فؤادا. طال عليّ انقطاع أنبائك، واختفاء أخبارك، فرجوت أن أبلغ المنية بهذا المكتوب إليك، وتخترق الموانع دونك، وإن كنت في موالاتك كالعاطش الّذي لا يروى، والآكل الّذي لا يشبع، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية، والعوائد المألوفة، فأنا بعد إنهاء التحيّة المطلولة الروض بماء الدموع، وتقرير الشوق القديم اللّزيم، وشكوى البعاد الأليم، والابتهال في إتاحة القرب [١] قبل الفوت من الله ميسّر العسير، ومقرّب البعيد، أسأل عن أحوالك سؤال أبعد الناس مجالا [٢] في مجال الخلوص لك، وأشدّهم حرصا على اتّصال سعادتك، وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك، واستقرارك ببسكرة على الغبطة بك باللجإ إلى تلك الرئاسة الزكيّة، الكريمة الأب، الشهيرة الفضل، المعروفة القدر على البعد، حرسها الله ملجأ للفضلاء، ومخيّما لرجال العلياء، ومهبّا لطيب الثناء، بحول وقوّته، وقاربت كلّ ساح السلامة [٣] فاحمدوا الله على الخلاص، وقاربوا في معاملة الآمال، وضنّوا بتلك الذات الفاضلة عن المشاقّ، وأبخلوا بها عن المتالف، فمطلوب الحريص على الدّنيا خسيس، والموانع الحافّة جمّة، والحاصل حسرة، وما قلّ سعي يحمد حاله العاقبة [٤] ، والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت، إنّما ينال منه الضروريّ، ومثلك لا يعجزه مع الناس [٥] العافية، إضعاف ما يرجى به العمر من المأكل والمشرب، وحسبنا الله.
وإن تشوّفت لحال المحبّ تلك السيادة الفذّة والبنوّة البرّة، فالحال حال من جعل الزّمام بيد القدر، والسير في مهيع الغفلة، والسبح في تيار الشواغل، ومن وراء الأمور غيب محجوب، وأجل مكتوب، يؤمّل فيه عادة الستر من الله، إلّا أنّ الضجر الّذي تعلمونه حفظه الناس لما عجزت الحيلة، وأعوز الناصر [٦] وسدّت المذاهب، والشأن اليوم شأن الناس فيما يقرب من الاعتدال.
стр. 4587
وفيما يرجع إلى السلطان تولّاه الله على إضعاف ما باشر سيّدي من الأغياء في البرّ، ووصل سبب الالتحام والاشتمال مع الإقبال [١] وما ينتجه متعوّد الظهور، والحمد للَّه.
وفيما يرجع إلى الأحباب والأولاد فعلى ما علمت الآن الشوق يخامر القلوب، وتصوّر اللّقاء مما يزهد في الوطن، وحاضر النّعم سنّى الله ذلك على أفضل حال، ويسرّه قبل الارتحال من دار المحال.
وفيما يرجع إلى الوطن فأحوال النائم خصبا، وهدنة وظهورا على العدوّ، وحسبك فافتتاح حصن آش وبرغة [٢] القاطعة بين بلاد الإسلام، ووبرة [٣] والعارين وبيعة [٤] وحصن السّهلة في عام. ثم دخل بلد إطريرة بنت إشبيلية عنوة، والاستيلاء على ما يناهز خمسة آلاف من السبي من فتح دار الملك، وبلدة قرطبة، ومدينة جيّان عنوة في اليوم الأغرّ المحجّل، وقتل المقاتلة، وسبي الذرّية، وتعفية الآثار حتى لا يلمّ بها العمران، ثم افتتاح مدينة رندة التي تلف جيّان في ملاءتها، دار التّجر، والرفاهيّة والبنات الحافلة، والنعم الثّرّة، نسأل الله جلّ وعلا أن يصل عوائد نصره، ولا يقطع عنا سيب رحمته، وأن ينفع بما أعان عليه من السعي في ذلك والإعانة عليه.
ولم يتزيد من الحوادث إلّا ما علمتم من أخذ الله لنسب [٥] السوء، وخبث الأرض، المسلوب من أثر الخير، عمر بن عبد الله، وتحكّم شرّ الميتة في نفسه، وإتيان النكال على حاشيته، والاستئصال على نفيسة [٦] ، والاضطراب مستول على الوطن بعده، إلا أنّ القرب على علالته [٧] لا يرجحه غيره.
стр. 4588
والأندلس اليوم شيخ غزاتها عبد الرحمن بن علي ابن السلطان أبي عليّ، بعد وفاة الشيخ أبي الحسن علي بن بدر الدين ﵀. وقد استقرّ بها بعد انصراف سيّدي الأمير المذكور، والوزير مسعود بن رحّو، وعمر بن عثمان بن سليمان.
والسلطان ملك النصارى بطرة قد عاد إلى ملكه بإشبيليّة، وأخوه مجلب عليه بقشتالة وقرطبة مخالفة عليه، قائمة بطائفة من كبار النصارى الخائفين على أنفسهم، داعين لأخيه، والمسلمون قد اغتنموا هبوب هذه الريح. وخرق الله لهم عوائد في باب الظهور والخير، لم تكن تخطر في الآمال. وقد تلقّب السلطان أيّده الله بعقب هذه المكنّفات بالغنيّ باللَّه وصدرت عنه مخاطبات بمجمل الفتوح ومفصلها يعظم الحرص على إيصالها إلى تلك الفضائل لو أمكن.
وأمّا ما يرجع إلى ما يتشوّف إليه ذلك الكمال من شغل الوقت، فصدرت تقاييده، وتفاصيل [١] يقال فيها بعد ما اعتملت تلك السيادة بالانصراف يا إبراهيم ولا إبراهيم اليوم.
منها أنّ كتابا رفع إلى السلطان في المحبّة [٢] من تصنيف ابن أبي حجلة من المشارقة فعارضته، وجعلت الموضوع أشرف، وهو محبّة الله [٣] ، فجاء كتابا ادّعى الأصحاب غرابته. وقد وجّه إلى الشرق وصحبته كتاب «تاريخ غرناطة» وغيره من تأليفي. وتعرّف تحبيسه بخانقاه سعيد السعداء من مصر، وانتال الناس عليه، وهو في لطافة الإعراض، متكلّف أغراض المشارقة من ملحه:
سلّمت لمصر في الهوى من بلد ... يهديه هواؤها لدى استنشاقه
من ينكر دعوتي فقل عني له ... تكفي امرأة العزيز من عشّاقه
والله يرزق الإعانة في انتساخه وتوجيهه. وصدر عني جزء سمّيته «الغيرة على أهل الحيرة» وجزء سمّيته «حمد الجمهور على السنن المشهور» . والإكباب على اختصار كتاب «التاج [٤] » للجوهري وردّ حجمه إلى مقدار الخمس، مع حفظ ترتيبه
стр. 4589
السّهل، والله المعين على مشغلة نقطع بها هذه البرهة القريبة البداءة من التتمة، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه.
والمطلوب المثابرة على تعريف يصل من تلك السيّادة والبنوّة، إذ لا يتعذّر وجود قافل من حجّ، أو لاحق بتلمسان يبعثها السيد الشريف منها، فالنفس شديدة التعطّش، والقلوب قد بلغت من الشوق والاستطلاع الحناجر. والله أسأل أن يصون في البعد وديعتي منك لديه، ويلبسك العافية، ويخلّصك وإياي من الورطة، ويحملنا أجمعين على الجادّة. ويختم لنا بالسعادة. والسلام الكريم عودا على بدء، ورحمة الله وبركاته من المحبّ المشوّق الذاكر الداعي ابن الخطيب، في الثاني من جمادى الأولى من عام تسعة وستين وسبعمائة انتهى.
(فأجبته) عن هذه المخاطبات، وتفاديت من السجع خشية القصور عن مساجلته فلم يكن شأوه يلحق. ونصّ الجواب: سيّدي مجدا وعلوّا، وواحدي ذخرا مرجوّا ومحلّ والدي برّا وحنّوا. ما زال الشوق مذ نأت بي وبك الدار، واستحكم بيننا البعاد، يرعي سمعي أنباءك، ويخيّل إليّ من أيدي الرياح تناول رسائلك، حتى ورد كتابك العزيز على استطلاع، وعهد غير مضاع وودّ ذي أجناس وأنواع، فنشر بقلبي ميت السلوّ وحشر أنواع المسرّات، وقدح للقائك زناد الأمل، والله أسأل الامتناع [١] بك قبل الفوت على ما يرضيك، ويسني أمانيّ وأمانيك. وحيّيته تحيّة الهائم، لمواقع الغمائم، والمدلج للصّباح المتبلّج، وأملى على معترج الأولياء [٢] خصوصا فيك، من اطمئنان الحال، وحسن القرار، وذهاب الهواجس، وسكون النفرة، وعموما في الدولة من رسوخ القدم، وهبوب ريح النصر، والظهور على عدوّ الله باسترجاع الحصون التي استنقذوها في اعتلال الدولة، وتخريب المعاقل التي هي قواعد النصرانيّة، غريبة لا تثبت إلّا في الحلم وآية من آيات الله. وإن خبيئة هذا الفتح في طيِّئ العصور السالفة إلى هذه المدّة الكريمة، لدليل على عناية الله بتلك الذات الشريفة، حيث أظهر على يدها خوارق العادة، وما تجد آخر الأيام من معجزات
стр. 4590
الملّة، وكمل فيها والحمد للَّه بحسن التدبير ويمن التعبية [١] ، من حميد الأثر، وخالد الذّكر، طراز في حلّة الخلافة النّصريّة، وتاج في مفرق الوزارة. كتبه الله لك فيما يرضاه الله من عباده.
ووقفت عليه الأشراف من أهل هذا العصر المحروس، وأذعته في الملأ سرورا لعزّ الإسلام وإظهارا للنعمة، واستطرادا لذكر الدولة المولويّة بما تستحقّه من طيب الثناء والتماس الدعاء، والتحديث بنعمتها، والإشادة بفضلها على الدول السالفة والخالفة وتقدّمها، فانشرحت الصدور حباء، وامتلأت القلوب إجلالا وتعظيما، وحسنت الآثار اعتقادا ودعاء.
وكان كتاب سيدي لشرف تلك الدولة عنوانا، ولما عساه يستعجم من نعتي في مناقبها ترجمانا، زاده الله من فضله، وأمتع المسلمين سكون الغريب من الشوق المزعج [٢] ، والحيرة التي تكاد تذهب بالنفس أسفا لتجافي عرمها عن الأمن [٣] والتقويض عن دار العزيز المولى المنعم، والسيّد الكريم، والبلد الطيّب، والإخوان البررة، «ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير» وإن تشوّفت السيادة الكريمة إلى الحال، فعلى ما علمتم سيرا مع الأمل، ومغالبة للأيام على الحظّ، وإقطاعا للغفلة جانب العمر.
