← История

История · id 12320

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون

Полный текст (5 514 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قبالتك ممسك بطرفه الآخر وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرّسة المحدّدة تقطع ما مرّت عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر [١] الخشبة. وهو لو طولب بهذا العمل أو شيء منه لم يحكمه. وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها فإنّ العلم بقوانين الإعراب إنّما هو علم بكيفيّة العمل وليس هو نفس العمل ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النّحاة والمهرة في صناعة العربيّة المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودّته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصّواب وأكثر من اللّحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللّسان العربيّ. وكذا نجد كثيرا ممّن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنّين من المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئا من قوانين صناعة العربيّة. فمن هذا تعلم أنّ تلك الملكة هي غير صناعة العربيّة وأنّها مستغنية عنها بالجملة. وقد نجد بعض المهرة في صناعة الإعراب بصيرا بحال هذه الملكة وهو قليل واتّفاقيّ وأكثر ما يقع للمخالطين لكتاب سيبويه. فإنّه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط بل ملأ كتابه من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم فكان فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة فتجد العاكف عليه والمحصّل له قد حصل على حظّ [٢] من كلام العرب واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته. وتنبّه به لشأن الملكة فاستوفى تعليمها فكان أبلغ في الإفادة. ومن هؤلاء المخالطين لكتاب سيبويه من يغفل عن التّفطّن لهذا فيحصل على علم اللّسان صناعة ولا يحصل عليه ملكة. وأمّا المخالطون لكتب المتأخّرين العارية عن ذلك إلّا من القوانين النحويّة مجرّدة عن أشعار العرب وكلامهم، فقلّ ما يشعرون لذلك بأمر هذه الملكة أو ينتبهون لشأنها فتجدهم يحسبون أنّهم قد

стр. 772

حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم أبعد النّاس عنه. وأهل صناعة العربيّة بالأندلس ومعلّموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم والتّفقّه في الكثير من التّراكيب في مجالس تعليمهم فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التّعليم فتنقطع [١] النّفس لها وتستعدّ إلى تحصيلها وقبولها. وأمّا من سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربيّة مجرى العلوم بحثا وقطعوا النّظر عن التّفقّه في تراكيب كلام العرب إلّا إن أعربوا شاهدا أو رجّحوا مذهبا [٢] من جهة الاقتضاء الذّهنيّ لا من جهة محامل اللّسان وتراكيبه. فأصبحت صناعة العربيّة كأنّها من جملة قوانين المنطق العقليّة أو الجدل وبعدت عن مناحي اللّسان وملكته وأفاد ذلك حملتها في هذه الأمصار وآفاقها البعد عن الملكة بالكليّة، وكأنّهم لا ينظرون في كلام العرب. وما ذلك إلّا لعدولهم عن البحث في شواهد اللّسان وتراكيبه وتمييز أساليبه وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلّم فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللّسان. وتلك القوانين إنّما هي وسائل للتّعليم لكنّهم أجروها على غير ما قصد بها وأصاروها علما بحتا وبعدوا عن ثمرتها. وتعلم ممّا قرّرناه في هذا الباب أنّ حصول ملكة اللّسان العربيّ إنّما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتّى يرتسم في خياله المنوال الّذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزّل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتّى حصلت له الملكة المستقرّة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم. والله مقدّر الأمور كلّها والله أعلم بالغيب.

стр. 773

الفصل الواحد والخمسون في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه وبيان أنه لا يحصل للمستعربين من العجم اعلم أنّ لفظة الذّوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ومعناها حصول ملكة البلاغة للّسان. وقد مرّ تفسير البلاغة وأنّها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواصّ تقع للتّراكيب في إفادة ذلك. فالمتكلّم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرّى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده فإذا اتّصلت مقاماته [١] بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه أمر التّركيب حتّى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة الّتي للعرب وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى مجّه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل وبغير فكر، إلّا بما استفاد من حصول هذه الملكة. فإنّ الملكات إذا استقرّت ورسخت في محالّها ظهرت كأنّها طبيعة وجبلّة لذلك المحلّ. ولذلك يظنّ كثير من المغفّلين ممّن لم يعرف شأن الملكات أنّ الصّواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعيّ. ويقول كانت العرب تنطق بالطّبع وليس كذلك وإنّما هي ملكة لسانيّة في نظم الكلام تمكّنت ورسخت فظهرت في بادئ الرّأي أنّها جبلّة وطبع. وهذه الملكة كما تقدّم إنّما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرّره على السّمع والتّفطّن لخواصّ تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين العلميّة في ذلك الّتي استنبطها أهل صناعة اللّسان فإنّ هذه القوانين إنّما تفيد علما بذلك اللّسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلّها وقد مرّ ذلك. وإذا تقرّر ذلك فملكة البلاغة في اللّسان تهدي البليغ إلى وجود النّظم

стр. 774

وحسن التّركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم. ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السّبل المعيّنة والتّراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه لأنّه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الرّاسخة عنده. وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجّه وعلم أنّه ليس من كلام العرب الّذين مارس كلامهم. وربّما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النّحويّة والبيانيّة فإنّ ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء. وهذا أمر وجدانيّ حاصل بممارسة كلام العرب حتّى يصير كواحد منهم. ومثاله: لو فرضنا صبيّا من صبيانهم نشأ وربي في جيلهم فإنّه يتعلّم لغتهم ويحكم شأن الإعراب والبلاغة فيها حتّى يستولي على غايتها. وليس من العلم القانونيّ في شيء وإنّما هو بحصول هذه الملكة في لسانه ونطقه. وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك الجيل بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك بحيث يحصّل الملكة ويصير كواحد ممّن نشأ في جيلهم وربي بين أجيالهم [١] . والقوانين بمعزل عن هذا واستعير لهذه الملكة عند ما ترسخ وتستقرّ اسم الذّوق الّذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان والذوق وإنّما هو موضوع لإدراك الطّعوم. لكن لمّا كان محلّ هذه الملكة في اللّسان من حيث النّطق بالكلام كما هو محلّ لإدراك الطّعوم استعير لها اسمه. وأيضا فهو وجدانيّ اللّسان كما أنّ الطّعوم محسوسة له فقيل له ذوق. وإذا تبيّن لك ذلك علمت منه أنّ الأعاجم الدّاخلين في اللّسان العربيّ الطّارئين عليه المضطرّين إلى النّطق به لمخالطة أهله كالفرس والرّوم والتّرك بالمشرق وكالبربر بالمغرب فإنّه لا يحصل لهم هذا الذّوق لقصور حظّهم في هذه الملكة الّتي قرّرنا أمرها لأنّ قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملكة أخرى إلى اللّسان وهي لغاتهم أن يعتنوا بما يتداوله أهل مصر بينهم في المحاورة من مفرد ومركّب لما يضطرّون إليه من ذلك. وهذه الملكة قد ذهبت لأهل الأمصار وبعدوا عنها كما تقدّم. وإنّما لهم في

стр. 775

ذلك ملكة أخرى وليست هي ملكة اللّسان المطلوبة. ومن عرف أحكام تلك الملكة من القوانين المسطّرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شيء. إنّما حصّل أحكامها كما عرفت. وإنّما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتّكرّر لكلام العرب. فإن عرض لك ما تسمعه من أنّ سيبويه والفارسيّ والزّمخشريّ وأمثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم فاعلم أنّ أولئك القوم الّذين تسمع عنهم إنّما كانوا عجما في نسبهم فقط. وأمّا المربى والنّشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلّمها منهم فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شيء وراءها وكأنّهم في أوّل نشأتهم من العرب الّذين نشئوا في أجيالهم حتّى أدركوا كنه اللّغة وصاروا من أهلها فهم وإن كانوا عجما في النّسب فليسوا بأعجام في اللّغة والكلام لأنّهم أدركوا الملّة في عنفوانها واللّغة في شبابها ولم تذهب آثار الملكة ولا من أهل الأمصار ثمّ عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتّى استولوا على غايته. واليوم الواحد من العجم إذا خالط أهل اللّسان العربيّ بالأمصار فأوّل ما يجد تلك الملكة المقصودة من اللّسان العربيّ ممتحية الآثار. ويجد ملكتهم الخاصّة بهم ملكة أخرى مخالفة لملكة اللّسان العربيّ. ثمّ إذا فرضنا أنّه أقبل على الممارسة لكلام العرب وأشعارهم بالمدارسة والحفظ يستفيد تحصيلها فقلّ أن يحصل له ما قدّمناه من أنّ الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحلّ فلا تحصل إلّا ناقصة مخدوشة. وإن فرضنا أعجميّا في النّسب سلم من مخالطة اللّسان العجميّ بالكلّيّة وذهب إلى تعلّم هذه الملكة بالحفظ والمدارسة فربّما يحصل له ذلك لكنّه من النّدور بحيث لا يخفى عليك بما تقرّر. وربّما يدّعي كثير ممّن ينظر في هذه القوانين البيانيّة حصول هذا الذّوق له بها وهو غلط أو مغالطة وإنّما حصلت له الملكة إن حصلت في تلك القوانين البيانيّة وليست من ملكة العبارة في شيء. والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم.

