الّذي نعرفه في هذه الأقطار إنّما هو من بلاد [١] السّودان وهي إلى المغرب أقرب.
وجميع ما في أرضهم من البضاعة فإنّما يجلبونه إلى غير بلادهم للتّجارة. فلو كان المال عتيدا موفورا لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال ولا استغنوا [٢] عن أموال النّاس بالجملة. ولقد ذهب المنجّمون لمّا رأوا مثل ذلك واستغربوا ما في المشرق من كثرة الأحوال واتّساعها ووفور أموالها فقالوا بأنّ عطايا الكواكب والسّهام في مواليد المشرق أكثر منها حصصا في مواليد أهل المغرب وذلك صحيح من جهة المطابقة بين الأحكام النّجوميّة والأحوال الأرضيّة كما قلناه وهم إنّما أعطوا في ذلك السّبب النّجوميّ وبقي عليهم أن يعطوا السّبب الأرضيّ وهو ما ذكرناه من كثرة العمران واختصاصه بأرض المشرق وأقطاره وكثرة العمران تفيد كثرة الكسب بكثرة الأعمال الّتي هي سببه فلذلك اختصّ المشرق بالرّفه من بين الآفاق لا إنّ ذلك لمجرّد الأثر النّجوميّ. فقد فهمت ممّا أشرنا لك أوّلا أنّه لا يستقبل بذلك وأنّ المطابقة بين حكمه وعمران الأرض وطبيعتها أمر لا بدّ منه. واعتبر حال هذا الرّفه من العمران في قطر إفريقية وبرقة لمّا خفّ سكنها [٣] وتناقص عمرانها كيف تلاشت أحوال أهلها وانتهوا إلى الفقر والخصاصة. وضعفت جباياتها فقلّت أموال دولها بعد أن كانت دول الشّيعة وصنهاجة بها على ما بلغك من الرّفه وكثرة الجبايات واتّساع الأحوال في نفقاتهم وأعطياتهم. حتّى لقد كانت الأموال ترفع من القيروان إلى صاحب مصر لحاجاته ومهماته وكانت أموال الدّولة بحيث حمل جوهر الكاتب في سفره إلى فتح مصر ألف حمل من المال يستعدّ بها لأرزاق الجنود وأعطياتهم ونفقات الغزاة. وقطر المغرب وإن كان في القديم دون إفريقية فلم يكن بالقليل في ذلك وكانت أحواله في دول الموحّدين متّسعة وجباياته موفورة وهو لهذا العهد
стр. 457
قد أقصر عن ذلك لقصور العمران فيه وتناقصه فقد ذهب من عمران البربر فيه أكثره ونقص عن معهوده نقصا ظاهرا محسوسا، وكاد أن يلحق في أحواله بمثل أحوال إفريقية بعد أن كان عمرانه متّصلا من البحر الرّوميّ إلى بلاد السّودان في طول ما بين السّوس الأقصى وبرقة. وهي اليوم كلّها أو أكثرها قفار وخلاء وصحارى إلّا ما هو منها بسيف البحر أو ما يقاربه من التّلول والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
الفصل الخامس عشر في تأثل العقار والضياع في الأمصار وحال فوائدها ومستغلاتها
اعلم أنّ تأثّل العقار والضّياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن لا يكون دفعة واحدة ولا في عصر واحد إذ ليس يكون لأحد منهم من الثّروة ما يملك به الأملاك الّتي تخرج قيمتها عن الحدّ ولو بلغت أحوالهم في الرّفه ما عسى أن تبلغ.
وإنّما يكون ملكهم وتأثّلهم لها تدريجا إمّا بالوراثة من آبائه وذوي رحمه حتّى تتأدّى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك [١] أو أن يكون بحوالة الأسواق فإنّ العقار في آخر الدّولة وأوّل الأخرى عند فناء الحامية وخرق السّياج وتداعي المصر إلى الخراب تقلّ الغبطة به لقلّة المنفعة فيها بتلاشي الأحوال فترخص قيمها وتتملّك بالأثمان اليسيرة وتتخطّى بالميراث إلى ملك آخر وقد استجدّ المصر شبابه باستفحال الدّولة الثانية وانتظمت له أحوال رائقة حسنة تحصل معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها ويكون لها خطر لم يكن في الأوّل. وهذا معنى الحوالة فيها ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك. وأمّا فوائد
стр. 458
العقار والضّياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد التّرف وأسبابه وإنّما هي في الغالب لسدّ الخلّة وضرورة المعاش. والّذي سمعناه من مشيخة البلدان أنّ القصد باقتناء الملك من العقار والضّياع إنّما هو الخشية على من يترك خلفه من الذّرّيّة الضّعفاء [١] ليكون مرباهم به ورزقه فيه ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا على تحصيل المكاسب سعوا فيها بأنفسهم وربّما يكون من الولد من يعجز عن التّكسّب لضعف في بدنه أو آفة في عقله المعاشيّ فيكون ذلك العقار قواما لحاله. هذا قصد المترفين في اقتنائه.
وأمّا التّموّل منه وإجراء أحوال المترفين فلا. وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النّادر بحوالة الأسواق وحصول الكثرة البالغة منه والعالي [٢] في جنسه وقيمته في المصر إلّا أنّ ذلك إذا حصل ربّما امتدّت إليه أعين الأمراء والولاة واغتصبوه في الغالب أو أرادوه على بيعه منهم ونالت أصحابه منه مضارّ ومعاطب والله غالب على أمره وهو ربّ العرش العظيم.
الفصل السادس عشر في حاجات المتمولين من أهل الأمصار إلى الجاه والمدافعة
وذلك أنّ الحضريّ إذا عظم تموّله وكثر للعقار والضّياع تأثّله وأصبح أغنى أهل المصر ورمقته العيون بذلك وانفسحت أحواله في التّرف والعوائد زاحم عليها الأمراء والملوك وغصّوا به. ولما في طباع البشر من العدوان تمتدّ أعينهم إلى تملّك ما بيده وينافسونه فيه ويتحيّلون على ذلك بكلّ ممكن حتّى يحصّلوه [٣] في ربقة حكم سلطانيّ وسبب من المؤاخذة ظاهر ينتزع به ماله وأكثر الأحكام
стр. 459
السّلطانيّة جائزة في الغالب إذ العدل المحض إنّما هو في الخلافة الشّرعيّة وهي قليلة اللّبث قال ﷺ : «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تعود ملكا عضوضا» . فلا بدّ حينئذ لصاحب المال والثّروة الشّهيرة في العمران من حامية تذود عنه وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبيّة يتحاماها السّلطان فيستظلّ هو بظلّها ويرتع في أمنها من طوارق التّعدّي. وإن لم يكن له ذلك أصبح نهبا بوجوه التّخيّلات وأسباب الحكّام [١] . وَالله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ١٣: ٤١.
الفصل السابع عشر في أن الحضارة في الأمصار من قبل الدول وأنها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها
والسّبب في ذلك أنّ الحضارة هي أحوال عاديّة زائدة على الضّروريّ من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرّفه وتفاوت الأمم [٢] في القلّة والكثرة تفاوتا غير منحصر وتقع فيها عند كثرة التّفنّن في أنواعها وأصنافها فتكون بمنزلة الصّنائع ويحتاج كلّ صنف منها إلى القومة عليه والمهرة فيه وبقدر ما يتزيّد من أصنافها تتزيّد أهل صناعتها ويتلوّن ذلك الجيل بها ومتى اتّصلت الأيّام وتعاقبت تلك الصّناعات [٣] حذق أولئك الصّنّاع في صناعتهم ومهروا في معرفتها والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ورسوخا وأكثر ما يقع ذلك في الأمصار لاستجار العمران وكثرة الرّفه في أهلها. وذلك كلّه إنّما يجيء من قبل الدّولة لأنّ الدّولة تجمع أموال الرّعيّة وتنفقها في بطانتها ورجالها وتتّسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتّساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرّعايا وخرجها في
стр. 460
أهل الدّولة ثمّ في من تعلّق بهم من أهل المصر وهم الأكثر فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزيّد عوائد التّرف ومذاهبه وتستحكم لديهم الصّنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة. ولهذا تجد الأمصار الّتي في القاصية ولو كانت موفورة العمران تغلب عليها أحوال البداوة وتبعد عن الحضارة في جميع مذاهبها بخلاف المدن المتوسّطة في الأقطار الّتي هي مركز الدّولة ومقرّها وما ذاك إلّا لمجاورة السّلطان لهم وفيض أمواله فيهم كالماء يخضرّ ما قرب منه فما قرب من الأرض إلى أن ينتهي إلى الجفوف على البعد وقد قدّمنا أنّ السّلطان والدّولة سوق للعالم.
