فحفظه، وقرأه بالسبع. ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية فحفظه، ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه والأصول فحفظهما. ثم لزم الفقيه عمران المشدّالي من تلاميذ أبي علي ناصر الدين، وتفقّه عليه، وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته. وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسة بتلمسان، فقدّمه للتدريس بها، يضاهي به أولاد الإمام، وتفقّه عليه بتلمسان جماعة كان من أوفرهم سهما في العلوم أبو عبد الله المغربي هذا.
ولما جاء شيخا أبو عبد الله الأيلّي إلى تلمسان عند استيلاء السلطان أبي الحسن عليها، وكان أبو عبد الله السلوي قد قتل يوم فتح تلمسان، قتله بعض أشياع السلطان لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبي علي بسجلماسة قبل انتحاله العلم، كان السلطان توعّده عليه، فقتل بباب المدرسة، فلزم أبو عبد الله المغربي بعده مجلس شيخنا الأيلي ومجالس ابني الإمام. واستبحر في العلم وتفنّن. ولما انتقض السلطان أبو عنان سنة تسع وأربعين وسبعمائة وخلع أباه، ندبه إلى كتب البيعة فكتبها وقرأها على الناس في يوم مشهود. وارتحل مع السلطان إلى فاس، فلمّا ملكها عزل قاضيها الشيخ المعمّر أبا عبد الله بن عبد الرزاق وولّاه مكانه، فلم يزل قاضيا بها إلى أن أسخطه لبعض النزعات الملوكيّة، فعزله وأدال منه بالفقيه أبي عبد الله الفشتالي [١] آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة، ثم بعثه في سفارة إلى الأندلس فامتنع من الرجوع. وقام السلطان لها في ركابه، ونقم [٢] على صاحب الأندلس تمسّكه به، وبعث إليه فيه يستقدمه، فلاذ ابن الأحمر بالشفاعة فيه، واقتضى له كتاب أمان بخط السلطان أبي عنان، وأوفده في جماعة من شيوخ العلم بغرناطة القاطنين بها [٣] منهم: شيخنا أبو القاسم الشريف السبتي شيخ الدنيا جلالة وعلما ووقارا ورياسة وإمام اللسان فصاحة وبيانا [٤] وتقدّما في نظمه ونثره. وترسّلاته. وشيخنا الآخر أبو البركات محمد بن محمد بن الحاج البلقيني [٥] من أهل المرية شيخ المحدّثين والفقهاء والأدباء والصوفية والخطباء
стр. 4552
بالأندلس، وسيّد أهل العلم بإطلاق، والمتفنّن في أساليب المعارف، وآداب الصحابة للملوك فمن دونهم، فوفدوا به على السلطان شفيعين على عظيم تشوّفه للقائهما، فقبلت الشفاعة وأنجحت الوسيلة.
حضرت بمجلس السلطان يوم وفادتهما سنة سبع وخمسين وسبعمائة وكان يوما مشهودا. واستقرّ القاضي المغربي في مكان بباب السلطان عطلا من الولاية والجراية. وجرت عليه بعد ذلك محنة من السلطان وقعت بينه وبين أقاربه، امتنع من الحضور معهم عند القاضي الفشتالي، فتقدّم السلطان إلى بعض أكابر الوزعة ببابه أن يسحبه إلى مجلس القاضي حتى ينفذ فيه حكمه، فكان الناس يعدّونها محنة، ثم ولّاه السلطان بعد ذلك قضاء العساكر في دولته، عند ما ارتحل إلى قسنطينة. فلما افتتحها وعاد إلى دار ملكه بفاس آخر ثمان وخمسين وسبعمائة اعتلّ القاضي المغربي في طريقه، وهلك عند قدومه بفاس.
(ومنهم صاحبنا) الإمام العالم القدوة [١] ، فارس المعقول والمنقول، وصاحب الفروع والأصول، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف الحسني، ويعرف بالعلوي نسبة إلى قرية من أعمال تلمسان، تسمّى العلوين، فكان أهل بلده لا يدافعون في نسبهم. وربّما يغمز فيه بعض الفجرة ممن لا يروعه دينه ولا معرفته بالأنساب ببعض من اللغو، لا يلتفت إليه، نشأ هذا الرجل بتلمسان وأخذ العلم عن مشيختها، واختص بأولاد الإمام وتفقّه عليهما في الفقه والأصول والكلام، ثم لزم شيخنا أبا عبد الله الأبلي وتضلّع من معارفه، فاستبحر وتفجّرت ينابيع العلوم من مداركه. ثم ارتحل إلى تونس في بعض مذاهبه سنة أربعين وسبعمائة ولقي شيخنا القاضي أبا عبد الله ابن عبد السلام وحضر مجلسه وأفاد منه، واستعظم رتبته في العلم. وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقّه حتى لقد زعموا أنه كان يخلو به في بيته، فيقرأ عليه فصل التصوّف من كتاب الإشارات لابن سينا، لما كان هو أحكم ذلك الكتاب على شيخنا الأبلّي وقرأ عليه كثيرا من كتاب الشفاء لابن سينا، ومن تلاخيص كتب أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة والفرائض علاوة على ما كان يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة، وكانت له في كتب الخلافيات يد
стр. 4553
طولى، وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كلّه وأوجب حقّه، وانقلب إلى تلمسان، وانتصب لتدريس العلم وبثّه فملأ المغرب معارف وتلاميذ، إلى أن اضطرب المغرب بعد واقعة القيروان. ثم هلك السلطان أبو الحسن، وزحف أبو عنان إلى تلمسان فملكها سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فاستخلص الشريف أبا عبد الله واختاره لمجلسه العليّ مع من اختاره من المشيخة، وزحف به إلى فاس فتبرّم الشريف من الاغتراب وردّد الشكوى وعرف السلطان ذلك [١] وارتاب به. ثم بلغه أثناء ذلك أنّ عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده، وأودع له مالا عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، وأنّ الشريف مطلع على ذلك، فانتزع الوديعة وسخط الشريف بذلك ونكبه، وأقام في اعتقاله أشهرا، ثم أطلقه أوّل ست وخمسين وسبعمائة وأقصاه، ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة وأعاده إلى مجلسه إلى أن هلك السلطان آخر تسع وخمسين وسبعمائة.
وملك أبو حمّو بن يوسف بن عبد الرحمن تلمسان من يد بني مرين، واستدعى الشريف من فاس فسرّحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله فانطلق إلى تلمسان. وأطلقه [٢] أبو حمو براحتيه، وأصهر له في ابنته، فزوّجها إياه، وبنى له مدرسة جعل في بعض جوانبها مدفن أبيه وعمّه، وأقام الشريف يدرس العلم إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وأخبرني ﵀ أنّ مولده سنة عشر وسبعمائة.
(ومنهم صاحبنا) الكاتب القاضي أبو القاسم محمد بن يحيى البرجي من برجة [٣] الأندلس. كان كاتب السلطان أبي عنان وصاحب الإنشاء والسرّ في دولته، وكان مختصّا به، وأثيرا لديه. وأصله من برجة الأندلس نشأ بها واجتهد في العلم والتحصيل، وقرأ وسمع وتفقّه على مشيخة الأندلس. واستبحر في الأدب وبرز في النظم والنثر، وكان لا يجاري في كرم الطباع وحسن المعاشرة، ولين الجانب وبذل البشر والمعروف. وارتحل إلى بجاية في عشر الأربعين وسبعمائة، وبها الأمير أبو زكريا ابن السلطان أبي يحيى منفردا بملكها على حين أقفر من رسم الكتابة والبلاغة،
стр. 4554
فبادرت أهل الدولة إلى اصطفائه وإيثاره بخطة الإنشاء والكتاب عن السلطان إلى أن هلك الأمير أبو زكريا، ونصب ابنه محمّد مكانه، فكتب عنه على رسمه ثم هلك السلطان أبو يحيى، وزحف السلطان أبو الحسن إلى إفريقية واستولى على بجاية، ونقل الأمير محمدا بأهله وحاشيته إلى تلمسان كما تقدّم في أخباره، فنزل أبو القاسم البرجي تلمسان، وأقام بها واتصل خبره بأبي عنان ابن السلطان أبي الحسن وهو يومئذ أميرها، ولقيه، فوقع من قلبه بمكان إلى أن كانت واقعة القيروان.
وخلع أبو عنان واستبدّ بالأمر فاستكتبه وحمله إلى المغرب، ولم يسم به إلى العلامة لأنه آثر بها محمد بن أبي عمر بما كان أبوه يعلّمه القرآن والعلم. وربّي محمد بداره، فولّاه العلامة، والبرجي مرادف له في رياسته إلى أن انقرضوا جميعا. وهلك السلطان أبو عنان واستولى أخوه أبو سالم على ملك المغرب، وغلب ابن مرزوق على هواه كما قدّمناه، فنقل البرجيّ من الكتابة واستعمله في قضاء العساكر، فلم يزل على القضاء إلى أن هلك سنة ست وثمانين وسبعمائة وأخبرني ﵀ ان مولده سنة عشر وسبعمائة.
(ومنهم شيخنا المعمّر الرحالة) أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق شيخ وقته جلالة وتربية وعلما وخبرة بأهل بلده، وعظمة فيهم. نشأ بفاس وأخذ عن مشيختها، وارتحل إلى تونس فلقي القاضي أبا إسحاق بن عبد الرفيع، والقاضي أبا عبد الله النفزاويّ. وأهل طبقتهما، وأخذ عنهم وتفقّه عليهم، ورجع إلى المغرب ولازم سنن الأكابر والمشايخ إلى أن ولّاه السلطان أبو الحسن القضاء بمدينة فاس، فأقام على ذلك إلى أن جاء السلطان أبو عنان من تلمسان بعد واقعة القيروان، وخلعه أباه فعزله بالفقيه أبي عبد الله المغربي، وأقام عطلا في بيته.
ولما جمع السلطان مشيخة العلم للتحليق بمجلسه، والإفادة منهم، واستدعى شيخنا أبا عبد الله بن عبد الرزاق، فكان يأخذ عنه الحديث، ويقرأ عليه القرآن برواياته في مجلس خاص إلى أن هلك ﵀ بين يدي مهلك السلطان أبي عنان، إلى آخرين وآخرين من أهل المغرب والأندلس، كلّهم لقيت وذاكرت وأفدت منه، وأجازني بالإجازة العامّة.