стр. 776

الفصل الثاني والخمسون في أن أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم أبعد عن اللسان العربيّ كان حصولها له أصعب وأعسر والسّبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلّم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة بما سبق إليه من اللّسان الحضريّ الّذي أفادته العجمة حتّى نزل بها اللّسان عن ملكته الأولى إلى ملكة أخرى هي لغة الحضر لهذا العهد. ولهذا نجد المعلّمين يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللّسان للولدان. وتعتقد النحاة أنّ هذه المسابقة بصناعتهم وليس كذلك وإنّما هي بتعليم هذه الملكة بمخالطة اللّسان وكلام العرب. نعم صناعة النّحو أقرب إلى مخالطة ذلك وما كان من لغات أهل الأمصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصّر بصاحبه عن تعلّم اللّغة المضريّة وحصول ملكتها لتمكّن المنافاة [١] حينئذ. واعتبر ذلك في أهل الأمصار. فأهل إفريقية والمغرب لمّا كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللّسان الأوّل كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتّعليم. ولقد نقل ابن الرّفيق أنّ بعض كتّاب القيروان كتب إلى صاحب له: يا أخي ومن لا عدمت فقده أعلمني أبو سعيد كلاما أنّك كنت ذكرت أنّك تكون مع الّذين تأتي وعاقنا اليوم فلم يتهيّأ لنا الخروج. وأمّا أهل المنزل الكلاب [٢] من أمر الشّين فقد كذّبوا هذا باطلا ليس من هذا حرفا واحدا. وكتابي إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله. وهكذا كانت ملكتهم في اللّسان المضريّ شبيه بما ذكرنا. وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة نازلة عن الطّبقة ولم تزل كذلك لهذا العهد ولهذا ما كان بإفريقيّة من

стр. 777

مشاهير الشّعراء إلّا ابن رشيق وابن شرف. وأكثر ما يكون فيها الشّعراء طارئين عليها ولم تزل طبقتهم في البلاغة حتّى الآن مائلة إلى القصور. وأهل الأندلس أقرب منهم إلى تحصيل هذه الملكة بكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللّغويّة نظما ونثرا. وكان فيهم ابن حيّان المؤرّخ إمام أهل الصّناعة في هذه الملكة ورافع الرّاية لهم فيها وابن عبد ربّه والقسطليّ وأمثالهم من شعراء ملوك الطّوائف لما زخرت فيها بحار اللّسان والأدب وتداول ذلك فيهم مئين من السّنين حتّى كان الانفضاض والجلاء أيّام تغلّب النّصرانيّة. وشغلوا عن تعلّم ذلك وتناقص العمران فتناقص لذلك شأن الصّنائع كلّها فقصّرت الملكة فيهم عن شأنها حتّى بلغت الحضيض. وكان من آخرهم صالح بن شريف ومالك بن مرحّل من تلاميذ الطّبقة الإشبيليّين بسبتة وكتّاب دولة بني الأحمر في أوّلها. وألقت الأندلس أفلاذ كبدها من أهل تلك الملكة بالجلاء إلى العدوة لعدوة الإشبيليّة إلى سبتة ومن شرقيّ الأندلس إلى إفريقية. ولم يلبثوا إلى أن انقرضوا وانقطع سند تعليمهم في هذه الصّناعة لعسر قبول العدوة لها وصعوبتها عليهم بعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربريّة وهي منافية لما قلناه. ثمّ عادت الملكة من بعد ذلك إلى الأندلس كما كانت ونجم بها ابن بشرين [١] وابن جابر وابن الجياب وطبقتهم. ثمّ إبراهيم السّاحليّ الطّريحيّ [٢] وطبقته وقفاهم ابن الخطيب من بعدهم الهالك لهذا العهد شهيدا بسعاية أعدائه. وكان له في اللّسان ملكة لا تدرك واتّبع أثره تلميذه من بعده. وبالجملة فشأن هذه الملكة بالأندلس أكثر وتعليمها أيسر وأسهل بما هم عليه لهذا العهد كما قدّمناه من معاناة علوم اللّسان ومحافظتهم عليها وعلى علوم الأدب وسند تعليمها. ولأنّ أهل اللّسان العجميّ الّذين تفسد ملكتهم إنّما هم طارئون عليهم. وليست عجمتهم أصلا للغة

стр. 778

أهل الأندلس والبربر في هذه العدوة وهم أهلها ولسانهم لسانها إلّا في الأمصار فقط. وهم منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربريّة فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللّسانيّة بالتّعليم بخلاف أهل الأندلس. واعتبر ذلك بحال أهل المشرق لعهد الدّولة الأمويّة والعبّاسيّة فكان شأنهم شأن أهل الأندلس في تمام هذه الملكة وإجادتها لبعدهم لذلك العهد عن الأعاجم ومخالطتهم إلّا في القليل. فكان أمر هذه الملكة في ذلك العهد أقوم وكان فحول الشّعراء والكتّاب أوفر لتوفّر العرب وأبنائهم بالمشرق. وانظر ما اشتمل عليه كتاب الأغاني من نظمهم ونثرهم فإنّ ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم وفيه لغتهم وأخبارهم وأيّامهم وملّتهم العربيّة وسيرتهم [١] وآثار خلفائهم وملوكهم وأشعارهم وغناؤهم وسائر معانيهم له فلا كتاب أوعب منه لأحوال العرب. وبقي أمر هذه الملكة مستحكما في المشرق في الدّولتين وربّما كانت فيهم أبلغ ممّن سواهم ممّن كان في الجاهليّة كما نذكره بعد. حتّى تلاشى أمر العرب ودرست لغتهم وفسد كلامهم وانقضى أمرهم ودولتهم وصار الأمر للأعاجم والملك في أيديهم والتغلّب لهم. وذلك في دولة الدّيلم والسلجوقيّة. وخالطوا أهل الأمصار وكثّروهم فامتلأت الأرض بلغاتهم، واستولت العجمة على أهل الأمصار والحواضر حتّى بعدوا عن اللّسان العربيّ وملكته وصار متعلّمها منهم مقصّرا عن تحصيلها. وعلى ذلك نجد لسانهم لهذا العهد في فنّي المنظوم والمنثور وإن كانوا مكثرين منه. والله يخلق ما يشاء ويختار والله اعلم وبه التّوفيق لا ربّ سواه.

стр. 779

الفصل الثالث والخمسون في انقسام الكلام إلى فني النظم والنثر اعلم أنّ لسان العرب وكلامهم على فنّين في الشّعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفّى ومعناه الّذي تكون أوزانه كلّها على رويّ واحد وهو القافية. وفي النّثر وهو الكلام غير الموزون وكلّ واحد من الفنّين يشتمل على فنون ومذاهب في الكلام. فأمّا الشّعر فمنه المدح والهجاء والرّثاء وأمّا النّثر فمنه السّجع الّذي يؤتى به قطعا ويلتزم في كلّ كلمتين منه قافية واحدة يسمّى سجعا ومنه المرسل وهو الّذي يطلق فيه الكلام إطلاقا ولا يقطّع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها. ويستعمل في الخطب والدّعاء وترغيب الجمهور وترهيبهم. وأمّا القرآن وإن كان من المنثور إلّا أنّه خارج عن الوصفين وليس يسمّى مرسلا مطلقا ولا مسجّعا. بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذّوق بانتهاء الكلام عندها. ثمّ يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها ويثنّى من غير التزام حرف يكون سجعا ولا قافية وهو معنى قوله تعالى: «الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ٣٩: ٢٣» . وقال: «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ ٦: ٩٧» . ويسمّى آخر الآيات منها فواصل إذ ليست أسجاعا ولا التزم فيها ما يلتزم في السّجع ولا هي أيضا قواف. وأطلق اسم المثاني على آيات القرآن كلّها على العموم لما ذكرناه واختصّت بأمّ القرآن للغلبة فيها كالنّجم للثّريّا ولهذا سمّيت السّبع المثاني. وانظر هذا مع ما قاله المفسّرون في تعليل تسميتها بالمثاني يشهد لك الحقّ برجحان ما قلناه. واعلم أنّ لكلّ واحد من هذه الفنون أساليب تختصّ به عند أهله ولا تصلح للفنّ الآخر ولا تستعمل فيه مثل النّسيب المختصّ بالشّعر والحمد والدّعاء المختصّ بالخطب والدّعاء المختصّ بالمخاطبات وأمثال ذلك. وقد استعمل المتأخّرون أساليب الشّعر وموازينه في المنثور من كثرة

стр. 780

الأسجاع والتزام التّقفية وتقديم النّسب بين يدي الأغراض. وصار هذا المنثور إذا تأمّلته من باب الشّعر وفنّه ولم يفترقا إلّا في الوزن. واستمرّ المتأخّرون من الكتّاب على هذه الطّريقة واستعملوها في المخاطبات السّلطانيّة وقصروا الاستعمال في المنثور كلّه على هذا الفنّ الّذي ارتضوه وخلطوا الأساليب فيه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصا أهل المشرق. وصارت المخاطبات السّلطانيّة لهذا العهد عند الكتّاب الغفّل جارية على هذا الأسلوب الّذي أشرنا إليه وهو غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال من أحوال المخاطب والمخاطب. وهذا الفنّ المنثور المقفّى أدخل المتأخّرون فيه أساليب الشّعر فوجب أن تنزّه المخاطبات السّلطانيّة عنه إذ أساليب الشّعر تنافيها اللّوذعيّة وخلط الجدّ بالهزل والإطناب في الأوصاف وضرب الأمثال وكثرة التّشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في الخطاب. والتزام التّقفية أيضا من اللّوذعة والتّزيين وجلال الملك والسّلطان وخطاب الجمهور عن الملوك بالتّرغيب والتّرهيب ينافي ذلك ويباينه. والمحمود في المخاطبات السّلطانيّة التّرسّل وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع إلّا في الأقل النّادر. وحيث ترسله الملكة إرسالا من غير تكلّف له ثمّ إعطاء الكلام حقّه في مطابقته لمقتضى الحال فإنّ المقامات مختلفة ولكلّ مقام أسلوب يخصّه من إطناب أو إيجاز أو حذف أو إثبات أو تصريح أو إشارة أو كناية واستعارة. وأمّا إجراء المخاطبات السّلطانيّة على هذا النّحو الّذي هو على أساليب الشّعر فمذموم وما حمل عليه أهل العصر إلّا استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقّه في مطابقته لمقتضى الحال فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في البلاغة وانفساح خطوبه [١] . وولعوا بهذا المسجّع يلفّقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود ومقتضى الحال فيه. ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع

стр. 781

والألقاب البديعة [١] ويغفلون عمّا سوى ذلك. وأكثر من أخذ بهذا الفنّ وبالغ فيه في سائر أنحاء كلامهم كتّاب المشرق وشعراؤه لهذا العهد حتّى إنّهم ليخلّون بالإعراب في الكلمات والتّصريف إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة لا يجتمعان معها فيرجّحون ذلك الصّنف من التّجنيس. ويدعون الإعراب ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التّجنيس. فتأمّل ذلك بما قدّمناه لك تقف على صحّة ما ذكرناه. والله الموفّق للصّواب بمنّه وكرمه والله تعالى أعلم. الفصل الرابع والخمسون في أنه لا تتفق الإجادة في فني المنظوم والمنثور معا إلا للأقل والسّبب في ذلك أنّه كما بيّنّاه ملكة في اللّسان فإذا تسبّقت [٢] إلى محلّه ملكة أخرى قصّرت بالمحلّ عن تمام الملكة اللّاحقة. لأنّ تمام [٣] الملكات وحصولها للطّبائع الّتي على الفطرة الأولى أسهل وأيسر. وإذا تقدّمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المادّة [٤] القابلة وعائقة عن سرعة القبول فوقعت المنافاة وتعذّر التّمام في الملكة وهذا موجود به في الملكات الصّناعيّة كلّها على الإطلاق. وقد برهنّا عليه في موضعه بنحو من هذا البرهان. فاعتبر مثله في اللّغات فإنّها ملكات اللّسان وهي بمنزلة الصّناعة. وانظر من تقدّم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرا في اللّسان العربيّ أبدا. فالأعجميّ الّذي سبقت له اللّغة الفارسيّة لا يستولي على ملكة اللّسان العربيّ ولا يزال قاصرا فيه ولو تعلّمه وعلّمه. وكذا البربريّ والرّوميّ. والإفرنجيّ قلّ أن تجد أحدا منهم محكما لملكة اللّسان

стр. 782

العربيّ. وما ذلك إلّا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللّسان الآخر حتّى إنّ طالب العلم من أهل هذه الألسن إذا طلبه بين أهل اللّسان العربيّ جاء مقصّرا في معارفه عن الغاية والتّحصيل وما أوتي إلّا من قبل اللّسان. وقد تقدّم لك من قبل أنّ الألسن واللّغات شبيهة بالصّنائع. وقد تقدّم لك أنّ الصّنائع وملكاتها لا تزدحم. وأنّ من سبقت له إجادة في صناعة فقلّ أن يجيد في أخرى أو يستولي فيها على الغاية. وَالله خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ٣٧: ٩٦. الفصل الخامس والخمسون في صناعة الشعر ووجه تعلمه هذا الفنّ من فنون كلام العرب وهو المسمّى بالشّعر عندهم ويوجد في سائر اللّغات إلّا أنّنا الآن إنّما نتكلّم في الشّعر الّذي للعرب. فإن أمكن أن تجد فيه أهل الألسن الأخرى مقصودهم من كلامهم وإلّا فلكلّ لسان أحكام في البلاغة تخصّه. وهو في لسان العرب غريب النّزعة عزيز المنحى إذ هو كلام مفصّل قطعا قطعا متساوية في الوزن متّحدة في الحرف الأخير من كلّ قطعة وتسمّى كلّ قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا ويسمّى الحرف الأخير الّذي تتّفق فيه رويّا وقافية ويسمّى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة. وينفرد كلّ بيت منه بإفادته في تراكيبه حتّى كأنّه كلام وحده مستقلّ عمّا قبله وما بعده. وإذا أفرد كان تامّا في بابه في مدح أو تشبيب [١] أو رثاء فيحرص الشّاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقلّ في إفادته. ثمّ يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر كذلك ويستطرد للخروج من فنّ إلى فنّ ومن مقصود إلى مقصود بأن يوطّئ المقصود الأوّل ومعانيه إلى أن يناسب المقصود الثّاني ويبعد الكلام عن التّنافر. كما يستطرد من التّشبيب [١] إلى المدح ومن وصف البيداء والطّلول إلى وصف الرّكاب أو الخيل أو

стр. 783

الطّيف ومن وصف الممدوح إلى وصف قومه وعساكره ومن التّفجّع والعزاء في الرّثاء إلى التّأثّر [١] وأمثال ذلك. ويراعي فيه اتّفاق القصيدة كلّها في الوزن الواحد حذرا من أن يتساهل الطّبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه. فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من النّاس ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمّنها علم العروض. وليس كلّ وزن يتّفق في الطّبع استعملته العرب في هذا الفنّ وإنّما هي أوزان مخصوصة تسمّيها أهل تلك الصّناعة البحور. وقد حصروها في خمسة عشر بحرا بمعنى أنّهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطّبيعيّة نظما. واعلم أنّ فنّ الشّعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب. ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد صوابهم وخطئهم وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم. وكانت ملكته مستحكمة فيهم شأن الملكات كلّها. والملكات اللّسانيّة كلّها إنّما تكتسب بالصّناعة والارتياض في كلامهم حتّى يحصل شبه في تلك الملكة. والشّعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصّناعة من المتأخّرين لاستقلال كلّ بيت منه بأنّه كلام تامّ في مقصوده ويصلح أن ينفرد دون ما سواه فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطّف في تلك الملكة حتّى يفرغ الكلام الشّعريّ في قوالبه الّتي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب ويبرزه مستقلّا بنفسه. ثمّ يأتي ببيت آخر كذلك ثمّ ببيت آخر ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده. ثمّ يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون الّتي في القصيدة. ولصعوبة منحاه وغرابة فنّه كان محكّا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه. ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربيّ على الإطلاق بل يحتاج بخصوصه إلى تلطّف ومحاولة في رعاية الأساليب الّتي اختصّته العرب بها واستعمالها فيه. لنذكر هنا سلوك [٢]

стр. 784

الأسلوب عند أهل هذه الصّناعة وما يريدون بها في إطلاقهم. فاعلم أنّها عبارة عندهم عن المنوال الّذي ينسج فيه التّراكيب أو القالب الّذي يفرغ به. ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل [١] المعنى الّذي هو وظيفة الإعراب ولا باعتبار إفادته كمال [٢] المعنى من خواصّ التّراكيب الّذي هو وظيفة البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الّذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثّلاثة خارجة عن هذه الصّناعة الشّعريّة وإنّما يرجع إلى صورة ذهنيّة للتّراكيب المنتظمة كلّيّة باعتبار انطباقها على تركيب خاصّ. وتلك الصّورة ينتزعها الذّهن من أعيان التّراكيب وأشخاصها ويصيّرها في الخيال كالقالب أو المنوال ثمّ ينتقي التّراكيب الصّحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان فيرصّها فيه رصّا كما يفعله البنّاء في القالب أو النّسّاج في المنوال حتّى يتّسع القالب بحصول التّراكيب الوافية بمقصود الكلام ويقع على الصّورة الصّحيحة باعتبار ملكة اللّسان العربيّ فيه فإنّ لكلّ فنّ من الكلام أساليب تختصّ به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة فسؤال الطّلول في الشّعر يكون بخطاب الطّلول كقوله: «يا دار ميّة بالعلياء فالسّند» ويكون باستدعاء الصّحب للوقوف والسّؤال كقوله: «قفا نسأل الدّار الّتي خفّ أهلها» . أو باستبكاء الصّحب على الطلل كقوله: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» . أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معيّن كقوله: «ألم تسأل فتخبرك الرّسوم» . ومثل تحيّة الطّلول بالأمر لمخاطب غير معيّن بتحيّتها كقوله: «حيّ الدّيار بجانب الغزل» [٣] . أو بالدّعاء لها بالسّقيا كقوله: أسقى طلولهم أجشّ هزيم ... وغدت عليهم نضرة [٤] ونعيم أو سؤاله السّقيا لها من البرق كقوله:

стр. 785

يا برق طالع منزلا بالأبرق ... واحد السّحاب لها حداء الأينق [١] أو مثل التّفجع في الجزع [٢] باستدعاء البكاء كقوله: كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر أو باستعظام الحادث كقوله: «أرأيت من حملوا على الأعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي» . أو بالتّسجيل على الأكوان بالمصيبة لفقده كقوله: منابت العشب لا حام ولا راع ... مضى الرّدى بطويل الرّمح والباع أو بالإنكار على من لم يتفجّع له من الجمادات كقول الخارجيّة: أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف أو بتهنئة فريقه [٣] بالرّاحة من ثقل وطأته كقوله: ألقى الرّماح ربيعة بن نزار ... أودى الرّدى بفريقك [٤] المغوار وأمثال ذلك كثير من سائر فنون الكلام ومذاهبه. وتنتظم التّراكيب فيه بالجمل وغير الجمل إنشائيّة وخبريّة، اسميّة وفعليّة، متّفقة، مفصولة وموصولة، على ما هو شأن التّراكيب في الكلام العربيّ في مكان كلّ كلمة من الأخرى. يعرّفك فيه ما تستفيده بالارتياض في أشعار العرب من القالب الكلّيّ المجرّد في الذّهن من التّراكيب المعيّنة الّتي ينطبق ذلك القالب على جميعها. فإنّ مؤلّف الكلام هو كالبنّاء أو النّسّاج والصّورة الذّهنيّة المنطبقة كالقالب الّذي يبنى فيه أو المنوال الّذي ينسج عليه. فإن خرج عن القالب في بنائه أو عن

