← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فخذ في التّرحّل عن تونس ... وودّع معالمها واذهب فسوف تكون بها فتنة ... تضيف البريء إلى المذنب ووقفت بالمغرب على ملحمة أخرى في دولة بني أبي حفص هؤلاء بتونس فيها بعد السّلطان أبي يحيى الشّهير عاشر ملوكهم ذكر محمّد أخيه من بعده يقول فيها: وبعد أبي عبد الإله شقيقه ... ويعرف بالوثّاب في نسخة الأصل إلّا أنّ هذا الرّجل لم يملكها بعد أخيه وكان يمنيّ بذلك نفسه إلى أن هلك ومن الملاحم في المغرب أيضا الملعّبة المنسوبة إلى الهوثنيّ [١] على لغة العامّة في عروض البلد: دعني بدمعي الهتان ... فترت الأمطار ولم تفتر واستقت كلها الويدان ... وانى تملى وتغدر البلاد كلّها تروي ... فأولى بها ميل ما تدري ما بين الصيف والشتوي ... والعام والربيع تجري قال حين صحّت الدعوى: ... دعني نبكي ومن عذر أنادي من ذي الأزمان ... ذا القرن اشتد وتمري وهي طويلة ومحفوظة بين عامّة المغرب الأقصى والغالب عليها الوضع لأنّه لم يصحّ منها قول إلّا على تأويل تحرّفه العامّة أو الحارف فيه من ينتحلها من الخاصّة ووقفت بالمشرق على ملحمة منسوبة لابن العربيّ الحاتميّ في كلام طويل شبه الألغاز لا يعلم تأويله إلّا الله لتحلّله إلى أوفاق عدديّة ورموز ملغوزة وأشكال حيوانات تامّة ورءوس مقطّعة وتماثيل من حيوانات غريبة. وفي آخرها قصيدة على رويّ اللّام والغالب أنّها كلّها غير صحيحة لأنّها لم تنشأ عن أصل علميّ

стр. 422

من نجامة ولا غيرها وسمعت أيضا أنّ هناك ملاحم أخرى منسوبة لابن سيناء وابن عقاب وليس في شيء منها دليل على الصّحّة لأنّ ذلك إنّما يؤخذ من القرانات ووقفت بالمشرق أيضا على ملحمة من حدثان دولة التّرك منسوبة إلى رجل من الصّوفيّة يسمّى الباجربقيّ وكلّها إلغاز بالحروف أوّلها. إن شئت تكسف سرّ الجفر يا سائلي ... من علم جفر وصيّ والد الحسن فافهم وكن واعيا حرفا وجملته ... والوصف فافهم كفعل الحاذق الفطن أمّا الّذي قبل عصري لست أذكره ... لكنّني أذكر الآتي من الزّمن بشهر بيبرس يبقى بعد خمستها ... بحاء ميم بطيش نام في الكنن شين له أثر من تحت سرّته ... له القضاء قضى أي ذلك المنن فمصر والشّام مع أرض العراق له ... وأذربيجان في ملك إلى اليمن ومنها: وآل بوران لما نال طاهرهم ... الفاتك الباتك المعنيّ بالسمن لخلع سين ضعيف السّن سين أتى ... لا لوفاق ونوت ذي قرن قوم شجاع له عقل ومشورة ... يبقى بحاء وأين بعد ذو سمن ومنها: من بعد باء من الأعوام قتلته ... يلي المشورة ميم الملك ذو اللسن ومنها: هذا هو الأعرج الكلبيّ فأعن به ... في عصره فتن ناهيك من فتن يأتي من الشرق في جيش يقدّمهم ... عار عن القاف قاف جدّ بالفتن بقتل دال ومثل الشام أجمعها ... أبدت بشجو على الأهلين والوطن إذا أتى زلزلت يا ويح مصر من ... الزلزال ما زال حاء غير مقتطن طاء وظاء وعين كلّهم حبسوا ... هلكا وينفق أموالا بلا ثمن

стр. 423

يسير القاف قافا عند جمعهم هوّن به إنّ ذاك الحصن في سكن وينصبون أخاه وهو صالحهم لا سلّم الألف سين لذاك بني تمّت ولايتهم بالحاء لا أحد من السنين يداني الملك في الزمن ويقال إنه أشار إلى الملك الظاهر وقدوم أبيه عليه بمصر: يأتي إليه أبوه بعد هجرته ... وطول غيبته والشّظف والرزن وأبياتها كثيرة والغالب أنّها موضوعة ومثل صنعتها كان في القديم كثير ومعروف الانتحال. حكى المؤرّخون لأخبار بغداد أنّه كان بها أيّام المقتدر ورّاق ذكيّ يعرف بالدّاناليّ [١] يبلّ الأوراق ويكتب فيها بخطّ عتيق يرمز فيه بحروف من أسماء أهل الدّولة ويشير بها إلى ما يعرف ميلهم إليه من أحوال الرّفعة والجاه كأنّها ملاحم ويحصل على ما يريده منهم من الدّنيا وإنّه وضع في بعض دفاتره ميما مكرّرة ثلاث مرّات وجاء به إلى مفلح مولى المقتدر. فقال له: هذا كناية عنك وهو مفلح مولى المقتدر وذكر عنه ما يرضاه ويناله من الدّولة ونصب لذلك علامات يموّه بها عليه فبذل له ما أغناه به ثمّ وضعه للوزير ابن القاسم بن وهب على مفلح هذا وكان معزولا فجاءه بأوراق مثلها وذكر اسم الوزير بمثل هذه الحروف وبعلامات ذكرها وأنّه يلي الوزارة للثّاني عشر من الخلفاء وتستقيم الأمور على يديه ويقهر الأعداء وتعمر الدّنيا في أيّامه وأوقف مفلحا هذا على الأوراق وذكر فيها كوائن أخرى وملاحم من هذا النّوع ممّا وقع وممّا لم يقع ونسب جميعه إلى دانيال فأعجب به مفلح. ووقف عليه المقتدر واهتدى من تلك الأمور والعلامات إلى ابن وهب وكان ذلك سببا لوزارته بمثل هذه الحيلة العريقة في الكذب والجهل بمثل هذه الألغاز والظّاهر أنّ هذه الملحمة الّتي ينسبونها إلى

стр. 424

الباجربقيّ من هذا النّوع. ولقد سألت أكمل الدّين ابن شيخ الحنفيّة من العجم بالدّيار المصريّة عن هذه الملحمة وعن هذا الرّجل الّذي تنسب إليه من الصّوفيّة وهو الباجربقيّ وكان عارفا بطرائقهم فقال كان من القلندريّة المبتدعة في حلق اللّحية وكان يتحدّث عمّا يكون بطريق الكشف ويومي إلى رجال معيّنين عنده ويلغز عليهم بحروف يعيّنها في ضمنها لمن يراه منهم وربّما يظهر نظم ذلك في أبيات قليلة كان يتعاهدها فتنوقلت عنه وولع النّاس بها وجعلوها ملحمة مرموزة وزاد فيها الخرّاصون من ذلك الجنس في كلّ عصر وشغل العامّة بفكّ رموزها وهو أمر ممتنع إذ الرّمز إنّما يهدي إلى كشفه قانون يعرف قبله ويوضع له وأمّا مثل هذه الحروف فدلالتها على المراد منها مخصوصة بهذا النّظم لا يتجاوزوه فرأيت من كلام هذا الرّجل الفاضل شفاء لما كان في النّفس من أمر هذه الملحمة «وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا الله ٧: ٤٣» والله أعلم وبه التّوفيق. الباب الرابع من الكتاب الأول في البلدان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق الفصل الأول في أن الدول من المدن والأمصار وأنها إنما توجد ثانية عن الملك وبيانه أنّ البناء واختطاط المنازل إنّما من منازع الحضارة الّتي يدعو إليها التّرف والدّعة كما قدّمناه وذلك متأخّر عن البداوة ومنازعها وأيضا فالمدن

стр. 425

والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير وهي موضوعة للعموم لا للخصوص فتحتاج إلى اجتماع الأيدي وكثرة التّعاون وليست من الأمور الضّروريّة للنّاس الّتي تعمّ بها البلوى حتّى يكون نزوعهم إليها اضطرارا بل لا بدّ من إكراههم على ذلك وسوقهم إليه مضطهدين بعصا الملك أو مرغّبين في الثّواب والأجر الّذي لا يفي بكثرته إلّا الملك والدّولة. فلا بدّ في تمصير الأمصار واختطاط المدن من الدّولة والملك. ثمّ إذا بنيت المدينة وكمل تشييدها بحسب نظر من شيّدها وبما اقتضته الأحوال السّماويّة والأرضيّة فيها فعمر الدّولة حينئذ عمر لها فإن كان عمر الدّولة قصيرا وقف الحل فيها عند انتهاء الدّولة وتراجع عمرانها وخربت وإن كان أمد الدّولة طويلا ومدّتها منفسحة فلا تزال المصانع فيها تشاد والمنازل الرّحيبة تكثر وتتعدّد ونطاق الأسواق يتباعد وينفسح إلى أن تتّسع الخطّة وتبعد المسافة وينفسح ذرع المساحة كما وقع ببغداد وأمثالها. ذكر الخطيب في تأريخه أنّ الحمّامات بلغ عددها ببغداد لعهد المأمون خمسة وستّين ألف حمّام وكانت مشتملة على مدن وأمصار متلاصقة ومتقاربة تجاوز الأربعين ولم تكن مدينة وحدها يجمعها سور واحد لإفراط العمران وكذا حال القيروان وقرطبة والمهديّة في الملّة الإسلاميّة وحال مصر القاهرة بعدها فيما بلغنا لهذا العهد وأمّا بعد انقراض الدّولة المشيّدة للمدينة فإمّا أن يكون لضواحي تلك المدينة وما قاربها من الجبال والبسائط بادية يمدّها العمران دائما فيكون ذلك حافظا لوجودها ويستمرّ عمرها بعد الدّولة كما تراه بفاس وبجاية من المغرب وبعراق العجم من المشرق الموجود لها العمران من الجبال لأنّ أهل البداوة إذا انتهت أحوالهم إلى غاياتها من الرّفه والكسب تدعو إلى الدّعة والسّكون الّذي في طبيعة البشر فينزلون المدن والأمصار ويتأهّلون وأمّا إذا لم يكن لتلك المدينة المؤسّسة مادّة تفيدها العمران بترادف السّاكن من بدوها فيكون انقراض الدّولة خرقا لسياجها فيزول حفظها ويتناقص عمرانها شيئا فشيئا إلى أن يبذعرّ [١]