стр. 4555
(حديث النكبة من السلطان أبي عنان)
كان اتصالي بالسلطان أبي عنان آخر سنة ست وخمسين وسبعمائة وقرّبني وأدناني، واستعملني في كتابته، واختصّني بمجلسه للمناظرة والتوقيع عنه فكثر المنافسون وارتفعت السعايات حتى قويت عنده بعد أن كان لا يغير عن صفائه [١] . ثم اعتلّ السلطان آخر سبع وخمسين وسبعمائة وكان قد حصلت بيني وبين الأمير محمد صاحب بجاية من الموحّدين مداخلة، أحكمها ما كان لسلفي في دولتهم. وغفلت عن التحفّظ من مثل ذلك، من غيرة السلطان، فما هو إلا أن شغل بوجعه، حتى نمي إليه بعض الغواة أنّ صاحب بجاية معتمل في الفرار ليسترجع بلده، وبها يومئذ وزيره الكبير عبد الله بني عليّ، فانبعث السلطان لذلك، وبادر بالقبض عليه. وكان فيما نمي إليه أني داخلته في ذلك، فقبض عليّ وامتحنني وحبسني. ثم أطلق الأمير محمدا وما زلت أنا في اعتقاله إلى أن هلك، وخاطبته بين يدي مهلكه مستوطفا بقصيدة أولها:
على أيّ حال لليالي أعاتب ... وأيّ صروف للزمان أغالب
كفى حزنا أني على القرب نازح ... وأني على دعوى شهودي غائب
وأني على حكم الحوادث نازل ... تسالمني طورا وطورا تحارب
ومنها في التشوّق:
سلوتهم إلا ادّكار معاهد ... لها في اللّيالي الغابرات غرائب
وإنّ نسيم الريح منهم يشوقني ... إليهم وتصيبني البروق اللواعب
وهي طويلة، نحو مائتين بيتا، ذهبت عن حفظي، فكان لها منه موّقع، وهشّ لها.
وكان بتلمسان، فوعد بالإفراج عني عند حلوله بفاس، ولخمس ليال من حلوله طرقه الوجع، وهلك لخمس عشرة ليلة، في رابع وعشرين ذي الحجّة، خاتم تسع وخمسين وسبعمائة. وبادر القائم بالدولة، الوزير الحسن بن عمر الى إطلاق جماعة من المعتقلين، كنت فيهم، فخلع عليّ، وحملني، وأعادني إلى ما كنت
стр. 4556
عليه، وطلبت منه الانصراف إلى بلدي، فأبى عليّ، وعاملني بوجوه كرامته، ومذاهب إحسانه، إلى أن اضطرب أمره، وانتقض عليه بنو مرين، وكان ما قدّمناه في أخبارهم.
(الكتابة عن السلطان أبي سالم في السر والإنشاء)
ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب ملكه، ونزل بجبل الصّفيحة من بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبثّ دعوته سرا، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبّة وائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصّبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السّعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد.
فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إليّ كتاب السلطان أبي سالم. بالحضّ على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى عليّ حمله، فنهضت به، وتقدّمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا، وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة، واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديد، فلما تمّ عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبدّ بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النّزوع مبدأ حظّه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان، فلما قدمت على السلطان بالصّفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الّذي ضربوه لذلك، واستحثثته. فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور بن سليمان، وفراره إلى نواحي بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رحّو بن ماساي، فتلقّاه السلطان
стр. 4557
بالكرامة كما يجب له، واستوزره عوضا نائبا للحسن بن يوسف بن عليّ بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غرّبه منصور بن سليمان إلى الأندلس فاستوزره واستكفاه.
ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر صعد إلى فاس ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وانا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة واستعملني في كتابة سرّه، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل بدون أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الأسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء المعاني منها على أكثر الناس، بخلاف غير المرسل [١] ، فانفردت به يومئذ، وكان مستغربا عند من هم من أهل هذه الصناعة.
ثم أخذت نفسي بالشعر، وانثال عليّ منه بحور، توسطت بين الإجادة والقصور، وكان مما أنشدته إيّاه ليلة المولد النبوي من سنة ثلاث وستين وسبعمائة [٢] .
أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين موقف [٣] ساعة ... لعوّاد [٤] مشغوف الفؤاد كئيب
للَّه عهد الظاعنين وقد غدا [٥] ... قلبي رهين صبابة ووجيب
غربت ركائبهم ودمعي سافح ... فشربت [٦] بعدهم بماء غروب
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهم ... رحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإنّني ... ماء المدام [٧] لديّ غير شروب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكّر منزل وحبيب
أصبوا إلى أطلال [٨] كانت مطلعا ... للبدر منهم أو كناس ربيب
стр. 4558
عبثت به أيدي البلى وتردّدت ... في عطفها للدّهر أيّ خطوب
تبلى معاهدها وإنّ عهودها ... ليجرّها [١] وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرّضت لمتيّم ... هزّت لذكراها أولى التشبيب [٢]
إيه على الصّبر الجميل فإنّه ... ألوى بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفه ... ويغضّ طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة بما لبست من ... الأيام تجلوها بكلّ قشيب [٣]
يا سائق الأظعان يعتسف الفلا ... بتواصل الأسناد والتأويب [٤]
متهافتا عن رحل كلّ مدلّل ... نشوان من آن ومس لغوب [٥]
تتجاذب النفحات فضل ردائه ... في ملتقاها من صبا وجنوب
إن هام من ظمأ الصّبابة ضحبه ... نهلوا بمورد دمعه المسكوب
إن تعترض مسراهم سدف الدّجى ... صدعوا الدّجى بغرامة المشبوب
في كلّ شعب منية. من دونها ... هجر الأماني أو لقاء شعوب
هلّا عطفت صدورهنّ إلى التي ... فيها لغانية [٦] أعين وقلوب
فتؤمّ من أكناف يثرب مأمنا ... يكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوّة آيها مجلوّة ... تتلومن الآثار كل غريب
سر عجيب ليس يحجبه الثرى [٧] ... ما كان سرّ الله بالمحجوب
ومنها بعد تعديد معجزاته ﷺ والإطناب في مدحه:
إني دعوتك واثقا بإجابتي ... يا خير مدعوّ وخير مجيب
قصّرت في مدحي فإن يك طيّبا ... فبما لذكرك من أريج الطّيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوى ... في مدحك القرآن كلّ مطيب [٨]
стр. 4559
يا هل تبلّغي الليالي زورة ... تدني إليّ الفوز بالمرغوب
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بها ... وأحطّ أوزاري وإصر ذنوبي
في فتية هجروا المنى وتعوّدوا ... إنضاء كلّ نجيبة ونجيب
يطوي صحائف ليلهم نوق الفلا ... ما شئت من خبب ومن تقريب
إن رنّم الحادي بذكرك ردّدوا ... أنفاس مشتاق إليك طروبي
أو غرّد الركب الخليّ بطيبة ... حنّوا لملقاها حنين النيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهم ... إرث الخلافة في بني يعقوب
الظاعنون الخيل وهي عوابس ... يغشى مثار النقع كلّ سبيب
والواهبون المقرّبات صوافنا ... من كلّ خوّار العنان لعوب
والمانعون الجار حتى عرضه ... في منتدى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهم ... والعزّ شيمة مرتجى ومهيب
ومنها في ذكر إجازته البحر واستيلائه على ملكه:
سائل بني طامي العباب وقد سرى ... تزجيه ريح العزم ذات هبوب
تهديه شهب أسنّة وعزائم ... يصد عن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلل الظلام [١] بسعيه ... وسطا الهدى بفريقه المغلوب
أبني الأولى شادوا الخلافة بالتقى ... واستأثروا بتاجها المغصوب [٢]
جمعوا لحفظ الدين أيّ مناقب ... كرموا بها في مشهد ومغيب
للَّه مجدك طارفا أو تالدا ... فلقد شهدنا منه كل عجيب
كم رهبة أو رغبة لك في العلا ... تقتاد بالترغيب والترهيب
لا زلت مسرورا بأشرف دولة ... يبدو الهدى من أفقها المرغوب
تحيي المعالي غاديا أو رائحا ... وحديد سعدك ضامن المطلوب
ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هديّة ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:
قدحت يد الأشواق من زندي ... وهفت بقلبي زفرة الوجد
стр. 4560
ونبذت سلواني على ثقة ... بالقرب فاستبدلت بالبعد
ولربّ وصل كنت آمله ... فاعتضت منه بمؤلم الصدّ
لا عهد عند الصبر أطلبه ... إنّ الغرام أضاع من عهدي
يلحى العذول فما أعنّفه ... وأقول ضلّ فأبتغي رشدي
وأعارض النفحات أسألها ... برد الجوى فتزيد في الوقد
يهدي الغرام إلى مسالكها ... لتعلّلي بضعيف ما تهدي
يا سائق الأظعان معتسفا ... طيّ الفلاة لطيّة الوجد
أرح الركّاب ففي الصّبا نبأ ... يغني عن المستنّة الجرد
وسل الرّبوع برامة خبرا ... عن ساكني نجد وعن نجد
ما لي يلام على الهوى خلقي ... وهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلّا الرشد مذ وضحت ... بالمستعين معالم الرشد
نعم الخليفة في هدى وتقى ... وبناء عزّ شامخ الطّود
نجل السراة الغرّ شأنهم ... كسب العلا بمواهب الوجد
ومنها في ذكر خلوصي إليه وما ارتكبته فيه:
للَّه منى إذ تأوّبني ... ذكراه وهو بشاهق فرد
شهم يفلّ بواترا قضبا ... وجموع أقيال أولي اليدّ
أو ريت زند العزم في طلبي ... وقضيت حقّ المجد من قصدي
ووردت عن ظمأ مناهله ... فرويت عن عزّ ومن رفدي
هي جنّة المأوى لمن كانت ... آماله بمطالب المجد
لو لم أعلّ برد [١] كوثرها ... ما قلت هذي جنّة اللد
من مبلغ قومي ودونهم ... قذف النوى وتنوفة البعد
أني أنفت على رجائهم ... وملكت عزّ جميعهم وحدي
ورقيمة الأعطاف حالية ... موشيّة بوشائح البرد
وحشيّه الأنساب ما أنست ... في موحش البيداء بالغرد [٢]
стр. 4561
تسمو بجيد بالغ صعدا ... شرف الصّروح بغير ما جهد
طالت رءوس الشامخات به ... ولربّما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفا وصلت ... آسارها بالقهد والوخد [١]
تحدي على استصغائها ذللا ... وتبيت طوع القنّ والقدّ [٢]
بسعودك اللّاتي ضمنّ لها ... طول الحياة بعيشة رغد
جاءتك في وفد الأحابش لا ... يرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاء تقلّبهم ... أيدي السّرى بالغور والنجد
كالطيف يستقري مضاجعه ... أو كالحسام يسلّ من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقت ... من غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند
يا مستعينا جلّ في شرف ... عن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربّك عن خليقته ... خير الجزاء فنعم من يسدي
وبقيت للدنيا وساكنها ... في عزّة أبدا وفي سعد
وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيرا لم يحضرني الآن شيء منه.