هل نافعي والجدّ في صبب ... مدى مع الآمال في صعد
رجع الله بنا إليه، ولعلّ في عظتكم النافعة شفاء من هذا الداء، العياء إن شاء الله، وأنّ لطف الله مصاحب من هذه الرئاسة المزنية، وحسبك بها عليه عصمة وافية [٤] ، صرفت وجه القصد إلى ذخيرتي التي كنت أعتدّها منهم كما علمتم، حين تفاقم الخطب، وتلوّن الدهر، والإفلات من مظانّ النكبة، وقد رنّقت [٥] حولها بعد ما جرّته الحادثة بمهلك السلطان المرحوم على يد ابن عمّه، قريعة في الملك وقسيمه في النسب، والتياث الجاه، وتغيّر السلطان، واعتقال الأخ المخلّف،
стр. 4591
واليأس منه لولا تكييف الله في نجائه، والعيث بعده في المنزل والولد، واغتصاب الضياع المقتناة من بقايا ما متّعت به الدولة النّصرية أبقاها الله من النعمة، فآوى إلى الوكر، وساهم في الحادث وأشرك في الجاه والمال، وأعان على نوائب الدهر وطلب الوثر [١] حين رأى الدهر قلاني وأمّل الملوك استخلاصي، وتجاوزوا في إتحافي والله المخلص من عقال الآمال، والمرشد إلى نبذ هذه الحظوظ المورّطة.
وأنبأني سيّدي بما صدر عنه من التصانيف الغريبة في هذه الفتوحات الجليلة، وبودّي لو وقع الإتحاف بها أو بعضها، فلقد عاودني الندم على ما فرّطت.
وأمّا أخبار هذا القطر فلا زيادة على ما علمتم من استقرار السلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى بتونس مستبدّا بأمره بالحضرة بعد مهلك شيخ الموحّدين أبي محمد بن تافراكين القائم بأمره، رحمة الله عليه مضايقا في حياته الوطن واحكامه بالعرب، المستظهرين بدعوته، مصانعا لهم بوفرة على أمان الرعايا والسابلة. لو أمكن حسن السياسة جهد الوقت، ومن انتظام بجاية محل دولتنا في أمر صاحب قسنطينة وبونة خلافا كما علمتم، محمّلا الدولة بصرامته وقوّة شكيمته فوق طوقها، من الاستبداد والضرب على أيدي المستقلين من الأعراب، منتقض الطاعة أكثر أوقاته لذلك إلّا ما شمل البلاد من تغلّب العرب ونقص الأرض من الأطراف والوسط، وخمود ذبال [٢] الدول في كل جهة وكل بداية إلى تمام.
وأمّا أخبار المغرب الأقصى والأدنى فلديكم طلعه [٣] . وأمّا المشرق فأخبار الحاجّ هذه السنة من اختلاله، وانتقاض سلطانه، وانتزاء الجفاة على كرسيّه، وفساد المصانع والسقايات المعدّة لوفد الله وحاجّ بيته، ما يسخن العين ويطيل البثّ، حتى زعموا أنّ الهيعة اتصلت بالقاهرة أياما. وكثر الهرج في أزقّتها وأسواقها لما وقع بين سندمر [٤] المتغلّب بعد يلبغا الخاصكي، وبين سلطانه ظاهر القلعة، من الجولة التي كانت دائرتها عليه، أجلت عن زهاء الخمسمائة قتلى، من حاشيته، وموالي يلبغا،
стр. 4592
وتقبّض على الباقين، فأودع منهم السجون، وصلب الكثير، وقتل سندمر في محبسه، وألقى زمام الدولة بيد كبير من موالي السلطان فقام بها مستبدّا وقادها مستقلّا، وبيد الله تصاريف الأمور ومظاهر الغيوب جلّ وعلا.
ورغبتي من سيّدي أبقاه الله أن لا يغبّ خطابه عني متى أمكن، أن يصل منّته الجمة، وأن يقبّل عني أقدام تلك الذات المولويّة، ويعرّفه بما عندي من التشيع لسلطانه، والشكر لنعمته، وأن ينهي عني لحاشيته وأهل اختصاصه التحيّة المختلسة من أنفاس الرياض، كبيرهم وصغيرهم.
وقد تأدّى مني إلى حضرته الكريمة خطاب على يد الحاجّ نافع سلّمه الله تناوله من الأخ يحيى عند لقائه إيّاه بتلمسان بحضرة السلطان أبي حمّو أيّده الله، فربّما يصل وسيّدي يوضح من ثنائي ودعاني ما عجز عنه الكتاب، والله يبقيكم ذخرا للمسلمين وملاذا للآملين بفضله، والسلام الكريم عليكم، وعلى من لاذ بكم من السادة الأولاد المناجيب، والأهل والحاشية والأصحاب، من المحبّ فيكم المعتدّ بكم شيعة فضلكم ابن خلدون ورحمة الله وبركاته.
عنوانه سيدي وعمادي وربّ الصائع والأيادي والفضائل الكريمة الخواتم والمبادي إمام الأمّة، علم الأئمّة، تاج الملّة فخر العلماء عماد الإسلام، مصطفى الملوك الكرام، كافل الإمامة، تاج الدول أثير الله، ولي أمير المؤمنين، الغنيّ باللَّه أيّده الله، الوزير أبو عبد الله بن الخطيب أبقاه الله، وتولّى عن المسلمين جزاه.
(وكتب) إليّ من غرناطة: يا سيدي ووليّ وأخي ومحلّ ولدي، كان الله لكم حيث كنتم ولا أعدمكم لطّفه وعنايته، لو كان مستقرّكم بحيث يتأتى إليه ترديد رسول، وإنفاذ مقتطع [١] أو توجيه نائب، لرجعت على نفسي بالأئمة في إغفال حقّكم، ولكن العذر ما علمتم، واحمدوا الله على الاستقرار في كنف ذلك الفاضل الّذي وسعكم كنفه، وشملكم فضله، شكرا للَّه حسبه الّذي لم يخلف وشهرته التي لم تكدّر.
وإني اغتنمت سفر هذا الشيخ وافد الحرمين بمجموع الفتوح [٢] في إيصال كتابي
стр. 4593
هذا، وبودّي لو وقفتم على ما لديه من البضاعة التي أنتم رأسها وصدرها، فيكون لكم في ذلك بعض أنس، وربّما تأدّى ذلك في بعضه ممّا لم يختم عليه وظواهر الأمور نحيل عليه في تعريفكم بها، وأما البواطن فممّا لا تتأتى كثرة وجمامة، وأخص ما أظنّ تشوّفكم إليه حالي، فاعلموا أني قد بلغ بي الماء الزبى [١] واستولى عليّ سوء المزاج المنحرف، وتوالت الأمراض، وأعوز الشفاء [٢] لبقاء السبب، والعجز عن دفعه، وهي هذه المداخلة جعل الله عاقبتها إلى خير، ولم أترك وجها من وجوه الحيلة إلّا بذلته، فما أغنى عني شيئا، ولولا أني بعدكم شغلت الفكر بهذا التأليف مع الزهد، وبعد العهد، وعدم الإلماع بمطالعة الكتب، لم تتمشّ من طريق فساد الفكر إلى هذا الحدّ، وأخر ما صدر عني كناش [٣] سميته باستنزال اللطف الموجود في أسر الوجود. أمليته في هذه الأيام التي أقيم فيها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد بودّي لو وقفتم عليه، وعلى كتابي في المحبّة، وعسى الله أن ييسر ذلك.
ومع هذا كله والله ما قصّرت في الحرص على إيصال مكتوب إليكم إمّا من جهة أخيكم أو من جهة السيد الشريف أبي عبد الله، حتى من المغرب إذا سمعت الركب متوجها منه، فلا أدري هل بلغكم شيء من ذلك أم لا، والأحوال كلها على ما تركتموها عليه، وأحبابكم بخير على ما علمتم من الشوق والتشوّف. والارتماض على مفارقتكم، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه.
والله يحفظكم، ويتولّى أموركم، والسلام عليكم ورحمة الله. من المحبّ الواحش ابن الخطيب في ربيع الثاني من عام إحدى وسبعين وسبعمائة.
وبباطنه مدرجة نصّها:
سيّدي رضي الله عنكم استقرّ بتلمسان في سبيل تقلّب ومسارعة مزاج تعرفونه.
صاحبنا المقدّم في الطب أبو عبد الله الشقوري. فإذا اتصل بكم فأعينوه على ما يقف عليه اختياره، وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم.
عنوانه سيدي ومحلّ أخي الفقيه الجليل الصدر الكبير المعظّم الرئيس الحاجب العالم
стр. 4594
الفاضل الوزير ابن خلدون. وصل الله سعده وحرس مجده بمنّه.
وإنما طوّلت بذكر هذه المخاطبات، وإن كانت فيما يظهر خارجة عن غرض الكتاب لأنّ فيها كثيرا من أخباري وشرح حالي فيستوفي ذلك منها ما يتشوّف إليه من المطالعين للكتاب.
ثم إنّ السلطان أبا حمّو لم يزل معتملا في الإجلاب على بجاية واستئلاف قبائل رياح لذلك، ومعولا علي مشايعتي فيه، ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبي إسحاق ابن السلطان أبي بكر صاحب تونس من بني أبي حفص، لما كان بينه وبين أخيه صاحب بجاية وقسنطينة من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك، فكان يوفد رسله عليه في كل وقت، ويمرّون بي وأنا ببسكرة فأكّد الوصلة بمخاطبة كل منهما، وكان أبو زيان ابن عمّ السلطان أبي حمّو بعد إجفاله عن بجاية واختلال معسكره قد سار في أثره إلى تلمسان، وأجلب على نواحيها فلم يظفر بشيء، وعاد إلى حصين فأقام بينهم، واشتملوا عليه، ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط. ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم، فخرج في عساكره منتصف تسع وستين وسبعمائة إلى حصين وأبي زيان، واعتصموا بجبل تيطري، وبعث إليّ في استنفار الزواودة للأخذ بحجزتهم من جهة الصحراء، وكتب يستدعي أشياخهم يعقوب بن علي كبير أولاد محمد، وعثمان بن يوسف كبير أولاد سبّاع بن يحيى. وكتب إلى ابن مزنى قعيدة وطنهم بامدادهم في ذلك، فأمدّهم، وسرنا مغرّبين إليه حتى نزلنا القطفا بتل تيطري، وقد أحاط السلطان به من جهة التل، على أنه إذا افرغ من شأنهم سار معنا إلى بجاية، وبلغ الخبر إلى صاحب بجاية أبي العبّاس فعسكر بمن استألف من بقايا قبائل رياح، وعسكر بطرف ثنيّة القطفا المفضية إلى المسيلة. وبينما نحن على ذلك اجتمع المخالفون من زغبة، وهم خالد بن عامر كبير بني عامر، وأولاد عريف كبراء سويد، ونهضوا إلينا بمكاننا من القطفا، فأجفلت أحياء الزواودة، وتأخّرنا إلى المسيلة. ثم إلى الزاب، وسارت زغبة إلى تيطري واجتمعوا مع أبي زيان وحصين وهجموا على معسكر أبي حمّو ففلّوه ورجع منهزما إلى تلمسان.