стр. 426

ساكنها وتخرب كما وقع بمصر وبغداد والكوفة بالمشرق والقيروان والمهديّة وقلعة بني حمّاد بالمغرب وأمثالها فتفهّمه وربّما ينزل المدينة بعد انقراض مختطّيها الأوّلين ملك آخر ودولة ثانية يتّخذها قرارا وكرسيّا يستغني بها عن اختطاط مدينة ينزلها فتحفظ تلك الدّولة سياجها وتتزايد مبانيها ومصانعها بتزايد أحوال الدّولة الثّانية وترفها وتستجدّ بعمرانها عمرا آخر كما وقع بفاس والقاهرة لهذا العهد والله أعلم وبه التّوفيق. الفصل الثاني في أن الملك يدعو إلى نزول الأمصار وذلك أن القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطرّوا للاستيلاء على الأمصار لأمرين أحدهما ما يدعو إليه الملك من الدّعة والرّاحة وحطّ الأثقال واستكمال ما كان ناقصا من أمور العمران في البدو والثّاني دفع ما يتوقّع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين لأنّ المصر الّذي يكون في نواحيهم ربّما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الّذي سموا إليه من أيديهم فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم ومغالبة المصر على نهاية من الصّعوبة والمشقّة والمصر يقوم مقام العساكر المتعدّدة لما فيه من الامتناع ونكاية [١] الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة لأنّ الشّوكة والعصابة إنّما احتيج إليهما في الحرب للثّبات لما يقع من بعد كرّة القوم بعضهم على بعض عند الجولة وثبات هؤلاء بالجدران فلا يضطرّون إلى كبير عصابة ولا عدد فيكون حال هذا الحصن ومن يعتصم به من المنازعين ممّا يفتّ في عضد [٢] الأمّة الّتي تروم الاستيلاء ويخضد شوكة استيلائها فإذا كانت بين

стр. 427

أجنابهم أمصار انتظموها في استيلائهم للأمن من مثل هذا الانخرام وإن لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أوّلا وحطّ أثقالهم وليكون شجا في حلق من يروم العزّة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم فتعيّن أنّ الملك يدعو إلى نزول الأمصار والاستيلاء عليها والله أعلم وبه التّوفيق لا ربّ سواه. الفصل الثالث في أن المدن العظيمة والهياكل المرتفعة إنما يشيدها الملك الكثير قد قدّمنا ذلك في آثار الدّولة من المباني وغيرها وأنّها تكون على نسبتها وذلك أنّ تشييد المدن إنّما يحصل باجتماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم فإذا كانت الدّولة عظيمة متّسعة الممالك حشر الفعلة من أقطارها وجمعت أيديهم على عملها وربّما استعين في ذلك في أكثر الأمر بالهندام الّذي يضاعف القويّ والقدر في حمل أثقال البناء لعجز القوّة البشريّة وضعفها عن ذلك كالمخّال [١] وغيره وربّما يتوهّم كثير من النّاس إذا نظر إلى آثار الأقدمين ومصانعهم العظيمة مثل إيوان كسرى وأهرام مصر وحنايا المعلّقة وشرشال بالمغرب إنّما كانت بقدرهم متفرّقين أو مجتمعين فيتخيّل لهم أجساما تناسب ذلك أعظم من هذه بكثير في طولها وقدرها لتناسب بينها وبين القدر الّتي صدرت تلك المباني عنها ويغفل عن شأن الهندام والمخّال وما اقتضته في ذلك الصّناعة الهندسيّة وكثير من المتغلّبين في البلاد يعاين في شأن البناء واستعمال الحيل في نقل الأجرام عند أهل الدّولة المعتنين بذلك من العجم ما يشهد له بما قلناه عيانا وأكثر آثار الأقدمين لهذا العهد تسمّيها

стр. 428

العامّة عاديّة نسبة إلى قوم عاد لتوهّمهم أنّ مباني عاد ومصانعهم إنّما عظمت لعظم أجسامهم وتضاعف قدرهم. وليس كذلك، فقد نجد آثارا كثيرة من آثار الّذين تعرف مقادير أجسامهم من الأمم وهي في مثل ذلك العظم أو أعظم كإيوان كسرى ومباني العبيديّين من الشّيعة بإفريقيّة والصّنهاجيّين وأثرهم باد إلى اليوم في صومعة قلعة بني حمّاد وكذلك بناء الأغالبة في جامع القيروان وبناء الموحّدين في رباط الفتح ورباط السّلطان أبي سعيد لعهد أربعين سنة في المنصورة بإزاء تلمسان وكذلك الحنايا الّتي جلب إليها أهل قرطاجنّة الماء في القناة الرّاكبة عليها ماثلة لهذا العهد وغير ذلك من المباني والهياكل الّتي نقلت إلينا أخبار أهلها قريبا وبعيدا وتيقّنا أنّهم لم يكونوا بإفراط في مقادير أجسامهم وإنّما هذا رأي ولع به القصّاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة. ونجد بيوت ثمود في الحجر منحوتة إلى هذا العهد وقد ثبت في الحديث الصّحيح أنّها بيوتهم يمرّ بها الرّكب الحجازيّ أكثر السّنين ويشاهدونها لا تزيد في جوّها ومساحتها وسمكها على المتعاهد وإنّهم ليبالغون فيما يعتقدون من ذلك حتّى إنّهم ليزعمون أنّ عوج بن عناق من جيل العمالقة كان يتناول السّمك من البحر طريئا فيشويه في الشّمس يزعمون بذلك أنّ الشّمس حارّة فيما قرب منها ولا يعلمون أنّ الحرّ فيما لدينا هو الضّوء لانعكاس الشّعاع بمقابلة سطح الأرض والهواء وأمّا الشّمس في نفسها فغير حارّة ولا باردة وإنّما هي كوكب مضيء لا مزاج له وقد تقدّم شيء من هذا في الفصل الثّاني حيث ذكرنا أنّ آثار الدّولة على نسبة قوّتها في أصلها. والله يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد .

стр. 429

الفصل الرابع في أن الهياكل العظيمة جدا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة والسّبب في ذلك ما ذكرناه من حاجة البناء إلى التّعاون ومضاعفة القدر البشريّة وقد تكون المباني في عظمها أكثر من القدر مفردة أو مضاعفة بالهندام كما قلناه فيحتاج إلى معاودة قدر أخرى مثلها في أزمنة متعاقبة إلى أن تتمّ. فيبتدئ الأوّل منهم بالبناء، ويعقبه الثّاني والثّالث، وكلّ واحد منهم قد استكمل شأنه في حشر الفعلة وجمع الأيدي حتّى يتمّ القصد من ذلك ويكمل ويكون ماثلا للعيان يظنّه من يراه من الآخرين أنّه بناء دولة واحدة. وانظر في ذلك ما نقله المؤرّخون في بناء سدّ مأرب وأنّ الّذي بناه سبأ بن يشجب وساق إليه سبعين واديا وعاقه الموت عن إتمامه فأتمّه ملوك حمير من بعده ومثل هذا ما نقل في بناء قرطاجنّة وقناتها الرّاكبة على الحنايا العاديّة وأكثر المباني العظيمة في الغالب هذا شأنها ويشهد لذلك أنّ المباني العظيمة لعهدنا نجد الملك الواحد يشرع في اختطاطها وتأسيسها فإذا لم يتبع أثره من بعده من الملوك في إتمامها بقيت بحالها ولم يكمل القصد فيها. ويشهد لذلك أيضا أنّا نجد آثارا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدّول عن هدمها وتخريبها مع أنّ الهدم أيسر من البناء بكثير لأنّ الهدم رجوع إلى الأصل الّذي هو العدم والبناء على خلاف الأصل. فإذا وجدنا بناء تضعف قوّتنا البشريّة عن هدمه مع سهولة الهدم علمنا أنّ القدرة الّتي أسّسته مفرطة القوّة وأنّها ليست أثر دولة واحدة وهذا مثل ما وقع للعرب في إيوان كسرى لمّا اعتزم الرّشيد على هدمه وبعث إلى يحيى بن خالد وهو في محبسه يستشيره في ذلك فقال يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلا يستدلّ به

стр. 430

على عظم ملك آبائك الّذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل فاتّهمه في النّصيحة وقال أخذته النّعرة للعجم والله لأصرعنّه وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه واتّخذ له الفؤوس وحماه بالنّار وصبّ عليه الخلّ حتّى إذا أدركه العجز بعد ذلك كلّه وخاف الفضيحة بعث إلى يحيى يستشيره ثانيا في التّجافي عن الهدم فقال لا تفعل واستمرّ على ذلك لئلّا يقال عجز أمير المؤمنين وملك العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم فعرفها الرّشيد وأقصر عن هدمه وكذلك اتّفق للمأمون في هدم الأهرام الّتي بمصر وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل وشرعوا في نقبه فانتهوا إلى جوّ بين الحائط والظّاهر وما بعده من الحيطان وهنالك كان منتهى هدمهم وهو إلى اليوم فيما يقال منفذ ظاهر ويزعم الزّاعمون أنّه وجد ركازا بين تلك الحيطان والله أعلم. وكذلك حنايا المعلّقة إلى هذا العهد تحتاج أهل مدينة تونس إلى انتخاب الحجارة لبنائهم وتستجيد الصّنّاع حجارة تلك الحنايا فيحاولون على هدمها الأيّام العديدة ولا يسقط الصّغير من جدرانها إلّا بعد عصب الرّيق وتجتمع له المحافل المشهورة شهدت منها في أيّام صباي كثيرا «وَالله خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ٣٧: ٩٦» . الفصل الخامس فيما تجب مراعاته في أوضاع المدن وما يحدث إذا غفل عن المراعاة اعلم أنّ المدن قرار يتّخذه الأمم عند حصول الغاية المطلوبة من التّرف ودواعيه فتؤثر الدّعة والسّكون وتتوجّه إلى اتّخاذ المنازل للقرار ولمّا كان ذلك القرار والمأوى وجب أن يراعى فيه دفع المضارّ بالحماية من طوارقها وجلب المنافع وتسهيل المرافق لها فأمّا الحماية من المضارّ فيراعى لها أن يدار على