ثم غلب ابن مرزوق على هواه وأفرد بخالصته وكبح الشكائم عن قربه، فانقبضت وقصّرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سرّه وإنشاء مخاطباته ومر اسمه.
ولّاني آخر الدولة «خطّة المظالم» فوفّيتها حقّها ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذا في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه، وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه على ما ذكرناه في أخبارهم.
ولما قام الوزير عمر بالأمر أقرّني علي ما كنت عليه، ووفّر أقطاعي وزاد في جرايتي وكنت أسمو بطغيان الشباب إلى أرفع مما كنت فيه وأدلّ في ذلك بسابق مودّة معه،
стр. 4562
منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث آثافينا، ومصقلة فكاهتنا، واشتدّت غيرة السلطان لذلك كما مرّ، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حقي من القصور بي عمّا أسمو إليه إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان مغاضبا له، فتنكّر لي وأقطعني جانبا من الإعراض، فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان والمغرب الأوسط فمنعني من ذلك أن يغتبط أبو حمّو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده، وألحّ في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلّا الرّحلة، واستجرت في ذلك برديفه وصهره الوزير مسعود بن رحّو بن ماسي، ودخلت عليه يوم الفطر سنة ثلاث وستين وسبعمائة فأنشدته:
هنيئا لصوم لا عداه قبول ... وبشرى لعيد أنت فيه منيل
وهنّئتها من عزّة وسعادة ... تتابع أعوام بها وفصول
سقى الله دهرا أنت إنسان عينه ... ولا مسّ ربعا في حماك محول
فعصرك ما بين الليالي مواسم ... له غرر وضّاحة وحجول
وجانبك المأمول للجود مشرّع ... يحوم عليه عالم وجهول
عساك وإن ضنّ الزمان منوّلي ... فرسم الأماني من سواك محيل
أجرني فليس الدهر لي بمسالم ... إذا لم يكن لي في ذراك مقيل
وأوليتني الحسنى بما أنا آمل ... فمثلك يؤلي راجيا وينيل
وو الله ما رمت الترحّل عن قلى ... ولا سخطة للعيش فهو جزيل
ولا رغبة عن هذه الدار إنّها ... لظلّ على هذا الأنام ظليل
ولكن نأى بالشعب عنّا حبائب ... شجاهنّ خطب والفراق طويل
يهيج بهنّ الوجد إني نازح ... وأنّ فؤادي حيث هنّ حلول
عزيز عليهنّ الّذي قد لقيته ... وأنّ اغترابي في البلاد يطول
توارت بابنيّ [١] البقاع كأنني ... تخطّفت أو غالت ركابي غول
ذكرتك يا مغنى الأحبّة والهوى ... فطارت لقلبي أنّة وعويل
стр. 4563
وحيّيت عن شوق رباك كأنّما ... يمثّل لي فيء [١] بها وطلول
أأحبابنا والعهد بيني وبينكم ... كريم وما عهد الكريم يحول
إذا أنا لم ترض الحمول مدامعي ... فلا قرّبتني للّقاء حمول
الام مقامي حيث لم ترد العلا ... مرادي ولم تعط القياد ذلول
أجاذب فضل العمر يوما وليلة ... وساء صباح بينها وأصيل
ويذهب بي ما بين يأس ومطمع ... زمان بنيل المعلوات بخيل
تعلّلني منه أمان خوادع ... ويؤنسني منه أمان مطول [٢]
أما لليالي لا تردّ خطوبها ... ففي كبدي من وقعهنّ فلول
يروّعني عن صرفها كلّ حادث ... تكاد له صمّ البلاد تزول
أداري على رغم العداة بريبة [٣] ... يصانع واش خوفها وعذول
وأغدو بأشجاني عليلا كأنّما ... تجود بنفسي زفرة وغليل
وإنّي وإن أصبحت في دار غربة ... تحيل الليالي سلوتي وتديل
وصدّتني الأيام عن خير منزل ... عهدت به أن لا يضام نزيل
لأعلم أنّ الخير والشرّ ينتهي ... مداه وأنّ الله سوف يديل
وإني عزيز بابن ماساي مكثر ... وإن هان أنصار وبان خليل
فأعانني الوزير مسعود عليه حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان في أيّ مذهب أردت، فاخترت الأندلس وصرفت ولدي وأمّهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة فاتح أربع وستين وسبعمائة وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، وحين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة الوزير أبي عبد الله بن الخطيب، لما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته واعتمل في قضاء حاجاته في الدولة، ولمّا أجاز باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثّب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيما
стр. 4564
ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف في قضاء حاجاتهم وإدرار أرزاقهم، من المتولّين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترط له من التجافي عن حصون المسلمين التي تملّكها بالإجلاب، ففارقه إلى بلاد المسلمين باستجة [١] وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصرا ينزله من أمصار الأندلس الغربيّة التي كانت ركابا لملوك المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تمّ قصده من ذلك، وتجافى له عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملّكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين وسبعمائة واستوحشت أنا من عمر إثر ذلك كما مرّ، وارتحلت إليه معوّلا على سوابقي عنده، فقرّب في المكافآت كما نذكره إن شاء الله تعالى.
(الرحلة الى الأندلس)
ولما أجمعت الرحلة إلى الأندلس بعثت بأهلي وولدي إلى أخوالهم بقسنطينة، وكتبت لهم إلى صاحبها السلطان أبي العبّاس من حفدة السلطان أبي يحيى، وبأني أمرّ على الأندلس وأجيز عليه من هنالك. وسرت إلى سبتة فرضة المجاز، وكبيرها يومئذ الشريف أبو العبّاس أحمد بن الشريف الحسني، ذو النسب الواضح السالم من الريبة عند كافة أهل المغرب، انتقل سلفه إلى سبتة من صقلّيّة. وأكرمهم بنو العزفي أوّلا وصاهروهم. ثم عظم صيتهم في البلد فتنكّروا لهم وغرّبهم يحيى العزفي آخرهم إلى الجزيرة، فاعترضتهم مراكب النصارى في الزقاق [٢] فأسروهم. وانتدب السلطان أبو سعيد إلى فديتهم رعاية لشرفهم، فبعث إلى النصارى في ذلك فأجابوه. وفادى هذا الرجل وأباه على ثلاثة آلاف دينار، ورجعوا إلى سبتة، وانقرض بنو العزفي
стр. 4565
ودولتهم، وهلك والد الشريف وصدر هو إلى رياسة الشورى. لما كانت واقعة القيروان، وخلع أبو عنان أباه واستولى على المغرب، وكان بسبتة عبد الله بن علي الوزير واليا من قبل السلطان أبي الحسن، فتمسّك بدعوته، ومال أهل البلد إلى السلطان أبي عنان وبثّ فيهم الشريف دعوته، فثاروا بالوزير وأخرجوه، ووفدوا على أبي عنان وأمكنوه من بلدهم، فولّى عليها من عظماء دولته سعيد بن موسى العجيسي، كان كافل تربيته في صغره. وأفرد هذا الشريف برياسة الشورى في سبتة، فلم يكن يقطع أمرا دونه، ووفد على السلطان بعض الأيام فتلقّاه من المبرة بما لا يشاركه فيه أحد من وفود الملوك والعظماء. ولم يزل على ذلك سائر أيام السلطان وبعد وفاته، وكان معظّما وقور المجلس، هشّ اللقاء، كريم الوفادة، متحلّيا بالعلم والأدب، منتحلا للشعر غاية في الكرم وحسن العهد، وسذاجة النفس، ولمّا مررت به سنة أربع وستين وسبعمائة أنزلني ببيته إزاء المسجد الجامع، ورأيت منه ما لا يقدّر مثله من الملوك، وأركبني الحرّاقة [١] ليلة سفري يباشر دحرجتها إلى الماء بيده، إغرابا في الفضل والمساهمة، وحططت بجبل الفتح وهو يومئذ لصاحب المغرب، ثم خرجت منه إلى غرناطة وكتبت للسلطان ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب بشأني، وليلة بتّ بقرب غرناطة على بريد منها، لقيني كتاب ابن الخطيب يهنيني بالقدوم، ويؤنسني ونصّه:
حللت حلول الغيث في البلد المحل ... على الطائر الميمون والرّحب والسهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه ... من الشيخ والطفل المعصب [٢]
لقد نشأت عندي للقياك غبطة ... تنسّي اغتباطي بالشبيبة والأهل
وودّي لا يحتاج فيه لشاهد ... وتقريري المعلوم ضرب من الجهل
أقسمت بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته. لو خيّرت أيها المحبّ الحبيب الّذي زيارته الأمنيّة السنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة بين رجع الشباب يقطر ماؤه، ويرف نماؤه، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا آلو في
стр. 4566
حظ يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذباله في ظلمته، أو يقدّم حواريه في ملمته [١] . من الأحابش وأمّته. وزمانه روح وراح، ومغدى في النعيم مراح، وخصب صراح، ورنى وجراح [٢] ، وانتخاب واقتراح، وصدر ما به إلا انشراح، ومسرّات يردفها أفراح، وبين قدومك خليع الرسن ممتّعا، والحمد للَّه باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتّعا بظرف المعارف، مالئا آلف الصيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزخارف، لما اخترت الشباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد للَّه الّذي رفأ حنوّه اغترابي [٣] وملّكني أزمّة آرابي، وغبّطني بمالي وترابي، ومألف أترابي، وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجّلت هذه مغبطّة بمناخ المطيّة، وملتقى للسعود غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطية، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ربّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطيّ سمهريك [٤] ، ومولى مكارمه، مشيدة لأمثالك، ومضان منالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلّف عن الإصحار لا بل اللقاء من وراء البحار والسلام.