ولم يزل من بعد ذلك على استئلاف زغبة ورياح يؤمّل الظفر بوطنه وابن عمّه، والكرة على بجاية عاما فعاما، وأنا على حالي في مشايعته، وإيلاف ما بينه وبين الزواودة، والسلطان أبي إسحاق صاحب تونس وابنه خالد من بعده. ثم دخلت
стр. 4595
زغبة في طاعته واجتمعوا على خدمته ونهض من تلمسان لشفاء نفسه من حصين وبجاية، وذلك في أخريات إحدى وسبعين وسبعمائة فوفدت عليه بطائفة من الزواودة أولاد عثمان بن يوسف بن سليمان لنشارف أحواله، ونطالعه بما يرسم له في خدمته، فلقيناه بالبطحاء، وضرب لنا موعدا بالجزائر، انصرف به العرب إلى أهليهم، وتخلّفت بعدهم لقضاء بعض الأغراض واللحاق بهم، وصلّيت به عيد الفطر على البطحاء، وخطبت به وأنشدته عند انصرافه من المصلى تهنئة بالعيد وغرضه [١] :
هذي الديار فحيّهنّ صباحا ... وقف المطايا بينهنّ طلاحا
لا تسأل الأطلال إن لم تروها ... عبرات عينك واكفا ممتاحا
فلقد أخذن على جفونك موثقا ... أن لا يرين مع البعاد شحاحا
إيه على الحيّ الجميع وربّما ... طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا
ومنازل للظاعنين استعجمت ... حزنا وكانت بالسرور فصاحا
وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها إلّا هذا.
وبينما نحن في ذلك إذ بلغ الخبر بأنّ السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى من بني مرين قد استولى على جبل عامر بن محمد الهنتاتي بمراكش، وكان أخذ بمخنقه منذ حول، وساقه إلى فاس، فقتله بالعذاب، وأنّه عازم على النهوض إلى تلمسان لما سلف من السلطان أبي حمو أثناء حصار السلطان عبد العزيز لعامر في جبله، من الإجلاب على ثغور المغرب، ولحين وصول هذا الخبر، أضرب السلطان أبو حمّو على ذلك الّذي كان فيه، وكرّ راجعا إلى تلمسان. وأخذ في أسباب الخروج إلى الصحراء مع شيعة بني عامر من أحياء زغبة، فاستألف وجمع وسدّد الرجال وقضى عيد الأضحى، وطلبت منه الإذن في الانصراف إلى الأندلس لتعذّر الوجهة إلى بلاد رياح، وقد أظلم الجوّ بالفتنة، وانقطعت السبل، فأذن لي وحمّلني رسالة إلى السلطان ابن الأحمر. وانصرفت إلى المرسي بهنين، وجاءه الخبر بنزول صاحب المغرب تازا في عساكره، فأجفل بعدي من تلمسان ذاهبا إلى الصحراء على طريق البطحاء. وتعذّر عليّ ركوب البحر من هنين فأقصرت، وتأدّى الخبر إلى السلطان عبد العزيز بأني مقيم بهنين، وأنّ معي وديعة احتملتها إلى صاحب
стр. 4596
الأندلس، تخيّل ذلك بعض الغواة، وكتب به إلى السلطان عبد العزيز فأنفذ من وقته سرية من تازا تعترضني لاسترجاع تلك الوديعة، واستمرّ هو إلى تلمسان، ووافتني السّرية بهنين وكشفوا الخبر، فلم يقفوا على صحّته، وحملوني إلى السلطان فلقيته قريبا من تلمسان، واستكشفني عن ذلك الخبر فأعلمته بنفيه، وعنّفني على مفارقة دارهم، فاعتذرت له لما كان من عمر بن عبد الله المستبدّ عليهم، وشهد لي كبير مجلسه، ووليّ أبيه وابن وليه ونزمار بن عريف، ووزيره عمر بن مسعود بن منديل بن حمامة، واحتفّت الألطاف، وسألني في ذلك المجلس عن أمر بجاية، وأفهمني أنه يروم تملّكها، فهوّنت عليه السبيل في ذلك فسرّ به، وأقمت تلك الليلة في الاعتقال. ثم أطلقني من الغد فعمدت إلى رباط الشيخ الوليّ أبي مدين ونزلت بجواره مؤثرا للتخلي والانقطاع للعلم، لو تركت له.
(مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب على بني عبد الواد)
ولما دخل السلطان عبد العزيز إلى تلمسان واستولى عليها، وبلغ خبره إلى أبي حمّو وهو بالبطحاء، فأجفل من هنالك، وخرج في قومه وشيعته من بني عامر ذاهبا، إلى بلاد رياح، فسرّح السلطان وزيره أبا بكر بن غازي في العساكر لاتباعه. وجمع عليه أحياء زغبة والمعقل باستئلاف وليّه ونزمار وتدبيره. ثم أعمل السلطان نظره ورأى أن يقدّمني أمامه إلى بلاد رياح لأوطئ [١] أمره، وأحملهم على مناصرته وشفاء نفسه من عدوّه بما كان السلطان أيس [٢] من استتباع رياح وتصريفهم فيما يريده من مذاهب الطاعة. فاستدعاني من خلوتي بالعبادة عند رباط الوليّ أبي مدين. وأنا قد أخذت في تدريس العلم واعتزمت على الانقطاع، فآنسني وقرّبني، ودعاني لما ذهب إليه من ذلك، فلم يسعني إلّا إجابته، وخلع عليّ وحملني، وكتب إلى شيوخ الزواودة بامتثال أمري وما ألقيه إليهم من أوامره، وكتب إلى يعقوب بن علي وابن
стр. 4597
مزنى بمساعدتي على ذلك. وأن يحاولوا على استخلاص أبي حمّو من بين أحياء بني عامر، ويحوّلوه إلى حيّ يعقوب بن علي، فودّعته وانصرفت في عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة فلحقت الوزير في عساكره وأحياء العرب من المعقل وزغبة على البطحاء، ولقيته ودفعت إليه كتاب السلطان، وتقدّمت أمامه وشيّعني ونزمار يومئذ وأوصاني بأخيه محمد، وقد كان أبو حمّو قبض عليه عند ما أحسن منهم بالخلاف، وأنهم يرومون الرحلة إلى المغرب. وأخرجه معه من تلمسان مقيّدا واحتمله في معسكره، فأكّد على ونزمار في المحاولة على استخلاصه بما أمكن، وبعث معي ابن أخيه عيسى في جماعة من سويد يبدروني [١] وتقدّم إلى أحياء حصين بإخراج أبي زيّان من بينهم، فسرنا جميعا وانتهينا إلى أحياء حصين وأخبرهم فرج بن عيسى بوصيّة عمه ونزمار إليهم فنبذوا إلى أبي زيّان عهده، وبعثوا معه من أوصله إلى بلاد رياح. ونزل على أولاد يحيى بن علي بن سبّاع، وتوغّلوا به في القفر، واستمريت ذاهبا إلى بلاد رياح، فلمّا انتهيت إلى المسيلة ألفيت السلطان أبا حمّو وأحياء رياح معسكرين قريبا منها في وطن أولاد سبّاع بن يحيى من الزواودة، وقد تسايلوا [٢] إليه، وبذل فيهم العطاء ليجتمعوا إليه، فلما سمعوا بمكاني من المسيلة، جاءوا إليّ فحملتهم على طاعة السلطان عبد العزيز، وأوفدت أعيانهم وأشياخهم على الوزير أبي بكر بن غازي، فلقوه ببلاد الديالم عند نهر واصل، فأتوه طاعتهم، ودعوه إلى دخول بلادهم في اتباع عدوّه. ونهض معهم وتقدّمت أنا من المسيلة إلى بسكرة، فلقيت بها يعقوب بن علي، واتفق هو وابن مزنى على طاعة السلطان، وبعث ابنه محمدا للقاء أبي حمّو، وأمر بني عامر خالد بن عامر يدعوهم إلى نزول وطنه، والبعد به عن بلاد السلطان عبد العزيز، فوجده متدليا من المسيلة إلى الصحراء. ولقيه على الدّوسن وبات ليلتهم يعرض عليهم التحوّل من وطن أولاد بني سبّاع إلى وطنهم بشرقي الزاب. وأصبح يومه كذلك، فما راعهم آخر النهار إلّا انتشار العجاج خارجا إليهم من أفواه الثنيّة، فركبوا يستشرفون، وإذا بهوادي الخيل طالعة من الثنيّة، وعساكر بني مرين والمعقل وزغبة منثالة أمام الوزير أبي بكر بن غازي قد دلّ بهم الطريق
стр. 4598
وفد أولاد سباع الذين بعثهم من المسيلة، فلما أشرفوا على المخيّم أغاروا عليه مع غروب الشمس. فأجفل بنو عامر وانتهب مخيم السلطان أبي حمّو ورحاله وأمواله.
ونجا بنفسه تحت الليل، وتمزّق شمل ولده وحرمه حتى خلصوا إليه بعد أيام، واجتمعوا بقصور مصاف من بلاد الصحراء وامتلأت أيدي العساكر والعرب من نهابهم، وانطلق محمد بن عريف في تلك الهيعة وأطلق الموكّلون به وجاء إلى الوزير وأخيه ونزمار وتلقّوه بما يجب له، وأقام الوزير أبو بكر بن غازي بالدوسن أياما أراح فيها. وبعث إليه ابن مزنى بطاعته وأرغد له من الزاد والعلوفة، وارتحل راجعا إلى المغرب، وتخلّفت بعده أياما عند أهلي ببسكرة، ثم ارتحلت إلى السلطان في وفد عظيم من الزواودة، يقدّمهم أبو دينار أخو يعقوب بن علي وجماعة من أعيانهم.