стр. 786

المنوال في نسجه كان فاسدا. ولا تقولنّ إنّ معرفة قوانين البلاغة كافية لذلك لأنّا نقول قوانين البلاغة إنّما هي قواعد علميّة قياسيّة تفيد جواز استعمال التّراكيب على هيئتها الخاصّة بالقياس. وهو قياس علميّ صحيح مطّرد كما هو قياس القوانين الإعرابيّة. وهذه الأساليب الّتي نحن نقرّرها ليست من القياس في شيء إنّما هي هيئة ترسخ في النّفس من تتبّع التّراكيب في شعر العرب لجريانها على اللّسان حتّى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كلّ تركيب من الشّعر كما قدّمنا ذلك في الكلام بإطلاق. وإنّ القوانين العلميّة من العربيّة والبيان لا يفيد تعليمه بوجه. وليس كلّ ما يصحّ في قياس كلام العرب وقوانينه العلميّة استعملوه. وإنّما المستعمل عندهم من ذلك أنحاء معروفة يطّلع عليها الحافظون لكلامهم تندرج صورتها تحت تلك القوانين القياسيّة. فإذا نظر في شعر العرب على هذا النّحو وبهذه الأساليب الذّهنيّة الّتي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس. ولهذا قلنا إنّ المحصّل لهذه القوالب في الذّهن إنّما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم. وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور فإنّ العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنّين وجاءوا به مفصّلا في النّوعين. ففي الشّعر بالقطع الموزونة والقوافي المقيّدة واستقلال الكلام في كلّ قطعة وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتّشابه بين القطع غالبا وقد يقيّدونه بالأسجاع. وقد يرسلونه وكلّ واحدة من هذه معروفة في لسان العرب. والمستعمل منها عندهم هو الّذي يبني مؤلّف الكلام عليه تأليفه ولا يعرفه إلّا من حفظ كلامهم حتّى يتجرّد في ذهنه من القوالب المعيّنة الشّخصيّة قالب كلّيّ مطلق يحذو حذوه في التّأليف كما يحذو البنّاء على القالب والنّسّاج على المنوال. فلهذا كان من تآليف الكلام منفردا عن نظر النّحويّ والبيانيّ والعروضيّ. نعم إنّ مراعاة قوانين هذه العلوم شرط فيه لا يتمّ بدونها فإذا تحصّلت هذه الصّفات كلّها في الكلام اختصّ بنوع من النّظر لطيف في هذه

стр. 787

القوالب الّتي يسمّونها أساليب. ولا يفيده إلّا حفظ كلام العرب نظما ونثرا. وإذا تقرّر معنى الأسلوب ما هو فلنذكر بعده حدّا أو رسما للشّعر به تفهم [١] حقيقته على صعوبة هذا الغرض. فإنّا لم نقف عليه لأحد من المتقدّمين فيما رأيناه. وقول العروضيّين في حدّه إنّه الكلام الموزون المقفّى ليس بحدّ لهذا الشّعر الّذي نحن بصدده ولا رسم له. وصناعتهم إنّما تنظر في الشّعر من حيث اتّفاق أبياته في عدد المتحرّكات والسواكن على التّوالي، ومماثلة عروض أبيات الشّعر لضربها. وذلك نظر في وزن مجدّد عن الألفاظ ودلالتها. فناسب أن يكون حدّا عندهم، ونحن هنا ننظر في الشّعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصّة. فلا جرم إنّ حدّهم ذلك لا يصلح له عندنا فلا بدّ من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثيّة فنقول: الشّعر هو الكلام البليغ المبنيّ على الاستعارة والأوصاف، المفصّل بأجزاء متّفقة في الوزن والرّويّ مستقلّ كلّ جزء منها في غرضه ومقصده عمّا قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به. فقولنا الكلام البليغ جنس وقولنا المبنيّ على الاستعارة والأوصاف فصل له عمّا يخلو من هذه فإنّه في الغالب ليس بشعر وقولنا المفصّل بأجزاء متفقة الوزن والرّويّ فصل له عن الكلام المنثور الّذي ليس بشعر عند الكلّ وقولنا مستقلّ كلّ جزء منها في غرضه ومقصده عمّا قبله وبعده بيان للحقيقة لأنّ الشّعر لا تكون أبياته إلّا كذلك ولم يفصل به شيء. وقولنا الجاري على الأساليب المخصوصة به فصل له عمّا لم يجر منه على أساليب العرب [٢] المعروفة فإنّه حينئذ لا يكون شعرا إنّما هو كلام منظوم لأنّ الشّعر له أساليب تخصّه لا تكون للمنثور. وكذا أساليب المنثور لا تكون للشّعر فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب فلا يكون شعرا. وبهذا الاعتبار كان الكثير ممّن لقيناه من شيوخنا في هذه الصّناعة الأدبيّة

стр. 788

يرون أنّ نظم المتنبّي والمعرّي ليس هو من الشّعر في شيء لأنّهما لم يجريا على أساليب العرب فيه، وقولنا في الحدّ الجاري على أساليب العرب فصل له عن شعر غير العرب من الأمم عند ما يرى أنّ الشّعر يوجد للعرب وغيرهم. ومن يرى أنّه لا يوجد لغيرهم فلا يحتاج إلى ذلك ويقول مكانه الجاري على الأساليب المخصوصة. وإذ قد فرغنا من الكلام على حقيقة الشّعر فلنرجع إلى الكلام في كيفيّة عمله فنقول: اعلم أنّ لعمل الشّعر وإحكام صناعته شروطا أوّلها: الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتّى تنشأ في النّفس ملكة ينسج على منوالها ويتخيّر المحفوظ من الحرّ النّقيّ الكثير الأساليب. وهذا المحفوظ المختار أقلّ ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميّين مثل ابن ربيعة وكثيّر وذي الرّمّة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتريّ والرّضيّ وأبي فراس. وأكثره شعر كتاب الأغاني لأنّه جمع شعر أهل الطّبقة الإسلاميّة كلّه والمختار من شعر الجاهليّة. ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء ولا يعطيه الرّونق والحلاوة إلّا كثرة المحفوظ. فمن قلّ حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنّما هو نظم ساقط. واجتناب الشّعر أولى بمن لم يكن له محفوظ. ثمّ بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنّسج على المنوال يقبل على النّظم وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ. وربّما يقال إنّ من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفيّة الظّاهرة إذ هي صادرة [١] عن استعمالها بعينها. فإذا نسيها وقد تكيّفت النّفس بها انتقش الأسلوب فيها كأنّه منوال يؤخذ بالنّسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة. ثمّ لا بدّ له من الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والأزهار وكذا المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذّ السّرور. ثمّ مع هذا كلّه فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الّذي في حفظه. قالوا: وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند

стр. 789

الهبوب من النّوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر وفي هؤلاء [١] الجمام. وربّما قالوا إنّ من بواعثه العشق والانتشاء ذكر ذلك ابن رشيق في كتاب العمدة وهو الكتاب الّذي انفرد بهذه الصّناعة وإعطاء حقّها ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله. قالوا: فإن استصعب عليه بعد هذا كلّه فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه. وليكن بناء البيت على القافية من أوّل صوغه ونسجه بعضها ويبني الكلام عليها إلى آخره لأنّه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلّها. فربّما تجيء نافرة قلقة وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الّذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به فإنّ كلّ بيت مستقلّ بنفسه ولم تبق إلّا المناسبة فليتخيّر فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتّنقيح والنّقد ولا يضنّ به على التّرك إذا لم يبلغ الإجادة. فإنّ الإنسان مفتون بشعره إذ هو نبات فكره واختراع قريحته ولا يستعمل فيه من الكلام إلّا الأفصح من التّراكيب. والخالص من الضّرورات اللّسانيّة فليهجرها فإنّها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة. وقد حظر أئمّة اللّسان المولّد من ارتكاب الضّرورة إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطّريقة المثلى من الملكة. ويجتنب أيضا المعقّد من التّراكيب جهده. وإنّما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم. وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فإنّ فيه نوع تعقيد على الفهم. وإنّما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى منها. فإن كانت المعاني كثيرة كان حشوا واستعمل [٢] الذّهن بالغوص عليها فمنع الذّوق عن استيفاء مدركة من البلاغة. ولا يكون الشّعر سهلا إلّا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذّهن. ولهذا كان شيوخنا ﵏ يعيبون شعر أبي بكر [٣] بن خفاجة شاعر شرق الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر المتنبّي والمعرّي

стр. 790

بعدم النّسج على الأساليب العربيّة كما مرّ فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشّعر والحاكم بذلك هو الذّوق. وليجتنب الشّاعر أيضا الحوشيّ من الألفاظ والمقصّر [١] وكذلك السّوقيّ المبتذل بالتّداول بالاستعمال فإنّه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة وكذلك المعاني المبتذلة بالشهرة فإنّ الكلام ينزل بها عن البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ويقرب من عدم الإفادة كقولهم: النّار حارّة والسّماء فوقنا. وبمقدار ما يقرب من طبقة عدم الإفادة يبعد عن رتبة البلاغة إذ هما طرفان. ولهذا كان الشّعر في الرّبّانيّات والنّبويّات قليل الإجادة في الغالب ولا يحذق فيه إلّا الفحول وفي القليل على العشر [٢] لأنّ معانيها متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك. وإذا تعذّر الشّعر بعد هذا كلّه فليراوضه ويعاوده فإنّ القريحة مثل الضّرع يدرّ بالامتراء ويجفّ [٣] بالتّرك والإهمال. وبالجملة فهذه الصّناعة وتعلّمها مستوفى في كتاب العمدة لابن رشيق وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد. ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه البغية من ذلك. وهذه نبذة كافية والله المعين. وقد نظم النّاس في أمر هذه الصّناعة الشّعريّة ما يجب فيها. ومن أحسن ما قيل في ذلك وأظنّه لابن رشيق: لعن الله صنعة الشّعر ماذا ... من صنوف الجهّال منه لقينا يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلا للسّامعين مبينا ويرون المحال معنى صحيحا ... وخسيس الكلام شيئا ثمينا يجهلون الصّواب منه ولا يدرون ... للجهل أنّهم يجهلونا فهم عند من سوانا يلامون ... وفي الحقّ عندنا يعذرونا إنّما الشّعر ما يناسب في النّظم ... وإن كان في الصّفات فنونا