ثم أصبحت من الغد قادما على البلد وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين وسبعمائة وقد اهتز السلطان لقدومي، وهيّأ لي المنزل من قصوره بفرشه وما عونه، وأركب خاصّته للقائي تحفّيا وبرّا ومجازاة بالحسنى. ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك، وخلع عليّ وانصرفت. وخرج الوزير ابن الخطيب فشيّعني إلى مكان نزلي، ثم نظمني في علية أهل مجلسه، واختصّني بالنجاء في خلوته، والمواكبة في ركوبه والمواكلة والمطايبة والمفاكهة في خلوات أنسه، وأقمت عنده، وسفرت عنه سنة خمس وستين وسبعمائة إلى الطاغية ملك قشتالة يومئذ، بطرة بن الهنشة بن أدفونش لإتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة بهديّة فاخرة من ثياب الحرير والجياد والمقرّبات بمراكب الذهب الثقيلة، فلقيت الطاغية بإشبيليّة وعاينت آثار سلفي بها، وعاملني من الكرامة بما لا مزيد عليه، وأظهر الاغتباط بمكاني، وعلم أوليّة
стр. 4567
سلفنا بإشبيليّة وأثنى عليّ عنده طبيبه إبراهيم ابن زرور [١] اليهودي المقدّم في الطب والنجامة، وكان لقيني بمجلس السلطان أبي عنان وقد استدعاه يستطبّه، وهو يومئذ بدار ابن الأحمر بالأندلس. ثم نزع بعد مهلك رضوان بن القائم بدولتهم إلى الطاغية، فأقام عنده ونظّمه في أطبائه، فلمّا قدمت أنا عليه أثنى عليّ عنده، فطلب الطاغية حينئذ المقام عنده، وأن يردّ عليّ تراث سلفي بإشبيليّة، وكان بيد زعماء دولته، فتفاديت من ذلك بما قبله. ولم يزل على اغتباطه إلى أن انصرفت عنه، فزوّدني وحملني [٢] واختصّني ببغلة فارهة، بمركب ثقيل ولجام ذهبيّين، أهديتهما إلى السلطان فأقطعني قرية البيرة من أراضي السقي بمرج غرناطة، وكتب لي بها منشورا كان نصّه [٣] ثم حضرت ليلة المولد النبويّ لخامسة قدومي، وكان يحتفل في الصنيع فيها والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب، فأنشدته ليلتئذ:
حيّ المعاهد كانت قبل تحييني ... بواكف الدمع يرويها ويظميني
إنّ الألى نزحت داري ودارهم ... تحمّلوا القلب في آثارهم دوني
وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهم ... فيهم وأسأل رسما لا يناجيني
أمثّل الرّبع من شوقي فألثمه ... وكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد مني كل لؤلؤة ... ما زال قلبي عليها غير مأمون
سقت جفوني مغاني الرّبع بعدهم ... بالدّمع وقف على أطلاله الجوني [٤]
стр. 4568
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغل ... لو أنّ قلبي إلى السلوان يدعوني
أحبابنا هل لعهد الوصل مدّكر ... منكم وهل نسمة عنكم تحييني
ما لي وللطّيف لا يعتاد زائره ... وللنّسيم عليلا لا يداويني
يا أهل نجد وما نجد وساكنها ... حسنا سوى جنّة الفردوس والعين
أعندكم أنّني ما مرّ ذكركم ... إلّا انثنيت كأنّ الرّاح تثنيني
أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكم ... شوقا ولولاكم ما كان يصبيني
يا نازحا والمنى تدنيه من خلدي [١] ... حتى لأحسبه قربا يناجيني
أسلى هواك فؤادي عن سواك وما ... سواك يوما بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادّكاري يا ... من لم تكن ذكره الأيام تنسيني
ومنها في وصف الإيوان الّذي بناه لجلوسه بين قصوره:
يا مصنعا شيّدت منه السّعود حمى ... لا يطرق الدّهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطرف مفتتنا ... فيما يروقك من شكل وتلوين
بعدا لإيوان كسرى إنّ مشورك [٢] ... السامي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا ... «أشهى إلى القلب من أبواب جيرون» [٣]
ومنها في التّعريض بمنصرفي من العدوة:
من مبلغ عنّي الصّحب الألى تركوا ... ودّي وضاع حماهم إذ أضاعوني
أني أويت من العليا إلى حرم ... كادت مغانيه بالبشرى تحيّيني
وأنني ظاعنا لم ألق بعدهم ... دهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذ ... أقلّب الطّرف بين الخوف والهون
سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرت ... يداي منها بحظّ غير مغبون
أرتاد منها مليّا لا يماطلني ... وعدا وأرجو كريما لا يعنّيني
وهاك منها قواف طيّها حكم ... مثل الأزاهر في طيّ الرياحين
стр. 4569
تلوح إن جليت درا وإن تليت ... تثني عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كلّ شاردة ... لولا سعودك ما كانت تواتيني
يمانع الفكر عنها ما تقسّمه ... من كلّ حزن بطيّ الصدر مكنون
لكن بسعدك ذلّت لي شواردها ... فرضت منها بتحبير وتزيين
بقيت دهرك في أمن وفي دعة ... ودام ملكك في نصر وتمكين
وأنشدته سنة خمس وستين وسبعمائة في إعذار ولده، والصّنيع الّذي احتفل لهم فيه، ودعا إليه الجفلى [١] من نواحي الأندلس ولم يحضرني منها إلّا ما أذكره:
صحا الشوق لولا عبرة ونحيب ... وذكرى تجدّ الوجد حين تثوب [٢]
وقلب أبى إلّا الوفاء بعهده ... وإن نزحت دار وبان حبيب
وللَّه مني بعد حادثة النّوى ... فؤاد لتذكير [٣] العهود طروب
يؤرّقه طيف الخيال إذا سرى ... وتذكي حشاه نفحة وهبوب
خليليّ لا تستعديا قد دعا الأسى [٤] ... فإنّي لما يدعو الأسى لمجيب
ألمّا على الأطلال نقض حقوقها ... من الدمع فيّاض الشؤون سكوب
ولا تعذلاني في البكاء فإنّها ... حشاشة نفسي في الدموع تذوب
ومنها في تقدّم ولده للاعذار من غير نكول:
فيمّم منه الحفل لا متقاعس ... ولا نكس [٥] عند اللقاء هيوب
وراح كما راح الحسام من الوغى ... تروق حلاه والفرند خضيب
شواهر [٦] أهدتهنّ منك شمائل ... وخلق بصفوف المجد منك مشوب
ومنها في الثناء على ولديه:
هما النّيّران الطالعان على الهدى ... بآيات فتح شأنهنّ عجيب
стр. 4570
شهابان في الهيجا نعامان في الثوى [١] ... تسحّ المعالي منهما وتصوب
يدان لبسط المكرّمات نماهما ... إلى المجد فيّاض اليدين وهوب
وأنشدته ليلة المولد الكريم من هذه السنة:
أبى الطيف أن يعتاد إلا توهّما ... فمن لي ألقى الخيال المسلّما
وقد كنت أستهديه لو كان نافعي ... واستمطر الأجفان لو تمطر الظما [٢]
ولكن خيال كاذب وطماعة ... تعلّل قلبا بالأماني متيّما
أيا صاحبي نجواي والحبّ لوعة ... يبيح بشكواها الضمير المكتما
خذا لفؤادي العهد من نفس الصّبا ... وطيّ النّقا [٣] والبان من أجرع الحمى
الأصنع الشوق الّذي هو صانع ... فحبّي مقيم أقصّر الشوق أوسما
وإني ليدعوني السلوّ تعلّلا ... وتنهاني الأشجان أن أتقدّما
لمن دمن أقفرن إلّا هواتف ... تردّد في أطلالهنّ الترنّما
عرفت بها سيّما الهوى وتنكّرت ... فعجت على آياتها متوسّما
وذو الشّوق يعتاد الربوع دوارسا ... ويعرف آثار الديار توهّما
تؤوّبني والليل بيني وبينه ... وميض بأطراف الثنايا تضرّما
أجدّ لي العهد القديم كأنّه ... أشار بتذكار العهود فأفهما
عجبت لمرتاع الجوانح خافق ... بكيت له خلف الدّجا وتبسّما
وبتّ أروّيه كؤوس مدامعي ... وبات يعاطيني الحديث عن الحمى
وصافحته عن رسم دار بذي الغضي ... لبست بها ثوب الشبيبة معلما
لعهدي بها تدني الظّباء أوانسا ... وتطلع في آفاقها الغيد أنجما
أحنّ إليها حيث سار بي الهوى ... وأنجد رحلي في البلاد وأتهما
ولما استقرّ القرار، واطمأنّت الدار، وكان من السلطان الاغتباط والاستبشار، وكثر الحنين إلى الأهل والتذكار، أمر لاستقدام [٤] أهلي من مطرح اغترابهم من
стр. 4571
قسنطينة، بعث إليهم من جاء بهم إلى تلمسان. وأمر قائد الأسطول بالمريّة، فسار في إجازتهم في أسطوله، واحتلّوا بالمريّة. واستأذنت السلطان في تلقّيهم، وقدمت بهم على الحضرة بعد أن هيّأت لهم المنزل والبستان ودمنة الفلح، وسائر ضروريات المعاش.
وكتبت الى الوزير ابن الخطيب عند ما قاربت الحضرة، وقد كتبت إليه أستأذنه في القدوم، وما أعتمده في أحواله.
سيّدي، قدمت بالطّير اليمانين، على البلد الأمين، واستضفت الرفّاء إلى البنين، ومتعت بطول السنين. وصلتني البراءة المعرّبة عن كتب اللقاء، ودنوّ المزار، وذهاب البعد، وقرب الديار، وأستفهم سيدي عمّا عندي في القدوم على المخدوم، وأحبّ أن يستقدمني سيدي إلى الباب الكريم [١] في الوقت الّذي يجد المجلس الجمهوري لم يقض حجيجه، ولم يصخ [٢] بهيجه، ويصل الأهل بعده إلى المحل الّذي هيأته السعادة لاستقرارهم، واختاره اليمن قبل اختيارهم والسلام.
ثم لم يلبث الأعداء وأهل السعايات أن حملوا الوزير ابن الخطيب من ملابستي للسلطان، واشتماله عليّ، وحرّكوا له جواد الغيرة فتنكّر. وشممت منه رائحة الانقباض مع استبداده بالدولة، وتحكمّه في سائر أحوالها، وجاءتني كتب السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بأنه استولى عليها في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة واستدعاني إليه، فاستأذنت السلطان ابن الأحمر في الارتحال إليه. وعميت عليه شأن ابن الخطيب إبقاء للمودّة، فارتمض [٣] لذلك، ولم يسعه إلّا الاسعاف، فودّع وزوّد وكتب لي مرسوما بالتشييع من إملاء الوزير ابن الخطيب نصّه:
هذا ظهير كريم، تضمّن تشييعا وترفيعا وإكراما وإعظاما، وكان لعمل الصنيع ختاما، وعلى الّذي أحسن تماما، وأشاد به للمعتمد به بالاغتباط الّذي راق قساما [٤] ، وتوفر إقساما، وأعلق بالقبول أن نوى بعد القوى رجوعا وآثر على الظعن المزمع مقاما.