فالبضائع كلّها موجودة في السّوق وما قرب منه وإذا أبعدت عن السّوق افتقدت البضائع جملة ثمّ إنّه إذا اتّصلت تلك الدّولة وتعاقب ملوكها في ذلك المصر واحدا بعد واحد استحكمت الحضارة فيهم وزادت رسوخا واعتبر ذلك في اليهود لمّا طال ملكهم بالشّام نحوا من ألف وأربعمائة سنة رسخت حضارتهم وحذقوا في أحوال المعاش وعوائده والتّفنّن في صناعاته من المطاعم والملابس وسائر أحوال المنزل حتّى إنّها لتؤخذ عنهم في الغالب إلى اليوم. ورسخت الحضارة أيضا وعوائدها في الشّام منهم ومن دولة الرّوم بعدهم ستّمائة سنة فكانوا في غاية الحضارة. وكذلك أيضا القبط دام ملكهم في الخليقة ثلاثة آلاف من السّنين فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم مصر وأعقبهم بها ملك اليونان والرّوم ثمّ ملك الإسلام النّاسخ للكلّ. فلم تزل عوائد الحضارة بها متّصلة وكذلك أيضا رسخت عوائد الحضارة باليمن لاتّصال دولة العرب بها منذ عهد العمالقة والتّبابعة آلافا من السّنين وأعقبهم ملك مصر. وكذلك الحضارة بالعراق لاتّصال دولة النّبط والفرس بها من لدن الكلدانيّين والكيانيّة [١] والكسرويّة والعرب بعدهم آلافا من السّنين فلم يكن على
стр. 461
وجه الأرض لهذا العهد أحضر [١] من أهل الشّام والعراق ومصر. وكذا أيضا رسخت عوائد الحضارة واستحكمت بالأندلس لاتّصال الدّولة العظيمة فيها للقوط ثمّ ما أعقبها من ملك بني أميّة آلافا من السّنين وكلتا الدّولتين عظيمة فاتّصلت فيها عوائد الحضارة واستحكمت. وأمّا إفريقية والمغرب فلم يكن بها قبل الإسلام ملك ضخم إنّما قطع الإفرنجة إلى إفريقية البحر وملكوا السّاحل وكانت طاعة البربر أهل الضّاحية لهم طاعة غير مستحكمة فكانوا على قلعة وأوفاز [٢] وأهل المغرب لم تجاورهم دولة وإنّما كانوا يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر ولمّا جاء الله بالإسلام وملك العرب إفريقية والمغرب لم يلبث فيهم ملك العرب إلّا قليلا أوّل الإسلام وكانوا لذلك العهد في طور البداوة ومن استقرّ منهم بإفريقيّة والمغرب لم يجد بهما من الحضارة ما يقلّد فيه من سلفه إذ كانوا برابر منغمسين في البداوة ثمّ انتقض برابرة المغرب الأقصى لأقرب العهود على ميسرة المطغريّ أيّام هشام بن عبد الملك ولم يراجعوا أمر العرب بعد واستقلّوا بأمر أنفسهم وإن بايعوا لإدريس فلا تعدّ دولته فيهم عربيّة لأنّ البرابر هم الّذين تولّوها ولم يكن من العرب فيها كثير عدد وبقيت إفريقية للأغالبة ومن إليهم من العرب فكان لهم من الحضارة بعض الشّيء بما حصل لهم من ترف الملك ونعيمه وكثرة عمران القيروان وورث ذلك عنهم كتامة ثمّ صنهاجة من بعدهم وذلك كلّه قليل لم يبلغ أربعمائة سنة وانصرمت دولتهم واستحالت صبغة الحضارة بما كانت غير مستحكمة وتغلّب بدو العرب الهلاليّين عليها وخرّبوها وبقي أثر خفيّ من حضارة العمران فيها وإلى هذا العهد يونس فيمن سلف له بالقلعة أو القيروان أو المهديّة سلف فتجد له من الحضارة في شئون منزله وعوائد أحواله آثارا ملتبسة بغيرها يميّزها الحضريّ البصير بها وكذا في أكثر أمصار إفريقية وليس كذلك في
стр. 462
المغرب وأمصاره لرسوخ الدّولة بإفريقيّة أكثر أمدا منذ عهد الأغالبة والشّيعة وصنهاجة وأمّا المغرب فانتقل إليه منذ دولة الموحّدين من الأندلس حظّ كبير من الحضارة واستحكمت به عوائدها بما كان لدولتهم من الاستيلاء على بلاد الأندلس وانتقل الكثير من أهلها إليهم طوعا وكرها وكانت من اتّساع النّطاق ما علمت فكان فيها حظّ صالح من الحضارة واستحكامها ومعظمها من أهل الأندلس ثمّ انتقل أهل شرق الأندلس عند جالية النّصارى إلى إفريقية فأبقوا فيها وبأمصارها من الحضارة آثارا ومعظمها بتونس امتزجت بحضارة مصر وما ينقله المسافرون من عوائدها فكان بذلك للمغرب وإفريقية حظّ صالح من الحضارة عفي عليه الخلاء ورجع إلى أعقابه وعاد البربر بالمغرب إلى أديانهم من البداوة والخشونة وعلى كلّ حال فآثار الحضارة بإفريقيّة أكثر منها بالمغرب وأمصاره لما تداول فيها من الدّول السّالفة أكثر من المغرب ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر بكثرة المتردّدين بينهم. فتفطّن لهذا السّرّ فإنّه خفيّ عن النّاس. واعلم أنّها أمور متناسبة وهي حال الدّولة في القوّة والضّعف وكثرة الأمّة أو الجيل وعظم المدينة أو المصر وكثرة النّعمة واليسار وذلك أنّ الدّولة والملك صورة الخليقة والعمران وكلها مادّة لها من الرّعايا والأمصار وسائر الأحوال وأموال الجباية عائدة عليهم ويسارهم في الغالب من أسواقهم ومتاجرهم وإذا أفاض السّلطان عطاءه وأمواله في أهلها انبثّت فيهم ورجعت إليه ثمّ إليهم منه فهي ذاهبة عنهم في الجباية والخراج عائدة عليهم في العطاء فعلى نسبة حال الدّولة يكون يسار الرّعايا وعلى يسار الرّعايا وكثرتهم يكون مال الدّولة وأصله كلّه العمران وكثرته فاعتبره وتأمّله في الدّول تجده والله يحكم ولا معقّب لحكمه
.
стр. 463
الفصل الثامن عشر في أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وانها مؤذنة بفساده
قد بيّنّا لك فيما سلف أنّ الملك والدّولة غاية للعصبيّة وأنّ الحضارة غاية للبداوة وأنّ العمران كلّه من بداوة وحضارة وملك وسوقة [١] له عمر محسوس كما أنّ للشّخص الواحد من أشخاص المكوّنات عمرا محسوسا وتبيّن في المعقول والمنقول أنّ الأربعين للإنسان غاية في تزايد قواه ونموّها وأنّه إذا بلغ سنّ الأربعين وقفت الطّبيعة عن أثر النشوء والنّموّ برهة ثمّ تأخذ بعد ذلك في الانحطاط. فلتعلم أنّ الحضارة في العمران أيضا كذلك لأنّه غاية لا مزيد وراءها وذلك أنّ التّرف والنّعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتّخلّق بعوائدها والحضارة كما علمت هي التّفنّن في التّرف واستجادة أحواله والكلف بالصّنائع الّتي تؤنّق من أصنافه وسائر فنونه من الصّنائع المهيّئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل. وللتّأنّق في كلّ واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم التّأنّق فيها.
وإذا بلغ التّأنّق في هذه الأحوال المنزليّة الغاية تبعه طاعة الشّهوات فتتلوّن النّفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها أمّا دينها فلاستحكام صبغة العوائد الّتي يعسر نزعها وأمّا دنياها فلكثرة الحاجات والمؤنات الّتي تطالب بها العوائد ويعجز وينكّب [٢] عن الوفاء بها. وبيانه أنّ المصر بالتّفنّن في الحضارة تعظم نفقات أهله والحضارة تتفاوت بتفاوت العمران فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل. وقد كنّا قدّمنا أنّ المصر الكثير العمران يختصّ بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته. ثمّ تزيدها المكوس غلاء لأنّ الحضارة إنّما تكون عند انتهاء الدّولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدّول لكثرة
стр. 464
خرجها حينئذ كما تقدّم. والمكوس تعود إلى البياعات بالغلاء لأنّ السّوقة والتّجّار كلّهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتّى في مؤنة أنفسهم فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها. فتعظم نفقات أهل الحضارة وتخرج عن القصد إلى الإسراف. ولا يجدون وليجة عن ذلك لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها وتذهب مكاسبهم كلّها في النّفقات ويتتابعون [١] في الإملاق والخاصّة [٢] ويغلب عليهم الفقر ويقلّ المستامون للمبايع [٣] فتكسد الأسواق ويفسد حال المدينة وداعية ذلك كلّه إفراط الحضارة والتّرف. وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الأسواق والعمران. وأمّا فساد أهلها في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص فمن الكدّ والتّعب في حاجات العوائد والتّلوّن بألوان الشّرّ في تحصيلها وما يعود على النّفس من الضّرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها. فلذلك يكثر منهم الفسق والشّرّ والسّفسفة والتّحيّل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه. وتنصرف النّفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغشّ والخلابة والسّرقة والفجور في الأيمان والرّبا في البياعات ثمّ تجدهم لكثرة الشهوات والملاذ النّاشئة عن الترف أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبداوعيه واطّراح الحشمة في الخوض فيه حتّى بين الأقارب وذوي الأرحام والمحارم الّذين تقتضي البداوة الحياء منهم في الإقذاع بذلك. وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة يدفعون بذلك ما عساه أن ينالهم من القهر وما يتوقّعونه من العقاب على تلك القبائح حتّى يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم إلّا من عصمه الله. ويموج بحر المدينة بالسّفلة من أهل الأخلاق الذّميمة ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدّولة وولدانهم ممّن أهمل عن التّأديب وأهملته الدولة من عدادها وغلب عليه خلق
стр. 465
الجوار وإن كانوا أهل أنساب وبيوتات [١] وذلك أنّ النّاس بشر متماثلون وإنّما تفاضلوا وتميّزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرّذائل. فمن استحكمت فيه صبغة الرّذيلة بأيّ وجه كان، وفسد خلق الخير فيه، لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته. ولهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوت وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدّول منطرحين في الغمار [٢] منتحلين للحرف الدّنيئة في معاشهم بما فسد من أخلاقهم وما تلوّنوا به من صبغة الشّرّ والسّفسفة وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمّة تأذّن الله بخرابها وانقراضها وهو معنى قوله تعالى: «وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ١٧: ١٦» [٣] . ووجهه حينئذ إنّ مكاسبهم حينئذ لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النّفس بها فلا تستقيم أحوالهم. وإذا فسدت أحوال الأشخاص واحدا واحدا اختلّ نظام المدينة وخربت وهذا معنى ما يقوله بعض أهل الخواص [٤] أنّ المدينة إذا كثر فيها غرس النّارنج تأذّنت بالخراب حتّى أنّ كثيرا من العامّة يتحامى غرس النّارنج بالدّور تطيرا به. وليس المراد ذلك ولا أنّه خاصّيّة [٥] في النّارنج وإنّما معناه أنّ البساتين وإجراء المياه هو من توابع الحضارة. ثمّ إنّ النّارنج واللّيّة [٦] والسّرو وأمثال ذلك ممّا لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية [٧] الحضارة إذ لا يقصد بها في البساتين إلّا أشكالها فقط ولا تغرس إلّا بعد التّفنّن في مذاهب التّرف. وهذا هو الطّور الّذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه كما قلناه. ولقد قيل مثل ذلك في الدّفلى وهو من هذا الباب إذ الدّفلى لا يقصد بها إلّا تلوّن البساتين بنورها ما بين أحمر وأبيض وهو من مذاهب التّرف. ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشّهوات والاسترسال
стр. 466
فيها لكثرة التّرف فيقع التّفنّن في شهوات البطن من المآكل والملاذّ والمشارب وطيبها. ويتبع ذلك التّفنّن في شهوات الفرج بأنواع المناكح من الزّنا واللّواط، فيفضي ذلك إلى فساد النّوع. إمّا بواسطة اختلاط الأنساب كما في الزّنا، فيجهل كلّ واحد ابنه، إذ هو لغير رشدة، لأنّ المياه مختلطة في الأرحام، فتفقد الشّفقة الطّبيعيّة على البنين والقيام عليهم فيهلكون، ويؤدّي ذلك إلى انقطاع النّوع، أو يكون فساد النّوع بغير واسطة، كما في اللّواط المؤدّي إلى عدم النسل رأسا وهو أشدّ في فساد النّوع. والزّنا يؤدّي إلى عدم ما يوجد منه. ولذلك كان مذهب مالك ﵀ في اللّواط أظهر من مذهب غيره، ودلّ على أنّه أبصر بمقاصد الشّريعة واعتبارها للمصالح.