стр. 791

فأتى بعضه يشاكل بعضا ... وأقامت له الصّدور المتونا كلّ معنى أتاك منه على ما ... تتمنّى ولم يكن أن يكونا فتناهى من البيان إلى أن ... كاد حسنا يبين للنّاظرينا فكأنّ الألفاظ منه وجوه ... والمعاني ركّبن فيها عيونا إنّما في المرام حسب الأماني ... يتحلّى بحسنة المنشدونا فإذا ما مدحت بالشّعر حرّا ... رمت فيه مذاهب المشتهينا [١] فجعلت النّسيب سهلا قريبا ... وجعلت المديح صدقا مبينا وتنكّبت ما يهجّن في السّمع ... وإن كان لفظه موزونا وإذا ما عرضته [٢] بهجاء ... عبت فيه مذاهب المرقبينا [٣] فجعلت التّصريح منه دواء ... وجعلت التّعريض داء دفينا وإذا ما بكيت فيه على ... الغادين يوما للبين والظّاعنينا حلت دون الأسى وذلّلت ما كان ... من الدّمع في العيون مصونا ثمّ إن كنت عاتبا جئت بالوعد ... وعيدا وبالصّعوبة بينا [٤] فتركت الّذي عتبت عليه ... حذرا آمنا عزيزا مهينا وأصحّ القريض ما قارب النّظم ... وإن كان واضحا مستبينا فإذا قيل أطمع النّاس طرّا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا ومن ذلك أيضا قول بعضهم وهو الناشي: الشّعر ما قوّمت ربع صدوره ... وشددت بالتّهذيب أسّ متونه ورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه

стр. 792

وجمعت بين قريبه وبعيده ... وجمعت بين مجمّه ومعينة وإذا مدحت به جوادا ماجدا ... وقضيته بالشّكر حقّ ديونه أصفيته (بتفتّش ورضيته) [١] ... وخصصته بخطيره وثمينه فيكون جزلا في مساق صنوفه ... ويكون سهلا في اتّفاق فنونه وإذا بكيت به الدّيار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شئونه [٢] وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... بثبوته [٣] وظنونه بيقينه وإذا عتبت على أخ في زلّة ... أدمجت شدّته له في لينه فتركته مستأنسا بدماثة ... مستأمنا لوعوثه وحزونه. وإذا نبذت إلى الّذي علقتها ... إذ صارمتك بفاتنات شئونه تيّمتها بلطيفه ورفيقه ... وشغفتها بخبيّه وكمنه وإذا اعتذرت لسقطة أسقطتها ... وأشكت بين مخيله ومبينه فيحول ذنبك عند من يعتدّه ... عتبا عليه مطالبا بيمينه الفصل السادس والخمسون في أن صناعة النظم والنثر إنما هي في الألفاظ لا في المعاني اعلم أنّ صناعة الكلام نظما ونثرا إنّما هي في الألفاظ لا في المعاني وإنّما المعاني تبع لها وهي أصل. فالصّانع الّذي يحاول ملكة الكلام في النّظم والنّثر

стр. 793

إنّما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله وجريه على لسانه حتّى تستقرّ له الملكة في لسان مضر ويتخلّص من العجمة الّتي ربّي عليها في جيله ويفرض نفسه مثل وليد نشأ في جيل العرب ويلقّن لغتهم كما يلقّنها الصّبيّ حتّى يصير كأنّه واحد منهم في لسانهم. وذلك أنّا قدّمنا أنّ للّسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللّسان حتّى تحصل شأن الملكات والّذي في اللّسان والنّطق إنّما هو الألفاظ وأمّا المعاني فهي في الضّمائر. وأيضا فالمعاني موجودة عند كلّ واحد وفي طوع كلّ فكر منها ما يشاء ويرضى فلا يحتاج إلى تكلّف صناعة في تأليفها وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصّناعة كما قلناه وهو بمثابة القوالب للمعانيّ. فكما أنّ الأواني الّتي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذّهب والفضّة والصّدف والزّجاج والخزف والماء واحد في نفسه. وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء. كذلك جودة اللّغة وبلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات الكلام في تأليفه باعتبار تطبيقه على المقاصد. والمعاني واحدة في نفسها وإنّما الجاهل بتأليف الكلام وأساليبه على مقتضى ملكة اللّسان إذا حاول العبارة عن مقصوده ولم يحسن بمثابة المقعد الّذي يروم النّهوض ولا يستطيعه لفقدان القدرة عليه. والله يعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون.

стр. 794

الفصل السابع والخمسون في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ وجودتها بجودة المحفوظ قد قدّمنا أنّه لا بدّ من كثرة الحفظ لمن يروم تعلّم اللّسان العربيّ وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلّته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ. فمن كان محفوظه من أشعار العرب الإسلاميّين شعر حبيب أو العتابيّ أو ابن المعتزّ أو ابن هانئ أو الشّريف الرّضيّ أو رسائل ابن المقفّع أو سهل ابن هارون أو ابن الزّيّات أو البديع أو الصّابيء تكون ملكته أجود وأعلى مقاما ورتبة في البلاغة ممّن يحفظ شعر ابن سهل من المتأخّرين أو ابن النّبيه أو ترسّل البيسانيّ أو العماد الأصبهانيّ لنزول طبقة هؤلاء عن أولئك يظهر ذلك للبصير النّاقد صاحب الذّوق. وعلى مقدار جودة المحفوظ أو المسموع تكون جودة الاستعمال من بعده ثمّ إجادة الملكة من بعدهما. فبارتقاء المحفوظ في طبقته من الكلام ترتقي الملكة الحاصلة لأنّ الطّبع إنّما ينسج على منوالها وتنمو قوى الملكة بتغذيتها. وذلك أنّ النّفس وإن كانت في جبلّتها واحدة بالنّوع فهي تختلف في البشر بالقوّة والضعف في الإدراكات. واختلافها إنّما هو باختلاف ما يرد عليها من الإدراكات والملكات والألوان الّتي تكيّفها من خارج. فبهذه يتمّ وجودها وتخرج من القوّة إلى الفعل صورتها والملكات الّتي تحصل لها إنّما تحصل على التّدريج كما قدّمناه. فالملكة الشّعريّة تنشأ بحفظ الشّعر وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع والتّرسيل، والعلميّة بمخالطة العلوم والإدراكات والأبحاث والأنظار، والفقهيّة بمخالطة الفقه وتنظير المسائل وتفريعها وتخريج الفروع على الأصول، والتّصوّفيّة الرّبّانيّة بالعبادات والأذكار وتعطيل الحواسّ الظّاهرة بالخلوة والانفراد عن الخلق ما استطاع حتّى تحصل له ملكة الرّجوع إلى حسّه الباطن وروحه وينقلب ربّانيّا وكذا سائرها. وللنّفس في كلّ واحد منها لون تتكيّف به

стр. 795

وعلى حسب ما نشأت الملكة عليه من جودة أو رداءة تكون تلك الملكة في نفسها فملكة البلاغة العالية الطّبقة في جنسها إنّما تحصل بحفظ العالي في طبقته من الكلام ولهذا كان الفقهاء وأهل العلوم كلّهم قاصرين في البلاغة وما ذلك إلّا لما يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلميّة والعبارات الفقهيّة الخارجة عن أسلوب البلاغة والنّازلة عن الطّبقة لأنّ العبارات عن القوانين والعلوم لا حظّ لها في البلاغة فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر وتلوّنت به النّفس جاءت الملكة النّاشئة عنه في غاية القصور وانحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم. وهكذا نجد شعر الفقهاء والنّحاة والمتكلّمين والنّظّار وغيرهم ممّن لم يمتلئ من حفظ النّقيّ الحرّ من كلام العرب. أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدّولة المرينيّة قال: ذكرت يوما صاحبنا أبا العبّاس بن شعيب كاتب السّلطان أبي الحسن وكان المقدّم في البصر باللّسان لعهده فأنشدته مطلع قصيدة ابن النّحويّ ولم أنسبها له وهو هذا: لم أدر حين وقفت بالأطلال ... ما الفرق بين جديدها والبالي فقال لي على البديهة: هذا شعر فقيه، فقلت له: ومن أين لك ذلك، فقال: من قوله ما الفرق؟ إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب كلام العرب، فقلت له: للَّه أبوك إنّه ابن النّحويّ. وأمّا الكتّاب والشعراء فليسوا كذلك لتخيّرهم في محفوظهم ومخالطتهم كلام العرب وأساليبهم في التّرسّل وانتقائهم لهم الجيّد من الكلام. ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر وكان الصّدر المقدّم في الشّعر والكتابة فقلت له: أجد استصعابا عليّ في نظم الشّعر متى رمته مع بصري به وحفظي للجيّد من الكلام من القرآن والحديث وفنون من كلام العرب وإن كان محفوظي قليلا. وإنّما أتيت والله أعلم بحقيقة الحال من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلميّة والقوانين التّألفيّة. فإنّي حفظت قصيدتي الشاطبيّ الكبرى والصّغرى في

стр. 796

القراءات في الرسم واستظهرتهما وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه والأصول وجمل الخونجيّ في المنطق وبعض كتاب التّسهيل وكثيرا من قوانين التّعليم في المجالس فامتلأ محفوظي من ذلك وخدش وجه الملكة الّتي استعددت [١] لها بالمحفوظ الجيّد من القرآن والحديث وكلام العرب تعاق القريحة عن بلوغها. فنظر إليّ ساعة معجبا [٢] ثمّ قال: للَّه أنت وهل يقول هذا إلّا مثلك؟ ويظهر لك من هذا الفصل وما تقرّر فيه سرّ آخر وهو إعطاء السّبب في أنّ كلام الإسلاميّين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهليّة في منثورهم ومنظومهم. فإنّا نجد شعر حسّان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيّب وغيلان ذي الرّمّة والأحوص وبشّار ثمّ كلام السّلف من العرب في الدّولة الأمويّة وصدرا من الدّولة العبّاسيّة في خطبهم وترسيلهم ومحاوراتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النّابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبدة وطرفة بن العبد ومن كلام الجاهليّة في منثورهم ومحاوراتهم والطّبع السّليم والذّوق الصّحيح شاهدان بذلك للنّاقد البصير بالبلاغة. والسّبب في ذلك أنّ هؤلاء الّذين أدركوا الإسلام سمعوا الطّبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللّذين عجز البشر عن الإتيان بمثليهما لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهليّة ممّن لم يسمع هذه الطّبقة ولا نشأ عليها فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة وأصفى رونقا من أولئك وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطّبقة. وتأمّل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذّوق والبصر بالبلاغة. ولقد سألت يوما شيخنا الشّريف أبا القاسم قاضي غرناطة لعهدنا وكان شيخ هذه الصّناعة أخذ بسبتة عن جماعة من مشيختها من