стр. 431

منازلها جميعا سياج الأسوار وأن يكون وضع ذلك في متمنّع من الأمكنة إمّا على هضبة متوعّرة من الجبل وإمّا باستدارة بحر أو نهر بها حتّى لا يوصل إليها إلّا بعد العبور على جسر أو قنطرة فيصعب منالها على العدوّ ويتضاعف امتناعها وحصنها. وممّا يراعى في ذلك للحماية من الآفات السّماويّة طيب الهواء للسّلامة من الأمراض. فإنّ الهواء إذا كان راكدا خبيثا أو مجاورا للمياه الفاسدة أو منافع [١] متعفّنة أو مروج خبيثة أسرع إليها العفن من مجاورتها فأسرع المرض للحيوان الكائن فيه لا محالة وهذا مشاهد. والمدن الّتي لم يراع فيها طيب الهواء كثيرة الأمراض في الغالب. وقد اشتهر بذلك في قطر المغرب بلد قابس من بلاد الجريد بإفريقيّة فلا يكاد ساكنها أو طارقها يخلص من حمّى العفن بوجه. ولقد يقال إنّ ذلك حادث فيها ولم تكن كذلك من قبل ونقل البكريّ في سبب حدوثه أنّه وقع فيها حفر ظهر فيه إناء من نحاس مختوم بالرّصاص. فلمّا فضّ ختامه صعد منه دخان إلى الجوّ وانقطع. وكان ذلك مبدأ أمراض الحميّات فيه وأراد بذلك أنّ الإناء كان مشتملا على بعض أعمال الطّلسمات لوبائه وأنّه ذهب سرّه بذهابه فرجع إليها العفن والوباء. وهذه الحكاية من مذاهب العامّة ومباحثهم الرّكيكة والبكريّ لم يكن من نباهة العلم واستنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو يتبيّن خرفه فنقله كما سمعه. والّذي يكشف لك الحقّ في ذلك أنّ هذه الأهوية العفنة أكثر ما يهيّئها لتعفين الأجسام وأمراض الحميّات ركودها. فإذا تخلّلتها الرّيح وتفشّت وذهبت بها يمينا وشمالا خفّ شأن العفن والمرض البادي منها للحيوانات. والبلد إذا كان كثير السّاكن وكثرت حركات أهله فيتموّج الهواء ضرورة وتحدث الرّيح المتخلّلة للهواء الرّاكد ويكون ذلك معينا له على الحركة والتّموّج وإذا خفّ السّاكن لم يجد الهواء معينا على حركته وتموّجه وبقي ساكنا راكدا وعظم عفنه وكثر ضرره. وبلد قابس هذه كانت عند ما كانت إفريقية

стр. 432

مستجدّة العمران كثيرة السّاكن تموج بأهلها موجا فكان ذلك معينا على تموّج الهواء واضطرابه وتخفيف الأذى منه فلم يكن فيها كثير عفن ولا مرض وعند ما خفّ ساكنها ركد هواؤها المتعفّن بفساد مياهها فكثير العفن والمرض. فهذا وجهه لا غير. وقد رأينا عكس ذلك في بلاد وضعت ولم يراع فيها طيب الهواء وكانت أوّلا قليلة السّاكن فكانت أمراضها كثيرة فلمّا كثر سكّانها انتقل حالها عن ذلك وهذا مثل دار الملك بفاس لهذا العهد المسمّى بالبلد الجديد وكثير من ذلك في العالم فتفهّمه تجد ما قلته لك. وأمّا جلب المنافع والمرافق للبلد فيراعى فيه أمور منها الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائها عيون عذبة ثرّة فإنّ وجود الماء قريبا من البلد يسهّل على السّاكن حاجة الماء وهي ضروريّة فيكون لهم في وجوده مرفقة عظيمة عامّة. وممّا يراعى من المرافق في المدن طيب المراعي لسائمتهم إذ صاحب كلّ قرار لا بدّ له من دواجن الحيوان للنّتاج والضّرع والرّكوب ولا بدّ لها من المرعى فإذا كان قريبا طيّبا كان ذلك أرفق بحالهم لما يعانون من المشقّة في بعده وممّا يراعى أيضا المزارع فإنّ الزّروع هي الأقوات. فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها كان ذلك أسهل في اتّخاذه وأقرب في تحصيله ومن ذلك الشّجر للحطب والبناء فإنّ الحطب ممّا تعمّ البلوى في اتّخاذه لوقود النّيران للاصطلاء والطّبخ. والخشب أيضا ضروريّ لسقفهم وكثير ممّا يستعمل فيه الخشب من ضروريّاتهم وقد يراعى أيضا قربها من البحر لتسهيل الحاجات القاصية من البلاد النّائية إلّا أنّ ذلك ليس بمثابة الأوّل وهذه كلّها متفاوتة بتفاوت الحاجات وما تدعو إليه ضرورة السّاكن. وقد يكون الواضع غافلا عن حسن الاختيار الطّبيعيّ أو إنّما يراعي ما هو أهمّ على نفسه وقومه، ولا يذكر حاجة غيرهم كما فعله العرب لأوّل الإسلام في المدن الّتي اختطّوها بالعراق وإفريقية فإنّهم لم يراعوا فيها إلّا الأهمّ عندهم من مراعي الإبل وما يصلح لها من الشّجر والماء الملح ولم يراعوا الماء ولا المزارع ولا الحطب ولا مراعي السّائمة من ذوات الظّلف ولا غير ذلك

стр. 433

كالقيروان والكوفة والبصرة وأمثالها ولهذا كانت أقرب إلى الخراب ما لم تراع فيها الأمور الطّبيعيّة. وممّا يراعى في البلاد السّاحليّة الّتي على البحر أن تكون في جبل أو تكون بين أمّة من الأمم موفورة العدد تكون صريخا للمدينة متى طرقها طارق من العدوّ والسّبب في ذلك أنّ المدينة إذا كانت حاضرة البحر ولم يكن بساحتها عمران للقبائل أهل العصبيّات ولا موضعها متوعّر من الجبل كانت في غرّة للبيات وسهل طروقها في الأساطيل البحريّة على عدوّها وتحيّفه لها لما يأمن من وجود الصّريخ لها. وأنّ الحضر المتعوّدين للدّعة قد صاروا عيالا وخرجوا عن حكم المقاتلة. وهذه كالإسكندريّة من المشرق وطرابلس من المغرب وبونة وسلا. ومتى كانت القبائل والعصائب موطّنين بقربها بحيث يبلغهم الصّريخ والنّعير وكانت متوعّرة المسالك على من يرومها باختطاطها في هضاب الجبال وعلى أسنمتها كان لها بذلك منعة من العدوّ ويئسوا من طروقها لما يكابدونه من وعرها وما يتوقّعونه من إجابة صريخها كما في سبتة وبجاية وبلد القلّ على صغرها فافهم ذلك واعتبره في اختصاص الإسكندريّة باسم الثّغر من لدن الدّولة العبّاسيّة مع أنّ الدّعوة من ورائها ببرقة وإفريقية. وإنّما اعتبر في ذلك المخافة المتوقّعة فيها من البحر لسهولة وضعها ولذلك والله أعلم كان طروق العدوّ للاسكندريّة وطرابلس في الملّة مرّات متعدّدة والله تعالى أعلم. الفصل السادس في المساجد والبيوت العظيمة في العالم اعلم أنّ الله فضّل من الأرض بقاعا اختصّها بتشريفه وجعلها مواطن لعبادته يضاعف فيها الثّواب وينمو بها الأجور وأخبرنا بذلك على ألسن

стр. 434

رسله وأنبيائه لطفا بعباده وتسهيلا لطرق السّعادة لهم. وكانت المساجد الثّلاثة هي أفضل بقاع الأرض حسبما ثبت في الصّحيحين وهي مكّة والمدينة وبيت المقدس. أمّا البيت الحرام الّذي بمكّة فهو بيت إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. أمره الله ببنائه وأن يؤذن في النّاس بالحجّ إليه فبناه هو وابنه إسماعيل كما نصّه القرآن وقام بما أمره الله فيه وسكن إسماعيل به مع هاجر ومن نزل معهم من جرهم إلى أن قبضهما الله ودفنا بالحجر [١] منه. وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉. أمرهما الله ببناء مسجده ونصب هياكله ودفن كثير من الأنبياء من ولد إسحاق ﵇ حواليه. والمدينة مهاجر نبيّنا محمّد صلوات الله وسلامه عليه أمره الله تعالى بالهجرة إليها وإقامة دين الإسلام بها فبنى مسجده الحرام بها وكان ملحده الشّريف في تربتها فهذه المساجد الثّلاثة قرّة عين المسلمين ومهوى أفئدتهم وعظمة دينهم وفي الآثار من فضلها ومضاعفة الثّواب في مجاورتها والصّلاة فيها كثير معروف فلنشر إلى شيء من الخبر عن أوّليّة هذه المساجد الثّلاثة وكيف تدرّجت أحوالها إلى أن كمل ظهورها في العالم. فأمّا مكّة فأوّليّتها فيما يقال أنّ آدم صلوات الله عليه بناها قبالة البيت المعمور ثمّ هدمها الطّوفان بعد ذلك وليس فيه خبر صحيح يعوّل عليه. وإنّما اقتبسوه من محمل الآية في قوله «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ من الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ٢: ١٢٧» ثمّ بعث الله إبراهيم وكان من شأنه وشأن زوجته سارة وغيرتها من هاجر ما هو معروف وأوحى الله إليه أن يترك ابنه إسماعيل وأمّه هاجر بالفلاة فوضعهما في مكان البيت وسار عنهما وكيف جعل الله لهما من اللّطف في نبع ماء زمزم ومرور الرّفقة من جرهم بها حتّى احتملوهما وسكنوا إليهما ونزلوا معهما حوالي زمزم كما عرف في موضعه فاتّخذ إسماعيل بموضع الكعبة بيتا يأوي إليه وأدار عليه سياجا من الرّدم وجعله زربا [٢] لغنمه وجاء إبراهيم صلوات الله عليه مرارا لزيارته من الشّام

стр. 435

أمر في آخرها ببناء الكعبة مكان ذلك الزّرب فبناه واستعان فيه بابنه إسماعيل ودعا النّاس إلى حجّه وبقي إسماعيل ساكنا به ولمّا قبضت أمّه هاجر وقام بنوه من بعده بأمر البيت مع أخوالهم من جرهم ثمّ العماليق من بعدهم واستمرّ الحال على ذلك والنّاس يهرعون إليها من كلّ أفق من جميع أهل الخليقة لا من بني إسماعيل ولا من غيرهم ممّن دنا أو نأى فقد نقل أنّ التّبابعة كانت تحجّ البيت وتعظّمه وأنّ تبّعا كساها الملاء والوصائل وأمر بتطهيرها وجعل لها مفتاحا. ونقل أيضا أنّ الفرس كانت تحجّه وتقرّب إليه وأنّ غزالي الذّهب اللّذين وجدهما عبد المطّلب حين احتفر زمزم كانا من قرابينهم. ولم يزلّ لجرهم الولاية عليه من بعد ولد إسماعيل من قبل خؤولتهم حتّى إذا خرجت خزاعة وأقاموا بها بعدهم ما شاء الله. ثمّ كثر ولد إسماعيل وانتشروا وتشعّبوا إلى كنانة ثمّ كنانة إلى قريش وغيرهم وساءت ولاية خزاعة فغلبتهم قريش على أمره وأخرجوهم من البيت وملّكوا عليهم يومئذ قصيّ بن كلاب فبنى البيت وسقفه بخشب الدّوم وجريد النّخل وقال الأعشى: خلفت بثوبي راهب الدّور والّتي ... بناها قصيّ والمضاض بن جرهم ثمّ أصاب البيت سيل ويقال حريق وتهدّم وأعادوا بناءه وجمعوا النّفقة لذلك من أموالهم وانكسرت سفينة بساحل جدّة فاشتروا خشبها للسّقف وكانت جدرانه فوق القامة فجعلوها ثماني عشرة ذراعا وكان الباب لاصقا بالأرض فجعلوه فوق القامة لئلّا تدخله السّيول وقصّرت بهم النّفقة عن إتمامه فقصّروا عن قواعده وتركوا منه ستّ أذرع وشبرا أداروها بجدار قصير يطاف من ورائه وهو الحجر وبقي البيت على هذا البناء إلى أن تحصّن ابن الزّبير بمكّة حين دعا لنفسه وزحفت إليه جيوش يزيد بن معاوية مع الحصين بن نمير السّكونيّ. ورمى البيت سنة أربع وستّين فأصابه حريق، يقال من النّفط الّذي رموا به على ابن الزّبير فتصدّعت حيطانه فهدمه ابن الزّبير فأعاد بناءه أحسن ممّا كان بعد أن اختلفت عليه