فافهم ذلك واعتبر به أنّ غاية العمران هي الحضارة والتّرف وأنّه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد وأخذ في الهرم كالأعمار الطّبيعيّة للحيوانات. بل نقول إنّ الأخلاق الحاصلة من الحضارة والتّرف هي عين الفساد لأنّ الإنسان إنّما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضارّه واستقامة خلقه للسّعي في ذلك. والحضريّ لا يقدر على مباشرته حاجاته إمّا عجزا لما حصل له من الدّعة أو ترفّعا لما حصل من المربى في النّعيم والتّرف وكلا الأمرين ذميم. وكذلك لا يقدر على دفع المضارّ واستقامة خلقه للسّعي في ذلك. والحضريّ بما قد فقد من خلق الإنسان بالتّرف والنّعيم [١] في قهر التّأديب والتعلم فهو بذلك عيال على الحامية الّتي تدافع عنه. ثمّ هو فاسد أيضا غالبا بما فسدت [٢] منه العوائد وطاعتها وما تلوّنت به النّفس من مكانتها [٣] كما قرّرناه إلّا في الأقلّ النّادر. وإذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيّته وصار مسخا على الحقيقة. وبهذا الاعتبار كان الّذين يتقرّبون من جند السّلطان إلى البداوة والخشونة أنفع من الّذين
стр. 467
يتربّون على الحضارة وخلقها. موجودون [١] في كلّ دولة. فقد تبيّن أنّ الحضارة هي سنّ الوقوف لعمر العالم في العمران والدّولة [٢] والله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ ٥٥: ٢٩ لا يشغله شأن عن شأن.
الفصل التاسع عشر في أن الأمصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها
قد استقرينا في العمران أنّ الدّولة إذا اختلّت وانتقضت فإنّ المصر الّذي يكون كرسيّا لسلطانها ينتقض عمرانه وربّما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلّف. والسّبب فيه أمور: الأوّل أنّ الدّولة لا بدّ في أوّلها من البداوة المقتضية للتّجافي عن أموال النّاس والبعد عن التّحذلق. ويدعو ذلك إلى تخفيف الجباية والمغارم الّتي منها مادّة الدّولة فتقلّ النّفقات ويقل [٣] التّرف فإذا صار المصر الّذي كان كرسيّا للملك في ملكة هذه الدّولة المتجدّدة ونقصت أحوال التّرف فيها نقص التّرف فيمن تحت أيديها من أهل المصر لأنّ الرّعايا تبع للدّولة فيرجعون إلى خلق الدّولة إمّا طوعا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم أو كرها لما يدعو إليه خلق الدّولة من الانقباض عن التّرف في جميع الأحوال وقلّة الفوائد الّتي هي مادّة العوائد فتقصر لذلك حضارة المصر ويذهب منه كثير من عوائد التّرف. وهو معنى ما نقول في خراب المصر. الأمر الثّاني أنّ الدّولة إنّما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب، وإنّما يكون بعد العداوة والحروب. والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدّولتين، وتكثر إحداهما على الأخرى في العوائد والأحوال. وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر فتكون أحوال الدّولة
стр. 468
السّابقة منكرة عند أهل الدّولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة. وخصوصا أحوال التّرف فتفقد في عرفهم بنكير الدّولة لها حتّى تنشأ لهم بالتّدريج عوائد أخرى من التّرف فتكون عنها حضارة مستأنفة. وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها وهو معنى اختلال العمران في المصر. الأمر الثّالث أنّ كلّ أمّة لا بدّ لهم من وطن وهو منشأهم ومنه أوّليّة ملكهم. وإذا ملكوا ملكا آخر صار تبعا للأوّل وأمصاره تابعة لأمصار الأوّل. واتّسع نطاق الملك عليهم. ولا بدّ من توسّط الكرسيّ بين تخوم الممالك الّتي للدّولة لأنّه شبه المركز للنّطاق فيبعد مكانه عن مكان الكرسيّ الأوّل وتهوى أفئدة النّاس من أجل الدّولة والسّلطان فينتقل إليه العمران ويخفّ من مصر الكرسيّ الأوّل. والحضارة إنّما هي توفّر [١] العمران كما قدّمناه فتنقص حضارته وتمدّنه وهو معنى اختلاله. وهذا كما وقع للسّلجوقيّة في عدولهم بكرسيّهم عن بغداد إلى أصبهان وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة، ولبني العبّاس في العدول عن دمشق إلى بغداد ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مرّاكش إلى فاس. وبالجملة فاتّخاذ الدّولة الكرسيّ في مصر يخلّ بعمران الكرسيّ الأوّل. الأمر الرّابع أنّ الدّولة الثّانية لا بدّ فيها من تبع [٢] أهل الدّولة السّابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر يؤمن فيه غائلتهم على الدّولة وأكثر أهل المصر الكرسيّ أشياع الدّولة. إمّا من الحامية الّذين نزلوا به أوّل الدّولة أو أعيان المصر لأنّ لهم في الغالب مخالطة للدّولة على طبقاتهم وتنوّع أصنافهم. بل أكثرهم ناشئ في الدّولة فهم شيعة لها. وإن لم يكونوا بالشّوكة والعصبيّة فهم بالميل والمحبّة والعقيدة. وطبيعة الدّولة المتجدّدة محو آثار الدّولة السّابقة فينقلهم من مصر الكرسيّ إلى وطنها المتمكّن في ملكتها. فبعضهم على نوع التّغريب والحبس وبعضهم على نوع الكرامة والتّلطّف بحيث لا يؤدّي إلى النّفرة حتّى لا يبقى في مصر الكرسيّ إلّا الباعة والهمل من أهل الفلح والعيارة
стр. 469
وسواد العامّة وينزل مكانهم حاميتها وأشياعها من يشتدّ به المصر وإذا ذهب من المصر أعيانهم على طبقاتهم نقص ساكنه وهو معنى اختلال عمرانه. ثمّ لا بدّ من أن يستجدّ عمران آخر في ظلّ الدّولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدّولة. وإنّما ذلك بمثابة (من له بيت على أوصاف مخصوصة فأظهر من قدرته على تغيير تلك الأوصاف) [١] وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه فيخرّب ذلك البيت ثمّ يعيد بناءه ثانيا. وقد وقع من ذلك كثير في الأمصار الّتي هي كراسيّ للملك وشاهدناه وعلمناه «وَالله يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ٧٣: ٢٠» . والسّبب الطّبيعيّ الأوّل في ذلك على الجملة أنّ الدّولة والملك للعمران بمثابة الصّورة للمادّة وهو الشّكل الحافظ بنوعه لوجودها. وقد تقرّر في علوم الحكمة أنّه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر. فالدّولة دون العمران لا تتصوّر والعمران دون الدّولة والملك متعذّر لما في طباع البشر من العدوان [٢] الدّاعي إلى الوازع فتتعيّن السّياسة لذلك إمّا الشّرعيّة أو الملكيّة وهو معنى الدّولة وإذا كانا لا ينفكّان فاختلال أحدهما مؤثّر في اختلال الآخر كما أنّ عدمه مؤثّر في عدمه والخلل العظيم إنّما يكون من خلل الدّولة الكلّيّة مثل دولة الرّوم أو الفرس أو العرب على العموم أو بني أميّة أو بني العبّاس كذلك. وأمّا الدّولة الشّخصيّة مثل دولة أنوشروان أو هرقل أو عبد الملك بن مروان أو الرّشيد فأشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشّبه بعضها من بعض فلا تؤثّر كثير اختلال لأنّ الدّولة بالحقيقة الفاعلة في مادّة العمران إنّما هي العصبيّة والشّوكة وهي مستمرّة على أشخاص الدّولة فإذا ذهبت تلك العصبيّة ودفعتها عصبيّة أخرى مؤثّرة في العمران ذهبت أهل الشّوكة بأجمعهم وعظم الخلل كما قرّرناه أوّلا «والله أعلم» [٣]
стр. 470
الفصل العشرون في اختصاص بعض الأمصار ببعض الصنائع دون بعض
وذلك أنّه من البيّن أنّ أعمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضا لما في طبيعة العمران من التّعاون وما يستدعي من الأعمال يختصّ ببعض أهل المصر فيقومون عليه ويستبصرون في صناعته ويختصّون بوظيفته ويجعلون معاشهم فيه ورزقهم منه لعموم البلوى به في المصر والحاجة إليه. وما لا تستدعي في المصر يكون غفلا إذ لا فائدة لمنتحله في الاحتراف به. وما يستدعي من ذلك لضرورة المعاش فيوجد في كلّ مصر كالخيّاط والحدّاد والنّجّار وأمثالها وما يستدعي لعوائد التّرف وأحواله فإنّما يوجد في المدن المستبحرة في العمارة الآخذة في عوائد التّرف والحضارة مثل الزّجّاج والصّائغ والدّهّان والطّبّاخ والصّفّار والسّفّاج والفرّاش والذّبّاح وأمثال هذه وهي متفاوتة. وبقدر ما تزيد الحضارة وتستدعي أحوال التّرف تحدث صنائع لذلك النّوع فتوجد بذلك المصر دون غيره ومن هذا الباب الحمّامات لأنّها إنّما توجد في الأمصار المستحضرة المستبحرة العمران لما يدعو إليه التّرف والغنى من التّنعّم ولذلك لا تكون في المدن المتوسّطة. وإن نزع بعض الملوك والرّؤساء إليها فيختطّها ويجري أحوالها. إلّا أنّها إذا لم تكن لها داعية من كافّة النّاس فسرعان ما تهجر وتخرب وتفرّ عنها القومة لقلّة فائدتهم ومعاشهم منها. والله يقبض ويبسط.