стр. 797

تلاميذ الشّلوبين واستبحر في علم اللّسان وجاء من وراء الغاية فيه فسألته يوما ما بال العرب الإسلاميّين أعلى طبقة في البلاغة من الجاهليّين؟ ولم يكن ليستنكر ذلك بذوقه فسكت طويلا ثمّ قال لي: والله ما أدري، فقلت: أعرض عليك شيئا ظهر لي في ذلك ولعلّه السّبب فيه. وذكرت له هذا الّذي كتبت فسكت معجبا ثمّ قال لي: يا فقيه هذا كلام من حقّه أن يكتب بالذّهب. وكان من بعدها يؤثر محلّي ويصيخ في مجالس التّعليم إلى قولي ويشهد لي بالنّباهة في العلوم، والله خلق الإنسان وعلّمه البيان. الفصل الثامن والخمسون في بيان المطبوع من الكلام والمصنوع وكيف جودة المصنوع أو قصوره اعلم أنّ الكلام الّذي هو العبارة والخطاب، إنّما سرّه وروحه في إفادة المعنى. وأمّا إذا كان مهملا فهو كالموات الّذي لا عبرة به. وكمال الإفادة هو البلاغة على ما عرفت من حدّها عند أهل البيان لأنّهم يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومعرفة الشّروط والأحكام الّتي بها تطابق التراكيب اللّفظيّة مقتضى الحال، هو فنّ البلاغة. وتلك الشّروط والأحكام للتراكيب في المطابقة استقريت من لغة العرب وصارت كالقوانين. فالتراكيب بوضعها تفيد الإسناد بين المسندين، بشروط وأحكام هي جلّ قوانين العربيّة. وأحوال هذه التراكيب من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وإضمار وإظهار، وتقييد وإطلاق وغيرها، يفيد الأحكام المكتنفة من خارج بالإسناد، وبالمتخاطبين حال التخاطب بشروط وأحكام هي قوانين لفنّ، يسمّونه علم المعاني من فنون

стр. 798

البلاغة. فتندرج قوانين العربيّة لذلك في قوانين علم المعاني لأنّ إفادتها الإسناد جزء من إفادتها للأحوال المكتنفة بالإسناد. وما قصّر من هذه التراكيب عن إفادة مقتضى الحال لخلل في قوانين الإعراب أو قوانين المعاني كان قاصرا عن المطابقة لمقتضى الحال، ولحق بالمهمل الّذي هو في عداد الموات. ثمّ يتبع هذه الإفادة لمقتضى الحال التفنن في انتقال التركيب بين المعاني بأصناف الدلالات، لأنّ التركيب يدلّ بالوضع على معنى، ثمّ ينتقل الذّهن إلى لازمه أو ملزومه أو شبهه، فيكون فيها مجازا: إمّا باستعارة أو كناية كما هو مقرّر في موضعه، ويحصل للفكر بذلك الانتقال لذّة كما تحصل في الإفادة وأشدّ. لأنّ في جميعها ظفر بالمدلول من دليله. والظّفر من أسباب اللّذّة كما علمت. ثمّ لهذه الانتقالات أيضا شروط وأحكام كالقوانين صيّروها صناعة، وسمّوها بالبيان. وهي شقيقة علم المعاني المفيد لمقتضى الحال، لأنّها راجعة إلى معاني التراكيب ومدلولاتها. وقوانين علم المعاني راجعة إلى أحوال التراكيب أنفسها من حيث الدلالة. واللّفظ والمعنى متلازمان متضايقان كما علمت. فإذا علم المعاني وعلم البيان هما جزء البلاغة، وبهما كمال الإفادة، فهو مقصّر عن البلاغة ويلتحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات العجم وأجدر به أن لا يكون عربيا، لأنّ العربيّ هو الّذي يطابق بإفادته مقتضى الحال. فالبلاغة على هذا هي أصل الكلام العربيّ وسجيّته وروحه وطبيعته. ثمّ اعلم أنّهم إذا قالوا: «الكلام المطبوع» فإنّهم يعنون به الكلام الّذي كملت طبيعته وسجيّته من إفادة مدلوله المقصود منه، لأنّه عبارة وخطاب، ليس المقصود منه النطق فقط. بل المتكلّم يقصد به أن يفيد سامعه ما في ضميره إفادة تامّة، ويدلّ به عليه دلالة وثيقة. ثمّ يتبع تراكيب الكلام في هذه السجيّة الّتي له بالأصالة ضروب من التحسين والتزيين، بعد كمال الإفادة وكأنّها تعطيها رونق الفصاحة من تنميق الأسجاع، والموازنة بين حمل الكلام وتقسيمه

стр. 799

بالأقسام المختلفة الأحكام والتورية باللّفظ المشترك عن الخفيّ من معانيه، والمطابقة بين المتضادّات، ليقع التجانس بين الألفاظ والمعاني، فيحصل للكلام رونق ولذّة في الأسماع وحلاوة وجمال كلّها زائدة على الإفادة. وهذه الصنعة موجودة في الكلام المعجز في مواضع متعدّدة مثل: «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ٩٢: ١- ٢» ، ومثل: «فَأَمَّا من أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ٩٢: ٥- ٦» ، إلى آخر التقسيم في الآية. وكذا: «فَأَمَّا من طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ٧٩: ٣٧- ٣٨» إلى آخر الآية. وكذا: «هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ١٨: ١٠٤» . وأمثاله كثير. وذلك بعد كمال الإفادة في أصل هذه التراكيب قبل وقوع هذا البديع فيها. وكذا وقع في كلام الجاهليّة منه، لكن عفوا من غير قصد ولا تعمّد. ويقال إنّه وقع في شعر زهير. وأمّا الإسلاميّون فوقع لهم عفوا وقصدا، وأتوا منه بالعجائب. وأوّل من أحكم طريقته حبيب بن أوس والبحتريّ ومسلم بن الوليد، فقد كانوا مولّعين بالصنعة، ويأتون منها بالعجب. وقيل انّ أوّل من ذهب إلى معاناتها بشّار بن برد وابن هرمة، وكانا آخر من يستشهد بشعره في اللّسان العربيّ. ثمّ اتّبعهما عمرو بن كلثوم والعتابي ومنصور النميريّ ومسلم بن الوليد وأبو نواس. وجاء على آثارهم حبيب والبحتريّ. ثمّ ظهر ابن المعتز فختم على البديع والصّناعة أجمع. ولنذكر مثالا من المطبوع الخالي من الصّناعة، مثل قول قيس بن ذريح: وأخرج من بين البيوت لعلّني ... أحدّث عنك النّفس في السرّ خاليا وقول كثيّر: وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت عما بيننا وتخلّت لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّها ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت

стр. 800

فتأمّل هذا المطبوع، الفقيد الصنعة، في إحكام تأليفه وثقافة تركيبه. فلو جاءت فيه الصنعة من بعد هذا الأصل زادته حسنا. وأمّا المصنوع فكثير من لدن بشّار، ثمّ حبيب وطبقتهما، ثمّ ابن المعتزّ خاتم الصنعة الّذي جرى المتأخّرون بعدهم في ميدانهم، ونسجوا على منوالهم. وقد تعدّدت أصناف هذه الصنعة عند أهلها، واختلفت اصطلاحاتهم في ألقابها. وكثير منهم يجعلها مندرجة في البلاغة على أنّها غير داخلة في الإفادة، وأنّها هي تعطي التحسين والرّونق. وأمّا المتقدّمون من أهل البديع، فهي عندهم خارجة عن البلاغة. ولذلك يذكرونها في الفنون الأدبيّة الّتي لا موضوع لها. وهو رأي ابن رشيق في كتاب العمدة له، وأدباء الأندلس. وذكروا في استعمال هذه الصنعة شروطا، منها أن تقع من غير تكلّف ولا اكتراث في ما يقصد منها. وأمّا العفو فلا كلام فيه لأنّها إذا برئت من التكلّف سلم الكلام من عيب الاستهجان، لأنّ تكلّفها ومعاناتها يصير إلى الغفلة عن التراكيب الأصليّة للكلام، فتخلّ بالإفادة من أصلها، وتذهب بالبلاغة رأسا. ولا يبقى في الكلام إلّا تلك التحسينات، وهذا هو الغالب اليوم على أهل العصر. وأصحاب الأذواق في البلاغة يسخرون من كلفهم بهذه الفنون، ويعدّون ذلك من القصور عن سواه. وسمعت شيخنا الأستاذ أبا البركات البلفيقيّ، وكان من أهل البصر في اللّسان والقريحة في ذوقه يقول: إنّ من أشهى ما تقترحه عليّ نفسي أن أشاهد في بعض الأيام من ينتحل فنون هذا البديع في نظمه أو نثره، وقد عوقب بأشدّ العقوبة، ونودي عليه، يحذّر بذلك تلميذه أن يتعاطوا هذه الصنعة، فيكلّفون بها، ويتناسون البلاغة. ثمّ من شروط استعمالها عندهم الإقلال منها وأن تكون في بيتين أو ثلاثة من القصيد، فتكفي في زينة الشعر ورونقه. والإكثار منها عيب، قاله ابن رشيق وغيره. وكان شيخنا أبو القاسم الشريف السّبتيّ منفق اللّسان العربيّ بالأندلس لوقته يقول: هذه الفنون البديعيّة إذا وقعت للشاعر أو للكاتب فيقبح أن يستكثر منها، لأنّها من