стр. 436

الصّحابة في بنائه. واحتجّ عليهم بقول رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: «لولا قومك حديثو عهد بكفر لرددت البيت على قواعد إبراهيم ولجعلت له بابين شرقيّا وغربيّا» فهدمه وكشف عن أساس إبراهيم ﵇ وجمع الوجوه والأكابر حتّى عاينوه وأشار عليه ابن عبّاس بالتّحري في حفظ القبلة على النّاس فأدار على الأساس الخشب ونصب من فوقها الأستار [١] حفظا للقبلة وبعث إلى صنعاء في الفضّة [٢] والكلس فحملها. وسأل عن مقطع الحجارة الأوّل فجمع منها ما احتاج إليه ثمّ شرع في البناء على أساس إبراهيم ﵇ ورفع جدرانها سبعا وعشرين ذراعا وجعل لها بابين لاصقين بالأرض كما روى في حديثه وجعل فرشها وإزرها بالرّخام وصاغ لها المفاتيح وصفائح الأبواب من الذّهب. ثمّ جاء الحجّاج لحصاره أيّام عبد الملك ورمى على المسجد بالمنجنيقات إلى أن تصدّعت حيطانها. ثمّ لمّا ظفر بابن الزّبير شاور عبد الملك فيما بناه وزاده في البيت فأمره بهدمه وردّ البيت على قواعد قريش كما هي اليوم. ويقال: إنّه ندم على ذلك حين علم صحّة رواية ابن الزّبير لحديث عائشة، وقال: «وددت أنّي كنت حمّلت أبا حبيب في أمر البيت وبنائه ما تحمّل» فهدم الحجّاج منها ستّ أذرع وشبرا مكان الحجر وبناها على أساس قريش وسدّ الباب الغربيّ وما تحت عتبة بابها اليوم من الباب الشّرقيّ. وترك سائرها لم يغيّر منه شيئا فكلّ البناء الّذي فيه اليوم بناء ابن الزّبير وبناء الحجّاج في الحائط صلة ظاهرة للعيان لحمة ظاهرة بين البناءين. والبناء متميّز عن البناء بمقدار إصبع شبه الصّدع وقد لحم. ويعرض هاهنا إشكال قويّ لمنافاته لما يقوله الفقهاء في أمر الطّواف ويحذّر الطّائف أن يميل على الشّاذروان الدّائر على أساس الجدر من أسفلها فيقع طوافه داخل البيت بناء على أنّ الجدر إنّما قامت على بعض الأساس وترك بعضه وهو مكان الشّاذروان وكذا قالوا في تقبيل الحجر الأسود لا بدّ من رجوع الطّائف من

стр. 437

التّقبيل حتّى يستوي قائما لئلّا يقع بعض طوافه داخل البيت وإذا كانت الجدران كلّها من بناء ابن الزّبير وهو إنّما بني على أساس إبراهيم فكيف يقع هذا الّذي قالوه ولا مخلص من هذا إلّا بأحد أمرين أحدهما أن يكون الحجّاج هدم جميعه وأعاده وقد نقل ذلك جماعة إلّا أنّ العيان في شواهد البناء بالتحام ما بين البناءين وتمييز أحد الشّقّين من أعلاه على الآخر في الصّناعة يردّ ذلك وإمّا أن يكون ابن الزّبير لم يردّ البيت على أساس إبراهيم مع جميع جهاته وإنّما فعل ذلك في الحجر فقط ليدخله فهي الآن مع كونها من بناء ابن الزّبير ليست على قواعد إبراهيم وهذا بعيد ولا محيص من هذين والله تعالى أعلم. ثمّ إنّ مساحة البيت وهو المسجد كان فضاء للطّائفين ولم يكن عليه جدر أيّام النّبيّ ﷺ وأبي بكر من بعده. ثمّ كثر النّاس فاشترى عمر ﵁ دورا هدمها وزادها في المسجد وأدار عليها جدارا دون القامة وفعل مثل ذلك عثمان ثمّ ابن الزّبير ثمّ الوليد بن عبد الملك وبناه بعمد الرّخام ثمّ زاد فيه المنصور وابنه المهديّ من بعده ووقفت الزّيادة واستقرّت على ذلك لعهدنا. وتشريف الله لهذا البيت وعنايته به أكثر [١] من أن يحاط به وكفى بذلك أن جعله مهبطا للوحي والملائكة ومكانا للعبادة وفرض شرائع الحجّ ومناسكه وأوجب لحرمة من سائر نواحيه من حقوق التّعظيم والحقّ ما لم يوجبه لغيره فمنع كلّ من خالف دين الإسلام من دخول ذلك الحرم وأوجب على داخله أن يتجرّد من المخيط إلّا إزارا يستره وحمى العائذ به والرّاتع في مسارحه من مواقع الآفات فلا يرام فيه خائف ولا يصاد له وحش ولا يحتطب له شجر. وحدّ الحرم الّذي يختصّ بهذه الحرمة من طريق المدينة ثلاثة أميال إلى التّنعيم [٢] ومن طريق العراق سبعة أميال إلى الثّنيّة من جبل المنقطع ومن طريق الطّائف سبعة أميال إلى بطن نمرة ومن طريق جدّة سبعة أميال إلى منقطع العشائر. هذا شأن مكّة

стр. 438

وخبرها وتسمّى أمّ القرى وتسمّى الكعبة لعلوّها من اسم الكعب. ويقال لها أيضا بكّة قال الأصمعيّ: لأنّ النّاس يبكّ بعضهم بعضا إليها أي يدفع وقال مجاهد باء بكّة أبدلوها ميما كما قالوا لازب ولازم لقرب المخرجين. وقال النّخعيّ بالباء وبالميم البلد وقال الزّهريّ بالباء للمسجد كلّه وبالميم للحرم وقد كانت الأمم منذ عهد الجاهليّة تعظّمه والملوك تبعث إليه بالأموال والذّخائر مثل كسرى وغيره وقصّة الأسياف وغزالي الذّهب اللّذين وجدهما عبد المطّلب حين احتفر زمزم معروفة وقد وجد رسول الله ﷺ حين افتتح مكّة في الجبّ الّذي كان فيها سبعين ألف أوقيّة من الذّهب ممّا كان الملوك يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكرّرة مرّتين بمائتي قنطار وزنا وقال له عليّ بن أبي طالب ﵁: «يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك» فلم يفعل. ثمّ ذكر لأبي بكر فلم يحرّكه. هكذا قال الأزرقيّ. وفي البخاريّ يسنده إلى أبي وائل قال: جلست إلى شيبة بن عثمان وقال جلس إليّ عمر بن الخطّاب فقال: «هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلّا قسمتها بين المسلمين» قلت: ما أنت بفاعل؟ قال: ولم؟ قلت: فلم يفعله صاحباك فقال هما اللّذان يقتدى بهما. وخرّجه أبو داود وابن ماجة وأقام ذلك المال إلى أن كانت فتنة الأفطس وهو الحسن بن الحسين [١] بن عليّ بن عليّ زين العابدين سنة تسع وتسعين ومائة حين غلب مكّة عمد إلى الكعبة فأخذ ما في خزائنها وقال ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا فيها لا ينتفع به نحن أحقّ به نستعين به على حربنا وأخرجه وتصرّف فيه وبطلت الذّخيرة من الكعبة من يومئذ. (وأما بيت المقدس) وهو المسجد الأقصى فكان أوّل أمره أيّام الصّابئة موضع الزّهرة وكانوا يقرّبون إليه الزّيت فيما يقرّبونه يصبّونه على الصّخرة الّتي هناك ثمّ دثر ذلك الهيكل واتّخذها بنو إسرائيل حين ملكوها قبلة لصلاتهم. وذلك أنّ موسى صلوات الله عليه لمّا خرج

стр. 439

ببني إسرائيل من مصر لتمليكهم [١] بيت المقدس كما وعد الله أباهم إسرائيل وأباه إسحاق من قبله وأقاموا بأرض التّيه أمره الله باتّخاذ قبّة من خشب السّنط عيّن بالوحي مقدارها وصفتها وهياكلها وتماثيلها وأن يكون فيها التّابوت ومائدة بصحافها ومنارة بقناديلها وأن يصنع مذبحا للقربان وصف ذلك كلّه في التّوراة أكمل وصف فصنع القبّة ووضع فيها تابوت العهد وهو التّابوت الّذي فيه الألواح المصنوعة عوضا عن الألواح المنزلة بالكلمات العشر لمّا تكسّرت ووضع المذبح عندها. وعهد الله إلى موسى بأن يكون هارون صاحب القربان ونصبوا تلك القبّة بين خيامهم في التّيه يصلّون إليها ويتقرّبون في المذبح أمامها ويتعرّضون [٢] للوحي عندها. ولمّا ملكوا أرض الشام أنزلوها (بكلكال) من بلاد الأرض المقدّسة ما بين قسم بني يامين وبني أفراييم. وبقيت هنالك أربع عشرة سنة: سبعا مدّة الحرب، وسبعا بعد الفتح أيّام قسمة البلاد. ولمّا توفي يوشع ﵇ نقلوها إلى بلد شيلو قريبا من كلكال، وأداروا عليها الحيطان. وأقامت على ذلك ثلاثمائة سنة، حتى ملكها بنو فلسطين من أيديهم كما مرّ، وتغلبوا عليهم. ثمّ ردّوا عليهم القبّة ونقلوها بعد وفاة عالي الكوهن إلى نوف. ثمّ نقلت أيام طالوت إلى كنعون في بلاد بني يامين. ولمّا ملك داود ﵇ نقل القبة والتّابوت إلى بيت المقدس وجعل عليها خباء خاصّا ووضعها على الصّخرة ... وبقيت تلك القبّة قبلتهم ووضعوها على الصّخرة ببيت المقدس وأراد داود ﵇ بناء مسجده على الصّخرة مكانها فلم يتمّ له ذلك وعهد به إلى ابنه سليمان فبناه لأربع سنين من ملكه ولخمسمائة سنة من وفاة موسى ﵇. واتّخذ عمده من الصّفر وجعل به صرح الزّجاج وغشّى أبوابه وحيطانه بالذّهب