الفصل الحادي والعشرون في وجود العصبية في الأمصار وتغلب بعضهم على بعض
من البيّن أنّ الالتحام والاتّصال موجود في طباع البشر وإن لم يكونوا أهل نسب واحد إلّا أنّه كما قدّمناه أضعف ممّا يكون بالنّسب وأنّه تحصل به العصبيّة
стр. 471
بعضا ممّا تحصل بالنّسب. وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصّهر يجذب بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما وقرابة قرابة وتجد بينهم من العداوة والصّداقة ما يكون بين القبائل والعشائر مثله فيفترقون شيعا [١] وعصائب فإذا نزل الهرم بالدّولة وتقلّص ظلّ الدّولة [٢] عن القاصية احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم والنّظر في حماية بلدهم ورجعوا إلى الشّورى وتميّز العلية عن السّفلة والنّفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب والرّئاسة فتطمح المشيخة لخلاء الجوّ من السّلطان والدّولة القاهرة إلى الاستبداد وينازع كلّ صاحبه ويستوصلون بالأتباع من الموالي والشّيع والأحلاف ويبذلون ما في أيديهم للأوغاد والأوشاب فيعصوصب كلّ لصاحبه ويتعيّن الغلب لبعضهم فيعطف على أكفائه ليقصّ من أعنّتهم ويتتبّعهم بالقتل أو التّغريب حتّى يخضد منهم الشّوكات النّافذة ويقلّم الأظفار الخادشة ويستبدّ بمصره أجمع ويرى أنّه قد استحدث ملكا يورثه عقبه فيحدث في ذلك الملك الأصغر ما يحدث في الملك الأعظم من عوارض الجدّة والهرم وربّما يسمو بعض هؤلاء إلى منازع الملوك الأعاظم أصحاب القبائل والعشائر والعصبيّات والزّحوف والحروب والأقطار والممالك فينتحلون بها من الجلوس على السّرير واتّخاذ الآلة وإعداد المواكب للسّير في أقطار البلد والتّختّم والتّحيّة والخطاب بالتّهويل ما يسخر منه من يشاهد أحوالهم لما انتحلوه من شارات الملك الّتي ليسوا لها بأهل. إنّما دفعهم إلى ذلك تقلّص الدّولة والتحام بعض القرابات حتّى صارت عصبيّة. وقد يتنزّه بعضهم عن ذلك ويجري على مذهب [٣] السّذاجة فرارا من التّعريض بنفسه للسّخريّة والعبث. وقد وقع هذا بإفريقيّة لهذا العهد في آخر الدّولة الحفصيّة لأهل بلاد الجريد من طرابلس وقابس وتؤزّر ونفطة وقفصة وبسكرة والزّاب وما إلى ذلك. سموا إلى مثلها عند
стр. 472
تقلّص ظلّ الدّولة عنهم منذ عقود من السّنين فاستغلبوا على أمصارهم واستبدّوا بأمرها على الدّولة في الأحكام والجباية. وأعطوا طاعة معروفة وصفقة ممرّضة وأقطعوها جانبا من الملاينة والملاطفة والانقياد وهم بمعزل عنه. وأورثوا ذلك أعقابهم لهذا العهد. وحدث في خلفهم [١] من الغلظة والتّجبّر ما يحدث لأعقاب الملوك وخلفهم ونظّموا أنفسهم في عداد السّلاطين على قرب عهدهم بالسّوقة حتّى محا ذلك مولانا أمير المؤمنين أبو العبّاس وانتزع ما كان بأيديهم من ذلك كما نذكره في أخبار الدّولة. وقد كان مثل ذلك وقع في آخر الدّولة الصّنهاجيّة واستقلّ بأمصار الجريد أهلها واستبدّوا على الدّولة حتّى انتزع ذلك منهم شيخ الموحّدين وملكهم عبد المؤمن بن عليّ ونقلهم من إماراتهم بها إلى المغرب ومحا من تلك البلاد آثارهم كما نذكر في أخباره. وكذا وقع بسبتة لآخر دولة بني عبد المؤمن.
وهذا التّغلّب يكون غالبا في أهل السّروات والبيوتات المرشّحين للمشيخة والرّئاسة في المصر، وقد يحدث التّغلّب لبعض السّفلة من الغوغاء والدّهماء. وإذا حصلت له العصبيّة والالتحام بالأوغاد لأسباب يجرّها له المقدار فيتغلّب على المشيخة والعلية إذا كانوا فاقدين للعصابة والله غالب على أمره.
الفصل الثاني والعشرون في لغات أهل الأمصار
اعلم أنّ لغات أهل الأمصار إنّما تكون بلسان الأمّة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطّين لها ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلاميّة كلّها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربيّة وإن كان اللّسان العربيّ المضريّ قد فسدت ملكته وتغيّر إعرابه والسّبب في ذلك ما وقع للدّولة الإسلاميّة من الغلب على الأمم والدّين والملّة صورة
стр. 473
للوجود وللملك. وكلّها موادّ له والصّورة مقدّمة على المادّة والدّين إنّما يستفاد من الشّريعة وهي بلسان العرب لما أنّ النّبيّ ﷺ عربيّ فوجب هجر ما سوى اللّسان العربيّ من الألسن في جميع ممالكها. واعتبر ذلك في نهي عمر ﵁ عن بطانة [١] الأعاجم وقال إنّها خبّ. أي مكر وخديعة. فلمّا هجر الدّين اللّغات الأعجميّة وكان لسان القائمين بالدّولة الإسلاميّة عربيّا هجرت كلّها في جميع ممالكها لأنّ النّاس تبع للسّلطان وعلى دينه فصار استعمال اللّسان العربيّ من شعائر الإسلام وطاعة العرب. وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك. وصار اللّسان العربيّ لسانهم حتّى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الألسنة العجميّة دخيلة فيها وغريبة. ثمّ فسد اللّسان العربيّ بمخالطتها في بعض أحكامه وتغيّر أواخره وإن كان بقي في الدّلالات على أصله وسمّي لسانا حضريّا في جميع أمصار الإسلام. وأيضا فأكثر أهل الأمصار في الملّة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها، الهالكين في ترفها بما كثّروا العجم الّذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم. واللّغات متوارثة فبقيت لغة الأعقاب على حيال لغة الآباء وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئا فشيئا. وسمّيت لغتهم حضريّة منسوبة إلى أهل الحواضر والأمصار بخلاف لغة البدو من العرب فإنّها كانت أعرق في العروبيّة ولمّا تملّك العجم من الدّيلم والسّلجوقيّة بعدهم بالمشرق، وزناتة والبربر بالمغرب، وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلاميّة فسد اللّسان العربيّ لذلك وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسّنّة اللّذين بهما حفظ الدّين وسار ذلك مرجّحا لبقاء اللّغة العربيّة المضريّة من الشّعر والكلام إلّا قليلا بالأمصار فلمّا ملك التّتر والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجّح وفسدت اللّغة العربيّة على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلاميّة بالعراق وخراسان
стр. 474
وبلاد فارس وأرض الهند والسّند وما وراء النّهر وبلاد الشّمال وبلاد الرّوم وذهبت أساليب اللّغة العربيّة من الشّعر والكلام إلّا قليلا يقع تعليمه صناعيّا بالقوانين المتدارسة من كلام [١] العرب وحفظ كلامهم لمن يسّره الله تعالى لذلك. وربّما بقيت اللّغة العربيّة المضريّة بمصر والشّام والأندلس وبالمغرب لبقاء الدّين طلبا لها فانحفظت ببعض الشّيء وأمّا في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين حتّى إنّ كتب العلوم صارت تكتب باللّسان العجميّ وكذا تدريسه في المجالس والله أعلم بالصّواب. والله مقدّر اللّيل والنّهار. صلى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدّين والحمد للَّه ربّ العالمين.
الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل
الفصل الأول في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما وان الكسب هو قيمة الأعمال البشرية
اعلم أنّ الإنسان مفتقر بالطّبع إلى ما يقوته ويمونه في حالاته وأطواره من لدن نشوءه إلى أشدّه إلى كبره «وَالله الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ٤٧: ٣٨» والله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان وامتنّ به عليه في غير ما آية من كتابه فقال:
стр. 475
«وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ٤٥: ١٣» [١] وسخّر لكم البحر وسخّر لكم الفلك وسخّر لكم الأنعام. وكثير من شواهده. ويد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه بما جعل الله له من الاستخلاف. وأيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك. وما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلّا بعوض. فالإنسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز طور الضّعف سعى في اقتناء المكاسب لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الأعواض عنها. قال الله تعالى: «فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ ٢٩: ١٧» وقد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزّراعة وأمثاله. إلّا أنّها إنّما تكون معينة ولا بدّ من سعيه معها كما يأتي فتكون له تلك المكاسب معاشا إن كانت بمقدار الضّرورة والحاجة ورياشا ومتموّلا إن زادت على ذلك. ثمّ إنّ ذلك الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سمّي ذلك رزقا. قال ﷺ : «إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأمضيت» وإن لم ينتفع به في شيء من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمّى بالنّسبة إلى المالك رزقا والمتملّك منه حينئذ بسعي العبد وقدرته يسمّى كسبا. وهذا مثل التّراث فإنّه يسمّى بالنّسبة إلى الهالك كسبا ولا يسمّى رزقا إذ لم يحصل به منتفع وبالنّسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمّى رزقا. هذا حقيقة مسمّى الرّزق عند أهل السّنّة وقد اشترط المعتزل في تسميته رزقا أن يكون بحيث يصحّ تملّكه وما لا يتملّك عندهم لا يسمّى رزقا وأخرجوا الغصوبات [٢] والحرام كلّه عن أن يسمّى شيء منها رزقا والله تعالى يرزق الغاصب والظّالم والمؤمن والكافر برحمته وهدايته من يشاء.