стр. 4572
أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه، وحبسه الأمير أبو عبد الله ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجّاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر أيّد الله أمره، وأعزّ نصره، وأعلى ذكره، للوليّ الجليس، الحظيّ المكين، المقرّب الأودّ الابن الفقيه الجليل الصدر الأوحد، الرئيس العالم الفاضل الكامل، الموقع الأمين الأظهر الأرضى، الأخلص الأصفى، أبي زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الجليل، الحسيب الأصيل، المرفّع المعظّم، الصدر الأوحد، الأسمى الأفضل الموقّر المبرور أبي يحيى ابن الشيخ الجليل الكبير، الرفيع الماجد، القائد الحظيّ، المعظّم الموقّر، المبرور المرحوم أبي عبد الله بن خلدون. وصله الله أسباب السعادة، وبلّغه من فضله أقصى الإرادة، أعلن بما عنده، أيّده الله من الاعتقاد الجميل في جانبه المرفّع، وإن كان غنيا عن الإعلان، وأعرب عن معرفة مقداره في الحسبان، العلماء الرؤساء الأعيان، وأشاد باتّصال رضاه عن مقاصده البرّة وشيمه الحسان، من لدن وفد على بابه، وفادة العزّ الراسخ البنيان، وأقام المقام الّذي عيّن له رفعة المكان، وإجلال الشان، إلى أن عزم على قصد وطنه، أبلغه الله في ظل الأمن [١] والأمان، وكفالة الرحمن بعد الاغتباط المربي على الخير بالعيان، والتمسّك بجواره بجهد الإمكان، ثم قبول عذره بما جبلت الأنفس عليه من الحنين إلى المعاهد والأوطان. بعد أن لم يدّخر عنه كرامة رفيعة، ولم يحجب عنه وجه صنيعه، فولّاه القيادة والسيادة [٢] وأحلّه جليسا معتمدا بالاستشارة، ثم أصحبه تشييعا يشهد بالضنانة بفراقه، ويجمع له برّ الوجاهة من جميع آفاقه، ويجعله بيده رتيمة خنصر [٣] ووثيقة سامع أو مبصر، فمهما لوى أخدعه إلى هذه البلاد بعد قضاء وطره، وتملّيه من نهمة سفره، أو نزع به حسن العهد وحنين الودّ، فصدر العناية به مشروح، وباب الرضا والقبول مفتوح، وما عهده من الحظوة والبرّ ممنوح. فما كان القصد في مثله من أمجاد الأولياء التحوّل، ولا الاعتقاد الكريم التبدّل، ولا الزمن الأخير أن ينسخ الأوّل. على هذا فليطو ضميره، وليرد ما شاء نميره، ومن وقف عليه من القوّاد والأشياخ والخدّام برا وبحرا على اختلاف الخطط والرتب، وتباين الأحوال والنسب، أن يعرفوا حق
стр. 4573
هذا الاعتقال في كلّ ما يحتاج إليه من تشييع ونزول، وإعانة وقبول، واعتناء موصول إلى أن يكمل الغرض، ويؤدّي من امتثال هذا الأمر الواجب المفترض بحول الله وقوّته.
وكتب في التاسع عشر من جمادى الأولى عام ست وستين وسبعمائة.
وبعد التاريخ العلامة بخطّ السلطان، ونصّها «صح هذا» .
(الرحلة من الأندلس الى بجاية وولاية الحجابة بها على الاستبداد)
كانت بجاية ثغرا لإفريقية في دولة بني أبي حفص من الموحدين. ولما صار أمرهم للسلطان أبي يحيى منهم، واستقلّ بملك إفريقية، ولّى في ثغر بجاية ابنه الأمير أبو زكريا، وفي ثغر قسنطينة ابنه الأمير أبا عبد الله. وكان بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط ينازعونه في أعماله، ويحجرون الكتائب على بجاية [١] ، ويجلبون على قسنطينة إلى أن تمسّك السلطان أبو بكر بذمّة من السلطان أبي الحسن ملك المغرب الأوسط والأقصى من بني مرين، وله الشّفوف على سائر ملوكهم. وزحف السلطان أبو الحسن إلى تلمسان فأخذ بمخنقها سنتين أو أزيد، وملكها عنوة وقتل سلطانها أبا تاشفين وذلك سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وخفّ ما كان على الموحّدين من أمر بني عبد الواد، واستقامت دولتهم. ثم هلك أبو عبد الله ابن السلطان أبي يحيى بقسنطينة سنة أربعين وسبعمائة، وخلّف سبعة من الأولاد، كبيرهم أبو زيد عبد الرحمن، ثم أبو العبّاس أحمد، فولّى الأمير أبو زيد مكان أبيه في كفالة نبيل مولاهم. ثم توفّي الأمير أبو زكريا ببجاية سنة ست وأربعين وسبعمائة، وخلّف ثلاثة من الأولاد، كبيرهم أبو عبد الله محمد، وبعث السلطان أبو بكر ابنه الأمير أبا حفص عليها، فمال أهل بجاية إلى الأمير أبي عبد الله بن زكريا، وانحرفوا عن الأمير عمر وأخرجوه. وبادر السلطان فرقع هذا الخرق بولاية أبي عبد الله عليهم كما طلبوه. ثم توفي السلطان أبو بكر منتصف سبع وأربعين وسبعمائة وزحف أبو الحسن إلى إفريقية
стр. 4574
فملكها، ونقل الأمراء من بجاية وقسنطينة إلى المغرب. وأقطع لهم هنالك إلى أن كانت حادثة القيروان، وخلع السلطان أبو عنان أباه. وارتحل من تلمسان إلى فاس، فنقل معه هؤلاء الأمراء أهل بجاية وقسنطينة، وخلطهم بنفسه، وبالغ في تكرمتهم. ثم صرفهم إلى ثغورهم الأمير أبا عبد الله أولا، وإخوته من تلمسان، وأبا زيد وإخوته من فاس ليستبدّوا بثغورهم، ويخذلوا الناس عن السلطان أبي الحسن، فوصلوا إلى بلادهم وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين، فانتزعوها منه. واستقرّ أبو عبد الله ببجاية حتى إذا هلك السلطان أبو الحسن بجبال المصامدة، وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فهزم ملوكها من بني عبد الواد وأبادهم، ونزل المدية وأطلّ على بجاية، وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه، وشكا إليه ما يلقاه من زبون [١] الجند والعرب، وقلّة الجباية. وخرج له عن ثغر بجاية فملكها، وأنزل عمّاله بها، ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب، فلم يزل عنده في كفاية [٢] وكرامة. ولما قدمت على السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين وسبعمائة واستخلصني منه، نبضت عروق السابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله، واستدعاني لصحابته، فأسرعت وكان السلطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك. ثم كثر المنافسون ورفعوا إلى السلطان وقد طرقه مرض أرجف له الناس، فرفعوا له أنّ الأمير أبا عبد الله اعتزم على الفرار إلى بجاية، وأني عاقدته على ذلك، على أن يولّيني حجابته، فانبعث له السلطان وسطا بنا واعتقلني نحوا من سنتين إلى أن هلك. وجاء السلطان أبو سالم واستولى على المغرب، ووليت كتابة سرّه، ثم نهض إلى تلمسان وملكها من يد بني عبد الواد، وأخرج منها أبا حمّو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن، ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس، وولّى على تلمسان أبا زيّان محمد بن أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي تاشفين وأمدّه بالأموال والعساكر من أهل وطنه ليدافع أبا حمّو عن تلمسان ويكون خالصة له، وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية كما ذكرناه، والأمير أبو العبّاس صاحب قسنطينة بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواما تباعا.
стр. 4575
ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة، وترك أخاه أبا العبّاس بها فخلعه، واستبدّ بالأمر وخرج إلى العساكر المجمّرة عليها من بني مرين، فهزمهم وأثخن فيهم. ونهض السلطان إليه من فاس سنة ثمان وخمسين وسبعمائة فتبرّأ منه أهل البلد وأسلموه، فبعثه إلى سبتة في البحر، واعتقله بها حتى إذا ملك السلطان أبو سالم سبتة عند إجازته من الأندلس سنة ستين وسبعمائة أطلقه من الاعتقال وصحبه إلى دار ملكه ووعده بردّ بلده عليه.
فلمّا ولّى أبو زيّان على تلمسان أشار عليه خاصّته ونصحاؤه بأن يبعث هؤلاء الموحّدين إلى ثغورهم، فبعث أبا عبد الله إلى بجاية وقد كان ملكها عمّه أبو إسحاق صاحب تلمسان [١] ، ومكفول بن تافراكين من يد بني مرين. وبعث أبا العبّاس إلى قسنطينة وبها زعيم من زعماء بني مرين. وكتب إليه السلطان أبو سالم أن يفرج له عنها فملكها لوقته، وسار الأمير أبو عبد الله إلى بجاية فطال إجلابه عليها، ومعاودته حصارها.
وألحّ أهلها في الامتناع منه مع السلطان أبي إسحاق. وقد كان لي المقام المحمود في بعث هؤلاء الأمراء إلى بلادهم. وتولّيت كبر ذلك مع خاصّة السلطان أبي سالم وكتاب أهل مجلسه، حتى تمّ القصد من ذلك، وكتب لي الأمير أبو عبد الله بخطّه عهدا بولاية الحجابة متى حصل على سلطانه، ومعنى الحجابة في دولنا بالمغرب الاستقلال بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ذلك أحد. وكان لي أخ صغير اسمه يحيى [٢] ، أصغر مني، فبعثه مع الأمير أبي عبد الله حافظا للرسم، ورجعت مع السلطان إلى فاس. ثم كان ما قدّمته من انصرافي إلى الأندلس والمقام بها إلى أن تنكّر الوزير ابن الخطيب وأظلم الجوّ بيني وبينه.
وبينما نحن في ذلك، وصل الخبر باستيلاء الأمير أبي عبد الله على بجاية من يدعمه في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة وكتب لي الأمير أبو عبد الله يستقدمني، فاعتزمت على ذلك، ونكر السلطان أبو عبد الله ابن الأحمر ذلك مني، لا لظنّه سوى ذلك [٣] ، إذ لم يطّلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب، فأمضيت
стр. 4576
العزم، ووقع منه الإسعاف والبرّ والألطاف. وركبت البحر من مرسى المريّة، منتصف ست وستين وسبعمائة ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجاية لقدومي، وأركب للقائي، وتهافت أهل البلد عليّ من كل أوب يمسحون أعطافي، ويقبّلون يديّ، وكان يوما مشهودا.
