد وهم فيه كثير من النّاس وزعموا أنّه من نيل القمر وبطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا وذكر أنّه ليس من هذا النّيل. وإلى وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس ينتهي بحر الهند الّذي يدخل من ناحية الصّين ويغمر عامّة هذا الإقليم إلى هذا الجزء الخامس فلا يبقى فيه عمران إلّا ما كان في الجزائر الّتي في داخله وهي متعدّدة يقال تنتهي إلى ألف جزيرة أو فيما على سواحله من جهة الشّمال وليس منها في هذا الإقليم الأوّل إلّا طرف من بلاد الصّين في جهة الشّرق وفي بلاد اليمن. وفي الجزء السّادس من هذا الإقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهنديّ إلى جهة الشّمال وهما بحر قلزم

стр. 70

وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب وتشتمل على بلاد اليمن وبلاد الشّحر [١] في شرقيّها على ساحل هذا البحر الهنديّ وعلى بلاد الحجاز واليمامة وما إليهما كما نذكره في الإقليم الثّاني وما بعده فأمّا الّذي على ساحل هذا البحر من غربيّه فبلد زالع من أطراف بلاد الحبشة ومجالات البجّة [٢] في شماليّ الحبشة ما بين جبل العلّاقيّ في أعالي الصّعيد وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهنديّ وتحت بلاد زالع من جهة الشّمال في هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب المائل في وسط البحر الهنديّ ممتدّا مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشّمال في طول اثني عشر ميلا فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلاثة أميال أو نحوها ويسمّى باب المندب وعليه تمرّ مراكب اليمن إلى ساحل السّويس قريبا من مصر وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجّة من أمم السّودان كما ذكرناه ومن شرقيّه في هذا الجزء تهائم اليمن ومنها على ساحله بلد عليّ بن يعقوب وفي جهة الجنوب من بلد زالع وعلى ساحل هذا البحر من غربيّه قرى بربر يتلو بعضها بعضا وينعطف من جنوبيّه إلى آخر الجزء السّادس ويليها هنالك من جهة شرقيّها بلاد الزّنج ثمّ بلاد سفالة من ساحله الجنوبيّ بلاد الوقواق متّصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الإقليم عند مدخل هذا البحر من البحر المحيط. وأمّا جزائر هذا البحر فكثيرة. من أعظمها جزيرة سرنديب مدوّرة الشّكل. وبها الجبل المشهور يقال ليس في الأرض أعلى منه وهي قبالة سفالة. ثمّ جزيرة القمر وهي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة أرض سفالة وتذهب إلى الشّرق منحرفة بكثير إلى أن تقرب من سواحل أعالي الصّين ويحتفّ بها في هذا البحر من جنوبيّها جزائر الوقواق ومن شرقيّها جزائر السّيلان إلى جزائر أخر في هذا البحر كثيرة العدد وفيها أنواع الطّيب