ولهم في ذلك حجج ليس هذا موضع بسطها. ثمّ اعلم أنّ الكسب إنّما يكون بالسّعي في الاقتناء والقصد إلى التّحصيل فلا بدّ في الرّزق من سعي وعمل ولو في
стр. 476
تناوله وابتغائه من وجوهه. قال تعالى: «فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ ٢٩: ١٧» والسّعي إليه إنّما يكون بأقدار الله تعالى وإلهامه، فالكلّ من عند الله. فلا بدّ من الأعمال الإنسانيّة في كلّ مكسوب ومتموّل. لأنّه إن كان عملا بنفسه مثل الصّنائع فظاهر وإن كان مقتنى من الحيوان والنّبات والمعدن فلا بدّ فيه من العمل الإنسانيّ كما تراه وإلّا لم يحصل ولم يقع به انتفاع. ثمّ إنّ الله تعالى خلق الحجرين المعدنيّين من الذّهب والفضّة قيمة لكلّ متموّل، وهما الذّخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب. وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنّما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق الّتي هما عنها بمعزل فهما أصل المكاسب والقنية والذّخيرة. وإذا تقرّر هذا كلّه فاعلم أنّ ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتموّلات إن كان من الصّنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية إذ ليس هناك إلّا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصّنائع في بعضها غيرها مثل التّجارة والحياكة معهما الخشب والغزل إلّا أنّ العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر وإن كان من غير الصّنائع فلا بدّ من قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الّذي حصلت به إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها. وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصّة من القيمة عظمت أو صغرت. وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين النّاس فإنّ اعتبار الأعمال والنّفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدّمناه لكنّه خفيّ في الأقطار الّتي علاج الفلح فيها ومؤنته يسيرة فلا يشعر به إلّا القليل من أهل الفلح. فقد تبيّن أنّ المفادات والمكتسبات كلّها أو أكثرها إنّما هي قيم الأعمال الإنسانيّة وتبيّن مسمّى الرّزق وأنّه المنتفع به. فقد بان معنى الكسب والرّزق وشرح مسمّاهما. واعلم أنّه إذا فقدت الأعمال أو قلّت بانتقاص العمران تأذّن الله برفع الكسب أترى إلى الأمصار القليلة السّاكن كيف يقلّ الرّزق والكسب فيها أو يفقد لقلّة الأعمال الإنسانيّة وكذلك الأمصار الّتي يكون عمرانها [١] أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا
стр. 477
وأشدّ رفاهية كما قدّمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامّة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنّها قد ذهب رزقها حتّى أنّ الأنهار والعيون ينقطع جريها في القفر لما أنّ فور العيون إنّما يكون بالأنباط والامتراء الّذي هو بالعمل الإنسانيّ كالحال في ضروع الأنعام فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة كما يجفّ الضّرع إذا ترك امتراؤه. وأنظره في البلاد الّتي تعهد فيها العيون لأيّام عمرانها ثمّ يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنّها لم تكن «وَالله مُقَدِّرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار» .
الفصل الثاني في وجوه المعاش وأصنافه ومذاهبه
اعلم أنّ المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرّزق والسّعي في تحصيله وهو مغفل من العيش. كأنّه لمّا كان العيش الّذي هو الحياة لا يحصل إلّا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة ثمّ إنّ تحصيل الرّزق وكسبه: إمّا أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمّى مغرما وجباية وإمّا أن يكون من الحيوان الوحشيّ بافتراسه [١] وأخذه برميه من البرّ أو البحر ويسمّى اصطيادا وإمّا أن يكون من الحيوان الدّاجن باستخراج فضوله المنصرفة بين النّاس في منافعهم كاللّبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحلة أو يكون من النّبات في الزّرع والشّجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ويسمّى هذا كلّه فلحا وإمّا أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانيّة إمّا في موادّ معيّنة وتسمّى الصّنائع من كتابة وتجارة وخياطة وحياكة وفروسيّة وأمثال ذلك أو في موادّ غير معيّنة وهي جميع الامتهانات والتّصرّفات وإمّا أن يكون الكسب من البضائع
стр. 478
وإعدادها للأعواض إمّا بالتّغلّب بها في البلاد واحتكارها وارتقاب حوالة الأسواق فيها. ويسمّى هذا تجارة. فهذه وجوه المعاش وأصنافه وهي معنى ما ذكره المحقّقون من أهل الأدب والحكمة كالحريريّ وغيره فإنّهم قالوا: «المعاش إمارة وتجارة وفلاحة وصناعة» . فأمّا الإمارة فليست بمذهب طبيعيّ للمعاش فلا حاجة بنا إلى ذكرها وقد تقدّم شيء من أحوال الجبايات السّلطانيّة وأهلها في الفصل الثّاني. وأمّا الفلاحة والصّناعة والتّجارة فهي وجوه طبيعيّة للمعاش أمّا الفلاحة فهي متقدّمة عليها كلّها بالذّات إذ هي بسيطة وطبيعيّة فطريّة لا تحتاج إلى نظر ولا علم ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر وأنّه معلّمها والقائم عليها إشارة إلى أنّها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطّبيعة. وأمّا الصّنائع فهي ثانيتها ومتأخّرة عنها لأنّها مركّبة وعلميّة تصرف فيها الأفكار والأنظار ولهذا لا يوجد غالبا إلّا في أهل الحضر الّذي هو متأخّر عن البدو وثان عنه. ومن هذا المعنى نسبت إلى إدريس الأب الثّاني للخليقة فإنّه مستنبطها لمن بعده من البشر بالوحي من الله تعالى. وأمّا التّجارة وإن كانت طبيعة في الكسب فالأكثر من طرقها ومذاهبها إنّما هي تحيّلات في الحصول على ما بين القيمتين في الشّراء والبيع لتحصل فائدة الكسب من تلك الفضلة. ولذلك أباح الشّرع فيه المكاسبة [١] لما أنّه من باب المقامرة إلّا أنّه ليس أخذ المال الغير مجّانا فلهذا اختصّ بالمشروعيّة. والله أعلم.
الفصل الثالث في أن الخدمة ليست من الطبيعي
اعلم أنّ السّلطان لا بدّ له من اتّخاذ الخدمة في سائر أبواب الإمارة والملك الّذي هو بسبيله من الجنديّ والشّرطيّ والكاتب. ويستكفي في كلّ باب بمن
стр. 479
المضيّع ولو كان مأمونا فضرره بالتّضييع أكثر من نفعه. فاعلم ذلك واتّخذه قانونا في الاستكفاء بالخدمة. والله قادر على كلّ شيء.
الفصل الرابع في ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي
اعلم أنّ كثيرا من ضعفاء العقول في الأمصار يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك. ويعتقدون أنّ أموال الأمم السّالفة مختزنة كلّها تحت الأرض مختوم عليها كلّها بطلاسم سحريّة، لا يفضّ ختامها ذلك إلّا من عثر على علمه واستحضر ما يحلّه من البخور والدّعاء والقربان. فأهل الأمصار بإفريقيّة يرون أنّ الإفرنجة الّذين كانوا قبل الإسلام بها دفنوا أموالهم كذلك وأودعوها في الصّحف بالكتاب إلى أن يجدوا السّبيل إلى استخراجها. وأهل الأمصار بالمشرق يرون مثل ذلك في أمم القبط والرّوم والفرس. ويتناقلون في ذلك أحاديث تشبه حديث خرافة من انتهاء بعض الطّالبين لذلك إلى حفر موضع المال ممّن لم يعرف طلّسمه ولا خبره فيجدونه خاليا أو معمورا بالدّيدان. أو يشاهد الأموال والجواهر موضوعة والحرس دونها منتضين سيوفهم. أو تميد به الأرض حتّى يظنّه خسفا أو مثل ذلك من الهذر. ونجد كثيرا من طلبة البربر بالمغرب العاجزين عن المعاش الطّبيعيّ وأسبابه يتقرّبون إلى أهل الدّنيا بالأوراق المتخرّمة [١] الحواشي إمّا بخطوط عجميّة أو بما ترجم بزعمهم منها من خطوط أهل الدّفائن بإعطاء الأمارات عليها في أماكنها يبتغون بذلك الرّزق منهم بما يبعثونه على الحفر والطّلب ويموّهون عليهم بأنّهم إنّما حملهم على الاستعانة بهم طلب الجاه في مثل هذا من منال الحكّام والعقوبات. وربّما تكون عند
стр. 480
يعلم غناءه فيه ويتكفّل بأرزاقهم من بيت ماله. وهذا كلّه مندرج في الإمارة ومعاشها إذ كلّهم ينسحب [١] عليهم حكم الإمارة والملك الأعظم هو ينبوع جداولهم. وأمّا ما دون ذلك من الخدمة فسببها أنّ أكثر المترفين يترفّع عن مباشرة حاجاته أو يكون عاجزا عنها لما ربّي عليه من خلق التّنعّم والتّرف فيتّخذ من يتولّى ذلك له ويقطعه عليه أجرا من ماله. وهذه الحالة غير محمودة بحسب الرّجوليّة الطّبيعيّة للإنسان إذ الثّقة بكلّ أحد عجز، ولأنّها تزيد في الوظائف والخرج وتدلّ على العجز والخنث الّذي ينبغي في مذاهب الرّجوليّة التّنزّه عنهما.
إلّا أنّ العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها فهو ابن عوائده لا ابن نسبه. ومع ذلك فالخديم الّذي يستكفى به ويوثق بغنائه كالمفقود إذ الخديم القائم بذلك لا يعدو أربع حالات: إمّا مضطلع بأمره ولا موثوق فيما يحصل بيده وإمّا بالعكس فيهما، وهو أن يكون غير مضطلع بأمره ولا موثوق فيها يحصل بيده وإمّا بالعكس في إحداهما فقط مثل أن يكون مضطلعا غير موثوق أو موثوقا غير مضطلع. فأمّا الأوّل وهو المضطلع الموثوق فلا يمكن أحدا استعماله بوجه إذ هو باضطلاعه وثقته غنيّ عن أهل الرّتب الدّنيئة ومحتقر لمثال الأجر من الخدمة لاقتداره على أكثر من ذلك فلا يستعمله إلّا الأمراء أهل الجاه العريض لعموم الحاجة إلى الجاه. وأمّا الصّنف الثّاني وهو ممّن ليس بمضطلع ولا موثوق فلا ينبغي لعاقل استعماله لأنّه يحجف بمخدومه في الأمرين معا فيضيع عليه لعدم الاصطناع تارة ويذهب ماله بالخيانة أخرى فهو على كلّ حال كلّ على مولاه.