ثم وصلت إلى السلطان فحيّا وفدّى، وخلع وحمل، وأصبحت من الغد، وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي، واستقللت بحمل ملكه، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدّمني للخطابة بجامع القصبة وأنا مع ذلك، عاكف بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة، إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة، لا أنفكّ عن ذلك.
ووجدت بينه وبين ابن عمّه السلطان أبي العبّاس صاحب قسنطينة فتنة، أحدثتها المشاحّة في حدود الأعمال من الرعايا والعمّال، وشبّت نار هذه الفتنة بعرب أوطانهم من الزواودة من رياح، تنفيقا لسوق الزبون يميرون [١] به أموالهم، فكانوا في أهمّ شقة بجمع بعضهم لبعض فالتقو سنة ست وستين وسبعمائة بفدحيوه [٢] ، وانقسم العرب عليهما، وكان يعقوب بن علي مع السلطان أبي العبّاس، فانهزم السلطان أبو عبد الله ورجع إلى بجاية مفلولا بعد أن كنت جمعت له أموالا كثيرة أنفق جميعها في العرب، ولمّا رجع وأعوزته النفقة، خرجت بنفسي إلى قبائل البربر بالجبال [٣] الممتنعين من المغارم منذ سنين، فدخلت بلادهم واستبحت حماهم، وأخذت رهنهم على الطاعة، حتى استوفيت منهم الجباية، وكان لنا في ذلك مدد وإعانة. ثم بعث صاحب تلمسان إلى السلطان يطلب منه الصّهر، فأسعفه بذلك ليصل يده به على ابن عمّه، وزوّجه ابنته، ثم نهض السلطان أبو العبّاس سنة سبع وستين وسبعمائة وجاس أوطان بجاية، وكاتب أهل البلد، وكانوا وجلين من السلطان أبي عبد الله لما كان يرهف الحدّ لهم، ويشدّ وطأته عليهم، فأجابوه إلى الانحراف عنه. وخرج الشيخ أبو عبد الله يروم مدافعته، ونزل جبل إيزو معتصما به، فبيّته السلطان أبو العبّاس في عساكره وجموع الأعراب من أولاد محمد من رياح بمكانه ذلك،
стр. 4577
بإغراء ابن صخر وقبائل سدويكش، وكبسه في مخيّمه وركض هاربا، فلحقه وقتله، وسار إلى البلد بمواعدة أهلها. وجاءني الخبر بذلك، وأنا مقيم بقصبة السلطان بقصوره، وطلب مني جماعة من أهل البلد القيام بالأمر والبيعة لبعض أبناء السلطان، فتفاديت من ذلك، وخرجت إلى السلطان أبي العبّاس فأكرمني وحيّاني [١] ، وأمكنته من بلده، وأجرى أحوالها [٢] كلها على معهودها. وكثرت السعاية عنده في والتحذير من مكاني، وشعرت بذلك، فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان منه في ذلك، فأذن لي بعد ما أبى، وخرجت إلى العرب، ونزلت على يعقوب بن عليّ. ثم بدا له الشأن في أمري، وقبض على أخي واعتقله ببونة. وكبس بيوتنا، فظنّ بها ذخيرة وأموالا فأخفق ظنّه. ثم ارتحلت من أحياء يعقوب بن عليّ وقصدت بسكرة [٣] لصحابة بيني وبين شيخها أحمد بن يوسف بن مزنى، وبين أبيه، فأكرم وبرّ وساهم في الحادث بماله وجاهه والله أعلم.
(مشايعة أبي حمو صاحب تلمسان)
كان السلطان أبو حمو قد التحم ما بينه وبين السلطان أبي عبد الله صاحب بجاية بالصّهر في ابنته، وكانت عنده بتلمسان. فلما بلغه مقتل أبيها واستيلاء السلطان أبي العبّاس ابن عمّه صاحب قسنطينة على بجاية، أظهر الامتعاض لذلك، وكان أهل بجاية قد توجّسوا الخيفة من سلطانهم بإرهاف حدّه، وشدّة بطشه. وسطوته فانحرفوا عنه باطنا وكاتبوا ابن عمّه بقسنطينة كما ذكرناه.
ودسّوا للسلطان أبي حمّو بمثلها يرجون الخلاص من صاحبهم بأحدهما. فلمّا استولى السلطان أبو العباس وقتل ابن عمّه رأوا أن جرحهم قد اندمل، وحاجتهم قد قضيت، فاعصوصبوا عليه، وأظهر السلطان أبو حمّو الامتعاض للواقعة يسرّ منها
стр. 4578
حسوا في ارتقاء [١] ، ويجعله ذريعة للاستيلاء على بجاية، لما كان يرى نفسه كفؤها بعدده وعديده، وما سلف من قومه في حصارها، فسار من تلمسان يجرّ الشوك والمدر [٢] ، خيّم بالرشّة من ساحتها، ومعه أحياء زغبة بجموعهم وظعائنهم من لدن تلمسان إلى بلاد حصين من بني عامر وبني يعقوب وسويد والديالم والعطاف وحصين.
وانحجر أبو العباس بالبلد في شرذمة من الجند أعجله السلطان أبو حمّو عن استكمال الحشد، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع، وبعث السلطان أبو العبّاس عن أبي زيّان ابن السلطان أبي سعيد عمّ أبي حمّو من قسنطينة، كان معتقلا بها، وأمر مولاه وقائد عسكره بشيرا أن يخرج معه في العساكر، وساروا حتى نزلوا بني عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمو، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السلطان، وأبلغهم النذير أنّه إنّ ملك بجاية اعتقلهم بها، فراسلوا أبا زيّان وركبوا إليه، واعتقدوا معه وخرج رجل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن، ودفعوا شرذمة كانت مجمّرة بإزائهم، فاقتلعوا خباءهم، وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرشّة، وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا، وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السلطان في مخيّمه فحمل رواحله وسار، وغصّت الطرق بزحامهم، وتراكم بعضهم على بعض، فهلك منهم عوالم. وأخذهم سكّان الجبال من البربر بالنهب من كل ناحية، وقد غشيهم الليل، فتركوا أزوادهم ورحالهم. وخلص السلطان ومن خلص منهم بعد غصّ الريق، وأصبحوا على منجاة. وقذفت بهم الطرق من كل ناحية إلى تلمسان، وكان السلطان أبو حمّو قد بلغه خبر خروجي من بجاية، وما أحدثه السلطان بعدي في أهلي ومخلفي، فكتب إليّ يستقدمني قبل هذه الواقعة، وكانت الأمور قد اشتبهت، فتفاديت بالأعذار، وأقمت بأحياء يعقوب بن عليّ. ثم ارتحلت إلى بسكرة فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزني. فلمّا وصل السلطان أبو حمّو إلى تلمسان وقد جزع للواقعة، أخذ في استئلاف قبائل رياح ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية، وخاطبني في ذلك لقرب عهدي باستتباعهم، وملك
стр. 4579
زمامهم، ورأى أن يعوّل عليّ في ذلك، واستدعاني لحجابته وعلامته، وكتب بخطّه مدرجة في الكتاب نصّها:
الحمد للَّه على ما أنعم، والشكر للَّه على ما وهب، ليعلم الفقيه المكرّم أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون، حفظه الله، انك تصل إلى مقامنا الكريم بما خصصناكم به من الرتبة المنيعة، والمنزلة المنيفة، وهو قلم خلافتنا، والانتظام في سلك أوليائنا، وقد أعلمناكم بذلك، وكتب بخطّ يده عبد الله المتوكل على الله، موسى بن يوسف لطف الله به وخار له.
وبعده بخطّ الكاتب ما نصّه: بتاريخ السابع عشر من شهر رجب الفرد الّذي من عام تسع وستين وسبعمائة، عرّفنا الله خيره. ونصّ الكتاب الّذي هذه مدرجته، وهو بخطّ الكاتب: «أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد ووالى رعايتكم، إنّا قد ثبت عندنا، وصحّ لدينا ما انطويتم عليه من المحبّة في مقامنا، والانقطاع إلى جنابنا، والتشييع قديما وحديثا لنا، مع ما نعلمه من محاسن اشتملت عليها أوصافكم، ومعارف فقتم فيها نظراءكم، ورسوخ القدم في الفنون العلميّة والآداب العربيّة.
وكانت خطّة الحجابة ببابنا العليّ أسماه الله إلى درجات أمثالكم، وأرفع الخطط لنظرائكم، قربا منّا، واختصاصا بمقامنا، واطّلاعا على خفايا أسرارنا، آثرناكم بها إيثارا، وقدّمناكم لها اصطفاء واختيارا، فاعملوا على الوصول إلى بابنا العليّ أسماه الله لما لكم فيه من التنويه، والقدر النبيه، حاجبا لعليّ بابنا، ومستودعا لأسرارنا، وصاحبا لكريم علامتنا، إلى ما شاكل ذلك من الانعام العميم، والخير الجسيم، والاعتناء والتكريم. لا يشارككم مشارك في ذلك، ولا يزاحمكم أحد، وإن وجد من أمثالكم فأعملوه وعوّلوا عليه، والله تعالى يتولّاكم، ويصل سرّاءكم، ويوالي احتفاءكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
وتأدّت إليّ هذه الكتب السلطانيّة على يد سفير من وزرائه جاء إلى أشياخ الزواودة في هذا الغرض، فقمت له في ذلك أحسن قيام وشايعته أحسن مشايعة، وحملتهم على إجابة داعي السلطان والبدار إلى خدمته. وانحرف كبراؤهم عن السلطان أبي العبّاس إلى خدمته، والاعتمال في مذاهبه، واستقام غرضه من ذلك، وكان أخي يحيى قد خلص من اعتقاله، وقدم عليّ ببسكرة، فبعثته إلى السلطان أبي حمّو كالنائب عني في الوظيفة، متفاديا عن تجشّم أهوالها بما كنت
стр. 4580
نزعت عن غواية الرتب. وطال عليّ إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمّة على المطالعة والتدريس، فوصل إليه الأخ فاستكفى به في ذلك، ودفعه إليه.