стр. 71

والأفاويه وفيها يقال معادن الذّهب والزّمرّد وعامّة أهلها على دين المجوسيّة وفيهم ملوك متعدّدون وبهذه الجزائر من أحوال العمران عجائب ذكرها أهل الجغرافيا وعلى الصّفّة الشّماليّة من هذا البحر في الجزء السّادس من هذا الإقليم بلاد اليمن كلّها فمن جهة بحر القلزم بلد زبيد والمهجم وتهامة اليمن وبعدها بلد صعدة مقرّ الإمامة الزّيديّة وهي بعيدة عن البحر الجنوبيّ وعن البحر الشّرقيّ وفيما بعد ذلك مدينة عدن وفي شماليّها صنعاء وبعدهما إلى المشرق أرض الأحقاف وظفّار وبعدها أرض حضرموت ثمّ بلاد الشّحر ما بين البحر الجنوبيّ وبحر فارس. وهذه القطعة من الجزء السّادس هي الّتي انكشف عنها البحر من أجزاء هذا الإقليم الوسطى وينكشف بعدها قليل من الجزء التّاسع وأكثر منه من العاشر فيه أعالي بلاد الصّفين ومن مدنه الشّهيرة خانكو وقبالتها من جهة الشّرق جزائر السّيلان وقد تقدّم ذكرها وهذا آخر الكلام في الإقليم الأوّل والله وليّ التّوفيق بمنّه وفضله. الإقليم الثّاني: وهو متّصل بالأوّل من جهة الشّمال وقبالة المغرب منه في البحر المحيط جزيرتان من الجزائر الخالدات الّتي مرّ ذكرها وفي الجزء الأوّل والثّاني منه في الجانب الأعلى منهما أرض قنورية وبعدها في جهة الشّرق أعالي أرض غانة ثمّ مجالات زغاوة من السّودان وفي الجانب الأسفل منهما صحراء نستر متّصلة من الغرب إلى الشّرق ذات مفاوز تسلك فيها التّجّار ما بين بلاد المغرب وبلاد السّودان وفيها مجالات الملثّمين من صنهاجة وهم شعوب كثيرة ما بين كزولة ولمتونة ومسراتة ولمطة ووريكة وعلى سمت هذه المفاوز شرقا أرض فزّان ثمّ مجالات أزكار [١] من قبائل البربر ذاهبة إلى أعالي الجزء الثّالث على سمتها في الشّرق وبعدها من هذا الجزء الثّالث وهي جهة الشّمال منه بقيّة أرض وذّان وعلى سمتها شرقا أرض سنتريّة وتسمّى الواحات الدّاخلة وفي الجزء الرّابع من أعلاه

стр. 72

بقيّة أرض الباجويّين ثمّ يعترض في وسط هذا الجزء بلاد الصّعيد حافات النّيل الذّاهب من مبدئه في الإقليم الأوّل إلى مصبّه في البحر فيمرّ في هذا الجزء بين الجبلين الحاجزين وهما جبل الواحات من غربيّه وجبل المقطّم من شرقيّه وعليه من أعلاه بلد أسنا وأرمنت ويتّصل كذلك حافاته إلى أسيوط وقوص ثمّ إلى صول ويفترق النّيل هنالك على شعبين ينتهي الأيمن منهما في هذا الجزء عند اللّاهون والأيسر عند دلاص وفيما بينهما أعالي ديار مصر وفي الشّرق من جبل المقطّم صحارى عيذاب ذاهبة في الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحر السّويس وهو بحر القلزم الهابط من البحر الهنديّ في الجنوب إلى جهة الشّمال وفي عدوته الشّرقيّة من هذا الجزء أرض الحجاز من جبل يلملم إلى بلاد يثرب في وسط الحجاز مكّة شرّفها الله وفي ساحلها مدينة جدّة تقابل بلد عيذاب في العدوة الغربيّة من هذا البحر. وفي الجزء السّادس من غربيّه بلاد نجد أعلاها في الجنوب وتبالة وجرش إلى عكاظ من الشّمال وتحت نجد من هذا الجزء بقيّة أرض الحجاز وعلى سمتها في الشّرق بلاد نجران وخيبر وتحتها أرض اليمامة وعلى سمت نجران في الشّرق أرض سبإ ومأرب ثمّ أرض الشّحر وينتهي إلى بحر فارس وهو البحر الثّاني الهابط من البحر الهنديّ إلى الشّمال كما مرّ ويذهب في هذا الجزء بانحراف إلى الغرب فيمرّ ما بين شرقيّه وجوفيه قطعة مثلّثة عليها من أعلاه مدينة قلهات وهي ساحل الشّحر ثمّ تحتها على ساحله بلاد عمان. ثمّ بلاد البحرين وهجر منها في آخر الجزء وفي الجزء السّابع في الأعلى من غربيّه قطعة من بحر فارس تتّصل بالقطعة الأخرى في السّادس ويغمر بحر الهند جانبه الأعلى كلّه وعليه هنالك بلاد السّند إلى بلاد مكران ويقابلها بلاد الطّوبران وهي من السّند أيضا فيتّصل السّند كلّه في الجانب الغربيّ من هذا الجزء وتحول المفاوز بينه وبين أرض الهند ويمرّ فيه نهره الآتي من ناحية بلاد الهند ويصبّ في البحر الهنديّ في الجنوب وأوّل بلاد الهند على ساحل البحر الهنديّ وفي سمتها شرقا بلاد بلهرا وتحتها الملتان بلاد الصنم