فهذان الصّنفان لا يطمع أحد في استعمالهما. ولم يبق إلّا استعمال الصّنفين الآخرين: موثوق غير مضطلع ومضطلع غير موثوق وللنّاس في التّرجيح بينهما مذهبان، ولكلّ من التّرجيحين وجه. إلّا أنّ المضطلع ولو كان غير موثوق أرجح لأنّه يؤمن من تضييعه ويحاول على التّحرّز من خيانته جهد الاستطاعة وأمّا
стр. 481
بعضهم نادرة أو غريبة من الأعمال السّحريّة يموّه بها على تصديق ما بقي من دعواه وهو بمعزل عن السّحر وطرقه فتولّع كثير من ضعفاء العقول بجمع الأيدي على الاحتفار والتّستّر فيه بظلمات اللّيل مخافة الرّقباء وعيون أهل الدّول، فإذا لم يعثروا على شيء ردّوا ذلك إلى الجهل بالطّلّسم الّذي ختم به على ذلك المال يخادعون به أنفسهم عن إخفاق مطامعهم. والّذي يحمل على ذلك في الغالب زيادة على ضعف العقل إنّما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطّبيعيّة للكسب من التّجارة والفلح والصّناعة فيطلبونه بالوجوه المنحرفة وعلى غير المجرى [١] الطّبيعيّ من هذا وأمثاله عجزا عن السّعي في المكاسب وركونا إلى تناول الرّزق من غير تعب ولا نصب في تحصيله واكتسابه ولا يعلمون أنّهم يوقعون أنفسهم بابتغاء ذلك من غير وجهه في نصب ومتاعب وجهد شديد أشدّ من الأوّل ويعرّضون أنفسهم مع ذلك لمنال العقوبات. وربّما يحمل على ذلك في الأكثر زيادة التّرف وعوائده وخروجها عن حدّ النّهاية حتّى تقصّر عنها وجوه الكسب ومذاهبه ولا تفي بمطالبها. فإذا عجز عن الكسب بالمجرى الطّبيعيّ لم يجد وليجة في نفسه إلّا التّمنّي لوجود المال العظيم دفعة من غير كلفة ليفي له ذلك بالعوائد الّتي حصل في أسرها فيحرص على ابتغاء ذلك ويسعى فيه جهده ولهذا فأكثر من تراهم يحرصون على ذلك هم المترفون من أهل الدّولة ومن سكّان الأمصار الكثيرة التّرف المتّسعة الأحوال مثل مصر وما في معناها فنجد الكثير منهم مغرمين بابتغاء ذلك وتحصيله ومساءلة الرّكبان عن شواذّه كما يحرصون على الكيمياء. هكذا بلغني [٢] عن أهل مصر في مفاوضة من يلقونه من طلبة المغاربة لعلّهم يعثرون منه على دفين أو كنز ويزيدون على ذلك البحث عن تغوير المياه لما يرون أنّ غالب هذه الأموال الدّفينة كلّها في مجاري النّيل وأنّه أعظم ما يستر دفينا أو مختزنا في تلك الآفاق ويموّه عليهم أصحاب تلك الدّفاتر المفتعلة
стр. 482
في الاعتذار عن الوصول إليها بجرية النّيل تستّرا بذلك من الكذب حتّى يحصل على معاشه فيحرص سامع ذلك منهم على نضوب الماء بالأعمال السّحريّة لتحصيل مبتغاه من هذه كلفا بشأن السّحر متوارثا في ذلك القطر عن أوّليه فعلومهم السّحريّة وآثارها باقية بأرضهم في البراري [١] وغيرها. وقصّة سحرة فرعون شاهدة باختصاصهم بذلك وقد تناقل أهل المغرب قصيدة ينسبونها إلى حكماء المشرق تعطى فيها كيفيّة العمل بالتّغوير بصناعة سحريّة حسبما تراه فيها وهي هذه:
يا طالبا للسّرّ في التّغوير ... اسمع كلام الصّدق من خبير
دع عنك ما قد صنّفوا في كتبهم ... من قول بهتان ولفظ غرور
واسمع لصدق مقالتي ونصيحتي ... إن كنت ممّن لا يرى بالزّور
فإذا أردت تغوّر البئر الّتي ... حارت لها الأوهام في التّدبير
صوّر كصورتك الّتي أوقفتها ... والرّأس رأس الشّبل في التّقوير
ويداه ماسكتان للحبل الّذي ... في الدّلو ينشل من قرار البير
وبصدره هاء كما عاينتها ... عدد الطّلاق احذر من التّكرير
ويطا على الطّاءات غير ملامس ... مشي اللّبيب الكيّس النّحرير
ويكون حول الكلّ [٢] خطّ دائر ... تربيعه أولى من التّكوير
واذبح عليه الطّير والطخه به ... واقصده عقب [٣] الذّبح بالتّبخير
بالسّندروس وباللّبان وميعة ... والقسط وألبسه بثوب حرير
من أحمر أو أصفر لا [٤] أزرق ... لا أخضر فيه ولا تكدير
ويشدّه خيطان صوف أبيض ... أو أحمر من خالص التّحمير
стр. 483
والطّالع الأسد الّذي قد بيّنوا ... ويكون بدء [١] الشّهر غير منير
والبدر متّصل بسعد عطارد ... في يوم سبت ساعة التّدبير
يعني أن تكون الطّاءات بين قدميه كأنّه يمشي عليها وعندي أنّ هذه القصيدة من تمويهات المتخرّفين [٢] فلهم في ذلك أحوال غريبة واصطلاحات عجيبة وتنتهي التّخرفة [٣] والكذب بهم إلى أن يسكنوا المنازل المشهورة والدّور المعروفة لمثل هذه ويحتفرون الحفر ويضعون المطابق فيها والشّواهد الّتي يكتبونها في صحائف كذبهم ثمّ يقصدون ضعفاء العقول بأمثال هذه الصّحائف (ويعثون على كبراء) [٤] ذلك المنزل وسكناه ويوهمون أنّ به دفينا من المال لا يعبّر عن كثرته ويطالبون بالمال لاشتراء العقاقير والبخورات لحلّ الطّلاسم ويعدونه بظهور الشّواهد الّتي قد أعدّوها هنالك بأنفسهم ومن فعلهم فينبعث لما يراه من ذلك وهو قد خدع ولبس عليه من حيث لا يشعر وبينهم في ذلك اصطلاح في كلامهم يلبّسون به عليهم ليخفى عند محاورتهم فيما يتلونه [٥] من حفر وبخور وذبح حيوان وأمثال ذلك. وأمّا الكلام في ذلك على الحقيقة فلا أصل له في علم ولا خبر واعلم أنّ الكنوز وإن كانت توجد لكنّها في حكم النّادر وعلى وجه الاتّفاق لا على وجه القصد إليها. وليس ذلك بأمر تعمّ به البلوى حتّى يدّخر النّاس أموالهم تحت الأرض ويختمون عليها بالطّلاسم لا في القديم ولا في الحديث. والرّكاز الّذي ورد في الحديث وفرضه الفقهاء وهو دفين الجاهليّة إنّما يوجد بالعثور والاتّفاق لا بالقصد والطّلب وأيضا فمن اختزن ماله وختم عليه بالأعمال السّحريّة فقد بالغ في إخفائه فكيف ينصب عليه الأدلّة والأمارات لمن يبتغيه. ويكتب ذلك في الصّحائف حتّى يطّلع على ذخيرته أهل الأمصار
стр. 484
والآفاق؟ هذا يناقض قصد الإخفاء. وأيضا فأفعال العقلاء لا بدّ وأن تكون لغرض مقصود في الانتفاع. ومن اختزن المال فإنّه يختزنه لولده أو قريبه أو من يؤثره. وأمّا أن يقصد إخفاءه بالكليّة عن كلّ أحد وإنّما هو للبلاء والهلاك أو لمن لا يعرفه بالكليّة ممّن سيأتي من الأمم فهذا ليس من مقاصد العقلاء بوجه. وأمّا قولهم: أين أموال الأمم من قبلنا وما علم فيها من الكثرة والوفور؟ فاعلم أنّ الأموال من الذّهب والفضّة والجواهر والأمتعة إنّما هي معادن ومكاسب مثل الحديد والنّحاس والرّصاص وسائر العقارات والمعادن. والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانيّة ويزيد فيها أو ينقصها وما يوجد منها بأيدي النّاس فهو متناقل متوارث وربّما انتقل من قطر إلى قطر ومن دولة إلى أخرى بحسب أغراضه [١] . والعمران الّذي يستدعي له فإن نقص المال في المغرب وإفريقية فلم ينقص ببلاد الصّقالبة والإفرنج وإن نقص في مصر والشّام فلم ينقص في الهند والصّين. وإنّما هي الآلات والمكاسب والعمران يوفّرها أو ينقصها، مع أنّ المعادن يدركها البلاء كما يدرك سائر الموجودات ويسرع إلى اللّؤلؤ والجوهر أعظم ممّا يسرع إلى غيره. وكذا الذّهب والفضّة والنّحاس والحديد والرّصاص والقصدير ينالها من البلاء والفناء ما يذهب بأعيانها لأقرب وقت. وأمّا ما وقع في مصر من أمر المطالب والكنوز فسببه أنّ مصر في ملكة القبط منذ آلاف [٢] أو يزيد من السّنين وكان موتاهم يدفنون بموجودهم من الذّهب والفضّة والجواهر واللّئالئ على مذهب من تقدّم من أهل الدّول فلمّا انقضت دولة القبط وملك الفرس بلادهم نقّروا على ذلك في قبورهم فكشفوا عنه فأخذوا من قبورهم ما لا يوصف:
كالأهرام من قبور الملوك وغيرها. وكذا فعل اليونانيّون من بعدهم وصارت قبورهم مظنّة لذلك لهذا العهد. ويعثر على الدّفين فيها كثيرا من الأوقات. أمّا ما يدفنونه من أموالهم أو ما يكرّمون به موتاهم في الدّفن من أوعية وتوابيت من
стр. 485
الذّهب والفضّة معدّة لذلك فصارت قبور القبط منذ آلاف من السّنين مظنّة لوجود ذلك فيها. فلذلك عني أهل مصر بالبحث عن المطالب لوجود ذلك فيها واستخراجها. حتّى إنّهم حين ضربت المكوس على الأصناف آخر الدّولة ضربت على أهل المطالب. وصدرت ضريبة على من يشتغل بذلك من الحمقى والمهوّسين فوجد بذلك المتعاطون من أهل الأطماع الذّريعة إلى الكشف عنه والذّرع [١] باستخراجه وما حصلوا إلّا على الخيبة في جميع مساعيهم نعوذ باللَّه من الخسران فيحتاج من وقع له شيء [٢] من هذا الوسواس وابتلي به أن يتعوّذ باللَّه من العجز والكسل في طلب معاشه كما تعوّذ رسول الله ﷺ من ذلك وينصرف عن طرق الشّيطان ووسواسه ولا يشغل بالمحالات والمكاذب من الحكايات «وَالله يَرْزُقُ من يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ٢: ٢١٢» .