стр. 440

وصاغ هياكله وتماثيله وأوعيته ومنارته ومفتاحه من الذّهب وجعل في ظهره قبرا ليضع [١] فيه تابوت العهد وهو التّابوت الّذي فيه الألواح وجاء به من صهيون بلد أبيه داود نقله إليها أيّام عمارة المسجد، فجيء به تحمله الأسباط والكهنوتيّة حتّى وضعه في القبر ووضعت القبّة والأوعية والمذبح كلّ واحد حيث أعدّ له من المسجد. وأقام كذلك ما شاء الله. ثمّ خرّبه بخت نصّر بعد ثمانمائة سنة من بنائه وأحرق التّوراة والعصا وصاغ الهياكل ونثر الأحجار. ثمّ لمّا أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز نبيّ بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الّذي كانت الولادة [٢] لبني إسرائيل عليه من سبي بخت نصّر وحدّ لهم في بنيانه حدودا دون بناء سليمان بن داود ﵉ فلم يتجاوزوها. وأمّا الأواوين الّتي تحت المسجد، يركب بعضها بعضا، عمود الأعلى منها على قوس الأسفل في طبقتين. ويتوهّم كثير من النّاس أنّها إصطبلات سليمان ﵇، وليس كذلك. وإنّما بناها تنزيها للبيت المقدّس عمّا يتوهّم من النّجاسة، لأنّ النّجاسات في شريعتهم وإن كانت في باطن الأرض، وكان ما بينها وبين ظاهر الأرض محشوا بالتراب، بحيث يصل ما بينها وبين الظّاهر خطّ مستقيم ينجّس ذلك الظّاهر بالتّوهّم. والمتوهّم عندهم كالمحقق، فبنوا هذه الأواوين على هذه الصّورة بعمود الأواوين السّفليّة تنتهي إلى أقواسها وينقطع خطّه، فلا تتّصل النّجاسة بالأعلى على خط مستقيم. وتنزّه البيت عن هذه النّجاسة المتوهمة ليكون ذلك أبلغ في الطّهارة والتّقديس. ثمّ تداونتهم ملوك يونان والفرس والرّوم واستفحل الملك لبني إسرائيل في هذه المدّة ثمّ لبني حشمناي من كهنتهم ثمّ لصهرهم هيرودس ولبنيه من بعده. وبنى هيرودوس بيت المقدس على بناء سليمان ﵇ وتأنّق فيه حتّى

стр. 441

أكمله في ستّ سنين فلمّا جاء طيطش من ملوك الرّوم وغلبهم وملك أمرهم خرّب بيت المقدّس ومسجدها وأمر أن يزرع مكانه ثمّ أخذ الرّوم بدين المسيح ﵇ ودانوا بتعظيمه ثمّ اختلف حال ملوك الرّوم في الأخذ بدين النّصارى تارة وتركه أخرى إلى أن جاء قسطنطين وتنصّرت أمّه هيلانة وارتحلت إلى القدس في طلب الخشبة الّتي صلب عليها المسيح بزعمهم فأخبرها القساوسة بأنّه رمى بخشبته على الأرض وألقى عليها القمامات والقاذورات فاستخرجت الخشبة وبنت مكان تلك القمامات كنيسة القمامة [١] كأنّها على قبره بزعمهم وهرّبت ما وجدت من عمارة البيت وأمرت بطرح الزّبل والقمامات على الصّخرة حتّى غطّاها وخفي مكانها جزاء بزعمها لما فعلوه بقبر المسيح ثمّ بنوا بإزاء القمامة بيت لحم وهو البيت الّذي ولد فيه عيسى ﵇ وبقي الأمر كذلك إلى أن جاء الإسلام وحضر عمر لفتح بيت المقدس وسأل عن الصّخرة فأري مكانها وقد علاها الزّبل والتّراب فكشف عنها وبنى عليها مسجدا على طريق البداوة وعظّم من شأنه ما أذن الله من تعظيمه وما سبق من أمّ الكتاب في فضله حسبما ثبت ثمّ احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله من الاحتفال كما فعل في المسجد الحرام وفي مسجد النّبيّ ﷺ بالمدينة وفي مسجد دمشق وكانت العرب تسمّيه بلاط الوليد وألزم ملك الرّوم أن يبعث الفعلة والمال لبناء هذه المساجد وأن ينمّقوها بالفسيفساء فأطاع لذلك وتمّ بناؤها على ما اقترحه. ثمّ لمّا ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها وكانت في ملكة العبيديّين خلفاء القاهر من الشّيعة واختلّ أمرهم زحف الفرنجة إلى بيت المقدس فملكوه وملكوا معه عامّة ثغور الشّام وبنوا على الصّخرة المقدّسة منه كنيسة كانوا يعظّمونها ويفتخرون ببنائها حتّى إذا استقلّ صلاح الدّين بن أيّوب الكرديّ بملك مصر والشّام ومحا أثر العبيديّين وبدعهم زحف إلى الشّام

стр. 442

وجاهد من كان به من الفرنجة حتّى غلبهم على بيت المقدس وعلى ما كانوا ملكوه من ثغور الشّام وذلك لنحو ثمانين وخمسمائة من الهجرة وهدم تلك الكنيسة وأظهر الصّخرة وبنى المسجد على النّحو الّذي هو عليه اليوم لهذا العهد. ولا يعرض لك الإشكال المعروف في الحديث الصّحيح أنّ النّبيّ ﷺ سئل عن أوّل بيت وضع فقال: «بين مكّة وبين بناء بيت المقدس» قيل فكم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» فإنّ المدّة بين بناء مكّة وبين بناء بيت المقدس بمقدار ما بين إبراهيم وسليمان لأنّ سليمان بإنية وهو ينيف على الألف بكثير. واعلم أنّ المراد بالوضع في الحديث ليس البناء وإنّما المراد أوّل بيت عيّن للعبادة ولا يبعد أن يكون بيت المقدس عيّن للعبادة قبل بناء سليمان بمثل هذه المدّة وقد نقل أنّ الصّابئة بنوا على الصّخرة هيكل الزّهرة فلعلّ ذلك أنّها كانت مكانا للعبادة كما كانت الجاهليّة تضع الأصنام والتّماثيل حوالي الكعبة وفي جوفها والصّابئة الّذين بنوا هيكل الزّهرة كانوا على عهد إبراهيم ﵇ فلا تبعد مدّة الأربعين سنة بين وضع مكّة للعبادة ووضع بيت المقدس وإن لم يكن هناك بناء كما هو المعروف وأنّ أوّل من بنى بيت المقدس سليمان ﵇ فتفهّمه ففيه حلّ هذا الإشكال. وأمّا المدينة وهي المسمّاة بيثرب فهي من بناء يثرب بن مهلائيل من العمالقة وملكها بنو إسرائيل من أيديهم فيما ملكوه من أرض الحجاز ثمّ جاورهم بنو قيلة من غسّان وغلبوهم عليها وعلى حصونها. ثمّ أمر النّبيّ ﷺ بالهجرة إليها لما سبق من عناية الله بها فهاجر إليها ومعه أبو بكر وتبعه أصحابه ونزل بها وبنى مسجده وبيوته في الموضع الّذي كان الله قد أعدّه لذلك وشرّفه في سابق أزله وأواه أبناء قيلة ونصروه فلذلك سمّوا الأنصار وتمّت كلمة الإسلام من المدينة حتّى علت على الكلمات وغلب على قومه وفتح مكّة وملكها وظنّ الأنصار أنّه يتحوّل عنهم إلى بلده فأهمّهم ذلك فخاطبهم رسول الله ﷺ وأخبرهم أنّه غير متحوّل حتّى إذا قبض ﷺ كان ملحده الشّريف

стр. 443

بها وجاء في فضلها من الأحاديث الصّحيحة ما لا خفاء به ووقع الخلاف بين العلماء في تفضيلها على مكّة وبه قال مالك ﵀ لما ثبت عنده في ذلك من النّصّ الصّريح عن رفيع بن مخدج أنّ النّبيّ ﷺ قال المدينة خير من مكّة نقل ذلك أبو الوهّاب في المعونة إلى أحاديث أخرى تدلّ بظاهرها على ذلك وخالف أبو حنيفة والشّافعيّ. وأصبحت على كلّ حال ثانية المسجد الحرام وجنح إليها الأمم بأفئدتهم من كلّ أوب فانظر كيف تدرّجت الفضيلة في هذه المساجد المعظّمة لما سبق من عناية الله لها وتفهّم سرّ الله في الكون وتدريجه على ترتيب محكم في أمور الدّين والدّنيا. وأمّا غير هذه المساجد الثّلاثة فلا نعلمه في الأرض إلّا ما يقال من شأن مسجد آدم ﵇ بسرنديب من جزائر الهند لكنّه لم يثبت فيه شيء يعوّل عليه وقد كانت للأمم في القديم مساجد يعظّمونها على جهة الدّيانة بزعمهم منها بيوت النّار للفرس وهياكل يونان وبيوت العرب بالحجاز الّتي أمر النّبيّ ﷺ بهدمها في غزواته وقد ذكر المسعوديّ منها بيوتا لسنا من ذكرها في شيء إذ هي غير مشروعة ولا هي على طريق دينيّ ولا يلتفت إليها ولا إلى الخبر عنها ويكفي في ذلك ما وقع في التّواريخ فمن أراد معرفة الأخبار فعليه بها والله يهدي من يشاء سبحانه .

стр. 444

الفصل السابع في أن المدن والأمصار بإفريقية والمغرب قليلة والسّبب في ذلك أنّ هذه الأقطار كانت للبربر منذ آلاف من السّنين قبل الإسلام وكان عمرانها كلّه بدويّا ولم تستمرّ فيهم الحضارة حتّى تستكمل أحوالها والدّول الّتي ملكتهم من الإفرنجة والعرب لم يطل أمد ملكهم فيهم حتّى ترسخ الحضارة منها فلم تزل عوائد البداوة وشئونها فكانوا إليها أقرب فلم تكثر مبانيهم وأيضا فالصّنائع بعيدة عن البربر لأنّهم أعرق في البدو والصّنائع من توابع الحضارة وإنّما تتمّ المباني بها فلا بدّ من الحذق في تعلّمها فلمّا لم يكن للبربر انتحال لها لم يكن لهم تشوّق [١] إلى المباني فضلا عن المدن. وأيضا فهم أهل عصبيّات وأنساب لا يخلو عن ذلك جمع منهم والأنساب والعصبيّة أجنح إلى البدو وإنّما يدعو إلى المدن الدّعة والسكون ويصير ساكنها عيالا على حاميتها فتجد أهل البدو لذلك يستنكفون عن سكنى المدينة أو الإقامة بها فلا يدعو إلى ذلك إلّا التّرف والغنى وقليل ما هو في النّاس فلذلك كان عمران إفريقية والمغرب كلّه أو أكثره بدويّا أهل خيام وظواعن وقياطن وكنن في الجبال وكان عمران بلاد العجم كلّه أو أكثره قرى وأمصارا ورساتيق من بلاد الأندلس والشّام ومصر وعراق العجم وأمثالها لأنّ العجم ليسوا بأهل أنساب يحافظون عليها ويتباهون في صراحتها والتحامها إلّا في الأقلّ وأكثر ما يكون سكنى البدو لأهل الأنساب لأنّ لحمة النّسب أقرب وأشدّ فتكون عصبيّته كذلك وتنزع بصاحبها إلى سكنى البدو والتّجافي عن المصر الّذي يذهب بالبسالة ويصيّره عيالا على غيره فافهمه وقس عليه والله أعلم وبه التّوفيق.