стр. 73

المعظّم عندهم، ثمّ إلى أسفل من السّند، ثمّ إلى أعالي بلاد سجستان. وفي الجزء الثّامن من غربيّه بقيّة بلاد بلهرا من الهند، وعلى سمتها شرقا بلاد القندهار، ثمّ بلاد منيبار وفي الجانب الأعلى على ساحل البحر الهنديّ وتحتها في الجانب الأسفل أرض كابل وبعدها شرقا إلى البحر المحيط بلاد القنوج ما بين قشمير الدّاخلة وقشمير الخارجة عند آخر الإقليم وفي الجزء التّاسع ثمّ في الجانب الغربيّ منه بلاد الهند الأقصى ويتّصل فيه إلى الجانب الشّرقيّ فيتّصل من أعلاه إلى العاشر وتبقى في أسفل ذلك الجانب قطعة من بلاد الصّين فيها مدينة شيغون ثمّ تتّصل بلاد الصّين في الجزء العاشر كله إلى البحر المحيط والله ورسوله أعلم وبه سبحانه التّوفيق وهو وليّ الفضل والكرم. الإقليم الثّالث: وهو متّصل بالثّاني من جهة الشّمال ففي الجزء الأوّل منه وعلى نحو الثّلث من أعلاه جبل درن معترض فيه من غربيّه عند البحر المحيط إلى الشّرق عند آخره ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلّا خالقهم حسبما يأتي ذكره وفي القطعة الّتي بين هذا الجبل والإقليم الثّاني وعلى البحر المحيط منها رباط ماسة ويتّصل به شرقا بلاد سوس ونول وعلى سمتها شرقا بلاد درعة ثمّ بلاد سجلماسة ثمّ قطعة من صحراء نستر المفازة الّتي ذكرناها في الإقليم الثّاني وهذا الجبل مطلّ على هذه البلاد كلّها في هذا الجزء وهو قليل الثّنايا والمسالك في هذه النّاحية الغربيّة إلى أن يسامت وادي ملويّة فتكثر ثناياه ومسالكه إلى أن ينتهي وفي هذه النّاحية منه أمم المصامدة ثمّ هنتاتة ثمّ تين ملّل ثمّ كدميوه ثمّ مشكورة وهم آخر المصامدة فيه ثمّ قبائل صنهاكة وهم صنهاجة وفي آخر هذا الجزء منه بعض قبائل زناتة ويتّصل به هنالك من جوفيه جبل أوراس وهو جبل كتامة وبعد ذلك أمم أخرى من البرابرة نذكرهم في أماكنهم. ثمّ إنّ جبل درن هذا من جهة غربيّه مطلّ على بلاد المغرب الأقصى وهي في جوفيه ففي