الفصل الخامس في أن الجاه مفيد للمال
وذلك أنّا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه. والسّبب في ذلك أنّ صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرّب بها إليه في سبيل التّزلّف والحاجة إلى جاهه فالنّاس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروريّ أو حاجيّ أو كماليّ فتحصل قيم تلك الأعمال كلّها من كسبه وجميع معاشاته أن تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيها النّاس من غير عوض فتتوفّر قيم تلك الأعمال عليه. فهو بين قيم للأعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضّرورة إلى إخراجها فتتوفّر عليه. والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لأقرب وقت ويزداد مع الأيّام يسارا وثروة. ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش كما قدّمناه وفاقد الجاه بالكلّيّة ولو كان صاحب مال فلا
стр. 486
يكون يساره إلّا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه وهؤلاء هم أكثر التّجّار. ولهذا تجد أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير. وممّا يشهد لذلك أنّا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدّين والعبادة إذا اشتهروا حسن الظّنّ بهم واعتقد الجمهور معاملة الله في إرفادهم فأخلص النّاس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم وأسرعت إليهم الثّروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى إلّا ما يحصل لهم من قيم الأعمال الّتي وقعت المعونة بها من النّاس لهم. رأينا من ذلك أعدادا في الأمصار والمدن. وفي البدو يسعى لهم النّاس في الفلح والتّجر وكلّ هو قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه فينمو ماله ويعظم كسبه ويتأثّل الغنيّ من غير سعي ويعجب من لا يفطن لهذا السّرّ في حال ثروته وأسباب غناه ويساره والله يرزق من يشاء بغير حساب.
الفصل السادس في أن السعادة والكسب إنما يحصل غالبا لأهل الخضوع والتملق وان هذا الخلق من أسباب السعادة
قد سلف لنا فيما سبق أنّ الكسب الّذي يستفيده البشر إنّما هو قيم أعمالهم ولو قدّر أحد عطل [١] عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلّيّة. وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة النّاس إليه يكون قدر قيمته. وعلى نسبة ذلك نموّ كسبه أو نقصانه. وقد بيّنا آنفا أنّ الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرّب النّاس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضارّ وجلب المنافع. وكان ما يتقرّبون به من عمل أو مال عوضا عمّا يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض [٢] في صالح أو طالح. وتصير تلك الأعمال في كسبه وقيمها أموال وثروة له فيستفيد الغنى واليسار لأقرب وقت. ثمّ إنّ الجاه متوزّع في النّاس ومترتّب فيهم طبقة بعد طبقة
стр. 487
ينتهي في العلوّ إلى الملوك الّذين ليس فوقهم يد عالية [١] وفي السّفل إلى من لا يملك ضرّا ولا نفعا بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعدّدة حكمة الله في خلقه بما ينتظم معاشهم وتتيسّر مصالحهم ويتمّ بقاؤهم لأنّ النّوع الإنسانيّ لا يتمّ وجوده وبقاؤه إلّا بالتّعاون بين أبنائه على مصالحهم، لأنّه قد تقرّر أنّ الواحد منهم لا يتمّ وجوده وإنّه وإن ندر ذلك في صورة مفروضة لا يصحّ بقاؤه.
ثمّ إنّ هذا التّعاون لا يحصل إلّا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النّوع ولما جعل لهم من الاختيار وأنّ أفعالهم إنّما تصدر بالفكر والرّويّة لا بالطّبع.
وقد يمتنع من المعاونة فيتعيّن حمله عليها فلا بدّ من حامل يكره أبناء النّوع على مصالحهم لتتمّ الحكمة الإلهيّة في بقاء هذا النّوع. وهذا معنى قوله تعالى «وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ٤٣: ٣٢» فقد تبيّن أنّ الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التّصرّف في من تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتّسلّط بالقهر والغلبة ليحملهم على دفع مضارّهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسّياسة وعلى أغراضه فيما سوى ذلك ولكنّ الأوّل مقصود في العناية الرّبّانيّة بالذّات والثّاني داخل فيها بالعرض كسائر الشّرور الدّاخلة في القضاء الإلهيّ، لأنّه قد لا يتمّ وجود الخير الكثير إلّا بوجود شرّ يسير من أجل الموادّ فلا يفوت الخير بذلك بل يقع على ما ينطوي عليه من الشّرّ اليسير. وهذا معنى وقوع الظّلم في الخليقة فتفهّم. ثمّ إنّ كلّ طبقة من طباق [٢] أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطّباق وكلّ واحدة من الطّبقة السّفلى يستمدّ بذي الجاه من أهل الطّبقة الّتي فوقه ويزداد كسبه تصرّفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه والجاه على ذلك داخل على النّاس في جميع أبواب المعاش ويتّسع ويضيق بحسب الطّبقة والطّور
стр. 488
الّذي فيه صاحبه. فإن كان الجاه متّسعا كان الكسب النّاشئ عنه كذلك وإن كان ضيّقا قليلا فمثله. وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلّا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهبا وآئبا في تنميته كأكثر التّجّار وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصّنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم فإنّهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ثروة وإنّما يرمّقون العيش ترميقا ويدافعون [١] ضرورة الفقر مدافعة. وإذا تقرّر ذلك وأنّ الجاه متفرّع [٢] وأنّ السّعادة والخير مقترنان بحصوله علمت أنّ بذله وإفادته من أعظم النّعم وأجلّها وأنّ باذله من أجلّ المنعمين وإنّما يبذله لمن تحت يديه فيكون بذله بيد عالية وعزّة فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملّق كما يسأل أهل العزّ والملوك وإلّا فيتعذّر حصوله. فلذلك قلنا إنّ الخضوع والتّملق من أسباب حصول هذا الجاه المحصّل للسّعادة والكسب وإنّ أكثر أهل الثّروة والسّعادة بهذا التّملّق ولهذا نجد الكثير ممّن يتخلّق بالتّرفّع والشّمم لا يحصل لهم غرض الجاه فيقتصرون في التّكسّب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. واعلم أنّ هذا الكبر والتّرفّع من الأخلاق المذمومة إنّما يحصل من توهّم الكمال وأنّ النّاس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتبحّر في علمه والكاتب المجيد في كتابته أو الشّاعر البليغ في شعره وكلّ محسن في صناعته يتوهّم أنّ النّاس محتاجون لما بيده فيحدث له ترفّع عليهم بذلك وكذا يتوهّم أهل الأنساب ممّن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور يعبّرون [٣] به بما رأوه أو سمعوه من رجال آبائهم في المدينة ويتوهّمون أنّهم استحقّوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم. فهم متمسّكون في الحاضر بالأمر المعدوم وكذلك أهل الحيلة والبصر والتّجارب بالأمور [٤] قد يتوهّم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا إليه. وتجد هؤلاء
стр. 489
الأصناف كلّهم مترفّعين لا يخضعون لصاحب الجاه ولا يتملّقون لمن هو أعلى منهم ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على النّاس فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعدّه مذلّة وهوانا وسفها. ويحاسب النّاس في معاملتهم إيّاه بمقدار ما يتوهّم في نفسه ويحقد على من قصّر له في شيء ممّا يتوهّمه من ذلك. وربّما يدخل على نفسه الهموم والأحزان من تقصيرهم فيه ويستمرّ في عناء عظيم من إيجاب الحقّ لنفسه أو إباية النّاس له من ذلك. ويحصل له المقت من النّاس لما في طباع البشر من التّألّه، وقلّ أن يسلّم أحد منهم لأحد في الكمال والتّرفّع عليه إلّا أن يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة. وهذا كلّه في ضمن الجاه. فإذا فقد صاحب هذا الخلق الجاه وهو مفقود له كما تبيّن لك مقته النّاس بهذا التّرفّع ولم يحصل له حظّ من إحسانهم وفقد الجاه لذلك من أهل الطّبقة الّتي هي أعلى منه لأجل المقت وما يحصل له بذلك من القعود عن تعاهدهم وغشيان [١] منازلهم ففسد معاشه وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ذلك بقليل. وأمّا الثّروة فلا تحصل له أصلا. ومن هذا اشتهر بين النّاس أنّ الكامل في المعرفة محروم من الحظّ وأنّه قد حوسب بما رزق من المعرفة واقتطع له ذلك من الحظّ وهذا معناه. ومن خلق لشيء يسّر له. والله المقدّر لا ربّ سواه. ولقد يقع في الدّول أضراب في المراتب من أهل [٢] الخلق ويرتفع فيها كثير من السّلفة وينزل كثير من العلية بسبب ذلك وذلك أنّ الدّول إذا بلغت نهايتها [٣] من التّغلّب والاستيلاء انفرد منها منبت الملك بملكهم وسلطانهم ويئس من سواهم من ذلك وإنّما صاروا في مراتب دون مرتبة الملك وتحت يد السّلطان وكأنّهم خول له. فإذا استمرّت الدّولة وشمخ الملك تساوى حينئذ في المنزلة عند السّلطان كلّ من انتمى إلى خدمته وتقرّب إليه بنصيحة واصطنعه السّلطان لغنائه في كثير من مهمّاته.
стр. 490
فتجد كثيرا من السّوقة يسعى في التّقرّب من السّلطان بجدّه ونصحه ويتزلّف إليه بوجوه خدمته ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتّملّق له ولحاشيته وأهل نسبه، حتّى يرسّخ قدمه معهم وينظّمه السّلطان في جملته فيحصل له بذلك حظّ عظيم من السّعادة وينتظم في عدد أهل الدّولة وناشئة الدّولة حينئذ من أبناء قومها الّذين ذلّلوا أضغانهم [١] ومهّدوا أكنافهم مغترّين بما كان لآبائهم في ذلك من الآثار لم تسمح [٢] به نفوسهم على السّلطان ويعتدّون بآثاره ويجرون في مضمار الدّولة بسببه فيمقتهم السّلطان لذلك ويباعدهم. ويميل إلى هؤلاء المصطنعين الّذين لا يعتدّون بقديم ولا يذهبون إلى دالّة ولا ترفّع. إنّما دأبهم الخضوع له والتّملّق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه فيتّسع جاههم وتعلو منازلهم وتنصرف إليهم الوجوه والخواطر [٣] بما يحصل لهم من قبل [٤] السّلطان والمكانة عنده ويبقى ناشئة الدّولة [٥] فيما هم فيه من التّرفّع والاعتداد بالقديم لا يزيدهم ذلك إلّا بعدا من السّلطان ومقتا وإيثارا لهؤلاء المصطنعين عليهم إلى أن تنقرض الدّولة. وهذا أمر طبيعيّ في الدّولة ومنه جاء شأن المصطنعين في الغالب والله أعلم وبه التّوفيق لا ربّ سواه.