فسابقنا الوزير إلى تلمسان وقدمنا على السلطان فوسعنا من حبائه وتكرمته، ونزله ما بعد العهد بمثله. ثم جاء من بعدنا الوزير أبو بكر بن غازي على الصحراء بعد أن مرّ بقصور بني عامر هنالك، فخرّبها وكان يوم قدومه على السلطان يوما مشهودا، وأذن بعدها لوفود الزواودة في الانصراف إلى بلادهم. وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير ووليّه ونزمار بن عريف، فودّعوه وبالغ في الإحسان وانصرفوا إلى بلادهم. ثم أعمل نظره في إخراج أبي زيان من بين أحياء الزواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين، فآمرني في ذلك، وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم، فانطلقت لذلك. وكان أحياء حصين قد توجّسوا الخيفة من السلطان، وتنكّروا له، وانصرفوا إلى أهليهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير، وبادروا باستدعاء أبي زيّان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي، وأنزلوه بينهم، واشتملوا عليه، وعادوا إلى الخلاف الّذي كانوا عليه أيام أبي حمّو واشتعل المغرب الأوسط نارا. ونجم [١] صبي من بيت الملك في مغراوة وهو حمزة بن علي بن راشد، فرّ من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها، فاستولى على شلف وبلاد قومه، وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته، وأعيا داؤه وانقطعت أنا ببسكرة، وحال ذلك ما بيني وبين السلطان إلّا بالكتاب والرسالة. وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفرّ الوزير ابن الخطيب من الأندلس وقدومه على السلطان بتلمسان حين توجّس الخيفة من
стр. 4599
سلطانه، بما كان له من الاستبداد عليه، وكثرة السعاية من البطانة فيه، فأعمل الرحلة إلى الثغور الغربيّة لمطالعتها بإذن سلطانه، فلمّا حاذى جبل الفتح قبل الفرضة دخل إلى الجبل وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد بقبوله. وأجاز البحر من حينه إلى سبتة، وسار إلى السلطان بتلمسان، وقدم عليه بها في يوم مشهود، وتلقّاه السلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النّعم بما لا يعهد بمثله. وكتب إليّ من تلمسان يعرّفني بخبره، ويلمّ ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس، ولم يحضرني الآن كتابه فكان جوابي عنه ما نصّه:
الحمد للَّه ولا قوّة إلّا باللَّه، ولا رادّ لما قضى الله.
يا سيدي ونعم الذّخر الأبدي، والعروة الوثقى التي أعلقتها [١] يدي أسلّم عليك سلام القدوم على المخدوم، والخضوع للملك المتبوع، لا بل أحيّيكم تحيّة المشوّق للمعشوق، والمدلج للصباح المتبلّج، وأقرّر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي فيه من حبي لكم، ومعرفتي بمقداركم، وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم، والثناء عليكم، والإشادة في الآفاق بمناقبكم ديدنا [٢] معروفا، وسجية راسخة يعلم الله وكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ٤: ٧٩. وهذا كما في علمكم أسنى ما اختلف أوّلا ولا آخرا، ولا شاهدا ولا غائبا، وأنتم أعلم بما تعني نفسه وأكبر شهادة بما في خفايا ضميري، ولو كنت ذلك فقد سلف من حقوقكم، وجميل أخذكم، واجتلاب الحظّ لو هيّأه القدر، لمساعيكم وإيثاري بالمكان من سلطانكم ودولتكم، ما يستلين معاطف القلوب، ويستل سخائم الهواجس، فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة [٣] أو إخفار وطن [٤] ، ولو تعلّق بقلب ساق حرزرزور [٥] فحاش للَّه أن يقدح في الخلوص لكم، أو يرجح سوائبكم [٦] ، إنما هي خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء. وو الله وجميع ما يقسم به، ما اطّلع على مستكنّه مني غير صديقي، وصديقكم الملابس، كان لي ولكم، الحكيم الفاضل أبي عبد الله الشّقوري أعزّه الله. نفثة مصدور، ومباثة خلوص، إذ
стр. 4600
أنا أعلم الناس بمكانه منكم، وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان واضمحلال أمره من إجماع الأمر على الرحلة إليكم، والخفوق إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم تعرّضت فيهم للتهم، ووقفت بمجال الظنون، حتى تورّطت في الهلكة بما ارتفع عنّي مما لم آته، ولا طويت العقد عليه، لولا حلم مولانا الخليفة ولولا حسن رأيه في وثبات بصيرته، لكنت في الهالكين الأوّلين، كل ذلك شوقا إلى لقائكم، وتمثّلا لأنسكم، فلا تظنّوا بي الظنون، ولا تصدّقوا التوهّمات، فأنا من قد عملتم صداقة وسذاجة وخلوصا، واتفاق ظاهر وباطن، أثبت الناس عهدا وأحفظهم غيبا، وأعرفهم بوزان الإخوان، ومزايا الفضلاء، ولأمر ما تأخر كتابي من تلمسان، فأني كنت استشعر ممن استضافني ريبا بخطاب سواه، خصوصا جهتكم، لقديم ما بين الدولتين من الاتحاد والمظاهرة، واتصال اليد مع أنّ الرسول تردّد إليّ وأعلمني اهتمامكم واهتمام السلطان تولاه الله باستكشاف ما أبهم [١] من حالي، فلم أترك شيئا مما أعلم تشوّقكم إليه إلّا وكشفت له قناعة، وآمنته على إبلاغه، ولم أزل بعد إيناس المولى الخليفة لدمائي وجذبه بضبعي، سابحا في تيار الشواغل كما علمتم القاطعة حتى عن الفكر.
وسقطت إلي محل مجد خدمتي من هذه القاصية، أخبار خلوصكم إلى المغرب قبل فصول راحلتي إلى الحضرة، غير خلية [٢] ولا ملتئمة، ولم يتعيّن ملقي العصا، ولا مستقر النّوى، فأرجأت الخطاب إلى استجلائها، وأفدت من كتابكم العزيز الجاري على سنن الفضل، ومذاهب المجد، غريب ما كيّفه القدر من بديع [٣] الحال لديكم، وعجيب تأتّى أملكم الشارد فيه كما كنّا نستبعده عند المفاوضة، فحمدت الله لكم على الخلاص من ورطة الدول على أحسن الوجوه، وأجمل المخارج الحميدة العواقب في الدنيا والدين، العائدة بحسن المآل في المخلّف، من أهل وولد ومتاع وأثر بعد أن رضتم جموح الأيام وتوقّلتم قلل العز [٤] وقدتم الدنيا بحذافيرها وأخذتم بآفاق السماء على أهلها. وهنيئا فقد نالت نفسكم التوّاقة أبعد أمانيها، ثم
стр. 4601
تاقت إلى ما عند الله، وأشهد لما ألهمتم للإعراض عن الدنيا، ونزع اليد من حطامها عند الأصحاب والأقيال، ونهى الآمال إلّا جذبا وعناية من الله وحبّا، وإذا أراد الله أمرا يسّر أسبابه.
واتصل بي ما كان من تحفّي السيادة المولويّة بكم واهتزاز الدولة لقدومكم، ومثل هذه الخلافة، أيدها الله من يثابر على المفاخر، ويستأثر بالأخاير، وليت ذلك عند إقبالكم على الحظّ، وأنسكم باجتلاء الآمال، حتى يحسن المتاع، ويتجمّل السرير الملوكي بمكانكم، فالظنّ أنّ هذا الباعث الّذي هزم الآمال ونبذ الحظوظ، وهوّن المفارق العزيز سوّمكم الله حتى يأخذ بيدكم إلى قضاء المجاهدة، ويستوي بكم على جدد [١] الرياضة، «والله يهدي للتي هي أقوم» . كأنّي بالأقدام نقلت والبصائر بإلهام الحق صقلت والمقامات خلفت، بعد أن استقبلت، والعرفان شيمة [٢] أنواره وبوارقه، والوصول انكشفت حقائقه لما ارتفعت عوائقه. وأمّا حالي والظنّ بكم الاهتمام بها، والبحث عنها فغير خفيّة بالباب المولويّ أعلاه الله، ومظهرها في طاعته، ومصدرها عن أمره، وتصاريفها في خدمته، والزعم أني قمت المقام المحمود في التشيّع والانحياش، واستمالة الكافّة إلى المناصحة، ومخالصة القلوب للولاية، وما يتشوّقه مجدكم، ويتطلع إليه فضلكم، وأما اهتمامكم في خاصتها من النفس والولد، فجهينة خبره مؤدي كتابي إليكم، ناشئ تأديبي وثمرة ترتيبي، فسهّلوا له الإذن، وألينوا له جانب النّجوى حتى يؤدّي ما عندكم وما عندي، وخذوه بأعقاب الأحاديث إن يقف عند مباديها، وائتمنوه على ما تحدثون، فليس بضنين [٣] على السرّ.
وتشوّقي بما يرجع به إليكم سيدي وصديقي وصديقكم المقرّب في المجد والفضل، المساهم في الشدائد، كبير المغرب، وظهير الدولة، أبو يحيى بن أبي مدين، كان
стр. 4602
الله له في شأن الولد والمخلف تشوّق الصديق لكم، الضنين على الأيام بقلامة الظفر من ذات يديكم، فأطلعوه [١] طلع ذلك، ولا يهمّكم بالفراق الواقع حسن، فالسلطان كبير، والأثر جميل، والعدوّ الساعي قليل حقير، والنيّة صالحة، والعمل خالص، ومن كان للَّه كان الله له.
واستطلاع الرئاسة المرتبة [٢] الكافلة كافأ الله يده البيضاء عني وعنكم إلى مثله من أحوالكم استطلاع من يسترجح وزانكم، ويشكر الزمان على ولائه بمثلكم [٣] .
وقد قرّرت من علو [٤] مناقبكم، وبعد شأوكم وغريب منحاكم، ما شهدت به آثاركم الشائعة الخالدة في الرئاسة، المتأدية على ألسنة الصادر والوارد من الكافة، من حمل الدولة، واستقامة السياسة، ووقفته على سلامكم، وهو يراجعكم بالتحيّة، ويساهمكم بالدعاء.
وسلامي على سيّدي، وفلذة كبدي ومحلّ ولدي، الفقيه الزكي الصدر أبي الحسن نجلكم، أعزّه الله وقد وقع مني موقع البشرى حلوله من الدّولة بالمكان العزيز والرتبة النابهة، والله يلحفكم جميعا رداء العافية، والستر ويمهّد لكم محل الغبطة والأمن، ويحفظ عليكم ما أسبغ من نعمته، ويجريكم على عوائد لطفه وعنايته، والسلام الكريم يخصّكم من المحبّ الشاكر الداعي الشائق شيعة فضلكم، عبد الرحمن بن خلدون ورحمة الله وبركاته. في يوم الفطر عام اثنين وسبعين وسبعمائة.