стр. 801

محسّنات الكلام ومزيّناته، فهي بمثابة الخيلان في الوجه يحسن بالواحد والاثنين منها، ويقبح بتعدادها. وعلى نسبة الكلام المنظوم هو الكلام المنثور في الجاهليّة والإسلام. كان أوّلا مرسلا معتبر الموازنة بين جمله وتراكيبه، شاهدة موازنته بفواصله، من غير التزام سجع ولا اكتراث بصنعة. حتّى نبغ إبراهيم بن هلال الصابي كاتب بني بويه، فتعاطى الصنعة والتّقفية وأتى بذلك بالعجب. وعاب النّاس عليه كلفه بذلك في المخاطبات السلطانيّة. وإنّما حمله عليه ما كان في ملوكه من العجمة والبعد عن صولة الخلافة المنفقة لسوق البلاغة. ثمّ انتشرت الصناعة بعده في منثور المتأخّرين ونسي عهد الترسيل وتشابهت السلطانيّات والإخوانيّات والعربيّات بالسوقيّات. واختلط المرعيّ بالهمل. وهذا كلّه يدلّك على أنّ الكلام المصنوع بالمعاناة والتكليف، قاصر عن الكلام المطبوع، لقلّة الاكتراث فيه بأصل البلاغة، والحاكم في ذلك الذّوق. والله خلقكم وعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون. الفصل التاسع والخمسون في ترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر اعلم أنّ الشّعر كان ديوانا للعرب فيه علومهم وأخبارهم وحكمهم. وكان رؤساء العرب منافسين [١] فيه وكانوا يقفون بسوق عكاظ لإنشاده وعرض كلّ واحد منهم ديباجته على فحول الشّأن وأهل البصر لتمييز حوله. حتّى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجّهم وبيت أبيهم إبراهيم كما فعل امرؤ القيس ابن حجر والنّابغة الذّبيانيّ وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شدّاد وطرفة بن العبد وعلقمة بن عبدة والأعشى وغيرهم من أصحاب المعلّقات السّبع [٢] . فإنّه إنّما كان يتوصّل إلى تعليق الشّعر بها من كان له قدرة

стр. 802

على ذلك بقومه وعصبيّته ومكانه في مضر على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلّقات. ثمّ انصرف العرب عن ذلك أوّل الإسلام بما شغلهم من أمر الدّين والنّبوة والوحي وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النّظم والنّثر زمانا. ثمّ استقرّ ذلك وأونس الرّشد من الملّة. ولم ينزل الوحي في تحريم الشّعر وحظره وسمعه النّبيّ ﷺ وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه. وكان لعمر بن أبي ربيعة كبير قريش لذلك العهد مقامات فيه عالية وطبقة مرتفعة وكان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عبّاس فيقف لاستماعه معجبا به. ثمّ جاء من بعد ذلك الملك الفحل والدّولة العزيزة وتقرّب إليهم العرب بأشعارهم يمتدحونهم بها. ويجيزهم الخلفاء بأعظم الجوائز على نسبة الجودة في أشعارهم ومكانهم من قومهم ويحرصون على استهداء أشعارهم يطّلعون منها على الآثار والأخبار واللّغة وشرف اللّسان. والعرب يطالبون ولدهم بحفظها. ولم يزل هذا الشّأن أيّام بني أميّة وصدرا من دولة بني العبّاس. وانظر ما نقله صاحب العقد في مسامرة الرّشيد للأصمعيّ في باب الشّعر والشّعراء تجد ما كان عليه الرّشيد من المعرفة بذلك والرّسوخ فيه والعناية بانتحاله والتّبصّر بجيّد الكلام ورديئه وكثرة محفوظه منه. ثمّ جاء خلق من بعدهم لم يكن اللّسان لسانهم من أجل العجمة وتقصيرها باللّسان وإنّما تعلّموه صناعة ثمّ مدحوا بأشعارهم أمراء العجم الّذين ليس اللّسان لهم طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الأغراض كما فعله حبيب والبحتريّ والمتنبّي وابن هانئ ومن بعدهم وهلمّ جرّا. فصار غرض الشّعر في الغالب إنّما هو الكذب [١] والاستجداء لذهاب المنافع الّتي كانت فيه للأوّلين كما ذكرناه آنفا. وأنف منه لذلك أهل الهمم والمراتب من المتأخّرين وتغيّر الحال وأصبح تعاطيه هجنة في الرّئاسة ومذمّة لأهل المناصب الكبيرة. والله مقلّب اللّيل والنّهار.

стр. 803

الفصل الستون في أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد اعلم أنّ الشّعر لا يختصّ باللّسان العربيّ فقط بل هو موجود في كلّ لغة سواء كانت عربيّة أو عجميّة وقد كان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك وذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أو ميروس الشّاعر وأثنى عليه. وكان في حمير أيضا شعراء متقدّمون. ولمّا فسد لسان مضر ولغتهم الّتي دوّنت مقاييسها وقوانين إعرابها وفسدت اللّغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة فكانت تحيل [١] العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة وفي كثير من الموضوعات اللّغويّة وبناء الكلمات. وكذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتّصاريف وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد. واختلفت هي في نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق فلأهل الشّرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره وتخالفهما أيضا لغة أهل الأندلس وأمصاره. ثمّ لمّا كان الشّعر موجودا بالطّبع في أهل كلّ لسان لأنّ الموازين على نسبة واحدة في أعداد المتحرّكات والسّواكن وتقابلها موجودة في طباع البشر فلم يهجر الشّعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الّذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه حسبما اشتهر بين أهل الخليقة. بل كلّ جيل وأهل كلّ لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله ورصف بنائه على مهيع كلامهم. فأمّا العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشّعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطوّلات مشتملة

стр. 804

على مذاهب الشّعر وأغراضه من النّسيب والمدح والرّثاء والهجاء ويستطردون في الخروج من فنّ إلى فنّ في الكلام. وربّما هجموا على المقصود لأوّل كلامهم وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشّاعر ثمّ بعد ذلك ينسبون. فأهل أمصار المغرب من العرب يسمّون هذه القصائد بالأصمعيّات نسبة إلى الأصمعيّ راوية العرب في أشعارهم. وأهل المشرق من العرب يسمّون هذا النّوع من الشّعر بالبدويّ والحورانيّ والقيسيّ. وربّما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصّناعة الموسيقيّة. ثمّ يغنّون به ويسمّون الغناء به باسم الحورانيّ نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشّام وهي من منازل العرب البادية ومساكنهم إلى هذا العهد. ولهم فنّ آخر كثير التّداول في نظمهم يجيئون به معصّبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثّلاثة في رويّه ويلتزمون القافية الرّابعة في كلّ بيت إلى آخر القصيدة شبيها بالمربّع والمخمّس الّذي أحدثه المتأخّرون من المولّدين. ولهؤلاء العرب في هذا الشّعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخّرون والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد وخصوصا علم اللّسان يستنكر صاحبها هذه الفنون الّتي لهم إذا سمعها ويمجّ نظمهم إذا أنشد ويعتقد أنّ ذوقه إنّما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها. وهذا إنّما أتى من فقدان الملكة في لغتهم فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره وإلّا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة إنّما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه سواء كان الرّفع دالّا على الفاعل والنّصب دالّا على المفعول أو بالعكس وإنّما يدلّ على ذلك قرائن الكلام كما هو في لغتهم هذه. فالدّلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة فإذا عرف اصطلاح في ملكة واشتهر صحّة الدّلالة وإذا طابقت تلك الدّلالة المقصود ومقتضى الحال صحّت البلاغة ولا عبرة بقوانين النّحاة في ذلك. وأساليب الشّعر وفنونه موجودة في أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب في أواخر الكلم فإنّ غالب كلماتهم موقوفة الآخر. ويتميّز

стр. 805

عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب. فمن أشعارهم على لسان الشّريف بن هاشم يبكي الجازية بنت سرحان، ويذكر ظعنها مع قومها إلى المغرب: قال الشريف ابن هاشم علي ... ترى كبدي حرّى شكت من زفيرها يغزّ للإعلام أين ما رأت خاطري ... يردّ غلام البدو يلوي عصيرها وماذا شكاة الروح مما طرا لها ... عداة وزائغ تلف الله خبيرها يحسّ إن قطاع عامر ضميرها ... طوى وهند جافي ذكيرها وعادت كما خوارة في يد غاسل ... على مثل شوك الطلح عقدوا يسيرها تجابذوها اثنين والنزع بينهم ... على شوك لعه والبقايا جريرها وباتت دموع العين ذارفات لشأنها ... شبيه دوّار السواني يديرها تدارك منها النجم حذرا وزادها ... مرون يجي متراكبا من صبيرها يصبّ من القيعان من جانب الصّفا ... عيون ولجاز البرق في غزيرها هذا الغنى حتى تسابيت غزوة ... ناضت من بغداد حتى فقيرها ونادى المنادي بالرحيل وشدّوا ... وعرج عاريها على مستعيرها وشدّ لها الأدهم دياب بن غانم ... على أيدين ماضي وليد مقرب ميرها وقال لهم حسن بن سرحان غرّبوا ... وسوقوا النجوع إن كان أنا هو غفيرها ويركض وبيده شهامه بالتسامح ... وباليمين لا يجدوا في مغيرها غدرني زيان السيح من عابس ... وما كان يرضى زين حمير وميرها غدرني وهو زعما صديقي وصاحبي ... وأناليه ما من درقتي ما يديرها ورجع يقول لهم بلال بن هاشم ... بحر البلاد العطشى ما بخيرها حرام علي باب بغداد وأرضها ... داخل ولا عائد ركيزه من نعيرها تصدف روحي عن بلاد ابن هاشم ... على الشمس أو حول الغظامن هجيرها