الفصل السابع في أن القائمين بأمور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب
والسّبب لذلك أنّ الكسب كما قدّمناه قيمة الأعمال وأنّها متفاوتة بحسب الحاجة إليها. فإذا كانت الأعمال ضروريّة في العمران عامّة البلوى به كانت قيمتها أعظم
стр. 491
وكانت الحاجة إليها أشدّ. وأهل هذه الصّنائع الدّينيّة لا تضطرّ إليهم عامّة الخلق وإنّما يحتاج إلى ما عندهم الخواصّ ممّن أقبل على دينه. وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر. وإنّما يهتمّ بإقامة مراسمهم صاحب الدّولة بما ناله [١] من النّظر في المصالح فيقسم لهم حظّا من الرّزق على نسبة الحاجة إليهم على النّحو الّذي قرّرناه. لا يساويهم بأهل الشّوكة ولا بأهل الصّنائع من حيث الدّين والمراسم الشّرعيّة لكنّه يقسم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران فلا يصحّ في قسمهم [٢] إلّا القليل. وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزّة على الخلق وعند نفوسهم فلا يخضعون لأهل الجاه حتّى ينالوا منه حظّا يستدرّون به الرّزق بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشّغل بهذه البضائع [٣] الشّريفة المشتملة على إعمال الفكر والبدن [٤] . بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدّنيا لشرف بضائعهم فهم بمعزل عن ذلك، فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب. ولقد باحثت بعض الفضلاء فأنكر ذلك عليّ فوقع بيدي أوراق مخرّقة من حسابات [٥] الدّواوين بدار المأمون تشتمل على كثير من الدّخل والخرج وكان فيما طالعت فيه أرزاق القضاة والأئمّة والمؤذّنين فوقفته عليه وعلم منه صحّة ما قلته ورجع إليه وقضينا العجب من أسرار الله في خلقه وحكمته في عوالمه والله الخالق القادر لا ربّ سواه.
الفصل الثامن في أن الفلاحة من معاش المتضعين وأهل العافية من البدو
وذلك لأنّه أصيل [٦] في الطّبيعة وبسيط في منحاه ولذلك لا تجده ينتحله أحد
стр. 492
من أهل الحضر في الغالب ولا من المترفين. ويختصّ منتحله بالمذلّة قال ﷺ وقد رأى السّكّة ببعض دور الأنصار: «ما دخلت هذه دار قوم إلّا دخله الذّلّ» وحمله البخاريّ على الاستكثار منه. وترجم عليه باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزّرع أو تجاوز الحدّ الّذي أمر به. والسّبب فيه والله أعلم ما يتبعها من المغرم المفضي إلى التّحكّم واليد العالية [١] فيكون الغارم ذليلا بائسا بما تتناوله أيدي القهر والاستطالة. قال ﷺ : «لا تقوم السّاعة حتّى تعود الزّكاة مغرما» إشارة إلى الملك العضوض القاهر للنّاس الّذي معه التّسلّط والجور ونسيان حقوق الله تعالى في المتموّلات واعتبار الحقوق كلّها مغرم للملوك والدّول. والله قادر على ما يشاء. والله أعلم وبه التّوفيق.
الفصل التاسع في معنى التجارة ومذاهبها وأصنافها
اعلم أنّ التّجارة محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السّلع بالرّخص وبيعها بالغلاء أيّام كانت السّلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش. وذلك القدر النّامي يسمّى ربحا. فالمحاول لذلك الرّبح إمّا أن يختزن السّلعة ويتحيّن بها حوالة الأسواق من الرّخص إلى الغلاء فيعظم ربحه وإمّا بأن ينقله إلى بلد آخر تنفق فيه تلك السّلعة أكثر من بلده الّذي اشتراها فيه فيعظم ربحه. ولذلك قال بعض الشّيوخ من التّجّار لطلب الكشف عن حقيقة التّجارة أنا أعلّمها لك في كلمتين: اشتراء الرّخيص وبيع الغالي. فقد حصلت التّجارة إشارة منه بذلك إلى المعنى الّذي قرّرناه. والله أعلم وبه التّوفيق لا ربّ سواه.
стр. 493
الفصل العاشر في أي أصناف الناس يحترف بالتجارة وأيهم ينبغي له اجتناب حرفها
قد قدّمنا [١] أنّ معنى التّجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشّراء إمّا بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى أو بيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الرّبح بالنّسبة إلى أصل المال يسير إلّا أنّ المال إذا كان كثيرا عظم الرّبح لأنّ القليل في الكثير كثير. ثمّ لا بدّ في محاولة هذه التّنمية الّذي هو الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع وبيعها، ومعاملتهم في تقاضي أثمانها. وأهل النّصفة قليل، فلا بدّ من الغشّ والتّطفيف المجحف بالبضائع ومن المطل في الأثمان المجحف بالرّبح.
كتعطيل المحاولة في تلك المدّة وبها نماؤه. ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس المال إن لم يتقيّد بالكتاب والشّهادة، وغنى الحكّام في ذلك قليل لأنّ الحكم إنّما هو على الظّاهر، فيعاني التّاجر من ذلك أحوالا صعبة. ولا يكاد يحصل على ذلك التّافه من الرّبح إلّا بعظم العناء والمشقّة، أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ماله. فإن كان جريئا على الخصومة بصيرا بالحسبان شديد المماحكة مقداما على الحكّام كان ذلك أقرب له إلى النّصفة بجراءته منهم ومماحكته وإلّا فلا بدّ له من جاه يدّرع به، يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكّام على إنصافه من معامليه [٢] فيحصل له بذلك النّصفة في ماله طوعا [٣] في الأوّل وكرها في الثّاني وأمّا من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكّام فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتّجارة لأنّه يعرّض ماله للضّياع والذّهاب ويصير مأكلة للباعة ولا يكاد ينتصف منهم (لأنّ الغالب في النّاس
стр. 494
وخصوصا الرّعاع والباعة شرهون إلى ما في أيدي النّاس سواهم متوثّبون عليه.
ولولا وازع الأحكام لأصبحت أموال النّاس نهبا) [١] «وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ الله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ٢: ٢٥١» .
الفصل الحادي عشر في أن خلق التجار نازلة عن خلق الأشراف والملوك
وذلك أنّ التّجّار في غالب أحوالهم إنّما يعانون البيع والشّراء ولا بدّ فيه من المكايسة ضرورة فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها وهي أعني خلق المكايسة بعيدة عن المروءة الّتي تتخلّق بها الملوك والأشراف. وأمّا إن استرذل خلقه بما يتبع ذلك في أهل الطّبقة السّفلى منهم من المماحكة والغشّ والخلابة وتعاهد الأيمان الكاذبة على الأثمان ردّا وقبولا فأجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلّة لما هو معروف. ولذلك تجد أهل الرّئاسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة لأجل ما يكسب من هذا الخلق. وقد يوجد منهم من يسلم من هذا الخلق ويتحاماه لشرف نفسه وكرم جلاله إلّا أنّه في النّادر بين الوجود والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه وهو ربّ الأوّلين والآخرين.
الفصل الثاني عشر في نقل التاجر للسلع
التّاجر البصير بالتّجارة لا ينقل من السّلع إلّا ما تعمّ الحاجة إليه من الغنيّ والفقير والسّلطان والسّوقة إذ في ذلك نفاق سلعته. وأمّا إذا اختصّ نقله بما يحتاج
стр. 495
إليه البعض فقط فقد يتعذّر نفاق سلعته حينئذ بإعواز الشّراء من ذلك البعض لعارض من العوارض فتكسد سوقه وتفسد أرباحه. وكذلك إذا نقل السّلعة المحتاج إليها فإنّما ينقل الوسط من صنفها فإنّ العالي من كلّ صنف من السّلع إنّما يختصّ به أهل الثّروة وحاشية الدّولة وهم الأقلّ. وإنّما يكون النّاس أسوة في الحاجة إلى الوسط من كلّ صنف فليتحرّ ذلك جهده ففيه نفاق سلعة [١] أو كسادها وكذلك نقل السّلع من البلد البعيد المسافة أو في شدّة الخطر في الطّرقات يكون أكثر فائدة للتّجّار وأعظم أرباحا وأكفل بحوالة الأسواق لأنّ السّلعة المنقولة حينئذ تكون قليلة معوزة لبعد مكانها أو شدّة الغرر في طريقها فيقلّ حاملوها ويعزّ وجودها وإذا قلّت وعزّت غلت أثمانها. وأمّا إذا كان البلد قريب المسافة والطّريق سابل بالأمن فإنّه حينئذ يكثر ناقلوها فتكثر وترخص أثمانها ولهذا تجد التّجّار الّذين يولعون بالدّخول إلى بلاد السّودان أرفه النّاس وأكثرهم أموالا لبعد طريقهم ومشقّته واعتراض المفازة الصّعبة المخطرة بالخوف والعطش.
لا يوجد فيها الماء إلّا في أماكن معلومة يهتدي إليها أدلّاء الرّكبان فلا يرتكب خطر هذا الطّريق وبعده إلّا الأقلّ من النّاس فتجد سلع بلاد السّودان قليلة لدينا فتختصّ بالغلاء وكذلك سلعنا لديهم. فتعظم بضائع التّجّار من تناقلها ويسرع إليهم الغنى والثّروة من أجل ذلك. وكذلك المسافرون من بلادنا إلى المشرق لبعد الشّقّة أيضا. وأمّا المتردّدون في أفق واحد ما بين أمصاره وبلدانه ففائدتهم قليلة وأرباحهم تافهة لكثرة السّلع وكثرة ناقليها «وَالله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»
الفصل الثالث عشر في الاحتكار
وممّا اشتهر عند ذوي البصر والتّجربة في الأمصار أنّ احتكار الزّرع لتحيّن أوقات الغلاء مشئوم. وأنّه يعود على فائدته بالتّلف والخسران. وسببه والله أعلم