стр. 445

الفصل الثامن في أن المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها وإلى من كان قبلها من الدول والسّبب في ذلك ما ذكرنا مثله في البربر بعينه إذ العرب أيضا أعرق في البدو وأبعد عن الصّنائع وأيضا فكانوا أجانب من الممالك الّتي استولوا عليها قبل الإسلام ولمّا تملّكوها لم ينفسح الأمد حتّى تستوفي رسوم الحضارة مع أنّهم استغنوا بما وجدوا من مباني غيرهم وأيضا فكان الدّين أوّل الأمر مانعا من المغالاة أو البنيان والإسراف فيه في غير القصد كما عهد لهم عمر حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة وقد وقع الحريق في القصب الّذي كانوا بنوا به من قبل فقال افعلوا ولا يزيدنّ أحد على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان والزموا السّنّة تلزمكم الدّولة وعهد إلى الوفد وتقدّم إلى النّاس أن لا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا: وما القدر؟ قال: «لا يقرّبكم من السّرف ولا يخرجكم عن القصد» . فلمّا بعد العهد بالدّين والتّحرّج في أمثال هذه المقاصد وغلبت طبيعة الملك والتّرف واستخدم العرب أمّة الفرس وأخذوا عنهم الصّنائع والمباني ودعتهم إليها أحوال الدّعة والتّرف فحينئذ شيّدوا المباني والمصانع وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدّولة ولم ينفسح الأمد لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار إلّا قليلا وليس كذلك غيرهم من الأمم فالفرس طالت مدّتهم آلافا من السّنين وكذلك القبط والنّبط والرّوم وكذلك العرب الأولى من عاد وثمود والعمالقة والتّبابعة طالت آمادهم ورسخت الصّنائع فيهم فكانت مبانيهم وهياكلهم أكثر عددا وأبقى على الأيّام أثرا واستبصر في هذا تجده كما قلت والله وارث الأرض ومن عليها .

стр. 446

الفصل التاسع في أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل والسّبب في ذلك شأن البداوة والبعد عن الصّنائع كما قدّمناه فلا تكون المباني وثيقة في تشييدها وله والله أعلم وجه آخر وهو أمسّ به وذلك قلّة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن كما قلناه في المكان وطيب الهواء والمياه والمزارع والمراعي فإنّه بالتّفاوت في هذا تتفاوت جودة المصر ورداءته من حيث العمران الطّبيعيّ والعرب بمعزل عن هذا وإنّما يراعون مراعي إبلهم خاصّة لا يبالون بالماء طاب أو خبث ولا قلّ أو كثر ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابت والأهوية لانتقالهم في الأرض ونقلهم الحبوب من البلد البعيد وأمّا الرّياح فالقفر مختلف للمهابّ كلّها والظّعن كفيل لهم بطيبها لأنّ الرّياح إنّما تخبث مع القرار والسّكنى وكثرة الفضلات وانظر لمّا اختطّوا الكوفة والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلّا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ومسالك الظّعن فكانت بعيدة عن الوضع الطّبيعيّ للمدن ولم تكن لها مادّة تمدّ عمرانها من بعدهم كما قدّمنا أنّه يحتاج إليه في العمران فقد كانت مواطنها غير طبيعيّة للقرار ولم تكن في وسط الأمم فيعمّرها النّاس فلأوّل وهلة من انحلال أمرهم وذهاب عصبيّتهم الّتي كانت سياجا لها أتى عليها الخراب والانحلال كأن لم تكن. «وَالله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ١٣: ٤١» .

стр. 447

الفصل العاشر في مبادي الخراب في الأمصار اعلم أنّ الأمصار إذا اختطّت أوّلا تكون قليلة المساكن وقليلة آلات البناء من الحجر والجير وغيرهما ممّا يعالى على الحيطان عند التّأنّق كالزّلج [١] والرّخام والرّبج [٢] والزّجاج والفسيفساء والصّدف فيكون بناؤها يومئذ بدويّا وآلاتها فاسدة فإذا عظم عمران المدينة وكثر ساكنها كثرت الآلات بكثرة الأعمال حينئذ وكثرت الصّنّاع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك كما سبق بشأنها فإذا تراجع عمرانها وخفّ ساكنها قلّت الصّنائع لأجل ذلك وفقدت الإجادة في البناء والإحكام والمعالاة عليه بالتّنميق ثمّ تقلّ الأعمال لعدم السّاكن فيقلّ جلب الآلات من الحجر والرّخام وغيرهما فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات الّتي في مبانيهم فينقلونها من مصنع إلى مصنع لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلّة العمران وقصوره عمّا كان أوّلا ثمّ لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة فيعودون إلى البداوة في البناء واتّخاذ الطّوب عوضا عن الحجارة والقصور عن التّنميق بالكلّيّة فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر وتظهر عليها سيماء البداوة ثمّ تمرّ في التّناقص إلى غايتها من الخراب إن قدّر لها به سنّة الله في خلقه.

стр. 448

الفصل الحادي عشر في ان تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرزق لأهلها ونفاق الأسواق إنما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة والسّبب في ذلك أنّه قد عرف وثبت أنّ الواحد من البشر غير مستقلّ بتحصيل حاجاته في معاشه وأنّهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك والحاجة الّتي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتدّ ضرورة الأكثر من عددهم أضعافا. فالقوت من الحنطة مثلا لا يستقلّ الواحد بتحصيل حصّته منه. وإذا انتدب لتحصيله السّتّة أو العشرة من حدّاد ونجّار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السّنبل وسائر مؤن الفلح وتوزّعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت فإنّه حينئذ قوت لأضعافهم مرّات. فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم. فأهل مدينة أو مصر إذا وزّعت أعمالهم كلّها على مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفي فيها بالأقلّ من تلك الأعمال وبقيت الأعمال كلّها زائدة على الضّرورات فتصرف في حالات التّرف وعوائده وما يحتاج إليه غيرهم من أهل الأمصار ويستجلبونه منهم بأعواضه وقيمه فيكون لهم بذلك حظّ من الغنى وقد تبيّن لك في الفصل الخامس في باب الكسب والرّزق أنّ المكاسب إنّما هي قيم الأعمال فإذا كثرت الأعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة ودعتهم أحوال الرّفه والغنى إلى التّرف وحاجاته من التّأنق في المساكن والملابس واستجادة الآنية والماعون واتّخاذ الخدم والمراكب وهذه كلّها أعمال تستدعى بقيمها ويختار المهرة في صناعتها والقيام عليها فتنفق أسواق الأعمال والصّنائع ويكثر دخل المصر وخرجه ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل أعمالهم. ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثانية ثمّ زاد التّرف تابعا للكسب

стр. 449

وزادت عوائده وحاجاته. واستنبطت الصّنائع لتحصيلها فزادت قيمها وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية ونفقت سوق الأعمال بها أكثر من الأوّل. وكذا في الزّيادة الثّانية والثّالثة لأنّ الأعمال الزّائدة كلّها تختصّ بالتّرف والغنى بخلاف الأعمال الأصليّة الّتي تختصّ بالمعاش. فالمصر إذا فضل بعمران واحد ففضله بزيادة كسب ورفه بعوائد من التّرف لا توجد في الآخر فما كان عمرانه من الأمصار أكثر وأوفر كان حال أهله في التّرف أبلغ من حال المصر الّذي دونه على وتيرة واحدة في الأصناف. القاضي مع القاضي والتّاجر مع التّاجر والصّانع مع الصّانع والسّوقيّ مع السّوقيّ والأمير مع الأمير والشّرطيّ مع الشّرطيّ. واعتبر ذلك في المغرب مثلا بحال فاس مع غيرها من أمصاره مثل بجاية وتلمسان وسبتة تجد بينهما بونا كثيرا على الجملة. ثمّ على الخصوصيّات فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي بتلمسان وهكذا كلّ صنف مع صنف أهله. وكذا أيضا حال تلمسان مع وهران أو الجزائر وحال وهران والجزائر مع ما دونهما إلى أن تنتهي إلى المدر [١] الّذين اعتمالهم في ضروريّات [٢] معاشهم فقط ويقصّرون عنها. وما ذلك إلّا لتفاوت الأعمال فيها فكأنّها كلّها أسواق للأعمال. والخرج في كلّ سوق على نسبته فالقاضي بفاس دخله كفاء خرجه وكذا القاضي بتلمسان وحيث الدّخل والخرج أكثر تكون الأحوال أعظم وهما بفاس أكثر لنفاق سوق [٣] الأعمال بما يدعو إليه التّرف فالأحوال أضخم. ثمّ هكذا حال وهران وقسنطينيّة والجزائر وبسكرة حتّى تنتهي كما قلناه إلى الأمصار الّتي لا توفّي [٤] أعمالها بضروراتها ولا تعدّ في الأمصار إذ هي من قبيل القرى والمدر. فلذلك تجد أهل هذه الأمصار الصّغيرة ضعفاء الأحوال متقاربين في الفقر والخصاصة لما أنّ أعمالهم لا تفي

стр. 450

بضروراتهم ولا يفضل ما يتأثّلونه كسبا فلا تنمو مكاسبهم. وهم لذلك مساكين محاويج إلّا في الأقلّ النّادر. واعتبر ذلك حتّى في أحوال الفقراء والسّؤّال فإنّ السّائل بفاس أحسن حالا من السّائل بتلمسان أو وهران. ولقد شاهدت بفاس السّؤّال يسألون أيّام الأضاحي أثمان ضحاياهم ورأيتهم يسألون كثيرا من أحوال التّرف واقتراح المآكل مثل سؤال اللحم والسّمن وعلاج الطّبخ والملابس والماعون كالغربال والآنية. ولو سأل سائل مثل هذا بتلمسان أو وهران لاستنكر وعنّف وزجر. ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من التّرف والغنى في عوائدهم ما يقضى [١] منه العجب حتّى أنّ كثيرا من الفقراء بالمغرب ينزعون من الثّقلة إلى مصر لذلك ولما يبلغهم من شأن الرّفه بمصر أعظم من غيرها. ويعتقد العامّة من النّاس أنّ ذلك لزيادة إيثار في أهل تلك الآفاق على غيرهم أو أموال مختزنة لديهم [٢] . وأنّهم أكثر صدقة وإيثارا من جميع أهل الأمصار وليس كذلك وإنّما هو لما تعرفه من أنّ عمران مصر والقاهرة أكثر من عمران هذه الأمصار الّتي لديك فعظمت لذلك أحوالهم. وأمّا حال الدّخل والخرج فمتكافئ في جميع الأمصار ومتى عظم الدّخل عظم الخرج وبالعكس ومتى عظم الدّخل والخرج اتّسعت أحوال السّاكن ووسع المصر. كلّ شيء يبلغك من مثل هذا فلا تنكره واعتبره بكثرة العمران وما يكون عنه من كثرة المكاسبة الّتي يسهل بسببها البذل والإيثار على مبتغيه ومثّله بشأن الحيوانات العجم مع بيوت المدينة الواحدة وكيف تختلف أحوالها في هجرانها أو غشيانها فإنّ بيوت أهل النّعم والثّروة والموائد الخصبة [٣] منها تكثر بساحتها وأقنيتها بنثر الحبوب وسواقط الفتات فيزدحم عليها غواشي النّمل والخشاش ويلحق فوقها عصائب الطّيور حتّى تروح بطانا وتمتلئ شبعا وريّا وبيوت أهل الخصاصة والفقراء الكاسدة أرزاقهم