стр. 806

وباتت نيران العذارى قوادح ... بلوذ وبجرجان يشدوا أسيرها ومن قولهم في رثاء أمير زناتة أبي سعدى اليفرني مقارعهم بإفريقية وأرض الزاب ورثاؤهم له على جهة التهكّم: تقول فتاة الحيّ [١] سعدى وهاضها ... لها في ظعون الباكرين عويل أيا سائلي عن قبر الزناتي خليفة ... خذ النعت مني لا تكون هبيل تراه يعالي وادي ران وفوقه ... من الربط عيساوي بناه طويل أراه يميل النور من شارع النقا ... به الواد شرقا واليراع دليل أيا لهف كبدي على الزناتي خليفة ... قد كان لأعقاب الجياد سليل قتيل فتى الهيجا دياب بن غانم ... جراحة كأفواه المزاد تسيل أيا جائزا مات الزناتي خليفة ... لا ترحل إلا أن يريد رحيل ألا واش رحّلنا ثلاثين مرة ... وعشرا وستا في النهار قليل ومن قولهم على لسان الشّريف بن هاشم يذكر عتابا وقع بينه وبين ماضي بن مقرب: تبدّى ماضي الجبار وقال لي ... أشكر ما نحنا عليك رضاش أشكر أعد ما بقي ودّ بيننا ... ورانا عريب عربا لابسين نماش نحن غدينا نصدفو ما قضى لنا ... كما صادفت طعم الزباد طشاش أشكر أعد إلى يزيد ملامه ... ليحدو ومن عمر بلاده عاش ان كان نبت الشوك يلقح بأرضكم ... هنا العرب ما زدنا لهن صياش ومن قولهم في ذكر رحلتهم إلى الغرب وغلبهم زناتة عليه: وأيّ جميل ضاع لي في الشريف بن هاشم ... وأي رجال ضاع قبلي جميلها

стр. 807

لقد كنت أنا وياه في زهو بيتنا ... عناني بحجة ما غباني دليلها وعدت كأني شارب من مدامة ... من الخمر فهو ما قدر من يميلها أو مثل شمطامات مظنون كبدها ... غريبا وهي مدوّخه عن قبيلها أتاها زمان السوء حتى تدوّحت ... وهي بين عربا غافلا عن نزيلها كذلك أنا مما لحاني من الوجى ... شاكي بكبد باديتها زعيلها وأمرت قومي بالرحيل وبكّروا ... وقوّوا وشدّاد الحوايا حميلها قعدنا سبعة أيام محبوس نجعنا ... والبدو ما ترفع عمود يقيلها نظلّ على حداب الثنايا نوازي ... يظل الجرى فوق النضا ونصيلها ومن شعر سلطان بن مظفّر بن يحيى من الزواودة [١] أحد بطون رياح وأهل الرئاسة فيهم، يقولها وهو معتقل بالمهديّة في سجن الأمير أبي زكريّا بن أبي حفص أوّل ملوك إفريقية من الموحّدين: يقول وفي بوح الدجا بعد وهنة ... حرام على أجفان عيني منامها يا من لقلب حالف الوجد والأسى ... وروح هيامي طال ما في سقامها حجازية بدوية عربية ... عداوية ولها بعيد مرامها مولعة بالبدو لا تألف القرى ... سوى عانك الوعسا يؤتي خيامها غيات ومشتاها بها كل شتوة ... ممحونة بيها وبيها صحيح غرامها ومر باها عشب الأراضي من الحيا ... يواتي من الخور الخلايا جسامها تشوق شوق العين مما تداركت ... عليها من السحب السواري عمامها وماذا بكت بالما وماذا تناحطت ... عيون غرار المزن عذبا حمامها كأنّ عروس البكر لاحت ثيابها ... عليها ومن نور الأقاحي خزامها فلاة ودهنا واتساع ومنة ... ومرعى سوى ما في مراعي نعامها ومشروبها من مخض ألبان شولها ... غنيم ومن لحم الجوازي طعامها

стр. 808

تفانت عن الأبواب والموقف الّذي ... يشيب الفتى مما يقاسي زحامها سقى الله ذا الوادي المشجر بالحيا ... وبلا ويحيى ما بلي من رمامها فكافأتها بالودّ مني وليتني ... ظفرت بأيام مضت في ركامها ليالي أقواس الصبا في سواعدي ... إذا قمت لم تحظ من أيدي سهامها وفرسي عديد تحت سرجي مشاقة ... زمان الصبا سرجا وبيدي لجامها وكم من رداح أسهرتني ولم أرى ... من الخلق أبهى من نظام ابتسامها وكم غيرها من كاعب مرجحنة ... مطرّزة الأجفان باهي وشامها وصفقت من وجدي عليها طريجة ... بكفي ولم ينسى جداها ذمامها ونار بخطب الوجد توهج في الحشا ... وتوهج لا يطفأ من الماء ضرامها أيا من وعدتي الوعد هذا إلى متى ... فني العمر في دار عماني ظلامها ولكن رأيت الشمس تكسف ساعة ... ويغمى عليها ثم يبدأ غيامها بنود ورايات من السعد أقبلت ... إلينا بعون الله يهفو علامها أرى في الفلا بالعين أظعان عزوتي ... ورمحي على كتفي وسيري أمامها بجرعا عتاق النوق من فوق شامس ... أحب بلاد الله عندي حشامها إلى منزل بالجعفرية للّوى ... مقيم بها ما لذ عندي مقامها ونلقى سراة من هلال بن عامر ... يزيل الصدا والغل عني سلامها بهم تضرب الأمثال شرقا ومغربا ... إذا قاتلوا قوما سريع انهزامها عليهم ومن هو في حمامهم تحية ... مدى الدهر ما غنى يفينا حمامها فدع ذا ولا تأسف على سالف مضى ... فذي الدنيا ما دامت لأحد دوامها ومن أشعار المتأخّرين منهم قول خالد بن حمزة بن عمر، شيخ الكعوب، من أولاد أبي اللّيل، يعاتب أقتالهم أولاد مهلهل ويجيب شاعرهم شبل بن مسكيانة بن مهلهل، عن أبيات فخر عليهم فيها بقومه: يقول وذا قول المصاب الّذي نشا ... قوارع قيعان يعاني صعابها

стр. 809

يريح بها حادي المصاب إذا سعى فنونا من إنشاد القوافي عذابها محيرة مختارة من نشادها تحدّى بها تام الوشا ملتهابها مغربلة عن ناقد في غضونها محكمة القيعان دأبي ودأبها وهيض بتذكاري لها يا ذوي الندى قوارع من شبل وهذي جوابها اشبل جنينا من حباك طرائفا فراح يريح الموجعين الغنا بها فخرت ولم تقصر ولا أنت عادم سوى قلت في جمهورها ما أعابها لقولك في أمّ المتين بن حمزة وحامي حماها عاديا في حرابها أما تعلم أنه قامها بعد ما لقي رصاص بني يحيى وغلاق دأبها شهابا من أهل الأمر يا شبل خارق وهل ريت من جا للوغى واصطلى بها سواها طفاها أضرمت بعد طفيه وأثنى طفاها جاسرا لا يهابها وأضرمت بعد الطفيتين ألن صحت لفاس إلى بيت المنى يقتدى بها وبان لوالي الأمر في ذا انشحابها فصار وهي عن كبر الاسنة تهابها كما كان هو يطلب على ذا تجنبت رجال بني كعب الّذي يتقى بها ومنها في العتاب: وليدا تعاتبتوا أنا أغنى لأنني ... غنيت بمعلاق الثنا واغتصابها عليّ ونا ندفع بها كل مبضع ... بأسياف ننتاش العدا من رقابها فإن كانت الأملاك بغت عرائس ... علينا بأطراف القنا اختضابها ولا بعدها الارهاف وذبل ... وزرق كالسنة الحناش انسلابها بني عمنا ما نرتضي الذل غلمه ... تسير السبايا والمطايا ركابها وهي عالما بأنّ المنايا تنيلها ... بلا شك والدنيا سريع انقلابها ومنها في وصف الظعائن: قطعنا قطوع البيد لا نختشي العدا ... فتوق بحوبات مخوف جنابها

стр. 810

ترى العين فيها قل لشبل عرائف ... وكلّ مهاة محتظيها ربابها ترى أهلها غبّ الصباح ان يفلها ... بكل حلوب الجوف ما سدّ بابها لها كل يوم في الأرامي قتائل ... ورا الفاجر الممزوج عفو رضابها ومن قولهم في الأمثال الحكميّة وطلبك في الممنوع منك سفاهة ... وصدّك عمن صدّ عنك صواب إذا رأيت أناسا يغلقوا عنك بابهم ... ظهور المطايا يفتح الله باب ومن قول شبل يذكر انتساب الكعوب إلى برجم: لشيب وشبان من أولاد برجم ... جميع البرايا تشتكي من ضهادها ومن قول خالد يعاتب إخوانه في موالاة شيخ الموحّدين أبي محمّد بن تافراكين المستبدّ بحجابة السلطان بتونس على سلطانها مكفولة أبي إسحاق ابن السلطان أبي يحيى وذلك فيما قرب من عصرنا: يقول بلا جهل فتى الجود خالد ... مقالة قوّال وقال صواب مقالة حبر ذات ذهن ولم يكن ... هريجا ولا فيما يقول ذهاب تهجست معنا نابها لا لحاجة ... ولا هرج ينقاد منه معاب وكنت بها كبدي وهي نعم صابة ... حزينة فكر والحزين يصاب تفوّهت بادي شرحها عن مآرب ... جرت من رجال في القبيل قراب بني كعب أدنى الأقربين لدّمنا ... بني عمّ منهم شائب وشباب جرى عند فتح الوطن منا لبعضهم ... مصافاة ودّ واتّساع جناب وبعضهم ملنا له عن خصيمه ... كما يعلموا قولي يقينه صواب وبعضهمو مرهوب من بعض ملكنا ... جزاعا وفي جوّ الضمير كتاب وبعضهمو جانا جريحا تسمحت ... خواطر منها للنزيل وهاب
следующие страницы →