وكان بعث إليّ مع كتابه نسخة كتابه إلى سلطانه ابن الأحمر صاحب الأندلس عند ما دخل جبل الفتح، وصار إلى إيالة بني مرين، فخاطبه من هنالك بهذا الكتاب، فرأيت أن أثبته هنا، وإن لم يكن من غرض التأليف لغرابته، ونهايته في الجودة، وأنّ مثله لا يهمل من مثل هذا الكتاب، مع ما فيه من زيادة الاطّلاع على أخبار الدول في تفاصيل أحوالها ونصّ الكتاب.
بانوا فمن كان باكيا يبكي ... هذي ركاب السّرى بلا شكّ
فمن ظهور الرّكاب معملة ... إلى بطون الرّبى إلى الفلك
стр. 4603
تصدّع الشّمل مثل ما انحدرت ... إلى صبوب جواهر السلك
من النّوى قبل لم أزل حذرا ... هذا النّوى جلّ مالك الملك
مولاي كان الله لكم، وتولّى أمركم. أسلّم عليكم سلام الوداع، وأدعو الله في تيسير اللقاء والاجتماع، من بعد التفرّق والانصداع، وأقرّر لديكم أنّ الإنسان أسير الأقدار، مسلوب الاختيار، متقلّب في حكم الخواطر والأفكار، وأن لا بدّ لكل أوّل من آخر، وأن التفرّق لمّا لزم كلّ اثنين بموت أو حياة، ولم يكن منه بدّ، كان خير أنواعه الواقعة بين الأحباب، ما وقع على الوجوه الجميلة البريئة من الشرور.
ويعلم مولاي حال عبده منذ وصل إليكم من المغرب بولدكم، ومقامه لديكم بحال قلق، ولولا تعليلكم ووعدكم وارتقاب اللطائف في تقليب قلبكم، وقطع نواحل الأيام حريصا على استكمال سنّكم. ونهوض ولدكم واضطلاعكم بأمركم، وتمكن هدنة وطنكم، وما تحمّل في ذلك من ترك غرضه لغرضكم، وما استقرّ بيده من عهودكم، وأنّ العبد الآن تسبّب لكم في الهدنة من بعد الظهور والعزّ، ونجح السعي وتأتّي لسنين، كثيرة الصلح، ومن بعد أن لم يبق لكم بالأندلس مشغّب من القرابة، وتحرّك لمطالعة الثغور الغربيّة، وقرب من فرضة المجاز واتصال الأرض ببلاد المشرق، لطرقته الأفكار وزعزعت صبره رياح الخواطر، وتذكّر أشراف العمر على التمام، وعواقب الاستغراق، وسيرة الفضلاء عند شمول البياض، فغلبته حال شديدة هزمت التعشّق بالشمل الجميع، والوطن المليح، والجاه الكبير، والسلطان القليل النظير، وعمل بمقتضى قوله «موتوا قبل أن تموتوا [١] » فإن صحّت الحال المرجوة من إمداد الله، تنقّلت الأقدام إلى أمام، وقوى التعلّق بعروة الله الوثقى، وإن وقع العجز، أو افتضح العزم، فاللَّه يعاملنا بلطفه، وهذا المرتكب مرام صعب، لكن سهّله عليّ أمور: منها أنّ الانصراف لما لم يكن منه بد، لم يتعيّن على غير هذه الصورة، إذ كان عندكم من باب المحال، ومنها أنّ مولاي لو سمح لي بغرض الانصراف لم تكن لي قدرة على موقف وداعه، لا والله! ولكان الموت أسبق إليّ، وكفى بهذه الوسيلة الحسنة التي يعرفها وسيلة. ومنها حرصي على أن يظهر صدق دعواي فيما كنت أهتف به، وأظنّ أني لا أصدّق، ومنها اغتنام المفارقة في زمن
стр. 4604
الأمان والهدنة الطويلة والاستغناء إذا كان الانصراف المفروض ضروريا قبيحا في غير هذه الحال. ومنها وهو أقوى الأعذار أني مهما لم أطق تمام هذا الأمر أو ضاق ذرعي به، لعجز أو مرض أو خوف طريق، أو نفاد زاد أو شوق غالب، رجعت رجوع الأب الشفيق إلى الولد البرّ الرضيّ، إذ لم أخلّف ورائي مانعا من الرجوع من قول قبيح ولا فعل، بل خلّفت الوسائل المرعيّة، والآثار الخالدة، والسير الجميلة، وانصرفت بقصد شريف فقت به أشياخي وكبار وطني وأهل طوري، وتركتكم على أتمّ ما أرضاه، مثنيا عليكم داعيا لكم، وإن فسح الله في الأمد، وقضي الحاجة، فأملى العودة إلى ولدي وتربتي، وإن قطع الأجل فأرجو أن أكون ممّن وقع أجره على الله.
فإن كان تصرّفي صوابا وجاريا على السّداد، فلا يلام من أصاب، وإن كان عن حمق، وفساد عقل، فلا يلام من اختلّ عقله، وفسد مزاجه، بل يعذر ويشفق عليه، ويرحم، وإن لم يعط مولاي أمري حقه من العدل، وجليت الذنوب، ونشرت [١] بعدي العيوب، فحياؤه وتناصفه ينكر ذلك، ويستحضر الحساب [٢] من التربية والتعليم وخدمة السّلف، وتخليد الآثار وتسمية الولد وتلقيب السلطان، والإرشاد إلى الأعمال الصالحة، والمداخلة والملابسة، لم يتخلّل ذلك قط خيانة في مال ولا سرّ، ولا غش في تدبير ولا تعلّق به محار [٣] ، ولا كدرة نقص، ولا حمل عليه خوف منكم، ولا طمع فيما بيدكم، وإن لم تكن هذه دواعي الرّعي والوصلة والإبقاء، ففيم تكون بين بني آدم؟
وأنا قد رحلت فلا أوصيتكم بمال، فهو عندي أهون متروك، ولا بولد فهم رجالكم، وخدّامكم، ومن يحرص مثلكم على الاستكثار منهم، ولا بعيال، فهي من مزيّات بيتكم، وخواصّ داركم، إنّما أوصيكم بحظّي العزيز، كان علي بوطنكم كم، وهو أنتم، فأنا أوصيكم بكم، فارعوني فيكم خاصّة. أوصيكم بتقوى الله والعمل لغد، وقبض عنان اللهو في موطن الجدّ، والحياء من الله الّذي محّص وأقال، وأعاد النعمة بعد زوالها لينظر كيف تعملون، وأطلب منكم عوض ما وفّرته
стр. 4605
عليكم من زاد طريق ومكافاة وإعانة، زادا سهلا عليكم، وهو أن تقولوا لي: غفر الله لك ما ضيّعت من حقّي خطأ أو عمدا، وإذا فعلتم ذلك فقد رضيت.
واعلموا أيضا على جهة النصيحة أنّ ابن الخطيب مشهور في كل قطر، وعند كل ملك، واعتقاده وبرّه والسؤال عنه وذكره بالجميل، والاذن في زيارته حنانة منكم [١] وسعه ذرع، ودها، فإنّما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت، ثم أقشعت وترك الأزاهر تفوح والمحاسن تلوح، ومثاله معكم مثل المرضعة، أرضعت السياسة، والتدبير الميمون، ثم رفدتكم في مهد الصلح والأمان، وغطّتكم بقناع العافية، وانصرفت إلى الحمّام تغسل اللبن والوضر، وتعود فإن وجدت الرّضيع نائما فحسن، أو قد انتبه فلم تتركه إلّا في حدّ الانفطام. ونختم هذه العزارة بالحلف الأكيد أني ما تركت لكم وجه نصيحة في دين ولا في دنيا إلّا وقد وفّيت لكم، ولا فارقتكم إلّا عن عجز، ومن ظنّ خلاف هذا فقد ظلمني وظلمكم، والله يرشدكم ويتولّى أمركم. ويعول [٢] خاطركم في ركوب البحر.
انتهت نسخة الكتاب وفي طيّها هذه الأبيات:
صاب مزن الدموع من جفن صبّك ... عند ما استروح الصبا من مهبّك
كيف يسلو يا جنّتي عنك وقد [٣] ... كان قبل الوجود جنّ بحبّك
ثم قل كيف كان قبل انتشاء الروح ... من أنسك الشّهيّ وقربك
لم يدع بيتك المنيع حماه ... لسواه إلّا بيت ربّك
أول عذري الرّضى فما جئت بدعا ... دمت والفضل والرّضى من دأبك
وإذا ما ادّعيت كربا لفقدي ... أين كربي ووحشتي من كربك
ولدي في ذراك وكري في دوحك ... لحدي وتربتي في تربك
يا زمانا أغرى الفراق بشملي ... ليتني أهبتي أخذت لحرّبك
أركبتني صروفك الصّعب حتى ... جئت بالبين وهو أصعب صعبك
وكتب آخر النسخة يخاطبني.
стр. 4606
هذا ما تيسّر، والله وليّ الخيرة لي ولكم من هذا الخباط [١] الّذي لا نسبة بينه وبين أولى الكمال، ردّنا الله إليه، وأخلص توكّلنا عليه، وصرف الرغبة على ما لديه.
وفي طيّ النسخة مدرجة نصّها.
رضي الله عن سيادتكم، أونسكم بما صدر مني أثناء هذا الواقع، مما استحضره الولد في الوقت، وهو يسلّم عليكم بما يجب لكم، وقد حصل من حظوة هذا المقام الكريم على حظّ وافر، وأجزل إحسانه ونوّه بجرايته، وأثبت الفرسان خلفه، والحمد للَّه.
ثم اتّصل مقامي ببسكرة والمغرب الأوسط، مضطرب بالفتنة المانعة من الاتصال بالسلطان عبد العزيز وحمزة بن راشد ببلاد مغراوة والوزير عمر بن مسعود في العساكر يحاصره بحصن تاجحمومت وأبو زيان العبد الوادي ببلاد حصين وهم مشتملون عليه وقائمون بدعوته.
ثم سخط السلطان وزيره عمر بن مسعود ونكر منه تقصيره في أمر حمزة وأصحابه، فاستدعاه إلى تلمسان وقبض عليه، وبعث به إلى فاس معتقلا، فحبس هنالك، وجهّز العساكر مع الوزير ابن غازي، فنهض إليه، وحاصره ففرّ من الحصن ولحق بمليانة مجتازا عليها، فأنذر به عاملها فتقبّض عليه، وسيق إلى الوزير في جماعة من أصحابه، فضربت أعناقهم، وصلبهم عظة ومزدجر الأهل الفتنة.