стр. 451

لا يسري بساحتها دبيب ولا يحلّق بجوّها طائر ولا تأوي إلى زوايا بيوتهم فارة ولا هرّة [١] كما قال الشّاعر: تسقط الطّير حيث تلتقط الحبّ ... وتغشى منازل الكرماء [٢] فتأمّل سرّ الله تعالى في ذلك واعتبر غاشية الأناسيّ بغاشية العجم من الحيوانات وفتات الموائد بفضلات الرّزق والتّرف وسهولتها على من يبذلها لاستغنائهم عنها في الأكثر لوجود أمثالها لديهم واعلم أنّ اتّساع الأحوال وكثرة النّعم في العمران تابع لكثرته والله أعلم وهو غنيّ عن العالمين الفصل الثاني عشر في أسعار المدن اعلم أنّ الأسواق كلّها تشتمل على حاجات النّاس فمنها الضّروريّ وهي الأقوات من الحنطة وما معناها كالباقلاء والبصل والثّوم وأشباهه ومنها الحاجيّ والكماليّ مثل الأدم والفواكه والملابس والماعون والمراكب وسائر المصانع والمباني فإذا استبحر المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضّروريّ من القوت وما في معناه وغلت أسعار الكماليّ من الأدم والفواكه وما يتبعها وإذا قلّ ساكن المصر وضعف عمرانه كان الأمر بالعكس من ذلك. والسّبب في ذلك أنّ الحبوب من ضرورات القوت فتتوفّر الدّواعي على اتّخاذها إذ كلّ أحد لا يهمل قوت نفسه ولا قوت منزله لشهره أو سنته فيعمّ اتّخاذها أهل المصر أجمع أو الأكثر منهم في ذلك المصر أو فيما قرب منه لا بدّ من ذلك. وكلّ متّخذ لقوته فتفضل عنه وعن أهل بيته فضلة كبيرة تسدّ خلّة كثيرين من أهل ذلك المصر فتفضل الأقوات عن أهل

стр. 452

المصر من غير شك فترخص أسعارها في الغالب إلّا ما يصيبها في بعض السّنين من الآفات السّماويّة ولولا احتكار النّاس لها لما يتوقّع من تلك الآفات لبذلت دون ثمن ولا عوض لكثرتها بكثرة العمران. وأمّا سائر المرافق من الأدم والفواكه وما إليها لا تعمّ بها البلوى ولا يستغرق اتّخاذها أعمال أهل المصر أجمعين ولا الكثير منهم ثمّ إنّ المصر إذا كان مستبحرا موفور العمران كثير حاجات التّرف توفّرت حينئذ الدّواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها كلّ بحسب حاله فيقصر الموجود منها على الحاجات قصورا بالغا ويكثر المستامون لها وهي قليلة في نفسها فتزدحم أهل الأغراض ويبذل أهل الرّفه والتّرف أثمانها بإسراف في الغلاء لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم فيقع فيها الغلاء كما تراه. وأمّا الصّنائع والأعمال أيضا في الأمصار الموفورة العمران فسبب الغلاء فيها أمور ثلاثة: الأوّل كثرة الحاجة لمكان التّرف في المصر بكثرة عمرانه، والثّاني اعتزاز أهل الأعمال لخدمتهم [١] وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها، والثّالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصّنّاع في مهنهم فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها فيعتزّ العمّال والصّنّاع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك. وأمّا الأمصار الصّغيرة والقليلة السّاكن فأقواتهم قليلة لقلّة العمل فيها وما يتوقّعونه لصغر مصرهم من عدم القوت فيتمسّكون بما يحصل منه في أيديهم ويحتكرونه فيعزّ وجوده لديهم ويغلو ثمنه على مستامه. وأمّا مرافقهم فلا تدعو إليها أيضا حاجة بقلّة [٢] السّاكن وضعف الأحوال فلا تنفق لديهم سوقه فيختصّ بالرّخص في سعره. وقد يدخل أيضا في قيمة الأقوات قيمة ما يعرض [٣] عليها من المكوس والمغارم للسّلطان في الأسواق وباب الحفر والحياة في منافع وصولها

стр. 453

عن البيوعات لما يمسّهم [١] . وبذلك كانت الأسعار في الأمصار أغلى من الأسعار في البادية إذ المكوس والمغارم والفرائض قليلة لديهم أو معدومة. وكثرتها [٢] في الأنصار لا سيّما في آخر الدّولة وقد تدخل أيضا في قيمة الأقوات قيمة علاجها في الفلح ويحافظ على ذلك في أسعارها كما وقع بالأندلس لهذا العهد. وذلك أنّهم لمّا ألجأهم النّصارى إلى سيف البحر وبلاده المتوعّرة الخبيثة الزّارعة النّكدة النّبات وملكوا عليهم الأرض الزّاكية والبلد الطّيب فاحتاجوا إلى علاج المزارع والفدن لإصلاح نباتها وفلحها وكان ذلك العلاج بأعمال ذات قيم وموادّ من الزّبل وغيره لها مؤنة وصارت في فلحهم نفقات لها خطر فاعتبروها في سعرهم. واختصّ قطر الأندلس بالغلاء منذ اضطرّهم النّصارى إلى هذا المعمور بالإسلام مع سواحلها لأجل ذلك. ويحسب النّاس إذا سمعوا بغلاء الأسعار في قطرهم أنّها لقلّة الأقوات والحبوب في أرضهم وليس كذلك فهم أكثر أهل المعمور فلحا فيما علمناه وأقومهم عليه وقلّ أن يخلو منهم سلطان أو سوقة عن فدّان أو مزرعة أو فلح إلّا قليلا من أهل الصّناعات والمهن أو الطّراء على الوطن من الغزاة المجاهدين. ولهذا يختصّهم السّلطان في عطائهم بالعولة وهي أقواتهم وعلوفاتهم من الزّرع. وإنّما السّبب في غلاء سعر الحبوب عندهم ما ذكرناه. ولمّا كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في زكاء منابتهم وطيب أرضهم ارتفعت عنهم المؤن جملة في الفلح مع كثرته وعمومته [٣] فصار ذلك سببا لرخص الأقوات ببلدهم «والله مقدّر اللّيل والنّهار وهو الواحد القهّار لا ربّ سواه» .

стр. 454

الفصل الثالث عشر في قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران والسّبب في ذلك أنّ المصر الكثير العمران يكثر ترفه كما قدّمناه وتكثر حاجات ساكنه من أجل التّرف. وتعتاد تلك الحاجات لما يدعو إليها فتنقلب ضرورات وتصير فيه الأعمال كلّها مع ذلك عزيزة والمرافق غالية بازدحام الأعراض عليها من أجل التّرف وبالمغارم السّلطانيّة الّتي توضع على الأسواق والبياعات وتعتبر في قيم المبيعات ويعظم فيها الغلاء في المرافق والأوقات [١] والأعمال فتكثر لذلك نفقات ساكنه كثرة بالغة على نسبة عمرانه. ويعظم خرجه فيحتاج حينئذ إلى المال الكثير للنّفقة على نفسه وعياله في ضرورات عيشهم وسائر مئونتهم [٢] . والبدويّ لم يكن دخله كثيرا ساكنا بمكان كاسد الأسواق في الأعمال الّتي هي سبب الكسب فلم يتأثّل كسبا ولا مالا فيتعذّر عليه من أجل ذلك سكنى المصر الكبير لغلاء مرافقه وعزّة حاجاته. وهو في بدوه يسدّ خلّته بأقلّ الأعمال لأنّه قليل عوائد التّرف في معاشه وسائر مئونته [٢] فلا يضطرّ إلى المال وكلّ من يتشوّف إلى المصر وسكناه من البادية [٣] فسريعا ما يظهر عجزه ويفتضح في استيطانه إلّا من يقدّم [٤] منهم تأثّل المال ويحصل له منه فوق الحاجة ويجري إلى الغاية الطّبيعيّة لأهل العمران من الدّعة والتّرف فحينئذ ينتقل إلى المصر وينتظم حاله مع أحوال أهله في عوائدهم وترفهم. وهكذا شأن بداءة عمران الأمصار. والله بكلّ شيء محيط.