ووصلني مع هذه الكتب السلطانيّة كتاب رسالة من الوزير أبي عبد الله بن الخطيب من غرناطة يتشوّق إليّ، وتأدّى إلى تلمسان على يد سفراء السلطان ابن الأحمر، فبعث إليّ من هنالك ونصّه:
بنفسي وما نفسي عليّ رخيصة [١] ... فينزلني عنها المكاس بأثمان
حبيب نأى عنّي وصمّ لا أنثني ... وراش سهام البين عمدا فأضناني [٢]
وقد كان همّ الشّيب لا كان كائنا [٣] ... فقد آدني لما ترحّل همّان
شرعت له من دمع عينيّ موردا ... فكدّر شربي بالفراق وأظماني
وأرعيّته من حسن عهدي حميّة [٤] ... فأجدب آمالي وأوحش أزماني
حلفت على ما عنده لي من رضى ... قياسا بما عندي فأحنّث أيماني
وإني على ما نالني منه من قلى ... لأشتاق من لقياه نعبة ظمآن
سألت جنوني فيه تقريب عرسه ... فقست بحرّ الشوق جنّ سليمان
إذا ما دعا داع من القوم باسمه ... وثبت وما استثبت شيمة هيمان
وتاللَّه ما أصغيت فيه لعاذل ... تحاميته حتى ارعوى وتحاماني
ولا استشعرت نفسي برحمة عابد ... تظلّل يوما مثله عبد رحمان
ولا شعرت من قبله بتشوّق ... تخلّل منها بين روح وجثمان
أمّا الشوق فحدّث عن البحر ولا حرج، وأمّا الصبر فسل به أيّة درج، بعد أن تجاوز اللوى [٥] والمنعرج، لكن الشدّة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر على إبر الزبر [٦] لا بل الضّرب الهبر، ومطاولة اليوم والشهر، تحت حكم
стр. 4581
القهر، ومن للعين أن تسلو سلوّ القصر عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد عن سرّها الرائي والمشاهد، وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه أو ترحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأوّل، فعلام المعوّل أعيت مراوضة الفراق على الرواق [١] ، وكادت لوعة الاشتياق أن تفضي إلى السياق [٢] .
تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أمر الصبر عصيانا
أقرع سنّي ندما تارة ... وأستميح الدّمع أحيانا
وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، وجدّدت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسائل نون النؤى [٣] عن أهليه، وهيام المرقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلّثة من منازل الموحّدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين. لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله بسائل عن جفوني المؤرقة، ونائم عن شجوني [٤] المجتمعة المتفرّقة، ظعن عن ملال، لا متبرّما بشرّ حال [٥] وكدر الوصل بعد صفائه، وضرّح النّصل بعد عهد وفائه.
أقل اشتياقا أيها القلب إنّما ... رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
فها أنا أبكي عليه بدم أساله، وأندب في ربع الفراق آسى له، وأشكو إليه حال قلب صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودّعه، وانشقّ ريّاه أنف ارتياح قد جدعه، واستعديه على ظلم ابتدعه.
«خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي [٦]
فلولا عسى الرجاء ولعلّه، لا بل شفاعة المحلّ الّذي حلّه، لنشرت ألوية العتب، وبثثت كتائبها كمينا في شعاب الكتب، تهزّ من الألفات رماحا هزّ الأسنّة [٧] وتوتّر من النونات أمثال القسيّ المرنّة، وتقود من مجموع الطّرس والنقس بلقا تردي في
стр. 4582
الأعنّة، ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيّأ ظلال الجوار المؤمّن من معرّة الغوار عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنيّة، والظلال اليزنيّة، والهمم السنيّة، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدّنيّة، حيث الرّفد الممنوح، والطير الميامن يزجر لها السنوح والمثوى الّذي إليه مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان، فهو الجنوح.
نسب كأنّ عليه من شمس الضّحى ... نورا ومن فلق الصّباح عمودا
ومن حلّ بتلك المثابة فقد اطمأنّ جنبه، وتغمّد بالعفو ذنبه، (وللَّه در القائل) :
فو حقّه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أنّ حمصا داره
بلد متى أذكره هيج [١] لوعتي ... وإذا قدحت الزّند طار شراره
اللَّهمّ غفرا، وأين قراره النخيل، من مثوى الألف البخيل، ومكذبة المخيل، وأين نائية هجر، من متبرئ ممن ألحد وفجر [٢]
من أنكر غيث مسودّة [٣] ... في الأرض ينوء بمخلفها
فبنان بني مزنى مزن ... تنهلّ بلطف مصرّفها
مزن مذحلّ ببسكرة ... يوما نطقت بمصحفها
شكرت حتى بعبارتها ... وبمعنها وبأحرفها
ضحكت بأبي العباس من ... الأيام ثنايا زخرفها
وشكرت الدنيا متى عرفت ... مزن فيها بمعرّفها [٤]
بل نقول لا محل للولد [٥] ، لا أقسم بهذا البلد، وأنت حلّ بهذا البلد، لقد حلّ بينك عرى الجلد، وخلد الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصميم من الخلد، فحيّا الله زمانا شفيت في قربك زمانته [٦] ، واحتليت في ذروة مجدك جمانته، ويا من لمشوق لم يفض من طول خلّتك لبانته [٧] ، وأهلا بروض أضلّت شباب معارفك
стр. 4583
بانته، فحمائمه بعدك تندب فيساعدها الجندب، ونواسمه ترقّ فتتغاشى، وعشبانه تتهافت وتتلاشى، وأدواحه في ارتباك، وحمائمه في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمرها لات قبابه، ولم يكن أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابة، ولم يسبح إنسان عينك [١] في ماء شبابه، فلهفا عليك من درّة اختلستها يد النوى، ومطل بردّها الدّهر ولوى، ونعق غراب بينها في ربوع الهوى، ونطق بالزّجر فما نطق عن الهوى، وبأيّ شيء يعتاض منك أيتها الرّياض، بعد أن طما نهرك الفيّاض، وفهقت [٢] الحياض، ولا كان الشانئ المشنوء والحرب المهنوء من قطيع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الأمر الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لمّا كمل، فشرّع [٣] الشراع فراع، وواصل الإسراع، فكأنّما هو تمساح النّيل ضايق الأحباب في البرهة، وأختطف بهم من الشط نزهة العين، وعين النزهة، ولجّج بها، والعيون تنظر، والعبر عن الاتباع [٤] تخطر، فلم يقدر إلّا على الأسف، والتماح الأثر المنتسف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووفر الحبرة [٥] من الحسرة، إنّما نشكو إلى الله البثّ والحزن، ونستمطر منه المزن [٦] ، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرّعت لليأس أسنّة ونصول.
ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممّن داره صول
فإن كان كلام [٧] الفراق رغيبا، لمّا نويت مغيبا، وجلّلت الوقت الهنيّ تشغيبا، فلعلّ الملتقى يكون قريبا، وحديثه يروى صحيحا غريبا. إيه سيدي كيف حال تلك الشمائل المزهرة المخايل، والشيم الهامية الديم؟ هل يمرّ ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف البين ذباله؟ أو ترثي لمؤق [٨] شأنها سكب لا يفتر، وشوق
стр. 4584
يبتّ حبال المشوّق [١] ويبتر وضنى تقصر عن حلله الفائقة صنعاء وتستر [٢] والأمر أعظم والله يستر، وما الّذي يضيرك صير من بلفح السموم يضيرك [٣] ، بعد أن أضرمت وأشعلت وأوقدت، وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، إن تترفق بذماء، أو تردّ بنغبة ماء، أرماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحيّة عليها شذ أنفاسك، أو تنظر إلينا من البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك وسواد أنفاسك، فربّما قنعت الأنفس المحبّة بخيال يزور، وتعلّلت بنوال منذور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور.
يا من ترحّل والرياح لأجله ... تشتاق أن يعبق شذا ريّاها [٤]
تحيا النفوس إذا بعثت تحيّة ... وإذا قرأت ترى ومن أحياها [٥]
ولئن أحييت بها فيما سلف نفوسنا تفديك، والله إلى الخير يهديك، فنحن نقول معشر مودّيك «ثنّ ولا تجعلها بيضة الديك [٦] وعذرا فإنّي لم أجترئ على خطابك بالفقرة الفقيرة، وأدللت لديّ محرابك برفع العقيرة، عن نشاط بعث مرسومه [٧] ولا اغتباط بالأدب إلّا بسياسة تسوسه، أو في على الفترة ناموسه وانما هو نفاق نفثة المصدور [٨] ، وهناء الجرب المجدور، وإن تعلّل به مخارق، فثمّ قياس فارق، والّذي هيّأ هذا القدر وسبّبه، وسهّل المكروه إليّ منه وحبّبه، ما اقتضاه الصّنو يحيى، أمدّ الله حياته، وحرس من الحوادث جهاته [٩] ، من خطاب ارتشف لهذه القريحة العديمة بلالتها، بعد أن رضي غلالتها، ورسخ إلى الصهر الحضرميّ سلالتها، فلم يسع إلّا إسعافه، بما أعافه، فأمليت مجيبا ما لا يعدّ في يوم الرهان
стр. 4585
نجيبا، وأسمعته وجيبا لمّا ساجلت بهذه التّرهات سحرا عجيبا، حتى إذا ألف القلم العريان فسحه [١] ، وجمح برذون الغزارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوّه وموقف شلوّه [٢] ، إلا وقد تحيّز إلى فئتك مغترّا بل معترّا، واستقبلها ضاحكا مفترّا، وهشّ لها برّا، وإن كان من الخجل مصفرّا، وليس بأوّل من هجر، في التماس الوصل ممن هجر، أو بعث التمر إلى هجر [٣] ، وأيّ نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام، بعد أن حال الجريض دون القريض [٤] ، وشغل المريض عن التعريض، وغلب الشوق الكسل، ونشرت [٥] الشعرات البيض كأنها الأسل، تروع برقط الحيّات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر، والشباب [٦] عند البيات، والشيب الموت العاجل، وإذا ابيضّ زرع صبّحته المناجل، والمعتبر الآجل، وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض أبقاك الله، وأسمح لمن قصّر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثّواب، واشف بعض الجوى بالجواب.
تولّاك الله فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك أية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات، والسلام الكريم يعتمد حلال [٧] ولدي وساكن خلدي، بل أخي وإن اتّقيت عتبة وسيّدي، ورحمة الله وبركاته، من محبّة المشتاق إليه محمد بن عبد الله بن الخطيب في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني من عام سبعين وسبعمائة.
وكان تقدّم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر إليّ، بعث به إلى تلمسان فتأخّر وصوله، حتى بعث به أخي يحيى عند وفادته على السلطان، ونصّ الكتاب.