стр. 74

النّاحية الجنوبيّة منها بلاد مراكش وأغمات وتادلّا [١] وعلى البحر المحيط منها رباط أسفى ومدينة سلا وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة وهذه هي الّتي تسمّى المغرب الأقصى في عرف أهلها وعلى ساحل البحر المحيط منها بلدان أصيلا والعرايش وفي سمت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب الأوسط وقاعدتها تلمسان وفي سواحلها على البحر الرّوميّ بلد هنين ووهران والجزائر لأنّ هذا البحر الرّوميّ يخرج من البحر المحيط من خليج طنجة في النّاحية الغربيّة من الإقليم الرّابع ويذهب مشرّقا فينتهي إلى بلاد الشّام فإذا خرج من الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوبا وشمالا فدخل في الإقليم الثّالث والخامس فلهذا كان على ساحله من هذا الإقليم الثّالث الكثير من بلاده ثمّ يتّصل ببلاد الجزائر من شرقيّها بلاد بجاية في ساحل البحر ثمّ قسطنطينيّة في الشّرق منها وفي آخر الجزء الأوّل وعلى مرحلة من هذا البحر في جنوبيّ هذه البلاد ومرتفعا إلى جنوب المغرب الأوسط بلد أشير ثمّ بلد المسيلة ثمّ الزّاب وقاعدته بسكرة تحت جبل أوراس المتّصل بدرن كما مرّ وذلك عند آخر هذا الجزء من جهة الشّرق والجزء الثّاني من هذا الإقليم على هيئة الجزء الأوّل ثمّ جبل درن على نحو الثّلث من جنوبه ذاهبا فيه من غرب إلى شرق فيقسمه بقطعتين ويغمر البحر الرّوميّ مسافة من شماله فالقطعة الجنوبيّة عن جبل درن غربيّها كلّه مفاوز وفي الشّرق منها بلد عذامس وفي سمتها شرقا أرض ودّان الّتي بقيّتها في الإقليم الثّاني كما مرّ والقطعة الجوفيّة عن جبل درن ما بينه وبين البحر الرّوميّ في الغرب منها جبل أوراس وتبسة والأوبس وعلى ساحل البحر بلد بونة ثمّ في سمت هذه البلاد شرقا بلاد إفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ثمّ السّوسة ثمّ المهديّة وفي جنوب هذه البلاد تحت جبل درن بلاد الجريد توزر وقفصة ونفزاوة وفيما بينها وبين السواحل مدينة القيروان وجبل وسلات وسبيطلة وعلى سمت هذه البلاد

стр. 75

كلّها شرقا بلد طرابلس على البحر الرّوميّ وبإزائها في الجنوب جبل دمّر ونقرة من قبائل هوارة متّصلة بجبل درن وفي مقابلة غذامس الّتي مرّ ذكرها في آخر القطعة الجنوبيّة وآخر هذا الجزء في الشّرق سويقة ابن مشكورة على البحر وفي جنوبها مجالات العرب في أرض ودّان وفي الجزء الثّالث من هذا الإقليم يمرّ أيضا فيه جبل درن إلّا أنّه ينعطف عند آخره إلى الشّمال ويذهب على سمته إلى أن يدخل في البحر الرّوميّ ويسمّى هنالك طرف أوثان والبحر الرّوميّ من شماليّه يغمر طائفة منه إلى أن يضايق ما بينه وبين جبل درن فالّذي وراء الجبل في الجنوب وفي الغرب منه بقيّة أرض ودّان. ومجالات العرب فيها ثمّ زويلة ابن خطّاب ثمّ رمال وقفار إلى آخر الجزء في الشّرق وفيما بين الجبل والبحر في الغرب منه بلد سرت على البحر ثمّ خلاء وقفار تجول فيها العرب ثمّ أجدابيّة ثمّ برقة عند منعطف الجبل ثمّ طلمسة على البحر هنالك ثمّ في شرق المنعطف من الجبل مجالات هيب ورواحة إلى آخر الجزء وفي الجزء الرّابع من هذا الإقليم وفي الأعلى من غربيّه صحارى برقيق وأسفل منها بلاد هيب ورواحة ثمّ يدخل البحر الرّوميّ في هذا الجزء فيغمر طائفة منه إلى الجنوب حتّى يزاحم طرفه الأعلى ويبقى بينه وبين آخر الجزء قفار تجول فيها العرب وعلى سمتها شرقا بلاد الفيّوم وهي على مصبّ أحدّ الشّعبين من النّيل [١] الّذي يمرّ على اللّاهون من بلاد الصّعيد في الجزء الرّابع من الإقليم الثّاني ويصبّ في بحيرة فيّوم [٢] وعلى سمته شرقا أرض مصر ومدينتها الشّهيرة على الشّعب الثّاني الّذي يمرّ بدلاص من بلاد الصّعيد عند آخر الجزء الثّاني ويفترق هذا الشّعب افتراقة ثانية من تحت مصر على شعبين آخرين من شطنوف وزفتي وينقسم الأيمن منهما من قرمط بشعبين آخرين ويصبّ
следующие страницы →