стр. 455

الفصل الرابع عشر في أن الأقطار في اختلاف أحوالها بالرفه والفقر مثل الأمصار اعلم أنّ ما توفّر عمرانه من الأقطار وتعدّدت الأمم في جهاته وكثر ساكنه اتّسعت أحوال أهله وكثرت أموالهم وأمصارهم وعظمت دولهم وممالكهم. والسّبب في ذلك كلّه ما ذكرناه من كثرة الأعمال وما سيأتي ذكره من أنّها سبب للثّروة بما يفضل عنها بعد الوفاء بالضّروريّات في حاجات السّاكن من الفضلة البالغة على مقدار العمران وكثرته فيعود على النّاس كسبا يتأثّلونه حسبما نذكر ذلك في فضل المعاش وبيان الرّزق والكسب فيتزيّد الرّفه لذلك وتتّسع الأحوال ويجيء التّرف والغنى وتكثر الجباية للدّولة بنفاق الأسواق فيكثر مالها ويشمخ سلطانها وتتفنّن في اتّخاذ المعاقل والحصون واختطاط المدن وتشييد الأمصار. واعتبر ذلك بأقطار المشرق مثل مصر والشّام وعراق العجم والهند والصّين وناحية الشّمال كلّها وأقطارها وراء البحر الرّوميّ لمّا كثر عمرانها كيف كثر المال فيهم وعظمت دولتهم [١] وتعدّدت مدنهم وحواضرهم وعظمت متاجرهم وأحوالهم. فالّذي نشاهده لهذا العهد من أحوال تجّار الأمم النّصرانيّة الواردين على المسلمين بالمغرب في رفههم واتّساع أحوالهم أكثر من أن يحيط به الوصف. وكذا تجّار أهل المشرق وما يبلغنا عن أحوالهم وأبلغ منها أهل المشرق الأقصى من عراق العجم والهند والصّين فإنّه يبلغنا عنهم في باب الغنى والرّفه غرائب تسير الرّكبان بحديثها وربّما تتلقّى بالإنكار في غالب الأمر. ويحسب من يسمعها من العامّة أنّ ذلك لزيادة في أموالهم أو لأنّ المعادن الذّهبيّة والفضّيّة أكثر بأرضهم أو لأنّ ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون غيرهم وليس كذلك فمعدن الذّهب

стр. 456

الّذي نعرفه في هذه الأقطار إنّما هو من بلاد [١] السّودان وهي إلى المغرب أقرب. وجميع ما في أرضهم من البضاعة فإنّما يجلبونه إلى غير بلادهم للتّجارة. فلو كان المال عتيدا موفورا لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال ولا استغنوا [٢] عن أموال النّاس بالجملة. ولقد ذهب المنجّمون لمّا رأوا مثل ذلك واستغربوا ما في المشرق من كثرة الأحوال واتّساعها ووفور أموالها فقالوا بأنّ عطايا الكواكب والسّهام في مواليد المشرق أكثر منها حصصا في مواليد أهل المغرب وذلك صحيح من جهة المطابقة بين الأحكام النّجوميّة والأحوال الأرضيّة كما قلناه وهم إنّما أعطوا في ذلك السّبب النّجوميّ وبقي عليهم أن يعطوا السّبب الأرضيّ وهو ما ذكرناه من كثرة العمران واختصاصه بأرض المشرق وأقطاره وكثرة العمران تفيد كثرة الكسب بكثرة الأعمال الّتي هي سببه فلذلك اختصّ المشرق بالرّفه من بين الآفاق لا إنّ ذلك لمجرّد الأثر النّجوميّ. فقد فهمت ممّا أشرنا لك أوّلا أنّه لا يستقبل بذلك وأنّ المطابقة بين حكمه وعمران الأرض وطبيعتها أمر لا بدّ منه. واعتبر حال هذا الرّفه من العمران في قطر إفريقية وبرقة لمّا خفّ سكنها [٣] وتناقص عمرانها كيف تلاشت أحوال أهلها وانتهوا إلى الفقر والخصاصة. وضعفت جباياتها فقلّت أموال دولها بعد أن كانت دول الشّيعة وصنهاجة بها على ما بلغك من الرّفه وكثرة الجبايات واتّساع الأحوال في نفقاتهم وأعطياتهم. حتّى لقد كانت الأموال ترفع من القيروان إلى صاحب مصر لحاجاته ومهماته وكانت أموال الدّولة بحيث حمل جوهر الكاتب في سفره إلى فتح مصر ألف حمل من المال يستعدّ بها لأرزاق الجنود وأعطياتهم ونفقات الغزاة. وقطر المغرب وإن كان في القديم دون إفريقية فلم يكن بالقليل في ذلك وكانت أحواله في دول الموحّدين متّسعة وجباياته موفورة وهو لهذا العهد

стр. 457

قد أقصر عن ذلك لقصور العمران فيه وتناقصه فقد ذهب من عمران البربر فيه أكثره ونقص عن معهوده نقصا ظاهرا محسوسا، وكاد أن يلحق في أحواله بمثل أحوال إفريقية بعد أن كان عمرانه متّصلا من البحر الرّوميّ إلى بلاد السّودان في طول ما بين السّوس الأقصى وبرقة. وهي اليوم كلّها أو أكثرها قفار وخلاء وصحارى إلّا ما هو منها بسيف البحر أو ما يقاربه من التّلول والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. الفصل الخامس عشر في تأثل العقار والضياع في الأمصار وحال فوائدها ومستغلاتها اعلم أنّ تأثّل العقار والضّياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن لا يكون دفعة واحدة ولا في عصر واحد إذ ليس يكون لأحد منهم من الثّروة ما يملك به الأملاك الّتي تخرج قيمتها عن الحدّ ولو بلغت أحوالهم في الرّفه ما عسى أن تبلغ. وإنّما يكون ملكهم وتأثّلهم لها تدريجا إمّا بالوراثة من آبائه وذوي رحمه حتّى تتأدّى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك [١] أو أن يكون بحوالة الأسواق فإنّ العقار في آخر الدّولة وأوّل الأخرى عند فناء الحامية وخرق السّياج وتداعي المصر إلى الخراب تقلّ الغبطة به لقلّة المنفعة فيها بتلاشي الأحوال فترخص قيمها وتتملّك بالأثمان اليسيرة وتتخطّى بالميراث إلى ملك آخر وقد استجدّ المصر شبابه باستفحال الدّولة الثانية وانتظمت له أحوال رائقة حسنة تحصل معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها ويكون لها خطر لم يكن في الأوّل. وهذا معنى الحوالة فيها ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك. وأمّا فوائد

стр. 458

العقار والضّياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد التّرف وأسبابه وإنّما هي في الغالب لسدّ الخلّة وضرورة المعاش. والّذي سمعناه من مشيخة البلدان أنّ القصد باقتناء الملك من العقار والضّياع إنّما هو الخشية على من يترك خلفه من الذّرّيّة الضّعفاء [١] ليكون مرباهم به ورزقه فيه ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا على تحصيل المكاسب سعوا فيها بأنفسهم وربّما يكون من الولد من يعجز عن التّكسّب لضعف في بدنه أو آفة في عقله المعاشيّ فيكون ذلك العقار قواما لحاله. هذا قصد المترفين في اقتنائه. وأمّا التّموّل منه وإجراء أحوال المترفين فلا. وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النّادر بحوالة الأسواق وحصول الكثرة البالغة منه والعالي [٢] في جنسه وقيمته في المصر إلّا أنّ ذلك إذا حصل ربّما امتدّت إليه أعين الأمراء والولاة واغتصبوه في الغالب أو أرادوه على بيعه منهم ونالت أصحابه منه مضارّ ومعاطب والله غالب على أمره وهو ربّ العرش العظيم. الفصل السادس عشر في حاجات المتمولين من أهل الأمصار إلى الجاه والمدافعة وذلك أنّ الحضريّ إذا عظم تموّله وكثر للعقار والضّياع تأثّله وأصبح أغنى أهل المصر ورمقته العيون بذلك وانفسحت أحواله في التّرف والعوائد زاحم عليها الأمراء والملوك وغصّوا به. ولما في طباع البشر من العدوان تمتدّ أعينهم إلى تملّك ما بيده وينافسونه فيه ويتحيّلون على ذلك بكلّ ممكن حتّى يحصّلوه [٣] في ربقة حكم سلطانيّ وسبب من المؤاخذة ظاهر ينتزع به ماله وأكثر الأحكام

стр. 459

السّلطانيّة جائزة في الغالب إذ العدل المحض إنّما هو في الخلافة الشّرعيّة وهي قليلة اللّبث قال ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تعود ملكا عضوضا» . فلا بدّ حينئذ لصاحب المال والثّروة الشّهيرة في العمران من حامية تذود عنه وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبيّة يتحاماها السّلطان فيستظلّ هو بظلّها ويرتع في أمنها من طوارق التّعدّي. وإن لم يكن له ذلك أصبح نهبا بوجوه التّخيّلات وأسباب الحكّام [١] . وَالله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ١٣: ٤١. الفصل السابع عشر في أن الحضارة في الأمصار من قبل الدول وأنها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها والسّبب في ذلك أنّ الحضارة هي أحوال عاديّة زائدة على الضّروريّ من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرّفه وتفاوت الأمم [٢] في القلّة والكثرة تفاوتا غير منحصر وتقع فيها عند كثرة التّفنّن في أنواعها وأصنافها فتكون بمنزلة الصّنائع ويحتاج كلّ صنف منها إلى القومة عليه والمهرة فيه وبقدر ما يتزيّد من أصنافها تتزيّد أهل صناعتها ويتلوّن ذلك الجيل بها ومتى اتّصلت الأيّام وتعاقبت تلك الصّناعات [٣] حذق أولئك الصّنّاع في صناعتهم ومهروا في معرفتها والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ورسوخا وأكثر ما يقع ذلك في الأمصار لاستجار العمران وكثرة الرّفه في أهلها. وذلك كلّه إنّما يجيء من قبل الدّولة لأنّ الدّولة تجمع أموال الرّعيّة وتنفقها في بطانتها ورجالها وتتّسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتّساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرّعايا وخرجها في

стр. 460

أهل الدّولة ثمّ في من تعلّق بهم من أهل المصر وهم الأكثر فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزيّد عوائد التّرف ومذاهبه وتستحكم لديهم الصّنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة. ولهذا تجد الأمصار الّتي في القاصية ولو كانت موفورة العمران تغلب عليها أحوال البداوة وتبعد عن الحضارة في جميع مذاهبها بخلاف المدن المتوسّطة في الأقطار الّتي هي مركز الدّولة ومقرّها وما ذاك إلّا لمجاورة السّلطان لهم وفيض أمواله فيهم كالماء يخضرّ ما قرب منه فما قرب من الأرض إلى أن ينتهي إلى الجفوف على البعد وقد قدّمنا أنّ السّلطان والدّولة سوق للعالم. فالبضائع كلّها موجودة في السّوق وما قرب منه وإذا أبعدت عن السّوق افتقدت البضائع جملة ثمّ إنّه إذا اتّصلت تلك الدّولة وتعاقب ملوكها في ذلك المصر واحدا بعد واحد استحكمت الحضارة فيهم وزادت رسوخا واعتبر ذلك في اليهود لمّا طال ملكهم بالشّام نحوا من ألف وأربعمائة سنة رسخت حضارتهم وحذقوا في أحوال المعاش وعوائده والتّفنّن في صناعاته من المطاعم والملابس وسائر أحوال المنزل حتّى إنّها لتؤخذ عنهم في الغالب إلى اليوم. ورسخت الحضارة أيضا وعوائدها في الشّام منهم ومن دولة الرّوم بعدهم ستّمائة سنة فكانوا في غاية الحضارة. وكذلك أيضا القبط دام ملكهم في الخليقة ثلاثة آلاف من السّنين فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم مصر وأعقبهم بها ملك اليونان والرّوم ثمّ ملك الإسلام النّاسخ للكلّ. فلم تزل عوائد الحضارة بها متّصلة وكذلك أيضا رسخت عوائد الحضارة باليمن لاتّصال دولة العرب بها منذ عهد العمالقة والتّبابعة آلافا من السّنين وأعقبهم ملك مصر. وكذلك الحضارة بالعراق لاتّصال دولة النّبط والفرس بها من لدن الكلدانيّين والكيانيّة [١] والكسرويّة والعرب بعدهم آلافا من السّنين فلم يكن على
следующие страницы →