ثم أوعز السلطان بالمسير إلى حصين وأبي زيّان، فسار في العساكر واستنفر أحياء العرب من زغبة فأوعبهم ونهض إلى حصين فامتنعوا بجبل تيطري، ونزل الوزير بعساكره ومن معه من أحياء زغبة على جبل تيطري من جهة التل، فأخذ بمخنقهم، وكاتب السلطان أشياخ الزواودة من رياح بالمسير إلى حصار تيطري من جهة القبلة.
وكاتب أحمد بن مزني صاحب بسكرة بإمدادهم بأعطياتهم، وكتب إليّ يأمرني بالمسير بهم لذلك، فاجتمعوا عليّ، وسرت بهم أوّل سنة أربع وسبعين وسبعمائة حتى نزلنا بالقطفة [٢] ، في جماعة منهم على الوزير بمكانه من حصار تيطري، فحدّ لهم حدود الخدمة، وشارطهم على الجزاء. ورجعت إلى أحيائهم بالقطفة، فاشتدوا في
стр. 4607
حصار الجبل وألجئوهم بسوامّهم وظهرهم إلى قنّته، فهلك لهم الخفّ والحافر [١] ، وضاق ذرعهم بالحصار من كل جانب، وراسل بعضهم في الطاعة خفية فارتاب بعضهم من بعض وانفضّوا ليلا من الجبل، وأبو زيان معهم ذاهبين إلى الصحراء، واستولى الوزير على الجبل بما فيه من مخلّفهم، ولما بلغوا مأمنهم من القفر نبذوا إلى أبي زيّان عهده، فلحق بجبال غمرة، ووفد أعيانهم على السلطان عبد العزيز بتلمسان، وفاءوا إلى طاعته فتقبّل طاعتهم، وأعادهم إلى أوطانهم، وتقدّم الوزير عن أمر السلطان بالمسير مع أولاد يحيى بن علي بن سبّاع للقبض على أبي زيّان في جبل غمرة، وفاء بحق الطاعة لأنّ غمرة من رعاياهم، فمضينا لذلك، فلم نجده عندهم، وأخبرونا أنه ارتحل عنهم إلى بلد واركلا من مدن الصحراء، فنزل على صاحبها أبي بكر بن سليمان، فانصرفنا من هنالك، ومضى أولاد يحيى بن علي إلى أحيائهم، ورجعت أنا إلى أهلي ببسكرة، وخاطبت السلطان بما وقع في ذلك، وأقمت منتظرا أوامره حتى جاءني استدعاؤه إلى حضرته فرحلت إليه.
(فضل الوزير ابن الخطيب [٢] )
وكان الوزير ابن الخطيب آية من آيات الله في النّظم والنّثر، والمعارف والأدب، لا يساجل مداه [٣] ، ولا يهتدى فيها بمثل هداه.
فممّا كتب عن سلطانه إلى سلطان تونس جوابا عن كتاب وصل إليه مصحوبا بهديّة من الخيل والرّقيق، فراجعهم عنه بما نصّه إلى آخره:
الخلافة التي ارتفع في عقائد فضلها الأصيل القواعد الخلاف، واستقلّت مباني فخرها الشائع، وعزّها الذائع، على ما أسّسه الأسلاف ووجب لحقّها الجازم، وفرضها اللازم الاعتراف، ووسعت الآملين لها الجوانب الرحيبة والأكناف، فامتزاجنا بعلائها [٤] المنيف، وولائها الشريف، كما امتزج الماء والسلاف، وثناؤنا
стр. 4608
على مجدها الكريم، وفضلها العميم، كما تأرجت الرياض الأفواف [١] ، لما زارها الغمام الوكاف [٢] ، ودعاؤنا بطول بقائها، واتصال علائها، يسمو به إلى قرع أبواب السموات العلا الاستشراف [٣] ، وحرصنا على توفية حقوقها العظيمة، وفواضلها [٤] العميمة، لا تحصره الحدود، ولا تدركه الأوصاف، وإن عذر في التقصير عن نيل ذلك المرام الكبير الحقّ والإنصاف. خلافة وجهة تعظيمنا إذ توجّهت الوجوه ومن نؤثره إذا أهمّنا ما نرجوه، ونفدّيه ونبدّيه [٥] إذا استمنح المحقوب واستدفع المكروه السلطان الكذا [٦] بن أبي إسحاق بن السلطان الكذا، أبي يحيى بن أبي بكر بن السلطان الكذا، أبي زكريا بن السلطان الكذا، أبي إسحاق ابن الأمير الكذا، أبي زكريا ابن الشيخ الكذا، أبي محمّد بن عبد الواحد بن أبي حفص، أبقاه الله ومقامه مقام إبراهيم رزقا وأمانا. لا يخص جلب الثمرات إليه وقتا ولا يعيّن زمانا، وكان على من يتخطّف الناس من حوله [٧] مؤيدا باللَّه معانا.
معظّم قدره العالي على الأقدار، ومقابل داعي حقّه بالابتدار، المثنى على معاليه المخلدة الآثار، في اصونة [٨] النّظام والنّثار [٩] ، ثناء الروضة المعطار، على الامطار، الداعي الى الله بطول بقائه في عصمة منسدلة الأستار، وعزة ثابتة المركز مستقيمة المدار، وان يختم له بعد بلوغ غايات الحال، ونهاية الأعمال، بالزلفى وعقبي الدار.
عبد الله الغنيّ باللَّه أمير المسلمين، محمّد بن مولانا أمير المسلمين، أبي الوليد إسماعيل ابن فرج بن نصر.
стр. 4609
سلام كريم كما حملت أحاديث الازهار نسمات الأسحار، وروت ثغور الاقاحي والبهار، عن مسلسلات الأنهار، وتجلى على منصة الاشتهار، وجه عروس النّهار، يخص خلافتكم الكريمة النّجار، العزيزة الجار ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الّذي أخفى حكمته البالغة عن أذهان البشر، فعجزت عن قياسها، وجعل الأرواح «اجنادا مجنّدة» - كما ورد في الخبر [١]- تحنّ الى أجناسها، منجد هذه الملّة من أوليائه الجلّة بمن يروض الآمال بعد شماسها [٢] ، وييسّر الأغراض قبل التماسها، ويعنى بتجديد المودّات في ذاته وابتغاء مرضاته على حين أخلاف لباسها، الملك الحقّ، وأصل الأسباب بحوله بعد انتكاث امراسها [٣] ومغني النفوس بطوله، بعد إفلاسها- حمدا يدرّ أخلاف [٤] النّعم بعد إبساسها [٥] ، وينشر رمم الأموال من أرماسها [٦] ، ويقدس النّفوس بصفات ملائكة السموات بعد إبلاسها [٧] .
والصلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمد رسوله سراج الهداية ونبراسها [٨] عند اقتناء الأنوار واقتباسها، مطهّر الأرض من أوضارها [٩] وأدناسها، ومصطفى الله من بين ناسها، وسيّد الرّسل الكرام ما بين شيثها وإلياسها، الآتي مهيمنا على آثارها، في حين فترتها [١٠] ومن بعد نصرتها واستيئاسها [١١] ، مرغم الضّراغم في أخياسها [١٢] ، بعد افترارها وافتراسها [١٣] ، ومعفّر أجرام الأصنام ومصّمت أجراسها.
стр. 4610
والرّضا عن آله وأصحابه وعثرته وأحزابه، حماة شرعته البيضاء وحرّاسها، وملقحي غراسها، ليوث الوغى عند احتدام [١] مراسها [٢] ، ورهبان الدّجى تتكفّل مناجاة السّميع العليم، في وحشة الليل البهيم بإيناسها، وتفاوح نسيم الأسحار، عند الاستغفار، بطيب أنفاسها.
والدّعاء لخلافتكم العليّة المستنصريّة بالصّنائع التي تشعشع أيدي العزّة القعساء [٣] من أكواسها، ولا زالت العصمة الإلهية كفيلة باحترامها واحتراسها، وأنباء الفتوح، المؤيّدة بالملائكة والرّوح، ريحان جلّاسها وآيات المفاخر التي ترك الأول للآخر، مكتتبة الأسطار بأطراسها، وميادين الوجود مجالا لجياد جودها وبأسها، والعز والعدل منسوبين لفسطاطها [٤] وقسطاسها، وصفيحة [٥] النّصر العزيز تقبض كفّها، المؤيّدة باللَّه، على رياسها [٦] ، عند اهتياج أضدادها، وشره [٧] أنكاسها [٨] ، لانتهاب البلاد وانتهاسها [٩] وهبوب رياح رياحها وتمرّد مرداسها [١٠] .
فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من كتائب نصره أمدادا تذعن أعناق الأنام، لطاعة ملككم المنصور الأعلام، عند إحساسها [١١] ، وآتاكم من آيات العنايات، آية تضرب الصّخرة الصّماء، ممّن عصاها بعصاها، فتبادر بانبجاسها [١٢] ،- من
стр. 4611
حمراء غرناطة، حرسها الله، وأيام الإسلام، بعناية الملك العلّام تحتفل وفود الملائكة الكرام، لولائمها وأعراسها، وطّاعين الطّعان، في عدوّ الدّين المعان، تجدّد عهدها بعام عمواسها [١] .
والحمد للَّه حمدا معادا يقيّد شوارد النّعم، ويستدرّ مواهب الجود والكرم ويؤمّن من انتكاث الجدود [٢] وانتكاسها [٣] ، وليّ الآمال ومكاسها [٤] ، وخلافتكم هي المثابة التي يزهى الوجود بمحاسن مجدها، زهو الرياض بوردها وآسها، وتستمدّ أضواء الفضائل من مقباسها [٥] ، وتروي رواة الإفادة، والإجادة غريب الوجادة [٦] ، عن ضحّاكها وعبّاسها [٧] . وإلى هذا أعلى الله معارج قدركم، وقد فعل، وأنطق بحجج فخركم من احتفى وانتعل، فإنّه وصلنا كتابكم الّذي حسبناه، على صنائع الله لنا، تميمة [٨] لا تلقع [٩] بعدها عين، وجعلناه- على حلل مواهبه- قلادة لا يحتاج معها زين، ودعوناه من جيب الكنانة [١٠] آية بيضاء الكتابة، لم يبق معها شكّ ولا مين، وقرأنا منه وثيقة ودّ هضم فيها عن غريم الزّمان دين، ورأينا منه إنشاء، خدم اليراع بين يديه وشّاء، واحتزم بهميان [١١] عقدته مشّاء، وسئل عن معانيه الاختراع فقال: «إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً» ٥٦: ٣٥
стр. 4612
، فأهلا به من عربيّ أبيّ يصف السّانح والبانة [١] ، ويبين فيحسن الإبانة، أدّى الأمانة، وسئل عن حيّه فانتمى إلى كنانة [٢] ، وأفصح وهو لا ينبس [٣] ، وتهلّلت قسماته وليل حبره يعبس، وكأنّ خاتمه المقفل على صوانه [٤] ، المتحف بباكر الورد في غير أوانه، رعف من مسك عنوانه، وللَّه من قلم دبّج تلك الحلل، ونقع بمجاج [٥] الدوّاة المستمدّة من عين الحياة الغلل [٦] ، فلقد تخارق في الجود، مقتديا بالخلافة التي خلد فخرها في الوجود، فجاد بسرّ البيان ولبابة، وسمح في سبيل الكرم حتّى بماء شبابه، وجمع لفرط بشاشته وفهامته، بعد شهادة السّيف بشهامته، فمشى من التّرحيب، في الطّرس الرّحيب، على أم هامته.