يا سيدي إجلالا واعتدادا، وأخي ودّا واعتقادا، ومحلّ ولدي شفقة حلت مني
стр. 4586
فؤادا. طال عليّ انقطاع أنبائك، واختفاء أخبارك، فرجوت أن أبلغ المنية بهذا المكتوب إليك، وتخترق الموانع دونك، وإن كنت في موالاتك كالعاطش الّذي لا يروى، والآكل الّذي لا يشبع، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية، والعوائد المألوفة، فأنا بعد إنهاء التحيّة المطلولة الروض بماء الدموع، وتقرير الشوق القديم اللّزيم، وشكوى البعاد الأليم، والابتهال في إتاحة القرب [١] قبل الفوت من الله ميسّر العسير، ومقرّب البعيد، أسأل عن أحوالك سؤال أبعد الناس مجالا [٢] في مجال الخلوص لك، وأشدّهم حرصا على اتّصال سعادتك، وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك، واستقرارك ببسكرة على الغبطة بك باللجإ إلى تلك الرئاسة الزكيّة، الكريمة الأب، الشهيرة الفضل، المعروفة القدر على البعد، حرسها الله ملجأ للفضلاء، ومخيّما لرجال العلياء، ومهبّا لطيب الثناء، بحول وقوّته، وقاربت كلّ ساح السلامة [٣] فاحمدوا الله على الخلاص، وقاربوا في معاملة الآمال، وضنّوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاقّ، وأبخلوا بها عن المتالف، فمطلوب الحريص على الدّنيا خسيس، والموانع الحافّة جمّة، والحاصل حسرة، وما قلّ سعي يحمد حاله العاقبة [٤] ، والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت، إنّما ينال منه الضروريّ، ومثلك لا يعجزه مع الناس [٥] العافية، إضعاف ما يرجى به العمر من المأكل والمشرب، وحسبنا الله.
وإن تشوّفت لحال المحبّ تلك السيادة الفذّة والبنوّة البرّة، فالحال حال من جعل الزّمام بيد القدر، والسير في مهيع الغفلة، والسبح في تيار الشواغل، ومن وراء الأمور غيب محجوب، وأجل مكتوب، يؤمّل فيه عادة الستر من الله، إلّا أنّ الضجر الّذي تعلمونه حفظه الناس لما عجزت الحيلة، وأعوز الناصر [٦] وسدّت المذاهب، والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال.
стр. 4587
وفيما يرجع إلى السلطان تولّاه الله على إضعاف ما باشر سيّدي من الأغياء في البرّ، ووصل سبب الالتحام والاشتمال مع الإقبال [١] وما ينتجه متعوّد الظهور، والحمد للَّه.
وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد فعلى ما علمت الآن الشوق يخامر القلوب، وتصوّر اللّقاء مما يزهد في الوطن، وحاضر النّعم سنّى الله ذلك على أفضل حال، ويسرّه قبل الارتحال من دار المحال.
وفيما يرجع إلى الوطن فأحوال النائم خصبا، وهدنة وظهورا على العدوّ، وحسبك فافتتاح حصن آش وبرغة [٢] القاطعة بين بلاد الإسلام، ووبرة [٣] والعارين وبيعة [٤] وحصن السّهلة في عام. ثم دخل بلد إطريرة بنت إشبيلية عنوة، والاستيلاء على ما يناهز خمسة آلاف من السبي من فتح دار الملك، وبلدة قرطبة، ومدينة جيّان عنوة في اليوم الأغرّ المحجّل، وقتل المقاتلة، وسبي الذرّية، وتعفية الآثار حتى لا يلمّ بها العمران، ثم افتتاح مدينة رندة التي تلف جيّان في ملاءتها، دار التّجر، والرفاهيّة والبنات الحافلة، والنعم الثّرّة، نسأل الله جلّ وعلا أن يصل عوائد نصره، ولا يقطع عنا سيب رحمته، وأن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه.
ولم يتزيد من الحوادث إلّا ما علمتم من أخذ الله لنسب [٥] السوء، وخبث الأرض، المسلوب من أثر الخير، عمر بن عبد الله، وتحكّم شرّ الميتة في نفسه، وإتيان النكال على حاشيته، والاستئصال على نفيسة [٦] ، والاضطراب مستول على الوطن بعده، إلا أنّ القرب على علالته [٧] لا يرجحه غيره.
стр. 4588
والأندلس اليوم شيخ غزاتها عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي عليّ، بعد وفاة الشيخ أبي الحسن علي بن بدر الدين ﵀. وقد استقرّ بها بعد انصراف سيّدي الأمير المذكور، والوزير مسعود بن رحّو، وعمر بن عثمان بن سليمان.
والسلطان ملك النصارى بطرة قد عاد إلى ملكه بإشبيليّة، وأخوه مجلب عليه بقشتالة وقرطبة مخالفة عليه، قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على أنفسهم، داعين لأخيه، والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح. وخرق الله لهم عوائد في باب الظهور والخير، لم تكن تخطر في الآمال. وقد تلقّب السلطان أيّده الله بعقب هذه المكنّفات بالغنيّ باللَّه وصدرت عنه مخاطبات بمجمل الفتوح ومفصلها يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن.
وأمّا ما يرجع إلى ما يتشوّف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت، فصدرت تقاييده، وتفاصيل [١] يقال فيها بعد ما اعتملت تلك السيادة بالانصراف يا إبراهيم ولا إبراهيم اليوم.
منها أنّ كتابا رفع إلى السلطان في المحبّة [٢] من تصنيف ابن أبي حجلة من المشارقة فعارضته، وجعلت الموضوع أشرف، وهو محبّة الله [٣] ، فجاء كتابا ادّعى الأصحاب غرابته. وقد وجّه إلى الشرق وصحبته كتاب «تاريخ غرناطة» وغيره من تأليفي. وتعرّف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من مصر، وانتال الناس عليه، وهو في لطافة الإعراض، متكلّف أغراض المشارقة من ملحه:
سلّمت لمصر في الهوى من بلد ... يهديه هواؤها لدى استنشاقه
من ينكر دعوتي فقل عني له ... تكفي امرأة العزيز من عشّاقه
والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه. وصدر عني جزء سمّيته «الغيرة على أهل الحيرة» وجزء سمّيته «حمد الجمهور على السنن المشهور» . والإكباب على اختصار كتاب «التاج [٤] » للجوهري وردّ حجمه إلى مقدار الخمس، مع حفظ ترتيبه
стр. 4589
السّهل، والله المعين على مشغلة نقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من التتمة، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه.
والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيّادة والبنوّة، إذ لا يتعذّر وجود قافل من حجّ، أو لاحق بتلمسان يبعثها السيد الشريف منها، فالنفس شديدة التعطّش، والقلوب قد بلغت من الشوق والاستطلاع الحناجر. والله أسأل أن يصون في البعد وديعتي منك لديه، ويلبسك العافية، ويخلّصك وإياي من الورطة، ويحملنا أجمعين على الجادّة. ويختم لنا بالسعادة. والسلام الكريم عودا على بدء، ورحمة الله وبركاته من المحبّ المشوّق الذاكر الداعي ابن الخطيب، في الثاني من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة انتهى.
(فأجبته) عن هذه المخاطبات، وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته فلم يكن شأوه يلحق. ونصّ الجواب: سيّدي مجدا وعلوّا، وواحدي ذخرا مرجوّا ومحلّ والدي برّا وحنّوا. ما زال الشوق مذ نأت بي وبك الدار، واستحكم بيننا البعاد، يرعي سمعي أنباءك، ويخيّل إليّ من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع، وعهد غير مضاع وودّ ذي أجناس وأنواع، فنشر بقلبي ميت السلوّ وحشر أنواع المسرّات، وقدح للقائك زناد الأمل، والله أسأل الامتناع [١] بك قبل الفوت على ما يرضيك، ويسني أمانيّ وأمانيك. وحيّيته تحيّة الهائم، لمواقع الغمائم، والمدلج للصّباح المتبلّج، وأملى على معترج الأولياء [٢] خصوصا فيك، من اطمئنان الحال، وحسن القرار، وذهاب الهواجس، وسكون النفرة، وعموما في الدولة من رسوخ القدم، وهبوب ريح النصر، والظهور على عدوّ الله باسترجاع الحصون التي استنقذوها في اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانيّة، غريبة لا تثبت إلّا في الحلم وآية من آيات الله. وإن خبيئة هذا الفتح في طيِّئ العصور السالفة إلى هذه المدّة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حيث أظهر على يدها خوارق العادة، وما تجد آخر الأيام من معجزات
стр. 4590
الملّة، وكمل فيها والحمد للَّه بحسن التدبير ويمن التعبية [١] ، من حميد الأثر، وخالد الذّكر، طراز في حلّة الخلافة النّصريّة، وتاج في مفرق الوزارة. كتبه الله لك فيما يرضاه الله من عباده.
ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا العصر المحروس، وأذعته في الملأ سرورا لعزّ الإسلام وإظهارا للنعمة، واستطرادا لذكر الدولة المولويّة بما تستحقّه من طيب الثناء والتماس الدعاء، والتحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على الدول السالفة والخالفة وتقدّمها، فانشرحت الصدور حباء، وامتلأت القلوب إجلالا وتعظيما، وحسنت الآثار اعتقادا ودعاء.
وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنوانا، ولما عساه يستعجم من نعتي في مناقبها ترجمانا، زاده الله من فضله، وأمتع المسلمين سكون الغريب من الشوق المزعج [٢] ، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفا لتجافي عرمها عن الأمن [٣] والتقويض عن دار العزيز المولى المنعم، والسيّد الكريم، والبلد الطيّب، والإخوان البررة، «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» وإن تشوّفت السيادة الكريمة إلى الحال، فعلى ما علمتم سيرا مع الأمل، ومغالبة للأيام على الحظّ، وإقطاعا للغفلة جانب العمر.
هل نافعي والجدّ في صبب ... مدى مع الآمال في صعد
رجع الله بنا إليه، ولعلّ في عظتكم النافعة شفاء من هذا الداء، العياء إن شاء الله، وأنّ لطف الله مصاحب من هذه الرئاسة المزنية، وحسبك بها عليه عصمة وافية [٤] ، صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدّها منهم كما علمتم، حين تفاقم الخطب، وتلوّن الدهر، والإفلات من مظانّ النكبة، وقد رنّقت [٥] حولها بعد ما جرّته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمّه، قريعة في الملك وقسيمه في النسب، والتياث الجاه، وتغيّر السلطان، واعتقال الأخ المخلّف،