وأكرم به من حكيم، أفصح بملغوز [٧] الإكسير [٨] ، في اللّفظ اليسير، وشرح بلسان الخبير، سرّ صناعة التّدبير [٩] ، كأنما خدم الملكة السّاحرة [١٠] بتلك البلاد، قبل اشتجار الجلاد [١١] ، فآثرته بالطّارف من سحرها والتّلاد، أو عثر بالمعلّقة، وتيك القديمة المطلّقة، بدفية دار، أو كنز تحت جدار، أو ظفر لباني
стр. 4613
الحنايا [١] ، قبل أن تقطع به عن أمانيه المنايا، ببديعة، أو خلف جرجير [٢] الرّوم، قبل منازلة القروم، على وديعة، أو أسلمه ابن أبي سرح [٣] ، في نشب للفتح وسرح [٤] ، أو حتم له روح بن حاتم [٥] ببلوغ المطلب، أو غلب الحظوظ بخدمة آل الأغلب [٦] ، أو خصّه زيادة الله بمزيد [٧] ، أو شارك الشّيعة في أمر أبي يزيد [٨] ، أو سار على منهاج، في مناصحة بني صنهاج، وفضح بتخليد أمداحهم كلّ هاج.
وأعجب به، وقد عزّز منه مثنى البيان بثالث، فجلب سحر الأسماع، واسترقاق الطّباع، بين مثان للإبداع ومثالث، كيف اقتدر على هذا المحيد، وناصح مع التثليث مقام التوحيد، نستغفر الله وليّ العون، على الصّمت والصّون، فالقلم هو الموحّد قبل الكون، والمتّصف من صفات السّادة، أولي العبادة، بضمور الجسم
стр. 4614
وصفرة اللّون، إنّما هي كرامة فاروقيّة، وأثارة [١] من حديث سارية [٢] وبقيّة، سفر وجهها في الأعقاب، بعد طول الانتقاب، وتداول الأحقاب، ولسان مناب، عن كريم جناب، وإصابة السّهم لسواه محسوبة، وإلى الرّامي الّذي سدّده منسوبة، ولا تنكر على الغمام بارقة، ولا على المتحقّقين بمقام التّوحيد كرامة خارقة، فما شاءه الفضل من غرائب برّ وجد، ومحاريب خلق كريم ركع الشّكر فيها وسجد، حديقة بيان استثارت نواسم الإبداع من مهبّها، واستزارت غمائم الطباع من مصبّها، فآتت أكلها مرّتين بإذن ربّها، لا. بل كتيبة عزّ طاعنت بقنا [٣] الألفات سطورها، فلا يرونها النّقد ولا يطورها [٤] ، ونزعت عن قسيّ النّونات خطوطها، واصطفّت من بياض الطّرس [٥] ، وسواد النّفس، بلق [٥] تحوطها.
فما كأس المدير، على الغدير [٦] ، بين الخورنق [٧] والسّدير [٨] ، تقامر بنرد [٩] الحباب، عقول ذوي الألباب، وتغرق كسرى في العباب [١٠] ، وتهدي،- وهي الشّمطاء [١١]- نشاط الشّباب، وقد أسرج ابن سريج [١٢] وألجم، وأفصح
стр. 4615
الغريض [١] بعد ما جمجم، وأعرب النّاي [٢] الأعجم، ووقّع معبد [٣] بالقضيب، وشرعت في حساب العقد [٤] بنان الكفّ الخضيب، وكأنّ الأنامل فوق مثالث العود ومثانيه، وعند إغراء الثّقيل بثانية [٥] ، وإجابة صدى الغناء بين مغانيه، المراود تشرع في الوشي، أو العناكب تسرع في المشي، وما المخبر بنيل الرّغائب، أو قدوم الحبيب الغائب، لا. بل إشارة البشير، بكمّ المشير، على العشير، بأجلب للسرور، من زائره المتلقّى بالبرور، وأدعى للحبور، من سفيره المبهج السفور، فلم نر مثله من كتيبة كتاب تجنب [٦] الجرد، تمرح في الأرسان [٧] ، وتتشوّف مجالي ظهورها إلى عرائس الفرسان، وتهزّ معاطف [٨] الارتياح، من صهيلها الصراح، بالنّغمات الحسان، إذا أوجست الصّريخ نازعت أفناء الأعنّة، وكاثرت بأسنّة آذانها مشرعة الأسنّة، فإن ادّعى الظليم [٩] أشكالها فهو ظالم، أو نازعها الظّبي هواديها [١٠] وأكفالها فهو هاذ أو حالم، وإن سئل الأصمعي [١١] عن عيوب الغرر والأوضاح [١٢] ، قال مشيرا إلى وجوهها الصّباح [١٣] :
стр. 4616
«جلدة بين العين والأنف سالم» [١]
من كلّ عبل الشّوى [٢] ، مسابق للنّجم إذا هوى، سامي التّليل [٣] ، عريض ما تحت الشّليل [٤] ، ممسوحة أعطافه بمنديل النّسيم البليل.
من أحمر كالمدام، تجلى على النّدام [٥] ، عقب الفدام [٦] ، أتحف لونه بالورد، في زمن البرد، وحيّي أفق محيّاه بكوكب السّعد، وتشوّف الواصفون إلى عدّ محاسنه فأعيت على العد، بحر يساجل البحر عند المدّ، وريح تباري الرّيح عند الشّدّ [٧] ، بالذّراع الأشدّ [٨] ، حكم له مدير فلك الكفل باعتدال فصل القدّ، وميّزه قدره المميّز عند الاستباق، بقصب السّباق [٩] ، عند اعتبار الحدّ، وولّد مختطّ غرّته أشكال الجمال، على الكمال، بين البياض والحمرة ونقاء الخد، وحفظ رواية الخلق الوجيه [١٠] ، عن جدّه الوجيه [١١] ، ولا تنكر الرواية على الحافظ ابن الجدّ [١٢] .
стр. 4617
وأشقر، أبي الخلق، والوجه الطّلق أن يحفر، كأنّما صيغ من العسجد، وطرف بالدّر وأنعل بالزبرجد، ووسم في الحديث بسمة اليمن والبركة [١] ، واختصّ بفلج [٢] الخصام، عند اشتجار المعركة، وانفرد بمضاعف السّهام، المنكسرة على الهام، في الفرائض المشتركة [٣] ، واتّصف فلك كفله بحركتي الإرادة والطّبع من أصناف الحركة، أصغى إلى السّماء بأذن ملهم، وأغرى لسان الصّهيل- عند التباس معاني الهمز والتّسهيل- ببيان المبهم، وفتنت العيون من ذهب جسمه، ولجين نجمه، بالدّينار والدّرهم، فإن انقضّ فرجم، أو ريح لها حجم، وإن اعترض فشفق لاح به للنّجم نجم.
وأصفر قيّد الأوابد الحرّة، وأمسك المحاسن وأطلق الغرّة، وسئل من أنت في قوّاد الكتائب، وأولي الأخبار العجائب؟ فقال: أنا المهلّب بن أبي صفرة [٤] ، نرجس هذه الألوان، في رياض الأكوان، تحثى به وجوه الحرب العوان [٥] ، أغار بنخوة الصّائل [٦] ، على معصفرات الأصائل [٧] ، فارتداها، وعمد إلي خيوط شعاع الشّمس، عند جانحة الأمس، فألحم منها حلّته وأسداها، واستعدت عليه تلك المحاسن فما أعداها، فهو أصيل تمسّك بذيل اللّيل عرفه وذيله، وكوكب يطلعه من الفتام ليله، فيحسده فرقد [٨] الأفق وسهيله [٩] .
стр. 4618
وأشهب تغشّى من لونه مفاضة، وتسربل منه لأمة فضفاضة، قد احتفل زينه، لمّا رقم بالنّبال لجينه، فهو الأشمط، الّذي حقه لا يغمط، والدّارع [١] المسارع، والأعزل الذّارع [٢] ، وراقي الهضاب الفارع، ومكتوب الكتيبة البارع [٣] . وأكرم به من مرتاض سالك، ومجتهد على غايات السّابقين الأولين متهالك، وأشهب [٤] يروي من الخليفة، ذي الشّيم المنيفة، عن مالك.
وحبارى [٥] كلّما سابق وبارى، استعار جناح الحبارى، فإذا أعملت الحسبة، قيل من هنا جاءت النّسبة، طرد النّمر، لما عظم أمره وأمر [٦] ، فنسخ وجوده بعدمه، وابتزّه الفروة ملطّخة بدمه، وكأنّ مضاعف الورد نثر عليه من طبقة، أو الفلك، لمّا ذهب الحلك، مزج فيه بياض صبحه بحمرة شفقه....
وقرطاسي حقّه لا يجهل
، «متى ما ترقّى العين فيه تسفّل» [٧] ،
إن نزع عنه جلّة [٨] ، فهو نجم كلّه، انفرد بمادّة الألوان، قبل أن تشوبها يد الأكوان، أو تمزجها أقلام الملوان [٩] ، يتقدّم الكتيبة منه لواء ناصع، أو أبيض مناصع [١٠] ، لبس وقار المشيب، في ريعان العمر القشيب، وأنصتت الآذان من صهيلة المطيل المطيب، لمّا ارتدى بالبياض إلى نغمة الخطيب، وإن تعتّب منه للتأخير متعتّب، قلنا: الواو لا ترتب [١١] ، ما بين فحل وحرّة، وبهرمانة [١٢] ودرّة، ويا لله
стр. 4619
من ابتسام غرّة، ووضوح يمن في طرّة [١] ، وبهجة للعين وقرّة، وإن ولع الناس بامتداح القديم، وخصّوا الحديث بفري الأديم [٢] ، وأوجف المتعصّب، وإن أبى المنصب، مرتبة التّقديم، وطمح الى رتبة المخدوم طرف الخديم، وقورن المثري بالعديم، وبخس في سوق الكسد الكيل، ودجا الليل، وظهره في فلك الأنصاف الميل، لمّا تذوكرت الخيل، فجيء بالوجيه [٣] والخطّار [٤] ، والذائد [٥] وذي الخمار [٦] وداحس [٧] والسّكب [٨] ، والأبجر [٩] وزاد الرّكب [١٠] ، والجموح [١١] واليحموم [١٢] ، والكميت [١٣] ومكتوم [١٤] ، والأعوج [١٥] وحلوان، ولاحق والغضبان، وعفزر، والزّعفران والمحبّر واللّعّاب، والأغرّ والغراب، وشعلة والعقاب، والفياض واليعبوب، والمذهب واليعسوب، والصّموت والقطيب، وهيدب والصّبيب، وأهلوب وهدّاج،
стр. 4620
والحرون وخراج، وعلوي والجناح، والأحوى ومجاح، والعصا والنّعامة، والبلقاء والحمامة، وسكاب والجرادة، وخوصاء والعرادة [١] ، فكم بين الشّاهد والغائب، والفروش والرّغائب [٢] ، وفرق ما بين الأثر والعيان، غنيّ عن البيان، وشتّان بين الصّريح والمشتبه، وللَّه درّ القائل:
«خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به [٣] »
والنّاسخ [٤] يختلف به الحكم، وشرّ الدواب عند التفضيل بين هذه الدّوابّ الصّمّ البكم [٥] إلّا ما ركبه نبيّ، أو كان له يوم الافتخار وبرهان خفي [٦] ومفضّل ما سمع على ما رأى غبيّ، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت، لأقضمت [٧] حبّ القلوب علفا، وأوردت ماء الشّبيبة نطفا [٨] ، واتخذت لها من عذر [٩] الخدود الملاح عذر موشيّة [١٠] ، وعلّلت بصفير الحان القيان كلّ عشيّة، وأنعلت بالأهلّة، وغطيت بالرياض بدل الأجلّة [١١] .
إلى الرقيق [١٢] ، الخليق بالحسن الحقيق، يسوقه إلى مثوى الرعاية روقة [١٣] الفتيان رعاته، ويهدي عقيقها من سبحه [١٤] أشكالا تشهد للمخترع سبحانه بإحكام مخترعاته، وقفت ناظر الاستحسان لا يريم [١٥] ، لما بهره منظرها الوسيم، وتخامل
стр. 4621
الظّليم [١] ، وتضاؤل الريّم [٢] وأخرس مفوّه [٣] اللسان، وهو بملكات البيان، الحفيظ العليم، وناب لسان الحال، عن لسان المقال، عند الاعتقال [٤] ، فقال يخاطب المقام الّذي أطلعت أزهارها غمائم جوده، واقتضت اختيارها بركات وجوده: لو علمنا أيّها الملك الأصيل، الّذي كرم منه الاجمال والتفصيل، أنّ الثناء يوازيها، لكلنا لك بكيلك، أو الشّكر يعادلها ويجازيها، لتعرّضنا بالوشل [٥] إلى نيل نيلك [٦] ، أو قلنا هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر بقوله:
«أدرك بخيلك» ، حين شرق بدمعه الشّرق [٧] ، وانهزم الجمع واستولى الفرق، واتسع فيه- والحكم للَّه- الخرق [٨] ورأى أن مقام التّوحيد بالمظاهرة على التّثليث، وحزبه الخبيث، الأولى والأحق.
والآن قد أغنى الله بتلك النيّة، عن اتخاذ الطوال الردينيّة [٩] ، وبالدّعاء من تلك المثابة الدينيّة إلى ربّ المنيّة [١٠] ، وعن الجرد العربيّة، في مقاود اللّيوث الأبية، وجدّد برسم هذه الهديّة، مراسيم العهود الوديّة، والذّمم الموحّديّة، لتكون علامة على الأصل، ومكذّبة لدعوى الوقف والفصل، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها ألف الوصل، ولأمها حراما على النّصل [١١] .
وحضر بين يدينا رسولكم، فقرّر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علوّ مقداركم، وأصالة داركم، وفلك إبداركم، وقطب مداركم، وأجبناه عنه بجهد [١٢] ما كنّا
стр. 4622
لنقنع من جناه [١] المهتصر [٢] ، بالمقتضب المختصر، ولا لنقابل طول طوله [٣] بالقصر، لولا طروّ الحصر [٤] .
وقد كان بين الأسلاف- رحمة الله عليهم ورضوانه- ودّ أبرمت من أجل الله معاقده [٥] ، ووثرت للخلوص [٦] ، الجليّ النّصوص، مضاجعه القارّة ومراقده، وتعاهد بالجميل يوجع لفقده فاقده، أبى الله إلا أن يكون لكم الفضل في تجديده، والعطف بتوكيده، فنحن الآن لا ندري أيّ مكارمكم نذكر، أو أيّ فواضلكم نشرح أو نشكر، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح، أم هديّتكم، وفي وصفها للأقلام سبح [٧] ، ولعدوّ الإسلام بحكمة حكمتها كبح [٨] ، إنّما نكل الشّكر لمن يوفّي في جزاء الأعمال البرّة، ولا يبخس مثقال الذّرّة ولا أدنى من مثقال الذّرّة، ذي الرّحمة الثّرّة [٩] ، والألطاف المتّصلة المستمرّة، لا إله إلّا هو.
وإن تشوّفتم إلى الأحوال الرّاهنة، وأسباب الكفر الواهية بقدرة الله- الواهنة [١٠] ، فنحن نطرفكم بطرفها [١١] ، ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفيها، وهو أننا لمّا أعادنا الله من التّمحيص، إلى مثابة التّخصيص، من بعد المرام العويص، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة، ورأينا كما نقل إلينا، وكرّر على من قبلنا وعلينا- أن الدّنيا- وإن غرّ الغرور [١٢] وأنام على سرر الغفلة السّرور، فلم ينفع الخطور [١٣] على أجداث [١٤] الأحباب والمرور،-
стр. 4623
جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي ولا يحبر [١] ، إنّما هو خبر يخبر، وأن الحسرة بمقدار ما على تركه يجبر، وأنّ الأعمار أحلام، وأنّ النّاس نيام، وربما رحل الرّاحل عن الخان [٢] ، وقد جلّله بالأذى والدّخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعد للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا [٣] ، والتفقّد للثّغور مسواكا، وضجيع المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ» ٦١: ١٠ [٤] من حجج الاستشهاد، وبادرنا رمق [٥] الحصون المضاعة وجنح [٦] التّقيّة [٧] دامس [٨] ، وعواريها [٩] لا تردّ يد لامس [١٠] ، وساكنها بائس، والأعصم [١١] في شعفاتها [١٢] من العصمة يائس، فزيّنّا ببيض الشّرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها [١٣] وغشّينا بالصّفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيّضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حسّ العيان، أنها قطع من بيض العنان [١٤] ، وتكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفّلة للمؤمنين من فزع الدّنيا والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدوّنة الجيش [١٥] عرضا، وفرضنا إنصافه مع الاهلّة فرضا، واستندنا من التّوكل على الله الغنيّ الحميد إلى ظلّ لواء، ونبذنا إلى الطّاغية
стр. 4624
عهده على سواء [١] وقلنا: ربّنا أنت العزيز، وكلّ جبّار لعزّك ذليل، وحزبك هو الكثير، وما سواه قليل، أنت الكافي، ووعدك الوعد الوافي، فأفض [٢] علينا مدارع [٣] الصّابرين، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظّافرين، وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
فتحرّكنا أول الحركات، وفاتحة مصحف البركات، في خفّ من الحشود، واقتصار على ما بحضرتنا من العساكر المظفّرة والجنود، إلى حصن آشر [٤] البازي المطلّ، وركاب العدوّ الضالّ المضلّ، ومهدي نفثات [٥] الصّلّ [٦] ، على امتناعه وارتفاعه، وسمو يفاعه [٧] ، وما بذل العدوّ فيه من استعداده، وتوفير أسلحته وأزواده، وانتخاب أنجاده، فصلينا بنفسنا ناره، وزاحمنا عليه الشهداء نصابر أواره [٨] ونلقى بالجوارح العزيزة سهامه المسمومة، وجلا مده الملمومة [٩] وأحجاره، حتى فرعنا [١٠] بحول من لا حول ولا قوة إلا به- أبراجه المنيعة وأسواره، وكففنا عن البلاد والعباد أضراره، بعد أن استضفنا إليه حصن السّهلة جاره، ورحلنا عنه بعد أن شحنّاه رابطة وحامية، وأزوادا نامية، وعملنا بيدنا في رمّ ما ثلم القتال، وبقر من بطون مسابقة الرّجال، واقتدينا بنبيّنا- صلوات الله عليه وسلامه- في الخندق [١١] لمّا حمى ذلك المجال، ووقع الارتجاز المنقول حديثه والارتجال [١٢] ، وما كان ليقرّ للإسلام مع تركه القرار، وقد كثب الجوار،
стр. 4625
وتداعى الدّعرة [١] وتعاوى الشّرار [٢] .
وقد كنا أغرينا من بالجهة الغربية من المسلمين بمدينة برغه التي سدت بين القاعدتين رندة ومالقة الطريق، وألبست ذلّ الفراق ذلك الفريق، ومنعتهما أن يسيغا الريق، فلا سبيل الى الإلمام، لطيف المنام، إلا في الأحلام، ولا رسالة إلا في أجنحة هدل [٣] الحمام، فيسّر الله فتحها، وعجّل منحها، بعد حرب انبتّت فيها النّحور، وتزيّنت الحور. وتبع هذه الأمّ بنات شهيرة، وبقع للزّرع والضّرع خيرة [٤] ، فشفي الثّغر من بوسه، وتهلّل وجه الإسلام بتلك النّاحية النّاجية بعد عبوسة.
ثم أعملنا الحركة إلى مدينة إطريرة [٥] ، على بعد المدى، وتغلغلها في بلاد العدا، واقتحام هول الفلا وغول الرّدى، مدينة تبنّتها حمص [٦] فأوسعت الدّار، وأغلت الشّوار [٧] ، وراعت الاستكثار، وبسطت الاعتمار [٨] ، رجّح لدينا قصدها على البعد، والطّريق الجعد، ما أسفت [٩] به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم، مرّوا بها آمنين، وبطائرها المشئوم متيمنين، قد أنهكهم [١٠]